← Тафсир

Тафсир · id 9776

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Полный текст (11 044 стр.). Показаны 8016–8055 · переход к 8021.

стр. 8016

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادِفًا لِلِذُّكْرِ بِضَمِّ الذَّالِ وَهُوَ التَّذَكُّرُ الْفِكْرِيُّ وَمُرَاعَاةُ وَصَايَا الدِّينِ. والدَّارِ: الدَّارُ الْآخِرَةُ. وَعُطِفَ عَلَيْهِ: إِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ لِأَنَّهُ مِمَّا يَبْعَثُ عَلَى ذِكْرِهِمْ بِأَنَّهُمُ اصْطَفَاهُمُ اللَّهُ مِنْ بَيْنِ خَلْقِهِ فَقَرَّبَهُمْ إِلَيْهِ وَجَعَلَهُمْ أَخْيَارًا. والْأَخْيارِ: جَمْعُ خَيِّرٍ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ، أَوْ جَمْعُ خَيْرٍ بِتَخْفِيفِهَا مِثْلُ الْأَمْوَاتِ جَمْعًا لِمَيِّتٍ وَمَيْتٍ، وَكِلْتَا الصِّيغَتَيْنِ تَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ الْوَصْفِ فِي الْمَوْصُوف. [٤٨] [سُورَة ص (٣٨) : آيَة ٤٨] وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (٤٨) فُصِلَ ذِكْرُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَدِّهِ مَعَ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ وَأَخِيهِ إِسْحَاقَ لِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ كَانَ جِدُّ الْأُمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ، أَيْ مُعْظَمِهَا فَإِنَّهُ أَبُو الْعَدْنَانِيِّينَ. وَجَدٌّ لِلْأُمِّ لِمُعْظَمِ الْقَحْطَانِيِّينَ لِأَنَّ زَوْجَ إِسْمَاعِيلَ جُرْهُمِيَّةٌ فَلِذَلِكَ قُطِعَ عَنْ عَطْفِهِ عَلَى ذِكْرِ إِبْرَاهِيمَ وَعَادَ الْكَلَامُ إِلَيْهِ هُنَا. وَأَمَّا قَرْنُهُ ذِكْرَهُ بِذِكْرِ الْيَسَعَ وَذِي الْكِفْلِ بِعَطْفِ اسْمَيْهِمَا عَلَى اسْمِهِ فَوَجْهُهُ دَقِيقٌ فِي الْبَلَاغَةِ وَلَيْسَ يَكْفِي فِي تَوْجِيهِهِ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ، لِأَنَّ التَّمَاثُلَ فِي الخيريّة والاصطفاء ثَابِتٌ لِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، فَلَا يَكُونُ ذِكْرُهُمَا بَعْدَ ذِكْرِ إِسْمَاعِيلَ أَوْلَى مِنْ ذِكْرِ غَيْرِهِمَا مِنْ ذَوِي الْخَيْرِيَّةِ الَّذِينَ شَمِلَهُمْ لَفْظُ الْأَخْيَارِ وَالِاصْطِفَاءِ، فَإِنَّ شَرْطَ قَبُولِ الْعَطْفِ بِالْوَاوِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ جَامِعٌ عَقْلِيٌّ أَوْ وَهْمِيٌّ أَوْ خَيَالِيٌّ كَمَا قَالَ فِي «الْمِفْتَاحِ» ، قَالَ وَمِنْ هُنَا عَابُوا أَبَا تَمَّامٍ فِي قَوْلِهِ: لَا وَالَّذِي هُوَ عَالِمٌ أَنَّ النَّوَى ... صَبْرٌ وَأَنَّ أَبَا الْحُسَيْنِ كَرِيمُ (١) حَيْثُ جَمَعَ بَيْنَ مرَارَة النَّوَى وكرم أَبِي الْحُسَيْنِ وَإِنْ كَانَا مقترنين فِي تعلق عِلْمِ اللَّهِ بِهِمَا وَذَلِكَ مُسَاوٍ لِاقْتِرَانِ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذِي الْكِفْلِ فِي أَنَّهُمْ مِنَ الْأَخْيَارِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ.

стр. 8017

فَبِنَا أَنْ نَطْلُبَ الدَّقِيقَةَ الَّتِي حَسَّنَتْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَطْفَ الْيَسَعَ وَذِي الْكِفْلِ عَلَى إِسْمَاعِيلَ. فَأَمَّا عَطْفُ الْيَسَعَ عَلَى إِسْمَاعِيلَ فَلِأَنَّ الْيَسَعَ كَانَ مَقَامُهُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمَقَامِ إِسْمَاعِيلَ فِي بَنِي إِبْرَاهِيمَ لِأَنَّ الْيَسَعَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الِابْنِ لِلِرَّسُولِ إِلْيَاسَ (إِيلِيَا) وَكَانَ إِلْيَاْسُ يدافع مُلُوك يهوذا وملوك إِسْرَائِيلَ عَنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَكَانَ الْيَسَعُ فِي إِعَانَتِهِ كَمَا كَانَ إِسْمَاعِيلُ فِي إِعَانَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ إِلْيَاْسُ لَمَّا رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ قَامَ الْيَسَعُ مَقَامَهُ كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي سِفْرِ «الْمُلُوكِ الثَّانِي» الْأَصْحَاحِ (١- ٢) . وَأَمَّا عَطْفُ ذِي الْكِفْلِ عَلَى إِسْمَاعِيلَ فَلِأَنَّهُ مُمَاثِلٌ لِإِسْمَاعِيلَ فِي صِفَةِ الصَّبْرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ [٨٥] وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ الْيَسَعَ بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَبِلَامٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ مِنْ أَصْلِ الِاسْمِ فِي اللُّغَةِ الْعَبْرَانِيَّةِ فَعَرَّبَتْهُ الْعَرَبُ بِاللَّامِ وَلَيْسَتْ لَامَ التَّعْرِيفِ، فَدَعْ عَنْكَ مَا أَطَالُوا بِهِ. وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَبِلَامَيْنِ وَتَشْدِيدِ الثَّانِيَةِ وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى أَصْلِهِ الْعَبْرَانِيِّ وَهُوَ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَالْهَمْزَةُ وَاللَّامُ، أَوْ وَاللَّامَانِ أَصْلِيَّةُ. وَتَنْوِينُ كُلٌّ فِي قَوْلِهِ: وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ عِوَضٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، أَيْ وَكُلُّ أُولَئِكَ الثَّلَاثَةِ مِنَ الْأَخْيَارِ. وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الْيَسَعَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَذِكْرُ ذِي الْكِفْلِ فِي سُورَة الْأَنْبِيَاء. [٤٩- ٥٢] [سُورَة ص (٣٨) : الْآيَات ٤٩ إِلَى ٥٢] هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (٥٢) هَذَا ذِكْرٌ جُمْلَةٌ فَصَلَتِ الْكَلَامَ السَّابِقَ عَنِ الْكَلَامِ الْآتِيَ بَعْدَهَا قَصْدًا لِانْتِقَالِ الْكَلَامِ مِنْ غَرَضٍ إِلَى غَرَضٍ مِثْلُ جُمْلَةِ: أَمَّا بَعْدُ فَكَذَا وَمِثْلُ اسْمِ الْإِشَارَةِ الْمُجَرَّدِ نَحْوَ هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ [ص: ٥٥] ، وَقَوْلِهِ: ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ [الْحَج: ٣٠] ، وذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ، فِي سُورَةِ الْحَجِّ [٣٢] . قَالَ فِي «الْكَشَّافِ» : وَهُوَ كَمَا يَقُولُ الْكَاتِبُ إِذَا فَرَغَ مِنْ فَصْلٍ مِنْ كِتَابِهِ وَأَرَادَ الشُّرُوعَ فِي آخَرَ: هَذَا

стр. 8018

وَقَدْ كَانَ كَيْتَ وَكَيْتَ اه. وَهَذَا الْأُسْلُوبُ مِنَ الِانْتِقَالِ هُوَ الْمُسَمَّى فِي عُرْفِ عُلَمَاءِ الْأَدَبِ بِالِاقْتِضَابِ وَهُوَ طَرِيقَةُ الْعَرَبِ وَمَنْ يَلِيهِمْ مِنَ الْمُخَضْرَمِينَ، وَلَهُمْ فِي مِثْلِهِ طَرِيقَتَانِ: أَنْ يَذْكُرُوا الْخَبَرَ كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَقَوْلِ الْمُؤَلِّفِينَ: هَذَا بَابُ كَذَا، وَأَنْ يَحْذِفُوا الْخَبَرَ لِدَلَالَةِ الْإِشَارَةِ عَلَى الْمَقْصُودِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ [الْحَج: ٣٠] ، أَيْ ذَلِك شَأْن الَّذِي عَمِلُوا بِمَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ وَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى ذَبَائِحِهِمْ وَلَمْ يَذْكُرُوا أَسْمَاءَ الْأَصْنَامِ، وَقَوْلِهِ: ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ، أَيْ ذَلِكَ مَثَلُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا بِاللَّهِ، وَقَولِهِ بَعْدَ آيَاتٍ هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ [ص: ٥٥] أَيْ هَذَا مَآبُ الْمُتَّقِينَ، وَمِنْهُ قَولُ الْكَاتِبِ: هَذَا وَقَدْ كَانَ كَيْتَ وَكَيْتَ، وَإِنَّمَا صُرِّحَ بِالْخَبَرِ فِي قَوْلِهِ: هَذَا ذِكْرٌ لِلِاهْتِمَامِ بِتَعْيِينِ الْخَبَرِ، وَأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْمُشَارِ إِلَيْهِ التَّذَكُّرُ وَالِاقْتِدَاءُ فَلَا يَأْخُذُ السَّامِعُ اسْمَ الْإِشَارَةِ مَأْخَذَ الْفَصْلِ الْمُجَرَّدِ وَالِانْتِقَالِ الِاقْتِضَابِيِّ، مَعَ إِرَادَةِ التَّوْجِيهِ بِلَفْظِ ذِكْرٌ بِتَحْمِيلِهِ مَعْنَى حُسْنِ السمعة، أَي هَذَا ذِكْرٌ لِأُولَئِكَ الْمُسَمَّيْنَ فِي الْآخَرِينَ مَعَ أَنَّهُ تَذْكِرَةٌ لِلْمُقْتَدِينَ عَلَى نَحْوِ الْمَعْنَيَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ فِي سُورَة الدُّخان [الزُّخْرُفِ: ٤٤] . وَمِنْ هُنَا احْتُمِلَ أَنْ تكون الْإِشَارَة ب هَذَا إِلَى الْقُرْآنِ، أَيِ الْقُرْآنُ ذِكْرٌ، فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا لِلِتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الْقُرْآنِ رَاجِعًا إِلَى غَرَضِ قَوْلِهِ تَعَالَى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [ص: ٢٩] . وَالْوَاوُ فِي وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ إِلَخْ، يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلْعَطْفِ الذِّكْرِيِّ، أَيْ انْتَهَى الْكَلَامُ السَّابِقُ بِقَوْلِنَا هَذَا وَنَعْطِفُ عَلَيْهِ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ إِلَخْ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ وَاوَ الْحَالِ. وَتقدم معنى لَحُسْنَ مَآبٍ. وَاللَّامُ فِي لِلْمُتَّقِينَ لَامُ الِاخْتِصَاصِ، أَيْ لَهُمْ حُسْنُ مَآبٍ يَوْمَ الْجَزَاءِ. وَانْتَصَبَ جَنَّاتِ عَدْنٍ عَلَى الْبَيَان من لَحُسْنَ مَآبٍ. وَالْعَدْنُ: الْخُلُودُ. ومُفَتَّحَةً حَالٌ مِنْ جَنَّاتِ عَدْنٍ، وَالْعَامِلُ فِي الْحَالِ مَا فِي لِلْمُتَّقِينَ مِنْ مَعْنَى الْفِعْلِ وَهُوَ الِاسْتِقْرَارُ فَيَكُونُ (الْ) فِي الْأَبْوابُ عِوَضًا عَنِ الضَّمِيرِ.

стр. 8019

وَالتَّقْدِيرُ: أَبْوَابُهَا، عَلَى رَأْيِ نُحَاةِ الْكُوفَةِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ فَ الْأَبْوابُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي مُفَتَّحَةً عَلَى أَنَّهُ بَدَلُ اشْتِمَالٍ أَوْ بَعْضٍ وَالرَّابِطُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُبْدَلِ مِنْهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الْأَبْوَابُ مِنْهَا. وَتَفْتِيحُ الْأَبْوَابِ كِنَايَةٌ عَنِ التَّمْكِينِ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِنَعِيمِهَا لِأَنَّ تَفْتِيحَ الْأَبْوَابِ يَسْتَلْزِمُ الْإِذْنَ بِالدُّخُولِ وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ التَّخْلِيَةَ بَيْنَ الدَّاخِلِ وَبَيْنَ الِانْتِفَاعِ بِمَا وَرَاءَ الْأَبْوَابِ. وَقَوْلُهُ مُتَّكِئِينَ فِيها تَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِنْهُ فِي سُورَةِ يس. ويَدْعُونَ: يَأْمُرُونَ بِأَنْ يُجْلَبَ لَهُمْ، يُقَالُ: دَعَا بِكَذَا، أَيْ سَأَلَ أَنْ يُحْضَرَ لَهُ. وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِمْ: دَعَا بِكَذَا، لِلْمُصَاحَبَةِ، وَالتَّقْدِيرُ: دَعَا مَدْعُوًّا يُصَاحِبُهُ كَذَا، قَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: وَدَعَوْا بِالصَّبُوحِ يَوْمًا فَجَاءَتْ ... قَيْنَةً فِي يَمِينِهَا إِبْرِيقُ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ يس [٥٧] لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ. وَانْتَصَبَ مُتَّكِئِينَ عَلَى الْحَالِ مِنَ «الْمُتَّقِينَ» وَهِيَ حَالٌ مُقَدَّرَةٌ. وَجُمْلَةُ يَدْعُونَ حَالٌ ثَانِيَةٌ مُقَدَّرَةٌ أَيْضًا. وَالشَّرَابُ: اسْمٌ لِلْمَشْرُوبِ، وَغَلَبَ إِطْلَاقُهُ عَلَى الْخَمْرِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَامِ ذِكْرٌ لِلْمَاءِ كَقَوْلِهِ آنِفًا هَذَا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ [ص: ٤٢] . وَتَنْوِينُ شَرابٍ هُنَا لِلِتَّعْظِيمِ، أَيْ شَرَابٌ نَفِيسٌ فِي جِنْسِهِ، كَقَوْلِ أَبي خِرَاشٍ الْهُذَلِيِّ: لَقَدْ وَقَعْتُ عَلَى لَحْمٍ وعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ: عِنْدَ ظَرْفُ مَكَانٍ قَرِيبٍ وقاصِراتُ الطَّرْفِ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ نِسَاءٌ قَاصِرَاتُ النَّظَرِ. وَتَعْرِيفُ الطَّرْفِ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ الصَّادِقِ بِالْكَثِيرِ، أَيْ قَاصِرَاتُ الْأَطْرَافِ. والطَّرْفِ: النَّظَرُ بِالْعَيْنِ، وَقَصْرُ الطَّرْفِ تَوْجِيهَهٌ إِلَى مَنْظُورٍ غَيْرِ مُتَعَدِّدٍ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: أَنَّهُنَ قَاصِرَاتٌ أَطْرَافَهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ. فَالْأَطْرَافُ الْمَقْصُورَةُ أَطْرَافُهُنَّ. وَإِسْنَادُ قاصِراتُ إِلَى ضميرهن إِسْنَادٌ حَقِيقِيٌّ، أَيْ لَا يُوَجِّهْنَ أَنْظَارَهُنَّ

стр. 8020

إِلَى غَيْرِهِمْ وَذَلِكَ كِنَايَة عَن قصر مَحَبَّتِهِنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: أَنَّهُنَّ يَقْصُرْنَ أَطْرَافَ أَزْوَاجِهِنَّ عَلَيْهِنَّ فَلَا تَتَوَجَّهُ أَنْظَارُ أَزْوَاجِهِنَّ إِلَى غَيْرِهِنَّ اكْتِفَاءً مِنْهُمْ بِحُسْنِهِنَّ وَذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنْ تَمَامِ حُسْنِهِنَّ فِي أَنْظَارِ أَزْوَاجِهِنَّ بِحَيْثُ لَا يَتَعَلَّقُ اسْتِحْسَانُهُمْ بِغَيْرِهِنَّ، فَالْأَطْرَافُ الْمَقْصُورَةُ أَطْرَافُ أَزْوَاجِهِنَّ، وَإِسْنَادُ قاصِراتُ إِلَيْهِنَّ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ إِذْ كَانَ حُسْنُهُنَّ سَبَبُ قَصْرِ أَطْرَافِ الْأَزْوَاجِ فَإِنَّهُنَّ ملابسات سَبَب سَبَبَ الْقَصْرِ. وأَتْرابٌ: جَمْعُ تِرْبٍ بِكَسْرِ التَّاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَهُوَ اسْمٌ لِمَنْ كَانَ عُمْرُهُ مُسَاوِيًا عُمَرُ مَنْ يُضَافُ إِلَيْهِ، تَقُولُ: هُوَ تِرْبُ فُلَانٍ، وَهِيَ تِرْبُ فُلَانَةٍ، وَلَا تَلْحَقُ لَفْظَ تَرْبٍ عَلَامَةُ تَأْنِيثٍ. وَالْمُرَادُ: أَنَّهُنَّ أَتْرَابٌ بَعْضَهُنَّ لِبَعْضٍ، وَأَنَّهُنَّ أَتْرَابٌ لِأَزْوَاجِهِنَّ لِأَنَّ التَّحَابَّ بَيْنَ الْأَقْرَانِ أَمْكَنُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَتْرابٌ وَصْفٌ قَائِمٌ بِجَمِيعِ نِسَاءِ الْجَنَّةِ مِنْ مَخْلُوقَاتِ الْجَنَّةِ وَمِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي كُنَّ أَزْوَاجًا فِي الدُّنْيَا لِأَصْحَابِ الْجَنَّةِ، فَلَا يَكُونُ بَعْضُهُنَّ أَحْسَنَ شَبَابًا مِنْ بَعْضٍ فَلَا يَلْحَقُ بَعْضَ أَهْلِ الْجَنَّةِ غَضٌّ إِذَا كَانَتْ نِسَاءُ غَيْرِهِ أَجَدُّ شَبَابًا، وَلِئَلَّا تَتَفَاوَتَ نِسَاءُ الْوَاحِدِ مِنَ الْمُتَّقِينَ فِي شَرْخِ الشَّبَابِ، فَيَكُونُ النَّعِيمُ بِالْأَقَلِّ شَبَابًا دُونَ النَّعِيمِ بِالْأَجَدِّ مِنْهُنَّ. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ فِي سُورَة الصافات [٤٨] . [٥٣] [سُورَة ص (٣٨) : آيَة ٥٣] هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (٥٣) اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَلَامًا قِيلَ لِلْمُتَّقِينَ وَقْتَ نُزُولِ الْآيَةِ فَهُوَ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩] . وَالْإِشَارَةُ إِذَنْ إِلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنْ قَوْلِهِ: لَحُسْنَ مَآبٍ فَاسْمُ الْإِشَارَةِ هُنَا مُغَايِرٌ لِاسْتِعْمَالِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي قَوْلِهِ: هَذَا ذِكْرٌ [ص: ٤٩] . وَجِيءَ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ الْقَرِيبِ تَنْزِيلًا للمشار إِلَيْهِ مَنْزِلَةُ الْمُشَارِ إِلَيْهِ الْحَاضِرِ إِيمَاءً إِلَى أَنَّهُ مُحَقَّقٌ وُقُوعُهُ تَبْشِيرًا لِلْمُتَّقِينَ. وَالتَّعْبِيرُ بِالْمُضَارِعِ فِي قَوْلِهِ: تُوعَدُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ.

стр. 8021

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَلَامًا يُقَالُ لِلْمُتَّقِينَ فِي الْجَنَّةِ فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ هُوَ فِي مَحَلِّ حَالٍ ثَانِيَةٍ مِنَ «الْمُتَّقِينَ» . وَالتَّقْدِيرُ: مَقُولًا لَهُمْ: هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ. وَالْقَوْلُ: إِمَّا مِنَ الْمَلَائِكَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النَّحْل: ٣٢] ، وَإِمَّا مِنْ جَانِبِ اللَّهِ تَعَالَى نَظِيرُ قَوْلِهِ لِضِدِّهِمْ: وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ [آل عمرَان: ١٨١] . وَالْإِشَارَةُ إِذَنْ إِلَى مَا هُوَ مُشَاهَدٌ عِنْدَهُمْ مِنَ النَّعِيمِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: تُوعَدُونَ بِتَاءِ الْخِطَابِ فَهُوَ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ الْتِفَاتٌ مِنَ الْغِيبَةِ إِلَى الْخِطَابِ لِتَشْرِيفِ الْمُتَّقِينَ بِعِزِّ الْحُضُورِ لِخِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي الْخِطَابُ لَهُمْ عَلَى ظَاهِرِهِ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ «يُوعَدُونَ» بِيَاءِ الْغَيْبَةِ فَهُوَ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ الْتِفَاتٌ عَنْ تَوْجِيهِ الْخِطَابِ إِلَيْهِمْ إِلَى تَوْجِيهِهِ لِلِطَّاغِينَ لِزِيَادَةِ التَّنْكِيلِ عَلَيْهِمْ. وَالْإِشَارَةُ إِلَى الْمَذْكُورِ من «حسن المئاب» ، وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي كَذَلِكَ وُجِّهَ الْكَلَامُ إِلَى أَهْلِ الْمَحْشَرِ لِتَنْدِيمِ الطَّاغِينَ وَإِدْخَالِ الْحَسْرَةِ وَالْغَمِّ عَلَيْهِمْ. وَالْإِشَارَةُ إِلَى النَّعِيمِ الْمُشَاهَدِ. وَاللَّامُ فِي لِيَوْمِ الْحِسابِ لَامُ الْعِلَّةِ، أَيْ وُعِدْتُمُوهُ لِأَجْلِ يَوْمِ الْحِسَابِ. وَالْمَعْنَى لِأَجْلِ الْجَزَاءِ يَوْمَ الْحِسَابِ، فَلَمَّا كَانَ الْحِسَابُ مُؤْذِنًا بِالْجَزَاءِ جُعِلَ الْيَوْمُ هُوَ الْعِلَّةُ. وَهَذِهِ اللَّامُ تُفِيدُ مَعْنَى التَّوْقِيتِ تَبَعًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [الْإِسْرَاء: ٧٨] تَنْزِيلًا لِلْوَقْتِ مَنْزِلَةَ الْعِلَّةِ. وَلِذَلِكَ قَالَ الْفُقَهَاءُ: أَوْقَاتُ الصَّلَوَات أَسبَاب. [٥٤] [سُورَة ص (٣٨) : آيَة ٥٤] إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنا مَا لَهُ مِنْ نَفادٍ (٥٤) يَجْرِي مَحْمَلُ اسْمِ الْإِشَارَةِ هَذَا عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْكَلَامِ السَّابِقِ. وَالْعُدُولُ عَنِ الضَّمِيرِ إِلَى اسْمِ الْإِشَارَةِ لِكَمَالِ الْعِنَايَةِ بِتَمْيِيزِهِ وَتَوْجِيهِ ذِهْنِ السَّامِعِ إِلَيْهِ. وَأُطْلِقَ الرِّزْقُ عَلَى النِّعْمَةِ كَمَا فِي قَول النبيء ﷺ : «لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ قَالَ حِينَ

стр. 8022

يُضَاجِعُ أَهْلَهُ: اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا ثُمَّ وُلِدَ لَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَمَسَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا» فَسَمَّى الْوَلَدَ رِزْقًا. وَالتَّوْكِيدُ بِ إِنَّ لِلِاهْتِمَامِ. وَالنَّفَادُ: الِانْقِطَاع والزوال. [٥٥- ٥٦] [سُورَة ص (٣٨) : الْآيَات ٥٥ إِلَى ٥٦] هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ (٥٦) اسْمُ الْإِشَارَةِ هَذَا مُسْتَعْمَلٌ فِي الِانْتِقَالِ مِنْ غَرَضٍ إِلَى غَرَضٍ تَنْهِيَةً لِلْغَرَضِ الَّذِي قَبْلَهُ. وَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩] . وَالتَّقْدِيرُ: هَذَا شَأْنُ الْمُتَّقِينَ، أَوْ هَذَا الشَّأْنُ، أَوْ هَذَا كَمَا ذُكِرَ. وَجُمْلَةُ يَصْلَوْنَها حَالٌ مِنْ جَهَنَّمَ وَهِيَ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنَى اللَّامِ الَّذِي هُوَ عَامِلٌ فِي «الطَّاغِينَ» فَإِنَّ مَعْنَى اللَّامِ أَنَّهُمْ تَخْتَصُّ بِهِمْ جَهَنَّمُ وَاخْتِصَاصُهَا بِهِمْ هُوَ ذَوْقُ عَذَابِهَا لِأَنَّ الْعَذَابَ ذَاتِيٌّ لِجَهَنَّمَ. وَالطَّاغِي: الْمَوْصُوفُ بالطغيان وَهُوَ: مُجَاوزَة الْحَدِّ فِي الْكِبَرِ وَالتَّعَاظُمِ. وَالْمُرَادُ بِهِمْ عُظَمَاءُ أَهْلِ الشِّرْكِ لِأَنَّهُمْ تَكَبَّرُوا بِعَظَمَتِهِمْ عَلَى قَبُولِ الْإِسْلَامِ، وَأَعْرَضُوا عَنْ دَعْوَة الرَّسُول ﷺ بِكِبْرٍ وَاسْتِهْزَاءٍ، وَحَكَمُوا عَلَى عَامَّةِ قَوْمِهِمْ بِالِابْتِعَادِ عَن النبيء ﷺ وَعَن الْمُسْلِمِينَ وَعَنْ سَمَاعِ الْقُرْآنِ، وَهُمْ: أَبُو جَهْلٍ وَأُمِّيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، وَالْعَاصِي بْنُ وَائِلٍ وَأَضْرَابُهُمْ. وَالْفَاءُ فِي فَبِئْسَ الْمِهادُ لِتَرْتِيبِ الْإِخْبَارِ وَتَسَبُّبِهِ عَلَى مَا قَبْلَهُ، نَظِيرُ عَطْفِ الْجُمَلِ بِ (ثُمَّ) وَهِيَ كَالْفَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ [الْأَنْفَال: ١٧] بَعْدَ قَوْلِهِ: فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ [١٥] . وَهَذَا اسْتِعْمَالٌ بَدِيعٌ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ وَهُوَ يَنْدَرِجُ فِي اسْتِعْمَالَاتِ الْفَاءِ الْعَاطِفَةِ وَلَمْ يُكْشَفْ عَنْهُ فِي «مُغْنِي اللَّبِيبِ» . وَالْمَعْنَى: جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا، فَيَتَسَبَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ نَذْكُرَ ذَمَّ هَذَا الْمَقَرَّ لَهُمْ، وَعُبِّرَ عَنْ جَهَنَّمَ بِ الْمِهادُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعَارَةِ، شُبِّهَ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ النَّارِ مِنْ تَحْتِهِمْ بِالْمِهَادِ وَهُوَ فِرَاشُ النَّائِمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ [الْأَعْرَاف: ٤١] .

стр. 8023

[سُورَة ص (٣٨) : الْآيَات ٥٧ إِلَى ٥٨] هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ (٥٨) اسْمُ الْإِشَارَةِ هُنَا جَارٍ عَلَى غَالِبِ مَوَاقِعِهِ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ [ص: ٥٣] وَالْقَوْلُ فِيهِ مِثلُهُ. وَإِشَارَةُ الْقَرِيبِ لِتَقْرِيبِ الْإِنْذَارِ وَالْمُشَارُ إِلَيْهِ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها [ص: ٥٦] مِنَ الصَّلْيِ وَمِنْ مَعْنَى الْعَذَابِ، أَوِ الْإِشَارَةُ إِلَى شَرَّ مِنْ قَوْلِهِ: لَشَرَّ مَآبٍ [ص: ٥٥] . وحَمِيمٌ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الْإِشَارَةِ. وَمَعْنَى الْجُمْلَةِ فِي مَعْنَى بَدَلِ الِاشْتِمَالِ لِأَنَّ شَرَّ الْمَآبِ أَوِ الْعَذَابَ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْحَمِيمِ وَالْغَسَّاقِ وَغَيْرِهِ مِنْ شَكْلِهِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ ذَلِكَ لَهُمْ لِقَوْلِهِ: وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ [ص: ٥٥] فَمَا فُصِّلَ بِهِ شَرُّ الْمَآبِ وَعَذَابُ جَهَنَّمَ فَهُوَ فِي الْمَعْنَى مَعْمُولٌ لِلَّامِ. وَالْحَمِيمُ: الْمَاءُ الشَّدِيدُ الْحَرَارَةِ. والغساق: قَرَأَهُ الْجُمْهُورُ بِتَخْفِيفِ السِّينِ. وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَخَلَفٌ بِتَشْدِيدِهَا. قِيلَ هُمَا لُغَتَانِ وَقِيلَ: غَسَّاقٌ بِالتَّشْدِيدِ مُبَالغَة فِي غَاسِق بِمَعْنَى سَائِلٍ، فَهُوَ عَلَى هَذَا وَصْفٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ وَلَيْسَ اسْمًا لِأَنَّ الْأَسْمَاءَ الَّتِي عَلَى زِنَةِ فَعَّالٍ قَلِيلَةٌ فِي كَلَامِهِمْ. وَالْغَسَّاقُ: سَائِلٌ يَسِيلُ فِي جَهَنَّمَ، يُقَالُ: غَسَقَ الْجُرْحُ، إِذَا سَالَ مِنْهُ مَاءٌ أَصْفَرُ. وَأَحْسَبُ أَنَّ هَذَا الِاسْمَ بِهَذَا الْوَزْنِ أَطْلَقَهُ الْقُرْآنُ عَلَى سَائِلٍ كَرِيهٍ يُسْقَوْنَهُ كَقَوْلِهِ: بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ [الْكَهْف: ٢٩] . وَأَحْسَبُ أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الزِّنَةُ مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ الْعَرَب، وَبِذَلِك يومىء كَلَامُ الرَّاغِبِ. وَهَذَا سَبَبُ اخْتِلَافِ الْمُفَسِّرِينَ فِي الْمُرَادِ مِنْهُ. وَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ صِيغَ لَهُ هَذَا الْوَزْنُ لِيَكُونَ اسْمًا لِشَيْءٍ يُشْبِهُ مَا يُغْسَقُ بِهِ الْجُرْحُ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ بِالْمَهْلِ وَالصَّدِيدِ فِي آيَاتٍ أُخْرَى. وَجُمْلَةُ فَلْيَذُوقُوهُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ اسْمِ الْإِشَارَةِ وَالْخَبَرِ عَنْهُ، وَهَذَا مِنَ الِاعْتِرَاضِ

стр. 8024

الْمُقْتَرِنِ بِالْفَاءِ دُونَ الْوَاوِ، وَالْفَاءُ فِيهِ كَالْفَاءِ فِي قَوْلِهِ: فَبِئْسَ الْمِهادُ [ص: ٥٦] وَقَدْ تَقَدَّمَتْ آنِفًا. وَمَوْقِعُ الْجُمْلَةِ كَمَوْقِعِ قَوْلِهِ: فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ [ص: ٣٩] كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا. وَقَولُهُ: وَآخَرُ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَولِهِ: هَذَا وَضَمِيرُ فَلْيَذُوقُوهُ وَوَصْفٌ آخَرُ يَدُلُّ عَلَى مُغَايِرٍ. وَقَولُهُ: مِنْ شَكْلِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُغَايِرٌ لَهُ بِالذَّاتِ وَمُوَافِقٌ فِي النَّوْعِ، فَحَصَلَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ عَذَابٌ آخَرُ أَوْ مَذُوقٌ آخَرُ. وَالشَّكْلُ بِفَتْحِ الشِّينِ: الْمِثْلُ، أَيِ الْمُمَاثِلِ فِي النَّوْعِ، أَيْ وَعَذَابٌ آخَرُ غَيْرَ ذَلِكَ الَّذِي ذَاقُوهُ مِنَ الْحَمِيمِ وَالْغَسَّاقِ هُوَ مِثْلُ ذَلِكَ الْمُشَارِ إِلَيْهِ أَوْ مِثْلُ ذَلِكَ الذَّوْقُ فِي التَّعْذِيبِ وَالْأَلَمِ. وَأُفْرِدَ ضَمِيرُ شَكْلِهِ مَعَ أَنَّ مَعَادَهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ نَظَرًا إِلَى إِفْرَادِ اسْمِ الْإِشَارَةِ، أَوْ إِلَى إِفْرَادِ (مَذُوقِ) الْمَأْخُوذِ مِنْ (يَذُوقُوهُ) ، فَقَولُهُ: مِنْ شَكْلِهِ صِفَةٌ لِ آخَرُ. وَالْأَزْوَاجُ: جَمْعُ زَوْجٍ بِمَعْنَى النَّوْعِ وَالْجِنْسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ فِي سُورَةِ الرَّعْدِ [٣] . وَالْمَعْنَى: وَعَذَابٌ آخَرُ هُوَ أَزْوَاجُ أَصْنَافٍ كَثِيرَةٌ. وَلَمَّا كَانَ اسْمًا شَائِعًا فِي كُلِّ مُغَايِرٍ صَحَّ وَصْفُهُ بِ أَزْواجٌ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: وَآخَرُ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ. وَقَرَأَهُ أَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ وَأُخَرُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ جُمَعُ أُخْرَى عَلَى اعْتِبَارِ تَأْنِيثِ الْمَوْصُوفِ، أَيْ وَأَزْوَاجٌ أُخَرُ مِنْ شَكْلِ ذَلِك الْعَذَاب. [٥٩] [سُورَة ص (٣٨) : آيَة ٥٩] هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ (٥٩) ابْتِدَاءُ كَلَامٍ حُكِيَ بِهِ تَخَاصُمُ الْمُشْرِكِينَ فِي النَّارِ فِيمَا بَيْنَهُمْ إِذَا دَخَلُوهَا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي آخِرِهِ: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ [ص: ٦٤] ، وَبِهِ فَسَّرَ قَتَادَةُ

стр. 8025

وَابْنُ زَيْدٍ، وَجَرَيَانُهُ بَيْنَهُمْ لِيَزْدَادُوا مَقْتًا بِأَنْ يُضَافَ إِلَى عَذَابِهِمُ الْجُسْمَانِيِّ عَذَابُ أَنْفُسِهِمْ بِرُجُوعِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ بِالتَّنْدِيمِ وَسُوءِ الْمُعَامَلَةِ. وَأُسْلُوبُ الْكَلَامِ يَقْتَضِي مُتَكَلِّمًا صَادِرًا مِنْهُ، وَأُسْلُوبُ الْمُقَاوَلَةِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ بِهِ هُمُ الطَّاغُونَ الَّذِينَ لَهُمْ شَرُّ الْمَآبِ لِأَنَّهُمْ أَسَاسُ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ. فَالتَّقْدِيرُ: يَقُولُونَ، أَيْ الطَّاغُونَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ، أَيْ يَقُولُونَ مُشِيرِينَ إِلَى فَوْجٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أُقْحِمَ فِيهِمْ لَيْسُوا مِنْ أَكْفَائِهِمْ وَلَا مِنْ طَبَقَتِهِمْ وَهُمْ فَوْجُ الْأَتْبَاعِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الطَّاغِينَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَذَلِكَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا [ص: ٦٠] أَيْ أَنْتُمْ سَبَبُ إِحْضَارِ هَذَا الْعَذَابِ لَنَا. وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَعْنَى نَظَائِرَهِ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها [الْأَعْرَاف: ٣٨] إِلَى قَوْلِهِ: بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ [٣٩] ، وَقَوْلِهِ: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٦٦] ، وَقَوْلِهِ: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ الْآيَاتِ مِنْ سُورَةِ الصَّافَّاتِ [٢٧] . وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي آخِرِ هَذِهِ الْآيَةِ إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ [ص: ٦٤] . فَجُمْلَةُ الْقَوْلِ الْمَحْذُوفِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الطَّاغِينَ. وَجُمْلَةُ هَذَا فَوْجٌ إِلَى آخِرِهَا مَقُولُ الْقَوْلِ الْمَحْذُوفِ. وَالْفَوْجُ: الْجَمَاعَةُ الْعَظِيمَةُ مِنَ النَّاسِ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً فِي سُورَةِ النَّمْلِ [٨٣] . وَالِاقْتِحَامُ: الدُّخُولُ فِي النَّاسِ، وَ (مَعَ) مُؤْذِنَةٌ بِأَنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ مَتْبُوعُونَ، وَأَنَّ الْفَوْجَ الْمُقْتَحِمَ أَتْبَاعٌ لَهُمْ، فَأُدْخِلُوا فِيهِمْ مَدْخَلَ التَّابِعِ مَعَ الْمَتْبُوعِ بِعَلَامَاتٍ تُشْعِرُ بِذَلِكَ. وَجُمْلَةُ: لَا مَرْحَباً بِهِمْ مُعْتَرِضَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِإِنْشَاءِ ذَمِّ الْفَوْجِ. وَلَا مَرْحَباً نَفْيٌ لِكَلِمَةٍ يَقُولُهَا الْمَزُورُ لِزَائِرِهِ وَهِيَ إِنْشَاءُ دُعَاءِ الْوَافِدِ. ومَرْحَباً مَصْدَرٌ بِوَزْنِ الْمَفْعَلِ، وَهُوَ الرُّحْبُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنَى الرَّحْبِ، أَيْ أَتَيْتَ رَحْبًا، أَيْ مَكَانَا ذَا رُحْبٍ، فَإِذَا أَرَادُوا كَرَاهِيَةَ الْوَافِدِ وَالدُّعَاءَ عَلَيْهِ قَالُوا: لَا مَرْحَبًا بِهِ، كَأَنَّهُمْ أَرَادُوا النَّفْيَ بِمَجْمُوعِ الْكَلِمَةِ:

стр. 8026

لَا مَرْحَبًا بِغَدٍ وَلَا أَهْلًا بِهِ ... إِنْ كَانَ تَفْرِيقُ الْأَحِبَّةِ فِي غَدِ وَذَلِكَ كَمَا يَقُولُونَ فِي الْمَدْحِ: حَبَّذَا، فَإِذَا أَرَادُوا ذَمًّا قَالُوا: لَا حَبَّذَا. وَقَدْ جَمَعَهُمَا قَوْلُ كَنْزَةَ أُمِّ شَمْلَةَ الْمِنْقَرِيِّ تَهْجُو فِيهِ صَاحِبَةَ ذِي الرُّمَّةِ: أَلَا حَبَّذَا أَهْلُ الْمَلَا غَيْرَ أَنَّهُ ... إِذَا ذُكِرَتْ مَيُّ فَلَا حَبَّذَا هِيَّا وَمَعْنَى الرَّحْبِ فِي هَذَا كُلِّهِ: السِّعَةُ الْمَجَازِيَّةُ، وَهِيَ الْفَرَحُ وَلِقَاءُ الْمَرْغُوبِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ بِقَرِينَةِ أَنَّ نَفْسَ السِّعَةِ لَا تفِيد الزَّائِد، وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَرِهُوا أَنْ يَكُونُوا هُمْ وَأَتْبَاعُهُمْ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ جَرْيًا عَلَى خُلُقِ جَاهِلِيَّتِهِمْ مِنَ الْكِبْرِيَاءِ وَاحْتِقَارِ الضُّعَفَاءِ. وَجُمْلَةُ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ خَبَرٌ ثَانٍ عَنِ اسْمِ الْإِشَارَةِ، وَالْخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّضَجُّرِ مِنْهُمْ، أَيْ أَنَّهُمْ مُضَايِقُونَنَا فِي مَضِيقِ النَّارِ كَمَا أَوْمَأَ إِلَيْهِ قَوْلُهُمْ: مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَباً بِهِمْ. [٦٠] [سُورَة ص (٣٨) : آيَة ٦٠] قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (٦٠) فَسَمِعَهُمُ الْأَتْبَاعُ فَيَقُولُونَ: بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَباً بِكُمْ إِضْرَابًا عَنْ كَلَامِهِمْ. وَجِيءَ بِحِكَايَةِ قَوْلِهِمْ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُحَاوَرَاتِ فَلِذَلِكَ جُرِّدَ مِنْ حَرْفِ الْعَطْفِ، أَيْ أَنْتُمْ أَوْلَى بِالشَّتْمِ وَالْكَرَاهِيَّةِ بِأَنْ يُقَالَ: لَا مَرْحَبًا بِكُمْ، لِأَنَّكُمُ الَّذِينَ تَسَبَّبْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَلَنَا فِي هَذَا الْعَذَابِ بِإِغْرَائِكُمْ إِيَّانَا عَلَى التَّكْذِيبِ وَالدَّوَامِ عَلَى الْكُفْرِ. وبَلْ لِلْإِضْرَابِ الْإِبْطَالِيِّ لِرَدِّ الشَّتْمِ عَلَيْهِمْ وَأَنَّهُمْ أَوْلَى بِهِ مِنْهُمْ. وَذِكْرُ ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ فِي قَوْلِهِ: أَنْتُمْ لَا مَرْحَباً بِكُمْ لِلتَّنَصُّلِ مِنْ شَتْمِهِمْ، أَيْ أَنْتُمُ الْمَشْتُومُونَ، أَيْ أَوْلَى بِالشَّتْمِ مِنَّا، وَقَدِ اسْتُفِيدَ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ حَرْفِ الْإِبْطَالِ لَا مِنَ الضَّمِيرِ لِأَنَّ الضَّمِيرَ لَا مَفْهُومَ لَهُ وَلِأَنَّ مَوْقِعَهُ هُنَا لَا يَقْتَضِي حَصْرًا وَلَا تَقَوِّيًا لِأَنَّهُ مُخْبِرٌ عَنْهُ بِجُمْلَةٍ إِنْشَائِيَّةٍ، أَيْ أَنْتُمْ يُقَالُ لَكُمْ: لَا مَرْحَبًا بِكُمْ. وَإِذَا قَدْ كَانَ قَوْلُ: مَرْحَبًا، إنْشَاء دُعَاء بِالْخَيرِ، وَكَانَ نَفْيُهُ إِنْشَاءَ دُعَاءٍ

стр. 8027

بِضِدِّهِ، كَانَ قَوْلُهُ «بِهِمْ» بَيَانًا لِمَنْ وُجِّهَ الدُّعَاءُ لَهُمْ، أَيْ إِيضَاحًا لِلسَّامِعِ أَنَّ الدُّعَاءَ عَلَى أَصْحَابِ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ بِالْبَاءِ فَكَانَتِ الْبَاءُ فِيهِ لِلتَّبْيِينِ. قَالَ فِي «الْكَشَّاف» : و «بهم» بَيَانٌ لِمَدْعُوٍّ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ الْهَمَذَانِيُّ فِي شَرْحِهِ «لِلْكَشَّافِ» : يَعْنِي: الْبَيَانَ الْمُصْطَلَحَ، كَأَنَّ قَائِلًا يَقُولُ: بِمَنْ يَحْصُلُ هَذَا الرَّحْبُ؟ فَيَقُولُ: بِهِمْ. وَهَذَا كَمَا فِي هَيْتَ لَكَ [يُوسُف: ٢٣] . يَعْنِي أَنَّ الْبَاءَ فِيهِ بِمَعْنَى لَامِ التَّبْيِينِ. وَهَذَا الْمَعْنَى أَغْفَلَهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي مَعَانِي الْبَاءِ. وَأَشَارَ الْهَمَذَانِيُّ إِلَى أَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ مَعْنَى السَّبَبِيَّةِ. وَالْأَحْسَنُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مُتَوَلِّدًا مِنْ مَعْنَى الْمُصَاحَبَةِ بِطَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ التَّبَعِيَّةِ ثُمَّ غَلَبَ اسْتِعْمَالُ الْبَاءَ فِي مِثْلِهِ فِي كَلَامِهِمْ فَصَارَ كَالْحَقِيقَةِ لِأَنَّهُ لَمَّا صَارَ إِنْشَاءَ دُعَاءٍ لَمْ تَبْقَ مَعَهُ مُلَاحَظَةُ الْإِخْبَارِ بِحُصُولِ الرَّحْبِ مَعَهُمْ أَوْ بِسَبَبِهِمْ كَمَا يَتَّجِهُ بِالتَّأَمُّلِ. وَجُمْلَةُ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا عِلَّةٌ لِقَلْبِ سَبَبِ الشَّتْمِ إِلَيْهِمْ، أَيْ لِأَنَّكُمْ قَدَّمْتُمُ الْعَذَابَ لَنَا، فَضَمِيرُ النَّصْبِ فِي قَدَّمْتُمُوهُ عَائِدٌ إِلَى الْعَذَابِ الْمُشَاهَدِ، وَهُوَ حَاضِرٌ فِي الذِّهْنِ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي اللَّفْظِ، مِثْلُ حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ص: ٣٢] . وَوُقُوعُ أَنْتُمْ قَبْلَ قَدَّمْتُمُوهُ الْمُسْنَدُ الْفِعْلِيُّ يُفِيدُ الْحَصْرَ، أَيْ لَمْ يُضِلَّنَا غَيْرُكُمْ فَأَنْتُمْ أَحِقَّاءُ بِالْعَذَابِ. وَالتَّقْدِيمُ: جَعْلُ الشَّيءِ قُدَّامَ غَيْرِهِ، قَالَ تَعَالَى: ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ [آل عمرَان: ١٨١، ١٨٢] . فَتَقْدِيمُ الْعَذَابُ لَهُمْ جَعْلُهُ قُدَّامَهُمْ، أَيْ جَعْلُهُ حَيْثُ يَجِدُونَهُ عِنْدَ وُصُولِهِمْ. وَإِسْنَادُ تَقْدِيمِ الْعَذَابِ إِلَى الْمُخَاطَبِينَ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ لِأَنَّ الرُّؤَسَاءَ كَانُوا سَبَبًا فِي تَقْدِيمِ الْعَذَابِ لِأَتْبَاعِهِمْ بِإِغْوَائِهِمْ وَكَانَ الْعَذَابُ جَزَاءً عَنِ الْغَوَايَةِ. وَجُعِلَ الْعَذَابُ مُقَدَّمًا وَإِنَّمَا الْمُقَدَّمُ الْعَمَلُ الَّذِي اسْتَحَقَّ الْعَذَابَ، وَهَذَا مَجَازٌ عَقْلِيٌّ فِي الْمَفْعُولِ فَاجْتَمَعَ فِي قَوْلِهِ: قَدَّمْتُمُوهُ مَجَازَانِ عَقْلِيَّانِ. وَقَوْلُهُ: فَبِئْسَ الْقَرارُ مَوْقِعُهُ كَمَوْقِعِ قَوْلِهِ آنِفًا فَبِئْسَ الْمِهادُ [ص: ٥٦] . وَهُوَ ذَمٌّ لِإِقَامَتِهِمْ فِي جَهَنَّمَ تَشْنِيعًا عَلَيْهِمْ فِيمَا تَسَبَّبُوا لِأَنْفُسِهِمْ فِيهِ. وَالْمَعْنَى: فَبِئْسَ الْقَرَارُ مَا قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا، أَيْ الْعَذَابُ. والقرار: الْمكْث.

стр. 8028

[سُورَة ص (٣٨) : آيَة ٦١] قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هَذَا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ (٦١) قالُوا أَيْ الْفَوْجُ الْمُقْتَحِمُ وَهُوَ فَوْجُ الْأَتْبَاعِ، فَهَذَا مِنْ كَلَامِ الَّذِينَ قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَباً بِكُمْ [ص: ٦٠] لِأَنَّ قَوْلَهُمْ: مَنْ قَدَّمَ لَنا هَذَا يُعَيِّنُ هَذَا الْمَحْمَلَ. وَلِذَلِكَ حُقَّ أَنْ يَتَسَاءَلَ النَّاظِرُ عَنْ وَجْهِ إِعَادَةِ فِعْلِ قالُوا وَعَنْ وَجْهِ عَدَمِ عَطْفِهِ عَلَى قَوْلِهِمُ الْأَوَّلِ. فَأَمَّا إِعَادَةُ فِعْلِ الْقَوْلِ فَلِإِفَادَةِ أَنَّ الْقَائِلِينَ هُمُ الْأَتْبَاعُ فَأُعِيدَ فِعْلُ الْقَوْلِ تَأْكِيدًا لِلْفِعْلِ الْأَوَّلِ لِقَصْدِ تَأْكِيدِ فَاعِلِ الْقَوْلِ تَبَعًا لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِضَمِيرِ الْقَائِلِينَ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ حِكَايَةِ قَوْلِهِمْ: هَذَا تَحْذِيرُ كُبَرَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ عَوَاقِبِ رِئَاسَتِهِمْ وَزَعَامَتِهِمُ الَّتِي يَجُرُّونَ بِهَا الْوَيْلَاتِ عَلَى أَتْبَاعِهِمْ فَيُوقِعُونَهُمْ فِي هَاوِيَةِ السُّوءِ حَتَّى لَا يَجِدَ الْأَتْبَاعُ لَهُمْ جَزَاءً بَعْدَ الْفَوْتِ إِلَّا طَلَبَ مُضَاعَفَةِ الْعَذَابِ لَهُمْ. وَأَمَّا تَجْرِيدُ فِعْلِ قالُوا عَنِ الْعَاطِفِ فَلِأَنَّهُ قُصِدَ بِهِ التَّوْكِيدُ اللَّفْظِيُّ والتوكيد اللَّفْظِيّ يكون عَلَى مِثَالِ الْمُوَكَّدِ. وَلَا تَلْتَبِسُ حِكَايَةُ هَذَا الْقَوْلِ عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ بِحِكَايَةِ الْمُحَاوَرَاتِ فَيُحْسَبُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الْفَرِيقِ الْآخَرِ لِأَنَّ الدُّعَاءَ بِعُنْوَانِ مَنْ قَدَّمَ لَنا هَذَا يُعَينُ أَنَّ قَائِلِيهِ هُمُ الْقَائِلُونَ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا [ص: ٦٠] ، وَأَنَّ الَّذِينَ قَدَّمُوا لَهُمْ هُمُ الطَّاغُونَ. وَفِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ آيَةُ سُورَةِ الْأَعْرَافِ [٣٨] قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ. ومَنْ فِي قَوْلِهِ: مَنْ قَدَّمَ لَنا هَذَا مَوْصُولَةٌ، وَجُمْلَةُ فَزِدْهُ خَبَرٌ عَنْ مَنْ، وَاقْتِرَانُ الْخَبَرِ بِالْفَاءِ جَرَى عَلَى مُعَامَلَةِ الْمَوْصُولِ مُعَامَلَةَ الشَّرْطِ فِي قَرْنِ خَبَرِهِ بِالْفَاءِ وَهُوَ كَثِيرٌ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ [٣٤] . وَالضِّعْفُ، بِكَسْر الضَّاد: يسْتَعْمل اسْمَ مَصْدَرِ ضعّف وضاعف، فَهُوَ اسْم التَّضْعِيفِ وَالْمُضَاعَفَةِ، أَيْ تَكْرِيرُ الْمِقْدَارِ وَتَكْرِيرُ الْقُوَّةِ، وَهُوَ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُتَضَايِفَةِ الْمَعَانِي كَالنِّصْفِ وَالزَّوْجِ.

стр. 8029

وَيُسْتَعْمَلُ اسْمًا بِمَعْنَى الشَّيْءِ الْمُضَاعَفِ، وَهَذَا هُوَ قِيَاسُ زِنَةِ فِعْلٍ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ، فَهُوَ بِمَعْنَى: الشَّيْءِ الَّذِي ضُوعِفَ لِأَنَّ زِنَةَ فِعْلٍ تَدُلُّ عَلَى مَا سلط عَلَيْهِ فعل نَحْوَ ذِبْحٍ، أَي مَذْبُوح. [٦٢- ٦٣] [سُورَة ص (٣٨) : الْآيَات ٦٢ إِلَى ٦٣] وَقالُوا مَا لَنا لَا نَرى رِجالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (٦٢) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (٦٣) عَطْفٌ عَلَى هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ [ص: ٥٩] عَلَى مَا قُدِّرَ فِيهِ مِنْ فِعْلِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ كَمَا تَقَدَّمَ، فَهَذَا مِنْ قَوْلِ الطاغين فَإِنَّهُم الَّذين كَانُوا يُحَقِّرُونَ الْمُسْلِمِينَ. وَالِاسْتِفْهَامُ فِي مَا لَنا لَا نَرى رِجالًا اسْتِفْهَامٌ يُلْقِيهِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ تَلَهُّفًا عَلَى عَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ مَنْ عَرَفُوهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مُكَنًّى بِهِ عَنْ مَلَامِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عَلَى تَحْقِيرِهِمُ الْمُسْلِمِينَ وَاعْتِرَافِهِمْ بِالْخَطَأِ فِي حُسْبَانِهِمْ. فَلَيْسَ الِاسْتِفْهَامُ عَنْ عَدَمِ رُؤْيَتِهِمُ الْمُسْلِمِينَ فِي جَهَنَّمَ اسْتِفْهَامًا حَقِيقِيًّا نَاشِئًا عَنْ ظَنِّ أَنَّهُمْ يَجِدُونَ رِجَالَ الْمُسْلِمِينَ مَعَهُمْ إِذْ لَا يَخْطُرُ بِبَالِ الطَّاغِينَ أَنْ يَكُونَ رِجَالُ الْمُسْلِمِينَ مَعَهُمْ، كَيْفَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ بِضِدِّ حَالِهِمْ فَلَا يَتَوَهَّمُونَهُمْ مَعَهُمْ فِي الْعَذَابِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهَامُ حَقِيقِيًّا اسْتَفْهَمُوا عَنْ مَصِيرِ الْمُسلمين لأَنهم لم يروهم يَوْمَئِذٍ، إِذْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ النَّاسَ صَارُوا إِلَى عَالَمٍ آخَرَ وَهُوَ الَّذِي كَانُوا يُنْذَرُونَ بِهِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُمْ: مَا لَنا لَا نَرى رِجالًا إِلَخْ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِمْ: أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا عَلَى كِلْتَا الْقِرَاءَتَيْنِ الْآتِي ذِكْرُهُمَا. والْأَشْرارِ: جَمْعُ شَرٍّ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْأَشِرِّ، مِثْلُ الْأَخْيَارِ جَمْعُ خَيْرٍ بِمَعْنَى الْأَخْيَرِ، أَوْ هُوَ: جَمْعُ شِرِّيرٍ ضِدُّ الخيّر، أَي الموصوفين بِشَرِّ الْحَالَةِ، أَيْ كُنَّا نَحْسَبُهُمْ أَشْقِيَاءَ قَدْ خَسِرُوا لَذَّةَ الْحَيَاةِ بِاتِّبَاعِهِمُ الْإِسْلَامَ وَرِضَاهُمْ بِشَظَفِ الْعَيْشِ، وَهُمْ يَعْنُونَ أَمْثَالَ بِلَالٍ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَصُهَيْبٍ، وَخِبَابٍ، وَسَلْمَانَ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَعُدُّونَهُمْ أَشْرَارًا فِي الْآخِرَةِ مُسْتَحِقِّينَ الْعَذَابَ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُؤْمِنُونَ بِالْبَعْثِ. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ أَتَّخَذْناهُمْ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ هِيَ هَمْزَةُ

стр. 8030

الِاسْتِفْهَامِ، وَحُذِفَتْ هَمْزَةُ الْوَصْلِ مِنْ فِعْلِ (اتَّخَذْنَا) لِأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ مَعَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْوَقْفِ عَلَى هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، فَجُمْلَةُ أَتَّخَذْناهُمْ بَدَلٌ مِنْ جُمْلَةِ مَا لَنا لَا نَرى رِجالًا. وأَمْ حَرْفُ إِضْرَابٍ، وَالتَّقْدِيرُ: بَلْ زَاغَتْ عَنْهُمْ أَبْصَارُنَا. وَالزَّيْغُ: الْمَيلُ عَنِ الْجِهَةِ، أَيْ مَالَتْ أَبْصَارُنَا عَنْ جِهَتِهِمْ فَلَمْ تَنْظُرْهُمْ. وَ (الْ) فِي الْأَبْصارُ عِوَضٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، أَيْ أَبْصَارُنَا، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: أَكَانَ تَحْقِيرُنَا إِيَّاهُمْ فِي الدُّنْيَا خَطَأٌ. وَكُنِّيَ عَنْهُ بِاتِّخَاذِهِمْ سُخْرِيًّا لِأَنَّ فِي فِعْلِ أَتَّخَذْناهُمْ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَهْلٍ لِلسُّخْرِيَةِ، وَهَذَا تَنَدُّمٌ مِنْهُمْ عَلَى الِاسْتِسْخَارِ بِهِمْ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ وَخَلَفٌ أَتَّخَذْناهُمْ بِهَمْزَةِ وَصْلٍ عَلَى أَنَّ الْجُمْلَةَ صِفَةُ رِجالًا ثَانِيَةٌ وَعَلَيْهِ تَكَونُ أَمْ مُنْقَطِعَةٌ لِلْإِضْرَابِ عَنْ قَوْلِهِمْ أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَيْ بَلْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ. وَالسُّخْرِيُّ: اسْمُ مَصْدَرِ سَخِرَ مِنْهُ، إِذَا اسْتَهْزَأَ بِهِ، فَالسُّخْرِيُّ الِاسْتِهْزَاءُ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى شَدَّةِ الِاسْتِهْزَاءِ لِأَنَّ يَاءَهُ فِي الْأَصْلِ يَاءُ نَسَبٍ وَيَاءُ النَّسَبِ تَأْتِي لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْوَصْفِ. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَخَلَفٌ بِضَمِّ السِّينِ. وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ بِكَسْرِ السِّينِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَة الْمُؤمنِينَ. [٦٤] [سُورَة ص (٣٨) : آيَة ٦٤] إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤) تَذْيِيلٌ وَتَنْهِيَةٌ لِوَصْفِ حَالِ الطَّاغِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ، وَعَذَابِهِمْ، وَجِدَالِهِمْ. وَتَأْكِيدُ الْخَبَرِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ مَنْظُورٌ فِيهِ لِمَا يَلْزَمُ الْخَبَرَ مِنَ التَّعْرِيضِ بِوَعِيدِ الْمُشْرِكِينَ وَإِثْبَاتِ حَشْرِهِمْ وَجَزَائِهِمْ بِأَنَّهُ حَقٌّ، أَيْ ثَابِتٌ كَقَوْلِهِ: وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ [الذاريات: ٦] .

стр. 8031

وَالْإِشَارَةُ إِلَى مَا حُكِيَ عَنْهُمْ مِنَ الْمُقَاوَلَةِ. وَسُمِّيَتِ الْمُقَاوَلَةُ تَخَاصُمًا، أَيْ تَجَادُلًا وَإِنْ لَمْ تَقَعْ بَيْنَهُمْ مُجَادَلَةٌ، فَإِنَّ الطَّاغِينَ لَمْ يُجِيبُوا الْفَوْجَ عَلَى قَوْلِهِ: بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَباً بِكُمْ [ص: ٦٠] ، وَلَكِنْ لَمَّا اشْتَمَلَتِ الْمُقَاوَلَةُ عَلَى مَا هُوَ أَشَدُّ مِنَ الْجِدَالِ وَهُوَ قَولُ كُلِّ فَرِيقٍ لِلْآخَرِ لَا مَرْحَباً بِكُمْ كَانَ الذَّمُّ أَشَدَّ مِنَ الْمُخَاصَمَةِ فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ التَّخَاصُمِ حَقِيقَةً. وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الْخِصَامَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: هذانِ خَصْمانِ فِي سُورَةِ الْحَجِّ [١٩] . وَأُضِيفَ هَذَا التَّخَاصُمُ إِلَى أَهْلِ النَّار كلهم اعْتِبَارا بِغَالِبِ أَهْلِهَا لِأَنَّ غَالِبَ أَهْلِ النَّارِ أَهْلُ الضَّلَالَاتِ الِاعْتِقَادِيَّةِ وَهُمْ لَا يُعَدُّونَ أَنَّ يَكُونُوا دُعَاةً لِلضَّلَالِ أَوْ أَتْبَاعًا لِلدُّعَاةِ إِلَيْهِ فَكُلُّهُمْ يَجْرِي بَيْنَهُمْ هَذَا التَّخَاصُمُ، أَمَّا مَنْ كَانَ فِي النَّارِ مِنَ الْعُصَاةِ فَكَثِيرٌ مِنْهُم لَيْسَ عصيانه إِلَّا تَبَعًا لِهَوَاهُ مَعَ كَوْنِهِ عَلَى عِلْمٍ بِأَنَّ مَا يَأْتِيهِ ضَلَالَةٌ لَمْ يُسَوِّلْهُ لَهُ أَحَدٌ. وأَهْلِ النَّارِ هُمُ الْخَالدُونَ فِيهَا، كَقَوْلِهِمْ: أَهَّلُ قَرْيَةِ كَذَا، فَإِنَّهُ لَا يَشْمَلُ الْمُغْتَرِبَ بَيْنَهُمْ، عَلَى أَنَّ وَقْتَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ لَمْ يَكُنْ فِي مَكَّةِ غَيْرُ الْمُسْلِمِينَ الصَّالِحِينَ وَغَيْرُ الْمُشْرِكِينَ، فَوَصْفُ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَئِذٍ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا فِي الْمُشْرِكِينَ دُونَ عُصَاةَ الْمُسْلِمِينَ. وَقَوْلُهُ: تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ إِمَّا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: هُوَ تُخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ، وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافٌ لِزِيَادَةِ بَيَانِ مَدْلُولِ اسْمِ الْإِشَارَةِ، أَوْ هُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ ثَانٍ عَنْ إِنَّ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ من لَحَقٌّ. [٦٥- ٦٦] [سُورَة ص (٣٨) : الْآيَات ٦٥ إِلَى ٦٦] قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦) هَذَا رَاجَعٌ إِلَى قَوْلِهِ: وَقالَ الْكافِرُونَ هَذَا ساحِرٌ كَذَّابٌ [ص: ٤] إِلَى قَوْلِهِ: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا [ص: ٨] ، فَلَمَّا ابْتَدَرَهُمُ الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ بِأَنْ نَظَّرَ حَالَهَمْ بِحَالِ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلِتَنْظِيرِ حَال الرَّسُول ﷺ بِحَالِ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ صَبَرُوا، وَاسْتَوْعَبَ ذَلِكَ بِمَا فِيهِ مَقْنَعٌ عَادَ الْكَلَامُ إِلَى تَحْقِيقِ مقَام الرَّسُول ﷺ مَنْ قَوْمِهِ فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ مُقَابِلَ قَوْلِهِمْ: هَذَا ساحِرٌ كَذَّابٌ،

стр. 8032

وَأَنْ يَقُولَ: مَا مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ مُقَابِلَ إِنْكَارِهِمُ التَّوْحِيدَ كَقَوْلِهِمْ: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً [ص: ٥] فَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ. وَذِكْرُ صِفَةِ الْوَاحِدِ تَأْكِيد لمدلول مَا مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ إِمَاء إِلَى رَدِّ إِنْكَارِهِمْ. وَذِكْرُ صِفَةِ الْقَهَّارُ تَعْرِيضٌ بِتَهْدِيدِ الْمُشْرِكِينَ بِأَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى قَهْرِهِمْ، أَيْ غَلَبِهِمْ. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْقَهْرِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [١٨] . وَإِتْبَاعُ ذَلِكَ بِصِفَةِ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا تَصْرِيحٌ بِعُمُومِ رُبُوبِيَّتِهِ وَأَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا. وَوَصْفُ الْعَزِيزُ تَمْهِيدٌ لِلْوَصْفِ بِ الْغَفَّارُ، أَيْ الْغَفَّارُ عَنْ عِزَّةٍ وَمَقْدِرَةٍ لَا عَنْ عَجْزٍ وَمَلَقٍ أَوْ مُرَاعَاةِ جَانِبٍ مُسَاوٍ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ وَصْفِ الْغَفَّارُ هُنَا اسْتِدْعَاءُ الْمُشْرِكِينَ إِلَى التَّوْحِيدِ بَعْدَ تَهْدِيدِهِمْ بِمُفَادِ وَصْفِ الْقَهَّارُ لِكَيْ لَا يَيْأَسُوا مِنْ قَبُولِ التَّوْبَةِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ مَا سِيقَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْوَعِيدِ جَرْيًا عَلَى عَادَةِ الْقُرْآنِ فِي تَعْقِيبِ التَّرْهِيبِ بالترغيب وَالْعَكْس. [٦٧- ٧٠] [سُورَة ص (٣٨) : الْآيَات ٦٧ إِلَى ٧٠] قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) مَا كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠) إِعَادَةُ الْأَمْرِ بِالْقَوْلِ هُنَا مُسْتَأْنَفًا. وَالْعُدُولُ عَنِ الْإِتْيَانِ بِحَرْفٍ يَعْطِفُ الْمَقُولَ أَعْنِي هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ عَلَى الْمَقُولِ السَّابِقِ أَعْنِي أَنَا مُنْذِرٌ [ص: ٦٥] ، عُدُولٌ يشْعر بالاهتمام بالمقول هُنَا كَيْ لَا يُؤْتَى بِهِ تَابِعًا لِمَقُولٍ آخَرَ فَيَضْعُفُ تَصَدِّي السَّامِعِينَ لِوَعْيِهِ. وَجُمْلَةُ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْقِعِ الِاسْتِئْنَافِ الِابْتِدَائِيِّ انْتِقَالًا مِنْ غَرَضِ وَصْفِ أَحْوَالِ أَهْلِ الْمَحْشَرِ إِلَى غَرَضِ قِصَّةِ

стр. 8033

خَلْقِ آدَمَ وَشَقَاءِ الشَّيْطَانِ، فَيَكُونُ ضَمِيرُ هُوَ ضَمِيرَ شَأْنٍ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ وَمَا يَبِينُ بِهِ مَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ: إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ [ص: ٧١] جُعِلَ هَذَا كَالْمُقَدِّمَةِ لِلْقِصَّةِ تَشْوِيقًا لِتَلَقِّيهَا فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالنَّبَأِ نَبَأَ خَلْقِ آدَمَ وَمَا جَرَى بَعْدَهُ، وَيَكُونُ ضَمِيرُ يَخْتَصِمُونَ عَائِدًا إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى لِأَنَّ الْمَلَأَ جَمَاعَةٌ. وَيُرَادُ بِالِاخْتِصَامِ الِاخْتِلَافُ الَّذِي جَرَى بَيْنَ الشَّيْطَانِ وَبَيْنَ مَنْ بَلَغَ إِلَيْهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَمْرُ اللَّهِ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، فَالْمَلَائِكَةُ هُمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى وَكَانَ الشَّيْطَانُ بَيْنَهُمْ فَعُدَّ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يُطْرَدَ مِنَ السَّمَاءِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ جُمْلَةُ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ إِلَخْ تَذْيِيلًا لِلَّذِي سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩] إِلَى هُنَا، تَذْيِيلًا يُشْعِرُ بِالتَّنْوِيهِ بِهِ وَبِطَلَبِ الْإِقْبَالِ عَلَى التَّدَبُّرِ فِيهِ وَالِاعْتِبَارِ بِهِ. وَعَلَيْهِ يَكُونُ ضَمِيرُ هُوَ ضَمِيرًا عَائِدًا إِلَى الْكَلَامِ السَّابِقِ عَلَى تَأْوِيلِهِ بِالْمَذْكُورِ فَلِذَلِكَ أُتِيَ لِتَعْرِيفِهِ بِضَمِيرِ الْمُفْرَدِ. وَالْمُرَادُ بِالنَّبَأِ: خَبَرُ الْحَشْرِ وَمَا أُعِدَّ فِيهِ لِلْمُتَّقِينَ مِنْ حُسْنِ مَآبٍ، وَلِلطَّاغِينَ مِنْ شَرِّ مَآبٍ، وَمِنْ سُوءِ صُحْبَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وَتَرَاشُقِهِمْ بِالتَّأْنِيبِ وَالْخِصَامِ بَيْنَهُمْ وَهُمْ فِي الْعَذَابِ، وَتَرَدُّدِهِمْ فِي سَبَبِ أَنْ لَمْ يَجِدُوا مَعَهُمُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَعُدُّونَهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ. وَوَصْفُ النَّبَأِ ب عَظِيمٌ تهويل عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ [النبأ: ١- ٣] . وَعَظَمَةُ هَذَا النَّبَأِ بَيْنَ الْأَنْبَاءِ مِنْ نَوْعِهِ مِنْ أَنْبَاءِ الشَّرِّ مِثْلَ قَوْلِهِ: فَسادٌ كَبِيرٌ [الْأَنْفَال: ٧٣] ، فَتَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ. فَتَكُونُ جُمْلَةُ مَا كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِلَى قَوْلِهِ: نَذِيرٌ مُبِينٌ اسْتِئْنَافًا لِلِاسْتِدْلَالِ عَلَى صِدْقِ النَّبَأِ بِأَنَّهُ وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ وَلَوْلَا أَنَّهُ وَحْيٌ لَمَا كَانَ للرسول ﷺ قِبَلٌ بِمَعْرِفَةِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [آل عمرَان: ٤٤] ، وَنَظَائِرُ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ.

стр. 8034

وَتَكُونُ جُمْلَةُ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً [ص: ٧١] إِلَى آخِرِهِ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا. وَعَلَى هَذَا فَضَمِيرُ يَخْتَصِمُونَ عَائِدٌ إِلَى أَهْلِ النَّارِ مِنْ قَوْلِهِ: تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ [ص: ٦٤] إِذْ لَا تَخَاصُمَ بَيْنَ أَهْلِ الْمَلَأِ الْأَعْلَى. وَالْمَعْنَى: مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِعَالَمِ الْغَيْبِ وَمَا يَجْرِي فِيهِ مِنَ الْإِخْبَارِ بِمَا سَيَكُونُ إِذْ يَخْتَصِمُ أَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَعَلَى كِلَا التَّفْسِيرَيْنِ فَمَعْنَى أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ، أَنَّهُمْ غَافِلُونَ عَنِ الْعِلْمِ بِهِ فَقَدْ أُعْلِمُوا بِالنَّبَأِ بِمَعْنَاهُ الْأَوَّلِ وَسَيَعْلَمُونَ قَرِيبًا بِالنَّبَأِ بِمَعْنَاهُ الثَّانِي. وَجِيءَ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ فِي قَوْلِهِ: أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ لِإِفَادَةِ إِثْبَاتِ إِعْرَاضِهِمْ وَتَمَكُّنُهُ مِنْهُمْ، فَأَمَّا إِعْرَاضُهُمْ عَنِ النَّبَأِ بِمَعْنَاهُ الْأَوَّلِ فَظَاهِرٌ تَمَكُّنُهُ مِنْ نُفُوسِهِمْ لِأَنَّهُ طَالَمَا أَنْذَرَهُمْ بِعَذَابِ الْآخِرَةِ وَوَصَفَهُ فَلَمْ يَكْتَرِثُوا بِذَلِكَ وَلَا ارْعَوَوْا عَنْ كُفْرِهِمْ. وَأَمَّا إِعْرَاضُهُمْ عَنِ النَّبَأِ بِمَعْنَاهُ الثَّانِي، فَتَأْوِيلُ تُمَكُّنِهِ مِنْ نُفُوسِهِمْ عَدَمُ اسْتِعْدَادِهِمْ لِلِاعْتِبَارِ بِمَغْزَاهُ مِنْ تَحَقُّقَ أَنَّ مَا هُمْ فِيهِ هُوَ وَسْوَسَةٌ مِنَ الشَّيْطَانَ قَصْدًا لِلشَّرِّ بِهِمْ. وَلَعَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ هِيَ أَوَّلُ مَا نَزَلَ على النبيء ﷺ مِنْ ذِكْرِ قِصَّةِ خَلْقِ آدَمَ وَسُجُودِ الْمَلَائِكَةِ وَإِبَاءِ إِبْلِيسَ مِنَ السُّجُودِ، فَإِنَّ هَذِهِ السُّورَةَ فِي تَرْتِيبِ نُزُولِ سُوَرِ الْقُرْآنِ لَا يُوجَدُ ذِكْرُ قِصَّةِ آدَمَ فِي سُورَةٍ نَزَلَتْ قَبْلَهَا. فَذَلِكَ وَجْهُ التَّوْطِئَةِ لِلْقِصَّةِ بِأَسَالِيبِ الْعِنَايَةِ وَالِاهْتِمَامِ مِمَّا خَلَا غَيْرُهَا عَنْ مِثْلِهِ وَبِأَنَّهَا نَبَأٌ كَانُوا مُعْرِضِينَ عَنْهُ. وَأَيًّا مَا كَانَ فَقَوْلُهُ: أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ تَوْبِيخٌ لَهُمْ وَتَحْمِيقٌ. وَجُمْلَةُ مَا كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ اعْتِرَاضُ إِبْلَاغٍ فِي التَّوْبِيخِ عَلَى الْإِعْرَاضِ عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ، وَحُجَّةٌ عَلَى تَحَقُّقِ النَّبَأِ بِسَبَبِ أَنَّهُ مُوحًى بِهِ مِنَ اللَّهِ وَلَيْسَ للرسول ﷺ سَبِيل إِلَى عمله لَوْلَا وَحْيُ اللَّهِ إِلَيْهِ بِهِ. وَذِكْرُ فِعْلِ كانَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْمَنْفِيَّ عِلْمُهُ بِذَلِكَ فِيمَا مَضَى مِنَ الزَّمَنِ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ بِذَلِكَ كَمَا

стр. 8035

قَالَ تَعَالَى: وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [آل عمرَان: ٤٤] وَقَوْلِهِ: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ [الْقَصَص: ٤٤] . وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: بِالْمَلَإِ الْأَعْلى عَلَى كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ لِلنَّبَأِ، لِتَعْدِيَةِ عِلْمٍ لِتَضْمِينِهِ مَعْنَى الْإِحَاطَةِ، وَهُوَ اسْتِعْمَالٌ شَائِعٌ فِي تَعْدِيَةِ الْعِلْمِ. وَمِنْهُ مَا فِي حَدِيثِ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ فِي «الصَّحِيحِ» فَيُقَالُ لَهُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ. وَيَجُوزُ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي فِي النَّبَأِ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ ظَرْفِيَّةً، أَيْ مَا كَانَ لِي عِلْمٌ كَائِنٌ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى، أَيْ مَا كُنْتَ حَاضِرًا فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى فَهِيَ كَالْبَاءِ فِي قَوْلِهِ: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ [الْقَصَص: ٤٤] . وَالْمَلَأُ: الْجَمَاعَةُ ذَاتُ الشَّأْنِ، وَوَصْفُهُ بِ الْأَعْلى لِأَنَّ الْمُرَادَ مَلَأُ السَّمَاوَاتِ وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَلَهُمْ عُلُوٌّ حَقِيقِيٌّ وَعُلُوٌّ مَجَازِيٌّ بِمَعْنَى الشَّرَفِ. وإِذْ يَخْتَصِمُونَ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ مَا كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ أَيْ حِينَ يَخْتَصِمُ أَهْلُ الْمَلَأِ الْأَعْلَى عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ، أَيْ فِي حِينِ تَنَازُعِ الْمَلَائِكَةِ وَإِبْلِيسَ فِي السَّمَاءِ. وَالتَّعْبِيرُ بِالْمُضَارِعِ فِي مَوْضِعِ الْمُضِيِّ لِقَصْدِ اسْتِحْضَارِ الْحَالَةِ، أَوْ حِينَ يَخْتَصِمُ الطَّاغُونَ وَأَتْبَاعُهُمْ فِي النَّارِ بَيْنَ يَدَيِ الْمَلَأِ الْأَعْلَى، أَيْ مَلَائِكَةِ النَّارِ أَوْ مَلَائِكَةُ الْمَحْشَرِ، وَالْمُضَارِعُ عَلَى أَصْلِهِ مِنَ الِاسْتِقْبَالِ. وَالِاخْتِصَامُ: افْتِعَالٌ مِنْ خَصَمَهُ، إِذَا نَازَعَهُ وَخَالَفَهُ فَهُوَ مُبَالَغَةٌ فِي خَصَمَ. وَجُمْلَةُ إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ مَا كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ، أَيْ مَا عَلِمْتُ بِذَلِكَ النَّبَأِ إِلَّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ ذَلِكَ لِأَكُونَ نَذِيرًا مُبِينًا. وَقَدْ رُكِّبَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مِنْ طَرِيقَيْنِ لِلْقَصْرِ: أَحَدُهُمَا طَرِيقُ النَّفْيِ وَالِاسْتِثْنَاءِ، وَالْآخَرُ طَرِيقُ أَنَّما الْمَفْتُوحَةِ الْهَمْزَةِ وَهِيَ أُخْتُ (إِنَّمَا) الْمَكْسُورَةِ الْهَمْزَةِ فِي مَعَانِيهَا الَّتِي مِنْهَا إِفَادَةُ الْحَصْرِ، وَلَا الْتِفَاتَ إِلَى قَوْلِ مَنْ نَفَوْا إِفَادَتَهَا الْحَصْرَ فَإِنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ

стр. 8036

(أَنَّ) الْمَفْتُوحَة الْهمزَة و (مَا) الْكَافَّةِ وَلَيْسَتْ (أَنَّ) الْمَفْتُوحَةَ الْهَمْزَةِ إِلَّا (إِنَّ) الْمَكْسُورَةَ تُغَيَّرُ كَسْرَةُ هَمْزَتِهَا إِلَى فَتْحَةٍ لِتُفِيدَ مَعْنًى مَصْدَرِيًّا مُشْرَبًا بِ (أَنِ) الْمَصْدَرِيَّةِ إِشْرَابًا بَدِيعًا جُعِلَ شِعَارُهُ فَتْحَ هَمْزَتِهَا لِتُشَابِهَ (أَنِ) الْمَصْدَرِيَّةَ فِي فَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتُشَابِهَ (إِنَّ) فِي تَشْدِيدِ النُّونِ، وَهَذَا مِنْ دَقِيقِ الْوَضْعِ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ. وَتَكُونُ أَنَّما مَفْتُوحَةَ الْهَمْزَةِ إِذَا جُعِلَتْ مَعْمُولَةً لِعَامِلٍ فِي الْكَلَامِ. وَالَّذِي يَقْتَضِيهُ مَقَامُ الْكَلَامِ هُنَا أَنَّ فَتْحَ هَمْزَةِ أَنَّما لِأَجْلِ لَامِ تَعْلِيلٍ مَقْدِرَةٍ مَجْرُورٍ بِهَا أَنَّما. وَالتَّقْدِيرُ: إِلَّا لِأَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ، أَيْ إِلَّا لِعِلَّةِ الْإِنْذَارِ، أَيْ مَا أُوحِيَ إِلَيَّ نَبَأُ الْمَلَأِ الْأَعْلَى إِلَّا لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ، أَيْ لَيْسَ لِمُجَرَّدِ الْقَصَصِ. فَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ عِلَلٍ، وَقَدْ نُزِّلَ فِعْلُ يُوحى مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ، أَيْ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَحْيٌ فَلَا يُقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ لِقِلَّةِ جَدْوَاهُ وَإِيثَارِ جَدْوَى تَعْلِيلِ الْوَحْيِ. وَبِهَذَا التَّقْدِيرِ تَكْمُلُ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ مَوْقِعِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَمَوْقِعِ جُمْلَةِ مَا كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ الْمُبَيَّنَةِ بِهَا جُمْلَةُ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ، إِذْ لَا مُنَاسَبَةَ لَوْ جُعِلَ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ مُسْتَثْنًى مِنْ نَائِبِ فَاعِلِ الْوَحْيِ بِأَنْ يُقَدَّرَ: إِنْ يُوحَى إِلَيَّ شَيْءٌ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَيْ مَا يُوحَى إِلَيَّ شَيْءٌ إِلَّا كَوْنِي نَذِيرًا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ التَّقْدِيرُ قَدْ يَسْبِقُ إِلَى الْوَهْمِ لَكِنَّهُ بِالتَّأَمُّلِ يَتَّضِحُ رُجْحَانُ تَقْدِيرِ الْعِلَّةِ عَلَيْهِ. فَأَفَادَتْ جُمْلَةُ إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ حَصْرَ حِكْمَةِ مَا يَأْتِيهُ مِنَ الْوَحْيِ فِي حُصُولِ الْإِنْذَارِ وَحَصْرَ صفة الرَّسُول ﷺ فِي صِفَةِ النِّذَارَةِ، وَيَسْتَلْزِمُ هَذَانِ الْحَصْرَانِ حَصْرًا ثَالثًا، وَهُوَ أَنَّ إِخْبَار الْقُرْآن وَحي مِنَ اللَّهِ وَلَيْسَتْ أَسَاطِيرَ الْأَوَّلِينَ كَمَا زَعَمُوا. فَحَصَلَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ ثَلَاثَةُ حُصُورٍ: اثْنَانِ مِنْهَا بِصَرِيحِ اللَّفْظِ، وَالثَّالثُ بِكِنَايَةِ الْكَلَامِ، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ [الْقَصَص: ٤٦] . وَهَذِهِ الْحُصُورُ: اثْنَانِ مِنْهَا إِضَافِيَّانِ، وَهُمَا قَصَرُ مَا يُوحَى إِلَيْهِ عَلَى عِلَّةِ النِّذَارَةِ وَقصر الرَّسُول ﷺ عَلَى صِفَةِ النِّذَارَةِ، وَكِلَاهُمَا قَلْبٌ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ الْقُرْآنَ لِيَتَّخِذُوهُ لَعِبًا

стр. 8037

وَاعْتِقَادِهِمْ أَن الرَّسُول ﷺ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ. وَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ ذِكْرَ نَبَأِ خَلْقِ آدَمَ قُصِدَ بِهِ الْإِنْذَارُ مِنْ كَيْدِ الشَّيْطَانِ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ إِلَّا إِنَّمَا بِكَسْرِ هَمْزَةِ إِنَّمَا عَلَى تَقْدِيرِ الْقَوْلِ، أَيْ مَا يُوحَى إِلَّا هَذَا الْكَلَام. [٧١- ٧٤] [سُورَة ص (٣٨) : الْآيَات ٧١ إِلَى ٧٤] إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٧٤) مَوْقِعُ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ صَالِحٌ لِأَنْ يَكُونَ اسْتِئْنَافًا فَإِذَا جَعَلْنَا النَّبَأَ بِمَعْنَى نَبَأِ أَهْلِ الْمَحْشَرِ الْمَوْعُودِ بِهِ فَيَكُونُ إِذْ قالَ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، عَلَى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارا [النَّمْل: ٦، ٧] ، وَنَظَائِرِهِ. فَإِمَّا عَلَى جَعْلِ النَّبَأِ بِمَعْنَى نَبَأِ خَلْقِ آدَمَ فَإِنَّ جُمْلَةَ إِذْ قالَ رَبُّكَ بَدَلٌ مِنْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [ص: ٦٩] بَدَلَ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ لِأَنَّ مُجَادَلَةَ الْمَلَأِ الْأَعْلَى عَلَى كِلَا التَّفْسِيرَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ غَيْرُ مُقْتَصِرَةٍ عَلَى قَضِيَّةِ قِصَّةِ إِبْلِيسَ، فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ مَالِكِ بْنِ يَخَامُرَ عَن النبيء ﷺ حَدِيثًا طَوِيلًا فِي رُؤْيا النبيء ﷺ : «أَنَّهُ رَأَى رَبَّهُ تَعَالَى فَقَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي. قَالَهَا ثَلَاثًا. ثُمَّ قَالَ بَعْدَ الثَّالثَةِ بَعْدَ أَنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، قُلْتُ: فِي الْكَفَّارَاتِ. قَالَ: مَا هُنَّ؟ قُلْتُ مَشْيُ الْأَقْدَامِ إِلَى الْحَسَنَاتِ وَالْجُلُوس فِي الْمَسَاجِد» . وَذَكَرَ أَشْيَاءَ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ (وَلَمْ يَذْكُرِ اخْتِصَامَهُمْ فِي قَضِيَّةِ خَلْقِ آدَمَ) . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيح وَقَالَ عَن الْبُخَارِيُّ: إِنَّهُ أَصَحُّ مِنْ غَيْرِهِ مِمَّا فِي مَعْنَاهُ وَلَمْ يُخْرِجْهُ الْبُخَارِيُّ فِي «صَحِيحِهِ» وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِهَذِهِ الْآيَةِ، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ «التَّفْسِيرِ» لِأَنَّ مَا ذُكِرَ فِيهِ بَعْضٌ مِمَّا يَخْتَصِمُ فِيهِ أَهْلُ الْمَلَأِ الْأَعْلَى مُرَادٌ بِهِ اخْتِصَامٌ خَاصٌّ هُوَ مَا جَرَى بَيْنَهُمْ فِي قِصَّةِ خَلْقِ آدَمَ وَالْمُقَاوَلَةِ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ الْمَلَائِكَةِ لِأَنَّ قَوْلَهُ: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ قَالُوا كَلَامًا دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ أَطَاعُوا اللَّهَ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ، بَلْ وَرَدَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ تَفْصِيلُ مَا جَرَى مِنْ قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ فَهُوَ يُبَيِّنُ مَا

стр. 8038

أُجْمِلَ هُنَا وَإِنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا إِذِ الْمَقْصُودُ مِنْ سَوْقِ الْقِصَّةِ هُنَا الِاتِّعَاظُ بِكِبْرِ إِبْلِيسَ دُونَ مَا نَشَأَ عَنْ ذَلِكَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِذْ قالَ رَبُّكَ مَنْصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أَيِ اذْكُرْ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ، وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ ضَمِيرَ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ [ص: ٦٧] لَيْسَ ضَمِيرَ شَأْنٍ بَلْ هُوَ عَائِدٌ إِلَى مَا قَبْلَهُ وَأَنَّ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [ص: ٦٩] مُرَادٌ بِهِ خُصُومَةَ أَهْلِ النَّارِ. وَقِصَّةُ خَلْقِ آدَمَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي سُوَرٍ كَثِيرَةٍ أَشْبَهُهَا بِمَا هُنَا مَا فِي سُورَةِ الْحِجْرِ، وَأَبْيَنُهَا مَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَوَقَعَ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ [٣١] إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ فَيَكُونُ مَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ يُبَيِّنُ الْبَاعِثَ عَلَى الْإِبَايَةِ. وَوَقَعَتْ هُنَا زِيَادَةُ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ، وَهُوَ بَيَانٌ لِكَوْنِ الْمُرَادِ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ [٣١] مِنْ قَوْلِهِ: أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ الْإِبَايَةَ مِنَ الْكَوْنِ مِنَ السَّاجِدِينَ لِلَّهِ، أَيْ الْمُنَزِّهِي اللَّهَ عَنِ الظُّلْمِ وَالْجَهْلِ. وَوَقَعَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا سَاعَتَئِذٍ، أَيْ سَاعَةَ إِبَائِهِ مِنَ السُّجُودِ وَلَمْ يَكُنْ قَبْلُ كَافِرًا، فَفِعْلُ كانَ الَّذِي وَقَعَ فِي هَذَا الْكَلَامِ حِكَايَةً لِكُفْرِهِ الْوَاقِعِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: « (كَانَ) جَارٍ عَلَى بَابِ سَائِرِ الْأَفْعَالِ الْمَاضِيَةِ إِلَّا أَنَّ فِيهِ إِخْبَارًا عَنِ الْحَالَةِ فِيمَا مَضَى، إِذَا قُلْتَ: كَانَ زَيْدٌ عَالِمًا، فَقَدَ أَنْبَأْتَ عَنْ أَنَّ حَالَتَهُ فِيمَا مَضَى مِنَ الدَّهْرِ هَذَا، وَإِذَا قُلْتَ: سَيَكُونُ عَالِمًا فَقَدْ أَنْبَأْتَ عَنْ أَنَّ حَالَةً سَتَقَعُ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ، فَهُمَا عِبَارَتَانِ عَنِ الْأَفْعَالِ وَالْأَحْوَالِ» اه. وَقَدْ بَدَتْ مِنْ إِبْلِيسَ نَزْعَةٌ كَانَتْ كَامِنَةً فِي جِبِلَّتِهِ وَهِيَ نَزْعَةُ الْكِبْرِ وَالْعِصْيَانِ، وَلَمْ تَكُنْ تَظْهَرُ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَلَأَ الَّذِي كَانَ مَعَهُمْ كَانُوا عَلَى أَكْمَلِ حُسْنِ الْخِلْطَةِ فَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ مُثِيرٌ لِمَا سَكَنَ فِي نَفْسِهِ مِنْ طَبْعِ الْكِبْرِ وَالْعِصْيَانِ. فَلَمَّا طَرَأَ عَلَى ذَلِكَ الْمَلَأِ مَخْلُوقٌ جَدِيدٌ وَأُمِرَ أَهْلُ الْمَلَأِ الْأَعْلَى بِتَعْظِيمِهِ كَانَ ذَلِكَ مُورِيًّا زِنَادَ الْكِبْرِ فِي نَفْسِ إِبْلِيسَ فَنَشَأَ عَنْهُ الْكُفْرُ بِاللَّهِ وَعِصْيَانُ أَمْرِهِ.

стр. 8039

وَهَذَا نَامُوسٌ خِلْقِيٌّ جَعَلَهُ اللَّهُ مَبْدَأً لِهَذَا الْعَالَمِ قَبْلَ تَعْمِيرِهِ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْحَوَادِثُ وَالْمَضَائِقُ مِعْيَارِ الْأَخْلَاقِ وَالْفَضِيلَةِ، فَلَا يُحْكَمُ عَلَى نَفْسٍ بِتَزْكِيَةٍ أَوْ ضِدِّهَا إِلَّا بَعْدَ تَجْرِبَتِهَا وَمُلَاحَظَةِ تَصَرُّفَاتِهَا عِنْدَ حُلُولِ الْحَوَادِثِ بِهَا. وَقَدْ مُدِحَ رَجُلٌ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِالْخَيْرِ، فَقَالَ عُمَرُ: هَلْ أَرَيْتُمُوهُ الْأَبْيَضَ وَالْأَصْفَرَ؟ يَعْنِي الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ. وَقَالَ الشَّاعِر: لَا تمد حنّ امْرأ حَتَّى تُجَرِّبَهُ ... وَلَا تَذُمَّنَّهُ مِنْ قَبْلِ تَجْرِيبِ. إِنَّ الرِّجَالَ صَنَادِيقٌ مُقَفَّلَةٌ ... وَمَا مَفَاتِيحُهَا غِيَرُ التَّجَارِيبِ وَوَجْهُ كَوْنِهِ مِنَ الْكَافِرِينَ أَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ امْتِنَاعَ طَعْنٍ فِي حِكْمَةِ اللَّهِ وَعِلْمِهِ، وَذَلِكَ كُفْرٌ لَا مَحَالَةَ، وَلَيْسَ كَامْتِنَاعِ أَحَدٍ مِنْ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ إِنْ لَمْ يَجْحَدْ أَنَّهَا حَقٌّ خِلَافًا لِلْخَوَارِجِ وَكَذَلِكَ الْمُعْتَزلَة. [٧٥- ٧٦] [سُورَة ص (٣٨) : الْآيَات ٧٥ إِلَى ٧٦] قالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (٧٥) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) أَيْ خَاطَبَ اللَّهُ إِبْلِيسَ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْخِطَابَ حِينَئِذٍ كَانَ بِوَاسِطَةِ مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِأَنَّ إِبْلِيسَ لَمَّا اسْتَكْبَرَ قَدِ انْسَلَخَ عَنْ صِفَةِ الْمَلَكِيَّةِ فَلم يعد بعد أَهْلًا لِتَلَقِّي الْخِطَابِ مِنَ اللَّهِ وَلَمْ يَكُنْ أَرْفَعُ رُتْبَةً مِنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشاءُ [الشورى: ٥١] ، وَبِذَلِكَ تَكُونُ الْمُحَاوَرَةُ الْمَحْكِيَّةُ هُنَا بِوَاسِطَةِ مَلَكٍ فَيَكُونُ الِاخْتِصَامُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى جَعْلِ ضمير يَخْتَصِمُونَ [ص: ٦٩] عَائِدًا إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى كَمَا تَقَدَّمَ. وَجِيءَ بِفِعْلِ قالَ غَيْرَ مَعْطُوفٍ حَسْبَ طَرِيقَةِ الْمُقَاوَلَاتِ. وَتَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ إِلَّا قَوْلَهُ هُنَا مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ، أَيْ مَا مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ، وَوَقَعَ فِي سُورَة [الْأَعْرَاف: ١٢] أَلَّا تَسْجُدَ عَلَى أَنْ لَا زَائِدَةً. وَحُكِيَ هُنَا أَنَّ اللَّهَ قَالَ لَهُ: لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ، أَيْ خَلَقْتُهُ بِقُدْرَتِي، أَيْ خَلْقًا خَاصًّا دَفْعَةً وَمُبَاشَرَةً لِأَمْرِ التَّكْوِينِ، فَكَانَ تَعَلُّقُ هَذَا التكوين تعلقا أَقْرَبَ مَنْ تَعَلُّقِهِ بِإِيجَادِ الْمَوْجُودَاتِ

стр. 8040

الْمُرَتَّبَةِ لَهَا أَسْبَابٌ تُبَاشِرُهَا مِنْ حَمَلٍ وَوِلَادَةٍ كَمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي تَخَلُّقِ الْمَوْجُودَاتِ عَنْ أُصُولِهَا. وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ خَلْقَ آدَمَ فِيهِ عِنَايَةٌ زَائِدَةٌ وَتَشْرِيفُ اتِّصَالٍ أَقْرَبُ. فَالْيَدَانِ تَمْثِيلٌ لِتَكَوُّنِ آدَمَ مِنْ مُجَرَّدِ أَمْرِ التَّكْوِينِ لِلطِّينِ بِهَيْئَةِ صُنْعِ الْفَخَّارِيِّ لِلْإِنَاءِ مِنْ طِينٍ إِذْ يُسَوِّيهِ بِيَدَيْهِ. وَكَانَ السَّلَفُ يُقِرُّونَ أَنَّ الْيَدَيْنِ صِفَةٌ خَاصَّةٌ لِلَّهِ تَعَالَى لِوُرُودِهِمَا فِي الْقُرْآنِ مَعَ جَزْمِهِمْ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ عَنْ مُشَابَهَةِ الْمَخْلُوقَاتِ وَعَنِ الْجِسْمِيَّةِ وَقَصْدُهُمُ الْحَذَرُ مِنْ تَحْكِيمِ الْآرَاءِ فِي صِفَاتِ اللَّهِ، أَوْ أَنْ تَحْمِلَ الْعُقُولُ الْقَاصِرَةُ صِفَاتِ اللَّهِ عَلَى مَا تَعَارَفَتْهُ وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي [طه: ٣٩] وَقَالَ مَرَّةً فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [الطّور: ٤٨] . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي الْآيَات المشاهبة فِي أَوَّلِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ. وَفِي إِلْقَاءِ هَذَا السُّؤَالِ إِلَى إِبْلِيسَ قَطْعٌ بِمَعْذِرَتِهِ. وَالْمَعْنَى: أَمِنْ أَجْلِ أَنَّكَ تَتَعَاظَمُ بِغَيْرِ حَقٍّ أَمْ لِأَنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْعُلُوِّ، وَالْمُرَادُ بِالْعُلُوِّ الشَّرَفُ، أَيْ مِنَ الْعَالِينَ عَلَى آدَمَ فَلَا يَسْتَحِقُّ أَنْ تُعَظِّمَهُ فَأَجَابَ إِبْلِيسُ مِمَّا يُشَقُّ الثَّانِي. فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ يَعُدُّ نَفْسَهُ أَفْضَلَ مِنْ آدَمَ لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ النَّارِ وَآدَمَ مَخْلُوقٌ مِنَ الطِّينِ، يَعْنِي وَالنَّارُ أَفْضَلُ مِنَ الطِّينِ، أَيْ فِي رَأْيِهِ. وَعَبَّرَ عَنْ آدَمَ بَاسِمِ «مَا» الْمَوْصُولَةِ وَهُوَ حِينَئِذٍ إِنْسَانٌ لِأَنَّ سُجُودَ الْمَلَائِكَةِ لِآدَمَ كَانَ بَعْدَ خَلْقِهِ وَتَعْلِيمِهِ الْأَسْمَاءَ كَمَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَيُؤَيِّدُ قَوْلَ أَهْلِ التَّحْقِيقِ أَنَّ «مَا» لَا تَخْتَصُّ بِغَيْرِ الْعَاقِلِ وَشَوَاهِدُهُ كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ. وَقَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ قَوْلٌ مِنَ الشَّيْطَانَ حُكِيَ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُحَاوَرَاتِ. وَجُمْلَةُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ بَيَانٌ لِجُمْلَةِ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ. وَقَدْ جَعَلَ إِبْلِيسُ عُذْرَهُ مَبْنِيًّا عَلَى تَأْصِيلِ أَنَّ النَّارَ خَيْرٌ مِنَ الطِّينِ وَلَمْ يَرِدْ فِي الْقُرْآنِ أَنَّ اللَّهَ رَدَّ عَلَيْهِ هَذَا التَّأْصِيلَ لِأَنَّهُ أَحْقَرُ مِنْ ذَلِكَ فَلَعَنَهُ وَأَطْرَدَهُ لِأَنَّهُ ادَّعَى بَاطِلًا وَعَصَى رَبَّهُ اسْتِكْبَارًا: وَطَرْدُهُ أَجْمَعُ لِإِبْطَالِ عِلْمِهِ وَدَحْضِ دَلِيلِهِ، غَيْرَ أَنَّ النُّورَ الَّذِي فِي النَّارِ نُورٌ عَارِضٌ قَائِمٌ بِالْأَجْسَامِ الْمُلْتَهِبَةِ الَّتِي تُسَمَّى نَارًا، وَلَيْسَ لِلنَّارِ قِيَامٌ بِنَفْسِهَا وَلِذَلِكَ لَمْ تُعَدَّ أَنْ يَكُونَ كِيَانُهَا مَخْلُوطًا بِمَا يُلْهِبُهَا. وَمَعْنَى كَوْنِ الشَّيْطَانِ مَخْلُوقًا مِنَ النَّارِ أَنَّ ابْتِدَاءَ تَكَوُّنِ الذَّرَّةِ الْأَصْلِيَّةِ لِقِوَامِ

стр. 8041

مَاهِيَّتِهِ مِنْ عُنْصُرِ النَّارِ، ثُمَّ تَمْتَزِجُ تِلْكَ الذَّرَّةُ بِعَنَاصِرَ أُخْرَى مِثْلَ الْهَوَاءِ وَمَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ. وَمَعْنَى كَوْنِ آدَمَ مَخْلُوقًا مِنَ الطِّينِ أَنَّ ابْتِدَاءَ تَكَوُّنِ ذَرَّاتِ جُثْمَانِهِ مِنْ عُنْصُرِ التُّرَابِ وَأُدْخِلَ عَلَى تِلْكَ الذَّرَّاتِ مَا امْتَزَجَتْ بِهِ عَنَاصِرُ الْهَوَاءِ وَالْمَاءِ وَالنَّارِ وَمَا يَتَوَلَّدُ عَلَى ذَلِكَ التَّرْكِيبِ مِنْ عَنَاصِرَ كِيمَاوِيَّةٍ وَقُوَّةٍ كَهْرَبَائِيَّةٍ تَتَقَوَّمُ بِمَجْمُوعِهَا مَاهِيَّةُ الْإِنْسَانِ. وَتَكُونُ مِنْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ابْتِدَائِيَّةً لَا تَبْعِيضِيَّةً. وَقَدْ جَزَمَ الْفَلَاسِفَةُ الْأَوَّلُونَ وَالْأَطِبَّاءُ بِأَنَّ عُنْصُرَ النَّارِ أَشْرَفُ مِنْ عُنْصُرِ التُّرَابِ- وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْأَرْضِ- لِأَنَّ النَّارَ لَطِيفَةٌ مُضِيئَةُ اللَّوْنِ وَالتُّرَابَ كَثِيفٌ مُظْلِمُ اللَّوْنِ. وَقَالَ الشِّيرَازِيُّ فِي «شَرْحِ كُلِّيَّاتِ الْقَانُونِ» : إِنَّ النَّارَ وَإِنْ تَرَجَّحَتْ عَلَى الْأَرْضِ بِمَا ذُكِرَ فَالْأَرْضُ رَاجِحَةٌ عَلَيْهَا بِأَنَّهَا خَيْرٌ لِلْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ، وَغَيْرُ مُفْسِدَةٍ بِبَرْدِهَا، بِخِلَافِ النَّارِ فَإِنَّهَا مُفْسِدَةٌ بِحَرِّهَا لِكَوْنِهِ فِي الْغَايَةِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَالْحَقُّ: أَنَّ أَفْضَلِيَّةَ الْعَنَاصِرِ لَا تَقْتَضِي أَفْضَلِيَّةَ الْكَائِنَاتِ الْمُنْشَأَةِ مِنْهَا لِأَنَّ الْعَنَاصِرَ أَجْرَامٌ بَسِيطَةٌ لَا تَتَكَوَّنُ الْمَخْلُوقَاتُ مِنْ مُجَرَّدِهَا بَلِ الْمَخْلُوقَاتُ تَتَكَوَّنُ بِالتَّرْكِيبِ بَيْنَ الْعَنَاصِرِ، وَالْأَجْسَامُ الْإِنْسَانِيَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الْعَنَاصِرِ كُلِّهَا. وَالرُّوحُ الْآدَمِيُّ لَطِيفَةٌ نُورَانِيَّةٌ تَفَوَّقَ بِهَا الْإِنْسَانُ عَلَى جَمِيعِ الْمُرَكَّبَاتِ بِأَنْ كَانَ فِيهِ جُزْءٌ مَلَكِيٌّ شَارَكَ بِهِ الْمَلَائِكَةَ، وَلِذَلِكَ طَلَبَ مِنْهُ خَالِقُهُ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ أَنْ يُلْحِقَ نَفْسَهُ بِالْمَلَائِكَةِ فَتَحَقَّقَ ذَلِكَ الِالْتِحَاقُ كَامِلًا فِي الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قُلْنَا: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ أَفْضَلُ من الْمَلَائِكَة لَا ستواء الْفَرِيقَيْنِ فِي تَمَحُّضُ النُّورَانِيَّةِ وَتَمَيَّزَ فَرِيقُ الْأَنْبِيَاءِ بِأَنَّهُمْ لَحِقُوا تِلْكَ الْمَرَاتِبَ بِالِاصْطِفَاءِ وَالطَّاعَةِ، فَلَيْسَ لِإِبْلِيسَ دَلِيلٌ فِي التَّفْضِيلِ عَلَى آدَمَ وَإِنَّمَا عَرَضَتْ لَهُ شُبْهَةٌ ضَالَّةٌ وَلِذَلِكَ جُوزِيَ عَلَى إِبَائِهِ مِنَ السُّجُودِ إِلَيْهِ بِالطَّرْدِ مِنَ الْمَلَأِ الْأَعْلَى. وَإِنَّمَا بَسَطْنَا الْقَوْلَ هُنَا لِرَدِّ شُبَهِ طَائِفَةٍ مِنَ الْمَلَاحِدَةِ الَّذِينَ يُصَوِّبُونَ شُبْهَةَ إِبْلِيسَ طَعْنًا فِي الدِّينِ لَا إِيمَانًا بِالشَّيَاطِينِ لِيَعْلَمُوا أَنَّهُ لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ النَّارَ أَشْرَفُ مِنَ الطِّينِ لَمَا كَانَ ذَلِكَ مُقْتَضِيًا أَنْ يَكُونَ مَا يَنْشَأُ مِنَ النَّارِ أَفْضَلُ مِمَّا يَنْشَأُ مِنَ الطِّينِ لِأَنَّ

стр. 8042

الْمَخْلُوقَ كَائِنٌ مُرَكَّبٌ مِنْ عَنَاصِرَ وَأَجْزَاءٍ مُتَفَاوِتَةٍ وَالتَّرْكِيبُ قَدْ يَدْخُلُ عَلَى الْمَادَّةِ الْأُولَى شَرَفًا وَقَدْ يَدْخُلُ عَلَيْهَا حَقَارَةً، وَالتَّفَاضُلُ إِنَّمَا يَتَقَوَّمُ مِنَ الْكَمَالِ فِي الذَّات والْآثَار. [٧٧- ٧٨] [سُورَة ص (٣٨) : الْآيَات ٧٧ إِلَى ٧٨] قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) عَاقَبَهُ اللَّهُ عَلَى مَا بَرَزَ مِنْ نَفْسَانِيَّتِهِ فَخَالَفَ مَا كَانَ مِنْ طَرِيقَتِهِ فَأَطْرَدَهُ مِنَ الْمَلَأِ الْأَعْلَى وَمِنَ الْجَنَّةِ، وَضَمِيرُ قالَ عَائِدٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى طَرِيقَةِ حِكَايَةِ الْمُقَاوَلَاتِ. وَفُرِّعَ أَمْرُهُ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْجَنَّةِ بِالْفَاءِ عَلَى مَا تَقَدَّمَهُ مِنَ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ لِأَنَّ جَوَابَهُ دَلَّ عَلَى كَوْنِ خُبْثٍ فِي نَفْسِهِ بِدَتْ آثَارُهُ فِي عَمَلِهِ فَلَمْ يَصْلُحْ لِمُخَالَطَةِ أَهْلِ الْمَلَأِ الْأَعْلَى. وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ. وَاللَّعْنَةُ: الْإِبْعَادُ مِنْ رَحْمَة الله، وأضيف إِلَى اللَّهِ لِتَشْنِيعِ مُتَعَلِّقِهَا وَهُوَ الْمَلْعُونُ لِأَنَّ الْمَلْعُونَ مِنْ جَانِبِ اللَّهِ هُوَ أَشْنَعُ مَلْعُونٍ. وَجُعِلَ يَوْمِ الدِّينِ غَايَةَ اللَّعْنَةِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى دَوَامِهَا مُدَّةَ هَذِهِ الْحَيَاةِ كُلِّهَا لِيَسْتَغْرِقَ الْأَزْمِنَةَ كُلَّهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ حُصُولُ ضِدِّ اللَّعْنَةِ لَهُ يَوْمَ الدِّينِ أَعْنِي الرَّحْمَةَ لِأَنَّ يَوْمَ الدِّينِ يَوْمُ الْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ فَجَزَاءُ الْمَلْعُونِ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ كَمَا أَنْبَأَ بِذَلِكَ التَّعْبِيرُ بِ يَوْمِ الدِّينِ دُونَ: يَوْمِ يُبْعَثُونَ [ص: ٧٩] ، أَوْ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ [ص: ٨١] . [٧٩- ٨١] [سُورَة ص (٣٨) : الْآيَات ٧٩ إِلَى ٨١] قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) أَيْ قَالَ إِبْلِيسُ. وَتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ وَتَفْسِيرُهَا هُنَاكَ مُسْتَوفى. [٨٢- ٨٣] [سُورَة ص (٣٨) : الْآيَات ٨٢ إِلَى ٨٣] قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) الْفَاءُ لِتَفْرِيعِ كَلَامِهِ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ إِيَّاهُ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْجَنَّةِ وَعِقَابِهِ إِيَّاهُ بِاللَّعْنَةِ

стр. 8043

الدَّائِمَةِ وَهَذَا التَّفْرِيعُ مِنْ تَرْكِيبِ كَلَامِ مُتَكَلم على كَلَام مُتَكَلِّمٍ آخَرَ. وَهُوَ الْمُلَقَّبُ بِعَطْفِ التَّلْقِينِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٢٤] . أَقْسَمَ الشَّيْطَانُ بِعِزَّةِ اللَّهِ تَحْقِيقًا لِقِيَامِهِ بِالْإِغْوَاءِ دُونَ تَخَلُّفٍ، وَإِنَّمَا أَقْسَمَ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ يَعْلَمُ عَظَمَةَ هَذَا الْقَسَمِ لِأَنَّهُ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرَهُ عَلَى الْقِيَامِ بِالْإِغْوَاءِ وَالْوَسْوَسَةِ وَقَدْ قَالَ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ [٣٩] : رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. وَالْعِزَّةُ: الْقَهْرُ وَالسُّلْطَانُ، وَعِزَّةُ اللَّهِ هِيَ الْعِزَّةُ الْكَامِلَةُ الَّتِي لَا تَخْتَلُّ حَقِيقَتُهَا وَلَا يَتَخَلَّفُ سُلْطَانُهَا، وَقَسَمُ إِبْلِيس بهَا ناشىء عَنْ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ الْإِغْوَاءَ إِلَّا لِأَنَّ اللَّهَ أَقْدَرَهُ وَلَوْلَا ذَلِك لم يسْتَطع نَقْضَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ: وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ فِي سُورَة [الْحجر: ٤٠] . [٨٤- ٨٥] [سُورَة ص (٣٨) : الْآيَات ٨٤ إِلَى ٨٥] قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) أَيْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى تَفْرِيعًا، وَهَذَا التَّفْرِيعُ نَظِيرُ التَّفْرِيعِ فِي قَوْلِهِ: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: ٨٢] . وَقُوبِلَ تَأْكِيدُ عَزْمِهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْله فَبِعِزَّتِكَ [ص: ٨٢] بِتَأْكِيدٍ مِثْلِهِ، وَهُوَ لَفْظُ الْحَقَّ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَهُ حَقٌّ ثَابِتٌ لَا يَتَخَلَّفُ، وَلَمْ يَزِدْ فِي تَأْكِيدِ الْخَبَرِ عَلَى لَفْظِ الْحَقَّ تَذْكِيرًا بِأَنَّ وَعْدَ اللَّهِ تَعَالَى حَقٌّ لَا يَحْتَاجُ إِلَى قَسَمٍ عَلَيْهِ تَرَفُّعًا مِنْ جَلَالِ اللَّهِ عَنْ أَنْ يُقَابِلَ كَلَامَ الشَّيْطَانِ بِقَسَمٍ مِثْلِهِ. وَلِذَلِكَ زَادَ هَذَا الْمَعْنَى تَقْرِيرًا بِالْجُمْلَةِ الْمُعْتَرِضَةِ وَهِيَ وَالْحَقَّ أَقُولُ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى: لَا أَقُولُ إِلَّا الْحَقَّ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى الْقَسَمِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: فَالْحَقُّ بِالنَّصْبِ وَانْتِصَابُهُ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ بَدَلًا عَنْ فِعْلٍ مِنْ لَفْظِهِ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أُحِقُّ، أَيْ أُوجِبُ وَأُحَقِّقُ. وَأَصْلُهُ التَّنْكِيرُ، فَتَعْرِيفُهُ بِاللَّامِ تَعْرِيفَ الْجِنْسِ كَالتَّعْرِيفِ فِي: أَرْسَلَهَا الْعِرَاكُ، فَهُوَ فِي حُكْمِ النَّكِرَةِ

стр. 8044

وَإِنَّمَا تَعْرِيفُهُ حِلْيَةٌ لَفْظِيَّةٌ إِشَارَةً إِلَى مَا يَعْرِفُهُ السَّامِعُ مِنْ أَنَّ الْحَقَّ مَا هُوَ وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ. وَقَرَأَهُ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ لَمَّا تَعَرَّفَ بِاللَّامِ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الِاسْمِيَّةُ فَتُنُوسِيَ كَوْنُهُ نَائِبًا عَنِ الْفِعْلِ. وَهَذَا الرَّفْعُ إِمَّا عَلَى الِابْتِدَاءِ، أَيْ فَالْحَقُّ قَوْلِي، أَوْ فَالْحَقُّ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ إِلَخْ، عَلَى أَنْ تَكُونَ جُمْلَةُ الْقَسَمِ قَائِمَةً مَقَامَ الْخَبَرِ، وَإِمَّا عَلَى الْخَبَرِيَّةِ، أَيْ فَقَوْلِيَ الْحَقُّ وَتَكُونُ جُمْلَةُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مُفَسِّرُ الْقَوْلِ الْمَحْذُوفِ، وَلَا خِلَافَ فِي نَصْبِ الْحَقِّ مِنْ قَوْلِهِ: وَالْحَقَّ أَقُولُ. وَتَقَدَّمَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ. وَجُمْلَةُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ إِلَخْ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ فَالْحَقُّ وَهِيَ مُؤَكَّدَةٌ بِلَامِ الْقسم وَالنُّون. وَتقدم الْمَفْعُولِ فِي وَالْحَقَّ أَقُولُ لِلِاخْتِصَاصِ، أَيْ وَلَا أَقُولُ إِلَّا الْحَقَّ. وَ (مِنْ) فِي قَوْلِهِ: مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ بَيَانِيَّةٌ وَهِيَ الَّتِي تَدْخُلُ عَلَى التَّمْيِيزِ وَيَنْتَصِبُ التَّمْيِيزُ بِتَقْدِيرِ مَعْنَاهَا. وَتَدْخُلُ عَلَى تَمْيِيزِ (كَمْ) فِي نَحْوِ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ [ص: ٣] ، وَهِيَ هُنَا بَيَانٌ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ لَأَمْلَأَنَّ مِنْ مِقْدَارٍ مُبْهَمٍ فَبُيِّنَ بِآيَةِ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ وَلَمَّا كَانَ شَأْنُ مَدْخُولِ «مِنِ» الْبَيَانِيَّةِ أَنْ يَكُونَ نَكِرَةً تَعَيَّنَ اعْتِبَارُ كَافِ الْخِطَابِ فِي مَعْنَى اسْمِ الْجِنْسِ، أَيْ مِنْ جِنْسِكَ الشَّيَاطِينِ إِذْ لَا تَكُونُ ذَات إِبْلِيس مَلأ لِجَهَنَّمَ. وَإِذْ قَدْ عُطِفَ عَلَيْهِ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَيْ مَنْ تَبِعَكَ مِنَ الَّذِينَ أَغْوَيْتَهُمْ مِنْ بَنِي آدَمَ، فَلَا جَائِزَ أَنْ يَبْقَى مَنْ عَدَا هَذَيْنِ مِنَ الشَّيَاطِينِ وَالْجِنَّةِ غَيْرَ مِلْءٍ لِجَهَنَّمَ. وأَجْمَعِينَ تَوْكِيدٌ لضمير مِنْكَ و «لمن» فِي قَوْلِهِ: وَمِمَّنْ تَبِعَكَ. وَاعْلَمْ أَنَّ حِكَايَةَ هَذِهِ الْمُقَاوَلَةِ بَيْنَ كَلَامِ اللَّهِ وَبَيْنَ الشَّيْطَانِ حِكَايَةٌ لِمَا جَرَى فِي خَلَدِ الشَّيْطَانِ مِنَ الْمَدَارِكِ الْمُتَرَتِّبَةِ الْمُتَوَلِّدَةِ فِي قَرَارَةِ نَفْسِهِ، وَمَا جَرَى فِي إِرَادَةِ اللَّهِ مِنَ الْمُسَبَّبَاتِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى أَسْبَابِهَا مِنْ خَوَاطِرِ الشَّيْطَانِ لِأَنَّ الْعَالَمَ الَّذِي جَرَتْ فِيهِ هَذِهِ الْأَسْبَابُ وَمُسَبَّبَاتُهَا عَالَمُ حَقِيقَةٍ لَا يَجْرِي فِيهِ إِلَّا الصِّدْقُ وَلَا مَطْمَعَ فِيهِ لِتَرْوِيجِ

стр. 8045

الْمُوَارَبَةِ وَلَا الْحِيلَةِ وَلِذَلِكَ لَا تُعَدُّ خَوَاطِرُ الشَّيْطَانِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ جَرْأَةً عَلَى جَلَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا تُعَدُّ مُجَازَاةُ اللَّهِ تَعَالَى الشَّيْطَانَ عَلَيْهِ تَنَازُلًا مِنَ اللَّهِ لِمُحَاوَرَةِ عَبَدٍ بَغِيضٍ لِلَّهِ تَعَالَى. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحِجْرِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَقْوَالُ الَّتِي جَرَتْ مِنَ الشَّيْطَانَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْأَقْوَالُ الَّتِي أَلْقَاهَا الله عَلَيْهِ. [٨٦- ٨٨] [سُورَة ص (٣٨) : الْآيَات ٨٦ إِلَى ٨٨] قُلْ مَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨) لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِإِبْلَاغِ الْمَوَاعِظِ وَالْعِبَرِ الَّتِي تَضَمَّنَتْهَا هَذِهِ السُّورَةُ أَمَرَهُ عِنْدَ انْتِهَائِهَا أَنْ يَقْرَعَ أَسْمَاعَهُمْ بِهَذَا الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ كَالْفَذْلَكَةِ لِلسُّورَةِ تَنْهِيَةً لَهَا تسجيلا عَلَيْهِمْ أَنَّهُ مَا جَاءَهُمْ إِلَّا بِمَا يَنْفَعُهُمْ وَلَيْسَ طَالِبًا مِنْ ذَلِكَ جَزَاءً، أَيْ لَوْ سَأَلَهُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا لَرَاجَ اتِّهَامُهُمْ إِيَّاهُ بِالْكَذِبِ لِنَفْعِ نَفْسِهِ، فَلَمَّا انْتَفَى ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَنْتَفِيَ تَوَهُّمُ اتِّهَامِهِ بِالْكَذِبِ لِأَنَّ وَازِعَ الْعَقْلِ يصرف صَاحبه على أَنْ يَكْذِبَ لِغَيْرِ نَفْعٍ يَرْجُوهُ لِنَفْسِهِ. وَالْمَعْنَى عُمُومُ نَفْيِ سُؤَالِهِ الْأَجْرَ مِنْهُمْ مِنْ يَوْمِ بُعِثَ إِلَى وَقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ وَهُوَ قِيَاسُ اسْتِقْرَاءٍ لِأَنَّهُمْ إِذَا اسْتَقْرَوْا أَحْوَال الرَّسُول ﷺ فِيمَا مَضَى وَجَدُوا انْتِفَاءَ سُؤَالِهِ أَجْرًا أَمْرًا عَامًّا بِالِاسْتِقْرَاءِ التَّامِّ الْحَاصِلِ مِنْ جَمِيعِ أَفْرَادِ الْمُشْرِكِينَ فِي جَمِيعِ مُخَالَطَاتِهِمْ إِيَّاهُ، فَهُوَ أَمْرٌ مُتَوَاتِرٌ بَيْنَهُمْ فَهَذَا إِبْطَالٌ لقَولهم كَذَّابٌ [ص: ٤] الْمَحْكِيُّ عَنْهُمْ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ وَإِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَى صِدْقِ رِسَالَتِهِ كَمَا سَيَجِيءُ. وَضَمِيرُ عَلَيْهِ عَائِدٌ إِلَى الْقُرْآنِ الْمَعْلُومِ مِنَ الْمَقَامِ فَإِنَّ مَبْدَأَ السُّورَةِ قَوْلُهُ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ [ص: ١] فَهَذَا مِنْ رَدِّ الْعَجز على الْمصدر. وَعَطْفُ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ أَفَادَ انْتِفَاءَ جَمِيعِ التَّكَلُّفِ عَن النبيء ﷺ . وَالتَّكَلُّفُ: مُعَالَجَةُ الْكُلْفَةِ، وَهِيَ مَا يَشُقُّ عَلَى الْمَرْءِ عَمَلُهُ وَالْتِزَامُهُ لِكَوْنِهِ يُحْرِجُهُ

стр. 8046

أَوْ يَشُقُّ عَلَيْهِ، وَمَادَّةُ التَّفَعُّلِ تَدُلُّ عَلَى مُعَالَجَةِ مَا لَيْسَ بِسَهْلٍ، فَالْمُتَكَلِّفُ هُوَ الَّذِي يَتَطَلَّبُ مَا لَيْسَ لَهُ أَوْ يَدَّعِي عِلْمَ مَا لَا يَعْلَمُهُ. فَالْمَعْنَى هُنَا: مَا أَنَا بِمُدَّعٍ النُّبُوءَةَ بَاطِلًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوحَى إِلَيَّ وَهُوَ رَدٌّ لقَولهم: كَذَّابٌ [ص: ٤] وَبِذَلِكَ كَانَ كَالنَّتِيجَةِ لقَوْله: مَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّفَ شَيْئًا إِنَّمَا يَطْلُبُ مِنْ تَكَلُّفِهِ نَفْعًا، فَالْمَعْنَى: وَمَا أَنَا مِمَّنْ يَدَّعُونَ مَا لَيْسَ لَهُمْ. وَمِنْهُ حَدِيثُ الدَّارَقُطْنِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَمَرَّ عَلَى رَجُلٍ جَالسٍ عِنْدَ مِقْرَاةٍ لَهُ (أَيْ حَوْضِ مَاءٍ) ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا صَاحِبَ الْمَقْرَاةِ أَوَلَغَتِ السِّبَاعُ اللَّيْلَةَ فِي مَقْرَاتِكَ؟ فَقَالَ لَهُ النبيء ﷺ : يَا صَاحِبَ الْمَقْرَاةِ لَا تُخْبِرْهُ، هَذَا مُتَكَلِّفٌ لَهَا مَا حَمَلَتْ فِي بُطُونِهَا وَلَنَا مَا بَقِيَ شَرَابٌ وَطَهُورٌ. وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنه قَالَ: «يَا أَيهَا النَّاسُ مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ عِلْمًا فَلْيَقُلْ بِهِ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ: اللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ: قُلْ مَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ. وَأُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ: وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الدِّينِ لَا تَكَلُّفَ فِيهِ، أَيْ لَا مَشَقَّةَ فِي تَكَالِيفِهِ وَهُوَ مَعْنَى سَمَاحَةِ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا اسْتِرْوَاحٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَ طبع الرَّسُول ﷺ وَبَيْنَ رَوْحِ شَرِيعَتِهِ تَنَاسُبًا لِيَكُونَ إِقْبَالُهُ عَلَى تَنْفِيذِ شَرْعِهِ بِشَرَاشِرِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَنْفَى لِلْحَرَجِ عَنْهُ فِي الْقِيَامِ بِتَنْفِيذِ مَا أُمِرَ بِهِ. وَتَرْكِيبُ مَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ أَشَدُّ فِي نَفْيِ التَّكَلُّفِ مِنْ أَنْ يَقُولَ: مَا أَنَا بِمُتَكَلِّفٍ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٦٧] . وَجُمْلَةُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ جُمْلَةِ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ اشْتِمَالِ نَفْيِ الشَّيْءِ عَلَى ثُبُوتِ ضِدِّهِ، فَلَمَّا نَفَى بِقَوْلِهِ: وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ أَنْ يَكُونَ تَقَوَّلَ الْقُرْآنَ عَلَى اللَّهِ، ثَبَتَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْقُرْآنَ ذِكْرٌ لِلنَّاسِ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، أَيْ لَيْسَ هُوَ بِالْأَسَاطِيرِ أَوِ التُّرَّهَاتِ. وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَهَا تَذْيِيلًا إِذْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا هُنَا. وَهَذَا الْإِخْبَارُ عَنْ مَوْقِعِ الْقُرْآنِ لَدَى جَمِيعِ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ لَا خُصُوصِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَانَ فِي مُجَادَلَتِهِمْ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ أَن النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 8047

لَا يَرْجُو مِنْ مُعَانِدِيهِ أَجْرًا. وَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَقَوِّلِ مَا لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ انْتَقَلَ إِلَى إِثْبَاتِ أَنَّ الْقُرْآنَ ذِكْرٌ لِلنَّاسِ قَاطِبَةً فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مُشْرِكُو أَهْلِ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ مِنَ النَّاسِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ يَسْتَغْنِي اللَّهُ عَنْكُمْ بِأَقْوَامٍ آخَرِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ [الزمر: ٧] . وَعُمُومُ الْعَالَمِينَ يُكْسِبُ الْجُمْلَةَ مَعْنَى التَّذْيِيلِ لِلْجُمْلَتَيْنِ قَبْلَهَا. وَالْقَصْرُ الَّذِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ جُمْلَةُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ قَصْرُ قَلْبٍ إِضَافِيٍّ، أَيْ هُوَ ذِكْرٌ لَا أَسَاطِيرُ وَلَا سِحْرٌ وَلَا شِعْرٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ لِلرَّدِّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا وَسَمُوا بِهِ الْقُرْآنَ مِنْ غَيْرِ صِفَاتِهِ الْحَقِيقِيَّةِ. وَجُمْلَةُ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ بِاعْتِبَارِ مَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الْقَصْرُ مِنْ جَانِبِ الْإِثْبَاتِ، أَيْ وَسَتَعْلَمُونَ خَبَرَ هَذَا الْقُرْآنِ بَعْدَ زَمَانٍ عِلْمًا جَزْمًا فَيَزُولُ شَكُّكُمْ فِيهِ، فَالْكَلَامُ إِخْبَارٌ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى وُجُودِ نُونِ التَّوْكِيدِ. وَالنَّبَأُ: الْخَبَرُ، وَأَصْلُ الْخَبَرِ: الصِّدْقُ، أَيْ الْمُوَافَقَةُ لِلْوَاقِعِ، فَإِذَا قِيلَ: أَتَانِي نَبَأُ كَذَا، فَمَعْنَاهُ الْخَبَرُ عَنْ حَالِهِ فِي الْوَاقِعِ، فَإِضَافَةُ النَّبَأِ إِلَى مَا يُضَافُ إِلَيْهِ عَلَى مَعْنَى اللَّامِ إِذْ مَعْنَى اللَّامِ هُوَ أَصلُ مَعَانِي الْإِضَافَةِ، قَالَ تَعَالَى: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ [ص: ٢١] ، أَيْ سَتَعْلَمُونَ صِدْقَ وَصْفِ هَذَا الْقُرْآنِ أَنَّهُ الْحَقُّ، وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت: ٥٣] . وَفُسِّرَ النَّبَأُ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، أَيْ مَا أَنْبَأَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ إِنْذَارِكُمْ بِالْعَذَابِ، فَهُوَ تَهْدِيدٌ. وَكِلَا الِاحْتِمَالَيْنِ وَاقِعٌ فَإِنَّ مِنَ الْمُخَاطَبِينَ مَنْ عُجِّلَ لَهُ عَذَابُ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَبَقِيَّتُهُمْ رَأَوْا ذَلِكَ رَأْيَ الْعَيْنِ مِنْهُمْ مَنْ عَلِمُوا دُخُولَ النَّاسِ فِي الْإِسْلَامِ فَمَاتُوا بِغَيْظِهِمْ وَمِنْهُمْ مَنْ شَاهَدُوا فَتْحَ مَكَّةَ وَآمَنُوا، أَوْ رَأَوْا قَبَائِلَ الْعَرَبِ تَدْخُلُ فِي الدِّينِ أَفْوَاجًا فَعَلِمُوا نَبَأَ صِدْقِ الْقُرْآنِ وَمَا وَعَدَ بِهِ بَعْدَ حِينٍ فَازْدَادُوا إِيمَانًا. وَحِينُ كُلِّ فَرِيقٍ مَا مَضَى عَلَيْهِ مِنْ زَمَنٍ بَيْنَ هَذَا الْخِطَابِ وَبَيْنَ تَحَقُّقِ الصِّدْقِ. وَالْحِينُ: الزَّمَنُ مِنْ سَاعَةٍ إِلَى أَرْبَعِينَ سَنَةٍ. فَخَتَمَ الْكَلَامَ بِتَسْجِيلِ التَّبْلِيغِ وَأَنَّ فَائِدَةَ مَا أَبْلَغَهُمْ لَهُمْ لَا للنبيء ﷺ . وَخَتَمَ بِالْمُوَاعَدَةِ لِوَقْتِ يَقِينِهِمْ بِنَبِيئِهِ، وَهَذَا مُؤْذِنٌ بِانْتِهَاءِ الْكَلَامِ وَمُرَاعَاةِ حُسْنِ الْخِتَامِ.

стр. 8048

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٣٩- سُورَةُ الزُّمَرِ سُمِّيَتْ «سُورَةَ الزُّمَرِ» مِنْ عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ ، فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيءُ ﷺ لَا يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأَ الزُّمَرَ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ» . وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ سُورَةَ الزُّمَرِ لِوُقُوعِ هَذَا اللَّفْظِ فِيهَا دُونَ غَيْرِهَا مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ. وَفِي «تَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ» عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمَّاهَا «سُورَةَ الْغُرَفِ» (وتناقله الْمُفَسِّرُونَ) . وَوجه أَنَّهَا ذُكِرَ فِيهَا لَفْظُ الْغُرَفِ، أَيْ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ دُونَ الْغُرُفَاتِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ [الزمر: ٢٠] الْآيَةَ. وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر: ٥٣] الْآيَاتِ الثَّلَاثَ. وَقِيلَ: إِلَى سَبْعِ آيَاتٍ نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ فِي قِصَّةِ وَحْشِيٍّ قَاتِلِ حَمْزَةَ، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَقِصَّتُهُ عَلَيْهَا مَخَائِلُ الْقَصَصِ. وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ تِلْكَ الْآيَاتِ نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ فِي هِشَامِ بْنِ الْعَاصِي بْنِ وَائِلٍ إِذْ تَأَخَّرَ عَنِ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْدَ أَنِ اسْتَعَدَّ لَهَا. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ مَعَهُ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَكَانَا تَوَاعَدَا عَلَى الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَفُتِنَا فَافْتَتَنَا. وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ كَمَا سَيَأْتِي عِنْدَ تَفْسِيرِهَا، وَمَا نَشَأَ الْقَولُ بِأَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ إِلَّا لِمَا رُوِيَ فِيهَا مِنَ الْقَصَصِ الضَّعِيفَةِ. وَقِيلَ: نَزَلَ أَيْضًا قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ يَا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ [الزمر: ١٠] الْآيَةَ بِالْمَدِينَةِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً [الزمر: ٢٣] الْآيَةَ نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ.

стр. 8049

فَبَلَغَتِ الْآيَاتُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا تِسْعَ آيَاتٍ. وَالْمُتَّجَهُ: أَنَّهَا كُلَّهَا مَكِّيَّةٌ وَأَنَّ مَا يُخَيَّلُ أَنَّهُ نَزَلَ فِي قَصَصٍ مُعَيَّنَةٍ إِنْ صَحَّتْ أَسَانِيدُهُ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ التَّمَثُّلُ بِهِ فِي تِلْكَ الْقَصَصِ فَاشْتَبَهَ عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ بِأَنَّهُ سَبَبُ نُزُولٍ. وَسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ [الزمر: ١٠] أَنَّهَا نَزَلَتْ قُبَيْلَ هِجْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْحَبَشَةِ، أَيْ فِي سَنَةِ خَمْسٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ. وَهِيَ السُّورَةُ التَّاسِعَةُ وَالْخَمْسُونَ فِي تَرْتِيبِ النُّزُولِ عَلَى الْمُخْتَارِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ سَبَأٍ وَقَبْلَ سُورَةِ غَافِرٍ. وَعُدَّتْ آيَاتُهَا عِنْدَ الْمَدَنِيِّينَ وَالْمَكِّيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ، وَعِنْدَ أَهْلِ الشَّامِ ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ، وَعِنْدَ أَهْلِ الْكُوفَةِ خَمْسًا وَسَبْعِينَ. أَغْرَاضُهَا ابْتُدِئَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِمَا هُوَ كَالْمُقَدِّمَةِ لِلْمَقْصُودِ، وَذَلِكَ بِالتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الْقُرْآنِ تَنْوِيهًا تَكَرَّرَ فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ (١) مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ لِأَنَّ الْقُرْآنَ جَامِعٌ لِأَغْرَاضِهَا. وَأَغْرَاضُهَا كَثِيرَةٌ تَحُومُ حَوْلَ إِثْبَاتِ تفرد الله تَعَالَى بِالْإِلَهِيَّةِ وَإِبْطَالِ الشِّرْكِ فِيهَا. وَإِبْطَال تعلللات الْمُشْرِكِينَ لِإِشْرَاكِهِمْ وَأَكَاذِيبِهِمْ. وَنَفْيِ ضَرْبٍ مِنْ ضُرُوبِ الْإِشْرَاكِ وَهُوَ زَعْمُهُمْ أَنَّ لِلَّهِ وَلَدًا. وَالِاسْتِدْلَالِ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ فِي الْإِلَهِيَّةِ بِدَلَائِلِ تَفَرُّدِهِ بِإِيجَادِ الْعَوَالِمِ الْعُلْوِيَّةِ وَالسُّفْلِيَّةِ، وَبِتَدْبِيرِ نِظَامِهَا وَمَا تَحْتَوِي عَلَيْهِ مِمَّا لَا يُنْكِرُ الْمُشْرِكُونَ انْفِرَادَهُ بِهِ.

стр. 8050

وَالْخَلْقِ الْعَجِيبِ فِي أطوار تكون الْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ. وَالِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِمْ بِدَلِيلٍ مِنْ فِعْلِهِمْ وَهُوَ الْتِجَاؤُهُمْ إِلَى الله عِنْد مَا يُصِيبُهُمُ الضُّرُّ. وَالدَّعْوَةِ إِلَى التَّدَبُّرِ فِيمَا يُلْقَى إِلَيْهِمْ مِنَ الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ أَحْسَنُ الْقَوْلِ. وَتَنْبِيهِهِمْ عَلَى كُفْرَانِهِمْ شُكْرَ النِّعْمَةِ. وَالْمُقَابَلَةِ بَيْنَ حَالِهِمْ وَبَيْنَ حَالِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُخْلِصِينَ لِلَّهِ. وَأَنَّ دِينَ التَّوْحِيدِ هُوَ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ قَبْلُ. وَالتَّحْذِيرِ مِنْ أَنْ يَحِلَّ بِالْمُشْرِكِينَ مَا حَلَّ بِأَهْلِ الشِّرْكِ مِنَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ. وَإِعْلَامِ الْمُشْرِكِينَ بِأَنَّهُمْ وَشُرَكَاءَهُمْ لَا يُعْبَأُ بِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ ﷺ فَاللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ عِبَادَتِهِمْ، وَرَسُولُهُ لَا يَخْشَاهُمْ وَلَا يَخَافُ أَصْنَامَهُمْ لِأَنَّ اللَّهَ كَفَاهُ إِيَّاهُمْ جَمِيعًا. وَإِثْبَاتِ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ. وَتَمْثِيلِ الْبَعْثِ بِإِحْيَاءِ الْأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا. وَضَرَبَ لَهُمْ مَثَلَهُ بِالنَّوْمِ وَالْإِفَاقَةِ بَعْدَهُ وَأَنَّهُ يَوْمُ الْفَصْلِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُشْرِكِينَ. وَتَمْثِيلِ حَالِ الْمُؤْمِنِينَ وَحَالِ الْمُشْرِكِينَ فِي الْحَيَاتَيْنِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْحَيَاةِ الْآخِرَةِ. وَدُعَاءِ الْمُشْرِكِينَ لِلْإِقْلَاعِ عَنِ الْإِسْرَافِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَدُعَاءِ الْمُؤْمِنِينَ لِلثَّبَاتِ عَلَى التَّقْوَى وَمُفَارَقَةِ دَارِ الْكُفْرِ. وَخُتِمَتْ بِوَصْفِ حَالِ يَوْمِ الْحِسَابِ. وَتَخَلَّلَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَعِيدٌ وَوَعْدٌ، وَأَمْثَالٌ، وَتَرْهِيبٌ وَتَرْغِيبٌ، وَوَعْظٌ وَإِيمَاءٌ بِقَولِهِ: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩] الْآيَةَ إِلَى أَنَّ شَأْنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُمْ أَهلُ عِلْمٍ وَأَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَهْلُ جَهَالَةٍ، وَذَلِكَ تَنْوِيهٌ بِرِفْعَةِ الْعِلْمِ ومذمة الْجَهْل. [١- ٢] [سُورَة الزمر (٣٩) : الْآيَات ١ إِلَى ٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 8051

تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (٢) فَاتِحَةٌ أَنِيقَةٌ فِي التَّنْوِيهِ بِالْقُرْآنِ جُعِلَتْ مُقَدِّمَةً لِهَذِهِ السُّورَةِ لِأَنَّ الْقُرْآنَ جَامِعٌ لِمَا حَوَتْهُ وَغَيْرَهُ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ. فَ تَنْزِيلُ مَصْدَرٌ مُرَادٌ بِهِ مَعْنَاهُ الْمَصْدَرِيُّ لَا مَعْنَى الْمَفْعُولِ، كَيْفَ وَقَدْ أُضِيفَ إِلَى الْكِتَابِ وَأَصْلُ الْإِضَافَةِ أَنْ لَا تَكُونَ بَيَانِيَّةً. وَتَنْزِيلُ: مَصْدَرُ نَزَّلَ الْمُضَاعَفِ وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ أَنْزَلَهُ مُنَجَّمًا. وَاخْتِيَارُ هَذِهِ الصِّيغَةِ هُنَا لِلرَّدِّ عَلَى الطَّاعِنِينَ لِأَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ مَا تَعَلَّلُوا بِهِ قَوْلُهُمْ: لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [الْفرْقَان: ٣٢] . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُضَاعَفِ وَالْمَهْمُوزِ فِي مِثْلِهِ فِي الْمُقَدِّمَةِ الْأُولَى. وَالتَّعْرِيفُ فِي الْكِتابِ لِلْعَهْدِ، وَهُوَ الْقُرْآنُ الْمَعْهُودُ بَيْنَهُمْ عِنْدَ كُلِّ تَذْكِيرٍ وَكُلِّ مُجَادَلَةٍ. وَأَجْرَى عَلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ الْوَصْفَ بِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ لِلْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ مَا يُنَزَّلُ مِنْهُ يَأْتِي عَلَى مَا يُنَاسِبُ الصِّفَتَيْنِ، فَيَكُونُ عَزِيزًا قَالَ تَعَالَى: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ [فصلت: ٤١] ، أَيِ الْقُرْآنُ، عَزِيزٌ غَالِبٌ بِالْحُجَّةِ لِمَنْ كَذَّبَ بِهِ، وَغَالِبٌ بِالْفَضْلِ لِمَا سِوَاهُ مِنَ الْكُتُبِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْغَلَبَةَ تَسْتَلْزِمُ التَّفَضُّلَ وَالتَّفَوُّقَ، وَغَالِبٌ لِبُلَغَاءِ الْعَرَبِ إِذْ أَعْجَزَهُمْ عَنْ مُعَارَضَةِ سُورَةٍ مِنْهُ، وَيَكُونُ حَكِيمًا مِثْلَ صِفَةِ مُنْزِلِهِ. وَالْحَكِيمُ: إِمَّا بِمَعْنَى الْحَاكِمِ، فَالْقُرْآنُ أَيْضا حَاكم عَن مُعَارِضِيهِ بِالْحُجَّةِ، وَحَاكِمٌ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ بِمَا فِيهِ مِنَ التَّفْصِيلِ وَالْبَيَانِ قَالَ تَعَالَى: مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ [الْمَائِدَة: ٤٨] . وَإِمَّا بِمَعْنَى: الْمُحْكَمِ الْمُتْقَنِ، فَالْقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْبَيَانِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ، وَإِمَّا بِمَعْنَى الْمَوْصُوفِ بِالْحِكْمَةِ، فَالْقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْحِكْمَةِ كَاتِّصَافِ مُنَزِّلِهِ بِهَا. وَهَذِهِ مَعَانٍ مُرَادَةٌ مِنَ الْآيَةِ فِيمَا نَرَى، عَلَى أَنَّ فِي هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ الْقُرْآنَ مُعْجِزٌ ببلاغة لَفظه وبإعجازه العلمي، إِذا اشْتَمَلَ عَلَى عُلُومٍ لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ عِلْمٌ بِهَا كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ الْعَاشِرَةِ. وَفِي وَصْفِ الْحَكِيمِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ أَنْزَلَهُ بِالْحِكْمَةِ وَهِيَ الشَّرِيعَةُ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ [الْبَقَرَة: ٢٦٩] .

стр. 8052

وَفِي هَذَا إرشاد إِلَى وجود التَّدَبُّرِ فِي مَعَانِي هَذَا الْكِتَابِ لِيُتَوَصَّلَ بِذَلِكَ التَّدَبُّرِ إِلَى الْعِلْمِ بِأَنَّهُ حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، قَالَ تَعَالَى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت: ٥٣] . وَمَعْنَى الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٠٩] . وَافْتِتَاحُ جُمْلَةِ إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ بِحَرْفِ (إِنَّ) مُرَاعًى فِيهِ مَا اسْتُعْمِلَ فِيهِ الْخَبَرُ مِنَ الِامْتِنَانِ. فَيُحْمَلُ حَرْفُ (إِنَّ) عَلَى الِاهْتِمَامِ بِالْخَبَرِ. وَمَا أُرِيدَ بِهِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالَّذِينَ أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ مُنَزَّلًا مِنَ اللَّهِ فَيُحْمَلُ حَرْفُ (إِنَّ) عَلَى التَّأْكِيدِ اسْتِعْمَالًا لِلْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ. وَلِمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ زِيَادَةِ الْإِعْلَانِ بِصِدْقِ النَّبِيءِ الْمُنَزَّلِ عَلَيْهِ الْكِتَابُ جَدِيرٌ بِالتَّأْكِيدِ لِأَنَّ دَلِيلَ صِدْقِهِ لَيْسَ فِي ذَاتِهِ بَلْ هُوَ قَائِمٌ بِالْإِعْجَازِ الَّذِي فِي الْقُرْآنِ وَبِغَيْرِهِ مِنَ المعجزات، فَكَانَ مقضى التَّأْكِيدِ مَوْجُودًا بِخِلَافِ مُقْتَضَى الْحَالِ فِي قَوْلِهِ: تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ. فَجُمْلَةُ إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ تَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْبَيَانِ لِجُمْلَةِ تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ. وَإِعَادَةُ لَفْظِ الْكِتابِ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ جَرْيًا عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ بِالْإِظْهَارِ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ. وَتَعْدِيَةُ أَنْزَلْنا بِحَرْفِ الِانْتِهَاءِ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ [٤] . وَالْبَاءُ فِي بِالْحَقِّ لِلْمُلَابَسَةِ، وَهِيَ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ حَالًا مِنَ الْكِتابَ، أَيْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْقُرْآنَ مُلَابِسًا لِلْحَقِّ فِي جَمِيعِ مَعَانِيهِ لَا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [فصلت: ٤٢] . وَفُرِّعَ عَلَى الْمَعْنَى الصَّرِيحِ مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ أَنْ أُمِرَ بِأَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الْعِبَادَةَ. وَفِي هَذَا التَّفْرِيعِ تَعْرِيضٌ بِمَا يُنَاسِبُ الْمَعْنَى التَّعْرِيضِيِّ فِي الْمُفَرَّعِ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنَّ الْمُعَرَّضَ بِهِمْ أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَدَّبَّرُوا فِي الْمَعْنَى الْمُعَرَّضِ بِهِ.

стр. 8053

وَهَذَا إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ إِنْزَالَ الْكِتَابِ عَلَيْهِ نِعْمَةٌ كُبْرَى تَقْتَضِي أَنْ يُقَابِلَهَا الرَّسُولُ ﷺ بِالشُّكْرِ بِإِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ، وَإِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ إِشْرَاكَ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ غَيْرَهُ فِي الْعِبَادَةِ كُفْرٌ لِنِعَمِهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا، فَإِنَّ الشُّكْرَ صَرْفُ الْعَبْدِ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ فِيمَا خُلِقَ لِأَجْلِهِ، وَفِي الْعِبَادَةِ تَحْقِيقُ هَذَا الْمَعْنى قَالَ تَعَالَى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦] . فَالْمَقْصُودُ مِنَ الْأَمْرِ بِالْعِبَادَةِ التَّوْطِئَةُ إِلَى تَقْيِيدِ الْعِبَادَةِ بِحَالَةِ الْإِخْلَاصِ مِنْ قَوْلِهِ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ، فَالْمَأْمُورُ بِهِ عِبَادَةٌ خَاصَّةٌ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ بِالْعِبَادَةِ مُسْتَعْمَلًا فِي مَعْنَى الْأَمْرِ بِالدَّوَامِ عَلَيْهَا. وَلِذَلِكَ أَيْضًا لَمْ يُؤْتَ فِي هَذَا التَّرْكِيبِ بِصِيغَةِ قَصْرٍ خِلَافَ قَوْلِهِ: بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ [الزمر: ٦٦] لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا زِيَادَةُ التَّصْرِيحِ بِالْإِخْلَاصِ وَالرَّسُولُ ﷺ مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ. وَقَدْ تَوَهَّمَ ابْنُ الْحَاجِبِ مِنْ عَدَمِ تَقْدِيمِ الْمَعْمُولِ هُنَا أَنَّ تَقْدِيمَ الْمَفْعُولِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ لَا يُفِيدُ الْقَصْرَ وَهِيَ زَلَّةُ عَالِمٍ. وَالْإِخْلَاصُ: الْإِمْحَاضُ وَعَدَمُ الشَّوْبِ بِمُغَايِرٍ، وَهُوَ يَشْمَلُ الْإِفْرَادَ. وَسُمِّيَتِ السُّورَةُ الَّتِي فِيهَا تَوْحِيدُ اللَّهِ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ، أَيْ إِفْرَادِ اللَّهِ بِالْإِلَهِيَّةِ. وَأُوثِرَ الْإِخْلَاصُ هُنَا لِإِفَادَةِ التَّوْحِيدِ وَأَخَصِّ مِنْهُ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ عِبَادَةُ النَّبِيءِ ﷺ رَبَّهُ غَيْرَ مَشُوبَةٍ بِحَظٍّ دُنْيَوِيٍّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: قُلْ مَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ [ص: ٨٦] . وَالدِّينُ: الْمُعَامَلَةُ. وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مُعَامَلَةُ الْمَخْلُوقِ رَبَّهُ وَهِيَ عِبَادَتُهُ. فَالْمَعْنَى: مُخْلِصًا لَهُ الْعِبَادَةَ غَيْرَ خَالِطٍ بِعِبَادَتِهِ عِبَادَةَ غَيْرِهِ. وَانْتُصِبَ مُخْلِصاً عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتر فِي فَاعْبُدِ. وَلَمَّا أَفَادَ قَوْلُهُ: مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ مَعْنَى إِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ لَمْ يَكُنْ هُنَا مُقْتَضٍ لتقديم مفعول فَاعْبُدِ اللَّهَ عَلَى عَامِلِهِ لِأَنَّ الِاخْتِصَاصَ قَدِ اسْتُفِيدَ مِنَ الْحَالِ فِي قَوْلِهِ: مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ، وَبِذَلِكَ يَبْطُلُ اسْتِنَادُ الشَّيْخِ ابْنِ الْحَاجِبِ لِهَذِهِ الْآيَةِ فِي تَوْجِيهِ رَأْيِهِ بِأَنْكَارِ إِفَادَةِ تَقْدِيمِ الْمَفْعُولِ عَلَى فِعْلِهِ التَّخْصِيصَ، وَتَضْعِيفِهِ لِاسْتِدْلَالِ أَيِمَّةِ الْمَعَانِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى: بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ آخِرَ السُّورَةِ [٦٦] بِأَنَّهُ تَقْدِيمٌ لِمُجَرَّدِ

стр. 8054

الِاهْتِمَامِ لِوُرُودِ فَاعْبُدِ اللَّهَ، قَالَ فِي «إِيضَاحِ الْمُفَصَّلِ» فِي شَرْحِ قَوْلِ صَاحِبِ «الْمُفَصَّلِ» فِي الدِّيبَاجَةِ «اللَّهَ أَحْمَدُ عَلَى أَنْ جَعَلَنِي مِنْ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ» ، اللَّهَ أَحْمَدُ عَلَى طَرِيقَةِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الْفَاتِحَة: ٥] تَقْدِيمًا لِلْأَهَمِّ، وَمَا قِيلَ: إِنَّهُ لِلْحَصْرِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَالتَّمَسُّكِ فِيهِ بِنَحْوِ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ [الزمر: ٦٦] ضَعِيفٌ لِوُرُودِ فَاعْبُدِ اللَّهَ اهـ. وَنُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ كَتَبَ فِي «حَاشِيَتِهِ عَلَى الْإِيضَاحِ» هُنَالِكَ قَوْلَهُ: (لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى الْحَصْرِ فَإِنَّ الْمَعْبُودِيَّةَ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى الْخَاصَّةِ بِهِ، فَالِاخْتِصَاصُ مُسْتَفَادٌ مِنَ الْحَالِ لَا مِنَ التَّقْدِيمِ) اهـ. وَهُوَ ضِغْثٌ عَلَى إِبَّالَةٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى مَنْعِ دَلِيلٍ شَهِدَ بِهِ الذَّوْقُ السَّلِيمُ عِنْدَ أَيِمَّةِ الِاسْتِعْمَالِ وَعَلَى سَنَدِ مَنْعِهِ بِتَوَهُّمِهِ أَنَّ التَّقْدِيمَ الَّذِي لُوحِظَ فِي مَقَامٍ يَجِبُ أَنْ يُلَاحَظَ فِي كُلِّ مَقَامٍ، كَأَنَّ الْكَلَامَ قد جعل قوالب يُؤْتَى بِهَا فِي كُلِّ مَقَامٍ، وَذَلِكَ يَنْبُو عَنْهُ اخْتِلَافُ الْمَقَامَاتِ الْبَلَاغِيَّةِ، حَتَّى جُعِلَ الِاخْتِصَاصُ بِالْعِبَادَةِ مُسْتَفَادًا مِنَ الْقَرِينَةِ لَا مِنَ التَّقْدِيمِ، كَأَنَّ الْقَرِينَةَ لَوْ سُلِّمَ وَجُودُهَا تَمْنَعُ مِنَ التَّعْوِيلِ عَلَى دَلَالَةِ النُّطْقِ. [٣] [سُورَة الزمر (٣٩) : آيَة ٣] أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ اسْتِئْنَافٌ لِلتَّخَلُّصِ إِلَى اسْتِحْقَاقِهِ تَعَالَى الْإِفْرَادَ بِالْعِبَادَةِ وَهُوَ غَرَضُ السُّورَةِ وَأَفَادَ التَّعْلِيلَ لِلْأَمْرِ بِالْعِبَادَةِ الْخَالصَةِ لِلَّهِ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الدِّينُ الْخَالصُ مُسْتَحَقًّا لِلَّهِ وَخَاصًّا بِهِ كَانَ الْأَمْرُ بِالْإِخْلَاصِ لَهُ مُصِيبًا مَحَزَّهُ فَصَارَ أَمْرُ النَّبِيءِ ﷺ بِإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ مُسَبَّبًا عَنْ نِعْمَةِ إِنْزَالِ الْكِتَابِ إِلَيْهِ وَمُقْتَضًى لِكَوْنِهِ مُسْتَحِقَ الْإِخْلَاصِ فِي الْعِبَادَةِ اقْتِضَاء الْكُلية لجزئياتها. وَبِهَذَا الْعُمُومِ أَفَادَتِ الْجُمْلَةُ مَعْنَى التَّذْيِيلِ فَتَحَمَّلَتْ ثَلَاثَةَ مَوَاقِعَ كُلَّهَا تَقْتَضِي الْفَصْلَ. وَافْتُتِحَتِ الْجُمْلَةُ بِأَدَاةِ التَّنْبِيهِ تَنْوِيهًا بِمَضْمُونِهَا لِتَتَلَقَّاهُ النَّفْسُ بِشَرَاشِرِهَا وَذَلِكَ هُوَ مَا رَجَّحَ اعْتِبَارَ الِاسْتِئْنَافِ فِيهَا، وَجَعَلَ مَعْنَى التَّعْلِيلَ حَاصِلًا تَبَعًا مِنْ ذِكْرِ إِخْلَاصٍ عَامٍّ بَعْدَ إِخْلَاصٍ خَاصٍّ وَمَوْرِدُهُمَا وَاحِدٌ. وَاللَّامُ فِي لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ لَامُ الْمِلْكِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الِاسْتِحْقَاقِ، أَيْ لَا يَحِقُّ الدِّينُ الْخَالصُ، أَيْ الطَّاعَةُ غَيْرُ الْمَشُوبَةِ إِلَّا لَهُ عَلَى نَحْوِ الْحَمْدُ لِلَّهِ [الْفَاتِحَة: ٢] .

стр. 8055

وَتَقْدِيمُ الْمُسْنَدِ لِإِفَادَةِ الِاخْتِصَاصِ فَأَفَادَ قَوْلُهُ: لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ أَنَّهُ مُسْتَحِقُّهُ وَأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهِ. وَالدِّينُ: الطَّاعَةُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَالْخَالِصُ: السَّالِمُ مِنْ أَنْ يَشُوبَهُ تَشْرِيكُ غَيْرِهِ فِي عِبَادَتِهِ، فَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْآيَةِ. وَمِمَّا يَتَفَرَّعُ عَلَى مَعْنَى الْآيَةِ إِخْلَاصُ الْمُؤْمِنِ الْمُوَحِّدِ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، أَيْ أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ لِأَجْلِهِ، أَيْ طَلَبًا لِرِضَاهُ وَامْتِثَالًا لِأَمْرِهِ وَهُوَ آيِلٌ إِلَى أَحْوَالِ النِّيَّةِ فِي الْعِبَادَةِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا بِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ : «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى الله وَرَسُوله فَهِجْرَتُهُ إِلَى الله وَرَسُوله وَمن كَانَت هجرته إِلَى دنيا يُصِيبهَا أَو امْرَأَة ينْكِحهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» . وَعَرَّفَ الْغَزَالِيُّ الْإِخْلَاصَ بِأَنَّهُ تَجْرِيدُ قَصَدِ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ عَنْ جَمِيعِ الشَّوَائِبِ. وَالْإِخْلَاصُ فِي الْعِبَادَةِ أَنْ يَكُونَ الدَّاعِي إِلَى الْإِتْيَانِ بِالْمَأْمُورِ وَإِلَى تَرْكِ الْمَنْهِيِّ إِرْضَاءَ اللَّهَ تَعَالَى، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: لِوَجْهِ اللَّهِ، أَيْ لِقَصْدِ الِامْتِثَالِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ الْحَظُّ الدُّنْيَوِيُّ هُوَ الْبَاعِثُ عَلَى الْعِبَادَةِ مِثْلَ أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ لِيَمْدَحَهُ النَّاسُ بِحَيْثُ لَوْ تَعَطَّلَ الْمَدْحُ لَتَرَكَ الْعِبَادَةَ. وَلِذَا قِيلَ: الرِّيَاءُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ، أَيْ إِذَا كَانَ هُوَ الْبَاعِثُ عَلَى الْعَمَلِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ أَنْ يُقَاتِلَ لِأَجْلِ الْغَنِيمَةِ فَلَوْ أَيِسَ مِنْهَا تَرَكَ الْقِتَالَ فَأَمَّا إِنْ كَانَ لِلنَّفْسِ حَظٌّ عَاجِلٌ وَكَانَ حَاصِلًا تَبَعًا لِلْعِبَادَةِ وَلَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودُ فَهُوَ مُغْتَفَرٌ وَخَاصَّةً إِذَا كَانَ ذَلِكَ لَا تَخْلُو عَنْهُ النُّفُوسُ، أَوْ كَانَ مِمَّا يُعِينُ عَلَى الِاسْتِزَادَةِ مِنَ الْعِبَادَةِ. وَفِي «جَامِعِ الْعُتْبِيَّةِ» فِي مَا جَاءَ مِنْ أَنَّ النِّيَّةَ الصَّحِيحَةَ لَا تُبْطِلُهَا الْخَطْرَةُ الَّتِي لَا تُمْلَكُ. حَدَّثَ الْعُتْبِيُّ عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ إِلَّا مُقَاتِلٌ، فَمِنْهُمْ مَنِ الْقِتَالُ طَبِيعَتُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَاتِلُ رِيَاءً وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَاتِلُ احْتِسَابًا، فَأَيُّ هَؤُلَاءِ الشَّهِيدُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ: «مَنْ قَاتَلَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ أَصْلُ أَمْرِهِ أَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» .
следующие страницы →