Полный текст (11 044 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
الْقِبْلَةِ وَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أَهَمِّيَّةٌ مِثْلُ مَا لِلتَّحْذِيرِ مِنَ اتِّبَاعِ مِلَّتِهِمْ بِأَسْرِهَا فَلَمْ يَكُنْ لِلْعِلْمِ الَّذِي جَاءَ النَّبِيءَ فِي أَمْرِ قِبْلَتِهِمْ مِنَ الْأَهَمِّيَّةِ مَا لِلْعِلْمِ الَّذِي جَاءَهُ فِي بُطْلَانِ أُصُولِ مِلَّتِهِمْ، فَلِذَلِكَ جِيءَ فِي تَعْرِيفِهِ بِاسْمِ الْمَوْصُولِ الْمُلْحَقِ بِالْمَعَارِفِ وَهُوَ (مَا) لِأَنَّهَا فِي الْأَصْلِ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ نُقِلَتْ لِلْمَوْصُولِيَّةِ.
وَإِنَّمَا أُدْخِلَتْ (مِنْ) فِي هَذِهِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى (بَعْدِ) بِقَوْلِهِ: مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ
لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ وَقَعَتْ بعد الْآيَة الأول فِي سُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَعِيدُ فَصْلٍ فَكَانَ الْعِلْمُ الَّذِي جَاءَهُ فِيهَا مِنْ قَوْلِهِ: مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ هُوَ جُزْئِيٌّ مِنْ عُمُومِ الْعِلْمِ الَّذِي جَاءَ فِي إِبْطَالِ جَمِيعِ مِلَّتِهِمْ، فَكَانَ جَدِيرًا بِأَنْ يُشَارَ إِلَى كَوْنِهِ جُزْئِيًّا لَهُ بِإِيرَادِ (من) الابتدائية.
[١٤٦]
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١٤٦]
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)
جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ [الْبَقَرَة: ١٤٥] إِلَخْ، وَبَيْنَ جُمْلَةِ: لِكُلٍّ وِجْهَةٌ
[الْبَقَرَة: ١٤٨] إِلَخِ اعْتِرَاضُ اسْتِطْرَادٍ بِمُنَاسَبَةِ ذِكْرِ مَطَاعِنِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي الْقِبْلَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، فَإِنَّ طَعْنَهُمْ كَانَ عَنْ مُكَابَرَةٍ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ الْقِبْلَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ حَقٌّ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ [الْبَقَرَة: ١٤٤] ، فَاسْتَطْرَدَ بِأَنَّ طَعْنَهُمْ فِي الْقِبْلَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ مَا هُوَ إِلَّا مِنْ مَجْمُوعِ طَعْنِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ وَفِي النَّبِيءِ ﷺ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى الِاسْتِطْرَادِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها
[الْبَقَرَة: ١٤٨] ، فَقَدْ عَادَ الْكَلَامُ إِلَى اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ.
فَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ فِي يَعْرِفُونَهُ لَا يَعُودُ إِلَى تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَصَارَتِ الْجُمْلَةُ تَكْرِيرًا لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، بَلْ هُوَ عَائِدٌ إِمَّا إِلَى الرَّسُولِ وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرٌ لِمُعَادٍ مُنَاسِبٍ لِضَمِيرِ الْغَيْبَةِ، لَكِنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِنَ الْكَلَامِ السَّابِقِ وَتَكَرَّرَ خِطَابُهُ فِيهِ مِنْ قَوْلِهِ: وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها [الْبَقَرَة: ١٤٣] ، وَقَوْلِهِ: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ [الْبَقَرَة: ١٤٤] ، وَقَوْلِهِ: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً [الْبَقَرَة: ١٤٤] ، وَقَوْلِهِ: فَوَلِّ وَجْهَكَ [الْبَقَرَة: ١٤٤] فَالْإِتْيَانُ بِالضَّمِيرِ بِطَرِيقِ الْغَيْبَةِ مِنَ الِالْتِفَاتِ، وَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ يَعْرِفُونَ صِدْقَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَعُودَ إِلَى الْحَقَّ فِي قَوْلِهِ السَّابِقِ: لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ فَيَشْمَلُ
стр. 807
رِسَالَةَ الرَّسُولِ وَجَمِيعَ مَا جَاءَ بِهِ، وَإِمَّا إِلَى الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ: مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ [الْبَقَرَة: ١٤٥] .
وَالتَّشْبِيهُ فِي قَوْلِهِ: كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ تَشْبِيهٌ فِي جَلَاءِ الْمَعْرِفَةِ وَتَحَقُّقِهَا فَإِنَّ مَعْرِفَةَ الْمَرْءِ بِعَلَائِقِهِ مَعْرِفَةٌ لَا تَقْبَلُ اللَّبْسَ، كَمَا قَالَ زُهَيْرٌ:
فَهُنَّ وَوَادِي الرَّسِّ كَالْيَدِ لِلْفَمِ
تَشْبِيهًا لِشِدَّةِ الْقُرْبِ الْبَيِّنِ.
وَخَصَّ الْأَبْنَاءَ لِشِدَّةٍ تَعَلُّقِ الْآبَاءِ بِهِمْ فَيَكُونُ التَّمَلِّي مِنْ رُؤْيَتِهِمْ كَثِيرًا فَتَتَمَكَّنُ مَعْرِفَتُهُمْ فَمَعْرِفَةُ هَذَا الْحَقِّ ثَابِتَةٌ لِجَمِيعِ عُلَمَائِهِمْ.
وَعَدَلَ عَنْ أَنْ يُقَالَ يَعْلَمُونَهُ إِلَى يَعْرِفُونَهُ لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ تَتَعَلَّقُ غَالِبًا بِالذَّوَاتِ وَالْأُمُورِ الْمَحْسُوسَةِ قَالَ تَعَالَى: تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ [المطففين: ٢٤] وَقَالَ زُهَيْرٌ:
فَلَأْيًا عَرَفَتُ الدَّارَ بَعْدَ تَوَهُّمِ
وَتَقُولُ عَرَفْتُ فُلَانًا وَلَا تَقُولُ عَرَفْتُ عِلْمَ فُلَانٍ، إِلَّا إِذَا أَرَدْتَ أَنَّ عِلْمَهُ صَارَ كَالْمُشَاهَدِ عِنْدَكَ، وَلِهَذَا لَا يُعَدَّى فِعْلُ الْعِرْفَانِ إِلَى مَفْعُولَيْنِ كَمَا تُعَدَّى أَفْعَالُ الظَّنِّ وَالْعِلْمِ، وَلِهَذَا يُوصَفُ اللَّهُ تَعَالَى بِصِفَةِ الْعِلْمِ فَيُقَالُ الْعَلِيمُ، وَلَا يُوصَفُ بِصِفَةِ الْمَعْرِفَةِ فَلَا يُقَالُ اللَّهُ يَعْرِفُ كَذَا، فَالْمَعْنى يعْرفُونَ الصِّفَات الرَّسُولِ ﷺ وَعَلَامَاتِهِ الْمَذْكُورَةَ فِي كُتُبِهِمْ، وَيَعْرِفُونَ الْحَقَّ كَالشَّيْءِ الْمُشَاهَدِ.
وَالْمُرَادُ بُقُولِهِ: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ أَحْبَارُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَلِذَلِكَ عُرِّفُوا بِأَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ أَيْ عَلِمُوا عِلْمَ التَّوْرَاةِ وَعِلْمَ الْإِنْجِيلِ.
وَقَوْلُهُ: وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ تَخْصِيصٌ لِبَعْضِ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِالْعِنَادِ فِي أَمْرِ الْقِبْلَةِ وَفِي غَيْرِهِ مِمَّا جَاءَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ وَذَمٌّ لَهُم بِأَنَّهُم يكتموددن الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَهُ وَهَؤُلَاءِ مُعْظَمُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ قَبْلَ ابْنِ صُورِيَّا وَكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ فَبَقِيَ فَرِيقٌ آخَرُ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ وَيُعْلِنُونَ بِهِ وَهُمُ الَّذِينَ آمنُوا بالنبيء ﵊ مِنَ الْيَهُودِ قَبْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَمِنَ النَّصَارَى مِثْلُ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَصُهَيْبٍ.
أَمَّا الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكْتُمُوهُ فَلَا يُعْبَأُ بِهِمْ فِي هَذَا الْمُقَامِ وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي قَوْلِهِ: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَلَا يَشْمَلُهُمْ قَوْلُهُ: يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ.
стр. 808
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١٤٧]
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)
تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ: وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ [الْبَقَرَة: ١٤٦] ، عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هَذَا الْحَقُّ، وَحَذْفُ الْمُسْنَدُ إِلَيْهِ فِي مِثْلِ هَذَا مِمَّا جَرَى عَلَى مُتَابَعَةِ الِاسْتِعْمَالِ فِي حَذْفِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ بَعْدَ جَرَيَانِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِثْلُ قَوْلِهِمْ بَعْدَ ذِكْرِ الدِّيَارِ «رَبْعٌ قَوَاءٌ» وَبَعْدَ ذِكْرِ الْمَمْدُوحِ «فَتًى» وَنَحْوُ ذَلِكَ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ صَاحِبُ «الْمِفْتَاحِ» . وَقَوْلُهُ: فَلا
تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
نَهَى عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنَ الشَّاكِّينَ فِي ذَلِكَ وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا.
وَالتَّعْرِيفُ فِي الْحَقُّ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ [الْفَاتِحَة: ٢] وَقَوْلِهِمُ الْكَرَمُ فِي الْعَرَبِ هَذَا التَّعْرِيفُ لِجُزْئَيِ الْجُمْلَةِ الظَّاهِرِ وَالْمُقَدَّرِ يُفِيدُ قَصْرَ الْحَقِيقَةِ عَلَى الَّذِي يَكْتُمُونَهُ وَهُوَ قَصْرُ قَلْبٍ أَيْ لَا مَا يُظْهِرُونَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ وَإِظْهَارُ أَنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلْحَقِّ.
وَالِامْتِرَاءُ افْتِعَالٌ مِنَ الْمِرَاءِ وَهُوَ الشَّكُّ، وَالِافْتِعَالُ فِيهِ لَيْسَ لِلْمُطَاوَعَةِ وَمَصْدَرُ الْمِرْيَةِ لَا يُعْرِفُ لَهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ بَلْ هُوَ دَائِمًا بِصِيغَةِ الِافْتِعَالِ.
وَالْمَقْصُودُ من خطاب النَّبِي ﷺ فِي قَوْلِهِ: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ [الْبَقَرَة: ١٢٠] ، وَقَوْلِهِ:
فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ تَحْذِيرُ الْأُمَّةِ وَهَذِهِ عَادَةُ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ تَحْذِيرٍ مُهِمٍّ لِيَكُونَ خِطَابُ النَّبِيءِ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَهُوَ أَقْرَبُ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَأَوْلَاهُمْ بِكَرَامَتِهِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَعَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمَّةِ قَدْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ، وَلَيْسَ لَهُ مِنَ النَّجَاةِ بَابٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ: مِنْ رَبِّكَ وَقَوْلِهِ: فَلا تَكُونَنَّ خِطَابًا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ مِنْ كُلِّ من يصلح هَا الْخطاب.
[١٤٨]
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١٤٨]
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)
عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ [الْبَقَرَة: ١٤٦] ، فَهُوَ مِنْ تَمَامِ الِاعْتِرَاضِ، أَوْ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ [الْبَقَرَة: ١٤٥] مَعَ اعْتِبَارِ مَا اسْتُؤْنِفَ عَنْهُ مِنَ الْجُمَلِ، ذَلِكَ أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ لقّن الرَّسُول ﵊ مَا يُجِيبُ بِهِ عَنْ قَوْلِهِمْ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ، وَبَعْدَ أَنْ بَيَّنَ لِلْمُسْلِمِينَ فَضِيلَةَ قِبْلَتِهِمْ وَأَنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ وَأَيْأَسَهُمْ مِنْ تَرَقُّبِ اعْتِرَافِ الْيَهُودِ بِصِحَّةِ اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ، ذُيِّلَ ذَلِكَ
стр. 809
بِهَذَا التَّذْيِيلِ الْجَامِعِ لِمَعَانٍ سَامِيَةٍ، طَيًّا لِبِسَاطِ الْمُجَادَلَةِ مَعَ الْيَهُودِ فِي أَمْرِ الْقِبْلَةِ، كَمَا يُقَالُ فِي الْمُخَاطَبَاتِ «دَعْ هَذَا» أَوْ «عُدْ عَنْ هَذَا» ، وَالْمَعْنَى أَنَّ لِكُلِّ فَرِيقٍ اتِّجَاهًا مِنَ الْفَهْمِ وَالْخَشْيَةِ عِنْدَ طَلَبِ الْوُصُولِ إِلَى الْحَقِّ. وَهَذَا الْكَلَامُ مُوَجَّهٌ إِلَى الْمُسْلِمِينَ أَيِ اتْرُكُوا مُجَادَلَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي أَمْرِ الْقِبْلَةِ وَلَا يُهِمَّنَّكُمْ خِلَافُهُمْ فَإِنَّ خِلَافَ الْمُخَالِفِ لَا يُنَاكِدُ حَقَّ الْمُحِقِّ. وَفِيهِ صَرْفٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِأَنْ يَهْتَمُّوا بِالْمَقَاصِدِ وَيَعْتَنُوا بِإِصْلَاحِ مُجْتَمَعِهِمْ، وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [الْبَقَرَة: ١٧٧] الْآيَةَ، وَلِذَلِكَ أعقبه بقوله: اسْتَبِقُوا
الْخَيْراتِ
، فَقَوله: يْنَ مَا تَكُونُوا
فِي مَعْنَى التَّعْلِيلِ لِلْأَمْرِ بِاسْتِبَاقِ الْخَيْرَاتِ. فَهَكَذَا تَرْتِيبُ الْآيَةِ عَلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ كَتَرْتِيبِ الْخُطَبِ بِذِكْرِ مُقَدِّمَةٍ وَمَقْصِدٍ وَبَيَانٍ لَهُ وَتَعْلِيلٍ وَتَذْيِيلٍ.
وَ (كُلِّ) اسْمٌ دَالٌّ عَلَى الْإِحَاطَةِ وَالشُّمُولِ، وَهُوَ مُبْهَمٌ يَتَعَيَّنُ بِمَا يُضَافُ هُوَ إِلَيْهِ فَإِذَا حُذِفَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ عُوِّضَ عَنْهُ تَنْوِينُ كُلٍّ وَهُوَ التَّنْوِينُ الْمُسَمَّى تَنْوِينُ الْعِوَضِ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْمُضَافِ إِلَيْهِ فَهُوَ عِوَضٌ عَنْهُ.
وَحَذْفُ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ (كُلُّ) هُنَا لِدَلَالَةِ الْمُقَامِ عَلَيْهِ وَتَقْدِيرُ هَذَا الْمَحْذُوفِ (أُمَّةٌ) لِأَنَّ الْكَلَامَ كُلَّهُ فِي اخْتِلَافِ الْأُمَمِ فِي أَمْرِ الْقِبْلَةِ، وَهَذَا الْمُضَافُ إِلَيْهِ الْمَحْذُوفُ يُقَدَّرُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ مِنْ لَفْظِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ [الْبَقَرَة: ٢٨٥] أَوْ يُقَدَّرُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْنَى الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ دُونَ لَفْظٍ تَقَدَّمَهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ [النِّسَاء: ٣٣] فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، وَمِنْهُ مَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِأَنَّ الْكَلَامَ عَلَى تَخَالُفِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُسْلِمِينَ فِي قِبْلَةِ الصَّلَاةِ، فَالتَّقْدِيرُ وَلِكُلٍّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وِجْهَةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ [الْبَقَرَة: ١١٦] .
وَالْوِجْهَةُ حَقِيقَتُهَا الْبُقْعَةُ الَّتِي يُتَوَجَّهُ إِلَيْهَا فَهِيَ وَزْنُ فِعْلَةِ مُؤَنَّثُ فِعْلٍ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ مِثْلُ ذِبْحٍ، وَلِكَوْنِهَا اسْمَ مَكَانٍ لَمْ تُحْذَفِ الْوَاوُ الَّتِي هِيَ فَاءُ الْكَلِمَةِ عِنْدَ اقْتِرَانِ الِاسْمِ بِهَاءِ التَّأْنِيثِ لِأَنَّ حَذْفَ الْوَاوِ فِي مِثْلِهِ إِنَّمَا يَكُونُ فِي فِعْلَةٍ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ.
وَتُسْتَعَارُ الْوِجْهَةُ لِمَا يَهْتَمُّ بِهِ الْمَرْءُ مِنَ الْأُمُورِ تَشْبِيهًا بِالْمَكَانِ الْمُوَجَّهِ إِلَيْهِ تَشْبِيهَ مَعْقُول بمحسوس، ولفظجْهَةٌ
فِي الْآيَةِ صَالِحٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ فَالتَّعْبِيرُ بِهِ كَلَامٌ مُوَجَّهٌ وَهُوَ مِنَ الْمَحَاسِنِ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَوْلُهُ: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [الْمَائِدَة: ٤٨] .
стр. 810
وَضَمِيرُ هوَ عَائِدٌ لِلْمُضَافِ إِلَيْهِ (كُلٍّ) الْمَحْذُوفِ.
وَالْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ لِمُوَلِّيهَا مَحْذُوفٌ إِذِ التَّقْدِيرُ هُوَ مُوَلِّيهَا نَفْسَهُ أَوْ وَجْهَهُ عَلَى نَحْوِ مَا بَيَّنَاهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ [الْبَقَرَة: ١٤٢] وَالْمَعْنَى هُوَ مُقْبِلٌ عَلَيْهَا وملازم لَهَا.
وَقِرَاءَة الْجُمْهُورُ «مُوَلِّيهَا» بِيَاءٍ بَعْدَ اللَّامِ وَقَرَأَهُ ابْنُ عَامِرٍ «هُوَ مُوَلَّاهَا» بِأَلْفٍ بَعْدَ اللَّامِ
بِصِيغَةِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ أَيْ يُوَلِّيهِ إِيَّاهَا مُوَلٍّ وَهُوَ دِينُهُ وَنَظَرُهُ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْوِجْهَةِ الْقِبْلَةُ فَاسْتَبِقُوا أَنْتُمْ إِلَى الْخَيْرِ وَهُوَ اسْتِقْبَالُ الْكَعْبَةِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ لِكُلِّ أُمَّةٍ قِبْلَةٌ فَلَا سَبِيلَ إِلَى اجْتِمَاعِكُمْ عَلَى قِبْلَةٍ وَاحِدَةٍ فَالْزَمُوا قِبْلَتَكُمُ الَّتِي هِيَ قِبْلَةُ إِبْرَاهِيمَ فَإِنَّكُمْ عَلَى الْخَيْرَاتِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ هَيْكَلُ قِبْلَةٍ فَلَا سَبِيلَ إِلَى اجْتِمَاعِكُمْ عَلَى قِبْلَةٍ وَاحِدَةٍ فَالْزَمُوا قِبْلَتَكُمُ الَّتِي هِيَ قِبْلَةُ إِبْرَاهِيمَ، فَإِنَّكُمْ عَلَى الْخَيْرَاتِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ لِكُلِّ قَوْمٍ قِبْلَةٌ فَلَا يَضُرُّكُمْ خِلَافُهُمْ وَاتْرُكُوهُمْ وَاسْتَبِقُوا إِلَى الْخَيْرَاتِ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ لِكُلِّ طَائِفَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ جِهَةٌ مِنَ الْكَعْبَةِ سَيَسْتَقْبِلُونَهَا. وَمَعَانِي الْقُرْآنِ تُحْمَلُ عَلَى أَجْمَعِ الْوُجُوهِ وأشملها.
وَقَوله: اسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ
تَفْرِيعٌ لِلْأَمْرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَيْ لَمَّا تَعَدَّدَتِ الْمَقَاصِدُ.
فَالْمُنَافَسَةُ تَكُونُ فِي مُصَادَفَةِ الْحَقِّ.
وَالِاسْتِبَاقُ افْتِعَالٌ وَالْمُرَادُ بِهِ السَّبْقُ وَحَقُّهُ التَّعْدِيَةُ بِاللَّامِ إِلَّا أَنَّهُ تُوُسِّعَ فِيهِ فَعُدِّيَ بِنَفْسِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاسْتَبَقَا الْبابَ [يُوسُف: ٢٥] أَوْ عَلَى تَضْمِينِ اسْتَبِقُوا مَعْنَى اغْتَنِمُوا. فَالْمُرَادُ مِنَ الِاسْتِبَاقِ هُنَا الْمَعْنَى الْمَجَازِيُّ وَهُوَ الْحِرْصُ عَلَى مُصَادَفَةِ الْخَيْرِ وَالْإِكْثَارُ مِنْهُ والخيرات جَمْعُ خَيْرٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ كَمَا قَالُوا سُرَادِقَاتٍ وَحَمَّامَاتٍ. وَالْمُرَادُ عُمُومُ الْخَيْرَاتِ كُلِّهَا فَإِنَّ الْمُبَادَرَةَ إِلَى الْخَيْرِ مَحْمُودَةٌ وَمِنْ ذَلِكَ الْمُبَادَرَةُ بِالتَّوْبَةِ خشيَة هاذم اللَّذَّاتِ وَفَجْأَةِ الْفَوَاتِ قَالَ تَعَالَى: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمرَان: ١٣٣] ، وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ، فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [الْوَاقِعَة: ١٠- ١٢] وَمِنْ ذَلِكَ فَضِيلَةُ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ قَالَ تَعَالَى: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا [الْحَدِيد: ١٠] وَقَالَ مُوسَى: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى [طه: ٨٤] .
وَقَوله: يْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً
جُمْلَةٌ فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ لِلْأَمْرِ بِاسْتِبَاقِ الْخَيْرَاتِ وَلِذَلِكَ فُصِّلَتْ لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَا تُعْطَفُ إِذْ هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمَفْعُولِ لِأَجْلِهِ، وَالْمَعْنَى فَاسْتَبِقُوا إِلَى الْخَيْرِ لِتَكُونُوا مَعَ الَّذِينَ يَأْتِي بِهِمُ اللَّهُ لِلرَّفِيقِ الْحَسَنِ لِأَنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالنَّاسِ جَمِيعًا خَيْرِهِمْ وَشَرِّهِمْ
стр. 811
وَ (كَانَ) تَامَّةٌ أَيْ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ تُوجَدُونَ مِنْ مَوَاقِعِ الْخَيْرِ وَمَوَاقِعِ السُّوءِ.
وَالْإِتْيَانُ بِالشَّيْءِ جَلْبُهُ وَهُوَ مَجَازٌ فِي لَازِمِ حَقِيقَتِهِ فَمِنْ ذَلِكَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْقُرْبِ وَالطَّاعَةِ. قَالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ يَمْدَحُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ:
أَتَاكَ بِيَ اللَّهُ الَّذِي نَوَّرَ الْهُدَى ... وَنُورٌ وَإِسْلَامٌ عَلَيْكَ دَلِيلُ
أَرَادَ سَخَّرَنِي إِلَيْكَ،
وَفِي الْحَدِيثِ: «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهَا»
أَيِ اهْدِهَا وَقَرِّبْهَا لِلْإِسْلَامِ وَيسْتَعْمل فِي الْقُدْرَةِ عَلَى الشَّيْءِ وَفِي الْعِلْمِ بِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ [لُقْمَان:
١٦] .
وَتَجِيءُ أَقْوَال فِي تفطسير أَيْنَما تَكُونُوا عَلَى حَسَبِ الْأَقْوَالِ فِي تَفْسِيرِ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ
بِأَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى تَقَبَّلَ اللَّهُ أَعْمَالَكُمْ فِي اسْتِبَاقِ الْخَيْرَاتِ فَإِنَّهُ الْمُهِمُّ، لَا اسْتِقْبَال الْجِهَات أَو الْمَعْنى إِنَّكُمْ إِنَّمَا تَسْتَقْبِلُونَ مَا يُذَكِّرُكُمْ بِاللَّهِ فَاسْعَوْا فِي مَرْضَاتِهِ بِالْخَيْرَاتِ يَعْلَمُ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، أَوْ هُوَ تَرْهِيبٌ أَيْ فِي أَيَّةِ جِهَةٍ يَأْتِ الله بكم فيثيت وَيُعَاقِبُ، أَوْ هُوَ تَحْرِيضٌ عَلَى الْمُبَادَرَةِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ أَيْ فَأَنْتُمْ صَائِرُونَ إِلَى اللَّهِ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَبَادِرُوا بِالطَّاعَةِ قَبْلَ الْفَوْتِ بِالْمَوْتِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْوُجُوه.
وَقَوله: نَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
تَذْيِيلٌ يُنَاسِبُ جَمِيعَ الْمعَانِي الْمَذْكُورَة.
[١٤٩، ١٥٠]
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : الْآيَات ١٤٩ إِلَى ١٥٠]
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)
عُطِفَ قَوْلُهُ: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ عَلَى قَوْلِهِ: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [الْبَقَرَة: ١٤٤] عَطْفَ حُكْمٍ عَلَى حُكْمٍ مِنْ جِنْسِهِ لِلْإِعْلَامِ بِأَنَّ اسْتِقْبَالَ الْكَعْبَةِ فِي الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ لَا تَهَاوُنَ فِي الْقِيَامِ بِهِ وَلَوْ فِي حَالَةِ الْعُذْرِ كَالسَّفَرِ، فَالْمُرَادُ مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ خَرَجْتَ
стр. 812
مُسَافِرًا لِأَنَّ السَّفَرَ مَظِنَّةُ الْمَشَقَّةِ فِي الِاهْتِدَاءِ لِجِهَةِ الْكَعْبَةِ فَرُبَّمَا يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ سُقُوطَ الِاسْتِقْبَالِ عَنْهُ، وَفِي مُعْظَمِ هَاتِهِ الْآيَةِ مَعَ قَوْلِهِ: وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ زِيَادَةُ اهْتِمَامٍ بِأَمْرِ الْقِبْلَةِ يُؤَكِّدُ قَوْلَهُ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ [الْبَقَرَة:
١٤٧] .
وَقَوْلُهُ: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ زِيَادَةُ تَحْذِيرٍ مِنَ التَّسَاهُلِ فِي أَمْرِ الْقِبْلَةِ.
وَقَوْلُهُ بَعْدَهُ: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ عَطْفٌ عَلَى الْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ، وَأُعِيدَ لَفْظُ الْجُمْلَةِ السَّالِفَةِ لِيُبْنَى عَلَيْهِ التَّعْلِيل بقوله: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ.
وَقَوله: وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ الْآيَةَ. وَالْمَقْصِدُ التَّعْمِيمُ فِي هَذَا الْحُكْمِ فِي السَّفَرِ لِلْمُسْلِمِينَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ تَخْصِيصُهُ بِالنَّبِيءِ ﷺ . وَحَصَلَ مِنْ تَكْرِيرِ مُعْظَمِ الْكَلِمَاتِ تَأْكِيدٌ لِلْحُكْمِ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْله لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ.
وَقَدْ تَكَرَّرَ الْأَمْرُ بِاسْتِقْبَالِ النَّبِيءِ الْكَعْبَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَتَكَرَّرَ الْأَمْرُ بِاسْتِقْبَالِ الْمُسْلِمِينَ الْكَعْبَةَ مَرَّتَيْنِ. وَتَكَرَّرَ إِنَّهُ الْحَقُّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَتَكَرَّرَ تَعْمِيمُ الْجِهَاتِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَالْقَصْدُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ التَّنْوِيهُ بِشَأْنِ اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ وَالتَّحْذِيرُ مِنْ تَطَرُّقِ التَّسَاهُلِ فِي ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِلْحَقِّ فِي نُفُوسِ الْمُسْلِمِينَ، وَزِيَادَةً فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُنْكِرِينَ التَّأْكِيدَ، مِنْ زِيَادَةِ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ، وَمِنْ جُمَلٍ مُعْتَرِضَةٍ، لِزِيَادَةِ التَّنْوِيهِ بِحُكْمِ الِاسْتِقْبَالِ: وَهِيَ جُمْلَةُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ الْآيَاتِ، وَجُمْلَةُ: وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَجُمْلَة: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ الْآيَاتِ، وَفِيهِ إِظْهَارُ أَحَقِّيَّةِ الْكَعْبَةِ بِذَلِكَ لِأَنَّ الَّذِي يَكُونُ عَلَى الْحَقِّ لَا يَزِيدُهُ إِنْكَارُ الْمُنْكِرِينَ إِلَّا تَصْمِيمًا، وَالتَّصْمِيمُ يَسْتَدْعِي إِعَادَةَ الْكَلَامِ الدَّالِّ عَلَى مَا صُمِّمَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْإِعَادَةَ تَدُلُّ عَلَى التَّحَقُّقِ فِي مَعْنَى الْكَلَامِ.
وَقَدْ ذُكِرَ فِي خِلَالِ ذَلِكَ مِنْ بَيَانِ فَوَائِدِ هَذَا التَّحْوِيلِ وَمَا حَفَّ بِهِ، مَا يَدْفَعُ قَلِيلَ السَّآمَةِ الْعَارِضَةِ لِسَمَاعِ التَّكْرَارِ، فَذَكَرَ قَوْلَهُ: وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ إِلَخْ، وَذكر قَوْله: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ إِلَخْ.
стр. 813
وَالضَّمِيرُ فِي وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ رَاجِعٌ إِلَى مَضْمُونِ الْجُمْلَةِ وَهُوَ حُكْمُ التَّحْوِيلِ فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى مَا يُؤْخَذُ مِنَ الْمَقَامِ، فَالضَّمِيرُ هُنَا كَالضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ [الْبَقَرَة: ١٤٦] .
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ عَمَّا تَعْمَلُونَ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ عَلَى الْخِطَابِ، وَقَرَأَهُ أَبُو عَمْرٍو بِيَاءِ الْغَيْبَة.
وَقَوله: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: فَوَلُّوا الدَّالِّ عَلَى طَلَبِ الْفِعْلِ وَامْتِثَالِهِ، أَيْ شَرَعْتُ لَكُمْ ذَلِكَ لِنَدْحَضَ حُجَّةَ الْأُمَمِ عَلَيْكُمْ، وَشَأْنُ تَعْلِيلِ صِيَغِ الطَّلَبِ أَنْ يَكُونَ التَّعْلِيلُ لِلطَّلَبِ بِاعْتِبَارِ الْإِتْيَانِ بِالْفِعْلِ الْمَطْلُوبِ. فَإِنَّ مَدْلُولَ صِيغَةِ الطَّلَبِ هُوَ إِيجَادُ الْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ لَا الْإِعْلَامُ بِكَوْنِ الطَّالِبِ طَالَبًا وَإِلَّا لَمَا وَجَبَ الِامْتِثَالُ لِلْآمِرِ فَيُكْتَفَى بِحُصُولِ سَمَاعِ الطَّلَبِ لَكِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مَقْصُودًا.
وَالتَّعْرِيفُ فِي (النَّاسِ) لِلِاسْتِغْرَاقِ يَشْمَلُ مُشْرِكِي مَكَّةَ فَإِنَّ مِنْ شُبْهَتِهِمْ أَنْ يَقُولُوا لَا نَتَّبِعُ هَذَا الدِّينَ إِذْ لَيْسَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ لِأَنَّهُ اسْتَقْبَلَ قِبْلَةَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَأَهْلِ الْكِتَابِ، وَالْحُجَّةُ أَنْ يَقُولُوا إِنَّ مُحَمَّدًا اقْتَدَى بِنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا فَكَيْفَ يَدْعُونَا إِلَى اتِّبَاعِهِ. وَلِجَمِيعِ النَّاسِ مِمَّنْ عَدَاكُمْ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ، أَيْ لِيَكُونَ هَذَا الدِّينُ مُخَالِفًا فِي الِاسْتِقْبَالِ لِكُلِّ دِينٍ سَبَقَهُ فَلَا يَدَّعِي أَهْلُ دِينٍ مِنَ الْأَدْيَانِ أَنَّ الْإِسْلَامَ مُقْتَبِسٌ مِنْهُ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ ظُهُورَ الِاسْتِقْبَالِ يَكُونُ فِي أَمْرٍ مُشَاهَدٍ لِكُلِّ أَحَدٍ لِأَنَّ إِدْرَاكَ الْمُخَالَفَةِ فِي الْأَحْكَامِ وَالْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْكَمَالَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ الَّتِي فَضُلَ بِهَا الْإِسْلَامُ غَيْرَهُ لَا يُدْرِكُهُ كُلُّ أَحَدٍ بَلْ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ، وَعَلَى هَذَا يكون قَوْله: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ نَاظِرًا إِلَى قَوْلِهِ: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ [الْبَقَرَة: ١٤٤] ، وَقَوْلِهِ: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ [الْبَقَرَة: ١٤٦] .
وَقَدْ قِيلَ فِي مَعْنَى حُجَّةِ النَّاسِ مَعَانٍ أُخَرُ أُرَاهَا بَعِيدَةً.
وَالْحُجَّةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَا يُقْصَدُ بِهِ إِثْبَاتُ الْمُخَالِفِ، بِحَيْثُ لَا يَجِدُ مِنْهُ تَفَصِّيًا، وَلِذَلِكَ يُقَالُ لِلَّذِي غَلَبَ مُخَالِفَهُ بِحُجَّتِهِ قَدْ حَجَّهُ، وَأَمَّا الِاحْتِجَاجُ فَهُوَ إِتْيَانُ الْمُحْتَجِّ بِمَا يَظُنُّهُ حُجَّةً وَلَوْ مغالطة يُقَال احْتَجَّ وَيُقَال حَاجَّ إِذَا أَتَى بِمَا يَظُنُّهُ حُجَّةً قَالَ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ [الْبَقَرَة: ٢٥٨] ، فَالْحُجَّةُ لَا تُطْلَقُ حَقِيقَةً إِلَّا عَلَى الْبُرْهَانِ وَالدَّلِيلِ النَّاهِضِ الْمُبَكِّتِ لِلْمُخَالِفِ، وَأَمَّا إِطْلَاقُهَا عَلَى الشُّبْهَةِ فَمَجَازٌ لِأَنَّهَا تُورَدُ فِي صُورَةِ الْحُجَّةِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: حُجَّتُهُمْ
стр. 814
داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ [الشورى: ١٦] ، وَهَذَا هُوَ فِقْهُ اللُّغَةِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ «الْكَشَّافُ» ، وَأَمَّا مَا خَالَفَهُ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ أَهْلِ اللُّغَةِ فَهُوَ مِنْ تَخْلِيطِ الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا التَّفَصِّيَ مِنْ وُرُودِ الِاسْتِثْنَاءِ وَأَشْكَلَ عَلَيْهِمُ الِاسْتِثْنَاءُ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِنَقِيضِ حُكْمِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عِنْدَ قَاطِبَةِ أَهْلِ اللِّسَانِ وَالْعُلَمَاءِ، إِلَّا خِلَافًا لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ، فَصَارَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ مُقْتَضِيًا أَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا لَهُمْ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ، فَأَجَابَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» بِأَنَّهُ إِنَّمَا أَطْلَقَ عَلَيْهِ حُجَّةً لِمُشَابَهَتِهِ لِلْحُجَّةِ فِي سِيَاقِهِمْ إِيَّاهُ مَسَاقَ الْبُرْهَانِ أَيْ فَاسْتِثْنَاءُ الَّذِينَ ظَلَمُوا يَقْتَضِي أَنَّهُمْ يَأْتُونَ بِحُجَّةٍ أَيْ بِمَا يُشْبِهُ الْحُجَّةَ، فَحَرْفُ إِلَّا يَقْتَضِي تَقْدِيرَ لَفْظِ حُجَّةٍ مُسْتَعْمَلًا فِي مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ، وَإِطْلَاقُ اللَّفْظِ فِي مَعْنَيَيْهِ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ لَيْسَ ببدع لاسيما مَعَ الْإِتْيَانِ بِلَفْظٍ يُخَالِفُ الْأَوَّلَ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُجْعَلُ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعًا بِمَعْنَى لَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا يَشْغَبُونَ عَلَيْكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ.
وَجُمْلَةُ وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي تَعْلِيلٌ ثَانٍ لِقَوْلِهِ: فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ مَعْطُوفٌ على
قَوْله: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ الَّذِي بَيَّنَاهُ آنِفًا وَهُوَ أَنَّهُ تَعْلِيلُ الِامْتِثَالِ فَالْمَعْنَى أَمَرْتُكُمْ بِذَلِكَ لِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ بِاسْتِيفَاءِ أَسْبَابِ ذَلِكَ الْإِتْمَامِ وَمِنْهَا أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُكُمْ إِلَى أَفْضَلِ بَيْتٍ بُنِيَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَمَعْلُومٌ أَنَّ تَمَامَ النِّعْمَةِ بِامْتِثَالِ مَا أُمِرْنَا بِهِ وَجِمَاعُ ذَلِكَ الِاسْتِقَامَةُ وَبِهَا دُخُول الْجنَّة. وَقد روى التِّرْمِذِيّ عَن النبيء ﷺ «إِتْمَامِ النِّعْمَةِ دُخُول الْجنَّة» ، أَي غَايَة إتْمَام النِّعْمَة عَلَيْنَا دُخُولُ الْجَنَّةِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ وَلَكِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَعْنَاهَا (١) فَالْمُرَادُ بِالْإِتْمَامِ هُنَا إِعْطَاءُ الشَّيْءِ وَافِرًا مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ لَا إِتْمَامُهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ نَاقِصًا، فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَتَمَّهُنَّ [الْبَقَرَة: ١٢٤] أَيِ امْتَثَلَهُنَّ امْتِثَالًا تَامًّا وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ فَعَلَ بَعْضَهَا ثُمَّ فَعَلَ بَعْضًا آخَرَ، فَمَعْنَى الْآيَةِ وَلِتَكُونَ نِعْمَتِي نِعْمَةً وَافِرَةً فِي كُلِّ حَالٍ.
وَقَوْلُهُ: وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ عَطْفٌ عَلَى وَلِأُتِمَّ أَيْ أَمَرْتُكُمْ بِذَلِكَ رَجَاءَ امْتِثَالِكُمْ فَيَحْصُلُ الِاهْتِدَاءُ مِنْكُمْ إِلَى الْحَقِّ. وَحَرْفُ لَعَلَّ فِي قَوْلِهِ: وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ مَجَازٌ فِي لَازِمِ مَعْنَى الرَّجَاءِ وَهُوَ قُرْبُ ذَلِكَ وَتَوَقُّعُهُ. وَمَعْنَى جَعْلِ ذَلِكَ الْقُرْبِ عِلَّةً أَنَّ اسْتِقْبَالَهُمُ الْكَعْبَةَ مُؤْذِنٌ بِأَنَّهُمْ يَكُونُونَ مُعْتَدِينَ فِي стр. 815
سَائِرِ أُمُورِهِمْ لِأَنَّ الْمَبَادِئَ تَدُلُّ عَلَى الْغَايَاتِ فَهُوَ كَقَوْلِهِ: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [الْبَقَرَة: ١٤٣] كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَقَالَ حَبِيبٌ:
إِنَّ الْهِلَالَ إِذَا رَأَيْتَ نَمَاءَهُ ... أيقنت أَن يصير بَدْرًا كَامِلا
[١٥١]
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١٥١]
كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١)
تشبيهن لِلْعِلَّتَيْنِ مِنْ قَوْله: لِأُتِمَّ [الْبَقَرَة: ١٥٠] وَقَوله: وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الْبَقَرَة: ١٥٠] أَيْ ذَلِكَ مِنْ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ كَنِعْمَةِ إِرْسَالِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَجُعِلَ الْإِرْسَالُ مُشَبَّهًا بِهِ لِأَنَّهُ أَسْبَقُ وَأَظْهَرُ تَحْقِيقًا لِلْمُشَبَّهِ أَيْ أَنَّ الْمَبَادِئَ دَلَّتْ عَلَى الْغَايَاتِ وَهَذَا كَقَوْلِهِ
فِي الْحَدِيثِ «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ»
وَنُكِّرَ (رَسُولٌ) لِلتَّعْظِيمِ وَلِتَجْرِيَ عَلَيْهِ الصِّفَاتُ الَّتِي كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا نِعْمَةٌ خَاصَّةٌ، فَالْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ: فِيكُمْ وَمَا بَعْدَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ تَذْكِيرًا لَهُمْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأَنْ بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ وَمِنْ قَوْمِهِمْ لِأَنَّ ذَلِكَ أَقْوَى تَيْسِيرًا لِهِدَايَتِهِمْ، وَهَذَا عَلَى نَحْوِ دَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ
[الْبَقَرَة: ١٢٩] وَقَدِ امْتَنَّ اللَّهُ عَلَى عُمُوم الْمُؤمنِينَ منالعرب وَغَيْرِهِمْ بِقَوْلِهِ: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [آل عمرَان: ١٦٤] أَيْ جِنْسِهِمُ الْإِنْسَانِيِّ لِأَنَّ ذَلِكَ آنَسُ لَهُمْ مِمَّا لَوْ كَانَ رَسُولُهُمْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ قَالَ تَعَالَى: وَلِذَلِكَ عُلِّقَ بِفِعْلِ أَرْسَلْنا حَرْفُ فِي وَلَمْ يُعَلَّقْ بِهِ حَرْفُ إِلَى كَمَا فِي قَوْلِهِ: إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِداً عَلَيْكُمْ [المزمل:
١٥] ، لِأَنَّ ذَلِكَ مَقَامُ احْتِجَاجٍ وَهَذَا مَقَامُ امْتِنَانٍ فَنَاسَبَ أَنْ يَذْكُرَ مَا بِهِ تَمَامُ الْمِنَّةِ وَهِيَ أَنْ جَعَلَ رَسُولَهُمْ فِيهِمْ وَمِنْهُمْ، أَيْ هُوَ مَوْجُودٌ فِي قَوْمِهِمْ وَهُوَ عَرَبِيٌّ مِثْلُهُمْ، وَالْمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ هُمُ الْعَرَبُ أَيِ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ فَالْأُمَّةُ الْعَرَبِيَّةُ يَوْمَئِذٍ تَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ وَاحِدٍ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْعَدْنَانِيُّونَ وَالْقَحْطَانِيُّونَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ الْأَحْلَافِ وَالْمَوَالِي مِثْلِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَبِلَالٍ الْحَبَشِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ الْإِسْرَائِيلِيِّ، إِذْ نِعْمَةُ الرِّسَالَةِ فِي الْإِبْلَاغِ وَالْإِفْهَامِ، فَالرَّسُولُ يُكَلِّمُهُمْ بِلِسَانِهِمْ فَيَفْهَمُونَ جَمِيعَ مَقَاصِدِهِ، وَيُدْرِكُونَ إِعْجَازَ الْقُرْآنِ، وَيَفُوزُونَ بِمَزِيَّةِ
стр. 816
نَقْلِ هَذَا الدِّينِ إِلَى الْأُمَمِ، وَهَذِهِ الْمَزِيَّةُ يَنَالُهَا كل من تعلّم اللِّسَانَ الْعَرَبِيَّ كَغَالِبِ الْأُمَمِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَبِذَلِكَ كَانَ تَبْلِيغُ الْإِسْلَامِ بِوَاسِطَةِ أُمَّةٍ كَامِلَةٍ فَيَكُونُ نَقْلُهُ مُتَوَاتِرًا، وَيَسْهُلُ انْتِشَارُهُ سَرِيعًا.
وَالرَّسُولُ الْمُرْسَلُ فَهُوَ فَعُولٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ مِثْلُ ذَلُولٍ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ مُطَابَقَةِ مَوْصُوفِهِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: قُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ
[الشُّعَرَاء: ١٦] فِي سُورَةِ الشُّعَرَاء.
وَقَوله: يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا أَيْ يَقْرَأُ عَلَيْكُمُ الْقُرْآنَ وَسَمَّاهُ أَوَّلًا آيَاتٍ بِاعْتِبَارِ كَوْنِ كُلِّ كَلَامٍ مِنْهُ مُعْجِزَةً، وَسَمَّاهُ ثَانِيًا كِتَابًا بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ كِتَابَ شَرِيعَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ [الْبَقَرَة: ١٢٩] . عبر بيتلو لِأَنَّ نُزُولَ الْقُرْآنِ مُسْتَمِرٌّ وَقِرَاءَةُ النَّبِيءِ لَهُ مُتَوَالِيَةٌ وَفِي كُلِّ قِرَاءَةٍ يَحْصُلُ عِلْمٌ بِالْمُعْجِزَةِ لِلسَّامِعِينَ.
وَقَوْلُهُ: وَيُزَكِّيكُمْ إِلَخْ التَّزْكِيَةُ تَطْهِيرُ النَّفْسِ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الزَّكَاةِ وَهِيَ النَّمَاءُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ فِي أَصْلِ خِلْقَةِ النُّفُوسِ كَمَالَاتٍ وَطَهَارَاتٍ تَعْتَرِضُهَا أَرْجَاسٌ نَاشِئَةٌ عَنْ ضَلَالٍ أَوْ تَضْلِيلٍ، فَتَهْذِيبُ النُّفُوسِ وَتَقْوِيمُهَا يَزِيدُهَا مِنْ ذَلِكَ الْخَيْرِ الْمُودَعِ فِيهَا، قَالَ تَعَالَى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [التِّين: ٤- ٦] ،
وَفِي الْحَدِيثِ: «بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ حُسْنَ الْأَخْلَاقِ»
، فَفِي الْإِرْشَادِ إِلَى الصَّلَاحِ وَالْكَمَالِ نَمَاءٌ لِمَا أَوْدَعَ اللَّهُ فِي النُّفُوسِ مِنَ الْخَيْرِ فِي الْفِطْرَةِ.
وَقَوْلُهُ: وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ أَيْ يعلمكم الشَّرِيعَة فالكاب هُنَا هُوَ الْقُرْآنُ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ كِتَابَ تَشْرِيعٍ لَا بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مُعْجِزًا وَيُعَلِّمُكُمْ أُصُولَ الْفَضَائِلِ، فَالْحِكْمَةُ هِيَ التَّعَالِيمُ الْمَانِعَةُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْخَطَأِ وَالْفَسَادِ، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي دَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ وَسَيَأْتِي أَيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ [الْبَقَرَة: ٢٦٩] فِي هَذِهِ السُّورَةِ.
وَقُدِّمَتْ جُمْلَةُ: وَيُزَكِّيكُمْ عَلَى جُمْلَةِ: وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ هُنَا عَكْسُ مَا فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ فِي حِكَايَةِ قَول إِبْرَاهِيم: يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ [الْبَقَرَة: ١٢٩] ، لِأَنَّ الْمَقَامَ هُنَا لِلِامْتِنَانِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَدَّمَ فِيهَا مَا يُفِيدُ مَعْنَى الْمَنْفَعَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ تِلَاوَةِ الْآيَاتِ عَلَيْهِمْ وَهِيَ مَنْفَعَةُ تَزْكِيَةِ نُفُوسِهِمُ اهْتِمَامًا بِهَا وَبَعْثًا لَهَا بِالْحِرْصِ عَلَى تَحْصِيلِ
стр. 817
وَسَائِلِهَا وَتَعْجِيلًا لِلْبِشَارَةِ بِهَا. فَأَمَّا فِي دَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ فَقَدْ رُتِّبَتِ الْجُمَلُ عَلَى حَسَبِ تَرْتِيبِ حُصُولِ مَا تَضَمَّنَتْهُ فِي الْخَارِجِ، مَعَ مَا فِي ذَلِكَ التَّخَالُفِ مِنَ التَّفَنُّنِ.
وَقَوْلُهُ: وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ تَعْمِيمٌ لِكُلِّ مَا كَانَ غَيْرَ شَرِيعَةٍ وَلَا حِكْمَةٍ مِنْ مَعْرِفَةِ أَحْوَالِ الْأُمَمِ وَأَحْوَالِ سِيَاسَةِ الدُّوَلِ وَأَحْوَالِ الْآخِرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَإِنَّمَا أَعَادَ قَوْلَهُ: وَيُعَلِّمُكُمُ مَعَ صِحَّةِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِالْعَطْفِ تَنْصِيصًا عَلَى الْمُغَايَرَةِ لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّ: مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ هُوَ الْكِتَابُ وَالْحِكْمَةُ، وَتَنْصِيصًا عَلَى أَنَّ: مَا لَمْ تَكُونُوا مَفْعُولا لَا مُبْتَدَأٌ حَتَّى لَا يَتَرَقَّبَ السَّامِعُ خَبَرًا لَهُ فَيَضِلُّ فَهْمُهُ فِي ذَلِكَ الترقب، وَاعْلَم أأن حَرْفَ الْعَطْفِ إِذَا جِيءَ مَعَه بِإِعَادَة عَامل كَانَ عَاطِفُهُ عَامِلًا عَلَى مِثْلِهِ فَصَارَ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ لَكِنَّ الْعَاطِفَ حِينَئِذٍ أَشْبَهُ بِالْمُؤَكِّدِ لمدلول الْعَامِل.
[١٥٢]
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١٥٢]
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (١٥٢)
الْفَاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَاطِفَةُ جُمْلَةِ الْأَمْرِ بِذِكْرِ اللَّهِ وَشُكْرِهِ عَلَى جُمَلِ النِّعَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَيْ إِذْ قَدْ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ بِهَاتِهِ النِّعَمِ فَأَنَا آمُرُكُمْ بِذِكْرِي.
وَقَوْلُهُ: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ فِعْلَانِ مُشْتَقَّانِ مِنَ الذِّكْرِ بِكَسْرِ الذَّالِ وَمِنَ الذُّكْرِ بِضَمِّهَا وَالْكُلُّ مَأْمُورٌ بِهِ لِأَنَّنَا مَأْمُورُونَ بِتَذَكُّرِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ الْإِقْدَامِ عَلَى الْأَفْعَالِ لِنَذْكُرَ أَوَامِرَهُ وَنَوَاهِيَهُ- قَالَ تَعَالَى: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ [آل عمرَان: ١٣٥] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَفْضَلُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِاللِّسَانِ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ-، وَمَأْمُورُونَ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَلْسِنَتِنَا فِي جُمَلٍ تَدُلُّ عَلَى حَمْدِهِ وَتَقْدِيسِهِ
وَالدَّعْوَةِ إِلَى طَاعَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ،
وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُ»
. وَالذِّكْرُ فِي قَوْلِهِ: أَذْكُرْكُمْ يَجِيءُ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرٍ فِي قَوْله:
فَاذْكُرُونِي عَلَى الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّ الذِّكْرَ لَا يَتَعَلَّقُ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فَالتَّقْدِيرُ اذْكُرُوا عَظَمَتِي وَصِفَاتِي وَثَنَائِي وَمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهَا مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، أَوِ اذْكُرُوا نِعَمِي وَمَحَامِدِي، وَهُوَ تَقْدِيرٌ مِنْ دَلَالَةِ الِاقْتِضَاءِ، وَأَمَّا أَذْكُرْكُمْ فَهُوَ مَجَازٌ، أَيْ أُعَامِلْكُمْ مُعَامَلَةَ مَنْ لَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ بِزِيَادَةِ النِّعَمِ وَالنَّصْرِ وَالْعِنَايَةِ فِي الدُّنْيَا، وَبِالثَّوَابِ وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ فِي الْآخِرَةِ، أَوْ أَخْلُقْ مَا يَفْهَمُ مِنْهُ النَّاسُ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى وَفِي الْأَرْضِ فَضْلَكُمْ وَالرِّضَى عَنْكُمْ، نَحْوَ قَوْلِهِ: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [آل عمرَان: ١١٠] ، وَحُسْنَ مَصِيرِكُمْ فِي الْآخِرَةِ، لِأَنَّ الذِّكْرَ بِمَعْنَيَيْهِ الْحَقِيقِيَّيْنِ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. ثُمَّ إِنَّ تَعْدِيَتَهُ لِلْمَفْعُولِ أَيْضًا عَلَى طَرِيقِ دَلَالَةِ
стр. 818
الِاقْتِضَاءِ إِذْ لَيْسَ الْمُرَادُ تَذَكُّرَ الذَّوَاتِ وَلَا ذِكْرَ أَسْمَائِهَا بَلِ الْمُرَادُ تَذَكُّرُ مَا يَنْفَعُهُمْ إِذَا وَصَلَ إِلَيْهِمْ وَذِكْرُ فَضَائِلِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: وَاشْكُرُوا لِي أَمْرٌ بِالشُّكْرِ الْأَعَمِّ مِنَ الذِّكْرِ مِنْ وَجْهٍ أَوْ مُطْلَقًا، وَتَعْدِيَتُهُ لِلْمَفْعُولِ بِاللَّامِ هُوَ الْأَفْصَح وَتسَمى هَذِه اللَّامُ لَامَ التَّبْلِيغِ وَلَامَ التَّبْيِينِ كَمَا قَالُوا نَصَحَ لَهُ وَنَصَحَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَتَعْساً لَهُمْ [مُحَمَّد: ٨] وَقَوْلِ النَّابِغَةِ:
شَكَرْتُ لَكَ النُّعْمَى وَأَثْنَيْتُ جَاهِدًا ... وَعَطَّلْتُ أَعْرَاضَ الْعُبَيْدِ بْنِ عَامِرِ
وَقَوْلِهِ: وَلا تَكْفُرُونِ نَهْيٌ عَنِ الْكُفْرَانِ لِلنِّعْمَةِ، وَالْكُفْرَانُ مَرَاتِبُ أَعْلَاهَا جَحْدُ النِّعْمَةِ وَإِنْكَارُهَا ثُمَّ قَصْدُ إِخْفَائِهَا، ثُمَّ السُّكُوتُ عَنْ شُكْرِهَا غَفْلَةً وَهَذَا أَضْعَفُ الْمَرَاتِبِ وَقَدْ يُعْرِضُ عَنْ غَيْرِ سُوءِ قَصْدٍ لَكِنَّهُ تَقْصِيرٌ.
قَالَ ابْن عرقة: «لَيْسَ عَطْفُ قَوْلِهِ: وَلا تَكْفُرُونِ بِدَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ لَيْسَ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشُّكْرِ مُطْلَقٌ (أَيْ لِأَنَّ الْأَمْرَ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّكْرَارِ فَلَا عُمُومَ لَهُ) فَيَصْدُقُ بِشُكْرِهِ يَوْمًا وَاحِدًا فَلَمَّا قَالَ وَلا تَكْفُرُونِ أَفَادَ النَّهْيَ عَنِ الْكُفْرِ دَائِمًا» اه، يُرِيدُ لِأَنَّ الْفِعْلَ فِي سِيَاقِ النَّهْيِ يَعُمُّ، مِثْلَ الْفِعْلِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ لِأَنَّ النَّهْيَ أَخُو النَّفْي.
[١٥٣، ١٥٤]
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : الْآيَات ١٥٣ إِلَى ١٥٤]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣) وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)
هَذِهِ جُمَلٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ قَوْله تَعَالَى: وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [الْبَقَرَة:
١٥٠] وَمَا اتَّصَلَ بِهِ مِنْ تَعْلِيله بقوله: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ [الْبَقَرَة: ١٥٠] وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ: وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ [الْبَقَرَة: ١٥٠] إِلَى قَوْلِهِ: وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ [الْبَقَرَة: ١٥٢] وَبَيْنَ قَوْلِهِ: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [الْبَقَرَة: ١٧٧] لِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ تَكْمِلَةً لِدَفْعِ الْمَطَاعِنِ فِي شَأْنِ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ فَلَهُ أَشَدُّ اتِّصَال بقوله: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ الْمُتَّصِل بقوله: وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [الْبَقَرَة: ١٥٠] .
وَهُوَ اعْتِرَاضٌ مُطْنِبٌ ابْتُدِئَ بِهِ إِعْدَادُ الْمُسْلِمِينَ لِمَا هُمْ أَهْلُهُ مِنْ نَصْرِ دِينِ اللَّهِ شُكْرًا لَهُ عَلَى خَوَّلَهُمْ مِنَ النِّعَمِ الْمَعْدُودَةِ فِي الْآيَاتِ السَّالِفَةِ مِنْ جَعْلِهِمْ أُمَّةً وَسَطًا وَشُهَدَاءَ عَلَى
стр. 819
النَّاسِ، وَتَفْضِيلِهِمْ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى اسْتِقْبَالِ أَفْضَلِ بُقْعَةٍ، وَتَأْيِيدِهِمْ بِأَنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ فِي ذَلِكَ، وَأَمْرِهِمْ بِالِاسْتِخْفَافِ بِالظَّالِمِينَ وَأَنْ لَا يَخْشَوْهُمْ، وَتَبْشِيرِهِمْ بِأَنَّهُ أَتَمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ وَهَدَاهُمْ، وَامْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ أَرْسَلَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ، وَهَدَاهُمْ إِلَى الِامْتِثَالِ لِلْأَحْكَامِ الْعَظِيمَةِ كَالشُّكْرِ وَالذِّكْرِ، فَإِنَّ الشُّكْرَ وَالذِّكْرَ بِهِمَا تَهْيِئَةُ النُّفُوسِ إِلَى عَظِيمِ الْأَعْمَالِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كُلِّهُ أَمَرَهُمْ هُنَا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ، وَنَبَّهَهُمْ إِلَى أَنَّهُمَا عَوْنٌ لِلنَّفْسِ عَلَى عَظِيمِ الْأَعْمَالِ، فَنَاسَبَ تَعْقِيبَهَا بِهَا، وَأَيْضًا فَإِنَّ مَا ذُكِرَ من قَوْله: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ مُشْعِرٌ بِأَنَّ أُنَاسًا مُتَصَدُّونَ لِشَغْبِهِمْ وَتَشْكِيكِهِمْ وَالْكَيْدِ لَهُمْ، فَأُمِرُوا بِالِاسْتِعَانَةِ عَلَيْهِمْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ. وَكُلُّهَا مُتَمَاسِكَةٌ مُتَنَاسِبَةُ الِانْتِقَالِ عَدَا آيَةِ: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ: شاكِرٌ عَلِيمٌ [الْبَقَرَة: ١٥٨] فَسَيَأْتِي تَبْيِينُنَا لِمَوْقِعِهَا.
وَافْتُتِحَ الْكَلَامُ بِالنِّدَاءِ لِأَنَّ فِيهِ إِشْعَارًا بِخَبَرٍ مُهِمٍّ عَظِيمٍ، فَإِنَّ شَأْنَ الْأَخْبَارِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تَهُولُ الْمُخَاطَبَ أَنْ يُقَدَّمَ قبلهَا مَا يهيء النَّفْسَ لِقَبُولِهَا لِتَسْتَأْنِسَ بِهَا قَبْلَ أَنْ تَفْجَأَهَا.
وَفِي افْتِتَاحِ هَذَا الْخِطَابِ بِالِاسْتِعَانَةِ بِالصَّبْرِ إِيذَانٌ بِأَنَّهُ سَيُعْقَبُ بِالنَّدْبِ إِلَى عَمَلٍ عَظِيمٍ وَبَلْوًى شَدِيدَةٍ، وَذَلِكَ تَهْيِئَةٌ لِلْجِهَادِ، وَلَعَلَّهُ إِعْدَادٌ لِغَزْوَةِ بَدْرٍ الْكُبْرَى، فَإِنَّ ابْتِدَاءَ الْمَغَازِي كَانَ قُبَيْلَ زَمَنِ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ إِذْ كَانَ تَحْوِيلُ الْقِبْلَةِ فِي رَجَبٍ أَوْ شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ وَكَانَتْ غَزْوَةُ بُوَاطَ وَالْعُشَيْرَةِ وَبَدْرٍ الْأُولَى فِي رَبِيعٍ وَجُمَادَى مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمَا قِتَالٌ، وَكَانَتْ بَدْرٌ الْكُبْرَى فِي رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فَكَانَتْ بَعْدَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ بِنَحْوِ شَهْرَيْنِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [الْبَقَرَة: ١٤٣] أَنَّ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي أَنَّ نَاسًا قُتِلُوا قَبْلَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ، أَنَّهُ تَوَهُّمٌ
مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ عَنِ الْبَرَاءِ، فَإِنَّ أَوَّلَ قَتْلٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَعَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَهِيَ بَعْدَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ بِنَحْوِ شَهْرَيْنِ، وَالْأَصَحُّ مَا فِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «لَمَّا وُجِّهَ النَّبِيءُ إِلَى الْكَعْبَةِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ بِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ» الْحَدِيثَ فَلَمْ يَقُلِ: (الَّذِينَ قُتِلُوا) . فَالْوَجْهُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهَا تَهْيِئَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ لِلصَّبْرِ عَلَى شَدَائِدِ الْحَرْبِ، وَتَحْبِيبٌ لِلشَّهَادَةِ إِلَيْهِمْ.
стр. 820
وَلِذَلِكَ وَقَعَ التَّعْبِيرُ بِالْمُضَارِعِ فِي قَوْلِهِ:
لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الْمُشْعِرُ بِأَنَّهُ أَمْرٌ مُسْتَقْبَلٌ وَهُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي وَقْعَةِ بَدْرٍ بُعَيْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي نَظِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ [الْبَقَرَة: ٤٥] الْآيَةَ إِلَّا أَنَّا نَقُولُ هُنَا إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: إِنَّها لَكَبِيرَةٌ عِلْمًا مِنْهُ بِضَعْفِ عَزَائِمِهِمْ عَنْ عَظَائِمِ الْأَعْمَالِ وَقَالَ هُنَالِكَ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ وَلَمْ يَذْكُرْ مِثْلَ هَذَا هُنَا، وَفِي هَذَا إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ يُسِرَّ لَهُمْ مَا يَصْعُبُ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَأَنَّهُمُ الْخَاشِعُونَ الَّذِينَ اسْتَثْنَاهُمُ اللَّهُ هُنَالِكَ، وَزَادَ هُنَا فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ فَبَشَّرَهُمْ بِأَنَّهُمْ مِمَّنْ يَمْتَثِلُ هَذَا الْأَمْرَ وَيُعَدُّ لِذَلِكَ فِي زُمْرَةِ الصَّابِرِينَ.
وَقَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ تَذْيِيلٌ فِي مَعْنَى التَّعْلِيلِ أَيِ اصْبِرُوا لِيَكُونَ اللَّهُ مَعَكُمْ لِأَنَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ.
وَقَوْلُهُ: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ عَطَفَ النَّهْيَ عَلَى الْأَمْرِ قَبْلَهُ لِمُنَاسَبَةِ التَّعَرُّضِ لِلْغَزْوِ مِمَّا يُتَوَقَّعُ مَعَهُ الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَمَّا أُمِرُوا بِالصَّبْرِ عَرَفُوا أَنَّ الْمَوْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَقْوَى مَا يَصْبِرُونَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ نَبَّهَ مَعَ ذَلِكَ على أَن هَذَا الصَّبْرَ يَنْقَلِب شكرا عِنْد مَا يَرَى الشَّهِيدُ كَرَامَتَهُ بعد الشَّهَادَة، وَعند مَا يُوقِنُ ذَوُوهُ بِمَصِيرِهِ مِنَ الْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ، فَقَوْلُهُ: وَلا تَقُولُوا نَهْيٌ عَنِ الْقَوْلِ النَّاشِئِ عَنِ اعْتِقَادٍ، ذَلِكَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَقُولُ إِلَّا مَا يَعْتَقِدُ فَالْمَعْنَى وَلَا تَعْتَقِدُوا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا تَكْمِيلٌ لِقَوْلِهِ: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [الْبَقَرَة: ١٤٣] كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ فَإِنَّهُ قَالَ: «قُتِلَ أُنَاسٌ قَبْلَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ» ، فَأَعْقَبَ قَوْلَهُ: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ بِأَنَّ فَضِيلَةَ شَهَادَتِهُمْ غَيْرُ مَنْقُوصَةٍ.
وَارْتَفَعَ أَمْواتٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ لَا تَقُولُوا هُمْ أَمْوَاتٌ.
وبَلْ لِلْإِضْرَابِ الْإِبْطَالِي إِبْطَالًا لِمَضْمُونِ الْمَنْهِيِّ عَنْ قَوْلِهِ، وَالتَّقْدِيرُ بَلْ هُمْ أَحْيَاءٌ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى بَلْ قُولُوا هُمْ أَحْيَاءٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ إِخْبَارُ الْمُخَاطَبِينَ هَذَا الْخَبَرَ الْعَظِيمَ،
فَقَوْلُهُ: «أَحْيَاءٌ» هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَهُوَ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ بَعْدَ بَلْ الْإِضْرَابِيَّةِ.
وَإِنَّمَا قَالَ: وَلكِنْ لَا تَشْعُرُونَ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهَا حَيَاةٌ غَيْرُ جِسْمِيَّةٍ وَلَا مَادِّيَّةٍ
стр. 821
بَلْ حَيَاةٌ رُوحِيَّةٌ، لَكِنَّهَا زَائِدَةٌ عَلَى مُطْلَقِ حَيَاةِ الْأَرْوَاحِ، فَإِنَّ لِلْأَرْوَاحِ كُلِّهَا حَيَاةً وَهِيَ عَدَمُ الِاضْمِحْلَالِ وَقَبُولُ التَّجَسُّدِ فِي الْحَشْرِ مَعَ إِحْسَاسٍ مَا بِكَوْنِهَا آئلة إِلَى نَعِيمٍ أَوْ جَحِيمٍ، وَأَمَّا حَيَاةُ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهِيَ حَيَاةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى إِدْرَاكَاتِ التَّنَعُّمِ بِلَذَّاتِ الْجَنَّةِ وَالْعَوَالِمِ الْعُلْوِيَّةِ وَالِانْكِشَافَاتِ الْكَامِلَةِ، وَلِذَلِكَ
وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «إِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ تُجْعَلُ فِي حَوَاصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ تَرْعَى مِنْ ثَمَرِ الْجَنَّةِ وَتَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا»
. وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ اتِّصَالَ اللَّذَّاتِ بِالْأَرْوَاحِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى تَوَسُّطِ الْحَوَاسِّ الْجُسْمَانِيَّةِ، فَلَمَّا انْفَصَلَتِ الرُّوحُ عَنِ الْجَسَدِ عُوِّضَتْ جَسَدًا مُنَاسِبًا لِلْجَنَّةِ ليَكُون وَسِيلَة لنعميها.
[١٥٥، ١٥٧]
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : الْآيَات ١٥٥ إِلَى ١٥٧]
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (١٥٦) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ.
عَطَفَ: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ عَلَى قَوْلِهِ: اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [الْبَقَرَة: ١٥٣] عَطْفَ الْمَقْصِدِ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ قَبْلُ، وَلَكَ أَنْ تجْعَل قَوْله: وَنَبْلُوكُمْ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ [الْبَقَرَة: ١٥٠] الْآيَاتِ لِيُعْلِمَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ تَمَامَ النِّعْمَةِ وَمَنْزِلَةَ الْكَرَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ لَا يَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ لَحَاقِ الْمَصَائِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ الْمُرْتَبِطَةِ بِأَسْبَابِهَا، وَأَنَّ تِلْكَ الْمَصَائِبَ مَظْهَرٌ لِثَبَاتِهِمْ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّسْلِيمِ لِقَضَائِهِ فَيَنَالُونَ بِذَلِكَ بَهْجَةَ نُفُوسِهِمْ بِمَا أَصَابَهُمْ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ وَيَزْدَادُونَ بِهِ رِفْعَةً وَزَكَاءً، وَيَزْدَادُونَ يَقِينًا بِأَنَّ اتِّبَاعَهُمْ لِهَذَا الدِّينِ لَمْ يَكُنْ لِنَوَالَ حُظُوظٍ فِي الدُّنْيَا، وَيَنْجَرُّ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ ثَوَابٌ، وَلِذَلِكَ جَاءَ بَعْدَهُ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ وَجَعَلَ قَوْلَهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [الْبَقَرَة:
١٥٣] الْآيَةَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْمُتَعَاطِفَيْنِ لِيَكُونَ نَصِيحَةً لِعِلَاجِ الْأَمْرَيْنِ تَمَامِ النِّعْمَةِ وَالْهُدَى وَالِابْتِلَاءِ، ثُمَّ أُعِيدَ عَلَيْهِ مَا يُصَيِّرُ الْجَمِيعَ خَبَرًا بِقَوْلِهِ: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ.
وَجِيءَ بِكَلِمَةِ (شَيْءٍ) تَهْوِينًا لِلْخَبَرِ الْمُفْجِعِ، وَإِشَارَةً إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا الِابْتِلَاءِ وَبَيْنَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ اللَّذَيْنِ سَلَّطَهُمَا اللَّهُ عَلَى بَعْضِ الْأُمَمِ عُقُوبَةً، كَمَا فِي قَوْلِهِ: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ [النَّحْل: ١١٢] وَلِذَلِكَ جَاءَ هُنَا بِكَلِمَةِ (شَيْءٍ) وَجَاءَ
هُنَالِكَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْمُلَابَسَةِ وَالتَّمَكُّنِ، وَهُوَ أَنِ اسْتَعَارَ لَهَا اللبَاس الملازم لِلَّابِسِ، لِأَنَّ كَلِمَةَ (شَيْءٍ) مِنْ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ
стр. 822
الْعَالِيَةِ الْعَامَّةِ، فَإِذَا أُضِيفَتْ إِلَى اسْمِ جِنْسٍ أَوْ بُيِّنَتْ بِهِ عُلِمَ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ مَا زَادَ كَلِمَةَ (شَيْءٍ) قَبْلَ اسْمِ ذَلِكَ الْجِنْسِ إِلَّا لِقَصْدِ التَّقْلِيلِ لِأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى اسْمِ الْجِنْسِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُتَكَلِّمُ بَعْدَهَا لَوْ شَاءَ الْمُتَكَلِّمُ لَأَغْنَى غَنَاءَهَا، فَمَا ذَكَرَ كَلِمَةَ شَيْءٍ إِلَّا وَالْقَصْدُ أَنْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّ تَنْكِيرَ اسْمِ الْجِنْسِ لَيْسَ لِلتَّعْظِيمِ وَلَا لِلتَّنْوِيعِ، فَبَقِيَ لَهُ الدَّلَالَةُ عَلَى التَّحْقِيرِ وَهَذَا كَقَوْلِ السَّرِيِّ مُخَاطِبًا لِأَبِي إِسْحَاقَ الصَّابِي:
فَشَيْئًا مِنْ دَمِ الْعُنْقُو ... دِ أَجْعَلُهُ مَكَانَ دَمِي (١)
فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ عُدُولٌ عَنْ أَنْ يَقُولَ بِخَوْفٍ وَجُوعٍ أَمَّا لَوْ ذَكَرَ لَفْظَ شَيْءٍ مَعَ غَيْرِ اسْمِ جِنْسٍ كَمَا إِذَا أُتْبِعَ بِوَصْفٍ أَوْ لَمْ يُتْبَعْ أَوْ أُضِيفَ لِغَيْرِ اسْمِ جِنْسٍ فَهُوَ حِينَئِذٍ يَدُلُّ عَلَى مُطْلَقِ التَّنْوِيعِ نَحْوُ قَوْلِ قُحَيْطٍ الْعِجْلِيِّ:
فَلَا تَطْمَعْ أَبَيْتَ اللَّعْنَ فِيهَا ... وَمَنَعُكَهَا بِشَيْءٍ يُسْتَطَاعُ
فَقَدْ فَسَّرَهُ الْمَرْزُوقِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ مَعْنَى بِشَيْءٍ بِمَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي مِنْ غَلَبَةٍ أَوْ مَعَازَةٍ أَوْ فِدَاءٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ اه.
وَقَدْ يَكُونُ بَيَانُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مَحْذُوفًا لِدَلَالَةِ الْمُقَامِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ [الْبَقَرَة: ١٧٨] فَهُوَ الدِّيَةُ عَلَى بَعْضِ التَّفَاسِيرِ أَوْ هُوَ الْعَفْوُ عَلَى تَفْسِيرٍ آخَرَ، وَقَوْلِ عُمَرَ بْنِ أَبِي ربيعَة:
وَمن ماليء عَيْنَيْهِ مِنْ شَيْءِ غَيْرِهِ ... إِذَا رَاحَ نَحْوَ الْجَمْرَةِ الْبَيْضُ كَالدُّمَى
أَيْ مِنْ مَحَاسِنِ امْرَأَةٍ غَيْرِ امْرَأَتِهِ.
وَقَوْلِ أَبَى حَيَّةَ النُّمَيْرِيِّ:
إِذَا مَا تَقَاضَى الْمَرْءَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ... تَقَاضَاهُ شَيْءٌ لَا يَمَلُّ التَّقَاضِيَا
أَيْ شَيْءٌ مِنَ الزَّمَانِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ
مِنَ اللَّهِ شَيْئاً [آل عمرَان: ١٠] أَيْ مِنِ الْغَنَاءِ. стр. 823
وَكَأَنَّ مُرَاعَاةَ هَذَيْنِ الِاسْتِعْمَالَيْنِ فِي كَلِمَةِ شَيْءٍ هُوَ الَّذِي دَعَا الشَّيْخَ عَبَدَ الْقَاهِرِ فِي «دَلَائِلِ الْإِعْجَازِ» إِلَى الْحُكْمِ بِحُسْنِ وَقْعِ كَلِمَةِ شَيْءٍ فِي بَيْتِ ابْنِ أَبِي رَبِيعَةَ وَبَيْتِ أَبِي حَيَّةَ النُّمَيْرِيِّ، وَبِقِلَّتِهَا وَتَضَاؤُلِهَا فِي قَوْلِ أَبِي الطَّيِّبِ:
لَوِ الْفَلَكُ الدَّوَّارُ أَبْغَضْتَ سَعْيَهُ ... لَعَوَّقَهُ شَيْءٌ عَنِ الدَّوَرَانِ
لِأَنَّهَا فِي بَيْتِ أَبِي الطَّيِّبِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مَعْنَى التَّقْلِيلِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَلَا التَّنْوِيعِ لِقِلَّةِ جَدْوَى التَّنْوِيعِ هُنَا إِذْ لَا يَجْهَلُ أَحَدٌ أَنَّ مُعَوِّقَ الْفَلَكِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ شَيْئًا.
وَالْمُرَادُ بِالْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِمَا مَعَانِيهَا الْمُتَبَادِرَةُ وَهِيَ مَا أَصَابَ الْمُسْلِمِينَ مِنِ الْقِلَّةِ وَتَأَلُّبِ الْمُشْرِكِينَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، كَمَا وَقَعَ فِي يَوْمِ الْأَحْزَابِ إِذْ جَاءُوهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَأَمَّا الْجُوعُ فَكَمَا أَصَابَهُمْ مِنْ قِلَّةِ الْأَزْوَادِ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ، وَنَقْصِ الْأَمْوَالِ مَا يَنْشَأُ عَنْ قِلَّةِ الْعِنَايَةِ بِنَخِيلِهِمْ فِي خُرُوجِهِمْ إِلَى الْغَزْوِ، وَنَقْصُ الْأَنْفُسِ يَكُونُ بِقِلَّةِ الْوِلَادَةِ لِبُعْدِهِمْ عَنْ نِسَائِهِمْ كَمَا قَالَ النَّابِغَةُ:
شُعَبُ الْعِلَافِيَّاتِ بَيْنَ فُرُوجِهِمْ ... وَالْمُحْصَنَاتُ عَوَازِبُ الْأَطْهَارِ
وَكَمَا قَالَ الْأَعْشَى يَمْدَحُ هَوْذَةَ بْنَ عَلِيٍّ صَاحِبَ الْيَمَامَةِ بِكَثْرَةِ غَزَوَاتِهِ:
أَفِي كُلِّ عَام أَنْت حاشم غَزْوَةٍ ... تَشُدُّ لِأَقْصَاهَا عَزِيمَ عَزَائِكَا
مُوَرِّثَةٍ مَالًا وَفِي الْمَجْدِ رِفْعَةٌ ... لِمَا ضَاعَ فِيهَا من قُرُوء نِسَائِك
وَكَذَلِكَ نَقْصُ الْأَنْفُسَ بِالِاسْتِشْهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَا يُصِيبُهُمْ فِي خِلَالِ ذَلِكَ وَفِيمَا بَعْدَهُ مِنْ مَصَائِبَ تَرْجِعُ إِلَى هَاتِهِ الْأُمُورِ.
وَالْكَلَامُ عَلَى الْأَمْوَالِ يَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ [الْبَقَرَة: ١٨٨] فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَعِنْدَ قَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ [آل عمرَان: ١٠] فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ.
وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (١٥٦) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧) .
وَجُمْلَة: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ مَعْطُوفَةٌ عَلَى وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ، وَالْخطاب للرسول عَلَيْهِ
السَّلَام بِمُنَاسَبَةِ أَنَّهُ مِمَّنْ شَمِلَهُ قَوْلُهُ: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ وَهُوَ عَطْفُ إِنْشَاءٍ عَلَى خبر وَلَا ضير فِيهِ عِنْدَ مَنْ تَحَقَّقَ أَسَالِيبَ الْعَرَبِ وَرَأَى فِي كَلَامِهِمْ كَثْرَةَ عَطْفِ الْخَبَرِ عَلَى الْإِنْشَاءِ وَعَكْسِهِ.
стр. 824
وَأُفِيدَ مَضْمُونُ الْجُمْلَةِ الَّذِي هُوَ حُصُولُ الصَّلَوَاتِ وَالرَّحْمَةِ وَالْهُدَى لِلصَّابِرِينَ بِطَرِيقَةِ التَّبْشِيرِ عَلَى لِسَانِ الرَّسُولِ تَكْرِيمًا لِشَأْنِهِ، وَزِيَادَةً فِي تَعَلُّقِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ بِحَيْثُ تَحْصُلُ خَيْرَاتُهُمْ بِوَاسِطَتِهِ، فَلِذَلِكَ كَانَ مِنْ لَطَائِفِ الْقُرْآنِ إِسْنَادُ الْبَلْوَى إِلَى اللَّهِ بِدُونِ وَاسِطَةِ الرَّسُولِ، وَإِسْنَادُ الْبِشَارَةِ بِالْخَيْرِ الْآتِي مِنْ قِبَلِ اللَّهِ إِلَى الرَّسُولِ.
وَالْكَلَامُ عَلَى الصَّبْرِ وَفَضَائِلِهِ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [الْبَقَرَة: ٤٥] .
وَوَصْفُ الصَّابِرِينَ بِأَنَّهُمُ: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِلَخْ لِإِفَادَةِ أَنَّ صَبْرَهُمْ أَكْمَلُ الصَّبْرِ إِذْ هُوَ صَبْرٌ مُقْتَرِنٌ بِبَصِيرَةٍ فِي أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى إِذْ يَعْلَمُونَ عَنْدَ الْمُصِيبَةِ أَنَّهُمْ مِلْكٌ لِلَّهِ تَعَالَى يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَيْفَ يَشَاءُ فَلَا يَجْزَعُونَ مِمَّا يَأْتِيهِمْ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهِ فَيُثِيبُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَالْمُرَادُ مِنَ الْقَوْلِ هُنَا الْقَوْلُ الْمُطَابِقُ لِلِاعْتِقَادِ إِذِ الْكَلَامُ إِنَّمَا وُضِعَ لِلصِّدْقِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ الْقَوْلُ مُعْتَبَرًا إِذَا كَانَ تَعْبِيرًا عَمَّا فِي الضَّمِيرِ فَلَيْسَ لِمَنْ قَالَ هَاتِهِ الْكَلِمَاتِ بِدُونِ اعْتِقَادٍ لَهَا فَضْلٌ وَإِنَّمَا هُوَ كَالَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ، وَقَدْ عَلَّمَهُمُ اللَّهُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ الْجَامِعَةَ لِتَكُونَ شِعَارَهُمْ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ، لِأَنَّ الِاعْتِقَادَ يَقْوَى بِالتَّصْرِيحِ لِأَنَّ اسْتِحْضَارَ النَّفْسِ لِلْمُدْرَكَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ ضَعِيفٌ يَحْتَاجُ إِلَى التَّقْوِيَةِ بِشَيْءٍ مِنَ الْحِسِّ، وَلِأَنَّ فِي تَصْرِيحِهِمْ بِذَلِكَ إِعْلَانًا لِهَذَا الِاعْتِقَادِ وَتَعْلِيمًا لَهُ لِلنَّاسِ. وَالْمُصِيبَةُ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:
فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ [النِّسَاء: ٧٢] فِي سُورَةِ النِّسَاءِ.
وَالتَّوْكِيدُ بِإِنَّ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّا لِلَّهِ لِأَنَّ الْمُقَامَ مَقَامُ اهْتِمَامٍ، وَلِأَنَّهُ يُنْزِلُ الْمُصَابَ فِيهِ مَنْزِلَةَ الْمُنْكِرِ كَوْنُهُ مِلْكًا لِلَّهِ تَعَالَى وَعَبْدًا لَهُ إِذْ تُنْسِيهِ الْمُصِيبَةُ ذَلِكَ وَيَحُولُ هَوْلُهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رُشْدِهِ، وَاللَّامُ فِيهِ لِلْمُلْكِ.
وَالْإِتْيَانُ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِ هُوَ ذَلِكَ الْمَوْصُوفُ بِجَمِيعِ الصِّفَاتِ السَّابِقَةِ عَلَى اسْمِ الْإِشَارَةِ، وَأَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الْإِشَارَةِ مُتَرَتِّبٌ عَلَى تِلْكَ الْأَوْصَافِ مِثْلُ: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [الْبَقَرَة: ٥] وَهَذَا بَيَانٌ لِجَزَاءِ صَبْرِهِمْ.
وَالصَّلَوَاتُ هُنَا مَجَازٌ فِي التَّزْكِيَاتِ وَالْمَغْفِرَاتِ وَلِذَلِكَ عُطِفَتْ عَلَيْهَا الرَّحْمَةُ الَّتِي هِيَ
مِنْ مَعَانِي الصَّلَاةِ مَجَازًا فِي مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الْأَحْزَاب: ٥٦] .
وَحَقِيقَةُ الصَّلَاةِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنَّهَا أَقْوَالٌ تُنْبِئُ عَنْ مَحَبَّةِ الْخَيْرِ لِأَحَدٍ، وَلِذَلِكَ كَانَ
стр. 825
أَشْهَرُ مَعَانِيهَا هُوَ الدُّعَاءَ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ [الْبَقَرَة: ٣] وَلِأَجْلِ ذَلِكَ كَانَ إِسْنَادُ هَذَا الْفِعْلِ لِمَنْ لَا يُطْلَبُ الْخَيْرُ إِلَّا مِنْهُ مُتَعَيِّنًا لِلْمَجَازِ فِي لَازِمِ الْمَعْنَى وَهُوَ حُصُولُ الْخَيْرِ، فَكَانَتِ الصَّلَاةُ إِذَا أُسْنِدَتْ إِلَى اللَّهِ أَوْ أُضِيفَتْ إِلَيْهِ دَالَّةً عَلَى الرَّحْمَةِ وَإِيصَالِ مَا بِهِ النَّفْعُ مِنْ رَحْمَةٍ أَوْ مَغْفِرَةٍ أَوْ تَزْكِيَةٍ.
وَقَوْلُهُ: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ بَيَانٌ لفضيلة صفتهمْ إِذا اهْتَدَوْا لِمَا هُوَ حَقُّ كُلِّ عَبْدٍ عَارِفٍ فَلَمْ تُزْعِجْهُمُ الْمَصَائِبُ وَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ حَاجِبًا عَنِ التَّحَقُّقِ فِي مَقَامِ الصَّبْرِ، لِعِلْمِهِمْ أَنَّ الْحَيَاةَ لَا تَخْلُو مِنَ الْأَكْدَارِ، وَأَمَّا الَّذِينَ لَمْ يَهْتَدُوا فَهُمْ يَجْعَلُونَ الْمَصَائِبَ سَبَبًا فِي اعْتِرَاضِهِمْ عَلَى اللَّهِ أَوْ كُفْرِهِمْ بِهِ أَوْ قَوْلِ مَا لَا يَلِيقُ أَوْ شَكِّهِمْ فِي صِحَّةِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْإِسْلَامِ، يَقُولُونَ لَوْ كَانَ هَذَا هُوَ الدِّينَ الْمَرْضِيَّ لِلَّهِ لَمَا لَحِقَنَا عَذَابٌ وَمُصِيبَةٌ، وَهَذَا شَأْنُ أَهْلِ الضَّلَالِ الَّذِينَ حَذَّرَنَا اللَّهُ أَمْرَهُمْ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ
[الْأَعْرَاف: ١٣١] وَقَالَ فِي الْمُنَافِقِينَ: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ [النِّسَاء: ٧٨] ، وَالْقَوْلُ الْفَصْلُ أَنَّ جَزَاءَ الْأَعْمَالِ يَظْهَرُ فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا مَصَائِبُ الدُّنْيَا فَمُسَبَّبَةٌ عَنْ أَسْبَابٍ دُنْيَوِيَّةٍ، تَعْرِضُ لِعُرُوضِ سَبَبِهَا، وَقَدْ يَجْعَلُ اللَّهُ سَبَبَ الْمُصِيبَةِ عُقُوبَةً لِعَبْدِهِ فِي الدُّنْيَا عَلَى سُوءِ أَدَبٍ أَوْ نَحْوِهِ لِلتَّخْفِيفِ عَنْهُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، وَقَدْ تَكُونُ لِرَفْعِ دَرَجَاتِ النَّفْسِ، وَلَهَا أَحْوَالٌ وَدَقَائِقُ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الْعَبْدُ إِذَا رَاقَبَ نَفْسَهُ وَحَاسَبَهَا، وَلِلَّهِ تَعَالَى فِي الْحَالَيْنِ لُطْفٌ وَنِكَايَةٌ يَظْهَرُ أَثَرُ أَحدهمَا للعارفين.
[١٥٨]
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١٥٨]
إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)
هَذَا كَلَامٌ وَقَعَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ مُحَاجَّةِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي أَمْرِ الْقِبْلَةِ، نَزَلَ هَذَا بِسَبَبِ تَرَدُّدٍ وَاضْطِرَابٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَمْرِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَذَلِكَ عَامَ حِجَّةِ الْوَدَاعِ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْآتِي، فَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ الْآيَاتِ الَّتِي قَبْلَهَا وَبَعْدَ الْآيَاتِ الَّتِي نَقْرَؤُهَا بَعْدَهَا، لِأَنَّ الْحَجَّ لَمْ يَكُنْ قَدْ فُرِضَ، وَهِيَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِلْحَاقِهَا بِبَعْضِ السُّوَرِ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلَ نُزُولِهَا بِمُدَّةِ، وَالْمُنَاسَبَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا
قَبْلَهَا هُوَ أَنَّ الْعُدُولَ عَنِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يُشْبِهُ فِعْلَ مَنْ عَبَّرَ عَنْهُمْ بِالسُّفَهَاءِ مِنَ الْقِبْلَةِ وَإِنْكَارِ
стр. 826
الْعُدُولِ عَنِ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَمَوْقِعُ هَذِهِ الْآيَةِ بَعْدَ إِلْحَاقِهَا بِهَذَا الْمَكَانِ مَوْقِعُ الِاعْتِرَاضِ فِي أَثْنَاءِ الِاعْتِرَاضِ، فَقَدْ كَانَ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ مِنْ زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ تَذْكِيرًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى هَاجَرَ وَابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنَ الْعَطَشِ كَمَا
فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ بَدْءِ الْخَلْقِ (١) عَنِ ابْنِ عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ أَنْ هَاجَرَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ لَمَّا تَرَكَهَا إِبْرَاهِيمُ بِمَوْضِعِ مَكَّةَ وَمَعَهَا ابْنُهَا وَهُوَ رَضِيعٌ وَتَرَكَ لَهَا جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ، فَلَمَّا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ فَوَجَدَتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ يَلِيهَا فَقَامَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الْوَادِي تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفَا وَأَتَتِ الْمَرْوَةَ فَقَامَتْ عَلَيْهَا فَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ النَّبِيءُ ﷺ : فَلِذَلِكَ سَعَى النَّاسُ بَيْنَهُمَا (٢) ، فَسَمِعَتْ صَوْتًا فَقَالَتْ فِي نَفْسِهَا صَهٍ ثمَّ تسمّعت فَسمِعت أَيْضًا فَقَالَتْ قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غُوَاثٌ، فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ حَتَّى ظَهَرَ الْمَاءُ فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا»
، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَذَكُّرًا لِشُكْرِ النِّعْمَةِ وَأَمَرَ بِهِ إِسْمَاعِيلَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ أَلْحَقَهُ بِأَفْعَالِ الْحَجِّ، أَوْ أَنَّ مَنْ جَاءَ مِنْ أَبْنَائِهِ فَعَلَ ذَلِكَ فَتَقَرَّرَ فِي الشَّعَائِرِ عِنْدَ قُرَيْشٍ لَا مَحَالَةَ.
وَقَدْ كَانَ حَوَالِيَ الْكَعْبَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ حَجَرَانِ كَانَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَصْنَامِ الَّتِي جَاءَ بِهَا عَمْرُو ابْن لُحَيٍّ إِلَى مَكَّةَ فعبدها الْعَرَب إِحْدَاهمَا يُسَمَّى إِسَافًا وَالْآخَرُ يُسَمَّى نَائِلَةَ، كَانَ أَحَدُهُمَا مَوْضُوعًا قُرْبَ جِدَارِ الْكَعْبَةِ وَالْآخَرُ مَوْضُوعًا قُرْبَ زَمْزَمَ، ثُمَّ نَقَلُوا الَّذِي قُرْبَ الْكَعْبَةِ إِلَى جِهَةِ زَمْزَمَ، وَكَانَ الْعَرَبُ يَذْبَحُونَ لَهُمَا، فَلَمَّا جَدَّدَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ احْتِفَارَ زَمْزَمَ بَعْدَ أَنْ دَثَرَتْهَا جُرْهُمُ حِينَ خُرُوجِهِمْ مِنْ مَكَّةَ وَبَنَى سِقَايَةَ زَمْزَمَ نَقَلَ ذَيْنَكَ الصَّنَمَيْنِ فَوَضَعَ إِسَافًا عَلَى الصَّفَا وَنَائِلَةَ عَلَى الْمَرْوَةِ، وَجَعَلَ الْمُشْرِكُونَ بَعْدَ ذَلِكَ أَصْنَامًا صَغِيرَةً وَتَمَاثِيلَ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ فِي طَرِيقِ الْمَسْعَى، فَتَوَهَّمَ الْعَرَبُ الَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ طَوَافٌ بِالصَّنَمَيْنِ، وَكَانَتِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ وَغَسَّانُ يَعْبُدُونَ مَنَاةَ وَهُوَ صَنَمٌ بِالْمُشَلَّلِ قُرْبَ قُدَيْدٍ فَكَانُوا لَا يَسْعَوْنَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَحَرُّجًا مِنْ أَنْ يَطُوفُوا بِغَيْرِ
صَنَمِهِمْ، فِي الْبُخَارِيِّ فِيمَا عَلَّقَهُ (٣) عَنْ مَعْمَرٍ إِلَى عَائِشَةَ قَالَتْ «كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ لِمَنَاةَ قَالُوا يَا نَبِيءَ اللَّهِ كُنَّا لَا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ «تَعْظِيمًا لِمَنَاةَ» . стр. 827
فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ وَأُزِيلَتِ الْأَصْنَامُ وَأُبِيحُ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَحَجَّ الْمُسْلِمُونَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَسَعَتْ قُرَيْشٌ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَحَرَّجَ الْأَنْصَارُ مِنَ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَسَأَلَ جَمْعٌ مِنْهُمُ النَّبِيءَ ﷺ هَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ أَنْ نَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.
وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ ﵀ فِي «الْمُوَطَّأِ» (١) عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ قُلْتُ لِعَائِشَةَ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما، فَمَا عَلَى الرَّجُلِ شَيْءٌ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا فَقَالَتْ عَائِشَةُ كَلَّا لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ لَكَانَتْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا، إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَاتِهِ (٢) الْآيَةُ فِي الْأَنْصَارِ كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ وَكَانَتْ مَنَاةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ» الْآيَةَ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ كُنَّا نَرَى أَنَّهُمَا مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَمْسَكْنَا عَنْهُمَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ، وَفِيهِ كَلَامُ مَعْمَرٍ الْمُتَقَدِّمُ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَعْظِيمًا لِمَنَاةَ.
فتأكيد الْجُمْلَة بأنّ لِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ مُتَرَدِّدُونَ فِي كَوْنِهِمَا مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ وَهُمْ أَمْيَلُ إِلَى اعْتِقَادِ أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَهُمَا مِنْ أَحْوَالِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَفِي «أَسْبَابِ النُّزُولِ» لِلْوَاحِدِيِّ أَنَّ سُؤَالَهُمْ كَانَ عَامَ حِجَّةَ الْوَدَاعِ، وَبِذَلِكَ كُلِّهِ يَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ بِسِنِينَ فَوَضْعُهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِمُرَاعَاةِ الْمُنَاسَبَةِ مَعَ الْآيَاتِ الْوَارِدَةِ فِي اضْطِرَابِ الْفَرْقِ فِي أَمْرِ الْقِبْلَةِ وَالْمَنَاسِكِ.
وَالصَّفَا والمروة اسمان لجبيلين مُتَقَابِلَيْنِ فَأَمَّا الصَّفَا فَهُوَ رَأْسُ نِهَايَةِ جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ،
وَأَمَّا الْمَرْوَةُ فَرَأْسٌ هُوَ مُنْتَهَى جَبَلِ قُعَيْقِعَانَ. وَسُمِّيَ الصَّفَا لِأَنَّ حِجَارَتَهُ مِنَ الصَّفَا وَهُوَ الْحَجَرُ الْأَمْلَسُ الصُّلْبُ، وَسُمِّيَتِ الْمَرْوَةُ مروة لِأَن حجارها مِنَ الْمَرْوِ وَهِيَ الْحِجَارَةُ الْبَيْضَاءُ اللَّيِّنَةُ الَّتِي تُورِي النَّارَ وَيُذْبَحُ بِهَا لِأَنَّ شَذْرَهَا يُخْرِجُ قِطَعًا مُحَدَّدَةَ الْأَطْرَافِ وَهِيَ تُضْرَبُ بِحِجَارَةٍ مِنَ الصَّفَا فَتَتَشَقَّقُ قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ:
حَتَّى كَأَنِّي لِلْحَوَادِثِ مَرْوَةٌ ... بِصَفَا الْمُشَقَّرِ (٣) كُلَّ يَوْمٍ تَفَرَّعُ стр. 828
وَكَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لطف بِأَهْل بِمَكَّة فَجَعَلَ لَهُمْ جَبَلًا مِنَ الْمَرْوَةِ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ فِي اقْتِدَاحِهِمْ وَفِي ذَبَائِحِهِمْ، وَجَعَلَ قُبَالَتَهُ الصَّفَا لِلِانْتِفَاعِ بِهِ فِي بِنَائِهِمْ.
وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةُ بِقُرْبِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَبَيْنَهُمَا مَسَافَةُ سَبْعِمِائَةٍ وَسَبْعِينَ ذِرَاعًا وَطَرِيقُ السَّعْيِ بَيْنَهُمَا يَمُرُّ حَذْوَ جِدَارِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالصَّفَا قَرِيبٌ مِنْ بَابٍ يُسَمَّى بَابَ الصَّفَا مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَيَصْعَدُ السَّاعِي إِلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ بِمِثْلِ الْمُدَرَّجَةِ.
وَالشَّعَائِرُ جَمْعُ شَعِيرَةٍ بِفَتْحِ الشِّينِ وَشِعَارَةٍ بِكَسْرِ الشِّينِ بِمَعْنَى الْعَلَامَةِ مُشْتَقٌّ مَنْ شَعَرَ إِذَا عَلِمَ وَفَطِنَ، وَهِيَ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مُفَعْوِلَةٍ أَيْ مُعْلَمٌ بِهَا وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ أُشْعِرَ الْبَعِيرُ إِذَا جُعِلَ لَهُ سِمَةٌ فِي سَنَامِهِ بِأَنَّهُ مُعَدٌّ لِلْهَدْيِ. فَالشَّعَائِرُ مَا جُعِلَ عَلَامَةً عَلَى أَدَاءِ عَمَلٍ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَهِيَ الْمَوَاضِعُ الْمُعَظَّمَةُ مِثْلُ الْمَوَاقِيتِ الَّتِي يَقَعُ عِنْدَهَا الْإِحْرَامُ، وَمِنْهَا الْكَعْبَةُ وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامِ وَالْمَقَامُ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةُ وَعَرَفَةُ وَالْمَشْعَرُ الْحَرَامُ بِمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَالْجِمَارُ.
وَمَعْنَى وَصْفِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ بِأَنَّهُمَا مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُمَا عَلَامَتَيْنِ عَلَى مَكَانِ عِبَادَةٍ كَتَسْمِيَةِ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ مَوَاقِيتَ فَوَصْفُهُمَا بِذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ السَّعْيَ بَيْنَهُمَا عِبَادَةٌ إِذْ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِمَا عِبَادَةٌ جُعِلَا عَلَامَةً عَلَيْهَا غَيْرُ السَّعْيِ بَيْنَهُمَا، وَإِضَافَتُهُمَا إِلَى اللَّهِ لِأَنَّهُمَا عَلَامَتَانِ عَلَى عِبَادَتِهِ أَوْ لِأَنَّهُ جَعَلَهُمَا كَذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ تَفْرِيعٌ عَلَى كَوْنِهِمَا مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ، وَأَنَّ السَّعْيَ بَيْنَهُمَا فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مِنَ الْمَنَاسِكِ فَلَا يُرِيبُهُ مَا حَصَلَ فِيهِمَا مِنْ صُنْعِ الْجَاهِلِيَّةِ لِأَنَّ الشَّيْءَ الْمُقَدَّسَ لَا يُزِيلُ تَقْدِيسَهُ مَا يَحُفُّ بِهِ من سيء الْعَوَارِضِ، وَلِذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ فَلا جُناحَ عَلَى نَفْيِ مَا اخْتَلَجَ فِي نُفُوسِهِمْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ كَمَا فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂.
وَالْجُنَاحُ بِضَمِّ الْجِيمِ الْإِثْمُ مُشْتَقٌّ مِنْ جَنَحَ إِذَا مَالَ لِأَنَّ الْإِثْمَ يَمِيلُ بِهِ الْمَرْءُ عَنْ طَرِيقِ الْخَيْرِ، فَاعْتَبَرُوا فِيهِ الْمَيْلَ عَنِ الْخَيْرِ عَكْسَ اعْتِبَارِهِمْ فِي حَنَفٍ أَنَّهُ مَيْلٌ عَنِ الشَّرِّ إِلَى الْخَيْرِ.
وَالْحَجُّ اسْمٌ فِي اللُّغَةِ لِلْقَصْدِ وَفِي الْعرف غلب عَلَى قَصْدِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ الَّذِي بِمَكَّةَ لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ بِالطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَالْإِحْرَامِ وَلِذَلِكَ صَارَ بِالْإِطْلَاقِ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي هَذَا الْمَعْنَى جِنْسًا بِالْغَلَبَةِ كَالْعَلَمِ بِالْغَلَبَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي «الْكَشَّافِ» «وَهُمَا (أَيِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ) فِي الْمَعَانِي كَالنَّجْمِ وَالْبَيْتِ فِي الذَّوَاتِ (١) » ، فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ مُضَافٍ إِلَيْهِ إِلَّا فِي مَقَامِ الِاعْتِنَاءِ بِالتَّنْصِيصِ وَلِذَلِكَ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ مَقْطُوعًا عَنِ الْإِضَافَةِ نَحْوَ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ إِلَى قَوْلِهِ: стр. 829
وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ [الْبَقَرَة: ١٩٧] ، وَوَرَدَ مُضَافًا فِي قَوْلِهِ: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمرَان: ٩٧] لِأَنَّهُ مَقَامُ ابْتِدَاءِ تَشْرِيعٍ فَهُوَ مَقَامُ بَيَانٍ وَإِطْنَابٍ. وَفِعْلُ حَجَّ بِمَعْنَى قَصَدَ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنِ الْإِطْلَاقِ عَلَى الْقَصْدِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فَلِذَلِكَ كَانَ ذِكْرُ الْمَفْعُولِ لِزِيَادَةِ الْبَيَانِ. وَأَمَّا صِحَّةُ قَوْلِكَ حَجَّ فُلَانٌ
وَقَوْلِهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا»
بِدُونِ ذِكْرِ الْمَفْعُولِ فَذَلِكَ حَذْفٌ لِلتَّعْوِيلِ عَلَى الْقَرِينَةِ فَغَلَبَةُ إِطْلَاقِ الْفِعْلِ عَلَى قَصْدِ الْبَيْتِ أَقَلُّ مِنْ غَلَبَةِ إِطْلَاقِ اسْمِ الْحَجِّ عَلَى ذَلِكَ الْقَصْدِ.
وَالْعُمْرَةُ اسْمٌ لِزِيَارَةِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْحَجِّ أَوْ فِي وَقْتِهِ بِدُونِ حُضُورِ عَرَفَةَ فَالْعُمْرَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَجِّ مِثْلُ صَلَاةِ الْفَذِّ بِالنِّسْبَةِ لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَهِيَ بِصِيغَةِ الِاسْمِ عَلَمُ الْغَلَبَةِ عَلَى زِيَارَةِ الْكَعْبَةِ، وَفِعْلُهَا غَلَبَ عَلَى تِلْكَ الزِّيَارَةِ تَبَعًا لِغَلَبَةِ الِاسْمِ فَسَاوَاهُ فِيهَا وَلِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرِ الْمَفْعُولُ هُنَا وَلَمْ يُسْمَعْ، وَالْغَلَبَةُ عَلَى كُلِّ حَالٍ لَا تَمْنَعُ مِنَ الْإِطْلَاقِ الْآخَرِ نَادِرًا.
وَنَفْيُ الْجُنَاحِ عَنِ الَّذِي يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ كَوْنِهِ غَيْرَ مَنْهِيٍّ عَنْهُ فَيُصَدِّقُ بِالْمُبَاحِ وَالْمَنْدُوبِ، وَالْوَاجِبِ وَالرُّكْنِ، لِأَنَّ الْمَأْذُونَ فِيهِ يُصَدِّقُ بِجَمِيعِ الْمَذْكُورَاتِ فَيَحْتَاجُ فِي إِثْبَاتِ حُكْمِهِ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ وَلِذَلِكَ قَالَتْ عَائِشَةُ لِعُرْوَةَ «لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ لَقَالَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا» ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي «أَحْكَامِ الْقُرْآنِ» إِنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ لَا جُنَاحَ عَلَيْكَ أَنْ تَفْعَلَ إِبَاحَةٌ لِلْفِعْلِ وَقَوْلُهُ لَا جُنَاحَ عَلَيْكَ أَنْ لَا تَفْعَلَ إِبَاحَةٌ لِتَرْكِ الْفِعْلِ فَلَمْ يَأْتِ هَذَا اللَّفْظُ لِإِبَاحَةِ تَرْكِ الطَّوَافِ وَلَا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا جَاءَ لِإِفَادَةِ إِبَاحَةِ
الطَّوَافِ لِمَنْ كَانَ تَحَرَّجَ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّة أَو لمن كَانَ يَطُوفُ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَصْدًا لِلْأَصْنَامِ الَّتِي كَانَتْ فِيهِ اه.
وَمُرَادُهُ أَنَّ لَا جُنَاحَ عَلَيْكَ أَنْ تَفْعَلَ نَصٌّ فِي نَفْيِ الْإِثْمِ عَنِ الْفَاعِلِ وَهُوَ صَادِقٌ بِالْإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ وَالْوُجُوبِ فَهُوَ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا مُجْمَلٌ، بِخِلَافِ لَا جُنَاحَ عَلَيْكَ أَنْ لَا تَفْعَلَ فَهُوَ نَصٌّ فِي نَفْيِ الْإِثْمِ التَّالِي وَهُوَ صَادِقٌ بِحُرْمَةِ الْفِعْلِ وَكَرَاهِيَتِهِ فَهُوَ فِي أَحَدِهِمَا مُجْمَلٌ، نَعَمْ إِنَّ التَّصَدِّيَ لِلْإِخْبَارِ بِنَفْيِ الْإِثْمِ عَنْ فَاعِلِ شَيْءٍ يَبْدُو مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ مَظِنَّةٌ لِأَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا هَذَا عُرْفُ اسْتِعْمَالِ الْكَلَامِ فَقَوْلُكَ لَا جُنَاحَ عَلَيْكَ فِي فِعْلِ كَذَا ظَاهِرٌ فِي الْإِبَاحَةِ بِمَعْنَى اسْتِوَاءِ الْوَجْهَيْنِ دُونَ النَّدْبِ وَالْوُجُوبِ إِذْ لَا يَعْمِدُ أَحَدٌ إِلَى وَاجِبٍ أَوْ فَرْضٍ أَوْ مَنْدُوبٍ
стр. 830
فَيَقُولُ فِيهِ إِنَّهُ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي فِعْلِهِ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ فَهِمَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ مِنَ الْآيَةِ عَدَمَ فَرْضِيَّةِ السَّعْيِ، وَلَقَدْ أَصَابَ فَهْمًا مِنْ حَيْثُ اسْتِعْمَالُ اللُّغَةِ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ، غَيْرَ أَنَّ هُنَا سَبَبًا دَعَا لِلتَّعْبِيرِ بِنَفْيِ الْإِثْمِ عَنِ السَّاعِي وَهُوَ ظَنُّ كَثِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ فِي ذَلِكَ إِثْمًا، فَصَارَ الدَّاعِي لِنَفْيِ الْإِثْمِ عَنِ السَّاعِي هُوَ مُقَابَلَةَ الظَّنِّ بِمَا يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِانْتِفَاءِ احْتِمَالِ قَصْدِ الْإِبَاحَةِ بِمَعْنَى اسْتِوَاءِ الطَّرَفَيْنِ بِمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ أَوَامِرِ الشَّرِيعَةِ اللَّاحِقَةِ بِنُزُولِ الْآيَةِ أَوِ السَّابِقَةِ لَهَا، وَلِهَذَا قَالَ عُرْوَةُ فِيمَا رَوَاهُ «وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ» يُرِيدُ أَنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُ بالسنن وأسبابا النُّزُولِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ مِنْ حَدَاثَةِ سِنِّهِ جَهْلَهُ بِاللُّغَةِ لِأَنَّ اللُّغَةَ يَسْتَوِي فِي إِدْرَاكِ مَفَادَاتِهَا الْحَدِيثُ وَالْكَبِيرُ، وَلِهَذَا أَيْضًا قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ «بِئْسَمَا قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي» تُرِيدُ ذَمَّ كَلَامِهِ مِنْ جِهَةِ مَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ مِنْ سُوءِ فَهْمِ مَقْصِدِ الْقُرْآنِ لَوْ دَامَ عَلَى فَهْمِهِ ذَلِكَ، عَلَى عَادَتِهِمْ فِي الصَّرَاحَةِ فِي قَوْلِ الْحَقِّ، فَصَارَ ظَاهِرُ الْآيَةِ بِحَسَبَ الْمُتَعَارَفِ مُؤَوَّلًا بِمَعْرِفَةِ سَبَبِ التَّصَدِّي لِنَفْيِ الْإِثْمِ عَنِ الطَّائِفِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
فَالْجُنَاحُ الْمَنْفِيُّ فِي الْآيَةِ جُنَاحٌ عَرَضَ لِلسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا والمروة فِي وَقت نَصْبِ إِسَافٍ وَنَائِلَةَ عَلَيْهِمَا وَلَيْسَ لِذَاتِ السَّعْيِ، فَلَمَّا زَالَ سَبَبُهُ زَالَ الْجُنَاحُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ [النِّسَاء: ١٢٨] فَنَفَى الْجُنَاحَ عَنِ التَّصَالُحِ وَأَثْبَتَ لَهُ أَنَّهُ خَيْرٌ فَالْجُنَاحُ الْمَنْفِيُّ عَنِ الصُّلْحِ مَا عَرَضَ قَبْلَهُ مِنْ أَسْبَابِ النُّشُوزِ وَالْإِعْرَاضِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [الْبَقَرَة: ١٨٢] مَعَ أَنَّ الْإِصْلَاحَ بَيْنَهُمْ مُرَغَّبٌ فِيهِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِيمَا نَقَصَ مِنْ حَقِّ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ وَهُوَ إِثْمٌ عَارِضٌ.
وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ بِالْإِخْبَارِ عَنْهُمَا بِأَنَّهُمَا مِنْ شَعَائِرِ
اللَّهِ فَلِأَجْلِ هَذَا اخْتَلَفْتِ الْمَذَاهِبُ فِي حُكْمِ السَّعْيِ (١) فَذَهَبَ مَالِكٌ ﵀ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ إِلَى أَنَّهُ فَرْضٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَالْجُمْهُورِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ وَقَدِ اهْتَمَّ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ وَبَادَرَ إِلَيْهِ كَمَا فِي حَدِيث «الصَّحِيحَيْنِ» و «الْمُوَطَّأ» فَلَمَّا تَرَدَّدَ فِعْلُهُ بَيْنَ السُّنِّيَّةِ وَالْفَرْضِيَّةِ قَالَ مَالِكٌ بِأَنَّهُ فَرْضُ قَضَاءٍ لَحِقَ الِاحْتِيَاطَ وَلِأَنَّهُ فِعْلٌ بِسَائِرِ الْبَدَنِ مِنْ خَصَائِصِ الْحَجِّ لَيْسَ لَهُ مَثِيلٌ مَفْرُوضٌ فَيُقَاسُ عَلَى الْوُقُوفِ وَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَالْإِحْرَامِ، بِخِلَافِ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ فَإِنَّهُمَا فِعْلٌ لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِ الْحَجِّ لِأَنَّهُ صَلَاةٌ، وَبِخِلَافِ تَرْكِ لُبْسِ الْمَخِيطِ فَإِنَّهُ تَرْكٌ، وَبِخِلَافِ رَمْيِ الْجِمَارِ فَإِنَّهُ فِعْلٌ بَعُضْوٍ وَهُوَ الْيَدُ. وَقَوْلِي لَيْسَ لَهُ مَثِيلٌ مَفْرُوضٌ стр. 831
لِإِخْرَاجِ طَوَافِ الْقُدُومِ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِعْلًا بِجَمِيعِ الْبَدَنِ إِلَّا أَنه بِهِ مَثِيلٌ مَفْرُوضٌ وَهُوَ الْإِفَاضَةُ فَأَغْنَى عَنْ جَعْلِهِ فَرْضًا، وَلِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: «اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ» (١) ، وَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ فِي الْوُجُوبِ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الْفَرْضَ وَالْوَاجِبَ مُتَرَادِفَانِ عِنْدَنَا فِي الْحَجِّ، فَالْوَاجِبُ دُونَ الْفَرْضِ لَكِنَّ الْوُجُوبَ الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ الْأَمْرِ مُسَاوٍ لِلْفَرْضِ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالنُّسُكِ وَاحْتَجَّ الْحَنَفِيَّةُ لِذَلِكَ بِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ فِي الدَّلَالَةِ فَلَا يَكُونُ فَرْضًا بَلْ وَاجِبًا لِأَنَّ الْآيَةَ قَطْعِيَّةُ الْمَتْنِ فَقَطْ وَالْحَدِيثُ ظَنِّيٌّ فِيهِمَا، وَالْجَوَابُ أَن مَجْمُوع الظَّوَاهِر مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ يَدُلُّ عَلَى الْفَرْضِيَّةِ وَإِلَّا فَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ لَا دَلِيلَ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ وَكَذَلِكَ الْإِحْرَامُ فَمَتَى يَثْبُتُ هَذَا النَّوْعُ الْمُسَمَّى عِنْدَهُمْ بِالْفَرْضِ؟ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ.
وَقَوْلُهُ: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ تَذْيِيلٌ لِمَا أَفَادَتْهُ الْآيَةُ مِنَ الْحَثِّ عَلَى السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ بِمَفَادِ قَوْلِهِ: مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ، وَالْمَقْصِدُ مِنْ هَذَا التَّذْيِيلِ الْإِتْيَانُ بِحُكْمٍ كُلِّيٍّ فِي أَفْعَالِ الْخَيْرَاتِ كُلِّهَا مِنْ فَرَائِضَ وَنَوَافِلَ أَوْ نَوَافِلَ فَقَطْ فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ خَيْراً خُصُوصَ السَّعْيِ لِأَنَّ خَيْرًا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ فَهِيَ عَامَّةٌ وَلِهَذَا عُطِفَتِ الْجُمْلَةُ بِالْوَاوِ دُونَ الْفَاءِ لِئَلَّا يَكُونَ الْخَيْرُ قَاصِرًا عَلَى الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ
بِخِلَافِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي آيَةِ الصِّيَامِ فِي قَوْلِهِ: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ [الْبَقَرَة: ١٨٤] لِأَنَّهُ أُرِيدَ هُنَالِكَ بَيَانُ أَنَّ الصَّوْمَ مَعَ وُجُودِ الرُّخْصَةِ فِي الْفِطْرِ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهِ أَوْ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى إِطْعَامِ مِسْكِينٍ أَفْضَلُ مِنَ الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي.
وَتَطَوَّعَ يُطْلَقُ بِمَعْنَى فَعَلَ طَاعَةً وَتَكَلَّفَهَا، وَيُطْلَقُ مُطَاوِعُ طَوَّعَهُ أَيْ جَعَلَهُ مُطِيعًا فَيَدُلُّ عَلَى مَعْنَى التَّبَرُّعِ غَالِبًا لِأَنَّ التَّبَرُّعَ زَائِدٌ فِي الطَّاعَةِ. وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فَانْتِصَابُ خَيْراً عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ تَطَوَّعَ بِخَيْرٍ أَوْ بِتَضْمِينِ تَطَوَّعَ مَعْنَى فَعَلَ أَوْ أَتَى. وَلَمَّا كَانَتِ الْجُمْلَةُ تَذْيِيلًا فَلَيْسَ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ السَّعْيَ مِنَ التَّطَوُّعِ أَيْ مِنَ الْمَنْدُوبَاتِ لِأَنَّهَا لِإِفَادَةِ حُكْمٍ كُلِّيٍّ بَعْدَ ذِكْرِ تَشْرِيعٍ عَظِيمٍ، عَلَى أَنَّ تَطَوَّعَ لَا يَتَعَيَّنُ لِكَوْنِهِ بِمَعْنَى تَبَرَّعَ بَلْ يَحْتَمِلُ مَعْنَى أَتَى بِطَاعَةٍ أَوْ تَكَلَّفَ طَاعَةً. стр. 832
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: وَمَنْ تَطَوَّعَ بِصِيغَةِ الْمَاضِي، وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ وَخَلَفٌ يَطَّوَّعْ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ وَيَاءِ الْغَيْبَةِ وَجَزْمِ الْعَيْنِ.
ومِنْ هُنَا شَرْطِيَّةٌ بِدَلِيلِ الْفَاءِ فِي جَوَابِهَا. وَقَوْلُهُ: فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ دَلِيلُ الْجَوَابِ إِذِ التَّقْدِيرُ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا جُوزِيَ بِهِ لِأَنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ أَيْ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مُحْسِنٍ، عَلِيمٌ لَا يَخْفَى عَنْهُ إِحْسَانُهُ، وَذَكَرَ الْوَصْفَيْنِ لِأَنَّ تَرْكَ الثَّوَابِ عَنِ الْإِحْسَانِ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ جُحُودٍ لِلْفَضِيلَةِ أَوْ جَهْلٍ بِهَا فَلِذَلِكَ نُفِيَا بِقَوْلِهِ: شاكِرٌ عَلِيمٌ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّ شاكِرٌ هُنَا اسْتِعَارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ شَبَّهَ شَأْنَ اللَّهِ فِي جَزَاءِ الْعَبْدِ عَلَى الطَّاعَةِ بِحَالِ الشَّاكِرِ لِمَنْ أَسْدَى إِلَيْهِ نِعْمَةً، وَفَائِدَةُ هَذَا التَّشْبِيهِ تَمْثِيلُ تَعْجِيلِ الثَّوَابِ وَتَحْقِيقِهِ لِأَنَّ حَالَ الْمُحْسَنِ إِلَيْهِ أَنْ يُبَادِرَ بشكر المحسن.
[١٥٩، ١٦٠]
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : الْآيَات ١٥٩ إِلَى ١٦٠]
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ (١٥٩) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)
عَوْدٌ بِالْكَلَامِ إِلَى مَهْيَعِهِ الَّذِي فُصِلَ عَنْهُ بِمَا اعْتَرَضَ مِنْ شَرْعِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ كَمَا عَلِمْتَهُ آنِفًا.
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ إِنَّ هَاتِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عُلَمَاءِ الْيَهُودِ فِي كَتْمِهِمْ دَلَائِلَ صِدْقِ النَّبِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَصِفَاتِهِ وَصِفَاتِ دِينِهِ الْمَوْجُودَةِ فِي التَّوْرَاةِ وَفِي كَتْمِهِمْ آيَةَ الرَّجْمِ، وَهُوَ يَقْتَضِي
أَنْ اسْمُ الْمَوْصُولِ لِلْعَهْدِ فَإِنَّ الْمَوْصُول يَأْتِي لِمَا يَأْتِي لَهُ الْمُعَرَّفُ بِاللَّامِ وَعَلَيْهِ فَلَا عُمُومَ هُنَا، وَأَنَا أَرَى أَنْ يَكُونَ اسْمُ الْمَوْصُولِ هُنَا لِلْجِنْسِ فَهُوَ كَالْمُعَرَّفِ بِلَامِ الِاسْتِغْرَاقِ فَيَعُمُّ وَيَكُونُ مِنَ الْعَامِّ الْوَارِدِ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ وَلَا يُخَصَّصُ بِسَبَبِهِ وَلَكِنَّهُ يَتَنَاوَلُ أَفْرَادَ سَبَبِهِ تَنَاوُلًا أَوَّلِيًّا أَقْوَى مِنْ دَلَالَتِهِ عَلَى بَقِيَّةِ الْأَفْرَادِ الصَّالِحِ هُوَ لِلدَّلَالَةِ عَلَيْهَا لِأَنَّ دَلَالَةَ الْعَامِّ عَلَى صُورَةِ السَّبَبِ قَطْعِيَّةٌ وَدَلَالَتُهُ عَلَى غَيْرِهَا مِمَّا يَشْمَلُهُ مَفْهُومُ الْعَامِّ دَلَالَةٌ ظَنِّيَّةٌ، فَمُنَاسَبَةُ وَقْعِ هَاتِهِ الْآيَةِ بَعْدَ الَّتِي قَبْلَهَا أَنَّ مَا قَبْلَهَا كَانَ مِنَ الْأَفَانِينِ الْقُرْآنِيَّةِ الْمُتَفَنِّنَةِ عَلَى ذِكْرِ مَا قَابَلَ بِهِ الْيَهُودُ دَعْوَةَ النَّبِيءِ ﷺ وَتَشْبِيهِهِمْ فِيهَا بِحَالِ سَلَفِهِمْ فِي مُقَابَلَةِ دَعْوَةِ أَنْبِيَائِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِلَى مَبْلَغِ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ [الْبَقَرَة: ٧٥]
стр. 833
إِلَى قَوْلِهِ: وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ [الْبَقَرَة: ١٠١] الْآيَةَ وَمَا قَابَلَ بِهِ أَشْبَاهُهُمْ مِنَ النَّصَارَى وَمِنَ الْمُشْرِكِينَ الدَّعْوَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ، ثُمَّ أَفْضَى ذَلِكَ إِلَى الْإِنْحَاءِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ قِلَّةَ وَفَائِهِمْ بِوَصَايَا إِبْرَاهِيمَ الَّذِي يَفْتَخِرُونَ بِأَنَّهُمْ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ وَأَنَّهُمْ سَدَنَةُ بَيْتِهِ فَقَالَ: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ [الْبَقَرَة:
١١٤] الْآيَاتِ، فَنَوَّهَ بِإِبْرَاهِيمَ وَبِالْكَعْبَةِ وَاسْتِقْبَالِهَا وَشَعَائِرِهَا وَتَخَلَّلَ ذَلِكَ رَدُّ مَا صَدَرَ عَنِ الْيَهُودِ مِنْ إِنْكَارِ اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ إِلَى قَوْلِهِ: وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الْبَقَرَة: ١٤٦] (يُرِيدُ عُلَمَاءَهُمْ) ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِتَكْمِلَةِ فَضَائِلِ الْكَعْبَةِ وَشَعَائِرِهَا، فَلَمَّا تَمَّ جَمِيعُ ذَلِكَ عَطَفَ الْكَلَامَ إِلَى تَفْصِيلِ مَا رَمَاهُمْ بِهِ إِجْمَالًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنا إِلَخْ، وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ فِي الْخَطَابَةِ هِيَ إِيفَاءُ الْغَرَضِ الْمَقْصُودِ حَقَّهُ وَتَقْصِيرُ الِاسْتِطْرَادِ وَالِاعْتِرَاضِ الْوَاقِعَيْنِ فِي أَثْنَائِهِ ثُمَّ الرُّجُوعُ إِلَى مَا يُهِمُّ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ مِنْ تَفْصِيلِ اسْتِطْرَادٍ أَوِ اعْتِرَاضٍ تَخَلَّلَ الْغَرَضَ الْمَقْصُودَ.
فَجُمْلَةُ: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ إِلَخِ اسْتِئْنَافُ كَلَامٍ يَعْرِفُ مِنْهُ السَّامِعُ تَفْصِيلَ مَا تَقَدَّمَ لَهُ إجماله، والتوكيد بإنّ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمَامِ بِهَذَا الْخَبَرِ.
وَالْكَتْمُ وَالْكِتْمَانُ عَدَمُ الْإِخْبَارِ بِمَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُخْبَرَ بِهِ مِنْ حَادِثٍ مَسْمُوعٍ أَوْ مَرْئِيٍّ وَمِنْهُ كَتْمُ السِّرِّ وَهُوَ الْخَبَرُ الَّذِي تُخْبِرُ بِهِ غَيْرَكَ وَتَأْمُرَهُ بِأَنْ يَكْتُمَهُ فَلَا يُخْبِرُهُ غَيْرَهُ.
وَعَبَّرَ فِي: يَكْتُمُونَ بِالْفِعْلِ الْمُضَارِعِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُمْ فِي الْحَالِ كَاتِمُونَ لِلْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، وَلَوْ وَقَعَ بِلَفْظِ الْمَاضِي لَتَوَهَّمَ السَّامِعُ أَنَّ الْمَعْنِيَ بِهِ قَوْمٌ مَضَوْا مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ إِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَى الْحَاضِرِينَ. وَيُعْلَمُ حُكْمُ الْمَاضِينَ وَالْآتِينَ بِدَلَالَةِ لَحْنِ الْخِطَابِ لِمُسَاوَاتِهِمْ فِي ذَلِك.
وَالْمرَاد بِمَا أَنْزَلْنَا مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ التَّوْرَاةُ مِنَ الدَّلَائِلِ والإرشاد، وَالْمرَاد بِالْكتاب التَّوْرَاةُ.
وَالْبَيِّنَاتُ جُمَعُ بَيِّنَةٍ وَهِيَ الْحُجَّةُ وَشَمَلَ ذَلِكَ مَا هُوَ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ مِمَّا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ، وَيَشْمَلُ الْأَدِلَّةَ الْمُرْشِدَةَ إِلَى الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ وَأَحْوَالِ الرُّسُلِ وَأَخْذِ الْعَهْدِ عَلَيْهِمْ فِي اتِّبَاعِ كُلِّ رَسُولٍ جَاءَ بدلائل صدق لَا سِيمَا الرَّسُولُ الْمَبْعُوثُ فِي إِخْوَةِ إِسْرَائِيلَ وَهُمُ الْعَرَبُ الَّذِينَ ظَهَرَتْ بِعْثَتُهُ بَيْنَهُمْ وَانْتَشَرَتْ مِنْهُمْ، وَالْهُدَى هُوَ مَا بِهِ الْهُدَى أَيِ الْإِرْشَادُ إِلَى طَرِيقِ الْخَيْرِ فَيَشْمَلُ آيَاتِ الْأَحْكَامِ الَّتِي بِهَا صَلَاحُ النَّاسِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَصَلَاحِهِمْ فِي مُجْتَمَعِهِمْ.
стр. 834
وَالْكِتْمَانُ يَكُونُ بِإِلْغَاءِ الْحِفْظِ وَالتَّدْرِيسِ وَالتَّعْلِيمِ، وَيَكُونُ بِإِزَالَتِهِ مِنَ الْكِتَابِ أَصْلًا وَهُوَ ظَاهِرُهُ قَالَ تَعَالَى: وَتُخْفُونَ كَثِيراً [الْأَنْعَام: ٩١] ، يَكُونُ بِالتَّأْوِيلَاتِ الْبَعِيدَةِ عَنْ مُرَادِ الشَّارِعِ لِأَنَّ إِخْفَاءَ الْمَعْنَى كِتْمَانٌ لَهُ، وَحَذْفُ مُتَعَلَّقِ يَكْتُمُونَ الدَّالِّ عَلَى الْمَكْتُومِ عَنْهُ لِلتَّعْمِيمِ أَيْ يَكْتُمُونَ ذَلِكَ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ لِيَتَأَتَّى نِسْيَانُهُ وَإِضَاعَتُهُ.
وَقَوْلُهُ: مِنْ بَعْدِ مُتَعَلِّقٌ بِ (يَكْتُمُونَ) وَذَكَرَ هَذَا الظَّرْفَ لِزِيَادَةِ التَّفْظِيعِ لِحَالِ الْكِتْمَانِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَتَمُوا الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مَعَ انْتِفَاءِ الْعُذْرِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَوْ كَتَمُوا مَا لَمْ يُبَيَّنْ لَهُمْ لَكَانَ لَهُمْ بَعْضُ الْعُذْرِ أَنْ يَقُولُوا كَتَمْنَاهُ لِعَدَمِ اتِّضَاحِ مَعْنَاهُ فَكَيْفَ وَهُوَ قَدْ بُيِّنَ وَوَضَحَ فِي التَّوْرَاةِ.
وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: لِلنَّاسِ لَامُ التَّعْلِيلِ أَيْ بَيَّنَّاهُ فِي الْكِتَابِ لِأَجْلِ النَّاسِ أَيْ أَرَدْنَا إِعْلَانَهُ وَإِشَاعَتَهُ أَيْ جَعَلْنَاهُ بَيِّنًا، وَفِي هَذَا زِيَادَةُ تَشْنِيعٍ عَلَيْهِمْ فِيمَا أَتَوْهُ مِنَ الْكِتْمَانِ وَهُوَ أَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ كِتْمَانًا لِلْحَقِّ وَحِرْمَانًا مِنْهُ هُوَ اعْتِدَاءٌ عَلَى مُسْتَحِقِّهِ الَّذِي جُعِلَ لِأَجْلِهِ فَفِعْلُهُمْ هَذَا تَضْلِيلٌ وَظُلْمٌ.
وَالتَّعْرِيفُ فِي (النَّاسِ) لِلِاسْتِغْرَاقِ لِأَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الشَّرَائِعَ لِهُدَى النَّاسِ كُلِّهِمْ وَهُوَ اسْتِغْرَاقٌ عُرْفِيٌّ أَيِ النَّاسِ الْمُشَرَّعِ لَهُمْ.
وَقَوْلُهُ: أُولئِكَ إِشَارَةٌ إِلَى الَّذِينَ يَكْتُمُونَ وَسَّطَ اسْمَ الْإِشَارَةِ بَيْنَ اسْمِ إِنَّ وَخَبَرِهَا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ الْوَارِدَ بَعْدَ ذَلِكَ قَدْ صَارُوا أَحْرِيَاءَ بِهِ لِأَجْلِ تِلْكَ الصِّفَاتِ الَّتِي ذُكِرَتْ قَبْلَهُ بِحَيْثُ إِنَّ تِلْكَ الصِّفَاتِ جَعَلَتْهُمْ كَالْمُشَاهِدِينَ لِلسَّامِعِ فَأُشِيرَ إِلَيْهِمْ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَوْصَافِهِمْ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَفَادَتِ الْإِشَارَةُ التَّنْبِيهَ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْأَوْصَافَ
هِيَ سَبَبُ الْحُكْمِ وَهُوَ إِيمَاءٌ لِلْعِلَّةِ عَلَى حَدِّ: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [الْبَقَرَة: ٥] .
وَاخْتِيرَ اسْمُ إِشَارَةِ الْبَعِيدِ لِيَكُونَ أَبْعَثَ لِلسَّامِعِ عَلَى التَّأَمُّلِ مِنْهُمْ وَالِالْتِفَاتِ إِلَيْهِمْ أَوْ لِأَنَّ اسْمَ الْإِشَارَةِ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ هُوَ الْأَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا فِي كَلَامِهِمْ.
وَقَدِ اجْتَمَعَ فِي الْآيَة إِيمَان إِلَى وَجْهِ تَرَتُّبِ اللَّعْنِ عَلَى الْكِتْمَانِ وَهُمَا الْإِيمَاءُ بِالْمَوْصُولِ إِلَى وَجه بِنَاء الْخَبَر أَيْ عِلَّتِهِ وَسَبَبِهِ، وَالْإِيمَاءُ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَحْرَوِيَّتِهِمْ بِذَلِكَ، فَكَانَ تَأْكِيدُ الْإِيمَاءِ إِلَى التَّعْلِيلِ قَائِمًا مُقَامَ التَّنْصِيصِ عَلَى الْعِلَّةِ.
стр. 835
وَاللَّعْنُ الْإِبْعَادُ عَنِ الرَّحْمَةِ مَعَ إِذْلَالٍ وَغَضَبٍ، وَأَثَرُهُ يَظْهَرُ فِي الْآخِرَةِ بِالْحِرْمَانِ مِنَ الْجَنَّةِ وَبِالْعَذَابِ فِي جَهَنَّمَ، وَأَمَّا لَعْنُ النَّاسِ إِيَّاهُمْ فَهُوَ الدُّعَاءُ مِنْهُمْ بِأَنْ يُبْعِدَهُمُ اللَّهُ عَنْ رَحْمَتِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ، وَاخْتِيرَ الْفِعْلُ الْمُضَارِعُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى التَّجَدُّدِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَعَنَهُمْ أَيْضًا فِيمَا مَضَى إِذْ كُلُّ سَامِعٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِ لَعْنِهِمْ بِالزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ.
وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي قَوْلِهِ: وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ، وَكَرَّرَ فِعْلَ يَلْعَنُهُمُ مَعَ إِغْنَاءِ حَرْفِ الْعَطْفِ عَنْ تَكْرِيرِهِ لاخْتِلَاف معنى اللعنين فَإِنَّ اللَّعْنَ مِنَ اللَّهِ الْإِبْعَادُ عَنِ الرَّحْمَةِ وَاللَّعْنُ مِنَ الْبَشَرِ الدُّعَاءُ عَلَيْهِمْ عَكْسُ مَا وَقَعَ فِي إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ [الْأَحْزَاب: ٥٦] لِأَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ صَلَاةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَاحِدَةٌ وَهِيَ الذِّكْرُ الْحَسَنُ.
وَالتَّعْرِيفُ فِي: اللَّاعِنُونَ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَهُوَ اسْتِغْرَاقٌ عُرْفِيٌّ أَيْ يَلْعَنُهُمْ كُلُّ لَاعِنٍ، وَالْمُرَادُ بِاللَّاعِنِينَ الْمُتَدَيِّنُونَ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ الْمُنْكَرَ وَأَصْحَابَهُ وَيَغْضَبُونَ لِلَّهِ تَعَالَى وَيَطَّلِعُونَ عَلَى كِتْمَانِ هَؤُلَاءِ فَهُمْ يَلْعَنُونَهُمْ بِالتَّعْيِينِ وَإِنْ لَمْ يَطَّلِعُوا عَلَى تَعْيِينِهِمْ فَهُمْ يَلْعَنُونَهُمْ بِالْعُنْوَانِ الْعَامِّ أَيْ حِينِ يَلْعَنُونَ كُلَّ مَنْ كَتَمَ آيَاتِ الْكِتَابِ حِينَ يَتْلُونَ التَّوْرَاةَ. وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُبَيِّنُوا التَّوْرَاةَ وَلَا يُخْفُوهَا كَمَا قَالَ: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آل عمرَان: ١٨٧] .
وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُ اللَّعْنَةِ عَلَى إِضَاعَةِ عَهْدِ اللَّهِ فِي التَّوْرَاةِ مَرَّاتٍ وَأَشْهَرُهَا الْعَهْدُ الَّذِي أَخَذَهُ مُوسَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي (حُورِيبَ) حَسْبَمَا جَاءَ فِي سِفْرِ الْخُرُوجِ فِي الْإِصْحَاحِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ، وَالْعَهْدُ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِمْ فِي (مُؤَابٍ) وَهُوَ الَّذِي فِيهِ اللَّعْنَةُ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ وَهُوَ فِي سِفْرِ التَّثْنِيَةِ فِي الْإِصْحَاحِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ وَالْإِصْحَاحِ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ وَمِنْهُ:
«أَنْتُمْ وَاقِفُونَ الْيَوْم جميعكم أما الرَّبِّ إِلَهِكُمْ ... لِكَيْ تَدْخُلُوا فِي عَهْدِ الرَّبِّ وَقَسَمِهِ لِئَلَّا يَكُونَ فِيكُمُ الْيَوْمَ مُنْصَرِفٌ عَنِ الرَّبِّ ... فَيَكُونُ مَتَى يَسْمَعُ كَلَامَ هَذِهِ اللَّعْنَةِ يَتَبَرَّكُ فِي قَلْبِهِ ... حِينَئِذٍ يَحُلُّ غَضَبُ الرَّبِّ وَغَيْرَتُهُ عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ فَتَحُلُّ عَلَيْهِ كُلُّ اللَّعَنَاتِ الْمَكْتُوبَةِ
فِي هَذَا الْكِتَابِ وَيَمْحُو الرَّبُّ اسْمَهُ مِنْ تَحْتِ السَّمَاءِ ويفرزه الرب للشر مِنْ جَمِيعِ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ حَسَبَ جَمِيعِ لَعَنَاتِ الْعَهْدِ الْمَكْتُوبَةِ فِي كِتَابِ الشَّرِيعَةِ هَذَا ... لِنَعْمَلَ بِجَمِيعِ كَلِمَاتِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ» . وَفِي الْإِصْحَاحِ الثَلَاثِينَ: «وَمَتَى أَتَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ الْأُمُورُ الْبَرَكَةُ وَاللَّعْنَةُ جَعَلْتُهُمَا قُدَّامَكَ»
стр. 836
وَفِيهِ: «أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ قَدْ جَعَلْتُ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ، الْبَرَكَةَ وَاللَّعْنَةَ» .
فَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ تَذْكِيرٌ لَهُمْ بِاللَّعْنَةِ الْمَسْطُورَةِ فِي التَّوْرَاةِ فَإِنَّ التَّوْرَاةَ مَتْلُوَّةٌ دَائِمًا بَيْنَهُمْ فَكُلَّمَا قَرَأَ الْقَارِئُونَ هَذَا الْكَلَامَ تَجَدَّدَتْ لَعْنَةُ الْمَقْصُودِينَ بِهِ، وَالَّذِينَ كَتَمُوا مَا أُنْزِلَ مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى هم أَيْضا يقرأون التَّوْرَاة فَإِذا قرأوا لَعْنَةَ الْكَاتِمِينَ فَقَدْ لَعَنُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ فَأَمَّا الَّذِينَ يَلْعَنُونَ الْمُجْرِمِينَ وَالظَّالِمِينَ غَيْرَ الْكَاتِمِينَ مَا أُنْزِلَ مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى فَهُمْ غَيْرُ مَشْمُولِينَ فِي هَذَا الْعُمُومِ وَبِذَلِكَ كَانَ الِاسْتِغْرَاقُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ تَعْرِيفِ اللَّاعِنُونَ بِاللَّامِ اسْتِغْرَاقًا عُرْفِيًّا.
وَاعْلَمْ أَنَّ لَامَ الِاسْتِغْرَاقِ الْعُرْفِيِّ وَاسِطَةٌ بَيْنَ لَامِ الْحَقِيقَةِ وَلَامِ الِاسْتِغْرَاقِ الْحَقِيقِيِّ.
وَإِنَّمَا عَدَلَ إِلَى التَّعْرِيفِ مَعَ أَنَّهُ كَالنَّكِرَةِ مُبَالَغَةً فِي تَحَقُّقِهِ حَتَّى كَأَنَّهُ صَارَ مَعْرُوفًا لِأَنَّ الْمُنَكَّرَ مَجْهُولٌ، أَوْ يَكُونُ التَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ أَيْ يَلْعَنُهُمُ الَّذِينَ لَعَنُوهُمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ أَوْصَوْا بِإِعْلَانِ الْعَهْدِ وَأَنْ لَا يَكْتُمُوهُ.
وَلَمَّا كَانَ فِي صِلَةِ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ إِيمَاءٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَكُلُّ مَنْ يَفْعَلُ فِعْلًا مِنْ قَبِيلِ مَضْمُونِ الصِّلَةِ مِنْ غَيْرِ أُولَئِكَ يَكُونُ حَقِيقًا بِمَا تَضَمَّنَهُ اسْمُ الْإِشَارَةِ وَخَبَرُهُ فَإِنَّ مِنْ مَقَاصِدِ الْقُرْآنِ فِي ذِكْرِ الْقَصَصِ الْمَاضِيَةِ أَنْ يَعْتَبِرَ بِهَا الْمُسْلِمُونَ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ كُلَّ مَا ذَمَّ اللَّهُ أَهْلَ الْكِتَابِ عَلَيْهِ فَالْمُسْلِمُونَ مُحَذَّرُونَ من مثله، وَلذَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ لَمَّا قَالَ النَّاسُ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنَ الرِّوَايَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ: لَوْلَا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمْ حَدِيثًا بَعْدَ أَنْ قَالَ النَّاسُ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى الْآيَةَ وَسَاقَ الْحَدِيثَ (١) .
فَالْعَالِمُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَكْتُمَ مِنْ عِلْمِهِ مَا فِيهِ هُدًى لِلنَّاسِ لِأَنَّ كَتْمَ الْهُدَى إِيقَاعٌ فِي الضَّلَالَةِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْعِلْمُ الَّذِي بَلَغَ إِلَيْهِ بِطَرِيقِ الْخَبَرَ كَالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ وَالْعِلْمِ
الَّذِي يَحْصُلُ عَنْ نَظَرٍ كَالِاجْتِهَادَاتِ إِذَا بَلَغَتْ مَبْلَغَ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِأَنَّ فِيهَا خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ الَّذِي تُومِئُ إِلَيْهِ الْعِلَّةُ أَنْ يَبُثَّ فِي النَّاسِ مَا يُوقِعَهُمْ فِي أَوْهَامٍ بِأَنْ يُلَقِّنَهَا وَهُوَ لَا يُحْسِنُ تَنْزِيلَهَا وَلَا تَأْوِيلَهَا، فَقَدْ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَفْهَمُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يُعْلَمُ أَنَّ النَّاسَ لَا يُحْسِنُونَ وَضْعَهُ. стр. 837
وَفِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» أَنَّ الْحَجَّاجَ قَالَ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ حَدِّثْنِي بِأَشَدِّ عُقُوبَةٍ عَاقَبَهَا النَّبِيءُ فَذَكَرَ لَهُ أَنَسٌ حَدِيثَ الْعَرَنِيِّينَ الَّذِينَ قَتَلُوا الرَّاعِيَ وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ فَقَطَعَ النَّبِيءُ ﷺ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ وَتَرَكَهُمْ فِي الْحَرَّةِ يَسْتَقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ حَتَّى مَاتُوا
، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ قَالَ وَدِدْتُ أَنَّهُ لم يحدثه، أَو يتلفقون مِنْ ظَاهِرِهِ مَا يُوَافِقُ هَوَاهُمْ فَيَجْعَلُونَهُ مَعْذِرَةً لَهُمْ فِيمَا يُعَامِلُونَ بِهِ النَّاسَ مِنَ الظُّلْمِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي «التَّفْسِيرِ» : لَا يَحِلُّ لِلْعَالِمِ أَنْ يَذْكُرَ لِلظَّالِمِ تَأْوِيلًا أَوْ رُخْصَةً يَتَمَادَى مِنْهَا إِلَى الْمَفْسَدَةِ كَمَنْ يَذْكُرُ لِلظَّالِمِ مَا قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي «الْإِحْيَاءِ» مِنْ أَنَّ بَيْتَ الْمَالِ إِذَا ضَعُفَ وَاضْطُرَّ السُّلْطَانُ إِلَى مَا يُجَهِّزُ بِهِ جُيُوشَ الْمُسْلِمِينَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمْ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُوَظِّفَ عَلَى النَّاسِ الْعُشْرَ أَوْ غَيْرَهُ لِإِقَامَةِ الْجَيْشِ وَسَدِّ الْخَلَّةِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَذِكْرُ هَذِهِ الْمَظْلَمَةِ مِمَّا يُحْدِثُ ضَرَرًا فَادِحًا فِي النَّاسِ. وَقَدْ سَأَلَ سُلْطَانُ قُرْطُبَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الدَّاخِلُ يَحْيَى بن يحيى اليثي عَنْ يَوْمٍ أَفْطَرَهُ فِي رَمَضَانَ عَامِدًا غَلَبَتْهُ الشَّهْوَةُ عَلَى قُرْبَانِ بَعْضِ جَوَارِيهِ فِيهِ فَأَفْتَاهُ بِأَنَّهُ يَصُومُ سِتِّينَ يَوْمًا وَالْفُقَهَاءُ حَاضِرُونَ مَا اجْتَرَءُوا عَلَى مُخَالَفَةِ يَحْيَى فَلَمَّا خَرَجُوا سَأَلُوهُ لِمَ خَصَصْتَهُ بِأَحَدِ الْمُخَيَّرَاتِ فَقَالَ لَوْ فَتَحْنَا لَهُ هَذَا الْبَابَ لَوَطِئَ كُلَّ يَوْمٍ وَأَعْتَقَ أَوْ أَطْعَمَ فَحَمَلْتُهُ عَلَى الْأَصْعَبِ لِئَلَّا يَعُودَ اه.
قُلْتُ فَهُوَ فِي كَتْمِهِ عَنْهُ الْكَفَّارَتَيْنِ الْمُخَيَّرِ فِيهِمَا قَدْ أَعْمَلَ دَلِيلَ دَفْعِ مَفْسَدَةِ الْجُرْأَةِ عَلَى حُرْمَةِ فَرِيضَةِ الصَّوْمِ.
فَالْعَالِمُ إِذَا عُيِّنَ بِشَخْصِهِ لِأَنْ يُبَلِّغَ عِلْمًا أَوْ يُبَيِّنَ شَرْعًا وَجَبَ عَلَيْهِ بَيَانُهُ مِثْلَ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِإِبْلَاغِ كُتُبِهِ أَوْ لِدَعْوَةِ قَوْمِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا بِشَخْصِهِ فَهُوَ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَا يَعْلَمُهُ قَدِ احْتَاجَتِ الْأُمَّةُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ مِنْهُ خَاصَّةً بِحَيْثُ يَتَفَرَّدُ بِعِلْمِهِ فِي صُقْعٍ أَوْ بَلَدٍ حَتَّى يَتَعَذَّرَ عَلَى أُنَاسٍ طَلَبُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ يَتَعَسَّرُ بِحَيْثُ إِنْ لَمْ يُعَلِّمْهَا إِيَّاهُ ضَلَّتْ مِثْلُ التَّوْحِيدِ وَأُصُولِ الِاعْتِقَادِ، فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ بَيَانُهُ وُجُوبًا مُتَعَيِّنًا عَلَيْهِ إِنِ انْفَرَدَ بِهِ فِي عَصْرٍ أَوْ بَلَدٍ، أَوْ كَانَ هُوَ أَتْقَنَ لِلْعِلْمِ فَقَدْ
رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «إِنَّ النَّاسَ لَكُمْ تَبَعٌ وَإِنَّ رِجَالًا يَأْتُونَكُمْ يَتَفَهَّمُونَ أَوْ يَتَعَلَّمُونَ فَإِذَا
جَاءُوكُمْ فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا»
. وَإِنْ شَارَكَهُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ أَمْثَالِهِ كَانَ وُجُوبُهُ عَلَى جَمِيعِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَا يُعَلِّمُهُ مِنْ تَفَاصِيلِ الْأَحْكَامِ وَفَوَائِدِهَا الَّتِي تَنْفَعُ النَّاسَ أَوْ طَائِفَةً مِنْهُمْ، فَإِنَّمَا
стр. 838
يَجِبُ عَلَيْهِ عَيْنًا أَوْ كِفَايَةً عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ أَنْ يُبَيِّنَ مَا دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى بَيَانِهِ، وَمِمَّا يُعَدُّ قَدْ دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى بَيَانِهِ أَنْ تُعَيَّنَ لَهُ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ لِيُعَلِّمَهُمْ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ مَا يَرَى أَنَّ فِي عِلْمِهِمْ بِهِ مَنْفَعَةً لَهُمْ وَقُدْرَةً عَلَى فَهْمِهِ وَحُسْنِ وَضْعِهِ، وَلِذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الْعَالِمِ إِذَا جَلَسَ إِلَيْهِ النَّاسُ لِلتَّعَلُّمِ أَنْ يُلْقِيَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَهُمْ مَقْدِرَةٌ عَلَى تَلَقِّيهِ وَإِدْرَاكِهِ، فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ الْكِتْمَانَ مَرَاتِبُ كَثِيرَةٌ وَأَنَّ أَعْلَاهَا مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ، وَبَقِيَّةُ الْمَرَاتِبِ تُؤْخَذُ بِالْمُقَايَسَةِ، وَهَذَا يَجِيءُ أَيْضًا فِي جَوَابِ الْعَالِمِ عَمَّا يُلْقَى إِلَيْهِ مِنَ الْمَسَائِلِ فَإِنْ كَانَ قَدِ انْفَرَدَ بِذَلِكَ أَوْ كَانَ قَدْ عُيِّنَ لِلْجَوَابِ مِثْلُ مَنْ يُعَيَّنُ لِلْفَتْوَى فِي بَعْضِ الْأَقْطَارِ فَعَلَيْهِ بَيَانُهُ إِذَا عَلِمَ احْتِيَاجَ السَّائِلِ وَيَجِيءُ فِي انْفِرَادِهِ بِالْعِلْمِ أَوْ تَعْيِينِهِ لِلْجَوَابِ وَفِي عَدَمِ انْفِرَادِهِ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ فِي الْوُجُوبِ الْعَيْنِيِّ وَالْوُجُوبِ الْكِفَائِيِّ.
وَفِي غَيْرِ هَذَا فَهُوَ فِي خيرة أَو يُجِيبَ أَوْ يَتْرُكَ. وَبِهَذَا يَكُونُ تَأْوِيلُ الْحَدِيثِ الَّذِي
رَوَاهُ أَصْحَابُ «السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ» أَنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَالَ: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
فَخَصَّصَ عُمُومَهُ فِي الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ بِتَخْصِيصَاتٍ دَلَّتْ عَلَيْهَا الْأَدِلَّةُ قَدْ أَشَرْنَا إِلَى جُمَاعِهَا. وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّ الْحَدِيثَ وَارِدٌ فِي كِتْمَانِ الشَّاهِدِ بِحَقِّ شَهَادَتِهِ.
وَالْعُهْدَةُ فِي وَضْعِ الْعَالِمِ نَفْسَهُ فِي الْمَنْزِلَةِ اللَّائِقَةِ بِهِ مِنْ هَذِهِ الْمَنَازِلِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى مَا يَأْنَسُهُ مِنْ نَفْسِهِ فِي ذَلِكَ وَمَا يَسْتَبْرِئُ بِهِ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ.
وَالْعُهْدَةُ فِي مَعْرِفَةِ أَحْوَالِ الطَّالِبِينَ وَالسَّائِلِينَ عَلَيْهِ لِيُجْرِيَهَا عَلَى مَا يَتَعَيَّنُ إِجْرَاؤُهَا عَلَيْهِ مِنَ الصُّوَرِ عَلَى مَا يَتَوَسَّمُهُ مِنْ أَحْوَالِهِمْ وَالْأَحْوَالِ الْمُحِيطَةِ بِهِمْ، فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِي حَالِ نَفْسِهِ أَوْ حَالِ سَائِلِهِ فَلْيَسْتَشِرْ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالرَّأْيِ فِي الدِّينِ.
وَيَجِبُ أَنْ لَا يَغْفُلَ عَنْ حِكْمَةِ الْعَطْفِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْهُدى حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ ضَابِطًا لِمَا يُفْضِي إِلَيْهِ كِتْمَانُ مَا يُكْتَمُ.
وَقَوْلُهُ: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ أَيْ فَهُمْ لَا تَلْحَقُهُمُ اللَّعْنَةُ، وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ حَقِيقِيٌّ مَنْصُوبٌ عَلَى تَمَامِ الْكَلَامِ مِنَ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنا إِلَخْ.
وَشَرْطٌ لِلتَّوْبَةِ أَنْ يُصْلِحُوا مَا كَانُوا أَفْسَدُوا وَهُوَ بِإِظْهَارِ مَا كَتَمُوهُ وَأَنْ يُبَيِّنُوهُ لِلنَّاسِ
стр. 839
فَلَا يَكْفِي اعْتِرَافُهُمْ وَحْدَهُمْ أَوْ فِي خَلَوَاتِهِمْ، فَالتَّوْبَةُ هُنَا الْإِيمَانُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَإِنَّهُ رُجُوعٌ عَنْ
كِتْمَانِهِمُ الشَّهَادَةَ لَهُ الْوَارِدَةَ فِي كُتُبِهِمْ وَإِطْلَاقُ التَّوْبَةِ عَلَى الْإِيمَانِ بَعْدَ الْكُفْرِ وَارِدٌ كَثِيرًا لِأَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ تَوْبَةُ الْكَافِرِ مِنْ كُفْرِهِ، وَإِنَّمَا زَادَ بَعْدَهُ وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا لِأَنَّ شَرْطَ كُلِّ تَوْبَةٍ أَنْ يَتَدَارَكَ التَّائِبُ مَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ مِمَّا أَضَاعَهُ بِفِعْلِهِ الَّذِي تَابَ عَنْهُ. وَلَعَلَّ عَطْفَ وَبَيَّنُوا عَلَى أَصْلَحُوا عَطْفُ تَفْسِيرٍ.
وَقَوْلُهُ: فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِغَيْرِ بَيَانٍ بَلْ لِفَائِدَةٍ جَدِيدَةٍ لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَثْنَى الَّذِينَ تابُوا فَقَدْ تَمَّ الْكَلَامُ وَعَلِمَ السَّامِعُ أَنَّ مَنْ تَابُوا مِنَ الْكَاتِمِينَ لَا يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ، وَجِيءَ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ مُسْنَدٌ إِلَيْهِ يُمَثِّلُ النُّكْتَةَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ.
وَقُرِنَتِ الْجُمْلَةُ بِالْفَاءِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى شَيْءٍ زَائِدٍ عَلَى مَفَادِ الِاسْتِثْنَاءِ وَهُوَ أَنَّ تَوْبَتَهُمْ يَعْقُبُهَا رِضَى اللَّهِ عَنْهُمْ.
وَفِي «صَحِيح البحاري» (١) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلِ نَزَلَ مَنْزِلًا وَبِهِ مَهْلَكَةٌ وَمَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ نَوْمَةً فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ حَتَّى اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحر والعطش أَو (٢) مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَ أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي فَرَجَعَ فَنَامَ نَوْمَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ» .
فَجَاءَ فِي الْآيَةِ نَظْمٌ بَدِيعٌ تَقْدِيرُهُ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا انْقَطَعَتْ عَنْهُمُ اللَّعْنَةُ فَأَتُوبُ عَلَيْهِمْ، أَيْ أَرْضَى، وَزَادَ تَوَسُّطُ اسْمِ الْإِشَارَةِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى التَّعْلِيلِ وَهُوَ إيجاز بديع.
[١٦١، ١٦٢]
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : الْآيَات ١٦١ إِلَى ١٦٢]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خالِدِينَ فِيها لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)
اسْتِئْنَافُ كَلَامٍ لِإِفَادَةِ حَالِ فَرِيقٍ آخَرَ مُشَارِكٍ لِلَّذِي قَبْلَهُ فِي اسْتِحْقَاقِ لَعْنَةِ اللَّهِ وَاللَّاعِنِينَ وَهِيَ لَعْنَةٌ أُخْرَى.
وَهَذَا الْفَرِيقُ هُمُ الْمُشْرِكُونَ فَإِنَّ الْكُفْرَ يُطْلَقُ كَثِيرًا فِي الْقُرْآنِ مُرَادًا بِهِ الشِّرْكُ قَالَ تَعَالَى: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ [الممتحنة: ١٠] ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَدْ قُرِنُوا سَابِقًا
مَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ стр. 840
قَالَ تَعَالَى: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ [الْبَقَرَة:
١٠٥] الْآيَةَ وَقالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ [الْبَقَرَة: ١١٨] فَلَمَّا اسْتُؤْنِفَ الْكَلَامُ بِبَيَانِ لَعْنَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ عُقِّبَ ذَلِكَ بِبَيَانِ عُقُوبَةِ الْمُشْرِكِينَ أَيْضًا فَالْقَوْلُ فِي الِاسْتِئْنَافِ هُنَا كَالْقَوْلِ فِي الِاسْتِئْنَافِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ [الْبَقَرَة: ١٥٩] مِنْ كَوْنِهِ بَيَانِيًّا أَوْ مُجَرَّدًا.
وَقَالَ الْفَخْرُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَامٌّ وَهُوَ شَامِلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُمُونَ وَغَيْرِهِمْ وَالْجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ أَيْ لِمَا فِيهَا مِنْ تَعْمِيمِ الْحُكْمِ بَعْدَ إِنَاطَتِهِ بِبَعْضِ الْأَفْرَادِ، وَجَعَلَ فِي «الْكَشَّافِ» الْمُرَادَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا خُصُوصَ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ (١) وَمَاتُوا عَلَى ذَلِكَ وَأَنَّهُ ذَكَرَ لَعْنَتَهُمْ أَحْيَاءً ثُمَّ لَعَنْتَهُمْ أَمْوَاتًا، وَهُوَ بَعِيدٌ عَنْ مَعْنَى الْآيَةِ لِأَنَّ إِعَادَةَ وَكَفَرُوا لَا نُكْتَةَ لَهَا لِلِاسْتِغْنَاءِ بِأَنْ يُقَالَ وَالَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ، عَلَى أَنَّهُ مُسْتَغْنًى عَنْ ذَلِكَ أَيْضًا بِأَنَّهُ مَفَادُ الْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ مَعَ اسْتِثْنَائِهَا، وَاللَّعْنَةُ لَا يَظْهَرُ أَثَرُهَا إِلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَا معنى لجعلهما لَعْنَتَيْنِ، وَلِأَنَّ تَعْقِيبَهُ بِقَوْلِهِ: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [الْبَقَرَة: ١٦٣] يُؤْذِنُ بِأَنَّ الْمُرَادَ هُنَا الْمُشْرِكُونَ لِتَظْهَرَ مُنَاسَبَةُ الِانْتِقَالِ.
وَإِنَّمَا قَالَ هُنَا وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ يَلْعَنُهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ وَسَائِرُ الْمُتَدَيِّنِينَ الْمُوَحِّدِينَ لِلْخَالِقِ بِخِلَافِ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أُنْزِلَ مِنَ الْبَيِّنَاتِ فَإِنَّمَا يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَالصَّالِحُونَ مِنْ أَهْلِ دِينِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ وَتَلْعَنُهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَعُمُومُ (النَّاسِ) عُرْفِيٌّ أَيِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ.
وَقَوْلُهُ: خالِدِينَ فِيها تَصْرِيحٌ بِلَازِمِ اللَّعْنَةِ الدَّائِمَةِ فَالضَّمِيرُ عَائِدٌ لِجَهَنَّمَ لِأَنَّهَا مَعْرُوفَةٌ مِنَ الْمُقَامِ مِثْلُ حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ص: ٣٢] ، كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ [الْقِيَامَة: ٢٦] ، وَيَجُوزُ أَنْ يَعُودَ إِلَى اللَّعْنَةِ وَيُرَادَ أَثَرُهَا وَلَازِمُهَا.
وَقَوْلُهُ: لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ أَيْ لِأَنَّ كُفْرَهُمْ عَظِيمٌ يَصُدَّهُمْ عَنْ خَيْرَاتٍ كَثِيرَةٍ بِخِلَافِ كُفْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ.
والإنظار الْإِمْهَال، نطره نَظَرَهُ أَمْهَلَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ وَلَا هُمْ يُمْهَلُونَ فِي نُزُولِ الْعَذَابِ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ عَذَابُ الْقَتْلِ إِذْ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إِلَّا الْإِسْلَامُ دُونَ الْجِزْيَةِ بِخِلَافِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ، يَوْمَ نَبْطِشُ
الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ [الدُّخان: ١٥، ١٦] وَهِيَ بَطْشَةُ يَوْمِ بَدْرٍ. стр. 841
وَقِيلَ: يُنْظَرُونَ هُنَا مِنْ نَظَرِ الْعَيْنِ وَهُوَ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ كَمَا يَتَعَدَّى بِإِلَى أَيْ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْغَضَبِ وَالتَّحْقِيرِ.
وَجِيءَ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِدَلَالَتِهَا عَلَى الثَّبَاتِ وَالِاسْتِقْرَارِ بِخِلَافِ قَوْله: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ فَالْمَقْصُودُ التَّجَدُّدُ لِيَكُونُوا غَيْرَ آيِسِينَ من التَّوْبَة.
[١٦٣]
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١٦٣]
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)
مَعْطُوفٌ عَلَى جُمْلَةِ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ [الْبَقَرَة: ١٦١] . وَالْمُنَاسَبَةُ أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ مَا يَنَالُهُمْ عَلَى الشِّرْكِ مِنَ اللَّعْنَةِ وَالْخُلُودِ فِي النَّارِ بَيَّنَ أَنَّ الَّذِي كَفَرُوا بِهِ وَأَشْرَكُوا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَفِي هَذَا الْعَطْفِ زِيَادَةُ تَرْجِيحٍ لِمَا انْتَمَيْنَاهُ مِنْ كَوْنِ الْمُرَادِ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِإِلَهٍ وَاحِدٍ.
وَالْخِطَابُ بِكَافِ الْجَمْعِ لِكُلِّ مَنْ يَتَأَتَّى خِطَابُهُ وَقْتَ نُزُولِ الْآيَةِ أَوْ بَعْدَهُ مِنْ كُلِّ قَارِئٍ لِلْقُرْآنِ وَسَامِعٍ فَالضَّمِيرُ عَامٌّ، وَالْمَقْصُودُ بِهِ ابْتِدَاءً الْمُشْرِكُونَ لِأَنَّهُمْ جَهِلُوا أَنَّ الْإِلَهَ لَا يَكُونُ إِلَّا وَاحِدًا.
وَالْإِلَهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ الْمَعْبُودُ وَلِذَلِكَ تَعَدَّدَتِ الْآلِهَةُ عِنْدَهُمْ وَأُطْلِقَ لَفْظُ الْإِلَهِ عَلَى كُلِّ صَنَمٍ عَبَدُوهُ وَهُوَ إِطْلَاقٌ نَاشِئٌ عَنِ الضَّلَالِ فِي حَقِيقَةِ الْإِلَهِ لِأَنَّ عِبَادَةَ مَنْ لَا يُغْنِي عَنْ نَفْسِهِ وَلَا عَنْ عَابِدِهِ شَيْئًا عَبَثٌ وَغَلَطٌ، فَوَصْفُ الْإِلَهِ هُنَا بِالْوَاحِدِ لِأَنَّهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ هُوَ الْمَعْبُودُ بِحَقٍّ فَلَيْسَ إِطْلَاقُ الْإِلَهِ عَلَى الْمَعْبُودِ بِحَقٍّ نَقَلًا فِي لُغَةِ الْإِسْلَامِ وَلَكِنَّهُ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ.
وَمَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ إِطْلَاقِ جَمْعِ الْآلِهَةِ عَلَى أَصْنَامِهِمْ فَهُوَ فِي مَقَامِ التَّغْلِيطِ لِزَعْمِهِمْ نَحْوُ فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ [الْأَحْقَاف: ٢٨] ، وَالْقَرِينَةُ هِيَ الْجَمْعُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُطْلَقْ فِي الْقُرْآنِ الْإِلَهُ بِالْإِفْرَادِ عَلَى الْمَعْبُودِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَبِهَذَا تَسْتَغْنِي عَنْ إِكْدَادِ عَقْلِكَ فِي تَكَلُّفَاتٍ تَكَلَّفَهَا بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي مَعْنَى وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ.
وَالْإِخْبَارُ عَن إِلَهكُم بإله تَكْرِيرٌ لِيَجْرِيَ عَلَيْهِ الْوَصْفُ بِوَاحِدٍ وَالْمَقْصُودُ وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ لَكِنَّهُ وَسَّطَ لَفْظَ إِلهٌ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ لِتَقْرِيرِ مَعْنَى الْأُلُوهِيَّةِ فِي الْمُخْبَرِ عَنْهُ كَمَا تَقُولُ عَالَمُ الْمَدِينَةِ عَالَمٌ فَائِقٌ وَلِيَجِيءَ مَا كَانَ أَصْلُهُ مَجِيءَ النَّعْتِ فَيُفِيدُ أَنَّهُ وَصْفٌ ثَابِتٌ
لِلْمَوْصُوفِ لِأَنَّهُ صَارَ نَعْتًا
стр. 842
إِذْ أَصْلُ النَّعْتِ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا ثَابِتًا وَأَصْلُ الْخَبَرِ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا حَادِثًا، وَهَذَا اسْتِعْمَالٌ مُتَّبَعٌ فِي فَصِيحِ الْكَلَامِ أَنْ يُعَادَ الِاسْمُ أَوِ الْفِعْلُ بَعْدَ ذكره ليبنى على وَصْفٌ أَوْ مُتَعَلِّقٌ كَقَوْلِهِ إِلهاً واحِداً [الْبَقَرَة: ١٣٣] . وَقَوْلِهِ: وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً [الْفرْقَان: ٢٧] وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ... وَالتَّنْكِيرُ فِي إِلهٌ لِلنَّوْعِيَّةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ تَقْرِيرُ مَعْنَى الْأُلُوهِيَّةِ، وَلَيْسَ لِلْإِفْرَادِ لِأَنَّ الْإِفْرَادَ اسْتُفِيدَ مِنْ قَوْلِهِ واحِدٌ خِلَافًا لِصَاحِبِ «الْمِفْتَاحِ» فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ [الْأَنْعَام: ١٩] إِذْ جَعَلَ التَّنْكِيرَ فِي إِلهٌ لِلْإِفْرَادِ وَجَعَلَ تَفْسِيرَهُ بِالْوَاحِدِ بَيَانًا لِلْوَحْدَةِ لِأَنَّ الْمَصِيرَ إِلَى الْإِفْرَادِ فِي الْقَصْدِ مِنَ التَّنْكِيرِ مَصِيرٌ لَا يَخْتَارُهُ الْبَلِيغُ مَا وَجَدَ عَنْهُ مَنْدُوحَةً.
وَقَوْلُهُ: لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ تَأْكِيدٌ لِمَعْنَى الْوَحْدَةِ وَتَنْصِيصٌ عَلَيْهَا لِرَفْعِ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْكَمَالَ كَقَوْلِهِمْ فِي الْمُبَالَغَةِ هُوَ نَسِيجُ وَحْدِهِ، أَوْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ إِلَهَ الْمُسْلِمِينَ خَاصَّةً كَمَا يَتَوَهَّمُهُ الْمُشْرِكُونَ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ أَبِي سُفْيَانَ: «لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ» .
وَقَدْ أَفَادَتْ جُمْلَةُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ التَّوْحِيدَ لِأَنَّهَا نَفَتْ حَقِيقَةَ الْأُلُوهِيَّةِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى. وَخَبَرُ لَا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مَا فِي لَا مِنْ مَعْنَى النَّفْيِ لِأَنَّ كُلَّ سَامِعٍ يَعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ فَالتَّقْدِيرُ لَا إِلَه مَوْجُود إِلَّا هُوَ. وَقَدْ عَرَضَتْ حَيْرَةٌ لِلنُّحَاةِ فِي تَقْدِيرِ الْخَبَرِ فِي هَاتِهِ الْكَلِمَةِ لِأَنَّ تَقْدِيرَ مَوْجُودٍ يُوهِمُ أَنَّهُ قَدْ يُوجَدُ إِلَهٌ لَيْسَ هُوَ مَوْجُودًا فِي وَقْتِ التَّكَلُّمِ بِهَاتِهِ الْجُمْلَةِ، وَأَنَا أُجِيبُ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِبْطَالُ وُجُودِ إِلَهٍ غَيْرِ اللَّهِ رَدًّا عَلَى الَّذِينَ ادَّعَوْا آلِهَةً مَوْجُودَةً الْآنَ وَأَمَّا انْتِفَاءُ وُجُودِ إِلَهٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَمَعْلُومٌ لِأَنَّ الْأَجْنَاسَ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ لَا يُتَرَقَّبُ وَجُودُهَا مِنْ بَعْدُ لِأَنَّ مُثْبِتِي الْآلِهَةَ يُثْبِتُونَ لَهَا الْقِدَمَ فَلَا يُتَوَهَّمُ تَزَايُدُهَا، وَنُسِبَ إِلَى الزَّمَخْشَرِيِّ أَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ لِخَبَرٍ هُنَا وَأَنَّ أَصْلَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ هُوَ إِلَهٌ فَقَدَّمَ إِلهٌ وَأَخَّرَ (هُوَ) لِأَجْلِ الْحَصْرِ بِإِلَّا وَذَكَرُوا أَنَّهُ أَلَّفَ فِي ذَلِكَ «رِسَالَةً» ، وَهَذَا تَكَلُّفٌ وَالْحَقُّ عِنْدِي أَنَّ الْمُقَدَّرَاتِ لَا مَفَاهِيمَ لَهَا فَلَيْسَ تَقْدِيرُ لَا إِلَهَ مَوْجُودٌ بِمَنْزِلَةِ النُّطْقِ بِقَوْلِكَ لَا إِلَهَ مَوْجُودٌ بَلْ إِنَّ التَّقْدِيرَ لِإِظْهَارِ مَعَانِي الْكَلَامِ وَتَقْرِيبِ الْفَهْمِ وَإِلَّا فَإِنَّ لَا النَّافِيَةَ إِذَا نَفَتِ النَّكِرَةَ فَقَدْ دَلَّتْ عَلَى نَفْيِ الْجِنْسِ أَيْ نَفْيِ تَحَقُّقِ الْحَقِيقَةِ فَمَعْنَى لَا إِلَهَ انْتِفَاءُ الْأُلُوهِيَّةِ إِلَّا اللَّهُ أَي إلّا الله.
وَقَوْلُهُ: الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ وَصْفَانِ لِلضَّمِيرِ، أَيِ الْمُنْعِمِ بِجَلَائِلِ النِّعَمِ وَدَقَائِقِهَا وَهُمَا وَصْفَانِ لِلْمَدْحِ وَفِيهِمَا تَلْمِيحٌ لِدَلِيلِ الْأُلُوهِيَّةِ وَالِانْفِرَادِ بهَا لِأَنَّهُ منعم، وَغَيْرُهُ لَيْسَ بِمُنْعِمٍ وَلَيْسَ فِي الصِّفَتَيْنِ دَلَالَةٌ عَلَى الْحَصْرِ وَلَكِنَّهُمَا تَعْرِيضٌ بِهِ هُنَا لِأَنَّ الْكَلَامَ مَسُوقٌ لِإِبْطَالِ
أُلُوهِيَّةِ غَيْرِهِ
стр. 843
فَكَانَ مَا يَذْكُرُ مِنَ الْأَوْصَافِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْأُلُوهِيَّةِ هُوَ فِي مَعْنَى قَصْرِهَا عَلَيْهِ تَعَالَى، وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ وَصْفَيِ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي سُورَةِ الْفَاتِحَةِ عَلَى أَنَّ فِي ذِكْرِ صِفَةِ الرَّحْمَنِ إِغَاظَةً لِلْمُشْرِكِينَ فَإِنَّهُمْ أَبَوْا وَصْفَ اللَّهِ بِالرَّحْمَنِ كَمَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ [الْفرْقَان: ٦٠] .
وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ: إِلَّا هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْإِلَهِ الْمَنْفِيِّ أَيْ أَنَّ جِنْسَ الْإِلَهِ مَنْفِيٌّ إِلَّا هَذَا الْفَرْدَ، وَخَبَرُ (لَا) فِي مِثْلِ هَاتِهِ الْمَوَاضِعِ يَكْثُرُ حَذْفُهُ لِأَنَّ لَا التَّبْرِئَةِ مُفِيدَةٌ لِنَفْيِ الْجِنْسِ فَالْفَائِدَةُ حَاصِلَةٌ مِنْهَا وَلَا تَحْتَاجُ لِلْخَبَرِ إِلَّا إِذَا أُرِيدَ تَقْيِيدُ النَّفْيِ بِحَالَةٍ نَحْوَ لَا رَجُلَ فِي الدَّارِ غَيْرَ أَنَّهُمْ لَمَّا كَرِهُوا بَقَاءَ صُورَةِ اسْمٍ وَحَرْفٍ بِلَا خَبَرٍ ذَكَرُوا مَعَ اسْمِ لَا خَبَرًا أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ إِذَا وَجَدُوا شَيْئًا يَسُدُّ مَسَدَّ الْخَبَرِ فِي الصُّورَةِ حَذَفُوا الْخَبَرَ مَعَ لَا نَحْوَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَنَحْوَ التَّكْرِيرِ فِي قَوْلِهِ لَا نَسَبَ الْيَوْمَ وَلَا خُلَّةَ. وَلِأَبِي حَيَّانَ هُنَا تكلفات.
[١٦٤]
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١٦٤]
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)
مَوْقِعُ هَاتِهِ الْآيَةِ عَقِبَ سَابِقَتِهَا مَوْقِعُ الْحُجَّةِ مِنَ الدَّعْوَى، ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْلَنَ أَنَّ الْإِلَهَ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ وَهِيَ قَضِيَّةٌ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تُتَلَقَّى بِالْإِنْكَارِ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فَنَاسَبَ إِقَامَةَ الْحُجَّةِ لِمَنْ لَا يَقْتَنِعُ فَجَاءَ بِهَذِهِ الدَّلَائِلِ الْوَاضِحَةِ الَّتِي لَا يَسَعُ النَّاظِرَ إِلَّا التَّسْلِيم إِلَيْهَا.
فَإِن هُنَا لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمَامِ بِالْخَبَرِ لِلَفْتِ الْأَنْظَارِ إِلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ نَزَلُوا مَنْزِلَةَ مَنْ يُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) لِأَنَّهُمْ لَمْ يَجْرُوا عَلَى مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ تِلْكَ الْآيَاتُ.
وَلَيْسَتْ إِنَّ هُنَا بِمُؤْذِنَةٍ بِتَعْلِيلٍ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا لِأَنَّ شَرْطَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونُ الْجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَهَا صَالِحًا لِتَعْلِيلِ مَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَهَا بِحَيْثُ يَكُونُ الْمَوْقِعُ لِفَاءِ الْعَطْفِ فَحِينَئِذٍ يُغْنِي وُقُوعُ
стр. 844
(إِنَّ) عَنِ الْإِتْيَانِ بِفَاءِ الْعَطْفِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَاهِرِ فِي «دَلَائِلِ الْإِعْجَازِ» وَقَدْ بَسَطْنَا فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ [الْبَقَرَة: ٦١] .
وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَاتِهِ الْآيَةِ إِثْبَاتُ دَلَائِلِ وُجُودِ اللَّهِ تَعَالَى وَوَحْدَانِيَّتِهِ وَلِذَلِكَ ذُكِرَتْ إِثْرَ ذِكْرِ الْوَحْدَانِيَّةِ لِأَنَّهَا إِذَا أُثْبِتَتْ بِهَا الْوَحْدَانِيَّةُ ثَبَتَ الْوُجُودُ بِالضَّرُورَةِ. فَالْآيَةُ صَالِحَةٌ لِلرَّدِّ
عَلَى كُفَّارِ قُرَيْشٍ دَهْرِيِّهِمْ وَمُشْرِكِهِمْ وَالْمُشْرِكُونَ هُمُ الْمَقْصُودُ ابْتِدَاءً، وَقَدْ قَرَّرَ اللَّهُ فِي هَاتِهِ الْآيَةِ دَلَائِلَ كُلُّهَا وَاضِحَةٌ مِنْ أَصْنَافِ الْمَخْلُوقَاتِ وَهِيَ مَعَ وُضُوحِهَا تَشْتَمِلُ عَلَى أَسْرَارٍ يَتَفَاوَتُ النَّاسُ فِي دَرْكِهَا حَتَّى يَتَنَاوَلَ كُلُّ صِنْفٍ مِنَ الْعُقَلَاءِ مِقْدَارَ الْأَدِلَّةِ مِنْهَا عَلَى قَدْرِ قَرَائِحِهِمْ وَعُلُومِهِمْ.
وَالْخَلْقُ هُنَا بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ وَاخْتِيرَ هُنَا لِأَنَّهُ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا فِيهِ عِبْرَةٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلِلْعِبْرَةِ أَيْضًا فِي نَفْسِ الْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ مِنْ تَكْوِينِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالنِّظَامِ الْجَامِعِ بَيْنَهَا فَكَمَا كُلَّ مَخْلُوقٍ مِنْهَا أَوْ فِيهَا هُوَ آيَةٌ وَعِبْرَةٌ فَكَذَلِكَ مَجْمُوعُ خَلْقِهَا، وَلَعَلَّ الْآيَةَ تُشِيرُ إِلَى مَا يُعَبَّرُ عَنْهُ فِي عِلْمِ الْهَيْئَةِ بِالنِّظَامِ الشَّمْسِيِّ وَهُوَ النِّظَامُ الْمُنْضَبِطُ فِي أَحْوَالِ الْأَرْضِ مَعَ الْكَوَاكِبِ السَّيَّارَةِ الْمُعَبَّرِ عَنْهَا بِالسَّمَاوَاتِ.
والسَّماواتِ جَمْعُ سَمَاءٍ وَالسَّمَاءُ إِذَا أُطْلِقَتْ مُفْرَدَةً فَالْمُرَادُ بِهَا الْجَوُّ الْمُرْتَفِعُ فَوْقَنَا الَّذِي يَبْدُو كَأَنَّهُ قُبَّةٌ زَرْقَاءُ وَهُوَ الْفَضَاءُ الْعَظِيمُ الَّذِي تَسْبَحُ فِيهِ الْكَوَاكِبُ وَذَلِكَ الْمُرَادُ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ [الْملك: ٥] ، إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ [الصافات: ٦] ، وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء [الْبَقَرَة: ٢٢] . وَإِذَا جُمِعَتْ فَالْمُرَادُ بِهَا أَجْرَامٌ عَظِيمَةٌ ذَاتُ نِظَامٍ خَاصٍّ مِثْلُ الْأَرْضِ وَهِيَ السَّيَّارَاتُ الْعَظِيمَةُ الْمَعْرُوفَةُ وَالَّتِي عُرِفَتْ مِنْ بَعْدُ وَالَّتِي سَتُعْرَفُ: عُطَارِدُ وَالزُّهَرَةُ وَالْمِرِّيخُ وَالشَّمْسُ وَالْمُشْتَرِي وَزُحَلُ وَأُرَانُوسُ وَنِبْتُونُ. ولعلها هِيَ السَّمَوَات السَّبْعُ وَالْعَرْشُ الْعَظِيمُ، وَهَذَا السِّرُّ فِي جمع (السَّمَوَات) هُنَا وَإِفْرَادِ (الْأَرْضِ) لِأَنَّ الْأَرْضَ عَالَمٌ وَاحِدٌ وَأَمَّا جَمْعُهَا فِي بَعْضِ الْآيَاتِ فَهُوَ عَلَى مَعْنَى طَبَقَاتِهَا أَوْ أَقْسَامِ سَطْحِهَا.
وَالْمَعْنَى أَنَّ فِي خلق مَجْمُوع السَّمَوَات مَعَ الْأَرْضِ آيَاتٍ، فَلِذَلِكَ أُفْرِدَ الْخَلْقُ وَجُعِلَتِ الْأَرْضُ مَعْطُوفًا على السَّمَوَات لِيَتَسَلَّطَ الْمُضَافُ عَلَيْهِمَا.
وَالْآيَةُ فِي هَذَا الْخَلْقِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ آيَةٌ عَظِيمَةٌ لِمَنْ عَرَفَ أَسْرَارَ هَذَا النِّظَامِ وَقَوَاعِدَ
стр. 845
الْجَاذِبِيَّةِ الَّتِي أَوْدَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي سَيْرِ مَجْمُوعِ هَاتِهِ السَّيَّارَاتِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَعْتَرِيهِ خَلَلٌ وَلَا خَرْقٌ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس: ٤٠] ، وَأَعْظَمُ تِلْكَ الْأَسْرَارِ تَكْوِينُهَا عَلَى هَيْئَةِ كُرَيَّةٍ قَالَ الْفَخْرُ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْحُسَامِ يَقْرَأُ «كِتَابَ الْمِجَسْطِيِّ» عَلَى عُمَرَ الْأَبْهَرِيِّ فَقَالَ لَهُمَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ يَوْمًا مَا الَّذِي تَقْرَءُونَهُ فَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ أُفَسِّرُ قَوْلَهُ تَعَالَى: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها [ق:
٦] فَأَنَا أُفَسِّرُ كَيْفِيَّةَ بِنَائِهَا وَلَقَدْ صَدَقَ الْأَبْهَرِيُّ فِيمَا قَالَ فَإِنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ أَكْثَرَ تَوَغُّلًا فِي بِحَارِ
الْمَخْلُوقَاتِ كَانَ أَكْثَرَ عِلْمًا بِجَلَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَظَمَتِهِ اه.
قُلْتُ وَمِنْ بَدِيعِ هَذَا الْخَلْقِ أَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَمُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا بِمَا يَحْتَاجُهُ كُلٌّ فَلَا يَنْقُصُ مِنَ الْمُمِدِّ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ يمده غَيره يما يُخْلِفُ لَهُ مَا نَقَصَ، وَهَكَذَا نَجِدُ الْمَوْجُودَاتِ مُتَفَاعِلَةً، فَالْبَحْرُ يُمِدُّ الْجَوَّ بِالرُّطُوبَةِ فَتَكُونُ مِنْهُ الْمِيَاهُ النَّازِلَةُ ثُمَّ هُوَ لَا يَنْقُصُ مَعَ طُولِ الْآبَادِ لِأَنَّهُ يُمِدُّهُ كُلُّ نَهْرٍ وَوَادٍ.
وَهِيَ آيَةٌ لِمَنْ كَانَ فِي الْعَقْلِ دُونَ هَاتِهِ الْمَرْتَبَةِ فَأَدْرَكَ مِنْ مَجْمُوعِ هَذَا الْخَلْقِ مَشْهَدًا بَدِيعًا فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا وَظُهُورِ الْكَوَاكِبِ فِي الْجَوِّ وَغُرُوبِهَا.
وَأَمَّا الِاعْتِبَارُ بِمَا فِيهَا مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ وَمَا يَحُفُّ بِهَا مِنَ الْمَوْجُودَاتِ كَالنُّجُومِ الثَّوَابِتِ وَالشُّهُبِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ جِبَالٍ وَبِحَارٍ وَأَنْهَارٍ وَحَيَوَانٍ فَذَلِكَ مِنْ تَفَارِيعِ تِلْكَ الْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ: وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ تَذْكِيرٌ بِآيَةٍ أُخْرَى عَظِيمَةٍ لَا تَخْفَى على أحد من الْعُقَلَاءِ وَهِيَ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَعْنِي اخْتِلَافَ حَالَتَيِ الْأَرْضِ فِي ضِيَاءٍ وَظُلْمَةٍ، وَمَا فِي الضِّيَاءِ مِنَ الْفَوَائِدِ لِلنَّاسِ وَمَا فِي الظُّلْمَةِ مِنَ الْفَوَائِدِ لَهُمْ لِحُصُولِ سُكُونِهِمْ وَاسْتِرْجَاعِ قُوَاهُمُ الْمَنْهُوكَةِ بِالْعَمَلِ.
وَفِي ذَلِكَ آيَةٌ لِخَاصَّةِ الْعُقَلَاءِ إِذْ يَعْلَمُونَ أَسْبَابَ اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ عَلَى الْأَرْضِ وَأَنَّهُ مِنْ آثَارِ دَوَرَانِ الْأَرْضِ حَوْلَ الشَّمْسِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلِهَذَا جُعِلَتِ الْآيَةُ فِي اخْتِلَافِهِمَا وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا آيَةٌ.
وَالِاخْتِلَافُ افْتِعَالٌ مِنَ الْخَلْفِ وَهُوَ أَن يجيئ شَيْءٌ عِوَضًا عَنْ شَيْءٍ آخَرَ يَخْلُفُهُ فِي مَكَانِهِ وَالْخِلْفَةُ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْخَلْفُ قَالَ زُهَيْرٌ:
«بِهَا الْعِينُ وَالْآرَامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً»
следующие страницы →