Полный текст (11 044 стр.). Показаны 8156–8195 · переход к 8161.
стр. 8156
الِاهْتِمَامَ بِالْمُرَادِ بِهِ لِإِيصَالِ الْمُرَادِ إِلَيْهِ حَتَّى كَأَنَّ ذَاتَهُ هِيَ الْمُرَادُ لِمَنْ يُرِيدُ إِيصَالَ شَيْءٍ إِلَيْهِ، وَهَذَا مِنْ تَعْلِيقِ الْأَحْكَامِ بِالذَّوَاتِ.
وَالْمُرَادُ أَحْوَالُ الذَّوَاتِ مِثْلَ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [الْمَائِدَة: ٣] ، أَيْ أَكْلُهَا. وَنَظْمُ التَّرْكِيبِ: إِنْ أَرَادَنِي وَأَنَا مُتَلَبِّسٌ بِضُرٍّ مِنْهُ أَوْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ، قَالَ عَمْرُو بْنُ شَاسٍ:
أَرَادَتْ عِرَارًا بِالْهَوَانِ وَمَنْ يُرِدْ ... عِرَارًا لَعَمْرِي بِالْهَوَانِ فَقَدْ ظَلَمْ
وَإِنَّمَا فَرَضَ إِرَادَةَ الضُّرِّ وَإِرَادَةَ الرَّحْمَةِ فِي نَفْسِهِ دُونَ أَنْ يَقُولَ: إِنْ أَرَادَكُمْ، لِأَنَّ الْكَلَامَ مُوَجَّهٌ إِلَى مَا خَوَّفُوهُ مِنْ ضُرِّ أَصْنَامِهِمْ إِيَّاهُ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ كاشِفاتُ ضُرِّهِ ومُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ بِإِضَافَةِ الْوَصْفَيْنِ إِلَى الِاسْمَيْنِ.
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ بِتَنْوِينِ الْوَصْفَيْنِ وَنَصْبِ ضُرِّهِ وَرَحمته وَهُوَ اخْتِلَافٌ فِي لَفْظِ تَعَلُّقِ الْوَصْفِ بِمَعْمُولِهِ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ.
وَلَمَّا أَلْقَمَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الْحُجَّةِ الْحَجَرَ وَقَطَعَهُمْ فَلَا يُحِيرُوا بِبِنْتِ شَفَةٍ أَمَرَ رَسُولَهُ ﷺ أَنْ يَقُولَ: حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ، وَإِنَّمَا أُعِيدَ الْأَمْرُ بِالْقَوْلِ وَلَمْ يَنْتَظِمْ حَسْبِيَ اللَّهُ فِي جُمْلَةِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ هَذَا الْمَأْمُورَ بِأَنْ يَقُولَهُ لَيْسَ الْمَقْصُودَ تَوْجِيهُهُ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّ فِيمَا سَبَقَهُ مُقْنِعًا مِنْ قِلَّةِ الِاكْتِرَاثِ بِأَصْنَامِهِمْ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ شِعَارَ النَّبِيءِ ﷺ فِي جَمِيع شؤونه، وَفِيهِ حَظٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ مَعَهُ حَاصِلٌ مِنْ قَوْلِهِ:
عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ قَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّبِيءُ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الْأَنْفَال: ٦٤] ، فَإِعَادَةُ فِعْلِ قُلْ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى اسْتِقْلَالِ هَذَا الْغَرَضِ عَنِ الْغَرَضِ الَّذِي قَبْلَهُ.
وَالْحَسْبُ: الْكَافِي. وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فِي آلِ عِمْرَانَ [١٧٣] . وَحَذْفُ الْمُتَعَلِّقِ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ لِعُمُومِ الْمُتَعَلِّقَاتِ، أَيْ حَسْبِيَ اللَّهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَفِي كُلِّ حَالٍ.
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ اعْتِقَادُهُ، ثُمَّ تُذَكُّرُهُ، ثُمَّ الْإِعْلَانُ بِهِ، لِتَعْلِيمِ الْمُسْلِمِينَ وَإِغَاظَةِ الْمُشْرِكِينَ.
стр. 8157
وَالتَّوَكُّلُ: تَفْوِيضُ أُمُورِ الْمُفَوِّضِ إِلَى مَنْ يَكْفِيهِ إِيَّاهُ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [١٥٩] .
وَجُمْلَةُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِمَّا أُمِرَ بِأَنْ يَقُولَهُ تَذَكُّرًا مِنَ النَّبِيءِ ﷺ وَتَعْلِيمًا لِلْمُسْلِمِينَ فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ تَذْيِيلًا لِلَّتِي قَبْلَهَا لِأَنَّهَا أَعَمُّ مِنْهَا بِاعْتِبَارِ الْقَائِلِينَ لِأَنَّ حَسْبِيَ اللَّهُ يؤول إِلَى مَعْنَى: تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، أَيْ حَسْبِيَ أَنَا وَحَسْبُ كُلِّ مُتَوَكِّلٍ، أَيْ كُلِّ مُؤْمِنٍ يَعْرِفُ اللَّهَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ وَيَعْتَمِدُ عَلَى كِفَايَتِهِ دُونَ غَيْرِهِ، فَتَعْرِيفُ الْمُتَوَكِّلُونَ
لِلْعُمُومِ الْعُرْفِيِّ، أَيِ الْمُتَوَكِّلُونَ الْحَقِيقِيُّونَ إِذْ لَا عِبْرَةَ بِغَيْرِهِمْ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى خَاطَبَ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِأَنْ يَقُولَهُ فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ تَعْلِيلًا لِلْأَمْرِ بِقَوْلِ: حَسْبِيَ اللَّهُ، أَيِ اجْعَلِ اللَّهَ حَسْبَكَ، لِأَنَّ أَهْلَ التَّوَكُّلِ يَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ وَهُمُ الرُّسُلُ وَالصَّالِحُونَ وَإِذْ قَدْ كُنْتَ مِنْ رَفِيقِهِمْ فَكُنْ مِثْلَهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الْأَنْعَام: ٩٠] .
وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ عَلَى يَتَوَكَّلُ لِإِفَادَةِ الِاخْتِصَاصِ لِأَنَّ أَهْلَ التَّوَكُّلِ الْحَقِيقِيِّينَ لَا يَتَوَكَّلُونَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ تَعْرِيض بالمشركين إِذْ اعْتَمَدُوا فِي أُمُورِهِمْ على أصنامهم.
[٣٩- ٤٠]
[سُورَة الزمر (٣٩) : الْآيَات ٣٩ إِلَى ٤٠]
قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٤٠)
لَمَّا أَبْلَغَهُمُ اللَّهُ من الموعظة أقْصَى مَبْلَغٍ، وَنَصَبَ لَهُمْ مِنَ الْحُجَجِ أَسَطَعَ حُجَّةٍ، وَثَبَّتَ رَسُولَهُ ﷺ أَرْسَخَ تَثْبِيتٍ، لَا جَرَمَ أَمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِأَنْ يُوَادِعَهُمْ مُوَادَعَةَ مُسْتَقْرِبِ النَّصْرِ، وَيُوَاعِدَهُمْ مَا أُعِدَّ لَهُمْ مَنْ خُسْرٍ.
وَعَدَمُ عَطْفِ جُمْلَةِ قُلْ هَذِهِ عَلَى جُمْلَةِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ [الزمر: ٣٨] لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنْ يَكُونَ أَمْرُهُ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لِقَصْدِ إِبْلَاغِهِ إِلَى الْمُشْرِكِينَ نَظِيرَ تَرْكِ الْعَطْفِ فِي الْبَيْتِ الْمَشْهُورِ فِي عِلْمِ الْمَعَانِي:
стр. 8158
وَتَظُنُّ سَلْمَى أَنَّنِي أَبْغِي بِهَا ... بَدَلًا أَرَاهَا فِي الضَّلَالِ تَهِيمُ
لَمْ يَعْطِفْ جُمْلَةَ: أَرَاهَا فِي الضَّلَالِ، لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ: أَبْغِي بِهَا بَدَلًا، وَلِأَنَّهَا انْتِقَالٌ مِنْ غَرَضِ الدَّعْوَةِ وَالْمُحَاجَّةِ إِلَى غَرَضِ التَّهْدِيدِ. وَابْتَدَأَ الْمَقُولَ بِالنِّدَاءِ بِوَصْفِ الْقَوْمِ لِمَا يَشْعَرُ بِهِ مِنَ التَّرْقِيقِ لِحَالِهِمْ وَالْأَسَفِ عَلَى ضَلَالِهِمْ لِأَنَّ كَوْنَهُمْ قَوْمَهُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَدَّخِرَهُمْ نُصْحًا.
وَالْمَكَانَةُ: الْمَكَانُ، وَتَأْنِيثُهُ رُوعِيَ فِيهِ مَعْنَى الْبُقْعَةِ، اسْتُعِيرَ لِلْحَالَةِ الْمُحِيطَةِ بِصَاحِبِهَا إِحَاطَةَ الْمَكَانِ بِالْكَائِنِ فِيهِ. وَالْمَعْنَى: اعْمَلُوا عَلَى طَرِيقَتِكُمْ وَحَالِكُمْ مِنْ عَدَاوَتِي، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [١٣٥] .
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ مَكانَتِكُمْ بِصِيغَةِ الْمُفْرَدِ. وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ مَكَانَاتِكُمْ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ بِأَلِفٍ وَتَاءٍ.
وَقَالَ تَعَالَى هُنَا: مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ لِيَكُونَ التَّهْدِيدُ بِعَذَابِ خِزْيٍ فِي الدُّنْيَا
وَعَذَابٍ مُقِيمٍ فِي الْآخِرَةِ. فَأَمَّا قَوْلُهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [١٣٥] : قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا الْعَذَابَ لِأَنَّهَا جَاءَتْ بَعْدَ تَهْدِيدِهِمْ بِقَوْلِهِ: إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [الْأَنْعَام: ١٣٤] .
وَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ إِنِّي عامِلٌ لِيَعُمَّ كُلَّ مُتَعَلِّقٍ يَصْلُحُ أَن يتَعَلَّق بِعَمَل مَعَ الِاخْتِصَارِ فَإِنَّ مُقَابَلَتَهُ بِقَوْلِهِ: اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مِنْ إِنِّي عامِلٌ أَنَّهُ ثَابِتٌ عَلَى عَمَلِهِ فِي نُصْحِهِمْ وَدَعْوَتِهِمْ إِلَى مَا يُنْجِيهِمْ. وَأَنَّ حَذْفَ ذَلِكَ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى مِقْدَارِ مَكَانَتِهِ وَحَالَتِهِ بَلْ حَالُهُ تَزْدَادُ كُلَّ حِينٍ قُوَّةً وَشِدَّةً لَا يَعْتَرِيهَا تَقْصِيرٌ وَلَا يُثَبِّطُهَا إِعْرَاضُهُمْ، وَهَذَا مِنْ مُسْتَتْبِعَاتِ الْحَذْفِ وَلَمْ نُنَبِّهْ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَفِي سُورَةِ هُودٍ.
ومَنْ اسْتِفْهَامِيَّةٌ عَلَّقَتْ فِعْلَ تَعْلَمُونَ عَنِ الْعَمَلِ فِي مَفْعُولَيْهِ.
стр. 8159
وَالْعَذَابُ الْمُخْزِي هُوَ عَذَابُ الدُّنْيَا. وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا عَذَابُ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ.
وَالْعَذَابُ الْمُقِيمُ هُوَ عَذَابُ الْآخِرَةِ، وَإِقَامَتُهُ خُلُودُهُ. وَتَنْوِينُ عَذابٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لِلتَّعْظِيمِ الْمُرَادِ بِهِ التَّهْوِيلُ.
وَأُسْنِدَ فِعْلُ يَأْتِيهِ إِلَى الْعَذَابِ الْمُخْزِي لِأَنَّ الْإِتْيَانَ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ يُفَاجِئُهُمْ كَمَا يَأْتِي الطَّارِقُ. وَكَذَلِكَ إِسْنَادُ فِعْلِ يَحِلُّ إِلَى الْعَذَابِ الْمُقِيمِ لِأَنَّ الْحُلُولَ مُشْعِرٌ بِالْمُلَازَمَةِ وَالْإِقَامَةِ مَعَهُمْ، وَهُوَ عَذَابُ الْخُلُودِ، وَلِذَلِكَ يُسمى منزل القَوْل حِلَّةً، وَيُقَالُ لِلْقَوْمِ الْقَاطِنِينَ غَيْرِ الْمُسَافِرِينَ هُمْ حِلَالٌ، فَكَانَ الْفِعْلُ مُنَاسِبًا لِوَصْفِهِ بِالْمُقِيمِ. وَتَعْدِيَةُ فِعْلِ يَحِلُّ بِحَرْفِ (عَلَى) لِلدَّلَالَةِ على تمكنه.
[٤١]
[سُورَة الزمر (٣٩) : آيَة ٤١]
إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١)
الْجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأَمْرِ بِأَنْ يَقُولَ لَهُمُ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ الْمُفِيدِ مُوَادَعَتَهُمْ وَتَهْوِينَ تَصْمِيمِ كُفْرِهِمْ عَلَيْهِ، وَتَثْبِيتِهِ عَلَى دَعْوَتِهِ. وَالْمَعْنَى: لِأَنَّا نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِفَائِدَةِ النَّاسِ وَكَفَاكَ ذَلِكَ شَرَفًا وَهِدَايَةً وَكَفَاكَ تَبْلِيغُهُ إِلَيْهِمْ فَمَنِ اهْتَدَى مِنَ النَّاسِ فَهِدَايَتُهُ لِنَفْسِهِ بِوَاسِطَتِكَ وَمَنْ ضَلَّ فَلَمْ يَهْتَدِ بِهِ فَضَلَالُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَا عَلَيْكَ مِنْ ضَلَالِهِمْ تَبِعَةٌ لِأَنَّكَ بَلَّغْتَ مَا أُمِرْتَ بِهِ. وَلِذَلِكَ خُولِفَ بَيْنَ مَا هُنَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِي صَدْرِ السُّورَةِ إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ [الزمر: ٢] ، لِأَنَّ تِلْكَ فِي غَرَضِ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ النَّبِيءِ ﷺ فَنَاسَبَ أَنْ يَكُونَ إِنْزَالُ الْكِتَابِ إِلَيْهِ، ولِلنَّاسِ مُتَعَلق ب- أَنْزَلْنا، وبِالْحَقِّ حَالٌ مِنَ الْكِتابَ،
وَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ، وَاللَّامُ فِي لِلنَّاسِ لِلْعِلَّةِ، أَيْ لِأَجْلِ النَّاسِ. وَفِي الْكَلَامِ مُضَافٌ مَفْهُومٌ مِمَّا تُؤْذِنُ بِهِ اللَّامُ مِنْ مَعْنَى الْفَائِدَةِ وَالنَّفْعِ أَيْ لِنَفْعِ النَّاسِ، أَوْ مِمَّا يُؤْذَنُ بِهِ التَّفْرِيعُ فِي قَوْلِهِ: فَمَنِ اهْتَدى إِلَخْ. وَفَاءُ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ لِلتَّفْرِيعِ وَهُوَ تَفْرِيع ناشىء مِنْ مَعْنَى اللَّامِ. وَ (مَنْ) شَرْطِيَّةٌ، أَيْ مَنْ حَصَلَ مِنْهُ الِاهْتِدَاءُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَإِنَّ اهْتِدَاءَهُ لِفَائِدَةِ
стр. 8160
نَفْسِهِ لَا غَيْرُ، أَيْ لَيْسَتْ لَكَ مِنِ اهْتِدَائِهِ فَائِدَةٌ لِذَاتِكَ لِأَنَّ فَائِدَةَ الرَّسُولِ ﷺ (وَهِيَ شَرَفُهُ وأجره) ثَابِتَة عَن التَّبْلِيغِ سَوَاءٌ اهْتَدَى مَنِ اهْتَدَى وَضَلَّ مَنْ ضَلَّ.
وَتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي قَوْلِهِ: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ آخِرَ سُورَةِ يُونُسَ [١٠٨] ، وَفِي قَوْلِهِ: وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ فِي آخِرِ سُورَةِ النَّمْلِ [٩١، ٩٢] ، وَلَكِنْ جِيءَ فِي تَيْنِكَ الْآيَتَيْنِ بِصِيغَةِ قَصْرِ الِاهْتِدَاءِ عَلَى نَفْسِ الْمُهْتَدِي وَتُرِكَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ تَيْنَكَ الْآيَتَيْنِ وَارِدَتَانِ بِالْأَمْرِ بِمُخَاطَبَةِ الْمُشْرِكِينَ فَكَانَ الْمَقَامُ فِيهِمَا مُنَاسِبًا لِإِفَادَةِ أَنَّ فَائِدَةَ اهْتِدَائِهِمْ لَا تَعُودُ إِلَّا لِأَنْفُسِهِمْ، أَيْ لَيْسَتْ لِي مَنْفَعَةٌ مِنِ اهْتِدَائِهِمْ، خِلَافًا لِهَذِهِ الْآيَةِ فَإِنَّهَا خِطَابٌ مُوَجَّهٌ مِنَ اللَّهِ إِلَى رَسُولِهِ ﷺ لَيْسَ فِيهَا حَالُ مَنْ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْمُدِلِّ بِاهْتِدَائِهِ.
أَمَّا قَوْلُهُ: وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها فَصِيغَةُ الْقَصْرِ فِيهِ لِتَنْزِيلِ الرَّسُولِ ﷺ فِي أَسَفِهِ عَلَى ضَلَالِهِمُ الْمُفْضِي بِهِمْ إِلَى الْعَذَابِ مَنْزِلَةَ مَنْ يَعُودُ عَلَيْهِ مِنْ ضَلَالِهِمْ ضُرٌّ، فَخُوطِبَ بِصِيغَةِ الْقَصْرِ، وَهُوَ قَصْرُ قَلْبٍ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ. وَلِذَلِكَ اتَّحَدَتِ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ فِي الِاشْتِمَالِ عَلَى الْقَصْرِ بِالنِّسْبَةِ لِجَانِبِ ضَلَالِهِمْ فَإِنَّ قَوْلَهُ فِي سُورَةِ النَّمْلِ [٩٢] فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ فِي معنى: فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها، أَي لَيْسَ ضلالكم عليّ فَإِنَّمَا أَنا من الْمُنْذِرِينَ. وَهَذِهِ نُكَتٌ مِنْ دَقَائِقِ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ.
وَقَوْلُهُ: وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ القَوْل فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ فِي سُورَةِ يُونُس [١٠٨] . وَجُمْلَة ووَ مَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ أَيْ لَسْتَ مَأْمُورًا بِإِرْغَامِهِمْ عَلَى الِاهْتِدَاءِ، فَصِيغَ هَذَا الْخَبَرُ فِي جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ لِلدَّلَالَةِ عَلَى ثَبَاتِ حُكْمِ هَذَا النَّفْي.
стр. 8161
[سُورَة الزمر (٣٩) : آيَة ٤٢]
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)
يَصْلُحُ هَذَا أَنْ يَكُونَ مَثَلًا لِحَالِ ضَلَالِ الضَّالِّينَ وَهُدَى الْمُهْتَدِينَ نَشَأَ عَنْ قَوْلِهِ:
فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ إِلَى قَوْلِهِ: وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ [الزمر: ٤١] .
وَالْمَعْنَى: أَنَّ اسْتِمْرَارَ الضَّالِّ عَلَى ضَلَالِهِ قَدْ يَحْصُلُ بَعْدَهُ اهْتِدَاءٌ وَقَدْ يُوَافِيهِ أَجَلُهُ وَهُوَ فِي ضَلَالِهِ فَضَرَبَ الْمَثَلَ لِذَلِكَ بِنَوْمِ النَّائِمِ قَدْ تَعْقُبُهُ إِفَاقَةٌ وَقَدْ يَمُوتُ النَّائِمُ فِي نَوْمِهِ، وَهَذَا تَهْوِينٌ عَلَى نَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ بِرَجَاءِ إِيمَانِ كَثِيرٍ مِمَّنْ هُمْ يَوْمَئِذٍ فِي ضَلَالٍ وَشِرْكٍ كَمَا تَحَقَّقَ ذَلِكَ. فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ تَعْلِيلًا لِلْجُمْلَةِ قَبْلَهَا وَلَهَا اتِّصَالٌ بِقَوْلِهِ: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ إِلَى قَوْلِهِ: فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الزمر: ٢٢] .
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ انْتِقَالًا إِلَى اسْتِدْلَالٍ عَلَى تَفَرُّدِ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّصَرُّفِ فِي الْأَحْوَالِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ دَلِيلَ التَّصَرُّفِ بِخَلْقِ الذَّوَاتِ ابْتِدَاءً مِنْ قَوْلِهِ: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِلَى قَوْلِهِ: فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ [الزمر: ٥، ٦] ، ثُمَّ دَلِيلَ التَّصَرُّفِ بِخَلْقِ أَحْوَالِ ذَوَاتٍ وَإِنْشَاءِ ذَوَاتٍ مِنْ تِلْكَ الْأَحْوَالِ وَذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ إِلَى قَوْلِهِ: لِأُولِي الْأَلْبابِ [الزمر: ٢١] وَأَعْقَبَ كُلَّ دَلِيلٍ بِمَا يَظْهَرُ فِيهِ أَثَرُهُ مِنَ الْمَوْعِظَةِ وَالْعِبْرَةِ وَالزَّجْرُ عَنْ مُخَالَفَةِ مُقْتَضَاهُ، فَانْتَقَلَ هُنَا إِلَى الِاسْتِدْلَالِ بِحَالَةٍ عَجِيبَةٍ مِنْ أَحْوَالِ أَنْفُسِ الْمَخْلُوقَاتِ وَهِيَ حَالَةُ الْمَوْتِ وَحَالَةُ النَّوْمِ. وَقَدْ أَنْبَأَ عَنْ الِاسْتِدْلَالِ قَوْلُهُ: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، فَهَذَا دَلِيلٌ لِلنَّاسِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، قَالَ تَعَالَى: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات: ٢١] وَقَالَ: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ [الرّوم: ٢٨] ، فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا لِلتَّدَرُّجِ فِي الِاسْتِدْلَالِ وَلَهَا اتِّصَالٌ بِجُمْلَةِ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَجُمْلَةِ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ، وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ أَفَادَتِ الْآيَةُ إِبْرَازَ حَقِيقَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ نَوَامِيسِ الْحَيَاتَيْنِ النَّفْسِيَّةِ وَالْجَسَدِيَّةِ وَتَقْدِيمُ اسْمِ الْجَلَالَةِ عَلَى الْخَبَرِ الْفِعْلِيِّ لِإِفَادَةِ تَخْصِيصِهِ بِمَضْمُونِ الْخَبَرِ، أَيِ اللَّهُ يَتَوَفَّى لَا غَيْرُهُ فَهُوَ قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ لِإِظْهَارِ فَسَادِ أَنْ أَشْرَكُوا
стр. 8162
بِهِ آلِهَةً لَا تَمْلِكُ تَصَرُّفًا فِي أَحْوَالِ النَّاسِ.
وَالتَّوَفِّي: الْإِمَاتَةُ، وُسُمِّيَتْ تَوَفِّيًا لِأَنَّ اللَّهَ إِذَا أَمَاتَ أَحَدًا فَقَدْ توفّاه أَجله فَالله الْمُتَوَفِّي وَمَلَكُ الْمَوْتِ مُتَوَفٍّ أَيْضًا لِأَنَّهُ مُبَاشِرُ التَّوَفِّي.
وَالْمَيِّتُ: مُتَوَفَّى بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ، وَشَاعَ ذَلِكَ فَصَارَ التَّوَفِّي مُرَادِفًا لِلْإِمَاتَةِ وَالْوَفَاةُ مُرَادِفَةٌ لِلْمَوْتِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَيْفِيَّةِ تَصْرِيفِ ذَلِكَ وَاشْتِقَاقِهِ من مَادَّة الْوَفَاء.
وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٣٤] : وَقَوْلِهِ:
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ فِي سُورَةِ السَّجْدَةِ [١١] .
وَالْأَنْفُسُ: جَمْعُ نَفْسٍ، وَهِيَ الشَّخْصُ وَالذَّاتُ قَالَ تَعَالَى: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ وَتُطْلَقُ عَلَى الرُّوحِ الَّذِي بِهِ الْحَيَاةُ وَالْإِدْرَاكُ.
وَمَعْنَى التَّوَفِّي يَتَعَلَّقُ بِالْأَنْفُسِ عَلَى كِلَا الْإِطْلَاقَيْنِ. وَالْمَعْنَى: يَتَوَفَّى النَّاسَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ فَإِنَّ الَّذِي يُوصَفُ بِالْمَوْتِ هُوَ الذَّاتُ لَا الرُّوحُ وَأَنَّ تَوَفِّيهَا سَلْبُ الْأَرْوَاحِ عَنْهَا.
وَقَوْلُهُ: وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ عَطْفٌ عَلَى الْأَنْفُسِ بِاعْتِبَارِ قَيْدِ حِينَ مَوْتِها لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْوَصْفِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ الَّتِي تَمُوتُ فِي حَالَةِ نَوْمِهَا، وَالْأَنْفُسَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي نَوْمِهَا فَأَفَاقَتْ. وَيَتَعَلَّقُ فِي مَنامِها بِقَوْلِهِ: يَتَوَفَّى، أَيْ وَيَتَوَفَّى أَنْفُسًا لَمْ تَمُتْ يَتَوَفَّاهَا فِي مَنَامِهَا كُلَّ يَوْمٍ، فَعَلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِتَوَفِّيهَا هُوَ مَنَامُهَا، وَهَذَا جَارٍ عَلَى وَجْهِ التَّشْبِيهِ بِحَسَبِ عُرْفِ اللُّغَةِ إِذْ لَا يُطْلَقُ عَلَى النَّائِمِ مَيِّتَ وَلَا مُتَوَفَّى. وَهُوَ تَشْبِيهٌ نُحِّيَ بِهِ مَنْحَى التَّنْبِيهِ إِلَى حَقِيقَةٍ عِلْمِيَّةٍ فَإِنَّ حَالَةَ النَّوْمِ حَالَةُ انْقِطَاعِ أَهَمِّ فَوَائِدِ الْحَيَاةِ عَنِ الْجَسَدِ وَهِيَ الْإِدْرَاكُ سِوَى أَنَّ أَعْضَاءَهُ الرَّئِيسِيَّةَ لَمْ تَفْقِدْ صَلَاحِيَتَهَا لِلْعَوْدَةِ إِلَى أَعْمَالِهَا حِينَ الْهُبُوبِ مِنَ النَّوْمِ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ
стр. 8163
وَالْفَاءُ فِي فَيُمْسِكُ فَاءُ الْفَصِيحَةِ لِأَنَّ مَا تقدم يَقْتَضِي مُقَدرا يُفْصِحُ عَنْهُ الْفَاءُ لِبَيَانِ تَوَفِّي النُّفُوسِ فِي الْمَقَامِ.
وَالْإِمْسَاكُ: الشَّدُّ بِالْيَدِ وَعَدَمُ تَسْلِيمِ الْمَشْدُودِ. وَالْمَعْنَى: فَيُبْقِي وَلَا يَرُدُّ النَّفْسَ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا بِالْمَوْتِ، أَيْ يَمْنَعُهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَى الْحَيَاةِ فَإِطْلَاقُ الْإِمْسَاكِ عَلَى بَقَاءِ حَالَةِ الْمَوْتِ تَمْثِيلٌ لِدَوَامِ تِلْكَ الْحَالَةِ. وَمِنْ لَطَائِفِهِ أَنَّ أَهْلَ الْمَيِّتِ يَتَمَنَّوْنَ عَوْدَ مَيِّتِهِمْ لَوْ وَجَدُوا إِلَى عُودِهِ سَبِيلًا وَلَكِنَّ اللَّهَ لَمْ يَسْمَحْ لِنَفْسٍ مَاتَتْ أَنْ تَعُودَ إِلَى الْحَيَاةِ.
وَالْإِرْسَالُ: الْإِطْلَاقُ وَالتَّمْكِينُ مِنْ مُبَارَحَةِ الْمَكَانِ لِلرُّجُوعِ إِلَى مَا كَانَ وَالْمُرَادُ بِ الْأُخْرى الَّتِي لَمْ تَمُتْ وَلَكِنَّ اللَّهَ جَعَلَهَا بِمَنْزِلَةِ الْمَيْتَةِ. وَالْمَعْنَى: يَرُدُّ إِلَيْهَا الْحَيَاةَ كَامِلَةً. وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا إِبْرَازُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْوَفَاتَيْنِ.
وَيَتَعَلَّقُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى بِفِعْلِ يُرْسِلُ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى يَرُدُّ الْحَيَاةَ إِلَيْهَا، أَيْ فَلَا يَسْلُبُهَا الْحَيَاةَ كُلَّهَا إِلَّا فِي أَجَلِهَا الْمُسَمَّى، أَيِ الْمُعَيَّنِ لَهَا فِي تَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالتَّسْمِيَةُ: التَّعْيِينُ، وَتَقَدَّمَتْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٨٢] .
هَذَا هُوَ الْوَجْهُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ الْخَلِيُّ عَنِ التَّكَلُّفَاتِ وَعَنِ ارْتِكَابِ شِبْهِ الِاسْتِخْدَامِ فِي قَوْلِهِ: الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى وَعَنِ التَّقْدِيرِ.
وَجُمْلَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ مُسْتَأْنَفَةٌ كَمَا تَذْكُرُ النَّتِيجَةَ عَقِبَ الدَّلِيلِ، أَيْ أَنَّ فِي حَالَةِ الْإِمَاتَةِ وَالْإِنَامَةِ دَلَائِلَ عَلَى انْفِرَادِ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّصَرُّفِ وَأَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ دُونَ غَيْرِهِ وَأَنْ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ الْإِخْبَارَ بِاخْتِلَافِ حَالَتَيِ الْمَوْتِ وَالنَّوْمِ بَلِ الْمَقْصُودُ التَّفَكُّرُ وَالنَّظَرُ فِي مَضْرِبِ الْمَثَلِ، وَفِي دَقَائِقِ صُنْعِ اللَّهِ وَالتَّذْكِيرُ بِمَا تَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنْ دَقَائِقِ الْحِكْمَةِ الَّتِي تَمُرُّ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ كُلَّ يَوْمٍ فِي
стр. 8164
نَفْسِهِ، وَتَمُرُّ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فِي آلِهِمْ وَفِي عَشَائِرِهِمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ عَمَّا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكَمِ وَبَدِيعِ الصُّنْعِ.
وَجَعَلَ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ آيَاتٍ كَثِيرَةً لِأَنَّهُمَا حَالَتَانِ عَجِيبَتَانِ ثُمَّ فِي كُلِّ حَالَةٍ تَصَرُّفٌ يُغَايِرُ التَّصَرُّفَ الَّذِي فِي الْأُخْرَى، فَفِي حَالَةِ الْمَوْتِ سَلْبُ الْحَيَاةِ عَنِ الْجِسْمِ وَبَقَاءُ الْجِسْمِ كَالْجَمَادِ وَمَنْعٌ مِنْ أَنْ تَعُودَ إِلَيْهِ الْحَيَاةُ وَفِي حَالَةِ النَّوْمِ سَلْبُ بَعْضِ الْحَيَاةِ عَنِ الْجِسْمِ حَتَّى يَكُونَ كَالْمَيِّتِ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ثُمَّ مَنْحُ الْحَيَاةِ أَنْ تَعُودَ إِلَيْهِ دَوَالَيْكَ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ إِبَّانُ سَلْبِهَا عَنْهُ سلبا مستمرا.
و (الْآيَات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) حَاصِلَةٌ عَلَى كُلٍّ مِنْ إِرَادَةِ التَّمْثِيل وَإِرَادَة اسْتِدْلَال عَلَى الِانْفِرَادِ بِالتَّصَرُّفِ. وَتَأْكِيدُ الْخَبَرِ بِ إِنَّ لِتَنْزِيلِ مُعْظَمِ النَّاسِ مَنْزِلَةَ الْمُنْكِرِ لِتِلْكَ الْآيَاتِ لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ فِي أَحْوَالِهِمْ عَلَى مُقْتَضَى مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ.
وَالتَّفَكُّرُ: تَكَلُّفُ الْفِكْرَةِ، وَهُوَ مُعَالَجَةُ الْفِكْرِ وَمُعَاوَدَةُ التَّدَبُّرِ فِي دَلَالَةِ الْأَدِلَّةِ عَلَى الْحَقَائِقِ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ بِبِنَاءِ الْفِعْلِ لِلْفَاعِلِ وَنَصْبِ الْمَوْتِ. وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ بِبِنَاءِ الْفِعْلِ لِلنَّائِبِ وَبِرَفْعِ الْمَوْتِ وَهُوَ عَلَى مُرَاعَاةِ نَزْعِ الْخَافِضِ. وَالتَّقْدِيرُ: قُضِيَ عَلَيْهَا بِالْمَوْتِ، فَلَمَّا حُذِفَ الْخَافِضُ صَارَ الِاسْمُ الَّذِي كَانَ مَجْرُورًا بِمَنْزِلَةِ الْمَفْعُولِ بِهِ فَجُعِلَ نَائِبًا عَنِ الْفَاعِلِ، أَوْ عَلَى تَضْمِينِ قَضى مَعْنَى كتب وَقدر.
[٤٣- ٤٤]
[سُورَة الزمر (٣٩) : الْآيَات ٤٣ إِلَى ٤٤]
أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)
أَمِ مُنْقَطِعَةٌ وَهِيَ لِلْإِضْرَابِ الِانْتِقَالِيِّ انْتِقَالًا مِنْ تَشْنِيعِ إِشْرَاكِهِمْ إِلَى إِبْطَالِ مَعَاذِيرِهِمْ فِي شِرْكِهِمْ، ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا دَمَغَتْهُمْ حُجَجُ الْقُرْآنِ بِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ
стр. 8165
شُرَكَاءُ تَمَحَّلُوا تَأْوِيلًا لِشِرْكِهِمْ فَقَالُوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [الزمر: ٣] كَمَا حُكِيَ عَنْهُمْ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَلَمَّا اسْتُوفِيَتِ الْحُجَجُ عَلَى إِبْطَالِ الشِّرْكِ أَقْبَلَ هُنَا عَلَى إِبْطَالِ تَأْوِيلِهِمْ مِنْهُ وَمَعْذِرَتِهِمْ. وَالِاسْتِفْهَامُ الَّذِي تُشْعِرُ بِهِ أَمِ فِي جَمِيعِ مَوَاقِعِهَا هُوَ هُنَا لِلْإِنْكَارِ بِمَعْنَى أَنَّ تَأْوِيَلَهُمْ وَعُذْرَهُمْ مُنْكَرٌ كَمَا كَانَ الْمُعْتَذَرُ عَنْهُ مُنْكَرًا فَلَمْ يَقْضُوا بِهَذِهِ الْمَعْذِرَةِ وَطَرًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ بَيَانُ مُرَادِهِمْ بِكَوْنِهِمْ شُفَعَاءَ.
وَأَمْرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأَنْ يَقُولَ لَهُمْ مَقَالَةً تَقْطَعُ بُهْتَانَهُمْ وَهِيَ أَوَلَوْ كانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ.
فَالْوَاوُ فِي أَوَلَوْ كانُوا عَاطِفَةٌ كَلَامَ الْمُجِيبِ عَلَى كَلَامِهِمْ وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ مَا سُمِّيَ بِعَطْفِ التَّلْقِينِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٢٤] ، وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْوَاوَ لِلْحَالِ كَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِي نَظِيرِهِ. وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: وَلَوِ افْتَدى بِهِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [٩١] . وَصَاحِبُ الْحَالِ مُقَدَّرٌ دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ: اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ. وَالتَّقْدِيرُ: أَيَشْفَعُونَ لَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا. وَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَ تَصْدِيرِ الِاسْتِفْهَامِ قَبْلَ وَاوِ الْحَالِ كَحُكْمِ تَصْدِيرِهِ قَبْلَ وَاوِ الْعَطْفِ.
وَأَفَادَ تَنْكِيرُ شَيْئاً فِي سِيَاقِ النَّفْيِ عُمُومَ كُلِّ مَا يُمْلَكُ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِهِ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الشَّفَاعَةِ. وَلَمَّا كَانَتِ الشَّفَاعَةُ أَمْرًا مَعْنَوِيًّا كَانَ مَعْنَى مِلْكِهَا تَحْصِيلُ إِجَابَتِهَا، وَالْكَلَامُ تَهَكُّمٌ إِذْ كَيْفَ يَشْفَعُ مَنْ لَا يَعْقِلُ فَإِنَّهُ لِعَدَمِ عَقْلِهِ لَا يُتَصَوَّرُ خُطُورُ مَعْنَى الشَّفَاعَةِ عِنْدَهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ تَتَوَجَّهَ إِرَادَتُهُ إِلَى الِاسْتِشْفَاعِ فَاتِّخَاذُهُمْ شُفَعَاءَ مِنَ الْحَمَاقَةِ.
وَلَمَّا نَفَى أَنْ يَكُونَ لِأَصْنَامِهِمْ شَيْءٌ مِنَ الشَّفَاعَةِ فِي عُمُومِ نَفْيِ مِلْكِ شَيْءٍ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ عَنِ الْأَصْنَامِ، قُوبِلَ بِقَوْلِهِ: لِلَّهِ الشَّفاعَةُ أَيِ الشَّفَاعَةُ كُلُّهَا لِلَّهِ. وَأُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِأَنْ يَقُولَ ذَلِكَ لَهُمْ لِيَعْلَمُوا أَنْ لَا يَمْلِكَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا اللَّهُ، أَيْ هُوَ مَالِكُ إِجَابَةِ شَفَاعَةِ الشُّفَعَاءِ الْحَقِّ.
стр. 8166
وَتَقْدِيمُ الْخَبَرِ الْمَجْرُورِ وَهُوَ لِلَّهِ عَلَى الْمُبْتَدَأِ لِإِفَادَةِ الْحَصْرِ.
وَاللَّامُ لِلْمِلْكِ، أَيْ قَصْرِ مِلْكِ الشَّفَاعَةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ الشَّفَاعَةَ عِنْدَهُ.
وجَمِيعاً حَالٌ مِنَ الشَّفَاعَةِ مُفِيدَةٌ لِلِاسْتِغْرَاقِ، أَيْ لَا يَشِذُّ جُزْئِيٌّ مِنْ جُزْئِيَّاتِ حَقِيقَةِ الشَّفَاعَةِ عَنْ كَوْنِهِ مِلْكًا لِلَّهِ وَقَدْ تَأَكَّدَ بِلَازِمِ هَذِهِ لِحَالِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَصْرُ مِنِ انْتِفَاءِ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ الشَّفَاعَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ.
وَجُمْلَةُ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لِتَعْمِيمِ انْفِرَادِ اللَّهِ بِالتَّصَرُّفِ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الشَّامِلِ لِلتَّصَرُّفِ فِي مُؤَاخَذَةِ الْمَخْلُوقَاتِ وَتَسْيِيرِ أُمُورِهِمْ فَمَوْقِعُهَا مَوْقِعُ التَّذْيِيلِ الْمُفِيدِ لِتَقْرِيرِ الْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ وَزِيَادَةٌ. وَالْمُرَادُ الْمُلْكُ بِالتَّصَرُّفِ بِالْخَلْقِ وَتَصْرِيفِ أَحْوَالِ الْعَالَمَيْنِ وَمَنْ فِيهِمَا، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْملك لَهُ فَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ صَرَفَهُ عَنْ أَمْرٍ أَرَادَ وُقُوعَهُ إِلَى ضِدِّ ذَلِكَ الْأَمْرِ فِي مُدَّةِ وُجُودِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَهَذَا إِبْطَالٌ لِأَنْ تَكُونَ لِآلِهَتِهِمْ شَفَاعَةٌ لَهُمْ فِي أَحْوَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا. وَعُطِفَ عَلَيْهِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ لِلْإِشَارَةِ إِلَى إِثْبَاتِ الْبَعْثِ وَإِلَى أَنَّهُ لَا يَشْفَعُ أَحَدٌ عِنْدَ اللَّهِ بَعْدَ الْحَشْرِ إِلَّا مَنْ أَذِنَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ.
وثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ كَشَأْنِهَا فِي عَطْفِ الْجُمَلِ، ذَلِكَ لِأَنَّ مَضْمُونَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَنَّ لِلَّهِ مُلْكَ الْآخِرَةِ كَمَا كَانَ لَهُ مُلْكُ الدُّنْيَا وَمُلْكُ الْآخِرَةِ أَعْظَمُ لِسَعَةِ مَمْلُوكَاتِهِ وَبَقَائِهَا. وَتَقْدِيمُ إِلَيْهِ عَلَى تُرْجَعُونَ لِلِاهْتِمَامِ وَالتَّقَوِّي وَلِلرِّعَايَةِ على الفاصلة.
[٤٥]
[سُورَة الزمر (٣٩) : آيَة ٤٥]
وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)
عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ [الزمر: ٤٣] لِإِظْهَارِ تَنَاقُضِهِمْ فِي أَقْوَالِهِمُ الْمُشْعِرِ بِأَنَّ مَا يَقُولُونَهُ أَقْضِيَةٌ سُفُسْطَائِيَّةٌ يَقُولُونَهَا لِلتَّنَصُّلِ مِنْ دَمَغَاتِ الْحُجَجِ الَّتِي جَبَهَهُمْ بِهَا الْقُرْآنُ، فَإِنَّهُمْ يَعْتَذِرُونَ تَارَةً عَلَى إِشْرَاكِهِمْ بِأَنَّ شُرَكَاءَهُمْ شُفَعَاءُ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ.
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ إِلَهُهُمْ وَإِلَهُ شُرَكَائِهِمْ، ثُمَّ
стр. 8167
إِذَا ذَكَرَ النَّبِيءُ ﷺ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ أَوْ ذَكَرَ الْمُسْلِمُونَ كَلِمَةَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوب الْمُشْركين من ذَلِك. وَكَذَلِكَ إِذا ذكر الله بِأَنَّهُ إِلَه النَّاس وَلم يذكر مَعَ ذكره أَن أصنامهم شُرَكَاء لله اشمأزت قُلُوبُهُمْ مِنَ الِاقْتِصَارِ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ فَلَا يَرْضَوْنَ بِالسُّكُوتِ عَنْ وَصْفِ أَصْنَامِهِمْ بِالْإِلَهِيَّةِ وَذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِأَنَّهُمْ يُسَوُّونَهَا بِاللَّهِ تَعَالَى.
فَقَوْلُهُ: وَحْدَهُ لَكَ أَنْ تَجْعَلَهُ حَالًا مِنِ اسْمِ الْجَلَالَةِ وَمَعْنَاهُ مُنْفَرِدًا. وَيُقَدَّرُ فِي قَوْلِهِ: ذُكِرَ اللَّهُ معنى: ذكر بِوَصْفِ الْإِلَهِيَّةِ وَيَكُونُ مَعْنَى ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ ذُكِرَ تَفَرُّدُهُ بِالْإِلَهِيَّةِ. وَهَذَا جَارٍ عَلَى قَوْلِ يُونُسَ بْنِ حَبِيبٍ فِي وَحْدَهُ. وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَهُ مَصْدَرًا وَهُوَ قَوْلُ الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ، أَيْ هُوَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلِ ذُكِرَ لِبَيَانِ نَوْعِهِ، أَيْ ذِكْرًا وَحْدًا، أَيْ لَمْ يُذْكَرْ مَعَ اسْمِ اللَّهِ أَسْمَاءُ أَصْنَامِهِمْ. وَإِضَافَةُ الْمَصَدَرِ إِلَى ضَمِيرِ الْجَلَالَةِ لِاشْتِهَارِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ بِهَذَا الْوَحْدِ. وَهَذَا الذِّكْرُ هُوَ الَّذِي يَجْرِي فِي دَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ وَفِي الصَّلَوَاتِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَفِي مَجَامِعِ الْمُسْلِمِينَ.
وَمَعْنَى إِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا ذُكِرَتْ أَصْنَامُهُمْ بِوَصْفِ الْإِلَهِيَّةِ وَذَلِكَ حِينَ يَسْمَعُونَ أَقْوَالَ جَمَاعَةِ الْمُشْرِكِينَ فِي أَحَادِيثِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى، أَيْ وَلَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ مَعَهَا فَاسْتِبْشَارُهُمْ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى ذِكْرِ أَصْنَامِهِمْ مُؤْذِنٌ بِأَنَّهُمْ يُرَجِّحُونَ جَانِبَ الْأَصْنَامِ عَلَى جَانِبِ اللَّهِ تَعَالَى. وَالذِّكْرُ: هُوَ النُّطْقُ بِالِاسْمِ. وَالْمُرَادُ إِذَا ذَكَرَ الْمُسْلِمُونَ اسْمَ اللَّهِ اشْمَأَزَّ الْمُشْرِكُونَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا ذِكْرَ آلِهَتِهِمْ وَإِذَا ذَكَرَ الْمُشْرِكُونَ أَسْمَاءَ أَصْنَامِهِمُ اسْتَبْشَرَ الَّذِينَ يُسْمَعُونَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ. وَالتَّعْبِيرُ عَنْ آلِهَتِهِمْ بِ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ
دُونَ لَفْظِ:
شُرَكَائِهِمْ أَوْ شُفَعَائِهِمْ، لِلْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ عِلَّةَ اسْتِبْشَارِهِمْ بِذَلِكَ الذِّكْرِ هُوَ أَنَّهُ ذِكْرُ مَنْ هُمْ دُونَ اللَّهِ، أَيْ ذِكْرٌ مُنَاسِبٌ لِهَذِهِ الصِّلَةِ، أَيْ هُوَ ذكر خَالٍ عَنِ اسْمِ اللَّهِ، فَالْمَعْنَى: وَإِذَا ذُكِرَ شُرَكَاؤُهُمْ دُونَ ذِكْرِ اللَّهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ.
وَالِاقْتِصَارُ عَلَى التَّعَرُّضِ لِهَذَيْنِ الذِّكْرَيْنِ لِأَنَّهُمَا أَظْهَرُ فِي سُوءِ نَوَايَا الْمُشْرِكِينَ نَحْوَ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي بُطْلَانِ اعْتِذَارِهِمْ بِأَنَّهُمْ مَا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ إِلَّا لِيُقَرِّبُوهُمْ إِلَى اللَّهِ وَيَشْفَعُوا لَهُمْ عِنْدَهُ، فَأَمَّا الذِّكْرُ الَّذِي يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ وَأَسْمَاءُ آلِهَتِهِمْ كَقَوْلِهِمْ فِي
стр. 8168
التَّلْبِيَةِ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ، فَذَلِكَ ذِكْرٌ لَا مُنَاسَبَةَ لَهُ بِالْمَقَامِ.
وَذَكَرَ جَمْعٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ لِقَوْلِهِ: إِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ أَنَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى مَا يُرْوَى مِنْ قِصَّةِ الْغَرَانِيقِ، وَنُسِبَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ بِذَلِكَ إِلَى مُجَاهِدٍ، وَهُوَ بَعِيدٌ عَنْ سِيَاقِ الْآيَةِ. وَمِنَ الْبِنَاءِ عَلَى الْأَخْبَارِ الْمَوْضُوعَةِ فَلِلَّهِ دَرُّ مَنْ أَعْرَضُوا عَنْ ذِكْرِ ذَلِكَ.
وَالِاشْمِئْزَازُ: شِدَّةُ الْكَرَاهِيَةِ وَالنُّفُورِ، أَيْ كَرِهَتْ ذَلِكَ قُلُوبُهُمْ وَمَدَارِكُهُمْ.
وَالِاسْتِبْشَارُ: شِدَّةُ الْفَرَحِ حَتَّى يَظْهَرَ أَثَرُ ذَلِكَ عَلَى بَشْرَةِ الْوَجْهِ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ:
وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ [٦٧] .
وَمُقَابَلَةُ الِاشْمِئْزَازِ بِالِاسْتِبْشَارِ مُطَابَقَةٌ كَامِلَةٌ لِأَنَّ الِاشْمِئْزَازَ غَايَةُ الْكَرَاهِيَةِ وَالِاسْتِبْشَارُ غَايَةُ الْفَرَحِ.
وَالتَّعْبِيرُ عَنِ الْمُشْرِكِينَ بِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لِأَنَّهُمْ عُرِفُوا بِهَذِهِ الصِّلَةِ بَيْنَ النَّاسِ مَعَ قَصْدِ إِعَادَةِ تَذْكِيرِهِمْ بِوُقُوعِ الْقِيَامَةِ.
وإِذا الْأُولَى وإِذا الثَّانِيَةُ ظَرْفَانِ مُضَمَّنَانِ مَعْنَى الشَّرْطِ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ.
وإِذا الثَّالِثَةُ لِلْمُفَاجَأَةِ لِلدَّلَالَةِ على أَنهم يعاجلهم الِاسْتِبْشَارُ حِينَئِذٍ مِنْ فَرْطِ حُبِّهِمْ آلِهَتَهُمْ.
وَلِذَلِكَ جِيءَ بِالْمُضَارِعِ فِي يَسْتَبْشِرُونَ دُونَ أَنْ يُقَالَ: مُسْتَبْشِرُونَ، لِإِفَادَةِ تجدّد استبشارهم.
[٤٦]
[سُورَة الزمر (٣٩) : آيَة ٤٦]
قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي مَا كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦)
لَمَّا كَانَ أَكْثَرُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ السُّورَةِ مُشْعِرًا بِالِاخْتِلَافِ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَبِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ مُصَمِّمُونَ عَلَى بَاطِلِهِمْ عَلَى مَا غَمَرَهُمْ مِنْ حُجَجِ الْحَقِّ دُونَ إِغْنَاءِ الْآيَاتِ وَالتَّدَبُّرِ عَنْهُمْ أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ عَقِبَ ذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ هَذَا
стр. 8169
الْقَوْلَ تَنْفِيسًا عَنْهُ مِنْ كَدْرِ الْأَسَى عَلَى قَوْمِهِ، وَإِعْذَارًا لَهُمْ بِالنِّذَارَةِ، وَإِشْعَارًا لَهُمْ بِأَنَّ الْحَقَّ فِي جَانِبِهِمْ مُضَاعٌ، وَأَنَّ الْأَجْدَرَ بِالرَّسُولِ ﷺ مُتَارِكَتُهُمْ وَأَنْ يُفَوِّضَ الْحُكْمَ فِي خِلَافِهِمْ إِلَى اللَّهِ. وَفِي هَذَا التَّفْوِيضِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الَّذِي فَوَّضَ أَمْرَهُ إِلَى اللَّهِ هُوَ الْوَاثِقُ بِحَقِيَّةِ دِينِهِ الْمُطْمَئِنُّ بِأَنَّ التَّحْكِيمَ يُظْهِرُ حَقَّهُ وَبَاطِلَ خَصْمِهِ.
وَابْتُدِئَ خِطَابُ الرَّسُولِ ﷺ رَبَّهُ بِالنِّدَاءِ لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ تَوْجِيهٍ وَتَحَاكُمٍ. وَإِجْرَاءُ الْوَصْفَيْنِ عَلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ لِمَا فِيهِمَا مِنَ الْمُنَاسَبَةِ بِخُضُوعِ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ لِحُكْمِهِ وَشُمُولِ عِلْمِهِ لِدَخَائِلِهِمْ مِنْ مُحِقٍّ وَمُبْطِلٍ.
وَالْفَاطِرُ: الْخَالِقُ، وَفَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَاطِرٌ لِمَا تَحْتَوِي عَلَيْهِ. وَوَصْفُ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مُشْعِرٌ بِصِفَةِ الْقُدْرَةِ، وَتَقْدِيمُهُ قَبْلَ وَصْفِ الْعِلْمِ لِأَنَّ شُعُورَ النَّاسِ بِقُدْرَتِهِ سَابِقٌ عَلَى شُعُورِهِمْ بِعِلْمِهِ، وَلِأَنَّ الْقُدْرَةَ أَشَدُّ مُنَاسَبَةً لِطَلَبِ الْحُكْمِ لِأَنَّ الْحُكْمَ إِلْزَامٌ وَقَهْرٌ فَهُوَ مِنْ آثَارِ الْقُدْرَةِ مُبَاشَرَةً.
وَالْغَيْبُ: مَا خَفِيَ وَغَابَ عَنْ عِلْمِ النَّاسِ، وَالشَّهَادَةُ: مَا يَعْلَمُهُ النَّاسُ مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ الْإِحْسَاسِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْعُلُومِ.
وَالْعُدُولُ عَنِ الْإِضْمَارِ إِلَى الِاسْمِ الظَّاهِرِ فِي قَوْلِهِ: بَيْنَ عِبادِكَ دُونَ أَنْ يَقُولَ:
بَيْنَنَا، لِمَا فِي عِبادِكَ مِنَ الْعُمُومِ لِأَنَّهُ جَمْعٌ مُضَافٌ فَيَشْمَلُ الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ فِي قَضِيَّتِهِمْ هَذِهِ وَالْحُكْمَ بَيْنَ كُلِّ مُخْتَلِفِينَ لِأَنَّ التَّعْمِيمَ أَنْسَبُ بِالدُّعَاءِ وَالْمُبَاهَلَةِ.
وَجُمْلَةُ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي الدُّعَاءِ. وَالْمَعْنَى: احْكُمْ بَيْنَنَا.
وَفِي تَلْقِينِ هَذَا الدُّعَاءِ لِلنَّبِيءِ ﷺ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ الْفَاعِلُ الْحَقُّ. وَتَقْدِيمُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ عَلَى الْخَبَرِ الْفِعْلِيِّ فِي قَوْلِهِ: أَنْتَ تَحْكُمُ لِإِفَادَةِ الِاخْتِصَاصِ، أَيْ أَنْتَ لَا غَيْرُكَ. وَإِذْ لَمْ يَكُنْ فِي الْفَرِيقَيْنِ مَنْ يعْتَقد أَن غير اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ فِي مِثْلِ هَذَا الِاخْتِلَافِ فَيَكُونُ الرَّدُّ عَلَيْهِ بِمُفَادِ الْقَصْرِ، تَعَيَّنَ أَنَّ الْقَصْرَ مُسْتَعْمَلٌ كِنَايَةً تَلْوِيحِيَّةً
стр. 8170
عَنْ شِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ فِي الْعِنَادِ وَعَدَمِ
الْإِنْصَافِ وَالِانْصِيَاعِ إِلَى قَوَاطِعِ الْحُجَجِ، بِحَيْثُ إِنَّ مَنْ يَتَطَلَّبُ حَاكِمًا فِيهِمْ لَا يَجِدُ حَاكِمًا فِيهِمْ إِلَّا اللَّهَ تَعَالَى. وَهَذَا أَيْضا يؤمىء إِلَى الْعُذْرِ لِلرَّسُولِ ﷺ فِي قِيَامِهِ بِأَقْصَى مَا كُلِّفَ بِهِ لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ إِنَّمَا يَصْدُرُ عَمَّنْ بَذَلَ وُسْعَهُ فِيمَا وَجَبَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا لَقَّنَهُ رَبُّهُ أَنْ يَقُولَهُ كَانَ ذَلِكَ فِي مَعْنَى: أَنَّكَ أَبْلَغْتَ وَأَدَّيْتَ الرِّسَالَةَ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا مَا يَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لَا يُعْجِزُهَا الْأَلِدَّاءُ أَمْثَالُ قَوْمِكَ، وَفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ وَفِيهِ وَعِيدٌ لِلْمُعَانِدِينَ.
وَالْحُكْمُ يَصْدُقُ بِحُكْمِ الْآخِرَةِ وَهُوَ الْمُحَقَّقُ الَّذِي لَا يُخْلَفُ، وَيَشْمَلُ حُكْمَ الدُّنْيَا بِنَصْرِ الْمُحِقِّ عَلَى الْمُبْطِلِ إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُعَجِّلَ بَعْضَ حُكْمِهِ بِأَنْ يُعَجِّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ فِي الدُّنْيَا.
وَالْإِتْيَانُ بِفِعْلِ الْكَوْنِ صِلَةٌ لِ مَا الْمَوْصُولَةِ لِيَدُلَّ عَلَى تَحَقُّقِ الِاخْتِلَافِ، وَكَوْنُ خَبَرِ (كَانَ) مُضَارِعًا تَعْرِيضٌ بِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ مُتَجَدِّدٌ إِذْ لَا طَمَاعِيَةَ فِي ارْعِوَاءِ الْمُشْرِكِينَ عَنْ بَاطِلِهِمْ.
وَتَقْدِيمُ فِيهِ عَلَى يَخْتَلِفُونَ لِلرِّعَايَةِ عَلَى الْفَاصِلَةِ مَعَ الِاهْتِمَامِ بِالْأَمْرِ الْمُخْتَلف فِيهِ.
[٤٧- ٤٨]
[سُورَة الزمر (٣٩) : الْآيَات ٤٧ إِلَى ٤٨]
وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤٨)
عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الزمر: ٤٦] إِلَخْ لِأَنَّهَا تُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْحَقَّ فِي جَانِبِ النَّبِيءِ ﷺ وَهُوَ الَّذِي دَعَا رَبَّهُ لِلْمُحَاكَمَةِ، وَأَنَّ الْحُكْمَ سَيَكُونُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَأَعْقَبَ ذَلِكَ بِتَهْوِيلِ مَا سَيَكُونُ بِهِ الْحُكْمُ بِأَنَّهُ لَوْ وَجَدَ الْمُشْرِكُونَ فِدْيَةً مِنْهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ لَافْتَدَوْا بِهَا.
стр. 8171
وَ (مَا فِي الْأَرْضِ) يَشْمَلُ كل عَزِيز عَلَيْهِم مِنْ أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ بَلْ وَأَنْفُسِهِمْ فَهُوَ أَهْوَنُ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَالْمَعْنَى: لَوْ أَنَّ ذَلِكَ مِلْكٌ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَافْتَدَوْا بِهِ يَوْمَئِذٍ. وَوَجْهُ التَّهْوِيلِ فِي ذَلِكَ هُوَ مَا يَسْتَلْزِمُهُ مِلْكُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنَ الشُّحِّ بِهَا فِي مُتَعَارَفِ النُّفُوسِ، فَالْكَلَامُ تَمْثِيلٌ لِحَالِهِمْ فِي شِدَّةِ الدَّرْكِ وَالشَّقَاءِ بِحَالِ مَنْ لَوْ كَانَ لَهُ مَا ذُكِرَ لِبَذَلَهُ فِدْيَةً مِنْ ذَلِكَ الْعَذَابِ، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذَا فِي سُورَةِ الْعُقُودِ. وَتَضَمَّنَ حَرْفُ الشَّرْطِ أَنَّ كَوْنَ مَا فِي الْأَرْضِ لَهُمْ مُنْتَفٍ، فَأَفَادَ أَنْ لَا فِدَاءَ لَهُمْ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ وَهُوَ تَأْيِيسٌ لَهُمْ.
ومِنْ فِي قَوْلِهِ: مِنْ سُوءِ الْعَذابِ بِمَعْنَى لَامِ التَّعْلِيلِ، أَيْ لَافْتَدَوْا بِهِ لأجل الْعَذَاب السيّء الَّذِي شَاهَدُوهُ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلْبَدَلِ، أَيْ بَدَلًا عَنْ سُوءِ الْعَذابِ.
وَعُطِفَ عَلَى هَذَا التَّأْيِيسِ تَهْوِيلٌ آخَرُ فِي عِظَمِ مَا يَنَالُهُمْ مِنَ الْعَذَابِ وَهُوَ مَا فِي الْمَوْصُولِ مِنْ قَوْلِهِ: مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ مِنَ الْإِيهَامِ الَّذِي تَذْهَبُ فِيهِ نَفْسُ السَّامِعِ إِلَى كُلِّ تَصْوِيرٍ مِنَ الشِّدَّةِ. وَيَجُوزُ جَعْلُ الْوَاوِ لِلْحَالِ، أَيْ لَافْتَدَوْا بِهِ فِي حَالِ ظُهُورِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ.
ومِنَ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِ بَدا. ومِنْ ابْتِدَائِيَّةٌ، أَيْ ظَهَرَ لَهُمْ مِمَّا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمُ الَّذِي لَمْ يَكُونُوا يَظُنُّونَهُ.
وَالِاحْتِسَابُ: مُبَالَغَةٌ فِي الْحِسَابِ بِمَعْنَى الظَّنِّ مِثْلَ: اقْتَرَبَ بِمَعْنَى قَرُبَ. وَالْمَعْنَى:
مَا لَمْ يَكُونُوا يَظُنُّونَهُ وَذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مُتَجَاوِزًا أَقْصَى مَا يَتَخَيَّلُهُ الْمُتَخَيَّلُ حِينَ يَسْمَعُ أَوْصَافَهُ، فَلَا الْتِفَاتَ فِي هَذِهِ الْكِنَايَةِ إِلَى كَوْنِهِمْ كَانُوا مُكَذِّبِينَ بِالْبَعْثِ فَلَمْ يَكُنْ يَخْطُرُ بِبَالِهِمْ، وَنَظِير هَذَا فِي الْوَعْدِ بِالْخَبَرِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السَّجْدَة: ١٧] .
وسَيِّئاتُ جَمْعُ سَيِّئَةٍ، وَهُوَ وَصْفٌ أُضِيفَ إِلَى مَوْصُوفِهِ وَهُوَ الْمَوْصُولُ مَا كَسَبُوا أَيْ مَكْسُوبَاتِهِمُ السَّيِّئَاتِ. وَتَأْنِيثُهَا بِاعْتِبَارِ شُهْرَةِ إِطْلَاقِ السَّيِّئَةِ عَلَى
стр. 8172
الْفِعْلَةِ وَإِنْ كَانَ فِيمَا كَسَبُوهُ مَا هُوَ مِنْ فَاسِدِ الِاعْتِقَادِ كَاعْتِقَادِ الشُّرَكَاءِ لِلَّهِ وَإِضْمَارِ الْبُغْضِ لِلرَّسُولِ وَالصَّالِحِينَ وَالْأَحْقَادِ وَالتَّحَاسُدِ فَجَرَى تَأْنِيثُ الْوَصْفِ عَلَى تَغْلِيبِ السَّيِّئَاتِ الْعَمَلِيَّةِ مِثْلَ الْغَصْبِ وَالْقَتْلِ وَالْفَوَاحِشِ تَغْلِيبًا لَفْظِيًّا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ.
وَأُوثِرَ فِعْلُ كَسَبُوا عَلَى فِعْلِ: عَمِلُوا، لِقَطْعِ تَبَرُّمِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ بِتَسْجِيلِ أَنَّهُمُ اكْتَسَبُوا أَسْبَابَهُ بِأَنْفُسِهِمْ، كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا فِي قَوْلِهِ: وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ [الزمر: ٢٤] دون: تَعْمَلُونَ.
وَالْحَوْقُ: الْإِحَاطَةُ، أَيْ أَحَاطَ بِهِمْ فَلَمْ يَنْفَلِتُوا مِنْهُ، وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي اشْتِقَاقِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [١٠] .
وَمَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ هُوَ عَذَابُ الْآخِرَةِ، أَيْ يَسْتَهْزِئُونَ بِذِكْرِهِ تَنْزِيلًا للعقاب منزلَة مستهزء بِهِ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ اسْتِعَارَةً مَكْنِيَّةً. وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْبَاءَ لِلسَّبَبِيَّةِ وَتجْعَل مُتَعَلق يَسْتَهْزِؤُنَ مَحْذُوفًا، أَيْ يَسْتَهْزِئُونَ بِالنَّبِيءِ ﷺ بِسَبَبِ ذِكْرِهِ الْعَذَابَ.
وَتَقْدِيمُ بِهِ على يَسْتَهْزِؤُنَ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ وَلِلرِّعَايَةِ على الفاصلة.
[٤٩]
[سُورَة الزمر (٣٩) : آيَة ٤٩]
فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٩)
الْفَاءُ لِتَفْرِيعِ هَذَا الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ: وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ [الزمر: ٤٥] الْآيَةَ وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ مُسَلْسَلٌ بَعْضُهُ مَعَ بَعْضٍ لِلْمُنَاسِبَاتِ.
وَتَفْرِيعُ مَا بَعْدَ الْفَاءِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ تَفْرِيعُ وَصْفِ بَعْضٍ مِنْ غَرَائِبِ أَحْوَالِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَهَلْ أَغْرَبُ مِنْ فَزَعِهِمْ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ بِالدُّعَاءِ إِذَا مَسَّهُمُ الضُّرُّ وَقَدْ كَانُوا يَشْمَئِزُّونَ مِنْ ذِكْرِ اسْمِهِ وَحْدَهُ فَهَذَا تَنَاقُضٌ مِنْ أَفْعَالِهِمْ وَتَعْكِيسٌ، فَإِنَّهُ تَسَبُّبُ
стр. 8173
حَدِيثٍ عَلَى حَدِيثٍ وَلَيْسَ تَسَبُّبًا عَلَى الْوُجُودِ. وَهَذِهِ النُّكْتَةُ هِيَ الْفَارِقَةُ بَيْنَ الْعَطْفِ بِالْفَاءِ هُنَا وَعَطْفِ نَظِيرِهَا بِالْوَاوِ فِي قَوْلِهِ أَوَّلَ السُّورَةِ وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ [الزمر: ٨] .
وَالْمَقْصُودُ بِالتَّفْرِيعِ هُوَ قَوْلُهُ: فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا، وَأَمَّا مَا بَعْدَهُ فَتَتْمِيمٌ وَاسْتِطْرَادٌ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي نَظِيرِ صَدْرِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي قَوْلِهِ: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ [الزمر: ٨] الْآيَةَ. وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِنْسَانِ كُلَّ مُشْرِكٍ فَالتَّعْرِيفُ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ، وَالْمُرَادُ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ وَهُمْ أَهْلُ الشِّرْكِ فَهُوَ لِلِاسْتِغْرَاقِ الْعُرْفِيِّ. وَالْمُخَالَفَةُ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ تَفَنُّنٌ وَلِئَلَّا تَخْلُو إِعَادَةُ الْآيَةِ مِنْ فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ كَمَا هُوَ عَادَةُ الْقُرْآنِ فِي الْقِصَصِ الْمُكَرَّرَةِ.
وَقَوْلُهُ: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ إِنَّما فِيهِ هِيَ الْكَلِمَةُ الْمُرَكَّبَةُ مِنْ (إِنَّ) الْكَافَّةِ الَّتِي تَصِيرُ كَلِمَةً تَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ بِمَنْزِلَةِ (مَا) النَّافِيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا (إِلَّا) الِاسْتِثْنَائِيَّةُ. وَالْمَعْنَى: مَا أُوتِيتَ الَّذِي أُوتِيتَهُ مِنْ نِعْمَةٍ إِلَّا لِعِلْمٍ مِنِّي بِطُرُقِ اكْتِسَابِهِ. وَتَرْكِيزُ ضَمِيرِ الْغَائِبِ فِي قَوْلِهِ:
أُوتِيتُهُ عَائِدٌ إِلَى نِعْمَةً عَلَى تَأْوِيلِ حِكَايَةِ مَقَالَتِهِمْ بِأَنَّهَا صَادِرَةٌ مِنْهُمْ فِي حَالِ حُضُورِ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مِنْ أَنْوَاعِ النِّعَمِ فَهُوَ مِنْ عَوْدِ الضَّمِيرِ إِلَى ذَاتٍ مُشَاهَدَةٍ، فَالضَّمِيرُ بِمَنْزِلَةِ اسْمِ الْإِشَارَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ [الْأَحْقَاف: ٢٤] .
وَمَعْنَى قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ اعْتَقَدَ ذَلِكَ فَجَرَى فِي أَقْوَالِهِ إِذِ الْقَوْلُ عَلَى وَفْقِ الِاعْتِقَادِ. وعَلى لِلتَّعْلِيلِ، أَيْ لِأَجْلِ عِلْمٍ، أَيْ بِسَبَبِ عِلْمٍ. وَخُولِفَ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ وَبَيْنَ آيَةِ سُورَةِ الْقَصَصِ [٧٨] فِي قَوْلِهِ: عَلى عِلْمٍ عِنْدِي فَلَمْ يُذْكَرْ هُنَا عِنْدِي لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِلْمِ هُنَا مُجَرَّدُ الْفِطْنَةِ وَالتَّدْبِيرِ، وَأُرِيدَ هُنَالِكَ عِلْمُ صَوْغِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْكِيمْيَاءِ
الَّتِي اكْتَسَبَ بِهَا قَارُونُ مِنْ مَعْرِفَةِ تَدَابِيرِهَا مَالًا عَظِيمًا،
стр. 8174
وَهُوَ عِلْمٌ خَاصٌّ بِهِ، وَأَمَّا مَا هُنَا فَهُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يُوجَدُ فِي جَمِيعِ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ.
وَالْمُرَادُ: الْعِلْمُ بِطُرُقِ الْكَسْبِ وَدَفْعِ الضُّرِّ كَمَثَلِ حِيَلِ النُّوتِيِّ فِي هَوْلِ الْبَحْرِ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ إِذَا ذَكَّرَهُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ أَوْ أَحَدُ الْمُؤْمِنِينَ، وَبِذَلِكَ يَظْهَرُ مَوْقِعُ صِيغَةِ الْحَصْرِ لِأَنَّهُ قَصَدَ قَلْبَ كَلَامِ مَنْ يَقُولُ لَهُ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِهِ.
وبَلْ لِلْإِضْرَابِ الْإِبْطَالِيِّ وَهُوَ إِبْطَالٌ لِزَعْمِهِمْ أَنَّهُمْ أُوتُوا ذَلِكَ بِسَبَبِ عِلْمِهِمْ وَتَدْبِيرِهِمْ، أَيْ بَلْ إِنَّ الرَّحْمَةَ الَّتِي أُوتُوهَا إِنَّمَا آتَاهُمُ اللَّهُ إِيَّاهَا لِيُظْهِرَ لِلْأُمَمِ مِقْدَارَ شُكْرِهِمْ، أَيْ هِيَ دَالَّةٌ عَلَى حَالَةٍ فِيهِمْ تُشْبِهُ حَالَةَ الِاخْتِبَارِ لِمِقْدَارِ عِلْمِهِمْ بِاللَّهِ وَشُكْرِهِمْ إِيَّاهُ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ وَالنِّعْمَةَ بِهَا أَثَرٌ فِي الْمَنْعِ عَلَيْهِ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا وَاللَّهُ عَالِمٌ بِهِمْ وَغَنِيٌّ عَنِ اخْتِبَارِهِمْ.
وَضَمِيرُ هِيَ عَائِدٌ إِلَى الْقَوْلِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ قالَ عَلَى طَرِيقَةِ إِعَادَةِ الضَّمِيرِ عَلَى الْمَصْدَرِ الْمَأْخُوذِ مِنْ فِعْلٍ نَحْوَ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [الْمَائِدَة: ٨] ، وَإِنَّمَا أَنَّثَ ضَمِيرَهُ بِاعْتِبَارِ الْإِخْبَارِ عَنْهُ بِلَفْظِ فِتْنَةٌ، أَوْ عَلَى تَأْوِيلِ الْقَوْلِ بِالْكَلِمَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها [الْمُؤْمِنُونَ: ١٠٠] بَعْدَ قَوْلِهِ: قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ [الْمُؤْمِنُونَ: ٩٩، ١٠٠] وَالْمُرَادُ: أَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ سَبَبُ فِتْنَةٍ أَوْ مُسَبَّبٌ عَنْ فِتْنَةٍ فِي نُفُوسِهِمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عَائِدًا إِلَى نِعْمَةً.
وَالِاسْتِدْرَاكُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ناشىء عَنْ مَضْمُونِ جُمْلَةِ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ، أَيْ لَكِنْ لَا يَعْلَمُ أَكْثَرُ النَّاسِ وَمِنْهُمُ الْقَائِلُونَ، أَنَّهُمْ فِي فِتْنَةٍ بِمَا أُوتُوا مِنْ نِعْمَةٍ إِذَا كَانُوا مِثْلَ هَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ الزَّاعِمِينَ أَنَّ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ خَيْرٍ نَتِيجَةُ مَسَاعِيهِمْ وَحِيَلِهِمْ.
وَضَمِيرُ أَكْثَرَهُمْ عَائِدٌ إِلَى مَعْلُومٍ مِنَ الْمَقَامِ غَيْرِ مَذْكُورٍ فِي الْكَلَامِ إِذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ مَا يُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَعَادًا، وَالْمُرَادُ بِهِ النَّاسُ، أَيْ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ بَعْضَ مَا أُوتُوهُ مِنَ النِّعْمَةِ فِي الدُّنْيَا يَكُونُ لَهُمْ فِتْنَةً بِحَسَبِ مَا يَتَلَقَّوْنَهَا بِهِ مِنْ قِلَّةِ
стр. 8175
الشُّكْرِ وَمَا يُفْضِي إِلَى الْكُفْرِ، فَدَخَلَ فِي هَذَا الْأَكْثَرِ جَمِيعُ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ على علم.
[٥٠- ٥١]
[سُورَة الزمر (٣٩) : الْآيَات ٥٠ إِلَى ٥١]
قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَا كانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١)
جُمْلَةُ قَدْ قالَهَا مُبَيِّنَةٌ لِمَضْمُونِ هِيَ فِتْنَةٌ [الزمر: ٤٩] لِأَنَّ بَيَانَ مَغَبَّةِ الَّذِينَ قَالُوا هَذَا الْقَوْلَ فِي شَأْنِ النِّعْمَةِ الَّتِي تَنَالُهُمْ يُبَيِّنُ أَنَّ نِعْمَةَ هَؤُلَاءِ كَانَتْ فِتْنَةً لَهُمْ. وَضَمِيرُ قالَهَا عَائِدٌ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ [الزمر: ٤٩] ، عَلَى تَأْوِيلِ الْقَوْلِ بِالْكَلِمَةِ الَّتِي هِيَ الْجُمْلَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها [الْمُؤْمِنُونَ: ٩٩، ١٠٠] .
والَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ هُمْ غَيْرُ المتدينين مِمَّن سلفوا مِمَّنْ عَلِمَهُمُ اللَّهُ، وَمِنْهُمْ قَارُونُ وَقَدْ حَكَى عَنْهُ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ.
وَالْمُرَادُ بِ مَا كانُوا يَكْسِبُونَ مَا كَسَبُوهُ مِنْ أَمْوَالٍ. وَعَدَمُ إِغْنَائِهِ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَطِيعُوا دَفْعَ الْعَذَابِ بِأَمْوَالِهِمْ. وَالْفَاءُ فِي فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَا كانُوا يَكْسِبُونَ لِتَفْرِيعِ عَدَمِ إِغْنَاءِ مَا كَسَبُوهُ عَلَى مَقَالَتِهِمْ تِلْكَ فَإِنَّ عَدَمَ الْإِغْنَاءِ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُمْ حَلَّ بِهِمْ مِنَ السُّوءِ مَا شَأْنُ مِثْلِهِ أَنْ يَتَطَلَّبَ صَاحِبُهُ الِافْتِدَاءَ مِنْهُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ السُّوءُ عَظِيمًا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِدَاءٌ، فَفِي الْكَلَامِ إِيجَازُ حَذْفٍ يُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا. فَفَاءُ فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا مُفَرَّعَةٌ على جملَة فَما أَغْنى عَنْهُمْ، أَيْ تَسَبَّبَ عَلَى انْتِفَاءِ إِغْنَاءِ الْكَسْبِ عَنْهُمْ حُلُولُ الْعِقَابِ بِهِمْ. وَكَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ فِي تَرْتِيبِ الْجُمَلِ أَنْ تَكُونَ جُمْلَةُ فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا مُقَدَّمَةً عَلَى جُمْلَةِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَا كانُوا يَكْسِبُونَ، لِأَنَّ الْإِغْنَاءَ إِنَّمَا
стр. 8176
يُتَرَقَّبُ عِنْدَ حُلُولِ الضَّيْرِ بِهِمْ فَإِذَا تَقَرَّرَ عَدَمُ الْإِغْنَاءِ يُذْكَرُ بَعْدَهُ حُلُولُ الْمُصِيبَةِ، فَعُكِسَ التَّرْتِيبُ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ لِقَصْدِ التَّعْجِيلِ بِإِبْطَالِ مَقَالَةِ قَائِلِهِمْ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ [الزمر: ٤٩] ، أَيْ لَوْ كَانَ لِعِلْمِهِمْ أَثَرٌ فِي جَلْبِ النِّعْمَةِ لَهُمْ لَكَانَ لَهُ أَثَرٌ فِي دَفْعِ الضُّرِّ عَنْهُمْ.
وَالْإِشَارَةُ بِ هؤُلاءِ إِلَى الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَقَدْ بَيَّنَّا غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّنَا اهْتَدَيْنَا إِلَى كَشْفِ عَادَةٍ مِنْ عَادَاتِ الْقُرْآنِ إِذَا ذُكِرَتْ فِيهِ هَذِهِ الْإِشَارَةُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ. وَإِصَابَةُ السَّيِّئَاتِ مُرَادٌ بِهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ إِصَابَةُ جَزَاءِ السَّيِّئَاتِ وَهُوَ عِقَابُ الدُّنْيَا وَعِقَابُ الْآخِرَةِ لِأَنَّ جَزَاءَ السَّيِّئَةِ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا.
وَالْمُعْجِزُ: الْغَالِبُ، وَتَقَدَّمُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [١٣٤] ، أَيْ مَا هُمْ بِمُعْجِزِينَا، فَحُذِفَ مَفْعُولُ اسْمِ الْفَاعِلِ
لِدَلَالَةِ الْقَرِينَة عَلَيْهِ.
[٥٢]
[سُورَة الزمر (٣٩) : آيَة ٥٢]
أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)
عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٤٩] فَبَعْدَ أَنْ وَصَفَ أَكْثَرهم بِانْتِفَاء الْعلم بِأَن الرَّحْمَة لَهُم فتْنَة وابتلاء، عطف عَلَيْهِ إِنْكَار علمهمْ انْتِفَاء عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ وَإِهْمَالِهِمُ النَّظَرَ فِي الْأَدِلَّةِ الْمُفِيدَةِ لِلْعِلْمِ وَصَمِّهِمْ آذَانَهُمْ عَنِ الْآيَاتِ الَّتِي تُذَكِّرُهُمْ بِذَلِكَ حَتَّى بَقُوا فِي جَهَالَةٍ مُرَكَّبَةٍ وَكَانَ الشَّأْنُ أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ، أَيْ يُعْطِي الْخَيْرَ مَنْ يَشَاءُ، وَيَمْنَعُ مَنْ يَشَاءُ.
فَالِاسْتِفْهَامُ إِنْكَارٌ عَلَيْهِمْ فِي انْتِفَاءِ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ تَسَبَّبُوا فِي انْتِفَاءِ الْعِلْمِ، فَالْإِنْكَارُ عَلَيْهِمْ يَتَضَمَّنُ تَوْبِيخًا. وَاقْتَصَرَ فِي الْإِنْكَارِ عَلَى إِنْكَارِ انْتِفَاءِ الْعِلْمِ بِأَنْ بَسْطَ الرِّزْقِ وَقَدْرَهُ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ
стр. 8177
تَعَالَى لِأَنَّهُ أَدْنَى لِمُشَاهَدَتِهِمْ أَحْوَالَ قَوْمِهِمْ فَكَمْ مِنْ كَادٍّ غَيْرِ مَرْزُوقٍ وَكَمْ مِنْ آخَرَ يَجِيئُهُ الرِّزْقُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ.
وَجَعَلَ فِي ذَلِكَ آيَاتٍ كَثِيرَةً لِأَنَّ اخْتِلَافَ أَحْوَالِ الرِّزْقِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ التَّصَرُّفَ بِيَدِ الله تَعَالَى ينبىء عَنْ بَقِيَّةِ الْأَحْوَالِ فَتَحْصُلُ فِي ذَلِكَ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ دَالَّةٌ عَلَى انْفِرَادِ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّصَرُّفِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. وَجُعِلَتِ الْآيَاتُ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ وَتَخَلَّقُوا بِهِ وَلَمْ تَكُنْ فِيهِ آيَاتٌ لِلْمُشْرِكِينَ الغافلين عَنهُ.
[٥٣]
[سُورَة الزمر (٣٩) : آيَة ٥٣]
قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)
أَطْنَبَتْ آيَاتُ الْوَعِيدِ بِأَفْنَانِهَا السَّابِقَةِ إِطْنَابًا يَبْلُغُ مِنْ نُفُوسِ سَامِعِيهَا أَيَّ مَبْلَغٍ مِنَ الرُّعْبِ وَالْخَوْفِ، عَلَى رَغْمِ تَظَاهُرِهِمْ بِقِلَّةِ الِاهْتِمَامِ بِهَا. وَقَدْ يَبْلُغُ بِهِمْ وَقْعُهَا مَبْلَغَ الْيَأْسِ مِنْ سَعْيٍ يُنْجِيهِمْ مِنْ وَعِيدِهَا، فَأَعْقَبَهَا اللَّهُ بِبَعْثِ الرَّجَاءِ فِي نُفُوسِهِمْ لِلْخُرُوجِ إِلَى سَاحِلِ النَّجَاةِ إِذَا أَرَادُوهَا عَلَى عَادَةِ هَذَا الْكِتَابِ الْمَجِيدِ مِنْ مُدَاوَاةِ النُّفُوسِ بِمَزِيجِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ.
وَالْكَلَامُ اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ لِأَنَّ الزَّوَاجِرَ السَّابِقَةَ تُثِيرُ فِي نُفُوسِ الْمُوَاجِهِينَ بِهَا خَاطَرَ التَّسَاؤُلِ عَنْ مَسَالِكِ النَّجَاةِ فَتَتَلَاحَمُ فِيهَا الْخَوَاطِرُ الْمَلَكِيَّةُ وَالْخَوَاطِرُ الشَّيْطَانِيَّةُ إِلَى أَنْ يُرْسِيَ
التَّلَاحُمُ عَلَى انْتِصَارِ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، فَكَانَ فِي إِنَارَةِ السَّبِيلِ لَهَا مَا يُسَهِّلُ خَطْوَ الْحَائِرِينَ فِي ظُلُمَاتِ الشَّكِّ وَيَرْتَفِقُ بِهَا وَيُوَاسِيهَا بَعْدَ أَنْ أَثْخَنَتْهَا جُرُوحُ التَّوْبِيخِ وَالزَّجْرِ وَالْوَعِيدِ وَيُضَمِّدُ تِلْكَ الْجِرَاحَةَ وَالْحَلِيمُ يَزْجُرُ وَيَلِينُ وَتُثِيرُ فِي نَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ خَشْيَةَ أَنْ يُحِيطَ غَضَبُ اللَّهِ بِالَّذِينِ دَعَاهُمْ إِلَيْهِ فَأَعْرَضُوا أَوْ حَبَّبَهُمْ فِي الْحَقِّ فَأَبْغَضُوا فَلَعَلَّهُ لَا يَفْتَحُ لَهُمْ بَابَ التَّوْبَةِ وَلَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ بَعْدَ إِعْرَاضِهِمْ أَوْبَةٌ وَلَا سِيَّمَا بَعْدَ أَنْ أَمَرَهُ بِتَفْوِيضِ الْأَمْرِ إِلَى حُكْمِهِ
стр. 8178
الْمُشْتَمِّ مِنْهُ تَرَقُّبُ قَطْعِ الْجِدَالِ وَفَصْمِهُ فَكَانَ أَمْرُهُ لِرَسُولِهِ ﷺ بِأَنْ يُنَادِيَهُمْ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ تَنْفِيسًا عَلَيْهِ وَتَفْتِيحًا لِبَابِ الْأَوْبَةِ إِلَيْهِ فَهَذَا كَلَامٌ يَنْحَلُّ إِلَى اسْتِئْنَافَيْنِ فَجُمْلَةُ قُلْ اسْتِئْنَافٌ لِبَيَانِ مَا تَرَقَبَّهُ أَفْضَلُ النَّبِيئِينَ ﷺ ، أَيْ بَلِّغْ عَنِّي هَذَا الْقَوْلَ.
وَجُمْلَةُ يَا عِبادِيَ اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ مِنْ خِطَابِ اللَّهِ لَهُمْ. وَابْتِدَاءُ الْخِطَابِ بِالنِّدَاءِ وَعُنْوَانِ الْعِبَادِ مُؤْذِنٌ بِأَنَّ مَا بَعْدَهُ إِعْدَادٌ لِلْقَبُولِ وَإِطْمَاعٌ فِي النَّجَاةِ.
وَالْخطاب بعنوان يَا عِبادِيَ مُرَادٌ بِهِ الْمُشْرِكُونَ ابْتِدَاءً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ [الزمر: ٥٤] وَقَوْلُهُ: وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ [الزمر: ٥٦] وَقَوْلُهُ: بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ [الزمر: ٥٩] .
فَهَذَا الْخِطَابُ جَرَى عَلَى غَيْرِ الْغَالِبِ فِي مِثْلِهِ فِي عَادَةِ الْقُرْآنِ عِنْدَ ذِكْرِ عِبادِي بِالْإِضَافَةِ إِلَى ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ تَعَالَى.
وَفِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا وَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا وَأَكْثَرُوا، فَأَتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةٌ- يَعْنِي وَقَدْ سَمِعُوا آيَاتِ الْوَعِيدِ لِمَنْ يَعْمَلُ تِلْكَ الْأَعْمَالَ وَإِلَّا فَمِنْ أَيْنَ عَلِمُوا أَنَّ تِلْكَ الْأَعْمَالَ جَرَائِمٌ وَهُمْ فِي جَاهِلِيَّةٍ- فَنَزَلَ: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ [الْفرْقَان: ٦٨] يَعْنِي إِلَى قَوْلِهِ: إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً [الْفرْقَان: ٧٠] وَنَزَلَ: قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ.
وَقَدْ رُوِيَتْ أَحَادِيثٌ عِدَّةٌ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ غَيْرُ حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ وَهِيَ بَيْنَ ضَعِيفٍ وَمَجْهُولٍ وَيُسْتَخْلَصُ مِنْ مجموعها أَنَّهَا جزئيات لِعُمُومِ الْآيَةِ وَأَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ لِخِطَابِ جَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَيْهَا فِي دِيبَاجَةِ تَفْسِيرِ السُّورَةِ. وَمِنْ أَجْمَلِ الْأَخْبَارِ الْمَرْوِيَّةِ فِيهَا مَا رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قَالَ: «لَمَّا اجْتَمَعْنَا عَلَى الْهِجْرَةِ اتَّعَدْتُ أَنَا وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ السَّهْمِيُّ،
стр. 8179
وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ عُتْبَةَ. فَقُلْنَا:
الْمَوْعِدُ أَضَاةُ بَنِي غِفَارٍ، وَقُلْنَا: مَنْ تَأَخَّرَ مِنَّا فَقَدْ حُبِسَ فَلْيَمْضِ صَاحِبَاهُ. فَأَصْبَحْتُ أَنَا وَعَيَّاشُ بْنُ عُتْبَةَ وَحُبِسَ عَنَّا هِشَامٌ وَإِذَا هُوَ قَدْ فُتِنَ فَافْتَتَنَ فَكُنَّا نَقُولُ بِالْمَدِينَةِ: هَؤُلَاءِ قَدْ عَرَفُوا اللَّهَ ثُمَّ افْتَتَنُوا لِبَلَاءٍ لَحِقَهُمْ لَا نَرَى لَهُمْ تَوْبَةً. وَكَانُوا هُمْ يَقُولُونَ هَذَا فِي أَنْفُسِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا إِلَى قَوْله: مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر: ٦٠] قَالَ عُمَرُ فَكَتَبْتُهَا بِيَدِي ثُمَّ بَعَثْتُهَا إِلَى هِشَامٍ. قَالَ هِشَامٌ: فَلَمَّا قَدِمَتْ عَلَيَّ خَرَجْتُ بِهَا إِلَى ذِي طَوَى فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ فَهِّمْنِيهَا فَعَرَفْتُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِينَا فَرَجَعْتُ فَجَلَسْتُ عَلَى بَعِيرِي فَلَحِقْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ » اهـ. فَقَوْلُ عُمَرَ: «فَأَنْزَلَ اللَّهُ» يُرِيدُ أَنَّهُ سَمِعَهُ بَعْدَ أَنْ هَاجَرَ وَأَنَّهُ مِمَّا نَزَلَ بِمَكَّةَ فَلَمْ يَسْمَعْهُ عُمَرُ إِذْ كَانَ فِي شَاغِلِ تَهْيِئَةِ الْهِجْرَةِ فَمَا سَمِعَهَا إِلَّا وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ فَإِنَّ عُمَرَ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ قَبْلَ النَّبِيءِ ﷺ .
فَالْخِطَابُ بِقَوْلِهِ: يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ تَمْهِيدٌ بِإِجْمَالٍ يَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْآيَاتِ بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ: وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ [الزمر: ٥٤] . وَبَعْدَ هَذَا فَعُمُومُ «عِبَادِيَ» وَعُمُومُ صِلَةِ الَّذِينَ أَسْرَفُوا يَشْمَلُ أَهْلَ الْمَعَاصِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ مِنَ الْخِطَابِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى عَادَةِ الْكَلَامِ الْبَلِيغِ مِنْ كَثْرَةِ الْمَقَاصِدِ وَالْمَعَانِي الَّتِي تُفَرَّغُ فِي قَوَالِبٍ تَسَعُهَا.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا بِفَتْحِ يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ، وَقَرَأَهُ أَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ بِإِسْكَانِ الْيَاءِ. وَلَعَلَّ وَجْهَ ثُبُوتِ الْيَاءِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ دُونَ نَظِيرِهَا وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ يَا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ [الزمر: ١٠] ، أَنَّ الْخِطَابَ هُنَا لِلَّذِينَ أَسْرَفُوا وَفِي مُقَدِّمَتِهِمُ الْمُشْرِكُونَ وَكُلُّهُمْ مَظِنَّةُ تَطَرُّقِ الْيَأْسِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِلَى نُفُوسِهِمْ، فَكَانَ إِثْبَاتُ (يَا) الْمُتَكَلِّمِ فِي خِطَابِهِمْ زِيَادَةَ تَصْرِيحٍ بِعَلَامَةِ التَّكَلُّمِ تَقْوِيَةً لِنِسْبَةِ عُبُودِيَّتِهِمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِيمَاءً إِلَى أَنَّ شَأْنَ الرَّبِّ الرَّحْمَةُ بِعِبَادِهِ.
وَالْإِسْرَافُ: الْإِكْثَارُ. وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْإِسْرَافُ فِي الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي، وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الْإِسْرَافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [٦] وَقَوْلِهِ: فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ [٣٣] . وَالْأَكْثَرُ أَنْ يُعَدَّى إِلَى مُتَعَلِّقِهِ بِحَرْفِ مِنْ، وَتَعْدِيَتُهُ هُنَا بِ- (عَلَى) لِأَنَّ
стр. 8180
الْإِكْثَارَ هُنَا مِنْ أَعْمَالٍ تَتَحَمَّلُهَا النَّفْسُ وَتَثْقُلُ بِهَا وَذَلِكَ مُتَعَارَفٌ فِي التَّبِعَاتِ وَالْعُدْوَانِ تَقُولُ: أَكْثَرْتُ عَلَى فُلَانٍ، فَمَعْنَى أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ: أَنَّهُمْ جَلَبُوا لِأَنْفُسِهِمْ مَا تُثْقِلُهُمْ تَبِعَتُهُ لِيَشْمَلَ مَا اقْتَرَفُوهُ مِنْ شِرْكٍ وَسَيِّئَاتٍ.
وَالْقُنُوطُ: الْيَأْسُ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ [٥٥] .
وَجُمْلَةُ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً تعلليل لِلنَّهْيِ عَنِ الْيَأْسِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ.
وَمَادَّةُ الْغَفْرِ تَرْجِعُ إِلَى السَّتْرِ، وَهُوَ يَقْتَضِي وُجُودَ الْمَسْتُورِ وَاحْتِيَاجَهُ لِلسَّتْرِ فَدَلَّ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ عَلَى أَنَّ الذُّنُوبَ ثَابِتَةٌ، أَيِ الْمُؤَاخَذَةُ بِهَا ثَابِتَةٌ وَاللَّهُ يَغْفِرُهَا، أَيْ يُزِيلُ الْمُؤَاخَذَةَ بِهَا، وَهَذِهِ الْمَغْفِرَةُ تَقْتَضِي أَسْبَابًا أُجْمِلَتْ هُنَا وَفُصِّلَتْ فِي دَلَائِلَ أُخْرَى مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى [طه: ٨٢] ، وَتِلْكَ الدَّلَائِلُ يَجْمَعُهَا أَنَّ لِلْغُفْرَانِ أَسْبَابًا تَطْرَأُ عَلَى الْمُذْنِبِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَتِ الْمُؤَاخَذَةُ بِالذُّنُوبِ عَبَثًا يُنَزَّهُ عَنْهُ الْحَكِيمُ تَعَالَى، كَيْفَ وَقَدْ سَمَّاهَا ذُنُوبًا وَتَوَعَّدَ عَلَيْهَا فَكَانَ قَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ دَعْوَةً إِلَى تَطَلُّبِ أَسْبَابِ هَذِهِ الْمَغْفِرَةِ فَإِذَا طَلَبَهَا الْمُذْنِبُ عَرَفَ تَفْصِيلَهَا. وجَمِيعاً حَالٌ مِنَ الذُّنُوبَ، أَيْ حَالُ جَمِيعِهَا، أَيْ عُمُومُهَا، فَيَغْفِرُ كُلَّ ذَنْبٍ مِنْهَا إِنْ حَصَلَتْ مِنَ الْمُذْنِبِ أَسْبَابُ ذَلِكَ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى كَلِمَةِ (جَمِيعٍ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ [٦٧] .
وَجُمْلَةُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً أَيْ لَا يُعْجِزُهُ أَنْ يَغْفِرَ جَمِيعَ الذُّنُوبِ مَا بَلَغَ جَمِيعُهَا مِنَ الْكَثْرَةِ لِأَنَّهُ شَدِيدُ الْغُفْرَانِ شَدِيدُ الرَّحْمَةِ. فَبَطَلَ بِهَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُ الْمُرْجِئَةِ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَان شَيْء.
стр. 8181
[سُورَة الزمر (٣٩) : آيَة ٥٤]
وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤)
لَمَّا فَتَحَ لَهُمْ بَابَ الرَّجَاءِ أَعْقَبَهُ بِالْإِرْشَادِ إِلَى وَسِيلَةِ الْمَغْفِرَةِ مَعْطُوفًا بِالْوَاوِ وَلِلدَّلَالَةِ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ النَّهْيِ عَنِ الْقُنُوطِ مِنَ الرَّحْمَةِ وَبَيْنَ الْإِنَابَةِ جَمْعًا يَقْتَضِي الْمُبَادَرَةَ، وَهِيَ أَيْضًا مُقْتَضَى صِيغَةِ الْأَمْرِ.
وَالْإِنَابَةُ: التَّوْبَةُ وَلِمَا فِيهَا وَفِي التَّوْبَةِ مِنْ مَعْنَى الرُّجُوعِ عُدِّيَ الْفِعْلَانِ بِحَرْفِ إِلَى.
وَالْمَعْنَى: تُوبُوا إِلَى اللَّهِ مِمَّا كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ بِأَنْ تُوَحِّدُوهُ.
وَعُطِفَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ بِالْإِسْلَامِ، أَيِ التَّصْدِيقُ بِالنَّبِيءِ ﷺ وَالْقُرْآنِ وَاتِّبَاعِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ.
وَفِي قَوْلِهِ: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ إِيذَانٌ بِوَعِيدٍ قَرِيبٍ إِنْ لَمْ يُنِيبُوا وَيُسْلِمُوا كَمَا يُلْمِحُ إِلَيْهِ فِعْلُ يَأْتِيَكُمُ. وَالتَّعْرِيفُ فِي الْعَذَابِ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ إِنْ لَمْ يُنِيبُوا وَيُسْلِمُوا يَأْتِهِمُ الْعَذَابُ. وَالْعَذَابُ مِنْهُ مَا يَحْصُلُ فِي الدُّنْيَا إِنْ شَاءَهُ اللَّهُ وَهَذَا
خَاصٌّ بِالْمُشْرِكِينَ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَقَدِ اسْتَعَاذَ لَهُمْ مِنْهُ الرَّسُولُ ﷺ حِينَ نَزَلَ: قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [٦٥] ، وَمِنَ الْعَذَابِ عَذَابُ الْآخِرَةِ وَهُوَ جَزَاءُ الْكُفْرِ وَالْكَبَائِرِ.
وَهَذَا الْخِطَابُ يَأْخُذُ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُ بِنَصِيبٍ، فَنَصِيبُ الْمُشْرِكِينَ الْإِنَابَةُ إِلَى التَّوْحِيدِ وَاتِّبَاعُ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَنَصِيبُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ التَّوْبَةُ إِذَا أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَالْإِكْثَارُ مِنَ الْحَسَنَاتِ وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَحَاصِلٌ لَهُمْ.
وَالنَّصْرُ: الْإِعَانَةُ عَلَى الْغَلَبَةِ بِحَيْثُ يَنْفَلِتُ الْمَغْلُوبُ مِنْ غَلَبَةِ قَاهِرِهِ كُرْهًا عَلَى الْقَاهِرِ وَلَا نَصِيرَ لِأَحَدٍ عَلَى اللَّهِ.
стр. 8182
وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ فَلَيْسَتْ مِنْ حَقِيقَةِ النَّصْرِ الْمَنْفِيِّ وَهَذِهِ الْفِقْرَةُ أَكْثَرُ حَظٍّ فِيهَا هُوَ حَظّ الْمُشْركين.
[٥٥]
[سُورَة الزمر (٣٩) : آيَة ٥٥]
وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥)
أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ هُوَ الْقُرْآنُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [الزمر: ١٨] . وَالْحَظُّ لِلْمُشْرِكِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدِ اتَّبَعُوا الْقُرْآنَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ [الزمر: ١٧، ١٨] .
وأَحْسَنَ اسْمُ تَفْضِيلٍ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَى كَامِلِ الْحُسْنِ، وَلَيْسَ فِي مَعْنَى تَفْضِيلِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ لِأَنَّ جَمِيعَ مَا فِي الْقُرْآنِ حُسْنٌ فَهُوَ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [يُوسُف: ٣٣] .
وَإِضَافَةُ أَحْسَنَ إِلَى مَا أُنْزِلَ مِنْ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ.
وَالْعَذَابُ الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ هُوَ الْعَذَابُ الْمَذْكُورُ قَبْلُ بِنَوْعَيْهِ وَكُلُّهُ بَغْتَةٌ إِذْ لَا يَتَقَدَّمُهُ إِشْعَارٌ، فَعَذَابُ الدُّنْيَا يَحِلُّ بَغْتَةً وَعَذَابُ الْآخِرَةِ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَظْهَرُ بَوَارِقُهُ عِنْدَ الْبَعْثِ وَقَدْ أَتَاهُمْ عَذَابُ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ وَيَأْتِيهِمْ عَذَابُ الْآخِرَةِ يَوْم الْبَعْث.
[٥٦- ٥٨]
[سُورَة الزمر (٣٩) : الْآيَات ٥٦ إِلَى ٥٨]
أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتى عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)
أَنْ تَقُولَ تَعْلِيل لِلْأَوَامِرِ فِي قَوْلِهِ: وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ [الزمر: ٥٤] واتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ [الزمر: ٥٥] عَلَى حَذْفِ لَامِ التَّعْلِيلِ مَعَ (أَنْ) وَهُوَ كَثِيرٌ.
стр. 8183
وَفِيهِ حَذْفُ لَا النَّافِيَةِ بَعْدَ أَنْ، وَهُوَ شَائِعٌ أَيْضًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ [الْأَنْعَام: ١٥٥- ١٥٧] ، وَكَقَوْلِهِ: فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا [النِّسَاء: ١٣٥] . وَعَادَةُ صَاحِبِ «الْكَشَّافِ» تَقْدِيرُ: كَرَاهِيَةَ أَنْ تَفْعَلُوا كَذَا. وَتَقْدِيرُ (لَا) النَّافِيَةِ أَظْهَرُ لِكَثْرَةِ التَّصَرُّفِ فِيهَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بِالْحَذْفِ وَالزِّيَادَةِ.
وَالْمَعْنَى: لِئَلَّا تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ. وَظَاهِرُ الْقَوْلِ أَنَّهُ الْقَوْلُ جَهْرَةً وَهُوَ شَأْنُ الَّذِي ضَاقَ صَبْرُهُ عَنْ إِخْفَاءِ نَدَامَتِهِ فِي نَفسه فيصرح بِمَا حَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ فَتَكُونُ هَذِهِ النَّدَامَةُ الْمُصَرَّحُ بِهَا زَائِدَةً عَلَى الَّتِي أَسَرَّهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلًا بَاطِنًا فِي النَّفْسِ. وَتَنْكِيرُ نَفْسٌ لِلنَّوْعِيَّةِ، أَيْ أَنْ يَقُولَ صِنْفٌ مِنَ النُّفُوسِ وَهِيَ نُفُوسُ الْمُشْرِكِينَ فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ [التكوير: ١٤] . وَقَوْلُ لَبِيدٍ:
أَوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا يُرِيدُ نَفْسَهُ.
وَحَرْفُ (يَا) فِي قَوْله: يَا حَسْرَتى اسْتِعَارَةٌ مَكْنِيَّةٌ بِتَشْبِيهِ الْحَسْرَةِ بِالْعَاقِلِ الَّذِي يُنَادَى لِيُقْبِلَ، أَيْ هَذَا وَقْتُكِ فَاحْضُرِي، وَالنِّدَاءُ مِنْ رَوَادِفِ الْمُشَبَّهِ بِهِ الْمَحْذُوفِ، أَيْ يَا حَسْرَتِي احْضُرِي فَأَنَا مُحْتَاجٌ إِلَيْكِ، أَيْ إِلَى التَّحَسُّرِ، وَشَاعَ ذَلِكَ فِي كَلَامِهِمْ حَتَّى صَارَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ كَالْمَثَلِ لِشِدَّةِ التَّحَسُّرِ.
وَالْحَسْرَةُ: النَّدَامَةُ الشَّدِيدَةُ. وَالْأَلِفُ عِوَضٌ عَنْ يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ.
وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَحْدَهُ يَا حَسْرَتَايَ بِالْجَمْعِ بَيْنَ يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ وَالْأَلِفِ الَّتِي جُعِلَتْ عِوَضًا عَنِ الْيَاءِ فِي قَوْلهم: يَا حَسْرَتى. وَالْأَشْهَرُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّ الْيَاءَ الَّتِي بَعْدَ الْأَلْفِ مَفْتُوحَةٌ. وَتَعْدِيَةُ الْحَسْرَةِ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلَاءِ كَمَا هُوَ غَالِبُهَا لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَمَكُّنِ التَّحَسُّرِ مِنْ مَدْخُولِ عَلى.
стр. 8184
وَ (مَا) فِي (مَا فَرَّطْتُ) صدرية، أَيْ عَلَى تَفْرِيطِي فِي جَنْبِ اللَّهِ.
وَالتَّفْرِيطُ: التَّضْيِيعُ وَالتَّقْصِيرُ، يُقَالُ: فَرَطَهُ. وَالْأَكْثَرُ أَنْ يُقَالَ: فَرَّطَ فِيهِ. وَالْجَنْبُ
وَالْجَانِبُ مُتَرَادِفَانِ، وَهُوَ نَاحِيَةُ الشَّيْءِ وَمَكَانُهُ وَمِنْهُ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ [النِّسَاء: ٣٦] أَيِ الصَّاحِبُ الْمُجَاوِرُ.
وَحَرْفُ فِي هُنَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ فَرَّطْتُ فَلَا يَكُونُ لِلْفِعْلِ مَفْعُولٌ وَيَكُونُ الْمُفَرَّطُ فِيهِ هُوَ جَنْبُ اللَّهِ، أَيْ جِهَتُهُ وَيَكُونُ الْجَنْبُ مُسْتَعَارًا لِلشَّأْنِ وَالْحَقِّ، أَيْ شَأْنِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَوَصَايَاهُ تَشْبِيهًا لَهَا بِمَكَانِ السَّيِّدِ وَحِمَاهُ إِذَا أُهْمِلَ حَتَّى اعْتُدِيَ عَلَيْهِ أَوْ أَقْفَرَ، كَمَا قَالَ سَابِقٌ الْبَرْبَرِيُّ:
أَمَا تَتَّقِينَ اللَّهَ فِي جَنْبِ وَامِقٍ ... لَهُ كَبِدٌ حَرَّى عَلَيْكِ تقطّع
أَو تكون جُمْلَةَ فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ تَمْثِيلًا لِحَالِ النَّفْسِ الَّتِي أُوقِفَتْ لِلْحِسَابِ وَالْعِقَابِ بِحَالِ الْعَبْدِ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْهِ سَيِّدُهُ حِرَاسَةَ حِمَاهُ وَرِعَايَةَ مَاشِيَتِهِ فَأَهْمَلَهَا حَتَّى رُعِيَ الْحِمَى وَهَلَكَتِ الْمَوَاشِي وَأُحْضِرَ لِلثِّقَافِ فَيَقُولُ: يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ سَيِّدِي. وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَجُوزُ إِبْقَاءُ الْجَنْبِ عَلَى حَقِيقَتِهِ لِأَنَّ التَّمْثِيلَ يَعْتَمِدُ تَشْبِيهَ الْهَيْئَةِ بِالْهَيْئَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَا مَوْصُولَةً وَفِعْلُ فَرَّطْتُ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ عَلَى أَحَدِ الِاسْتِعْمَالَيْنِ، وَيَكُونُ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفًا وَهُوَ الضَّمِيرُ الْمَحْذُوفُ الْعَائِدُ إِلَى الْمَوْصُولِ، وَحَذْفُهُ فِي مِثْلِهِ كَثِيرٌ، وَيَكُونُ الْمَجْرُورُ بِ فِي حَالًا مِنْ ذَلِكَ الضَّمِيرِ، أَيْ كَائِنًا مَا فَرَّطْتُهُ فِي جَانِبِ اللَّهِ.
وَجُمْلَةُ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي إِنْشَاءِ النَّدَامَةِ عَلَى مَا فَاتَهَا مِنْ قَبُولِ مَا جَاءَهَا بِهِ الرَّسُولُ مِنَ الْهُدَى فَكَانَتْ تَسْخَرُ مِنْهُ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ فَرَّطْتُ، أَيْ فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ تَفْرِيطَ السَّاخِرِ لَا تَفْرِيطَ الْغَافِلِ، وَهَذَا إِقْرَارٌ بِصُورَةِ التَّفْرِيطِ.
стр. 8185
وَ (إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنْ إِنَّ الْمُشَدَّدَةِ، وَاللَّامُ فِي لَمِنَ السَّاخِرِينَ فَارِقَةٌ بَيْنَ إَنْ الْمُخَفَّفَةِ وَ (إِن) النافية.
ولَمِنَ السَّاخِرِينَ أَشَدُّ مُبَالَغَةً فِي الدَّلَالَةِ عَلَى اتِّصَافِهِمْ بِالسُّخْرِيَةِ مِنْ أَنْ يُقَالَ: وَإِنْ كُنْتُ لَسَاخِرَةً، كَمَا تَقَدَّمَ غَيْرُ مَرَّةٍ مِنْهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٦٧] .
وَمَعْنَى أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَهُ لِقَصْدِ الِاعْتِذَارِ وَالتَّنَصُّلِ، تُعِيدُ أَذْهَانُهُمْ مَا اعْتَادُوا الِاعْتِذَارَ بِهِ لِلنَّبِيءِ ﷺ كَمَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ: وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ مَا عَبَدْناهُمْ [الزخرف: ٢٠] وَهُمْ كَانُوا يَقُولُونَهُ لِقَصْدِ إِفْحَامِ النَّبِيءِ حِينَ يَدْعُوهُمْ فَبَقِيَ ذَلِكَ التَّفْكِيرُ عَالِقًا بِعُقُولِهِمْ حِينَ يَحْضُرُونَ لِلْحِسَابِ. وَالْكَلَامُ فِي مِنَ
الْمُتَّقِينَ
مثله فِي لَمِنَ السَّاخِرِينَ.
وَأَمَّا قَوْلُهَا: حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَهُوَ تَمَنٍّ مَحْضٌ. ولَوْ فِيهِ لِلتَّمَنِّي، وَانْتَصَبَ فَأَكُونَ عَلَى جَوَابِ التَّمَنِّي.
وَالْكَرَّةُ: الرَّجْعَةُ. وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ [١٠٢] ، أَيْ كَرَّةً إِلَى الدُّنْيَا فَأُحْسِنَ، وَهَذَا اعْتِرَافٌ بِأَنَّهَا عَلِمَتْ أَنَّهَا كَانَتْ مِنَ الْمُسِيئِينَ. وَقَدْ حُكِيَ كَلَامُ النَّفْسِ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ عَلَى تَرْتِيبِهِ الطَّبِيعِيِّ فِي جَوَلَانِهِ فِي الْخَاطِرِ بِالِابْتِدَاءِ بِالتَّحَسُّرِ عَلَى مَا أَوْقَعَتْ فِيهِ نَفسهَا، ثمَّ بالاعتذار وَالتَّنَصُّلِ طَمَعًا أَنْ يُنْجِيَهَا ذَلِكَ، ثُمَّ بِتَمَنِّي أَنْ تَعُودَ إِلَى الدُّنْيَا لِتَعْمَلَ الْإِحْسَانَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ [الْمُؤْمِنُونَ: ٩٩، ١٠٠] . فَهَذَا التَّرْتِيبُ فِي النَّظْمِ هُوَ أَحْكَمُ تَرْتِيبٍ وَلَوْ رُتِّبَ الْكَلَامُ عَلَى خِلَافِهِ لَفَاتَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى تَوَلُّدِ هَذِهِ الْمَعَانِي فِي الْخَاطِرِ حِينَمَا يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ، وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي الْإِنْشَاءِ مَا لَمْ يُوجَدْ مَا يَقْتَضِي الْعُدُولَ عَنْهُ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي كِتَابِ «أُصُولِ الْإِنْشَاء والخطابة» .
стр. 8186
[سُورَة الزمر (٣٩) : آيَة ٥٩]
بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (٥٩)
بَلى حَرْفٌ لِإِبْطَالِ مَنْفِيٍّ أَوْ فِيهِ رَائِحَةُ النَّفْيِ، لِقَصْدِ إِثْبَاتِ مَا نُفِيَ قَبْلَهُ، فَتَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ هُنَا جَوَابًا لِقَوْلِ النَّفْسِ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [الزمر: ٥٧] ، لِمَا تَقْتَضِيهِ لَوْ الَّتِي اسْتُعْمِلَتْ لِلتَّمَنِّي مِنِ انْتِفَاءِ مَا تَمَنَّاهُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ هَدَاهُ لِيَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ، أَيْ لَمْ يَهْدِنِي اللَّهُ فَلَمْ أَتَّقِ. وَجُمْلَةُ قَدْ جاءَتْكَ آياتِي تَفْصِيلٌ لِلْإِبْطَالِ وَبَيَانٌ لَهُ، وَهُوَ مِثْلُ الْجَوَابِ بِالتَّسْلِيمِ بَعْدَ الْمَنْعِ، أَيْ هَدَاكَ اللَّهُ.
وَقَدْ قُوبِلَ كَلَامُ النَّفْسِ بِجَوَابٍ يُقَابِلُهُ عَلَى عَدَدِ قَرَائِنِهِ الثَّلَاثِ (١) ، وَذَلِكَ بِقَوْلِهِ: قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَهَذَا مُقَابِلُ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي [الزمر: ٥٧] ثُمَّ بِقَوْلِهِ:
وَاسْتَكْبَرْتَ وَهُوَ مُقَابِلُ قَوْلِهَا: عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [الزمر: ٥٦] أَيْ لَيْسَتْ نِهَايَةُ أَمْرِكِ التَّفْرِيطَ بَلْ أَعْظَمَ مِنْهُ وَهُوَ الِاسْتِكْبَارُ، ثُمَّ بِقَوْلِهِ: وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ وَهَذَا مُقَابِلُ قَوْلِ النَّفْسِ لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [الزمر: ٥٧] فَهَذِهِ قَرَائِنُ ثَلَاثٌ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ هَدَاكِ فِي الدُّنْيَا بِالْإِرْشَادِ بِآيَاتِ الْقُرْآنِ فَقَابَلْتِ الْإِرْشَادَ بِالتَّكْذِيبِ وَالِاسْتِكْبَارِ وَالْكُفْرِ بِهَا فَلَا عُذْرَ لَكِ.
وَكَانَ الْجَوَابُ عَلَى طَرِيقَةِ النَّشْرِ الْمُشَوَّشِ بَعْدَ اللَّفِّ رَعْيًا لِمُقْتَضَى ذَلِكَ التَّشْوِيشِ وَهُوَ أَنْ يَقَعَ ابْتِدَاءُ النَّشْرِ بِإِبْطَالِ الْأَهَمِّ مِمَّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ اللَّفُّ وَهُوَ مَا سَاقُوهُ عَلَى مَعْنَى التَّنَصُّلِ وَالِاعْتِذَارِ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي [الزمر: ٥٧] لِقَصْدِ الْمُبَادَرَةِ بِإِعْلَامِهِمْ بِمَا يَدْحَضُ مَعْذِرَتَهُمْ، ثُمَّ عَادَ إِلَى إِبْطَالِ قَوْلِهِمْ: عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [الزمر: ٥٦] فَأُبْطِلَ بِقَوْلِهِ: فَكَذَّبْتَ بِها، ثُمَّ أَكْمَلَ بِإِبْطَالِ قَوْلِهِمْ: لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الزمر: ٥٨] بِقَوْلِهِ: وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ. وَلَمْ يُورَدْ جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ النَّفْسِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ [الزمر: ٥٦] لِأَنَّهُ إِقْرَارٌ. стр. 8187
وَلَوْ لَمْ يُسْلَكْ هَذَا الْأُسْلُوبُ فِي النَّشْرِ لِهَذَا اللَّفِّ لَفَاتَ التَّعْجِيلُ بِدَحْضِ الْمَعْذِرَةِ، وَلَفَاتَتْ مُقَابَلَةُ الْقَرَائِنِ الثَّلَاثِ الْمُجَابِ عَنْهَا بِقَرَائِنِ أَمْثَالِهَا لِمَا عَلِمَتْ مِنْ أَنَّ الْإِبْطَالَ رُوعِيَ فِيهِ قَرَائِنٌ ثَلَاث على وزان أَقْوَالِ النَّفْسِ، وَأَنَّ تَرْتِيبَ أَقْوَالِ النَّفْسِ كَانَ جَارِيًا عَلَى التَّرْتِيبِ الطَّبِيعِيِّ، فَلَوْ لَمْ يُشَوَّشِ النَّشْرُ لَوَجَبَ أَنْ يَقْتَصِرَ فِيهِ عَلَى أَقَلَّ مِنْ عَدَدِ قَرَائِنِ اللَّفِّ فَتَفُوتُ نُكْتَةُ الْمُقَابَلَةِ الَّتِي هِيَ شَأْنُ الْجِدَالِ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ التَّوَرُّكِ.
وَتَرْكِيبُ قَوْلِهِ: وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ آنِفًا فِي نَظَائِرِهِ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ [الزمر: ٥٦] وَمَا بَعْدَهُ مِمَّا أُقْحِمَ فِيهِ فِعْلُ كُنْتَ.
وَاتَّفَقَ الْقُرَّاءُ عَلَى فَتْحِ التَّاءَاتِ الثَّلَاثِ فِي قَوْلِهِ: فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ وَكَذَلِكَ فَتَحُ الْكَافِ مِنْ قَوْلِهِ: جاءَتْكَ رَاجِعَةٌ إِلَى النَّفْسِ بِمَعْنَى الذَّاتِ الْمُغَلَّبَةِ فِي أَنْ يُرَادَ بِهَا الذُّكُورُ وَيُعْلَمَ أَنَّ النِّسَاءَ مِثْلُهُمْ، مِثْلُ تَغْلِيبِ صِيغَةِ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ فِي قَوْله: لَمِنَ السَّاخِرِينَ [الزمر: ٥٦] .
[٦٠]
[سُورَة الزمر (٣٩) : آيَة ٦٠]
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠)
عَطْفٌ عَلَى إِحْدَى الْجُمَلِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِعَذَابِ الْمُشْرِكِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى جُمْلَةِ وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا [الزمر: ٥١] ، أَيْ فِي الدُّنْيَا كَمَا أَصَابَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَسْوَدُّ وُجُوهُهُمْ. فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْوِدَادُ الْوُجُوهِ حَقِيقَةً جَعَلَهُ اللَّهُ عَلَامَةً لَهُمْ وَجَعَلَ بَقِيَّةَ النَّاسِ بِخِلَافِهِمْ. وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ اسْوِدَادَ الْوُجُوهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَامَةً عَلَى سُوءِ الْمَصِيرِ كَمَا جَعَلَ بَيَاضَهَا عَلَامَةً عَلَى حُسْنِ الْمَصِيرِ قَالَ تَعَالَى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ
اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ
стр. 8188
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ابْيِضَاضُ الْوُجُوهِ مُسْتَعْمَلًا فِي النَّضْرَةِ وَالْبَهْجَةِ قَالَ تَعَالَى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ [الْقِيَامَة: ٢٢] ، وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
بِيضُ الْوُجُوهِ كَرِيمَةٌ أَحْسَابُهُمْ وَيَقُولُونَ فِي الَّذِي يَخْصُلُ خَصْلَةً يَفْتَخِرُ بِهَا قَوْمُهُ: بَيَّضْتَ وُجُوهَنَا. وَالْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ: تَرَى لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ.
وَجُمْلَةُ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَمَوْقِعُ الْجُمْلَةِ مَوْقِعُ الْحَالِ مِنَ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ، لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ هُنَا بَصَرِيَّةٌ لَا يَنْصِبُ فِعْلُهَا مَفْعُولَيْنِ. وَلَا يَلْزَمُ اقْتِرَانُ جُمْلَةِ الْحَالِ الِاسْمِيَّةِ بِالْوَاوِ.
والَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ: هُمُ الَّذِينَ نَسَبُوا إِلَيْهِ مَا هُوَ مُنَزَّهٌ عَنْهُ مِنَ الشَّرِيكِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تَكَاذِيبِ الشِّرْكِ، فَالَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ هُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي قَوْلِهِ:
وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا [الزمر: ٥١] ، وُصِفُوا أَوَّلًا بِالظُّلْمِ ثُمَّ وُصِفُوا بِالْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ فِي حِكَايَةٍ أُخْرَى فَلَيْسَ قَوْلُهُ: الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ إِظْهَارًا فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ.
وَيَدْخُلُ فِي الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ كُلُّ مَنْ نَسَبَ إِلَى اللَّهِ صِفَةً لَا دَلِيلَ لَهُ فِيهَا، وَمَنْ شَرَعَ شَيْئًا فَزَعَمَ أَنَّ اللَّهَ شَرَعَهُ مُتَعَمِّدًا قَاصِدًا تَرْوِيجَهُ لِلْقَبُولِ بِدُونِ دَلِيلٍ، فَيَدْخُلُ أَهْلُ الضَّلَالِ الَّذِينَ اخْتَلَقُوا صِفَاتٍ لِلَّهِ أَوْ نَسَبُوا إِلَيْهِ تَشْرِيعًا، وَلَا يَدْخُلُ أَهْلُ الِاجْتِهَادِ الْمُخْطِئُونَ فِي الْأَدِلَّةِ سَوَاءٌ فِي الْفُرُوعِ بِالِاتِّفَاقِ وَفِي الْأُصُولِ عَلَى مَا نَخْتَارُهُ إِذَا اسْتَفْرَغُوا الْجُهُودَ.
وَنِسْبَةُ شَيْءٍ إِلَى اللَّهِ أَمْرُهَا خَطِيرٌ، وَلذَلِك قَالَ أَئِمَّتنَا: إِنَّ الْحُكْمَ الْمَقِيسَ غَيْرَ الْمَنْصُوصِ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ هُوَ دِينُ اللَّهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: قَالَهُ اللَّهُ.
وَلِذَلِكَ فَجُمْلَةُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ وَاقِعَةٌ مَوْقِعَ الِاسْتِئْنَافِ الْبَيَانِيِّ لِجُمْلَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ عَلَى كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ لِأَنَّ
стр. 8189
السَّامِعَ يَسْأَلُ عَنْ سَبَبِ اسْوِدَادِ الْوُجُوهِ فَيُجَابُ بِأَنَّ فِي جَهَنَّمَ مَثْوَاهُمْ يَعْنِي لِأَنَّ السَّوَادَ يُنَاسِبُ مَا سَيَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ مَنْ مَسِّ النَّارِ فَأُجِيبَ بِطَرِيقَةِ الِاسْتِفْهَامِ التَّقْرِيرِيِّ بِتَنْزِيلِ السَّائِلِ الْمُقَدَّرِ مَنْزِلَةَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ مَثْوَاهُمْ جَهَنَّمُ فَلَا يَلِيقُ بِهِ أَنْ يَغْفُلَ عَنْ مُنَاسَبَةِ سَوَادِ وُجُوهِهِمْ، لِمَصِيرِهِمْ إِلَى النَّارِ، فَإِنَّ لِلدَّخَائِلِ عَنَاوِينَهَا، وَهَذَا الِاسْتِفْهَامُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ
اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ
[الْأَنْعَام: ٥٣] ، وَكَقَوْلِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ حِينَ كَانَ أَمِيرَ الْكُوفَةِ وَقَدْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا «مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » . وَكَقَوْلِ الْحَجَّاجِ فِي خُطْبَتِهِ فِي أَهِلِ الْكُوفَةِ «أَلَسْتُمْ أَصْحَابِي بِالْأَهْوَازِ حِينَ رُمْتُمُ الْغَدْرَ» إِلَخْ.
وَالتَّكَبُّرُ: شِدَّةُ الْكِبْرِ، وَمِنْ أَوْصَافِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَكَبِّرُ، وَالْكِبْرُ: إِظْهَارُ الْمَرْءِ التَّعَاظُمَ عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ يَعُدُّ نَفْسَهُ عَظِيمًا. وَتَعْرِيفُ الْمُتَكَبِّرِينَ هُنَا لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَأَصْحَابُ التَّكَبُّرِ مَرَاتِبُ أَقْوَاهَا الشِّرْكُ، قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ [غَافِر: ٦٠] وَهُوَ الْمَعْنِيُّ
بِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ : «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ
، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَابَلَهُ بِالْإِيمَانِ، وَدُونَهُ مَرَاتِبُ كَثِيرَةٌ مُتَفَاوِتَةٌ فِي قُوَّةِ حَقِيقَةِ مَاهِيَّةِ التَّكَبُّرِ، وَكُلُّهَا مَذْمُومَةٌ. وَمَا يَدُورُ عَلَى الْأَلْسُنِ: أَنَّ الْكِبْرَ عَلَى أَهْلِ الْكِبْرِ عِبَادَةٌ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ.
وَفِي وَصْفِهِمْ بِالْمُتَكَبِّرِينَ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ عِقَابَهُمْ بِتَسْوِيدِ وُجُوهِهِمْ كَانَ مُنَاسِبًا لِكِبْرِيَائِهِمْ لِأَنَّ الْمُتَكَبِّرَ إِذا كَانَ سيّىء الْوَجْهِ انْكَسَرَتْ كِبْرِيَاؤُهُ لِأَنَّ الْكِبْرِيَاءَ تَضْعُفُ بِمِقْدَارِ شُعُورِ صَاحِبِهَا بِمَعْرِفَةِ النَّاس نقائصه.
[٦١]
[سُورَة الزمر (٣٩) : آيَة ٦١]
وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)
عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ [الزمر: ٦٠] إِلَى
стр. 8190
آخِرِهَا، أَيْ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا مِنْ جَهَنَّمَ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمُتَكَبِّرِينَ. وَهَذَا إِيذَانٌ بِأَنَّ التَّقْوَى تُنَافِي التَّكَبُّرَ لِأَنَّ التَّقْوَى كَمَالُ الْخُلُقِ الشَّرْعِيِّ وَتَقْتَضِي اجْتِنَابَ الْمَنْهِيَّاتِ وَامْتِثَالَ الْأَمْرِ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، وَالْكِبْرُ مَرَضٌ قَلْبِيٌّ بَاطِنِيٌّ فَإِذَا كَانَ الْكِبْرُ مُلْقِيًا صَاحِبَهُ فِي النَّارِ بِحُكْمِ قَوْلِهِ: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر: ٦٠] فَضِدُّ أُولَئِكَ نَاجُونَ مِنْهَا وَهُمُ الْمُتَّقُونَ إِذِ التَّقْوَى تَحُولُ دُونَ أَسْبَابِ الْعِقَابِ الَّتِي مِنْهَا الْكِبْرُ، فَالَّذِينَ اتَّقَوْا هُمْ أَهْلُ التَّقْوَى وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ، وَلِذَلِكَ فَفِعْلُ اتَّقَوْا مَنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ لَا يُقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ.
وَالْمَفَازَةُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرًا مِيمِيًّا لِلْفَوْزِ وَهُوَ الْفَلَاحُ، مِثْلَ الْمَتَابِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى:
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً [النبأ: ٣١] ، وَلِحَاقُ التَّاءِ بِهِ مِنْ قَبِيلِ لِحَاقِ هَاءِ التَّأْنِيثِ بِالْمَصْدَرِ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ [الْوَاقِعَة: ٢] . وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي اسْمِ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ وَعِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ فِي آلِ عِمْرَانَ [١٨٨] ، وَالْبَاءُ
لِلْمُلَابَسَةِ، أَيْ مُتَلَبِّسِينَ بِالْفَوْزِ أَوِ الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أَيْ بِسَبَبِ مَا حَصَلُوا عَلَيْهِ مِنَ الْفَوْزِ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَفَازَةُ اسْمًا لِلْفَلَاةِ، كَمَا فِي قَوْلِ لَبِيدٍ:
لِوِرْدٍ تَقْلِصُ الْغِيطَانُ عَنْهُ ... يَبُذُّ مَفَازَةِ الْخِمْسِ الْكَمَالِ
سُمِّيَتْ مَفَازَةً بِاسْمِ مَكَانِ الْفَوْزِ، أَيِ النَّجَاةُ وَتَأْنِيثُهَا بِتَأْوِيلِ الْبُقْعَةِ، وَسَمَّوْهَا مَفَازَةً بِاعْتِبَارِ أَنَّ مَنْ حَلَّ بِهَا سَلِمَ مِنْ أَنْ يَلْحَقَهُ عَدُوُّهُ، كَمَا قَالَ الْعُدَيْلُ:
وَدُونَ يَدِ الْحَجَّاجِ مِنْ أَنْ تنالني ... بِسَاط بأيدي أَنا عجات عَرِيضُ
وَقَوْلُ النَّابِغَةِ:
تُدَافِعُ النَّاسَ عَنَّا حِينَ نَرْكَبُهَا ... مِنَ الْمَظَالِمِ تُدْعَى أُمُّ صَبَّارِ
وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى فَالْبَاءُ بِمَعْنَى (فِي) . وَالْمَفَازَةُ: الْجَنَّةُ. وَإِضَافَةُ مَفَازَةٍ إِلَى ضَمِيرِهِمْ كِنَايَةٌ عَنْ شِدَّةِ تَلَبُّسِهِمْ بِالْفَوْزِ حَتَّى عُرِفَ بِهِمْ كَمَا يُقَالُ: فَازَ فَوْزَ فُلَانٍ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِمَفازَتِهِمْ بِصِيغَةِ الْمُفْرَدِ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ وَخَلَفٌ بِمَفَازَاتِهِمْ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ وَهِيَ تَجْرِي عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ فِي الْمَفَازَةِ لِأَنَّ
стр. 8191
الْمَصْدَرَ قَدْ يُجْمَعُ بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ الصَّادِرِ مِنْهُ، أَوْ بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ أَنْوَاعِهِ، وَكَذَلِكَ تَعَدُّدُ أَمْكِنَةِ الْفَوْزِ بِتَعَدُّدِ الطَّوَائِفِ، وَعَلَى هَذَا فَإِضَافَةُ الْمَفَازَةِ إِلَى ضَمِيرِ الَّذِينَ اتَّقَوْا لِتَعْرِيفِهَا بِهِمْ، أَيِ الْمَفَازَةُ الَّتِي عَلِمْتُمْ أَنَّهَا لَهُمْ وَهِيَ الْجَنَّةُ، وَقَدْ عُلِمَ ذَلِكَ مِنْ آيَاتٍ وَأَخْبَارٍ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً حَدائِقَ وَأَعْناباً وَكَواعِبَ أَتْراباً [النبأ: ٣١، ٣٣] .
وَجُمْلَةُ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لِأَنَّ نَفْيَ مَسِّ السُّوءِ هُوَ إِنْجَاؤُهُمْ وَنَفْيُ الْحُزْنِ عَنْهُمْ نَفْيٌ لِأَثَرِ الْمَسِّ السُّوءَ.
وَجِيءَ فِي جَانِبِ نَفْيِ السُّوءِ بِالْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ لِأَنَّ ذَلِكَ لِنَفْيِ حَالَةِ أَهْلِ النَّارِ عَنْهُمْ، وَأَهْلُ النَّارِ فِي مَسٍّ مِنَ السُّوءِ مُتَجَدِّدٌ. وَجِيءَ فِي نَفْيِ الْحُزْنِ عَنْهُمْ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِأَنَّ أَهْلَ النَّارِ أَيْضًا فِي حَزْنٍ وَغَمٍّ ثَابِتٍ لَازِمٍ لَهُمْ.
وَمِنْ لَطِيفِ التَّعْبِيرِ هَذَا التَّفَنُّنُ، فَإِنَّ شَأْنَ الْأَسْوَاءِ الْجَسَدِيَّةِ تَجَدُّدُ آلَامِهَا وَشَأْنُ الْأَكْدَارِ الْقَلْبِيَّةِ دَوَامُ الإحساس بهَا.
[٦٢- ٦٣]
[سُورَة الزمر (٣٩) : الْآيَات ٦٢ إِلَى ٦٣]
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٣)
هَذَا اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ [الزمر: ٦٤] فِي ذِكْرِ تَمَسُّكِ الرَّسُولِ ﷺ وَالرُّسُلِ مِنْ قَبْلِهِ بِالتَّوْحِيدِ وَنَبْذِ الشِّرْكِ وَالْبَرَاءَةِ مِنْهُ وَالتَّصَلُّبِ فِي مُقَاوَمَتِهِ وَالتَّصْمِيمِ عَلَى قَطْعِ دَابِرِهِ، وَجُعِلَتِ الْجُمَلُ الثَّلَاثُ مِنْ قَوْلِهِ: اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ إِلَى قَوْلِهِ: السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مُقْدِمَاتٍ تُؤَيِّدُ مَا يَجِيءُ بَعْدَهَا من قَوْله: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ [الزمر: ٦٤] .
وَقَدِ اشْتَمَلَ هَذَا الِاسْتِئْنَافُ وَمَعْطُوفَاتُهُ عَلَى ثَلَاثِ جُمَلٍ وَجُمْلَةٍ رَابِعَةٍ:
стр. 8192
فَالْجُمْلَةُ الْأُولَى: اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ أَدْخَلَتْ كُلَّ مَوْجُودٍ فِي أَنَّهُ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعَالَى، فَهُوَ وَلِيُّ التَّصَرُّفِ فِيهِ لَا يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا ذَاتُ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتُهُ فَهِيَ مَخْصُوصَةٌ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ وَهُوَ أَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَلَوْ كَانَ خَالِقَ نَفْسِهِ أَوْ صِفَاتِهِ لَزِمَ تَوَقُّفُ الشَّيْءِ عَلَى مَا يَتَوَقَّفُ هُوَ عَلَيْهِ وَهَذَا مَا يُسَمَّى بِالدَّوْرِ فِي الْحِكْمَةِ، وَاسْتِحَالَتُهُ عَقْلِيَّةٌ، فَخَصَّ هَذَا الْعُمُومَ الْعَقْلُ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا إِثْبَاتُ حَقِيقَةٍ، وَإِلْزَامُ النَّاسِ بِتَوْحِيدِهِ لِأَنَّهُ خَالِقُهُمْ، وَلَيْسَ فِي هَذَا قَصْدُ ثَنَاءٍ وَلَا تَعَاظُمٍ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ تَذْكِيرُ النَّاسِ بِأَنَّهُمْ جَمِيعًا هُمْ وَمَا مَعَهُمْ عَبِيدٌ لِلَّهِ وَحْدَهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِ مِنَّةٌ عَلَيْهِمْ بِالْإِيجَادِ.
الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ: وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ وَجِيءَ بِهَا مَعْطُوفَةً لِأَنَّ مَدْلُولَهَا مُغَايِرٌ لِمَدْلُولِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَالْوَكِيلُ الْمُتَصَرِّفُ فِي شَيْءٍ بِدُونِ تَعَقُّبٍ وَلَمَّا لَمْ يُعَلَّقْ بِذَلِكَ الْوَصْفِ شَيْءٌ عُلِمَ أَنَّهُ مَوْكُولٌ إِلَيْهِ جِنْسُ التَّصَرُّفِ وَحَقِيقَتُهُ الَّتِي تَعُمُّ جَمِيعَ أَفْرَادِ مَا يُتَصَرَّفُ فِيهِ، فَعَمَّ تَصَرُّفُهُ أَحْوَالَ جَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ مِنْ تَقْدِيرِ الْأَعْمَالِ وَالْآجَالِ وَالْحَرَكَاتِ، وَهَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ تَقْتَضِي الِاحْتِيَاجَ إِلَيْهِ بِالْإِمْدَادِ فَهُمْ بَعْدَ أَنْ أَوَجَدَهُمْ لَمْ يَسْتَغْنُوا عَنْهُ لَمْحَةً مَا.
الْجُمْلَةُ الثَّالِثَةُ: لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَجِيءَ بِهَا مَفْصُولَةً لِأَنَّهَا تُفِيدُ بَيَانَ الْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا فَإِنَّ الْوَكِيلَ عَلَى شَيْءٍ يَكُونُ هُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي الْعَطَاءِ وَالْمَنْعِ.
وَالْمَقَالِيدُ: جَمَعَ إِقْلِيدٍ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَهَذَا جَمْعٌ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَإِقْلِيدٌ قِيلَ مُعَرَّبٌ عَنِ الْفَارِسِيَّةِ، وَأَصْلُهُ (كِلِيدٌ) قِيلَ مِنَ الرُّومِيَّةِ وَأَصْلُهُ (إِقْلِيدِسُ) وَقيل كلمة يَمَانِية وَهُوَ مِمَّا تَقَارَبَتْ فِيهِ اللُّغَاتُ وَهِيَ كِنَايَةٌ عَنْ حِفْظِ ذَخَائِرِهَا، فَذَخَائِرُ الْأَرْضِ عَنَاصِرُهَا وَمَعَادِنُهَا وَكَيْفِيَّاتُ أَجْوَائِهَا وَبِحَارِهَا، وَذَخَائِرُ السَّمَاوَاتِ سَيْرُ كَوَاكِبِهَا وَتَصَرُّفَاتُ أَرْوَاحِهَا فِي عَوَالِمِهَا وَعَوَالِمِنَا وَمَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى. وَلَمَّا كَانَتْ تِلْكَ الْعَنَاصِرُ وَالْقُوَى شَدِيدَةُ النَّفْعِ لِلنَّاسِ وَكَانَ النَّاسُ فِي حَاجَةٍ إِلَيْهَا شُبِّهَتْ بِنَفَائِسَ الْمَخْزُونَاتِ فَصَحَّ
أَيْضًا أَنْ تَكُونَ الْمَقَالِيدُ اسْتِعَارَةً مَكْنِيَّةً، وَهِيَ أَيْضًا اسْتِعَارَةٌ مُصَرِّحَةٌ لِلْأَمْرِ الْإِلَهِيِّ التَّكْوِينِيِّ وَالتَّسْخِيرِيِّ الَّذِي يَفِيضُ بِهِ عَلَى النَّاسِ مِنْ تِلْكَ الذَّخَائِرِ الْمُدَّخَرَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [الْحجر: ٢١] .
стр. 8193
وَهَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ اللَّهَ هُوَ مُعْطِي مَا يَشَاءُ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ، وَمِنْ أَعْظَمِ ذَلِكَ النُّبُوءَةُ وَهَدْيُ الشَّرِيعَةِ فَإِنَّ جَهْلَ الْمُشْرِكِينَ بِذَلِكَ هُوَ الَّذِي جَرَّأَهُمْ عَلَى أَنْ أَنْكَرُوا اخْتِصَاصَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالرِّسَالَةِ دُونَهُمْ، وَاخْتِصَاصُ أَتْبَاعِهِ بِالْهُدَى فَقَالُوا: أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا [الْأَنْعَام: ٥٣] . فَهَذِهِ الْجُمَلُ اشْتَمَلَتْ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ ثَلَاثٍ تَقْتَضِي كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا دِلَالَةً عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ بِالْخَلْقِ، ثُمَّ بِالتَّصَرُّفِ الْمُطْلَقِ فِي مَخْلُوقَاتِهِ، ثُمَّ بِوَضْعِ النُّظُمِ وَالنَّوَامِيسِ الْفِطْرِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ وَالتَّهْذِيبِيَّةِ فِي نِظَامِ الْعَالَمِ وَفِي نِظَامِ الْبَشَرِ. وَكُلُّ ذَلِكَ مُوجِبٌ تَوْحِيدَهُ وَتَصْدِيقَ رَسُولِهِ ﷺ وَالِاسْتِمْسَاكَ بِعُرْوَتِهِ كَمَا رَشَدَ بِذَلِكَ أَهْلُ الْإِيمَانِ.
فَأَمَّا الْجُمْلَةُ الرَّابِعَةُ وَهِيَ: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ فَتَحْتَمِلُ الِاعْتِرَاضَ وَلَكِنَّ اقْتِرَانَهَا بِالْوَاوِ بَعْدَ نَظَائِرِهَا يُرَجِّحُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ فِيهَا عَاطِفَةً وَأَنَّهَا مَقْصُودَةٌ بِالْعَطْفِ عَلَى مَا قَبْلَهَا لِأَنَّ فِيهَا زِيَادَةً عَلَى مَفَادِ الْجُمْلَةِ قَبْلَهَا، وَتَكُونُ مُقَدَّمَةً رَابِعَةً لِلْمَقْصُودِ تَجْهِيلًا لِلَّذِينِ هُمْ ضِدُّ الْمَقْصُودِ مِنَ الْمُقَدِّمَاتِ فَإِنَّ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى الْحَقِّ بِإِبْطَالِ ضِدِّهِ ضَرْبٌ مِنْ ضُرُوبِ الِاسْتِدْلَالِ. لِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ يَعُودُ إِلَى تَرْغِيبٍ وَتَنْفِيرٍ فَإِذَا كَانَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ خَاسِرِينَ لَا جَرَمَ كَانَ الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِ الله هم الفائزين، فَهَذِهِ الْجُمْلَةُ تُقَابِلُ جُمْلَةَ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ [الزمر: ٦١] الْمُنْتَقَلَ مِنْهَا إِلَى هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ مُفِيدَةٌ إِنْذَارَهُمْ وَتَأْفِينَ آرَائِهِمْ، لِأَنَّ مَوْقِعَهَا بَعْدَ دَلَائِلِ الْوَحْدَانِيَّةِ وَهِيَ آيَاتٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ يَقْتَضِي التَّنْدِيدَ عَلَيْهِمْ فِي عَدَمِ الِاهْتِدَاءِ بِهَا.
وَوُصِفَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ بِأَنَّهُمُ الْخَاسِرُونَ لِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ مَنْ لَهُ مَقَالِيدُ خَزَائِنِ الْخَيْرِ فَعَرَّضُوا أَنْفُسَهُمْ لِلْحِرْمَانِ مِمَّا فِي خَزَائِنِهِ وَأَعْظَمُهَا خَزَائِنُ خَيْرِ الْآخِرَةِ.
وَآيَاتُ اللَّهِ هِيَ دَلَائِلُ وُجُودِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ الَّتِي أَشَارَتْ إِلَيْهَا الْجُمَلُ الثَّلَاثُ السَّابِقَةُ.
стр. 8194
وَالْإِخْبَارُ عَنِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاسْمِ الْإِشَارَة للتّنْبِيه عَن أَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِمْ خَسِرُوا لِأَجْلِ مَا وُصِفُوا بِهِ قَبْلَ اسْمِ الْإِشَارَةِ وَهُوَ الْكُفْرُ بِآيَاتِ اللَّهِ. وَتَوَسُّطُ ضَمِيرِ الْفَصْلِ لِإِفَادَةِ حَصْرِ الْخَسَارَةِ فِيهِمْ وَهُوَ قَصْرٌ ادِّعَائِيٌّ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِخَسَارَةِ غَيْرِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى خَسَارَتِهِمْ فَخَسَارَتُهُمْ أعظم خسارة.
[٦٤]
[سُورَة الزمر (٣٩) : آيَة ٦٤]
قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٦٤)
هَذَا نَتِيجَةُ الْمُقَدِّمَاتِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالْإِثْبَاتِ، فَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: أَفَغَيْرَ اللَّهِ لِتَفْرِيعِ الْكَلَامِ الْمَأْمُورِ الرَّسُولُ ﷺ بِأَنْ يَقُولَهُ عَلَى الْكَلَامِ الْمُوحَى بِهِ إِلَيْهِ لِيَقْرَعَ بِهِ أَسْمَاعَهُمْ، فَإِنَّ الْحَقَائِقَ الْمُتَقَدِّمَةَ مُوَجَّهَةٌ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَبَعْدَ تَقَرُّرِهَا عِنْدَهُمْ وَإِنْذَارِهِمْ عَلَى مُخَالَفَةِ حَالِهِمْ لِمَا تَقْتَضِيهِ تِلْكَ الْحَقَائِقُ أَمَرَ الرَّسُولَ ﷺ بِأَنْ يُوَجِّهَ إِلَيْهِمْ هَذَا الِاسْتِفْهَامَ الْإِنْكَارِيَّ مُنَوَّعًا عَلَى مَا قَبْلَهُ إِذْ كَانَتْ أَنْفُسُهُمْ قَدْ خَسِئَتْ بِمَا جَبَهَهَا مِنَ الْكَلَام السَّابِق تأييسها لَهُمْ مِنْ مُحَاوَلَةِ صَرْفِ الرَّسُولِ ﷺ عَنِ التَّوْحِيدِ إِلَى عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ.
وَتَوَسُّطُ فِعْلِ قُلْ اعْتِرَاضٌ بَيْنَ التَّفْرِيعِ وَالْمُفَرَّعِ عَنْهُ لِتَصْيِيرِ الْمَقَامِ لِخِطَابِ الْمُشْرِكِينَ خَاصَّةً بَعْدَ أَنْ كَانَ مَقَامُ الْكَلَامِ قَبْلَهُ مَقَامَ الْبَيَانِ لِكُلِّ سَامِعٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَغَيْرِهِمْ، فَكَانَ قَوْلُهُ: قُلْ هُوَ الْوَاسِطَةُ فِي جَعْلِ التَّفْرِيعِ خَاصًّا بِهِمْ، وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ النَّظْمِ وَوَفْرَةِ الْمَعَانِي وَهُوَ حَقِيقٌ بِأَنْ نُسَمِّيَهُ «تلوين الْبسَاط» .
وفَغَيْرَ اللَّهِ مَنْصُوبٌ بِ أَعْبُدُ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِ تَأْمُرُونِّي عَلَى حَذْفِ حَرْفِ الْجَرِّ مَعَ (أَنْ) وَحَذْفُ حَرْفِ الْجَرِّ مَعَ (أَنْ) كَثِيرٌ فَقَوْلُهُ: أَعْبُدُ عَلَى تَقْدِيرِ: أَنْ أَعْبُدَ فَلَمَّا حُذِفَ الْجَارُّ الْمُتَعَلِّقُ بِ تَأْمُرُونِّي حُذِفَتْ (أَنْ) الَّتِي كَانَتْ مُتَّصِلَةً بِهِ، كَمَا حُذِفَتْ فِي قَوْلِ طَرَفَةَ:
أَلَا أَيُهَذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرَ الْوَغَى ... وَأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي
وَهَذَا اسْتِعْمَالٌ جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي الْحَسَنِ الْأَخْفَشِ وَابْنِ مَالِكٍ وَنُحَاةِ الْأَنْدَلُسِ.
وَالْجُمْهُورُ يَمْنَعُونَهُ وَيَجْعَلُونَ قَوْلَهُ: أَعْبُدُ هُوَ الْمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ، وَفِعْلَ
стр. 8195
تَأْمُرُونِّي اعْتِرَاضًا أَوْ حَالًا، وَالتَّقْدِيرُ: أَأَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ حَالَ كَوْنِكُمْ تَأْمُرُونَنِي بِذَلِكَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فِي الْمَثَلِ: تَسْمَعُ بِالْمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ،
وَفِي الْحَدِيثِ «وَتُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَحْمِلُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ»
. وَقَرَأَ نَافِعٌ تَأْمُرُونِّي بِنُونٍ وَاحِدَةٍ خَفِيفَةٍ عَلَى حَذْفِ وَاحِدَةٍ مِنَ النُّونَيْنِ اللَّتَيْنِ هَمَّا نُونُ الرَّفْعِ وَنُونُ الْوِقَايَةِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمَحْذُوفَةِ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ: فَبِمَ تُبَشِّرُونَ [الْحجر: ٥٤] ، وَفَتَحَ نَافِعٌ يَاءَ الْمُتَكَلِّمِ لِلتَّخْفِيفِ وَالتَّفَادِي مِنَ الْمَدِّ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ تَأْمُرُونِّي بِتَشْدِيدِ النُّونِ إِدْغَامًا لِلنُّونَيْنِ مَعَ تَسْكِينِ الْيَاءِ لِلتَّخْفِيفِ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَفَتْحِ الْيَاءِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ تَأْمُرُونَنِي بِإِظْهَارِ النُّونَيْنِ وَتَسْكِينِ الْيَاءِ.
وَنِدَاؤُهُمْ بِوَصْفِ الْجَاهِلِينَ تَقْرِيعٌ لَهُمْ بَعْدَ أَنْ وُصِفُوا بِالْخُسْرَانِ لِيَجْمَعَ لَهُمْ بَيْنَ نَقْصِ الْآخِرَةِ وَنَقْصِ الدُّنْيَا. وَالْجَهْلُ هُنَا ضِدُّ الْعِلْمِ لِأَنَّهُمْ جَهِلُوا دَلَالَةَ الدَّلَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَلَمْ تُفِدْ مِنْهُمْ شَيْئًا فَعَمُوا عَنْ دَلَائِلِ الْوَحْدَانِيَّةِ الَّتِي هِيَ بِمَرْأًى مِنْهُمْ وَمَسْمَعٍ فَجَهِلُوا دَلَالَتَهَا عَلَى الصَّانِعِ الْوَاحِدِ وَلَمْ يَكْفِهِمْ هَذَا الْحَظُّ مِنَ الْجَهْلِ حَتَّى تَدَلَّوْا إِلَى حَضِيضِ عِبَادَةِ أَجْسَامٍ مِنَ الصَّخْرِ الْأَصَمِّ. وَإِطْلَاقُ الْجَهْلِ عَلَى ضِدِّ الْعِلْمِ إِطْلَاقٌ عَرَبِيٌّ قَدِيمٌ قَالَ النَّابِغَةُ:
يُخْبِرْكَ ذُو عِرْضِهِمْ عَنِّي وَعَالِمِهِمْ ... وَلَيْسَ جَاهِلُ شَيْءٍ مِثْلَ مَنْ علما
وَقَالَ السموأل أَوْ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْحَارِثِيُّ:
سَلِي إِنْ جَهِلْتِ النَّاسَ عَنَّا وَعَنْهُمُ ... فَلَيْسَ سَوَاءٌ عَالِمٌ وَجَهُولُ
وَحُذِفَ مَفْعُولُ الْجاهِلُونَ لِتَنْزِيلِ الْفِعْلِ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ كَأَنَّ الْجَهْلَ صَارَ لَهُمْ سَجِيَّةً فَلَا يَفْقَهُونَ شَيْئًا فَهُمْ جَاهِلُونَ بِمَا أَفَادَتْهُ الدَّلَائِلُ مِنَ الْوَحْدَانِيَّةِ الَّتِي لَوْ عَلِمُوهَا لَمَا أَشْرَكُوا وَلَمَا دَعَوُا النَّبِيءَ ﷺ إِلَى اتِّبَاعِ شِرْكِهِمْ، وَهُمْ جَاهِلُونَ بِمَرَاتِبِ النُّفُوسِ الْكَامِلَةِ جَهْلًا أَطْمَعَهُمْ أَنْ يَصْرِفُوا النَّبِيءَ ﷺ عَنِ التَّوْحِيدِ وَأَنْ يَسْتَزِلُّوهُ
следующие страницы →