← Тафсир

Тафсир · id 9776

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Полный текст (11 044 стр.). Показаны 8716–8755 · переход к 8721.

стр. 8716

وَلَقَّنَهُ كَلَامًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَا كَانَ يَعْزُبُ عَنْهُ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَا يَخْطُرُ بِبَالِهِ أَنَّ لِلَّهِ ابْنًا. وَالَّذِينَ يَقُولُ لَهُم هَذَا الْمَقُول هُمُ الْمُشْرِكُونَ الزَّاعِمُونَ ذَلِكَ فَهَذَا غَرَضُ الْآيَةِ عَلَى الْإِجْمَالِ لِأَنَّهَا افْتُتِحَتْ بِقَوْلِهِ: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ مَعَ عِلْمِ السَّامِعِينَ أَن النبيء ﷺ لَا يَرُوجُ عِنْدَهُ ذَلِكَ. وَنَظْمُ الْآيَةِ دَقِيقٌ وَمُعْضِلٌ، وَتَحْتَهُ مَعَانٍ جَمَّةٌ: وَأَوَّلُهَا وَأَوْلَاهَا: أَنَّهُ لَوْ يَعْلَمُ أَنَّ لِلَّهِ أَبْنَاءً لَكَانَ أَوَّلَ مَنْ يَعْبُدُهُمْ، أَيْ أَحَقُّ مِنْكُمْ بِأَنْ أَعْبُدَهُمْ، أَيْ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَقَلَّ فَهْمًا مِنْ أَنْ يَعْلَمَ شَيْئًا ابْنًا لِلَّهِ وَلَا يَعْتَرِفَ لِذَلِكَ بِالْإِلَهِيَّةِ لِأَنَّ ابْنَ اللَّهِ يَكُونُ مُنْسَلًّا مِنْ ذَاتٍ إِلَهِيَّةٍ فَلَا يَكُونُ إِلَّا إِلَهًا وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّ الْإِلَهَ يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ، فَالدَّلِيلُ مُرَكَّبٌ مِنْ مُلَازَمَةٍ شَرْطِيَّةٍ، وَالشَّرْطُ فَرْضِيٌّ، وَالْمُلَازَمَةُ بَيْنَ الْجَوَابِ وَالشَّرْطِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ عَاقِلٌ دَاعٍ إِلَى الْحَقِّ وَالنَّجَاةِ فَلَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ مَا يُوَرِّطُهُ، وَأَيْضًا لَا يَرْضَى لَهُمْ إِلَّا مَا رَضِيَهُ لِنَفْسِهِ، وَهَذَا مُنْتَهَى النُّصْحِ لَهُمْ، وَبِهِ يَتِمُّ الِاسْتِدْلَالُ وَيُفِيدُ أَنَّهُ ثَابِتُ الْقَدَمِ فِي تَوْحِيدِ الْإِلَهِ. وَنُفِيَ التَّعَدُّدُ بِنَفْيِ أَخَصِّ أَحْوَالِ التَّعَدُّدِ وَهُوَ التَّعَدُّدُ بِالْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ كَتَعَدُّدِ الْعَائِلَةِ، وَهُوَ أَصْلُ التَّعَدُّدِ فَيَنْتَفِي أَيْضًا تَعَدُّدُ الْآلِهَةِ الْأَجَانِبِ بِدَلَالَةِ الْفَحْوَى. وَنَظِيرُهُ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ لِلْحَجَّاجِ. وَقَدْ قَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَهُ: لَأُبَدِّلَنَّكَ بِالدُّنْيَا نَارًا تَلَظَّى فَقَالَ سَعِيدٌ: لَوْ عَرَفْتُ أَنَّ ذَلِكَ إِلَيْكَ مَا عَبَدْتُ إِلَهًا غَيْرَكَ، فَنَبَّهَهُ إِلَى خَطَئِهِ بِأَنَّ إِدْخَالَ النَّارِ مِنْ خَصَائِصِ اللَّهِ تَعَالَى. وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ مُرَكَّبٌ مِنْ قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ أَوَّلُ جُزْأَيْهَا وَهُوَ الْمُقَدَّمُ بَاطِلٌ، وَثَانِيهِمَا وَهُوَ التَّالِي بَاطِلٌ أَيْضًا، لِأَنَّ بُطْلَانَ التَّالِي لَازِمٌ لِبُطْلَانِ الْمُقَدَّمِ، كَقَوْلِكَ: إِنْ كَانَتِ الْخَمْسَةُ زَوْجًا فَهِيَ مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَسَاوِيَيْنِ، وَالِاسْتِدْلَالُ هُنَا بِبُطْلَانِ التَّالِي عَلَى بُطْلَانِ الْمُقَدَّمِ لِأَنَّ كَون النبيء ﷺ عَابِدًا لِمَزْعُومٍ بُنُوَّتُهُ لِلَّهِ أَمْرٌ مُنْتَفٍ بِالْمُشَاهَدَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ نَاهِيًا إِيَّاهُمْ عَنْ ذَلِكَ. وَهَذَا عَلَى وِزَانِ الِاسْتِدْلَالِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الْأَنْبِيَاء: ٢٢] ، إِلَّا أَنَّ تِلْكَ جُعِلَ شَرْطُهَا بِأَدَاةٍ صَرِيحَةٍ فِي الِامْتِنَاعِ، وَهَذِهِ جُعِلَ شَرْطُهَا بِأَدَاةٍ غَيْرِ صَرِيحَةٍ فِي الِامْتِنَاعِ.

стр. 8717

وَالنُّكْتَةُ فِي الْعُدُولِ عَنِ الْأَدَاةِ الصَّرِيحَةِ فِي الِامْتِنَاعِ هُنَا إيهامهم فِي بادىء الْأَمْرِ أَنَّ فَرْضَ الْوَلَدِ لِلَّهِ مَحَلُّ نَظَرٍ، وَلِيَتَأَتَّى أَنْ يَكُونَ نَظْمُ الْكَلَامِ مُوَجَّهًا حَتَّى إِذَا تَأَمَّلُوهُ وَجَدُوهُ يَنْفِي أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ وَلَدٌ بِطَرِيقِ الْمَذْهَبِ الْكَلَامِيِّ. وَيَدُلُّ لِهَذَا مَا رَوَاهُ فِي «الْكَشَّافِ» أَنَّ النَّضِرَ بْنَ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ قَالَ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ. فَقَالَ النَّضِرُ: أَلَا تَرَوْنَ أَنَّهُ قَدْ صَدَقَنِي، فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ: مَا صَدَقَكَ وَلَكِنْ قَالَ: مَا كَانَ للرحمان وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْمُوَحِّدِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ. وَرُوِيَ مُجْمَلُ هَذَا الْمَعْنَى عَنِ السُّدِّيِّ فَكَانَ فِي نَظْمِ الْآيَةِ عَلَى هَذَا النَّظْمِ إِيجَازٌ بَدِيعٌ، وَإِطْمَاعٌ لِلْخُصُومِ بِمَا إِنْ تَأَمَّلُوهُ اسْتَبَانَ وَجْهُ الْحَقِّ فَإِنْ أَعْرَضُوا بَعْدَ ذَلِكَ عُدَّ إِعْرَاضُهُمْ نُكُوصًا. وَتَحْتَمِلُ الْآيَةُ وُجُوهًا أُخَرَ مِنَ الْمَعَانِي. مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى إِن كَانَ للرحمان وَلَدٌ فِي زَعْمِكُمْ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ لِلَّهِ، أَيْ فَأَنَا أول الْمُؤمنِينَ بتكذيبكم، قَالَهُ مُجَاهِدٌ، أَيْ بِقَرِينَةِ تَذْيِيلِهِ بِجُمْلَةِ سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْآيَةَ. وَمِنْهَا، أَنْ يَكُونَ حَرْفُ إِنْ لِلنَّفْيِ دُونَ الشَّرْطِ، وَالْمَعْنَى: مَا كَانَ للرحمان وَلَدٌ فَتَفَرَّعَ عَلَيْهِ: أَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ لِلَّهِ، أَيْ أَتَنَزَّهُ عَنْ إِثْبَاتِ الشَّرِيكِ لَهُ، وَهَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَابْنِهِ. وَمِنْهَا: تَأْوِيلُ الْعابِدِينَ أَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ عَبَدَ يَعْبُدُ مِنْ بَابِ فَرِحَ، أَيْ أَنِفَ وَغَضِبَ، قَالَهُ الْكِسَائِيُّ، وَطَعَنَ فِيهِ نِفْطَوَيْهِ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ فِي اسْمِ فَاعِلِ عَبَدَ يَعْبُدُ عَبْدٌ وَقَلَّمَا يَقُولُونَ: عَابِدٌ وَالْقُرْآنُ لَا يَأْتِي بِالْقَلِيلِ مِنَ اللُّغَةِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ وَلَدٌ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَفَتْحِ اللَّامِ. وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَلَدٌ بِضَمِّ الْوَاوِ وَسُكُونِ اللَّامِ جَمْعُ وَلَدٍ. وَجُمْلَةُ سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ، يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ تَكْمِلَةً لِمَا أَمر الرَّسُول ﷺ بِأَنْ يَقُولَهُ، أَيْ قُلْ: إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ عَلَى الْفَرْضِ، وَالتَّقْدِيرِ: مَعَ تَنْزِيهٍ عَنْ تَحَقُّقِ ذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. فَيَكُونُ لِهَذِهِ الْجُمْلَةِ حُكْمُ التَّالِي فِي جُزْأَيِ الْقِيَاسِ الشَّرْطِيِّ الِاسْتِثْنَائِيِّ.

стр. 8718

وَلَيْسَ فِي ضَمِيرِ يَصِفُونَ الْتِفَاتٌ لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ: قُلْ لَهُمْ إِنَّ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ كَلَامًا مُسْتَأْنَفًا مِنْ جَانِبِ اللَّهِ تَعَالَى لِإِنْشَاءِ تَنْزِيهِهِ عَمَّا يَقُولُونَ فَتَكُونَ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ وَجُمْلَةِ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ [الزخرف: ٨٤] . وَلِهَذِهِ الْجُمْلَةِ مَعْنَى التَّذْيِيلِ لِأَنَّهَا نَزَّهَتِ اللَّهَ عَنْ جَمِيعِ مَا يَصِفُونَهُ بِهِ مِنْ نِسْبَةِ الْوَلَدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَوَصْفُهُ بِرُبُوبِيَّةِ أَقْوَى الْمَوْجُودَاتِ وَأَعَمِّهَا وَأَعْظَمِهَا، لِأَنَّهُ يُفِيدُ انْتِفَاءَ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لِانْتِفَاءِ فَائِدَةِ الْوِلَادَةِ، فَقَدْ تَمَّ خَلْقُ الْعَوَالِمِ وَنِظَامِ نَمَائِهَا وَدَوَامِهَا، وَعُلِمَ مِنْ كَوْنِهِ خَالِقَهَا أَنَّهُ غَيْرُ مَسْبُوقٍ بِعَدَمٍ وَإِلَّا لَاحْتَاجَ إِلَى خَالِقٍ يَخْلُقُهُ، وَاقْتَضَى عَدَمَ السَّبْقِ بِعَدَمِ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ فَنَاءٌ فَوُجُودُ الْوَلَدِ لَهُ يكون عَبَثا. [٨٣] [سُورَة الزخرف (٤٣) : آيَة ٨٣] فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣) اعْتِرَاضٌ بِتَفْرِيعٍ عَنْ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَمَّا يَنْسُبُونَهُ إِلَيْهِ مِنَ الْوَلَدِ وَالشُّرَكَاءِ، وَهَذَا تَأْيِيسٌ مِنْ إِجْدَاءِ الْحُجَّةِ فِيهِمْ وَأَنَّ الْأَوْلَى بِهِ مُتَارَكَتُهُمْ فِي ضَلَالِهِمْ إِلَى أَنْ يَحِينَ يَوْمٌ يَلْقَوْنَ فِيهِ الْعَذَابَ الْمَوْعُودَ. وَهَذَا مُتَحَقق فِي أيمة الْكُفْرِ الَّذِينَ مَاتُوا عَلَيْهِ، وَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا مُتَصَدِّينَ لمحاجّة النبيء ﷺ وَمُجَادَلَتِهِ وَالتَّشْغِيبِ عَلَيْهِ مِثْلَ أَبِي جَهْلٍ وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ وَالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَالنَّضِرِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ مِمَّنْ قُتِلُوا يَوْم بدر. و (الْيَوْم) هُنَا مُحْتَمِلٌ لِيَوْمِ بَدْرٍ وَلِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَكِلَاهُمَا قَدْ وُعِدُوهُ، وَالْوَعْدُ هُنَا بِمَعْنَى الْوَعِيدِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ. وَالْخَوْضُ حَقِيقَتُهُ: الدُّخُولُ فِي لُجَّةِ الْمَاءِ مَاشِيًا، وَيُطْلَقُ مَجَازًا عَلَى كَثْرَةِ الْحَدِيثِ، وَالْأَخْبَارِ وَالِاقْتِصَارِ عَلَى الِاشْتِغَالِ بِهَا، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ

стр. 8719

وَالْمَعْنَى: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ فِي حَالِ خَوْضِهِمْ فِي الْأَحَادِيثِ وَلَعِبِهِمْ فِي مَوَاقِعِ الْجد حِين يهزأوون بِالْإِسْلَامِ. واللعب: المزح والهزل. وَجُزِمَ فِعْلُ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا بِلَامِ الْأَمْرِ مَحْذُوفَةً وَهُوَ أَوْلَى مِنْ جَعْلِهِ جَزْمًا فِي جَوَابِ الْأَمْرِ، وَقَدْ تَكَرَّرَ مِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ فَالْأَمْرُ هُنَا مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّهْدِيدِ مِنْ قَبِيلِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ [فصلت: ٤٠] . وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ يُلاقُوا بِضَمِّ الْيَاءِ وَبِأَلِفٍ بَعْدَ اللَّامِ، وَصِيغَةُ الْمُفَاعَلَةِ مَجَازٌ فِي أَنَّهُ لِقَاءٌ مُحَقَّقٌ. وَقَرَأَهُ أَبُو جَعْفَرٍ يُلْقُوا بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ عَلَى أَنَّهُ مضارع الْمُجَرّد. [٨٤] [سُورَة الزخرف (٤٣) : آيَة ٨٤] وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ. عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ [الزخرف: ٨١] وَالْجُمْلَتَانِ اللَّتَانِ بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضَانِ، قُصِدَ مِنَ الْعَطْفِ إِفَادَةُ نَفْيِ الشَّرِيكِ فِي الْإِلَهِيَّةِ مُطْلَقًا بَعْدَ نَفْيِ الشَّرِيكِ فِيهَا بِالْبُنُوَّةِ، وَقُصِدَ بِذِكْرِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ الْإِحَاطَةُ بِعَوَالِمِ التَّدْبِيرِ وَالْخَلْقِ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ فِي الْأَرْضِ وَهُمْ أَصْنَامُهُمُ الْمَنْصُوبَةُ، وَجَعَلُوا لَهُ شُرَكَاءَ فِي السَّمَاءِ وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ إِذْ جَعَلُوهُمْ بَنَاتٍ لِلَّهِ تَعَالَى فَكَانَ قَوْلُهُ: فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ إِبْطَالًا لِلْفَرِيقَيْنِ مِمَّا زُعِمَتْ إِلَهِيَّتُهُمْ. وَكَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُهَا الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ عَلَى أَنه وصف للرحمان مِنْ قَوْلِهِ: إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ [الزخرف: ٨١] ، فَعَدَلَ عَنْ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ بِإِيرَادِ الْجُمْلَةِ مَعْطُوفَةً لِتَكُونَ مُسْتَقِلَّةً غَيْرَ صِفَةٍ، وَبِإِيرَادِ مُبْتَدَأٍ فِيهَا لِإِفَادَةِ قَصْرِ صِفَةِ الْإِلَهِيَّةِ فِي السَّمَاءِ وَفِي الْأَرْضِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا يُشَارِكُهُ فِي ذَلِكَ غَيْرُهُ، لِأَنَّ إِيرَادَ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ مَعْرِفَةً وَالْمُسْنَدِ مَعْرِفَةً طَرِيقٌ مِنْ طُرُقِ الْقَصْرِ. فَالْمَعْنَى وَهُوَ لَا غَيْرُهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ، وَصِلَةُ الَّذِي جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ حُذِفَ صَدْرُهَا، وَصَدْرُهَا ضَمِيرٌ يَعُودُ إِلَى مُعَادِ ضَمِيرِ وَهُوَ وَحَذْفُ صَدْرِ الصِّلَةِ اسْتِعْمَالٌ حَسَنٌ إِذَا طَالَتِ الصِّلَةُ كَمَا هُنَا. وَالتَّقْدِيرُ: الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ.

стр. 8720

وَالْمَجْرُورَانِ يَتَعَلَّقَانِ بِ إِلهٌ بِاعْتِبَارِ مَا يَتَضَمَّنُهُ مِنْ مَعْنَى الْمَعْبُودِ لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ أَلَهَ، إِذَا عَبَدَ فَشَابَهَ الْمُشْتَقَّ. وَصَحَّ تَعَلُّقُ الْمَجْرُورِ بِهِ فَتَعَلُّقُهُ بِلَفْظِ إِلَهٍ كَتَعَلُّقِ الظَّرْفِ بِغِرْبَالٍ وَأَقْوَى مِنْ تَعَلُّقِ الْمَجْرُورِ بِكَانُونَ فِي قَوْلِ الْحَطِيئَةِ يَهْجُو أُمَّهُ مِنْ أَبْيَاتِ: أَغِرْبَالًا إِذَا اسْتُودِعْتِ سِرًّا ... وَكَانُونًا عَلَى الْمُتَحَدِّثِينَا (١) وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ. بَعْدَ أَنْ وُصِفَ اللَّهُ بِالتَّفَرُّدِ بِالْإِلَهِيَّةِ أُتْبِعَ بِوَصْفِهِ بِ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ تَدْقِيقًا لِلدَّلِيلِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ، حَيْثُ دَلَّ عَلَى نَفْيِ إِلَهِيَّةِ غَيْرِهِ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِصَاصُهُ بِالْإِلَهِيَّةِ فِيهِمَا لِمَا فِي صِيغَةِ الْقَصْرِ مِنْ إِثْبَاتِ الْوَصْفِ لَهُ وَنَفْيِهِ عَمَّنْ سِوَاهُ، فَكَانَ قَوْلُهُ: وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ تَتْمِيمًا لِلدَّلِيلِ وَاسْتِدْلَالًا عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ سَمَّيْنَاهُ تَدْقِيقًا إِذِ التَّدْقِيقُ فِي الِاصْطِلَاحِ هُوَ ذِكْرُ الشَّيْءِ بِدَلِيلِ دَلِيلِهِ وَأَمَّا التَّحْقِيقُ فَذِكْرُ الشَّيْءِ بِدَلِيلِهِ لِأَنَّ الْمَوْصُوفَ بِتَمَامِ الْحِكْمَةِ وَكَمَالِ الْعِلْمِ مُسْتَغْنٍ عَمَّا سِوَاهُ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى وَلَدٍ وَلَا إِلَى بِنْتٍ وَلَا إِلَى شريك. [٨٥] [سُورَة الزخرف (٤٣) : آيَة ٨٥] وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥) عُطِفَ عَلَى سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الزخرف: ٨٢] ، قُصِدَ مِنْهُ إِتْبَاعُ إِنْشَاءِ التَّنْزِيهِ بِإِنْشَاءِ الثَّنَاءِ وَالتَّمْجِيدِ. وتَبارَكَ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي إِنْشَاءِ الْمَدْحِ لِأَنَّ مَعْنَى تَبارَكَ كَانَ مُتَّصِفًا بِالْبَرَكَةِ اتِّصَافًا قَوِيًّا لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ صِيغَةُ تَفَاعَلَ مِنْ قُوَّةِ حُصُولِ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ لِأَنَّ أَصْلَهَا أَنْ تَدُلَّ عَلَى صُدُورِ فِعْلٍ مِنْ فَاعِلَيْنِ مِثْلَ: تَقَاتَلَ وَتَمَارَى، فَاسْتُعْمِلَتْ فِي مُجَرَّدِ تَكَرُّرِ الْفِعْلِ، وَذَلِكَ مِثْلُ: تَسَامَى وَتَعَالَى.

стр. 8721

وَالْبَرَكَةُ: الزِّيَادَةُ فِي الْخَيْرِ. وَقَدْ ذُكِرَ مَعَ التَّنْزِيهِ أَنَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لِاقْتِضَاءِ الرُّبُوبِيَّةِ التَّنْزِيهُ عَنِ الْوَلَدِ الْمَسُوقِ الْكَلَامِ لِنَفْيِهِ، وَعَنِ الشَّرِيكِ الْمَشْمُولِ لِقَوْلِهِ: عَمَّا يَصِفُونَ [الزخرف: ٨٢] ، وَذُكِرَ مَعَ التَّبْرِيكِ وَالتَّعْظِيمِ أَنَّ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لِمُنَاسَبَةِ الْمُلْكِ لِلْعَظَمَةِ وَفَيْضِ الْخَيْرِ، فَلَا يَرِيبُكَ أَنَّ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الزخرف: ٨٢] مُغْنٍ عَنِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، لِأَنَّ غَرَضَ الْقُرْآنِ التَّذْكِيرُ وَأَغْرَاضُ التَّذْكِيرِ تُخَالِفُ أَغْرَاضَ الِاسْتِدْلَالِ وَالْجَدَلِ، فَإِنَّ التَّذْكِيرَ يُلَائِمُ التَّنْبِيهَ عَلَى مُخْتَلَفِ الصِّفَاتِ بِاخْتِلَافِ الِاعْتِبَارَاتِ وَالتَّعَرُّضِ لِلِاسْتِمْدَادِ مِنَ الْفَضْلِ. ثُمَّ إِنَّ صِيغَةَ تَبارَكَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَرَكَةَ ذَاتِيَّةٌ لِلَّهِ تَعَالَى فَيَقْتَضِي اسْتِغْنَاءَهُ عَنِ الزِّيَادَةِ بِاتِّخَاذِ الْوَلَدِ وَاتِّخَاذِ الشَّرِيكِ، فَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ كَانَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ اسْتِدْلَالًا آخَرَ تَابِعًا لِدَلِيلِ قَوْلِهِ: سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ [الزخرف: ٨٢] . وَقَدْ تَأَكَّدَ انْفِرَادُهُ بِرُبُوبِيَّةِ أَعْظَمِ الْمُوجُودَاتِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِقَوْلِهِ: رَبِّ الْعَرْشِ [الزخرف: ٨٢] وَقَوْلِهِ: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ [الزخرف: ٨٤] وَقَوْلِهِ: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما. فَكَمْ مِنْ خَصَائِصَ وَنُكَتٍ تَنْهَالُ عَلَى الْمُتَدَبِّرِ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ الَّتِي لَا يُحِيطُ بِهَا إِلَّا الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ. وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مُفِيدًا التَّصَرُّفَ فِي هَذِهِ الْعَوَالِمِ مُدَّةَ وُجُودِهَا وَوُجُودِ مَا بَيْنَهَا أَرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ لَهُ مَعَ مُلْكِ الْعَوَالِمِ الْفَانِيَةِ مُلْكُ الْعَوَالِمِ الْبَاقِيَةِ، وَأَنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ فِي تِلْكَ الْعَوَالِمِ بِمَا فِيهَا بِالتَّنْعِيمِ وَالتَّعْذِيبِ، فَكَانَ قَوْلُهُ: وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَإِدْمَاجًا لِإِثْبَاتِ الْبَعْثِ. وَتَقْدِيمِ الْمَجْرُورِ فِي إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ لِقَصْدِ التَّقَوِّي إِذْ لَيْسَ الْمُخَاطَبُونَ بِمُثْبِتِينَ رُجْعَى إِلَى غَيْرِهِ فَإِنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْبَعْثِ أَصْلًا. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ لِلْأَصْنَامِ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [يُونُس: ١٨] فَمُرَادُهُمْ أَنَّهُمْ شُفَعَاءُ لَهُمْ فِي

стр. 8722

الدُّنْيَا أَوْ هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْجَدَلِ وَلِذَلِكَ أُتْبِعَ بِقَوْلِهِ: وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ [الزخرف: ٨٦] . وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ تُرْجَعُونَ بِالْفَوْقِيَّةِ عَلَى الِالْتِفَاتِ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْخِطَابِ لِلْمُبَاشَرَةِ بِالتَّهْدِيدِ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ تَبَعًا لِأُسْلُوبِ الضَّمَائِرِ الَّتِي قَبْلَهُ، وَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ مَبْنِيّ للْمَجْهُول. [٨٦] [سُورَة الزخرف (٤٣) : آيَة ٨٦] وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) لَمَّا أَنْبَأَهُمْ أَنَّ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ مَا يَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَشْفَعَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا إِبْطَالًا لِزَعْمِهِمْ أَنَّهُمْ شُفَعَاؤُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ. وَلَمَّا كَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ عَبَدُوا دُونَ اللَّهِ الْمَلَائِكَةُ اسْتَثْنَاهُمْ بِقَوْلِهِ: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَيْ فَهُمْ يُشَفَّعُونَ، وَهَذَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ [الْأَنْبِيَاء: ٢٦] ثُمَّ قَالَ: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى، وَقَدْ مَضَى فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ [٢٨] . وَوَصَفَ الشُّفَعَاءَ بِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَيْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ حَالَ مَنْ يَسْتَحِقُّ الشَّفَاعَةَ. فَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَشْفَعُونَ لِلَّذِينِ خَالَفَ حَالُهُمْ حَالَ مَنْ يَشْهَدُ لله بِالْحَقِّ. [٨٧] [سُورَة الزخرف (٤٣) : آيَة ٨٧] وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) بَعْدَ أَنْ أَمْعَنَ فِي إِبْطَالِ أَنْ يَكُونَ إِلَهٌ غَيْرَ اللَّهِ بِمَا سِيقَ مِنَ التَّفْصِيلَاتِ، جَاءَ هُنَا بِكَلِمَةٍ جَامِعَةٍ لِإِبْطَالِ زَعْمِهِمْ إِلَهِيَّةَ غَيْرِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ

стр. 8723

أَيْ سَأَلْتَهُمْ سُؤَالَ تَقْرِيرٍ عَمَّن خلقهمْ فَإِنَّهُ يُقِرُّونَ بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَهُمْ، وَهَذَا مَعْلُومٌ مِنْ حَالِ الْمُشْرِكِينَ كَقَوْلِ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَة للنبيء ﷺ : «أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلِكَ اللَّهُ أَرْسَلَكَ» ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ أَكَّدَ إِنَّهُمْ يُقِرُّونَ لِلَّهِ بِأَنَّهُ الْخَالِقُ فَقَالَ: لَيَقُولُنَّ اللَّهُ، وَذَلِكَ كَافٍ فِي سَفَاهَةِ رَأْيِهِمْ إِذْ كَيْفَ يَكُونُ إِلَهًا مَنْ لَمْ يَخْلُقْ، قَالَ تَعَالَى: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النَّحْل: ١٧] . وَالْخُطَّابُ فِي قَوْلِهِ: سَأَلْتَهُمْ للنبيء ﷺ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أَيْ إِنْ سَأَلَهُمْ مَنْ يَتَأَتَّى مِنْهُ أَنْ يَسْأَلَ. وَفُرِّعَ عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ وَالْإِقْرَارِ الْإِنْكَارُ وَالتَّعْجِيبُ مِنِ انْصِرَافِهِمْ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ إِلَى عِبَادَةِ آلِهَةٍ أُخْرَى بِقَوْلِهِ: فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ. وَ (أَنَّى) اسْمُ اسْتِفْهَامٍ عَنِ الْمَكَانِ فَمَحَلُّهُ نَصْبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، أَيْ إِلَى أَيِّ مَكَانٍ يُصْرَفُونَ. ويُؤْفَكُونَ يُصْرَفُونَ: يُقَالُ: أَفَكَهُ عَنْ كَذَا، يَأْفِكُهُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ، إِذَا صَرَفَهُ عَنْهُ، وَبُنِيَ لِلْمَجْهُولِ إِذْ لَمْ يَصْرِفْهُمْ صَارِفٌ وَلَكِنْ صَرَفُوا أَنْفُسَهُمْ عَنْ عِبَادَةِ خَالِقِهِمْ، فَقَوْلُهُ: فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ هُوَ كَقَوْلِ الْعَرَبِ: أَيْنَ يُذْهَبُ بِكَ، أَيْ أَيْنَ تَذْهَبُ بِنَفْسِكَ إِذْ لَا يُرِيدُونَ أَنَّ ذَاهِبًا ذَهَبَ بِهِ يَسْأَلُونَهُ عَنْهُ وَلَكِنَّ الْمُرَادَ: أَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ بِهِ أَحَدٌ وَإِنَّمَا ذهب بِنَفسِهِ. [٨٨] [سُورَة الزخرف (٤٣) : آيَة ٨٨] وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) الْقِيلُ مَصْدَرُ قَالَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ اسْمٌ مُرَادٌ بِهِ الْمَفْعُولُ، أَيِ الْمَقُولُ مِثْلُ الذِّبْحِ وَأَصْلُهُ: قَوْلٌ، بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْوَاوِ. وَالْمَعْنَى: وَمَقُولِهِ. وَالضَّمِيرُ الْمُضَافُ إِلَيْهِ: (قِيلَ) ضمير الرَّسُول ﷺ بِقَرِينَةِ سِيَاقِ الِاسْتِدْلَالِ وَالْحِجَاجِ مِنْ قَوْلِهِ: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ [الزخرف: ٨١] ، وَبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: يَا رَبِ وَبِقَرِينَةِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ وَبِقَرِينَةِ إِجَابَتِهِ بِقَوْلِهِ: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ [الزخرف: ٨٩] ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الْغَائِبِ الْتِفَاتًا عَنِ الْخِطَابِ

стр. 8724

فِي قَوْلِهِ: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ [الزخرف: ٨٧] ، فَإِنَّهُ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ الْمُحَاجَّةِ وَمِنْ حِكَايَةِ إِقْرَارِهِمْ بِأَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَمْ يَتَزَحْزَحُوا عَنِ الْكُفْرِ قَيْدَ أَنْمُلَةٍ، حَصَلَ الْيَأْسُ لِلرَّسُولِ مِنْ إِيمَانِهِمْ فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ الْتِجَاءً إِلَى اللَّهِ فِيهِمْ وَتَفْوِيضًا إِلَيْهِ لِيَجْرِيَ حُكْمُهُ عَلَيْهِمْ. وَهَذَا مِنِ اسْتِعْمَالِ الْخَبَرِ فِي التَّحَسُّرِ أَوِ الشِّكَايَةِ وَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْإِنْشَاءِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً [الْفرْقَان: ٣٠] ، أَيْ لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا، وَيُؤَيِّدُ هَذَا تَفْرِيعُ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ [الزخرف: ٨٩] ، فَفِي ضَمِيرِ الْغَيْبَةِ الْتِفَاتٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ كَانَ جَارِيًا عَلَى أُسْلُوبِ الْخِطَابِ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ [الزخرف: ٨٧] فَمُقْتَضَى الظَّاهِرِ: وَقَوْلُكَ: يَا رَبِّ إِلَخْ. وَيُحَسِّنُ هَذَا الِالْتِفَاتَ أَنَّهُ حِكَايَةٌ لِشَيْءٍ فِي نَفْسِ الرَّسُولِ فَجَعَلَ الرَّسُولَ بِمَنْزِلَةِ الْغَائِبِ لِإِظْهَارِ أَنَّ اللَّهَ لَا يُهْمِلُ نِدَاءَهُ وَشَكْوَاهُ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى: عَبَسَ وَتَوَلَّى [عَبَسَ: ١] . وَإِضَافَةُ الْقِيلِ إِلَى ضَمِيرِ الرَّسُولِ مُشْعِرَةٌ بِأَنَّهُ تَكَرَّرَ مِنْهُ وَعُرِفَ بِهِ عِنْدَ رَبِّهِ، أَيْ عُرِفَ بِهَذَا وَبِمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ نَحْوِ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً وَقَوْلُهُ: حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ [الْبَقَرَة: ٢١٤] . وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ وَقِيلِهِ بِنَصْبِ اللَّامِ عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهُ مَصْدَرٌ نُصِبَ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ بَدَلٌ مِنْ فِعْلِهِ. وَالتَّقْدِيرُ: وَقَالَ الرَّسُولُ قِيلَهُ، وَالْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ [الزخرف: ٨٧] أَوْ عَلَى جُمْلَةِ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [الزخرف: ٨٧] ، أَيْ وَقَالَ الرَّسُولُ حِينَئِذٍ يَا رَبِّ إِلَخْ. وَنَظِيرُهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: تَمْشِي الْوُشَاةُ جَنَابَيْهَا وَقِيلُهُمُ ... إِنَّكَ يَا بن أَبِي سُلْمَى لَمَقْتُولُ عَلَى رِوَايَةِ (قَيْلِهِمْ) وَنَصْبِهِ، أَيْ وَيَقُولُونَ: قِيلَهُمْ وَهِيَ رِوَايَةُ الْأَصْمَعِيِّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّصْبُ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ لِقَوْلِهِ: لَا نَسْمَعُ [الزخرف: ٨٠] ، وَالتَّقْدِيرُ: بَلَى وَنَعْلَمُ قِيلَهُ وَهَذَا اخْتِيَارُ الْفَرَّاءِ وَالْأَخْفَشِ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ وَالزَّجَّاجُ: هُوَ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [الزخرف: ٨٥] أَيْ وَيَعْلَمُ قِيلَهُ.

стр. 8725

وَقَرَأَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ بِجَرِّ لَامِ (قِيلِهِ) وَيَجُوزُ فِي جَرِّهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى السَّاعَةِ فِي قَوْلِهِ: وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [الزخرف: ٨٥] أَيْ وَعِلْمُ قِيلِ الرَّسُولِ: يَا رَبِّ، وَهُوَ عَلَى هَذَا وَعْدٌ لِلرَّسُولِ بِالنَّصْرِ وَتَهْدِيدٌ لَهُمْ بِالِانْتِقَامِ. وَثَانِيهِمَا: أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ لِلْقَسَمِ وَيَكُونَ جَوَابُ الْقَسَمِ جُمْلَةَ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَقْسَمَ بِقَوْلِ الرَّسُولِ: يَا رَبِّ، تَعْظِيمًا لِلرَّسُولِ وَلِقِيلِهِ الَّذِي هُوَ تَفْوِيضٌ لِلرَّبِّ وَثِقَةٌ بِهِ. وَمَقُولُ قِيلِهِ هُوَ يَا رَبِّ فَقَطْ، أَيْ أَقْسَمَ بِنِدَاءِ الرَّسُولِ رَبَّهُ نِدَاءَ مُضْطَرٍّ. وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ فِي «شَرْحِ الْكَعْبِيَّةِ» عَنْ أَبِي حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيِّ: أَنَّ مَنْ جَرَّ فَقَوْلُهُ بِظَنٍّ وَتَخْلِيطٍ، وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ ابْنُ هِشَامٍ لِإِمْكَانِ تَخْرِيجِ الْجَرِّ عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ. وَقَدْ حُذِفَ بَعْدَ النِّدَاءِ مَا نُودِيَ لِأَجْلِهِ مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ مَقَامُ مَنْ أَعْيَتْهُ الْحِيلَةُ فِيهِمْ فَفَوَّضَ أَمْرَهُ إِلَى رَبِّهِ فَأَقْسَمَ اللَّهُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَيَنْتَقِمُ مِنْهُمْ فَلِذَلِكَ قَالَ: فَسَوف تعلمُونَ [الزخرف: ٨٩] . وَالْإِشَارَةُ بِ هؤُلاءِ إِلَى الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ كَمَا هِيَ عَادَةُ الْقُرْآنِ غَالِبًا وَوَصْفُهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ، أَدَلُّ عَلَى تَمَكُّنِ عَدَمِ الْإِيمَانِ مِنْهُمْ مِنْ أَنْ يَقُولَ: هَؤُلَاءِ لَا يُؤمنُونَ. [٨٩] [سُورَة الزخرف (٤٣) : آيَة ٨٩] فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩) الْفَاءُ فَصِيحَةٌ لِأَنَّهَا أَفْصَحَتْ عَنْ مُقَدَّرٍ، أَيْ إِذْ قُلْتَ ذَلِكَ الْقِيلَ وَفَوَّضْتَ الْأَمْرَ إِلَيْنَا فَسَأَتَوَلَّى الِانْتِصَافَ مِنْهُمْ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ، أَيْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ لَهُمْ وَقُلْ لَهُمْ إِنْ جَادَلُوكَ: سَلامٌ، أَيْ سَلَّمْنَا فِي الْمُجَادَلَةِ وَتَرَكْنَاهَا. وَأَصْلُ سَلامٌ مَصْدَرٌ جَاءَ بَدَلًا مِنْ فِعْلِهِ. فَأَصْلُهُ النَّصْبُ، وَعُدِّلَ إِلَى رَفْعِهِ لِقَصْدِ الدَّلَالَةِ عَلَى الثَّبَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [الْفَاتِحَة: ٢] .

стр. 8726

يُقَالُ: صَفَحَ يَصْفَحُ مِنْ بَابِ مَنَعَ بِمَعْنَى: أَعْرَضَ وَتَرَكَ، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً [الزخرف: ٥] وَلَكِنَّ الصَّفْحَ الْمَأْمُورَ بِهِ هُنَا غَيْرُ الصَّفْحِ الْمُنْكَرِ وُقُوعُهُ فِي قَوْلِهِ: أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً. وَفُرِّعَ عَلَيْهِ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ تَهْدِيدًا لَهُمْ وَوَعِيدًا. وَحُذِفَ مَفْعُولُ تَعْلَمُونَ لِلتَّهْوِيلِ لِتَذْهَبَ نُفُوسُهُمْ كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَرَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ تَعْلَمُونَ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ عَلَى أَنَّ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مِمَّا أُمِرَ الرَّسُولُ بِأَنْ يَقُولَهُ لَهُمْ، أَيْ وَقُلْ سَوْفَ تَعْلَمُونَ. وَقَرَأَهُ الْجُمْهُورُ بِيَاءٍ تَحْتِيَّةٍ عَلَى أَنَّهُ وَعْدٌ مِنَ الله لرَسُوله ﷺ بِأَنَّهُ مُنْتَقِمٌ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ. وَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ الْأَمْرِ بِالْإِعْرَاضِ وَالتَّسْلِيمِ فِي الْجِدَالِ وَالْوَعِيدِ مَا يُؤْذِنُ بِانْتِهَاءِ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَهُوَ مِنْ بَرَاعَةِ الْمَقْطَعِ.

стр. 8727

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤٤- سُورَةُ الدُّخَانِ سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ حم الدُّخَانُ. رَوَى التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدَيْنِ ضَعِيفَيْنِ يُعَضِّدُ بَعْضُهُمَا بَعْضًا: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَن النبيء ﷺ «مَنْ قَرَأَ حم الدُّخَانَ فِي لَيْلَةٍ أَوْ فِي لَيْلَةِ الْجُمْعَةِ» الْحَدِيثَ. وَاللَّفْظَانِ بِمَنْزِلَةِ اسْمٍ وَاحِدٍ لِأَنَّ كَلِمَةَ حم غَيْرُ خَاصَّةٍ بِهَذِهِ السُّورَةِ فَلَا تُعَدُّ عَلَمًا لَهَا، وَلِذَلِكَ لَمْ يَعُدَّهَا صَاحِبُ «الْإِتْقَانِ» فِي عِدَادِ السُّورِ ذَوَاتِ أَكْثَرَ مِنِ اسْمٍ. وَسُمِّيَتْ فِي الْمَصَاحِفِ وَفِي كُتُبِ السُّنَّةِ سُورَةَ الدُّخَانِ. وَوَجْهُ تَسْمِيَتِهَا بِالدُّخَانِ وُقُوعُ لَفْظِ الدُّخَانِ فِيهَا الْمُرَادُ بِهِ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ أَيَّدَ اللَّهُ بهَا رَسُوله ﷺ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ بِهِ اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الدُّخَانِ بِمَعْنًى آخَرَ قَدْ وَقَعَ فِي سُورَةِ حم تَنْزِيلُ فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ [فصلت: ١١] وَهِيَ نَزَلَتْ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ تَرْتِيبِ تَنْزِيلِ سُوَرِ الْقُرْآنِ عَنْ رِوَايَةِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ الَّتِي اعْتَمَدَهَا الْجَعْبَرِيُّ وَصَاحِبُ «الْإِتْقَانِ» عَلَى أَنَّ وَجْهَ التَّسْمِيَةِ لَا يُوجِبُهَا. وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هِيَ مَكِّيَّةٌ لَا أَحْفَظُ خِلَافًا فِي شَيْءٍ مِنْهَا. وَوَقَعَ فِي «الْكَشَّافِ» اسْتِثْنَاءُ قَوْله: إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ [الدُّخان: ١٥] وَلَمْ يَعْزُهُ إِلَى قَائِلٍ، وَمِثْلُهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَذَكَرَهُ الْكَوَاشِيُّ قَوْلًا وَمَا عَزَاهُ إِلَى مُعَيَّنٍ. وَأَحْسَبُ أَنَّهُ قَوْلٌ نَشَأَ عَمَّا فَهِمَهُ الْقَائِلُ، وَسَنُبَيِّنُهُ فِي مَوْضِعِهِ.

стр. 8728

وَهِيَ السُّورَةُ الثَّالِثَةُ وَالسِّتُّونَ فِي عَدِّ نُزُولِ السُّوَرِ فِي قَوْلِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الزُّخْرُفِ وَقَبْلَ سُورَةِ الْجَاثِيَةِ فِي مَكَانِهَا هَذَا. وَعُدَّتْ آيُهَا سِتًّا وَخَمْسِينَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالشَّامِ، وَعُدَّتْ عِنْدَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ سَبْعًا وَخَمْسِينَ، وَعِنْدَ أَهْلِ الْكُوفَةِ تِسْعًا وَخَمْسِينَ. أَغْرَاضُهَا أَشْبَهَ افْتِتَاحُ هَذِهِ السُّورَةِ فَاتِحَةَ سُورَةِ الزُّخْرُفِ مِنَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الْقُرْآنِ وَشَرَفِهِ وَشَرَفِ وَقْتِ ابْتِدَاءِ نُزُولِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُؤْذِنًا أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَدَالًّا عَلَى رِسَالَة مُحَمَّد ﷺ ، وَلِيَتَخَلَّصَ مِنْهُ إِلَى أَنَّ الْمُعْرِضِينَ عَنْ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ أَلْهَاهُمُ الِاسْتِهْزَاءُ وَاللَّمْزُ عَنِ التَّدَبُّرِ فَحَقَّ عَلَيْهِمْ دُعَاءُ الرَّسُولِ بِعَذَابِ الْجُوعِ، إِيقَاظًا لِبَصَائِرِهِمْ بِالْأَدِلَّةِ الْحِسِّيَّةِ حِينَ لَمْ تَنْجَعْ فِيهِمُ الدَّلَائِلُ الْعَقْلِيَّةُ، لِيَعْلَمُوا أَنَّ إِجَابَةَ اللَّهِ دُعَاء رَسُوله ﷺ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَرْسَلَهُ لِيُبَلِّغَ عَنْهُ مُرَادَهُ. فَأَنْذَرَهُمْ بِعَذَابٍ يَحُلُّ بِهِمْ عِلَاوَةً عَلَى مَا دَعَا بِهِ الرَّسُول ﷺ تَأْيِيدًا مِنَ اللَّهِ لَهُ بِمَا هُوَ زَائِدٌ عَلَى مَطْلَبِهِ. وَضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا بِأُمَمٍ أَمْثَالِهِمْ عَصَوْا رُسُلَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ فَحَلَّ بِهِمْ من الْعقَاب مَا مِنَ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ عِظَةً لِهَؤُلَاءِ، تَفْصِيلًا بِقَوْمِ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسَى وَمُؤْمِنِي قَوْمِهِ، وَدُونَ التَّفْصِيلِ بِقَوْمِ تُبَّعٍ، وَإِجْمَالًا وَتَعْمِيمًا بِالَّذِينِ مِنْ قَبْلِ هَؤُلَاءِ. وَإِذْ كَانَ إِنْكَارُ الْبَعْثِ وَإِحَالَتُهُ مِنْ أَكْبَرِ الْأَسْبَابِ الَّتِي أَغْرَتْهُمْ عَلَى إِهْمَالِ التَّدَبُّرِ فِي مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى انْتَقَلَ الْكَلَامُ إِلَى إِثْبَاتِهِ وَالتَّعْرِيفِ بِمَا يَعْقُبُهُ مِنْ عُقُوبَةِ الْمُعَانِدِينَ وَمَثُوبَةِ الْمُؤْمِنِينَ تَرْهِيبًا وَتَرْغِيبًا. وَأُدْمِجَ فِيهَا فَضْلُ اللَّيْلَةِ الَّتِي أُنْزِلُ فِيهَا الْقُرْآنُ، أَيِ ابْتُدِئَ إِنْزَالُهُ وَهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ. وَأُدْمِجَ فِي خِلَالِ ذَلِكَ مَا جَرَّتْ إِلَيْهِ الْمُنَاسَبَاتُ مِنْ دَلَائِلِ الْوَحْدَانِيَّةِ وَتَأْيِيدِ اللَّهِ مَنْ آمَنُوا بِالرُّسُلِ، وَمِنْ إِثْبَاتِ الْبَعْثِ. وَخُتِمَتْ بِالشَّدِّ عَلَى قلب الرَّسُول ﷺ بِانْتِظَارِ النَّصْرِ وَانْتِظَارِ الْكَافرين الْقَهْر. [١] [سُورَة الدُّخان (٤٤) : آيَة ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 8729

حم (١) الْقَوْلُ فِي نَظَائِره تقدم. [٢- ٦] [سُورَة الدُّخان (٤٤) : الْآيَات ٢ إِلَى ٦] وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) الْقَوْلُ فِي نَظِيرِ هَذَا الْقِسْمِ وَجَوَابِهِ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الزُّخْرُفِ. وَنَوَّهَ بِشَأْنِ الْقُرْآنِ بِطَرِيقَةِ الْكِنَايَةِ عَنْهُ بِذِكْرِ فَضْلِ الْوَقْتِ الَّذِي ابْتُدِئَ إِنْزَالُهُ فِيهِ. فَتَعْرِيفُ الْكِتابِ تَعْرِيفُ الْعَهْدِ، وَالْمُرَادُ بِالْكِتَابِ: الْقُرْآنُ. وَمَعْنَى الْفِعْلِ فِي أَنْزَلْناهُ ابْتِدَاءُ إِنْزَالِهِ فَإِنَّ كُلَّ آيَةٍ أَوْ آيَاتٍ تَنْزِلُ مِنَ الْقُرْآنِ فَهِيَ مُنْضَمَّةٌ إِلَيْهِ انْضِمَامَ الْجُزْءِ لِلْكُلِّ، وَمَجْمُوعُ مَا يَبْلُغُ إِلَيْهِ الْإِنْزَالُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ هُوَ مُسَمَّى الْقُرْآنِ إِلَى أَنْ تَمَّ نُزُولُ آخِرِ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ. وَتَنْكِيرُ لَيْلَةٍ لِلتَّعْظِيمِ، وَوَصْفُهَا بِ مُبارَكَةٍ تَنْوِيهٌ بِهَا وَتَشْوِيقٌ لِمَعْرِفَتِهَا. فَهَذِهِ اللَّيْلَةُ هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي ابْتُدِئَ فِيهَا نُزُولُ الْقُرْآنِ على مُحَمَّد ﷺ فِي الْغَارِ مِنْ جَبَلِ حِرَاءٍ فِي رَمَضَانَ قَالَ تَعَالَى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [الْبَقَرَة: ١٨٥] . وَاللَّيْلَةُ الَّتِي ابْتُدِئَ نُزُولُ الْقُرْآنِ فِيهَا هِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ قَالَ تَعَالَى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [الْقَدْرِ: ١] . وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ وَأَنَّهَا فِي لَيْلَةِ الْوِتْرِ. وَثَبَتَ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِنَظِيرَتِهَا مِنْ كُلِّ سَنَةٍ فَضْلًا عَظِيمًا لِكَثْرَةِ ثَوَابِ الْعِبَادَةِ فِيهَا فِي كُلِّ رَمَضَانَ كَرَامَةٌ لِذِكْرَى نُزُولِ الْقُرْآنِ وَابْتِدَاءِ رِسَالَةِ أفضل الرُّسُل ﷺ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً. قَالَ تَعَالَى: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ [الْقدر: ٤، ٥] .

стр. 8730

وَذَلِكَ مِنْ مَعَانِي بَرَكَتِهَا وَكَمْ لَهَا مِنْ بَرَكَاتٍ لِلْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ، وَلَعَلَّ تِلْكَ الْبَرَكَةَ تسري إِلَى شؤونهم الصَّالِحَةِ مِنْ أُمُورِ دُنْيَاهُمْ. فَبَرَكَةُ اللَّيْلَةِ الَّتِي أُنْزِلُ فِيهَا الْقُرْآنُ بَرَكَةٌ قَدَّرَهَا اللَّهُ لَهَا قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ لِيَكُونَ الْقُرْآنُ بِابْتِدَاءِ نُزُولِهِ فِيهَا مُلَابِسًا لِوَقْتٍ مُبَارَكٍ فَيَزْدَادُ بِذَلِكَ فَضْلًا وَشَرَفًا، وَهَذَا مِنَ الْمُنَاسَبَاتِ الْإِلَهِيَّةِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي أَنْبَأَنَا اللَّهُ بِبَعْضِهَا. وَالظَّاهِرُ أَنَّ اللَّهَ أَمَدَّهَا بِتِلْكَ الْبَرَكَةِ فِي كُلِّ عَامٍ كَمَا أَوْمَأَ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ إِذْ قَالَهُ بَعْدَ أَنْ مَضَى عَلَى ابْتِدَاءِ نُزُولِ الْقُرْآنِ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَقَوْلُهُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [الْقدر: ٣] وَقَوْلُهُ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ وَقَوْلُهُ: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ اللَّيْلَةَ الْمُبَارَكَةَ هِيَ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ. وَاخْتُلِفَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي ابْتُدِئَ فِيهَا نُزُولُ الْقُرْآنِ على النبيء ﷺ مِنْ لَيَالِي رَمَضَانَ، فَقِيلَ: هِيَ لَيْلَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْهُ ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الْبَاقِرِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ [الْأَنْفَال: ٤١] فَإِنَّ رَسُول الله ﷺ الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ بِبَدْرٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَبِيحَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً من رَمَضَان اهـ. أَيْ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ: وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا [الْأَنْفَال: ٤١] أَنَّهُ ابْتِدَاءُ نُزُولِ الْقُرْآنِ. وَفِي الْمُرَادِ بِ مَا أَنْزَلْنا احْتِمَالَاتٌ تَرْفَعُ الِاحْتِجَاجَ بِهَذَا التَّأْوِيلِ بِأَنَّ ابْتِدَاءَ نُزُولِ الْقُرْآنِ كَانَ فِي مِثْلِ لَيْلَةِ يَوْمِ بَدْرٍ. وَالَّذِي يَجِبُ الْجَزْمُ بِهِ أَنَّ لَيْلَةَ نُزُولِ الْقُرْآنِ كَانَتْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَأَنَّهُ كَانَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَلَمَّا تَضَافَرَتِ الْأَخْبَارُ أَن النبيء ﷺ قَالَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ «اطْلُبُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فِي ثَالِثَةٍ تَبْقَى فِي خَامِسَةٍ تَبْقَى فِي سَابِعَةٍ تَبْقَى فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى» . فَالَّذِي نَعْتَمِدُهُ أَنَّ الْقُرْآنَ ابْتُدِئَ نُزُولُهُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، إِلَّا إِذَا حُمِلَ قَول النبيء ﷺ «اطْلُبُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ» عَلَى خُصُوصِ اللَّيْلَةِ مِنْ ذَلِكَ الْعَامِ.

стр. 8731

وَقَدِ اشْتُهِرَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ بِاسْتِمْرَارٍ وَهُوَ مُنَافٍ لِحَدِيثِ «اطْلُبُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ» عَلَى كُلِّ احْتِمَالٍ. وَجُمْلَةُ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ مُعْتَرِضَةٌ. وَحَرْفُ (إِنَّ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّأْكِيدِ رَدًّا لِإِنْكَارِهِمْ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَرْسَلَ رُسُلًا لِلنَّاسِ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَنْكَرُوا رِسَالَة مُحَمَّد ﷺ بِزَعْمِهِمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يُرْسِلُ رَسُولًا مِنَ الْبَشَرِ قَالَ تَعَالَى: إِذْ قالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [الْأَنْعَام: ٩١] ، فَكَانَ رَدُّ إِنْكَارِهِمْ ذَلِكَ رَدًّا لِإِنْكَارِهِمْ رِسَالَة مُحَمَّد ﷺ ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ مُسْتَأْنَفَةً. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ (إِنَّ) لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمَامِ بِالْخَبَرِ فَتَكُونُ مُغْنِيَةً غِنَاءَ فَاءِ التَّسَبُّبِ فَتُفِيدُ تَعْلِيلًا، فَتَكُونُ جُمْلَةُ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ تَعْلِيلًا لِجُمْلَةِ أَنْزَلْناهُ أَيْ أَنْزَلْنَاهُ لِلْإِنْذَارِ لِأَنَّ الْإِنْذَارَ شَأْنُنَا، فَمَضْمُونُ الْجُمْلَةِ عِلَّةُ الْعِلَّةِ وَهُوَ إِيجَازٌ وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى وَصْفِ مُنْذِرِينَ مَعَ أَنَّ الْقُرْآنَ مُنْذِرٌ وَمُبَشِّرٌ اهْتِمَامًا بِالْإِنْذَارِ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى حَالِ جُمْهُورِ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ، وَالْإِنْذَارُ يَقْتَضِي التَّبْشِيرَ لِمَنِ انْتَذَرَ. وَحُذِفَ مَفْعُولُ مُنْذِرِينَ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ عَلَيْهِ، أَيْ مُنْذِرِينَ الْمُخَاطَبِينَ بِالْقُرْآنِ. وَجُمْلَةُ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا نَاشِئًا عَنْ تَنْكِيرِ لَيْلَةٍ. وَوَصْفُهَا بِ مُبارَكَةٍ كَمَا عَلِمْتَ آنِفًا فَدَلَّ عَلَى عِظَمِ شَأْنِ هَاتِهِ اللَّيْلَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهَا ظَهَرَ فِيهَا إِنْزَالُ الْقُرْآنِ، وَفِيهَا يُفَرَقُ عِنْدَ اللَّهِ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ. وَفِي هَذِهِ الْجُمَلِ الْأَرْبَعِ مُحَسِّنُ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ، فَفِي قَوْلِهِ: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ لَفٌّ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ أَوَّلُهُمَا: تَعْيِينُ إِنْزَالِ الْقُرْآنِ، وَثَانِيهِمَا: اخْتِصَاصُ تَنْزِيلِهِ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ثُمَّ عَلَّلَ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ بِجُمْلَةِ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ، وَعَلَّلَ الْمَعْنَى الثَّانِي بِجُمْلَةِ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ. وَالْمُنْذِرُ: الَّذِي يُنْذِرُ، أَيْ يُخْبِرُ بِأَمْرٍ فِيهِ ضُرٍّ لِقَصْدِ أَنْ يَتَّقِيَهُ الْمُخْبَرُ بِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١١٩] . وَالْفَرْقُ: الْفَصْلُ وَالْقَضَاءُ، أَيْ فِيهَا يُفْصَلُ كُلُّ مَا يُرَادُ قَضَاؤُهُ فِي النَّاسِ وَلِهَذَا يُسَمَّى الْقُرْآنُ فُرْقَانًا، وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ فِي

стр. 8732

سُورَةِ الْمَائِدَةِ [٢٥] ، أَيْ جَعَلَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ الَّتِي أُنْزِلَ فِيهَا الْقُرْآنُ وَقْتًا لِإِنْفَاذِ وُقُوعِ أُمُورٍ هَامَّةٍ مِثْلَ بعثة مُحَمَّد ﷺ تَشْرِيفًا لِتِلْكَ الْمُقَضَّيَاتِ وَتَشْرِيفًا لِتِلْكَ اللَّيْلَةِ. وَكَلِمَةُ كُلُّ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُسْتَعْمَلَةً فِي حَقِيقَةِ مَعْنَاهَا مِنَ الشُّمُولِ وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ مَا هِيَ الْأُمُورُ الْحَكِيمَةُ فَجَمَعَهَا لِلْقَضَاءِ بِهَا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَأَعْظَمُهَا ابْتِدَاءً نُزُولُ الْكِتَابِ الَّذِي فِيهِ صَلَاحُ النَّاسِ كَافَّةً. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ كُلُّ مُسْتَعْمَلَةً فِي مَعْنَى الْكَثْرَةِ، وَهُوَ اسْتِعْمَالٌ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَامِ الْعَرَبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّمْلِ [٢٣] وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَيْ فِيهَا تُفْرَقُ أُمُورٌ عَظِيمَةٌ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مُسْتَمِرٌّ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ تُوَافِقُ عَدَّ تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِنْ كُلِّ عَامٍ كَمَا يُؤْذِنُ بِهِ الْمُضَارِعُ فِي قَوْلِهِ: يُفْرَقُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِعْمَالُ الْمُضَارِعِ فِي يُفْرَقُ لِاسْتِحْضَارِ تِلْكَ الْحَالَةِ الْعَظِيمَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَتُثِيرُ سَحاباً [الرّوم: ٤٨] . وَالْأَمْرُ الْحَكِيمُ: الْمُشْتَمِلُ عَلَى حِكْمَة من حِكْمَةٍ اللَّهِ تَعَالَى أَوِ الْأَمْرِ الَّذِي أَحْكَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَتْقَنَهُ بِمَا يَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنَ النُّظُمِ الْمُدَبِّرَةِ الدَّالَّةِ عَلَى سَعَةِ الْعِلْمِ وَعُمُومِهِ. وَبَعْضُ تِلْكَ الْأُمُورِ الْحَكِيمَةِ يَنْفُذُ الْأَمْرُ بِهِ إِلَى الْمَلَائِكَةِ الموكلين بأنواع الشؤون، وَبَعْضُهَا يَنْفُذُ الْأَمْرُ بِهِ عَلَى لِسَانِ الرَّسُولِ مُدَّةَ حَيَّاتِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَبَعْضًا يُلْهَمُ إِلَيْهِ مَنْ أَلْهَمَهُ اللَّهُ أَفْعَالًا حَكِيمَةً، وَاللَّهُ هُوَ الْعَالِمُ بِتَفَاصِيلِ ذَلِكَ. وَانْتَصَبَ أَمْراً مِنْ عِنْدِنا عَلَى الْحَالِ مِنْ أَمْرٍ حَكِيمٍ. وَإِعَادَةُ كَلِمَةِ أَمْراً لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِ، وَإِلَّا فَإِنَّ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ هُوَ قَوْلُهُ: مِنْ عِنْدِنا، فَكَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يَقَعَ مِنْ عِنْدِنا صِفَةً لِ أَمْرٍ حَكِيمٍ فَخُولِفَ ذَلِكَ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ، أَيْ أَمْرًا عَظِيمًا فَخْمًا إِذَا وُصِفَ بِ حَكِيمٍ. ثُمَّ بِكَوْنِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَشْرِيفًا لَهُ بِهَذِهِ الْعِنْدِيَّةِ، وَيَنْصَرِفُ هَذَا التَّشْرِيفُ وَالتَّعْظِيمُ ابْتِدَاءً وَبِالتَّعْيِينِ إِلَى الْقُرْآنِ إِذْ كَانَ بِنُزُولِهِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ تَشْرِيفُهَا وَجَعْلُهَا وَقْتًا لِقَضَاءِ الْأُمُورِ الشَّرِيفَةِ الْحَكِيمَةِ.

стр. 8733

وَجُمْلَةُ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ مُعْتَرِضَةٌ وَحَرْفُ (إِنَّ) فِيهَا مِثْلُ مَا وَقَعَ فِي إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ. وَاعْلَمْ أَنَّ مُفْتَتَحَ السُّورَةِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَلَامًا مُوَجَّهًا إِلَى الْمُشْرِكِينَ ابْتِدَاءً لِفَتْحِ بَصَائِرِهِمْ إِلَى شَرَفِ الْقُرْآنِ وَمَا فِيهِ مِنَ النَّفْعِ لِلنَّاسِ لِيَكُفُّوا عَنِ الصَّدِّ عَنْهُ وَلِهَذَا وَرَدَتِ الْحُرُوفُ الْمُقَطَّعَةُ فِي أَوَّلِهَا الْمَقْصُودُ مِنْهَا التَّحَدِّي بِالْإِعْجَازِ، وَاشْتَمَلَتْ تِلْكَ الْجُمَلُ الثَّلَاثُ عَلَى حَرْفِ التَّأْكِيدِ، وَيَكُونُ إِعْلَام الرّسول ﷺ بِهَذِهِ الْمَزَايَا حَاصِلًا تَبَعًا إِنْ كَانَ لَمْ يَسْبِقْ إِعْلَامُهُ بِذَلِكَ بِمَا سَبَقَ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ أَوْ بِوَحْيِ غَيْرِ الْقُرْآنِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُوَجَّهًا إِلَى الرّسول ﷺ أَصَالَةً وَيَكُونُ عِلْمُ الْمُشْرِكِينَ بِمَا يَحْتَوِي عَلَيْهِ حَاصِلًا تَبَعًا بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ، وَيَكُونُ التَّوْكِيدُ مَنْظُورًا فِيهِ إِلَى الْغَرَضِ التَّعْرِيضِيِّ. وَمَفْعُولُ مُرْسِلِينَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مَادَّةُ اسْمِ الْفَاعِلِ، أَيْ مُرْسِلِينَ الرُّسُلَ. ورَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ مَفْعُولٌ لَهُ مِنْ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ أَيْ كُنَّا مُرْسِلِينَ لِأَجْلِ رَحْمَتِنَا، أَيْ بِالْعِبَادِ الْمُرْسَلِ إِلَيْهِمْ لِأَنَّ الْإِرْسَالَ بِالْإِنْذَارِ رَحْمَةٌ بِالنَّاسِ لِيَتَجَنَّبُوا مُهَاوِيَ الْعَذَابِ وَيَكْتَسِبُوا مَكَاسِبَ الثَّوَابِ، قَالَ تَعَالَى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الْأَنْبِيَاء: ١٠٧] . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَحْمَةً حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي أَنْزَلْناهُ. وَإِيرَادُ لَفْظِ الرَّبِّ فِي قَوْلِهِ: مِنْ رَبِّكَ إِظْهَارٌ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ لِأَنَّ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يَقُولَ: رَحْمَةً مِنَّا. وَفَائِدَةُ هَذَا الْإِظْهَارِ الْإِشْعَارُ بِأَنَّ مَعْنَى الرُّبُوبِيَّةِ يَسْتَدْعِي الرَّحْمَةَ بِالْمَرْبُوبِينَ ثُمَّ إِضَافَةُ (رَبِّ) إِلَى ضمير الرّسول ﷺ صَرْفٌ لِلْكَلَامِ عَنْ مُوَاجَهَةِ الْمُشْرِكِينَ إِلَى مُوَاجهَة النبيء ﷺ بِالْخِطَابِ لِأَنَّهُ الَّذِي جَرَى خِطَابُهُمْ هَذَا بِوَاسِطَتِهِ فَهُوَ كَحَاضِرٍ مَعَهُمْ عِنْدَ تَوْجِيهِ الْخِطَابِ إِلَيْهِمْ فَيُصْرَفُ وَجْهُ الْكَلَامِ تَارَةً إِلَيْهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ [يُوسُف: ٢٩] وَهَذَا لِقَصْدِ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ بَعْدَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الْكِتَابِ الَّذِي جَاءَ بِهِ. وَإِضَافَةُ الرَّبِّ إِلَى ضمير الرّسول ﷺ لِيَتَوَصَّلَ إِلَى حَظٍّ لَهُ فِي خِلَالِ هَذِهِ

стр. 8734

التَّشْرِيعَاتِ بِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ رَبِّهِ، أَيْ بِوَاسِطَتِهِ فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ الْإِرْسَالُ رَحْمَةً كَانَ الرَّسُول ﷺ رَحْمَةً قَالَ تَعَالَى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الْأَنْبِيَاء: ١٠٧] ، وَيُعْلَمُ مِنْ كَوْنِهِ ربّ الرَّسُول ﷺ أَنَّهُ رَبُّ النَّاسِ كُلِّهِمْ إِذْ لَا يَكُونُ الرَّبُّ رَبَّ بَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ فَأَغْنَى عَنْ أَنْ يَقُولَ: رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَرَبِّهِمْ، لِأَنَّ غَرَضَ إِضَافَةِ رَبِّ إِلَى ضمير الرَّسُول ﷺ يَأْبَى ذَلِكَ، ثُمَّ سَيُصَرِّحُ بِأَنَّهُ رَبُّهُمْ فِي قَوْلِهِ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [الدُّخان: ٨] وَهُوَ مَقَامٌ آخَرُ سَيَأْتِي بَيَانُهُ. وَجُمْلَةُ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ أَيْ كُنَّا مُرْسَلِينَ رَحْمَةً بِالنَّاسِ لِأَنَّهُ عَلِمَ عِبَادَةَ الْمُشْرِكِينَ لِلْأَصْنَامِ وَعلم إغواء أيمة الْكُفْرِ لِلْأُمَمِ وَعَلِمَ ضَجِيجَ النَّاسِ مِنْ ظُلْمِ قَوِيِّهِمْ ضَعِيفَهُمْ وَعَلِمَ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ أَقْوَالِهِمْ فَأَرْسَلَ الرُّسُلَ لِتَقْوِيمِهِمْ وَإِصْلَاحِهِمْ وَعَلِمَ أَيْضًا نَوَايَا النَّاسِ وَأَفْعَالَهُمْ وَإِفْسَادَهُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَرْسَلَ الرُّسُلَ بِالشَّرَائِعِ لِكَفِّ النَّاسِ عَنِ الْفَسَادِ وَإِصْلَاحِ عَقَائِدِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ، فَأُشِيرَ إِلَى عِلْمِ النَّوْعِ الْأَوَّلِ بِوَصْفِ السَّمِيعُ لِأَنَّ السَّمِيعَ هُوَ الَّذِي يَعْلَمُ الْأَقْوَالَ فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْءٌ. وَأُشِيرَ إِلَى عِلْمِ النَّوْعِ الثَّانِي بِوَصْفِ الْعَلِيمُ الشَّامِلِ لِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ. وَقَدَّمَ السَّمِيعُ لِلِاهْتِمَامِ بِالْمَسْمُوعَاتِ لِأَنَّ أَصْلَ الْكُفْرِ هُوَ دُعَاءُ الْمُشْرِكِينَ أَصْنَامَهُمْ. وَاعْلَمْ أَنَّ السَّمِيعَ وَالْعَلِيمَ تَعْلِيلَانِ لِجُمْلَةِ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ بِطَرِيقِ الْكِنَايَةِ الرَّمْزِيَّةِ لِأَنَّ عِلَّةَ الْإِرْسَالِ فِي الْحَقِيقَةِ هِيَ إِرَادَةُ الصَّلَاحِ وَرَحْمَةُ الْخَلْقِ. وَأَمَّا الْعِلْمُ فَهُوَ الصِّفَةُ الَّتِي تَجْرِي الْإِرَادَةُ عَلَى وَفْقِهِ، فَالتَّعْلِيلُ بِصِفَةِ الْعِلْمِ بِنَاءً عَلَى مُقَدِّمَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكِيمٌ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ، فَإِذَا كَانَ لَا يُحِبُّ ذَلِكَ وَكَانَ عَلِيمًا بِتَصَرُّفَاتِ الْخَلْقِ كَانَ عِلْمُهُ وَحِكْمَتُهُ مُقْتَضِيَيْنِ أَنْ يُرْسِلَ لِلنَّاسِ رُسُلًا رَحْمَةً بِهِمْ. وَضَمِيرُ الْفَصْلِ أَفَادَ الْحَصْرَ، أَيْ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ لَا أَصْنَامُكُمُ الَّتِي تَدْعُونَهَا. وَفِي هَذَا إِيمَاءٌ إِلَى الْحَاجَةِ إِلَى إِرْسَالِ الرَّسُولِ إِلَيْهِمْ بِإِبْطَالِ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ. وَفِي وَصْفِ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ تَعْرِيض بالتهديد.

стр. 8735

[سُورَة الدُّخان (٤٤) : آيَة ٧] رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) هَذَا عَوْدٌ إِلَى مُوَاجَهَةِ الْمُشْرِكِينَ بِالتَّذْكِيرِ عَلَى نَحْو مَا ابتدأت بِهِ السُّورَةُ. وَهُوَ تَخَلُّصٌ لِلِاسْتِدْلَالِ عَلَى تَفَرُّدِ اللَّهِ بِالْإِلَهِيَّةِ إِلْزَامًا لَهُمْ بِمَا يُقِرُّونَ بِهِ مِنْ أَنَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَيُقِرُّونَ بِأَنَّ الْأَصْنَامَ لَا تَخْلُقُ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُمْ مُعْرِضُونَ عَنْ نَتِيجَةِ الدَّلِيلِ بِبُطْلَانِ إِلَهِيَّةِ الْأَصْنَامِ أَلَا تَرَى الْقُرْآنَ يُكَرِّرُ تَذْكِيرَهُمْ بِأَمْثَالِ هَذَا مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النَّحْل: ١٧] وَقَوْلِهِ: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ [النَّحْل: ٢٠، ٢١] ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ ذَكَرَ الرُّبُوبِيَّةَ إِجْمَالًا فِي قَوْلِهِ: رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [الدُّخان: ٦] ثُمَّ تَفْصِيلًا بِذِكْرِ صِفَةِ عُمُومِ الْعِلْمِ الَّتِي هِيَ صِفَةُ الْمَعْبُودِ بِحَقٍّ بِصِيغَةِ قَصْرِ الْقَلْبِ الْمُشِيرِ إِلَى أَنَّ الْأَصْنَامَ لَا تَسْمَعُ وَلَا تَعْلَمُ. وَبِذِكْرِ صِفَةِ التَّكْوِينِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ تَعَالَى بِإِقْرَارِهِمُ ارْتِقَاءً فِي الِاسْتِدْلَالِ. فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ مَجَالٌ لِلرَّيْبِ فِي أَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْإِلَهُ الْحَقُّ أَعْقَبَ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ بِجُمْلَةِ إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ بِطَرِيقَةِ إِثَارَةِ التَّيَقُّظِ لِعُقُولِهِمْ إِذْ نَزَّلَهُمْ مَنْزِلَةَ الْمَشْكُوكِ إِيقَانُهُمْ لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلَى مُوجَبِ الْإِيقَانِ لِلَّهِ بِالْخَالِقِيِّةِ حِينَ عَبَدُوا غَيْرَهُ بِأَنْ أُتِيَ فِي جَانِبِ فَرْضِ إِيقَانِهِمْ بِطَرِيقَةِ الشَّرْطِ، وَأُتِيَ بِحَرْفِ الشَّرْطِ الَّذِي أَصْلُهُ عَدَمُ الْجَزْمِ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ [الزخرف: ٥] . وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ رَبِّ السَّماواتِ بِرَفْعِ رَبِّ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَهُوَ مِنْ حَذْفِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ لِمُتَابَعَةِ الِاسْتِعْمَالِ فِي مِثْلِهِ بَعْدَ إِجْرَاءِ أَخْبَارٍ أَوْ صِفَاتٍ عَنْ ذَاتٍ ثُمَّ يُرْدِفُ بِخَبَرٍ آخَرَ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بَعْدَ ذِكْرِ شَخْصٍ: فَتًى يَفْعَلُ وَيَفْعَلُ. وَهُوَ مِنَ الِاسْتِئْنَافِ الْبَيَانِيِّ إِذِ التَّقْدِيرُ: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَهُ فَهُوَ كَذَا. وَقَرَأَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ بِجَرِّ رَبِّ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ قَوْله: رَبِّكَ [الدُّخان: ٦] . وَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ مُوقِنِينَ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ: رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما. وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الْمَقَامُ. وَالتَّقْدِيرُ: إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ فَلَا تَعْبُدُوا غَيْرَهُ، وَلِذَلِكَ أَعْقَبَهُ بِجُمْلَةِ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ [الدُّخان: ٨] .

стр. 8736

[سُورَة الدُّخان (٤٤) : آيَة ٨] لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) جُمْلَةُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ نَتِيجَةٌ لِلدَّلِيلِ الْمُتَقَدِّمِ لِأَنَّ انْفِرَادَهُ بِرُبُوبِيَّةِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا دَلِيلٌ عَلَى انْفِرَادِهِ بِالْإِلَهِيَّةِ، أَيْ عَلَى بُطْلَانِ إِلَهِيَّةِ أَصْنَامِهِمْ فَكَانَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ نَتِيجَةً لِذَلِكَ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ لِشِدَّةِ اقْتِضَاءِ الْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا إِيَّاهَا. وَجُمْلَةُ يُحْيِي وَيُمِيتُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ بِتَفَرُّدِهِ بِالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ، وَالْمُشْرِكُونَ لَا يُنَازِعُونَ فِي أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُحْيِي وَالْمُمِيتُ فَكَمَا اسْتَدِلَّ عَلَيْهِمْ بِتَفَرُّدِهِ بِإِيجَادِ الْعَوَالِمِ وَمَا فِيهَا اسْتَدَلَّ عَلَيْهِمْ بِخَلْقِ أَعْظَمِ أَحْوَالِ الْمَوْجُودَاتِ وَهِيَ حَالَةُ الْحَيَاةِ الَّتِي شُرِّفَ بِهَا الْإِنْسَانُ عَنْ مَوْجُودَاتِ الْعَالَمِ الْأَرْضِيِّ وَكُرِّمَ أَيْضًا بِإِعْطَائِهَا لِلْحَيَوَانِ لِتَسْخِيرِهِ لِانْتِفَاعِ الْإِنْسَانِ بِهِ بِسَبَبِهَا، وَبِتَفَرُّدِهِ بِالْإِمَاتَةِ وَهِيَ سَلْبُ الْحَيَاةِ عَنِ الْحَيِّ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْحَيَاةَ لَيْسَتْ ذَاتِيَّةً لِلْحَيِّ. وَلَمَّا كَانَ تَفَرُّدُهُ بِالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ دَلِيلًا وَاضِحًا فِي أَحْوَالِ الْمُخَاطَبِينَ وَفِيمَا حَوْلَهُمْ مِنْ ظُهُورِ الْأَحْيَاءِ بِالْوِلَادَةِ وَالْأَمْوَاتِ بِالْوَفَاةِ يَوْمًا فَيَوْمًا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ لَا يَجْهَلُوا دَلَالَتَهُ بَلْهَ جُحُودِهِمْ إِيَّاهَا وَمَعَ ذَلِكَ قَدْ عَبَدُوا الْأَصْنَامَ الَّتِي لَا تُحْيِي وَلَا تُمِيتُ، أَعْقَبَ بِإِثْبَاتِ رُبُوبِيَّتِهِ لِلْمُخَاطَبِينَ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِجَحْدِ الْأَدِلَّةِ وَبِكُفْرَانِ النِّعْمَةِ. وَعَطَفَ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ لِيُسَجِّلَ عَلَيْهِمُ الْإِلْزَامَ بِقَوْلِهِمْ: وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف: ٢٢] . وَوَصَفَهُمْ بِ الْأَوَّلِينَ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا أَقْدَمَ الْآبَاءِ حُجَّةً أَعْظَمَ مِنَ الْآبَاءِ الْأَقْرَبِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْهُمْ مَا سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ [الْمُؤْمِنُونَ: ٢٤] . [٩] [سُورَة الدُّخان (٤٤) : آيَة ٩] بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩) بَلْ لِلْإِضْرَابِ الْإِبْطَالِيِّ رُدَّ بِهِ أَنْ يَكُونُوا مُوقِنِينَ وَمُقِرِّينَ بِأَنَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَإِنَّ إِقْرَارَهُمْ غَيْرُ صَادِرٍ عَنْ عِلْمٍ وَيَقِينٍ ثَابِتٍ بَلْ هُوَ كَالْعَدَمِ لِأَنَّهُمْ خَلَطُوهُ بِالشَّكِّ وَاللَّعِبِ فَارْتَفَعَتْ عَنْهُ خَاصِّيَّةُ الْيَقِينِ وَالْإِقْرَارِ الَّتِي هِيَ الْجَرْيُ عَلَى مُوجَبِ الْعِلْمِ، فَإِنَّ الْعِلْمَ إِذَا لَمْ يَجُرَّ صَاحِبَهُ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ وَتَجْدِيدِ مُلَاحَظَتِهِ

стр. 8737

تَطَرَّقَ إِلَيْهِ الذُّهُولُ ثُمَّ النِّسْيَانُ فَضَعُفَ حَتَّى صَارَ شَكًّا لِانْحِجَابِ الْأَدِلَّةِ الَّتِي يَرْسُخُ بِهَا فِي النَّفْسِ، أَيْ هُمْ شَاكُّونَ فِي وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَالْإِتْيَانُ بِحَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى شِدَّةِ تَمَكُّنِ الشَّكِّ مِنْ نُفُوسِهِمْ حَتَّى كَأَنَّهُ ظَرْفٌ مُحِيطٌ بِهِمْ لَا يَجِدُونَ عَنْهُ مَخْرَجًا، أَيْ لَا يُفَارِقُهُمُ الشَّكُّ، فَالظَّرْفِيَّةُ اسْتِعَارَةٌ تَبَعِيَّةٌ مِثْلُ الِاسْتِعْلَاءِ فِي قَوْلِهِ: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [الْبَقَرَة: ٥] . وَجُمْلَةُ يَلْعَبُونَ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ هُمْ أَيِ اشْتَغَلُوا عَنِ النَّظَرِ فِي الْأَدِلَّةِ الَّتِي تُزِيلُ الشَّكَّ عَنْهُمْ وَتَجْعَلُهُمْ مُهْتَدِينَ، بِالْهُزْءِ وَاللَّعِبِ فِي تَلَقِّي دَعْوَة الرَّسُول ﷺ فَكَأَنَّ انْغِمَاسَهُمْ فِي الشَّكِّ مُقَارِنًا لِحَالِهِمْ مِنَ اللَّعِبِ، وَلِهَذِهِ الْجُمْلَةِ الْحَالِيَّةِ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ إِذْ بِهَا أُفِيدَ أَنَّ الشَّكَّ حَامِلٌ لَهُمْ عَلَى الْهُزْءِ وَاللَّعِبِ، وَأَنَّ الشُّغْلَ بِاللَّعِبِ يَزِيدُ الشَّكَّ فِيهِمْ رُسُوخًا بِخِلَافِ مَا لَوْ قِيلَ: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ وَلعب، فتفطّن. [١٠، ١١] [سُورَة الدُّخان (٤٤) : الْآيَات ١٠ إِلَى ١١] فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذابٌ أَلِيمٌ (١١) تَفْرِيعٌ عَلَى جُمْلَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ [الدُّخان: ٩] قُصِدَ مِنْهُ وعد الرَّسُول ﷺ بِانْتِقَامِ اللَّهِ مِنْ مُكَذِّبِيهِ، وَوَعِيدُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى جُحُودِهِمْ بِدَلَائِلِ الْوَحْدَانِيَّةِ وَصِدْقِ الرَّسُولِ وُعُكُوفِهِمْ عَلَى اللَّعِبِ، أَيِ الِاسْتِهْزَاءِ بِالْقُرْآنِ وَالرَّسُولِ، وَذَكَرَ لَهُ مُخَوِّفَاتٍ لِلْمُشْرِكِينَ لِإِعْدَادِهِمْ لِلْإِيمَانِ وَبَطْشَةُ انتقام من أئمتهم تَسْتَأْصِلُهُمْ. فالخطاب فِي فَارْتَقِبْ للنبيء ﷺ وَالْأَمْرُ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّثْبِيتِ. وَالِارْتِقَابُ: افْتِعَالٌ مِنْ رَقَبَهُ، إِذَا انْتَظَرَهُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الِانْتِظَارُ عِنْدَ قُرْبِ حُصُولِ الشَّيْءِ الْمُنْتَظَرِ. وَفِعْلُ (ارْتَقِبْ) يَقْتَضِي بِصَرِيحِهِ أَنَّ إِتْيَانَ السَّمَاءِ بِدُخَانٍ لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا فِي نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَيَقْتَضِي كِنَايَةً عَنِ اقْتِرَابِ وُقُوعِهِ كَمَا يَرْتَقِبُ الْجَائِي مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ. ويَوْمَ اسْمُ زَمَانٍ مَنْصُوبٍ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِ (ارْتَقِبْ) وَلَيْسَ ظَرْفًا وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَخافُونَ يَوْماً [النُّور: ٣٧] ، وَهُوَ مُضَافٌ إِلَى الْجُمْلَةِ بَعْدَهُ لِتَمْيِيزِ الْيَوْمِ

стр. 8738

الْمُرَادِ عَنْ بَقِيَّةِ الْأَيَّامِ بِأَنَّهُ الَّذِي تَأْتِي فِيهِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ فَنُصِبَ يَوْمَ نَصْبَ إِعْرَابٍ وَلَمْ يُنَوَّنْ لِأَجْلِ الْإِضَافَةِ. وَالْجُمْلَةُ الَّتِي يُضَافُ إِلَيْهَا اسْمُ الزَّمَانِ تَسْتَغْنِي عَنِ الرَّابِطِ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ مُغْنِيَةٌ عَنْهُ. وَلِأَنَّ الْجُمْلَةَ فِي قُوَّةِ الْمَصْدَرِ. وَالتَّقْدِيرُ: فَارْتَقِبْ يَوْمَ إِتْيَانِ السَّمَاءِ بِدُخَانٍ. وَأَطْلَقَ الْيَوْمَ عَلَى الزَّمَانِ فَإِنَّ ظُهُورَ الدُّخَانِ كَانَ فِي أَيَّامٍ وَشُهُورٍ كَثِيرَةٍ. وَالدُّخَانُ: مَا يَتَصَاعَدُ عِنْدَ إِيقَادِ الْحَطَبِ، وَهُوَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أَيْ بِمِثْلِ دُخَانٍ. وَالْمُبِينُ: الْبَيِّنُ الظَّاهِرُ، وَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَبَانَ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى بَانَ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ ظَاهِرٌ لِكُلِّ أَحَدٍ لَا يُشَكُّ فِي رُؤْيَتِهِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَابْنُ قُتَيْبَةَ: الدُّخَانُ فِي الْآيَةِ هُوَ: الْغُبَارُ الَّذِي يَتَصَاعَدُ مِنَ الْأَرْضِ مِنْ جَرَّاءِ الْجَفَافِ وَأَنَّ الْغُبَارَ يُسَمِّيهِ الْعَرَبُ دُخَانًا وَهُوَ الْغُبَارُ الَّذِي تُثِيرُهُ الرِّيَاحُ مِنَ الْأَرْضِ الشَّدِيدَةِ الْجَفَافِ. وَعَنِ الْأَعْرَجِ: أَنَّهُ الْغُبَارُ الَّذِي أَثَارَتْهُ سَنَابِكُ الْخَيْلِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَدْ حَجَبَتِ الْغَبَرَةُ السَّمَاءَ، وَإِسْنَادُ الْإِتْيَانِ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ لِأَنَّ السَّمَاءَ مَكَانُهُ حِينَ يَتَصَاعَدُ فِي جَوِّ السَّمَاءِ أَوْ حِينَ يَلُوحُ لِلْأَنْظَارِ مِنْهَا. وَالْكَلَامُ يُؤْذِنُ بِأَنَّ هَذَا الدُّخَانَ الْمُرْتَقَبَ حَادِثٌ قَرِيبٌ الْحُصُولِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ حَدَثٌ يَكُونُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَأَنَّهُ عِقَابٌ لِلْمُشْرِكِينَ. فَالْمُرَادُ بِالنَّاسِ مِنْ قَوْلِهِ: يَغْشَى النَّاسَ هُمُ الْمُشْرِكُونَ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ فِي إِطْلَاقِ لَفْظِ النَّاسِ فِي الْقُرْآنِ، وَأَنَّهُ يَكْشِفُ زَمَنًا قَلِيلًا عَنْهُمْ إِعْذَارًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يُؤْمِنُونَ، وَأَنَّهُمْ يَعُودُونَ بَعْدَ كَشْفِهِ إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَأَنَّ اللَّهَ يُعِيدُهُ عَلَيْهِمْ كَمَا يُؤْذِنُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ: إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا [الدُّخان: ١٥] . وَأَمَّا قَوْلُهُ: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ [الدُّخان: ١٦] فَهُوَ عَذَابٌ آخَرُ. وَكُلُّ ذَلِكَ يُؤْذِنُ بِأَنَّ الْعَذَابَ بِالدُّخَانِ يَقَعُ فِي الدُّنْيَا وَأَنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ قَرِيبٌ، وَإِذْ قَدْ كَانَتِ الْآيَةُ مَكِّيَّةً تَعَيَّنَ أَنَّ هَذَا الدُّخَانَ الَّذِي هُوَ عَذَابٌ لِلْمُشْرِكِينَ لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الْأَنْفَال: ٣٣] فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ هَذَا الدُّخَانِ غَيْرُ قَاطِنِينَ بِدَارِ

стр. 8739

الشِّرْكِ، فَهَذَا الدُّخَانُ قَدْ حَصَلَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ لَا مَحَالَةَ وَتَعَيَّنَ أَنَّهُ قَدْ حَصَلَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ بِمَكَّةَ وَمَا حَوْلَهَا فَيَتَعَيَّنُ أَنَّهُ حَصَلَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ أَوْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَقْوَالِ. وَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذَا الدُّخَانَ عُنِيَ بِهِ مَا أَصَابَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ سِنِي الْقَحْطِ بِمَكَّةَ بَعْدَ هِجْرَة النبيء ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَالْأَصَحُّ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» عَنْ مُسْلِمٍ وَأَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: إِنَّ قُرَيْشًا لَمَّا غَلَبُوا على النبيء ﷺ وَاسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ قَالَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ، فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ أَكَلُوا فِيهَا الْعِظَامَ وَالْمَيْتَةَ مِنَ الْجَهْدِ حَتَّى جَعَلَ أَحَدُهُمْ يَرَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنَ الْجُوعِ فَأُتِيَ رَسُول الله ﷺ فَقِيلَ لَهُ: اسْتَسْقِ لِمُضَرَ أَنْ يُكْشَفَ عَنْهُمُ الْعَذَابُ، فَدَعَا فَكُشِفَ عَنْهُمْ وَقَالَ اللَّهُ لَهُ: إِنْ كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ عَادُوا، فَعَادُوا: فَانْتَقَمَ اللَّهُ مِنْهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ إِلَى قَوْلِهِ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ [الدُّخان: ١٠- ١٦] وَالْبَطْشَةُ الْكُبْرَى يَوْمُ بَدْرٍ. وَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ: مَضَى خَمْسٌ: الدُّخَانُ، وَالرُّومُ وَالْقَمَرُ وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ. فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» فِي أَبْوَابِ الِاسْتِسْقَاءِ أَن النبيء ﷺ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِنَ الصُّبْحِ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ. اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِينِ يُوسُفَ . وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ دَعَا لَهُمْ بِالنَّجَاةِ كَانُوا مِمَّنْ حَبَسَهُمُ الْمُشْرِكُونَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَكُلُّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ يُؤْذِنُ بِأَنَّ دُعَاء النبيء ﷺ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِالسِّنِينِ كَانَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ لِئَلَّا يُعَذَّبَ الْمُسْلِمُونَ بِالْجُوعِ وَأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْقُنُوتِ أَنَّهُ دَعَا فِي الْقُنُوتِ عَلَى بَنِي لِحْيَانَ وَعُصَيَّةَ. وَالَّذِي يُسْتَخْلَصُ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّ هَذَا الْجُوعَ حَلَّ بِقُرَيْشٍ بُعَيْدَ الْهِجْرَةِ، وَذَلِكَ هُوَ الْجُوعُ الَّذِي دَعَا بِهِ النبيء ﷺ إِذْ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ» ، وَفِي رِوَايَةِ «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ

стр. 8740

كَسِنِينِ يُوسُفَ» فَأتي النبيء ﷺ فَقِيلَ لَهُ: اسْتَسْقِ لِمُضَرَ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» أَنَّ الَّذِي أَتَى النَّبِيءَ هُوَ أَبُو سُفْيَانَ. وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَتَاهُ فِي نَاسٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يَعْنِي أَتَوُا الْمَدِينَةَ لَمَّا عَلِمُوا أنّ النبيء ﷺ كَانَ دَعَا عَلَيْهِمْ بِالْقَحْطِ، فَقَالُوا: إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَهُمْ فَدَعَا. وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ تَمْثِيلًا لِهَيْئَةِ مَا يَرَاهُ الْجَائِعُونَ مِنْ شِبْهِ الْغِشَاوَةِ عَلَى أَبْصَارِهِمْ حِينَ يَنْظُرُونَ فِي الْجَوِّ بِهَيْئَةِ الدُّخَانِ النَّازِلِ مِنَ الْأُفُقِ، فَالْمَجَازُ فِي التَّرْكِيبِ. وَأَمَّا مُفْرَدَاتُ التَّرْكِيبِ فَهِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي حَقَائِقِهَا لِأَنَّ مِنْ مَعَانِي السَّمَاءِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ قُبَّةُ الْجَوِّ، وَتَكُونُ جُمْلَةُ يَغْشَى النَّاسَ تَرْشِيحًا لِلتَّمْثِيلِيَّةِ لِأَنَّ الَّذِي يَغْشَاهُمْ هُوَ الظُّلْمَةُ الَّتِي فِي أَبْصَارِهِمْ مِنَ الْجُوعِ، وَلَيْسَ الدُّخَانُ هُوَ الَّذِي يَغْشَاهُمْ. وَبَعْضُ الرِّوَايَاتِ رَكَّبَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ حَدِيثَ الِاسْتِسْقَاءِ الَّذِي فِي «الصَّحِيحِ» أَنَّ رَجُلًا جَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَة والنبيء ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الزَّرْعُ وَالضَّرْعُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ اسْقِنَا ثَلَاثًا، وَمَا يُرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةُ سَحَابٍ، فَتَلَبَّدَتِ السَّمَاءُ بِالسَّحَابِ وَأُمْطِرُوا مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ حَتَّى سَالَتِ الْأَوْدِيَةُ وَسَالَ وَادِي قَنَاةَ شَهْرًا، فَأَتَاهُ آتٍ فِي الْجُمُعَةَ الْقَابِلَةَ هُوَ الْأَوَّلُ أَوْ غَيْرُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَقَطَّعَتِ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُمْسِكَ الْمَطَرَ عَنَّا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، فَتَفَرَّقَتِ السُّحُبُ حَتَّى صَارَتِ الْمَدِينَةُ فِي شِبْهِ الْإِكْلِيلِ مِنَ السَّحَابِ . وَالْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ ظَاهِرٌ. وَيَظْهَرُ أَنَّ هَذَا الْقَحْطَ وَقَعَ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ فَهُوَ قَحْطٌ آخَرُ غَيْرُ قَحْطِ قُرَيْشٍ الَّذِي ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَمَعْنَى يَغْشَى النَّاسَ أَنَّهُ يُحِيطُ بِهِمْ وَيَعُمُّهُمْ كَمَا تُحِيطُ الْغَاشِيَةُ بِالْجَسَدِ، أَيْ لَا يَنْجُو مِنْهُ أَحَدٌ مِنْ أُولَئِكَ النَّاسِ وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ. فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الدُّخَانِ مَا أَصَابَ أَبْصَارَهُمْ مِنْ رُؤْيَةٍ مِثْلِ الْغَبَرَةِ مِنَ الْجُوعِ فَالْغَشَيَانُ مَجَازٌ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ

стр. 8741

غُبَارَ الْحَرْبِ يَوْمَ الْفَتْحِ فَالْغَشَيَانُ حَقِيقَةٌ أَوْ مَجَازٌ مَشْهُورٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غُبَارًا مُتَصَاعِدًا فِي الْجَوِّ مِنْ شِدَّةِ الْجَفَافِ. وَقَوْلُهُ: هَذَا عَذابٌ أَلِيمٌ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِخْبَارًا مِنْ جَانِبِ اللَّهِ تَعَالَى تَعْجِيبًا مِنْهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ الذَّبِيحِ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ [الصافات: ١٠٦] . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ النَّاسِ الَّذِينَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ بِتَقْدِيرِ: يَقُولُونَ: هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ. وَالْإِشَارَةُ فِي هَذَا عَذابٌ أَلِيمٌ إِلَى الدُّخَانِ الْمَذْكُورِ آنِفًا، عَدَلَ عَنِ اسْتِحْضَارِهِ بِالْإِضْمَارِ وَأَنْ يُقَالَ: هُوَ عَذَابٌ أَلِيمٌ، إِلَى اسْتِحْضَارِهِ بِالْإِشَارَةِ، لِتَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ الْحَاضِرِ الْمُشَاهَدِ تَهْوِيلًا لِأَمْرِهِ كَمَا تَقُولُ: هَذَا الشِّتَاءُ قَادِمٌ فَأَعِدَّ لَهُ. وَقَرِيبٌ مِنْهُ الْأَمْرُ بِالنَّظَرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ [الْأَنْعَام: ٢٤] فَإِنَّ الْمَحْكِيَّ مِمَّا يَحْصُلُ فِي الْآخِرَة. [١٢] [سُورَة الدُّخان (٤٤) : آيَة ١٢] رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) هَذِهِ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ هَذَا عَذابٌ أَلِيمٌ [الدُّخان: ١١] وَجُمْلَةُ أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى [الدُّخان: ١٣] فَهِيَ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ. وَحَمَلَهَا جَمِيعُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّهَا حِكَايَةُ قَوْلِ الَّذِينَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ بِتَقْدِيرِ يَقُولُونَ: رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ، أَيْ هُوَ وَعْدٌ صَادِرٌ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ بِأَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ أَنْ كُشِفَ عَنْهُمُ الْعَذَابُ أَيْ فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الزُّخْرُفِ [٤٩] وَقالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ، أَيْ إِنْ دَعَوْتَ رَبَّكَ اتَّبَعْنَاكَ وَيَكُونُ بِمَعْنَى قَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ [١٣٤] وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ إِلَى قَوْلِهِ: لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ. وَمِمَّا تَسْمَحُ بِهِ تَرَاكِيبُ الْآيَةِ وَسِيَاقُهَا أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ الْمَحْذُوفُ مُقَدَّرًا بِفِعْلِ أَمْرٍ أَيْ قُولُوا لِتَلْقِينِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ أَنْ يُصِيبَهُمْ ذَلِكَ الْعَذَابُ إِذْ كَانُوا

стр. 8742

وَالْمُشْرِكِينَ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ كَمَا اسْتَعَاذَ مُوسَى ﵇ بِقَوْلِهِ: أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا [الْأَعْرَاف: ١٥٥] . وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ سَيُخْرِجُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يَحُلَّ بِأَهْلِهَا هَذَا الْعَذَابُ، فَهَذَا التَّلْقِينُ كَالَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: رَبَّنا لَا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا [الْبَقَرَة: ٢٨٦] الْآيَاتِ. وَعَلَيْهِ فَجُمْلَةُ إِنَّا مُؤْمِنُونَ تَعْلِيلٌ لِطَلَبِ دَفْعِ الْعَذَابِ عَنْهُمْ، أَيْ إِنَّا مُتَلَبِّسُونَ بِمَا يَدْفَعُ عَنَّا عَذَابَ الْكَافِرِينَ، وَفِي تَلْقِينِهِمْ بِذَلِكَ تَنْوِيهٌ بِشَرَفِ الْإِيمَانِ، وَأُسْلُوبُ الْكَلَامِ جَارٍ عَلَى أَنَّ جُمْلَةَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ تَعْلِيلٌ لِطَلَبِ كَشْفِ الْعَذَابِ عَنْهُمْ لِمَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ اسْتِعْمَالِ حَرْفِ (إِنَّ) مِنْ مَعْنَى الْإِخْبَارِ دُونَ الْوَعْدِ، وَمِنَ التَّعْلِيلِ دُونَ التَّأْكِيدِ، وَلِمَا يَقْتَضِيهِ اسْم الْفَاعِل فِي زَمَنِ الْحَالِ دُونَ الِاسْتِقْبَالِ، وَلِأَنَّ سِيَاقَهُ خطاب للنبيء ﷺ بِتَرَقُّبِ إِعَانَةِ اللَّهِ إِيَّاهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، كَمَا كَانَ يَدْعُو «أَعْنِي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسِنِي يُوسُفَ» فَمُقْتَضَى الْمَقَامِ تَأْمِينُهُ مِنْ أَنْ يُصِيبَ الْعَذَابُ الْمُسْلِمِينَ وَفِيهِمْ النبيء ﷺ ، وَظَاهِرُ مَادَّةِ الْكَشْفِ تَقْتَضِي إِزَالَةَ شَيْءٍ كَانَ حَاصِلًا فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنَّ الْكَشْفَ هُنَا لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُسْتَعْمَلًا فِي مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ كَانَ مَجَازُهُ مُحْتَمِلًا أَنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا فِي منع حُصُول شَيْء يُخْشَى حُصُولُهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [يُونُس: ٩٨] فَإِنَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمْ يَحُلَّ بِهِمْ عَذَابٌ فَزَالَ عَنْهُمْ وَلَكِنَّهُمْ تُوُعِّدُوا بِهِ فَبَادَرُوا بِالْإِيمَانِ فَنَجَّاهُمُ اللَّهُ مِنْهُ، وَقَوْلُ جَعْفَرِ بْنِ عُلْبَةَ الْحَارِثِيِّ: لَا يَكْشِفُ الْغَمَاءَ إِلَّا ابْنُ حُرَّةٍ ... يَرَى غَمَرَاتِ الْمَوْتِ ثُمَّ يَزُورُهَا أَرَادَ أَنَّهُ يَمْنَعُ الْعَدُوَّ مِنْ أَنْ يَنَالَهُمْ بِسُوءٍ، وَمُحْتَمِلًا لِلِاسْتِعْمَالِ فِي زَوَالِ شَيْءٍ كَانَ حَصَلَ. وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ رُوَاةِ السِّيَرِ وَالْآثَارِ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ وعدوا النبيء ﷺ بِأَنَّهُمْ يُسْلِمُونَ إِنْ أَزَالَ اللَّهُ عَنْهُم الْقَحْط.

стр. 8743

[سُورَة الدُّخان (٤٤) : الْآيَات ١٣ إِلَى ١٤] أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) هَذِهِ الْجُمْلَةُ جَعَلَهَا جَمِيعُ الْمُفَسِّرِينَ جَوَابًا عَنْ قَوْلِ الْقَائِلِينَ رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ [الدُّخان: ١٢] تَكْذِيبًا لِوَعْدِهِمْ، أَيْ هُمْ لَا يَتَذَكَّرُونَ، وَكَيْفَ يَتَذَكَّرُونَ وَقَدْ جَاءَهُمْ مَا هُوَ أَقْوَى دَلَالَةً مِنَ الْعَذَابِ وَهِيَ دَلَائِلُ صدق الرَّسُول ﷺ وَأَمَّا عَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي انْتَزَعْنَاهُ مِنْ تَرْكِيبِ الْآيَةِ فَهِيَ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ نَاشِئَةٌ عَنْ قَوْلِهِ: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ [الدُّخان: ٩] وَهِيَ كَالنَّتِيجَةِ لَهَا لِأَنَّهُمْ إِذَا كَانُوا فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ فَقَدْ صَارُوا بُعَدَاءَ عَنِ الذِّكْرَى. وأَنَّى اسْمُ اسْتِفْهَامٍ أَصْلُهُ اسْتِفْهَامٌ عَنْ أَمْكِنَةِ حُصُولِ الشَّيْءِ وَيَتَوَسَّعُونَ فِيهَا فَيَجْعَلُونَهَا اسْتِفْهَامًا عَنِ الْأَحْوَالِ بِمَعْنَى (كَيْفَ) بِتَنْزِيلِ الْأَحْوَالِ مَنْزِلَةَ ظُرُوفٍ فِي مَكَانٍ كَمَا هُنَا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ. وَالْمَعْنَى: مِنْ أَيْنَ تَحْصُلُ لَهُمُ الذِّكْرَى وَالْمَخَافَةُ عِنْدَ ظُهُورِ الدُّخَانِ الْمُبِينِ وَقَدْ سُدَّتْ عَلَيْهِمْ طُرُقُهَا بِطَعْنِهِمْ فِي الرَّسُول ﷺ الَّذِي أَتَاهُمْ بِالتَّذْكِيرِ. وَالِاسْتِفْهَامُ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْإِنْكَارِ وَالْإِحَالَةِ، أَيْ كَيْفَ يَتَذَكَّرُونَ وَهُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ وَطَعَنُوا فِيهِ. فَجُمْلَةُ وَقَدْ جاءَهُمْ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. ومُبِينٌ اسْمُ فَاعِلٍ إِمَّا مِنْ أَبَانَ الْمُتَعَدِّي، وَحُذِفَ مَفْعُولُهُ لِدَلَالَةِ الذِّكْرى عَلَيْهِ، أَيْ مُبِينٌ لَهُمْ مَا بِهِ يَتَذَكَّرُونَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَبَانَ الْقَاصِرِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى بَانَ، أَيْ رَسُولٌ ظَاهِرٌ، أَيْ ظَاهِرَةٌ رِسَالَتُهُ عَنِ اللَّهِ بِمَا تَوَفَّرَ مَعَهَا مِنْ دَلَائِلِ صِدْقِهِ. وَإِيثَارُ مُبِينٌ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ عَلَى مُبِينٌ بِالتَّشْدِيدِ مِنْ نُكَتِ الْإِعْجَازِ لِيُفِيدَ الْمَعْنَيَيْنِ. وثُمَّ لِلتَّرَاخِي الرُّتْبِيِّ وَهُوَ تَرَقٍّ مِنْ مَفَادِ قَوْلِهِ: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ [الدُّخان: ٩] الَّذِي اتَّصَلَتْ بِهِ جُمْلَةٌ كَانَتْ جُمْلَةُ وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِهَا.

стр. 8744

فَالْمَعْنَى: وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ فَشَكُّوا فِي رِسَالَتِهِ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَطَعَنُوا فِيهِ، فَالتَّوَلِّي وَالطَّعْنُ حَصَلَا عِنْدَ حُصُولِ الشَّكِّ وَاللَّعِبِ، وَلِذَلِكَ كَانَتْ ثُمَّ لِلتَّرَاخِي الرُّتْبِيِّ لَا لِتَرَاخِي الزَّمَانِ. وَمَعْنَى التَّرَاخِي الرُّتْبِيِّ هُنَا أَنَّ التَّوَلِّيَ وَالْبُهْتَانَ أَفْظَعُ مِنَ الشَّكِّ وَاللَّعِبِ. وَالْمُعَلَّمُ الَّذِي يُعَلِّمُهُ غَيْرُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ فِي سُورَةِ النَّحْلِ [١٠٣] . وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ وَصَفُوهُ مَرَّةً بِأَنَّهُ يُعَلِّمُهُ غَيْرُهُ، وَوَصَفُوهُ مَرَّةً بِالْجُنُونِ، تَنَقُّلًا فِي الْبُهْتَانِ، أَوْ وَصَفَهُ فَرِيقٌ بِهَذَا وَفَرِيقٌ بِذَلِكَ، فَالْقَوْلُ مُوَزَّعٌ بَيْنَ أَصْحَابِ ضَمِيرِ قالُوا أَوْ بَيْنَ أَوْقَاتِ الْقَائِلِينَ. وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ قَوْلًا وَاحِدًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَا يَكُونُ مُعَلَّمًا وَلَا يتأثر بالتعليم. [١٥] [سُورَة الدُّخان (٤٤) : آيَة ١٥] إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ (١٥) يَجِيءُ عَلَى مَا فَسَّرَ بِهِ جَمِيعُ الْمُفَسِّرِينَ قَوْلُهُ رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ [الدُّخان: ١٢] ، أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ جَوَابٌ لِسُؤَالِهِمْ، وَيَجِيءُ عَلَى مَا دَرَجْنَا عَلَيْهِ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ إِعْلَامًا لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأَنْ يَكْشِفَ الْعَذَابَ الْمُتَوَعَّدَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ مُدَّةً، فَيَعُودُونَ إِلَى مَا كَانُوا فِيهِ، وَعَلَيْهِ فَضَمِيرُ إِنَّكُمْ عائِدُونَ الْتِفَاتٌ إِلَى خِطَابِ الْمُشْرِكِينَ، أَيْ يُمْسِكُونَ عَنْ ذَلِكَ مُدَّةً وَهِيَ الْمُدَّةُ الَّتِي أَرْسَلُوا فِيهَا وَفْدَهُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ لِيَسْأَلَ الرَّسُولُ ﷺ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ بِكَشْفِ الْقَحْطِ عَنْهُمْ فَإِنَّهُمْ أَيَّامَئِذٍ يُمْسِكُونَ عَنِ الطَّعْنِ وَالذَّمِّ رَجَاءَ أَنْ يَدْعُوَ لَهُمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا كَانُوا فِيهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ [الزمر: ٨] كَمَا اقْتَضَى أَنَّ الْعَذَابَ عَائِدٌ إِلَيْهِمْ بَعْدَ عَوْدَتِهِمْ إِلَى مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ أَسْبَابِ إِصَابَتِهِمْ بِالْعَذَابِ. فَمَعْنَى إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ: إِنَّا كَاشِفُوهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ [الدُّخان: ١٠] الْمُقْتَضِي أَنَّهُ يَحْصُلُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَالْآيَةُ

стр. 8745

مُتَّصِلٌ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وَكَذَلِكَ مَعْنَى إِنَّكُمْ عائِدُونَ، أَيْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. وَاسْمُ الْفَاعِلِ يَكُونُ مُرَادًا بِهِ الْحُصُولُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِالْقَرِينَةِ. رُوِيَ أَنَّهُمْ كُشِفَ عَنْهُمُ الْقَحْطُ بَعْدَ اسْتِسْقَاءِ النَّبِيءِ ﷺ ، فَحَيَوْا وَحَيِيَتْ أَنْعَامُهُمْ ثُمَّ عَادُوا فَعَاوَدَهُمُ الْقَحْطُ كَمَالَ سَبْعِ سِنِينَ، وَلَعَلَّهَا عَقِبَهَا فَتْحُ مَكَّةَ. وَجُمْلَةُ إِنَّكُمْ عائِدُونَ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِأَنَّهُمْ إِذَا سَمِعُوا إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا تَطَلَّعُوا إِلَى مَا سَيَكُونُ بَعْدَ كَشْفِهِ، وَتَطَلَّعَ الْمُؤْمِنُونَ إِلَى مَا تَصِيرُ إِلَيْهِ حَالُ الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ كَشْفِ الْعَذَابِ هَلْ يُقْلِعُونَ عَنِ الطَّعْنِ فَكَانَ قَوْلُهُ: إِنَّكُمْ عائِدُونَ مُبَيِّنًا لما يتساءلون همخ. [١٦] [سُورَة الدُّخان (٤٤) : آيَة ١٦] يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦) هَذَا هُوَ الِانْتِقَامُ الَّذِي وُعِدَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ وَتُوُعِّدَ بِهِ أَيِمَّةُ الْكُفْرِ. وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا نَاشِئًا عَنْ قَوْلِهِ: إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ [الدُّخان: ١٥] فَإِنَّ السَّامِعَ يُثَارُ فِي نَفْسِهِ سُؤَالٌ عَنْ جَزَائِهِمْ حَيْثُ يَعُودُونَ إِلَى التَّوَلِّي وَالطَّعْنِ فَأُجِيبَ بِأَنَّ الِانْتِقَامَ مِنْهُمْ هُوَ الْبَطْشَةُ الْكُبْرَى، وَهِيَ الِانْتِقَامُ التَّامُّ، وَلِأَجْلِ هَذَا التَّطَلُّعِ وَالتَّسَاؤُلِ أُكِّدَا بِخَبَرٍ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ دَفْعًا لِلتَّرَدُّدِ. وَأَصْلُ تَرْكِيبِ الْجُمْلَةِ: إِنَّا مُنْتَقِمُونَ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى، فَ يَوْمَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِ فِيهِ لِاسْمِ الْفَاعِلِ وَهُوَ مُنْتَقِمُونَ. وَتَقَدَّمَ عَلَى عَامِلِهِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ لِتَهْوِيلِهِ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ هَذَا التَّعْلِيقِ أَنَّ الْعَامِلَ فِي الظَّرْفِ خَبَرٌ عَنْ (إِنَّ) بِنَاءً عَلَى الشَّائِعِ مِنْ كَلَامِ النُّحَاةِ أَنَّ مَا بَعْدَ (إِنَّ) لَا يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهَا فَإِنَّ الظُّرُوفَ وَنَحْوَهَا يُتَوَسَّعُ فِيهَا. والْبَطْشَةَ الْكُبْرى: هِيَ بَطْشَةُ يَوْمِ بَدْرٍ فَإِنَّ مَا أَصَابَ صَنَادِيدَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ كَانَ بَطْشَةً بِالشِّرْكِ وَأَهْلِهِ لِأَنَّهُمْ فَقَدُوا سَادَتَهُمْ وَذَوِي الرَّأْيِ مِنْهُمُ الَّذِينَ كَانُوا يُسَيِّرُونَ أَهْلَ مَكَّةَ كَمَا يُرِيدُونَ.

стр. 8746

وَالْبَطْشَةُ: وَاحِدَةُ الْبَطْشِ وَهُوَ: الْأَخْذُ الشَّدِيدُ بِعُنْفٍ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها فِي سُورَة الْأَعْرَاف [١٩٥] . [١٧- ٢١] [سُورَة الدُّخان (٤٤) : الْآيَات ١٧ إِلَى ٢١] وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١) جَعَلَ اللَّهُ قِصَّةَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسَى ﵇ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ مَثَلًا لِحَالِ الْمُشْرِكِينَ مَعَ النبيء ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ، وَجَعَلَ مَا حَلَّ بِهِمْ إِنْذَارًا بِمَا سَيَحِلُّ بِالْمُشْرِكِينَ مِنَ الْقَحْطِ وَالْبَطْشَةِ مَعَ تَقْرِيبِ حُصُولِ ذَلِكَ وَإِمْكَانِهِ وَيُسْرِهِ وَإِنْ كَانُوا فِي حَالَةِ قُوَّةٍ فَإِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً [الزخرف: ٨] فَذِكْرُهَا هُنَا تَأْيِيدٌ لِلنَّبِيءِ وَوَعْدٌ لَهُ بِالنَّصْرِ وَحُسْنِ الْعَاقِبَةِ، وَتَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ. وَهَذَا الْمَثَلُ وَإِنْ كَانَ تَشْبِيهًا لِمَجْمُوعِ الْحَالَةِ بِالْحَالَةِ فَهُوَ قَابِلٌ لِلتَّوْزِيعِ بِأَنْ يُشَبَّهَ أَبُو جَهْلٍ بِفِرْعَوْنَ، وَيُشَبَّهَ أَتْبَاعُهُ بِمَلَأِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ أَوْ يشبه مُحَمَّد ﷺ بِمُوسَى ﵇، وَيُشَبَّهُ الْمُسْلِمُونَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ. وَقَبُولُ الْمَثَلِ لِتَوْزِيعِ التَّشْبِيهِ مِنْ مَحَاسِنِهِ. وَمَوْقِعُ جُمْلَةِ وَلَقَدْ فَتَنَّا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْقِعَ الْحَالِ فَتَكُونُ الْوَاوُ لِلْحَالِ وَهِيَ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ إِنَّا مُنْتَقِمُونَ [الدُّخان: ١٦] . وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلَى جُمْلَةِ إِنَّا مُنْتَقِمُونَ [الدُّخان: ١٦] ، أَيْ مُنْتَقِمُونَ مِنْهُمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَانْتَقَمْنَا مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ فِيمَا مَضَى. وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ قَبْلَهُمْ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَيُفْتَنُونَ كَمَا فُتِنَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ، فَكَانَ هَذَا الظَّرْفُ مُؤْذِنًا بِجُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ عَلَى طَرِيقَةِ الْإِيجَازِ، وَالتَّقْدِيرُ: إِنَّا مُنْتَقِمُونَ فَفَاتِنُوهُمْ فَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ، وَمُؤْذِنًا بِأَنَّ الْمَذْكُورَ كَالدَّلِيلِ عَلَى تَوَقُّعِ ذَلِكَ وَإِمْكَانِهِ وَهُوَ إِيجَازٌ آخَرُ.

стр. 8747

وَالْمَقْصُودُ تَشْبِيهُ الْحَالَةِ بِالْحَالَةِ وَلَكِنْ عُدِلَ عَنْ صَوْغِ الْكَلَامِ بِصِيغَةِ التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ إِلَى صَوْغِهِ بِصِيغَةِ الْإِخْبَارِ اهْتِمَامًا بِالْقِصَّةِ وَإِظْهَارًا بِأَنَّهَا فِي ذَاتِهَا مِمَّا يَهِمُّ الْعِلْمُ بِهِ، وَأَنَّهَا تَذْكِيرٌ مُسْتَقِلٌّ وَأَنَّهَا غَيْرُ تَابِعَةٍ غَيْرَهَا. وَلِأَنَّ جُمْلَةَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ عُطِفَتْ عَلَى جُمْلَةِ فَتَنَّا أَيْ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ، عَطْفُ مُفَصَّلٍ عَلَى مُجْمَلٍ، وَإِنَّمَا جَاءَ مَعْطُوفًا إِذِ الْمَذْكُورُ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ مَعْنَى الْفِتْنَةِ، فَلَا تَكُونُ جُمْلَةً وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ بَيَانًا لِجُمْلَةِ فَتَنَّا بَلْ هِيَ تَفْصِيلٌ لِقِصَّةِ بَعْثَةِ مُوسَى ﵇. وَالْفَتْنُ: الْإِيقَاعُ فِي اخْتِلَالِ الْأَحْوَالِ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٩١] . وَالرَّسُولُ الْكَرِيمُ: مُوسَى، وَالْكِرِيمُ: النَّفِيسُ الْفَائِقُ فِي صِنْفِهِ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ فِي سُورَةِ النَّمْلِ [٢٩] ، أَيْ رَسُولٌ مِنْ خِيرَةِ الرُّسُلِ أَوْ مِنْ خِيرَةِ النَّاسِ. وأَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ تَفْسِيرٌ لِمَا تَضَمَّنَهُ وَصْفُ رَسُولٌ وَفِعْلُ جاءَهُمْ مِنْ مَعْنَى الرِّسَالَةِ وَالتَّبْلِيغِ فَفِيهِمَا مَعْنَى الْقَوْلِ. وَمَعْنَى أَدُّوا إِلَيَّ أَرْجِعُوا إِلَيَّ وَأَعْطُوا قَالَ تَعَالَى: وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمرَان: ٧٥] ، يُقَالُ: أَدَّى الشَّيْءَ أَوْصَلَهُ وَأَبْلَغَهُ. وَهَمْزَةُ الْفِعْلِ أَصْلِيَّةٌ وَهُوَ مُضَاعَفُ الْعَيْنِ وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ فِعْلٌ سَالِمٌ غَيْرُ مُضَاعَفٍ، جَعَلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَالْأَمَانَةِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ عَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِعَارَةِ الْمَكْنِيَّةِ. وَخِطَابُ الْجَمْعِ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ. وَالْمُرَادُ: فِرْعَوْنُ وَمَنْ حَضَرَ مِنْ مَلَئِهِ لَعَلَّهُمْ يُشِيرُونَ عَلَى فِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ، وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا خَاطَبَ مَجْمُوعَ الْمَلَأِ لَمَّا رَأَى مِنْ فِرْعَوْنَ صَلَفًا وَتَكَبُّرًا من الِامْتِثَال، فخطاب أَهْلَ مَشُورَتِهِ لَعَلَّ فِيهِمْ مَنْ يَتَبَصَّرُ الْحَقَّ. وعِبادَ اللَّهِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولَ أَدُّوا مُرَادًا بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ، أُجْرِيَ وَصْفُهُمْ عِبادَ اللَّهِ تَذْكِيرًا لِفِرْعَوْنَ بِمُوجَبِ رَفْعِ الِاسْتِعْبَادِ عَنْهُمْ، وَجَاءَ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ [١٧] أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ فَحَصَلَ أنّه وَصفهم بالوصفين، فَوَصْفُ

стр. 8748

عِبادَ اللَّهِ مُبْطِلٌ لِحُسْبَانِ الْقِبْطِ إِيَّاهُمْ عَبِيدًا كَمَا قَالَ: وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ [الْمُؤْمِنُونَ: ٤٧] وَإِنَّمَا هُمْ عِبَادُ اللَّهِ، أَيْ أَحْرَارٌ فَعِبَادُ اللَّهِ كِنَايَةٌ عَنِ الْحُرِّيَّةِ كَقَوْلِ بِشَارٍ يُخَاطِبُ نَفْسَهُ: أَصْبَحْتَ مَوْلَى ذِي الْجَلَالِ وَبَعْضُهُمْ ... مَوْلَى الْعَبِيدِ فَلُذْ بِفَضْلِكَ وَافْخَرِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولُ فِعْلِ أَدُّوا مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَقَامُ، أَيْ أَدَّوْا إِلَيَّ الطَّاعَةَ وَيَكُونُ عِبادَ اللَّهِ مُنَادَى بِحَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الظَّاهِرُ مِنْ شَرْعِ مُوسَى أَنَّهُ بُعِثَ إِلَى دُعَاءِ فِرْعَوْنَ لِلْإِيمَانِ وَأَنْ يُرْسِلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمَّا أَبَى فِرْعَوْنُ أَنْ يُؤْمِنَ ثَبَتَتِ الْمُكَافَحَةُ فِي أَنْ يُرْسِلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ. وَقَوْلُهُ: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ عِلَّةٌ لِلْأَمْرِ بِتَسْلِيمِ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَيْهِ، أَيْ لِأَنِّي مُرْسِلٌ إِلَيْكُمْ بِهَذَا، وَأَنَا أَمِينٌ، أَيْ مُؤْتَمَنٌ عَلَى أَنِّي رَسُولٌ لَكُمْ. وَتَقْدِيمُ لَكُمْ عَلَى رَسُولٌ لِلِاهْتِمَامِ بِتَعَلُّقِ الْإِرْسَالِ بِأَنَّهُ لَهُمُ ابْتِدَاءً بِأَنْ يُعْطُوهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِأَنَّ ذَلِكَ وَسِيلَةٌ لِلْمَقْصُودِ مِنْ إِرْسَالِهِ لِتَحْرِيرِ أُمَّةِ إِسْرَائِيلَ وَالتَّشْرِيعِ لَهَا، وَلَيْسَ قَوْلُهُ: لَكُمْ خِطَابًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فَإِنَّ مُوسَى قَدْ أَبْلَغَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ رِسَالَتَهُ مَعَ التَّبْلِيغِ إِلَى فِرْعَوْنَ قَالَ تَعَالَى: فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ [يُونُس: ٨٣] ، وَلِيَكُونَ امْتِنَاعُ فِرْعَوْنَ مِنْ تَسْرِيحِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَرِّرًا لِانْسِلَاخِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْ طَاعَةِ فِرْعَوْنَ وَفِرَارِهِمْ مِنْ بِلَادِهِ. وَعَطَفَ عَلَى طَلَبِ تَسْلِيمِ بَنِي إِسْرَائِيلَ نَهْيًا عَنِ الِاسْتِكْبَارِ عَنْ إِجَابَةِ أَمْرِ اللَّهِ أَنَفَةً مِنَ الْحَطِّ مِنْ عَظَمَتِهِ فِي أَنْظَارِ قَوْمِهِمْ فَقَالَ: وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ أَيْ لَا تَعْلُوَا عَلَى أَمْرِهِ أَوْ عَلَى رَسُولِهِ فَلَمَّا كَانَ الِاعْتِلَاءُ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ وَأَمْرِ رَسُولِهِ تَرْفِيعًا لِأَنْفُسِهِمْ عَلَى وَاجِبِ امْتِثَالِ رَبِّهِمْ جَعَلُوا فِي ذَلِكَ كَأَنَّهُمْ يَتَعَالَوْنَ عَلَى اللَّهِ. وأَنْ لَا تَعْلُوا عَطْفٌ عَلَى أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ. وَأُعِيدَ حَرْفُ أَنْ التَّفْسِيرِيَّةِ لِزِيَادَةِ تَأْكِيدِ التَّفْسِيرِ لِمَدْلُولِ الرِّسَالَةِ. وَلَا نَاهِيَةٌ، وَفِعْلُ تَعْلُوا مَجْزُومٌ بِ لَا النَّاهِيَةِ. وَجُمْلَةُ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ عِلَّةٌ جَدِيرَةٌ بِالْعَوْدِ إِلَى الْجمل الثَّلَاث

стр. 8749

الْمُتَقَدِّمَةِ وَهِيَ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ لِأَنَّ الْمُعْجِزَةَ تَدُلُّ عَلَى تَحَقُّقِ مَضَامِينِ تِلْكَ الْجُمَلِ مَعْلُولِهَا وَعِلَّتِهَا. وَالسُّلْطَانُ مِنْ أَسْمَاءِ الْحُجَّةِ قَالَ تَعَالَى: إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا [يُونُس: ٦٨] فالحجة تلجىء المحوج عَلَى الْإِقْرَارِ لِمَنْ يُحَاجُّهُ فَهِيَ كَالْمُتَسَلِّطِ عَلَى نَفْسِهِ. وَالْمُعْجِزَةُ: حُجَّةٌ عَظِيمَةٌ وَلِذَلِكَ وَصِفَ السُّلْطَانُ بِ مُبِينٍ، أَيْ وَاضِحِ الدَّلَالَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ. وَهَذِهِ الْمُعْجِزَةُ هِيَ انْقِلَابُ عَصَاهُ ثُعْبَانًا مُبِينًا. وآتِيكُمْ مُضَارِعٌ أَوِ اسْمُ فَاعِلِ (أَتَى) . وَعَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ فَهُوَ مُقْتَضٍ لِلْإِتْيَانِ بِالْحُجَّةِ فِي الْحَالِ. وَجُمْلَةُ وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي عُطِفَ عَلَى جُمْلَةِ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ، فَإِنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مِمَّا شَمِلَهُ كَلَامُهُ حِينَ تَبْلِيغِ رِسَالَتِهِ فَكَانَ دَاخِلًا فِي مُجْمَلِ مَعْنَى وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ الْمُفَسَّرِ بِمَا بَعْدَ أَنْ التَّفْسِيرِيَّةِ. وَمَعْنَاهُ: تَحْذِيرُهُمْ مِنْ أَنْ يَرْجُمُوهُ لِأَنَّ مَعْنَى عُذْتُ بِرَبِّي جَعَلْتُ رَبِّي عَوْذًا، أَيْ مَلْجَأً. وَالْكَلَامُ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ بِتَشْبِيهِ التَّذْكِيرِ بِخَوْفِ اللَّهِ الَّذِي يَمْنَعُهُمْ مِنَ الِاعْتِدَاءِ عَلَيْهِ بِالِالْتِجَاءِ إِلَى حِصْنٍ أَوْ مَعْقِلٍ بِجَامِعِ السَّلَامَةِ مِنَ الِاعْتِدَاءِ. وَمِثْلُ هَذَا التَّرْكِيبِ مِمَّا جَرَى مَجْرَى الْمَثَلِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ [١٨] قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ، وَقَالَ أَحَدُ رُجَّازِ الْعَرَبِ: قَالَتْ وَفِيهَا حَيْدَةٌ وَذُعْرُ ... عَوْذٌ بِرَبِّي مِنْكُمُ وَحِجْرُ وَالتَّعْبِيرُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى بِوَصْف بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ لِأَنَّهُ أُدْخِلَ فِي ارْعِوَائِهِمْ مِنْ رَجْمِهِ حِينَ يَتَذَكَّرُونَ أَنَّهُ اسْتَعْصَمَ بِاللَّهِ الَّذِي يَشْتَرِكُونَ فِي مَرْبُوبِيَّتِهِ وَأَنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ عَنْ قُدْرَتِهِ. وَالرَّجْمُ: الرَّمْيُ بِالْحِجَارَةِ تِبَاعًا حَتَّى يَمُوتَ الْمَرْمِيُّ أَوْ يُثْخِنَهُ الْجِرَاحُ. وَالْقَصْدُ مِنْهُ تَحْقِيرُ الْمَقْتُولِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرْمُونَ بِالْحِجَارَةِ مَنْ يَطْرُدُونَهُ، قَالَ: فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ [الْحجر: ٣٤] .

стр. 8750

وَإِنَّمَا اسْتَعَاذَ مُوسَى مِنْهُ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ عَادَتَهُمْ عِقَابُ مَنْ يُخَالِفُ دِينَهُمْ بِالْقَتْلِ رَمْيًا بِالْحِجَارَةِ. وَجَاءَ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ [٣٣] فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ. وَمَعْنَى ذَلِكَ إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِمَا جِئْتُ بِهِ فَلَا تَقْتُلُونِي، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي. وَالْمَعْنَى: إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِالْمُعْجِزَةِ الَّتِي آتِيكُمْ بِهَا فَلَا تَرْجُمُونِي فَإِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ أَنْ تَرْجُمُونِي وَلَكِنِ اعْتَزِلُونِي فَكُونُوا غَيْرَ مُوَالِينَ لِي وأكون مَعَ قرمي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَالتَّقْدِيرُ: فَاعْتَزِلُونِي وَأَعْتَزِلُكُمْ لِأَنَّ الِاعْتِزَالَ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا مِنْ جَانِبَيْنِ. وَجِيءَ فِي شَرْطِ إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي بِحَرْفِ إِنْ الَّتِي شَأْنُهَا أَنْ تُسْتَعْمَلَ فِي الشَّرْطِ غَيْرِ الْمُتَيَقَّنِ لِأَنَّ عَدَمَ الْإِيمَانِ بِهِ بَعْدَ دِلَالَةِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى صِدْقِهِ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ وَاقِعٍ فَيُفْرَضَ عَدَمُهُ كَمَا يُفْرَضُ الْمُحَالُ. وَلَعَلَّهُ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ بِإِخْرَاجِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ، أَوْ أَرَادَ: فَاعْتَزِلُونِي زَمَنًا، يَعْنِي إِلَى أَنْ يُعَيِّنَ لَهُ اللَّهُ زَمَنَ الْخُرُوجِ. وَعُدِّيَ تُؤْمِنُوا بِاللَّامِ لِأَنَّهُ يُقَالُ: آمَنَ بِهِ وَآمَنَ لَهُ، قَالَ تَعَالَى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ [العنكبوت: ٢٦] ، وَأَصْلُ هَذِهِ اللَّامِ لَامُ الْعِلَّةِ عَلَى تَضْمِينِ فِعْلِ الْإِيمَانِ مَعْنَى الرُّكُونِ. وَقَدْ جَاءَ تَرْتِيبُ فَوَاصِلِ هَذَا الْخِطَابِ عَلَى مُرَاعَاةِ مَا يَبْدُو مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ عِنْدَ إِلْقَاءِ مُوسَى دَعْوَتَهُ عَلَيْهِمْ إِذِ ابْتَدَأَ بِإِبْلَاغِ مَا أُرْسِلَ بِهِ إِلَيْهِمْ فَآنَسَ مِنْهُمُ التَّعَجُّبَ وَالتَّرَدُّدَ فَقَالَ: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَرَأَى مِنْهُمُ الصَّلَفَ وَالْأَنَفَةَ فَقَالَ: وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ فَلم يرعووا فَقَالَ: إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ، فَلَاحَتْ عَلَيْهِمْ عَلَامَاتُ إِضْمَارِ السُّوءِ لَهُ فَقَالَ: وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ، فَكَانَ هَذَا التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْجُمَلِ مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ مَا أَجَابُوا بِهِ عَلَى أبدع إيجاز. [٢٢] [سُورَة الدُّخان (٤٤) : آيَة ٢٢] فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) التَّعْقِيبُ الْمُفَادُ بِالْفَاءِ تَعْقِيبٌ عَلَى مَحْذُوفٍ يَقْتَضِي هَذَا الدُّعَاءَ إِذْ لَيْسَ فِي الْمَذْكُورِ قَبْلَ الْفَاءِ مَا يُنَاسِبُهُ التَّعْقِيبُ بِهَذَا الدُّعَاءِ إِذِ الْمَذْكُورُ قَبْلَهُ كَلَامٌ مِنْ مُوسَى

стр. 8751

إِلَيْهِمْ، فَالتَّقْدِيرُ: فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ فِيمَا أَمَرَهُمْ، أَوْ فَأَصَرُّوا عَلَى أَذَاهُ وَعَدَمِ مُتَارَكَتِهِ فَدَعَا رَبَّهُ، وَهَذَا التَّقْرِيرُ الثَّانِي أَلْيَقُ بِقَوْلِهِ: أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ. وَهَذَا كَالتَّعْقِيبِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ [الشُّعَرَاء: ٦٣] ، وَقَوْلِهِ: أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ اتَّفَقَ الْقُرَّاءُ الْعَشَرَةُ عَلَى قِرَاءَتِهِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَشَدِّ النُّونِ فَمَا بَعْدَهَا فِي قُوَّةِ الْمَصْدَرِ، فَلِذَلِكَ تُقَدَّرُ الْبَاءُ الَّتِي يَتَعَدَّى بِهَا فِعْلُ (دَعَا) ، أَيْ دَعَا رَبَّهُ بِمَا يَجْمَعُهُ هَذَا التَّرْكِيبُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي التَّعْرِيضِ بِأَنَّهُمُ اسْتَوْجَبُوا تَسْلِيطَ الْعِقَابِ الَّذِي يَدْعُو بِهِ الدَّاعِي، فَالْإِخْبَارُ عَنْ كَوْنِهِمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ مُسْتَعْمَلٌ فِي طَلَبِ الْمُجَازَاةِ عَلَى الْإِجْرَامِ أَوْ فِي الشِّكَايَةِ مِنِ اعْتِدَائِهِمْ، أَوْ فِي التَّخَوُّفِ مِنْ شَرِّهِمْ إِذَا اسْتَمَرُّوا عَلَى عَدَمِ تَسْرِيحِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَقْتَضِي الدُّعَاءَ لِكَفِّ شَرِّهِمْ، فَلِذَلِكَ أُطْلِقَ عَلَى هَذَا الْخَبَرِ فعل دَعَا. [٢٣] [سُورَة الدُّخان (٤٤) : آيَة ٢٣] فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) تَفْرِيعٌ عَلَى جُمْلَةِ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ [الدُّخان: ٢٢] ، وَالْمُفَرَّعُ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ الْكَلَامِ، أَيْ فَدَعَا فَقُلْنَا: أَسْرِ بِعِبَادِي. وَقَرَأَهُ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ فَأَسْرِ بِهَمْزَةِ وَصْلٍ عَلَى أَنَّهُ أَمْرٌ مِنْ (سَرَى) ، وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مِنْ (أَسْرَى) يُقَالُ: سَرَى وَأَسْرَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ [الْإِسْرَاء: ١] فَتَقْيِيدُهُ بِزَمَانِ اللَّيْلِ هَنَا نَظِيرُ تَقْيِيدِهِ فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ تَأْكِيدُ مَعْنَى الْإِسْرَاءِ بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ وَلَيْسَ مُسْتَعْمَلًا مَجَازًا فِي التَّبْكِيرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُتَعَارَفَ فِي الرَّحِيلِ أَنْ يَكُونَ فَجْرًا. وَفَائِدَةُ التَّأْكِيدِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنْ سَعَةِ الْوَقْتِ مَا يَبْلُغُونَ بِهِ إِلَى شاطىء الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ. وَجُمْلَةُ إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ تُقَيِّدُ تَعْلِيلًا لِلْأَمْرِ بِالْإِسْرَاءِ لَيْلًا لِأَنَّهُ مِمَّا يُسْتَغْرَبُ، أَيْ إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ فَأَرَدْنَا أَنْ تَقْطَعُوا مَسَافَةً يَتَعَذَّرُ عَلَى فِرْعَوْنَ لَحَاقُكُمْ. وَتَأْكِيدُ الْخَبَرِ بِ (إِنَّ) لِتَنْزِيلِ غَيْرِ السَّائِلِ مَنْزِلَةَ السَّائِلِ إِذَا قُدِّمَ إِلَيْهِ مَا يُلَوِّحُ لَهُ

стр. 8752

بِالْخَبَرِ فَيَسْتَشْرِفُ لَهُ اسْتِشْرَافَ الْمُتَرَدِّدِ السَّائِلِ، عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ [هود: ٣٧] . وَأُسْنِدَ الِاتِّبَاعُ إِلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ لِأَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الَّذِي سَيَتْبَعُهُمْ هُوَ فِرْعَوْن وَجُنُوده. [٢٤] [سُورَة الدُّخان (٤٤) : آيَة ٢٤] وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤) عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا [الدُّخان: ٢٣] فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَتَانِ صَدَرَتَا مُتَّصِلَتَيْنِ بِأَنْ أَعْلَمَ اللَّهُ مُوسَى حِينَ أَمْرَهُ بِالْإِسْرَاءِ بِأَنَّهُ يَضْرِبُ الْبَحْرَ بِعَصَاهُ فَيَنْفَلِقُ عَنْ قَعْرِهِ الْيَابِسِ حَتَّى يَمُرَّ مِنْهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ كَمَا وَرَدَ فِي آيَاتٍ أُخْرَى مِثْلِ آيَةِ سُورَةِ الشُّعَرَاءِ. وَلَمَّا أَمَرَهُ بِذَلِكَ طَمَّنَهُ بِأَنْ لَا يَخْشَى بَقَاءَهُ مُنْفَلِقًا فَيَتَوَقَّعَ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ فِرْعَوْنُ بَلْ يَجْتَازُ الْبَحْرَ وَيَتْرُكُهُ فَإِنَّهُ سَيَطْغَى عَلَى فِرْعَوْنَ وَجُنْدِهِ فَيَغْرَقُونَ، فَفِي الْكَلَامِ إِيجَازٌ تَقْدِيرُهُ: فَإِذَا سَرَيْتَ بِعِبَادِي فَسَنَفْتَحُ لَكُمُ الْبَحْرَ فَتَسْلُكُونَهُ فَإِذَا سَلَكْتَهُ فَلَا تَخْشَ أَنْ يَلْحَقَكُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنْدُهُ وَاتْرُكْهُ فَإِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ فِيهِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ صَدَرَتْ وَقْتَ دُخُولِ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ فِي طَرَائِقَ الْبَحْرِ فَيُقَدَّرُ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ، أَيْ وَقُلْنَا لَهُ: اتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا، أَيْ سَيَدْخُلُهُ فِرْعَوْنُ وَجُنْدُهُ وَلَا يَخْرُجُونَ مِنْهُ لِأَنَّ فِي بَقَائِهِ مَفْرُوقًا حِكْمَةً أُخْرَى وَهِيَ دُخُولُ فِرْعَوْنَ وَجُنْدِهِ فِي طَرَائِقِهِ طَمَعًا مِنْهُمْ أَنْ يَلْحَقُوا مُوسَى وَقَوْمَهُ، حَتَّى إِذَا تَوَسَّطُوهُ انْضَمَّ عَلَيْهِمْ، فَتَحْصُلُ فَائِدَةُ إِنْجَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَفَائِدَةُ إِهْلَاكِ عَدُوِّهِمْ، فَتَكُونُ الْوَاوُ عَاطِفَةً قَوْلًا مَحْذُوفًا عَلَى الْقَوْلِ الْمَحْذُوفِ قَبْلَهُ. وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فَالتَّرْكُ مُسْتَعْمَلٌ مَجَازًا فِي عَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِالشَّيْءِ كَمَا يُقَالُ: دَعْهُ يَفْعَلْ كَذَا، وَذَرْهُ، كَقَوْلِه تَعَالَى: ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [الْأَنْعَام: ٩١] ، وَقَالَتْ كَبْشَة بنت معديكرب: وَدَعْ عَنْكَ عَمْرًا إِنَّ عَمْرًا مُسَالِمٌ ... وَهَلْ بَطْنُ عَمْرٍو غَيْرُ شِبْرِ الْمَطْعَمِ وَالْبَحْرُ هُوَ بَحْرُ الْقُلْزُمِ الْمُسَمَّى الْيَوْمَ الْبَحْرُ الْأَحْمَرُ.

стр. 8753

وَالرَّهْوُ: الْفَجْوَةُ الْوَاسِعَةُ. وَأَصْلُهُ مَصْدَرُ رَهَا، إِذَا فَتَحَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ، فَسُمِّيَتِ الْفَجْوَةُ رَهْوًا تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ، وَانْتَصَبَ رَهْواً عَلَى الْحَالِ مِنَ الْبَحْرِ عَلَى التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ، أَيْ مِثْلُ رَهْوٍ. وَجُمْلَةُ إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ جَوَابًا عَن سُؤال ناشىء عَنْ الْأَمْرِ بِتَرْكِ الْبَحْرِ مَفْتُوحًا، وَضَمِيرُ إِنَّهُمْ عَائِدٌ إِلَى اسْمِ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ: أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ [الدُّخان: ٢٢] وَالْجُنْدُ: الْقَوْمُ وَالْأُمَّةُ وَعَسْكَرُ الْمَلِكِ. وَإِقْحَامُ لِفَظِ جُنْدٌ دُونَ الِاقْتِصَارِ عَلَى مُغْرَقُونَ لِإِفَادَةِ أَنَّ إِغْرَاقَهُمْ قَدْ لَزِمَهُمْ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ مِنْ مُقَوِّمَاتِ عِنْدِيَّتِهِمْ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٦٤] . [٢٥- ٢٨] [سُورَة الدُّخان (٤٤) : الْآيَات ٢٥ الى ٢٨] كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ (٢٧) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ (٢٨) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فكهين (٢٧) كَذلِكَ. اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ مَسُوقٌ لِلْعِبْرَةِ بِعَوَاقِبِ الظَّالِمِينَ الْمَغْرُورِينَ بِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ وَالْقُوَّةِ، غُرُورًا أَنْسَاهُمْ مُرَاقَبَةَ اللَّهِ فِيمَا يُرْضِيهِ، فَمَوْقِعُ هَذَا الِاسْتِئْنَافِ مُوقِعُ النَّتِيجَةِ مِنَ الدَّلِيلِ أَوِ الْبَيَانِ مِنَ الْإِجْمَالِ لِمَا فِي قَوْلِهِ: وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ [الدُّخان: ١٧] مِنَ التَّنْظِيرِ الْإِجْمَالِيِّ. وَضَمِيرُ تَرَكُوا عَائِدٌ إِلَى مَا عَادَ إِلَيْهِ ضَمِيرُ إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ [الدُّخان: ٢٤] . وَالتَّرْكُ حَقِيقَتُهُ: إِلْقَاءُ شَيْءٍ فِي مَكَان منتقل عَنْهُ إِبْقَاءً اخْتِيَارِيًّا، وَيُطْلَقُ مَجَازًا عَلَى مُفَارَقَةِ الْمَكَانِ وَالشَّيْءِ الَّذِي فِي مَكَانِ غَلَبَةٍ دُونَ اخْتِيَارٍ وَهُوَ مَجَازٌ مَشْهُورٌ يُقَالُ: تَرَكَ الْمَيِّتُ مَالًا، وَمِنْهُ سُمِّي مُخَلَّفُ الْمَيِّتِ تَرِكَةً وَهُوَ هُنَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. وَفِعْلُ تَرَكُوا مُؤْذِنٌ بِأَنَّهُمْ أُغْرِقُوا وَأُعْدِمُوا، وَذَلِكَ مُقْتَضَى أَنَّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مُوسَى مِنَ الْإِسْرَاءِ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَمَا مَعَهُ مِنِ اتِّبَاعِ فِرْعَوْنَ إِيَّاهُمْ وَانْفِلَاقِ الْبَحْرِ

стр. 8754

وَإِزْلَافِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَاقْتِحَامِ فِرْعَوْنَ بِجُنُودِهِ الْبَحْرَ، وَانْضِمَامِ الْبَحْرِ عَلَيْهِمْ قَدْ تَمَّ، فَفِي الْكَلَامِ إِيجَازُ حَذْفِ جُمَلٍ كَثِيرَةٍ يَدُلُّ عَلَيْهَا كَمْ تَرَكُوا. وكَمْ اسْمٌ لِعَدَدٍ كَثِيرٍ مُبْهَمٍ يُفَسِّرُ نَوْعَهُ مُمَيَّزٌ بَعْدَ كَمْ مَجْرُورٌ بِ مِنْ مَذْكُورَةٍ أَوْ مَحْذُوفَةٍ. وَحُكْمُ كَمْ كَالْأَسْمَاءِ تَكُونُ عَلَى حَسَبِ الْعَوَامِلِ. وَإِذْ كَانَ لَهَا صَدْرُ الْكَلَامِ لِأَنَّهَا فِي الْأَصْلِ اسْتِفْهَامٌ فَلَا تَكُونُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ وَلَا خَبَرَ (كَانَ) وَلَا (إِنَّ) وَإِذَا كَانَتْ مَعْمُولَةً لِلْأَفْعَالِ وَجَبَ تَقْدِيمُهَا عَلَى عَامِلِهَا. وَانْتَصَبَ كَمْ هُنَا عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ لِ تَرَكُوا أَيْ تَرَكُوا كَثِيرًا مِنْ جَنَّاتٍ. ومِنْ مُمَيِّزَةٌ لِمُبْهَمِ الْعَدَدِ فِي كَمْ. وَالْمَقَامُ بِفَتْحِ الْمِيمِ: مَكَانُ الْقِيَامِ، وَالْقِيَامُ هُنَا مَجَازٌ فِي مَعْنَى التَّمَكُّنِ مِنَ الْمَكَانِ. وَالْكَرِيمُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ أَنْفَسُهُ وَخَيْرُهُ، وَالْمُرَادُ بِهِ: الْمَسَاكِنُ وَالدِّيَارُ وَالْأَسْوَاقُ وَنَحْوُهَا مِمَّا كَانَ لَهُمْ فِي مَدِينَةِ (مَنْفِسِينَ) . وَالنَّعْمَةُ بِفَتْحِ النُّونِ: اسْمٌ لِلتَّنَعُّمِ مَصُوغٌ عَلَى وَزْنَةِ الْمَرَّةِ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْمَرَّةَ بَلْ مُطْلَقُ الْمَصْدَرِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ مَجْمُوعَ أَحْوَالِ النَّعِيمِ صَارَ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ وَهُوَ أَبْلَغُ وَأَجْمَعُ فِي تَصْوِيرِ مَعْنَى الْمَصْدَرِ، وَهَذَا هُوَ الْمُنَاسِبُ لِفِعْلِ تَرَكُوا لِأَنَّ الْمَتْرُوكَ هُوَ أَشْخَاصُ الْأُمُورِ الَّتِي يُنْعَمُ بِهَا وَلَيْسَ الْمَتْرُوكُ وَهُوَ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ. وفاكِهِينَ مُتَّصِفِينَ بِالْفُكَاهَةِ بِضَمِّ الْفَاءِ وَهِيَ اللَّعِبُ وَالْمَزْحُ، أَيْ كَانُوا مَغْمُورِينَ فِي النِّعْمَةِ لَاعِبِينَ فِي تِلْكَ النِّعْمَةِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ فاكِهِينَ بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ. وَقَرَأَهُ حَفْصٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ فَكِهِينَ بِدُونِ أَلِفٍ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ. وَقَوْلُهُ: كَذلِكَ رَاجِعٌ لِفِعْلِ تَرَكُوا. وَالتَّقْدِيرُ: تَرْكًا مِثْلَ ذَلِكَ التَّرْكِ. وَالْإِشَارَةُ إِلَى مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ وَمَعْنَى الْكَافِ، وَهَذَا التَّرْكِيبُ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً فِي سُورَةِ الْكَهْفِ

стр. 8755

وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ. عَطْفٌ عَلَى تَرَكُوا أَيْ تَرَكُوهَا وَأَوْرَثْنَاهَا غَيْرَهُمْ، أَيْ لِفِرْعَوْنَ الَّذِي وَلِيَ بَعْدَ مَوْتِ منفطا وَسمي صطفا مَنْفَطَا وَهُوَ أَحَدُ أُمَرَاءِ فِرْعَوْنَ مَنْفَطَا تَزَوَّجَ ابْنَةَ مَنْفَطَا الْمُسَمَّاةَ طُوسِيرَ الَّتِي خَلَفَتْ أَبَاهَا مَنْفَطَا عَلَى عَرْشِ مِصْرَ، وَلِكَوْنِهِ مِنْ غَيْرِ نَسْلِ فِرْعَوْنَ وُصِفَ هُوَ وَجُنْدُهُ بِقَوْمٍ آخَرِينَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: قَوْماً آخَرِينَ قَوْمًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ أُعِيدَ الِاسْمُ الظَّاهِرُ فِي قَوْلِهِ عَقِبِهِ وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ [الدُّخان: ٣٠] ، وَلَمْ يَقُلْ وَلَقَدْ نَجَّيْنَاهُمْ. وَوَقَعَ فِي آيَةِ الشُّعَرَاءِ فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ [الشُّعَرَاء: ٥٧- ٥٩] وَالْمُرَادُ هُنَالِكَ أَنَّ أَنْوَاعًا مِمَّا أَخْرَجْنَا مِنْهُ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَمْ يُقْصَدْ أَنْوَاعُ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ فِي خُصُوصِ أَرْضِ فِرْعَوْنَ. وَمُنَاسَبَةُ ذَلِكَ هُنَالِكَ أَنَّ الْقَوْمَيْنِ أُخْرِجَا مِمَّا كَانَا فِيهِ، فَسَلَبَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ مَا كَانَ لَهُ دُونَ إِعَادَةٍ لِأَنَّهُمْ هَلَكُوا، وَأُعْطِي الْفَرِيقُ الْآخَرُ أَمْثَالَ ذَلِكَ فِي أَرْضِ فَلَسْطِينَ، فَفِي قَوْلِهِ: وَأَوْرَثْناها تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ وَانْظُرْ آيَةَ سُورَة الشُّعَرَاء. [٢٩] [سُورَة الدُّخان (٤٤) : آيَة ٢٩] فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ إِلَى قَوْلِهِ: قَوْماً آخَرِينَ [الدُّخان: ٢٥- ٢٨] ، فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَتَضَمَّنُ أَنَّهُمْ هَلَكُوا وَانْقَرَضُوا، أَيْ فَمَا كَانَ مَهْلِكُهُمْ إِلَّا كَمَهْلِكِ غَيْرِهِمْ وَلَمْ يَكُنْ حَدَثًا عَظِيمًا كَمَا كَانُوا يَحْسَبُونَ وَيَحْسَبُ قَوْمُهُمْ، وَكَانَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ إِذَا هَلَكَ عَظِيمٌ أَنْ يُهَوِّلُوا أَمْرَ مَوْتِهِ بِنَحْوِ: بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ، وَبَكَتْهُ الرِّيحُ، وَتَزَلْزَلَتِ الْجِبَالُ، قَالَ النَّابِغَةُ فِي تَوَقُّعِ مَوْتِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ مِنْ مَرَضِهِ: فَإِنْ يَهْلِكْ أَبُو قَابُوسٍ يَهْلِكُ ... رَبِيعُ النَّاسِ وَالْبَلَدُ الْحَرَامُ وَقَالَ فِي رِثَاءِ النُّعْمَانِ بْنِ الْحَارِثِ الْغَسَّانِيِّ: بَكَى حَارِثُ الْجَوْلَانِ مِنْ فَقْدِ رَبِّهِ ... وَحَوْرَانُ مِنْهُ مُوحَشٌ مُتَضَائِلُِِ
следующие страницы →