← Тафсир

Тафсир · id 9776

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Полный текст (11 044 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ فَقَالَ سَأَلَكَ عِبادِي وَقَالَ: أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ وَلَوْ قِيلَ وَلْيَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُمْ لَكَانَ حُكْمًا جُزْئِيًّا خَاصًّا بِهِمْ، فَقَدْ ظَهَرَ وَجْهُ اتِّصَالِ الْآيَةِ بِالْآيَاتِ قَبْلَهَا وَمُنَاسَبَتِهَا لَهُنَّ وَارْتِبَاطِهَا بِهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ هُنَالِكَ اعْتِرَاضُ جُمْلَةٍ. وَقِيلَ إِنَّهَا جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ اقْتَرَنَتْ بِالْوَاوِ بَيْنَ أَحْكَامِ الصِّيَامِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُجَازِيهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ وَأَنَّهُ خَبِيرٌ بِأَحْوَالِهِمْ، قِيلَ إِنَّهُ ذَكَرَ الدُّعَاءَ هُنَا بَعْدَ ذِكْرِ الشُّكْرِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ يَجِبُ أَنْ يَسْبِقَهُ الثَّنَاءُ. وَالْعِبَادُ الَّذِينَ أُضِيفُوا إِلَى ضَمِيرِ الْجَلَالَةِ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ لِأَنَّ الْآيَاتِ كُلَّهَا فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الصَّوْمِ وَلَوَازِمِهِ وَجَزَائِهِ وَهُوَ مِنْ شِعَارِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ اصْطِلَاحُ الْقُرْآنِ غَالِبًا فِي ذِكْرِ الْعِبَادِ مُضَافًا لِضَمِيرِ الْجَلَالَةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ [الْفرْقَان: ١٧] بِمَعْنَى الْمُشْرِكِينَ فَاقْتَضَاهُ أَنَّهُ فِي مَقَامِ تَنْدِيمِهِمْ عَلَى اسْتِعْبَادِهِمْ لِلْأَصْنَامِ. وَإِنَّمَا قَالَ تَعَالَى: فَإِنِّي قَرِيبٌ وَلَمْ يَقُلْ: فَقُلْ لَهُمْ إِنِّي قَرِيبٌ إِيجَازًا لِظُهُورِهِ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي، وَتَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ السُّؤَالَ مَفْرُوضٌ غَيْرُ وَاقِعٍ مِنْهُمْ بِالْفِعْلِ، وَفِيهِ لَطِيفَةٌ قُرْآنِيَّةٌ وَهِيَ إِيهَامٌ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَوَلَّى جَوَابَهُمْ عَنْ سُؤَالِهِمْ بِنَفْسِهِ إِذْ حَذَفَ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى وَسَاطَةِ النَّبِيءِ ﷺ تَنْبِيهًا عَلَى شِدَّةِ قُرْبِ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ فِي مَقَامِ الدُّعَاءِ. واحتيج للتَّأْكِيد بإنّ، لِأَنَّ الْخَبَرَ غَرِيبٌ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ تَعَالَى قَرِيبًا مَعَ كَوْنِهِمْ لَا يَرَوْنَهُ. وأُجِيبُ خبر ثَان لإنّ وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْإِخْبَارِ الَّذِي قَبْلَهُ تَمْهِيدًا لَهُ لِتَسْهِيلِ قَبُولِهِ. وَحُذِفَتْ يَاءُ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ قَوْلِهِ «دَعَانِ» فِي قِرَاءَةِ نَافِعٍ وَأَبِي عَمْرٍو وَحَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ لِأَنَّ حَذْفَهَا فِي الْوَقْفِ لُغَةُ جُمْهُورِ الْعَرَبِ عَدَا أَهْلِ الْحِجَازِ، وَلَا تُحْذَفُ عِنْدَهُمْ فِي الْوَصْلِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَلِأَنَّ الرَّسْمَ يُبْنَى عَلَى حَالِ الْوَقْفِ، وَأَثْبَتَ الْيَاءَ ابْنُ كَثِيرٍ وَهِشَامٌ وَيَعْقُوبُ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ، وَقَرَأَ ابْنُ ذَكْوَانَ وَعَاصِمٌ بِحَذْفِ الْيَاءِ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ وَهِيَ لُغَةُ هُذَيْلٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْكَلِمَةَ لَوْ وَقَعَتْ فَاصِلَةً لَكَانَ الْحَذْفُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [الْبَقَرَة: ٤٠] فِي هَذِهِ السُّورَةِ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الصَّائِمَ مَرْجُوُّ الْإِجَابَةِ، وَإِلَى أَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ مَرْجُوَّةٌ دَعَوَاتُهُ، وَإِلَى مَشْرُوعِيَّةِ الدُّعَاءِ عِنْدَ انْتِهَاءِ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ.

стр. 947

وَالْآيَةُ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ إِجَابَةَ دُعَاءِ الدَّاعِي تَفَضُّلٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي الْتِزَامَ إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ وَفِي كُلِّ زَمَانٍ، لِأَنَّ الْخَبَرَ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ، وَلَا يُقَالُ: إِنَّهُ وَقَعَ فِي حَيِّزِ الشَّرْطِ فَيُفِيدُ التَّلَازُمَ، لِأَنَّ الشَّرْطَ هُنَا رَبْطُ الْجَوَابِ بالسؤال وَلَيْسَ ربط لِلدُّعَاءِ بِالْإِجَابَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: إِنْ دَعُونِي أَجَبْتُهُمْ. وَقَوْلُهُ: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي تَفْرِيعٌ عَلَى أُجِيبُ أَيْ إِذَا كُنْتُ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي فَلْيُجِيبُوا أَوَامِرِي، وَاسْتَجَابَ وَأَجَابَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَأَصْلُ أَجَابَ وَاسْتَجَابَ أَنَّهُ الْإِقْبَالُ عَلَى الْمُنَادِي بِالْقُدُومِ، أَوْ قَوْلٌ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِعْدَادِ لِلْحُضُورِ نَحْوَ (لَبَّيْكَ) ، ثُمَّ أُطْلِقَ مَجَازًا مَشْهُورًا عَلَى تَحْقِيقِ مَا يَطْلُبُهُ الطَّالِبُ، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ بِتَحْقِيقِهِ يَقْطَعُ مَسْأَلَتَهُ فَكَأَنَّهُ أَجَابَ نِدَاءَهُ. فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالِاسْتِجَابَةِ امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ فَيَكُونَ وَلْيُؤْمِنُوا بِي عَطْفًا مُغَايِرًا وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ الْفِعْلُ وَمِنَ الْأَمْرِ الثَّانِي الدَّوَامُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالِاسْتِجَابَةِ مَا يَشْمَلُ اسْتِجَابَةَ دَعْوَةِ الْإِيمَانِ، فَذِكْرُ وَلْيُؤْمِنُوا عَطْفٌ خَاصٌّ عَلَى عَامٍّ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ. وَقَوْلُهُ: لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي مِثْلِهِ. وَالرُّشْدُ إِصَابَةُ الْحَقِّ وَفِعْلُهُ كَنَصَرَ وَفَرِحَ وَضَرَبَ، وَالْأَشْهَرُ الْأَوَّلُ. [١٨٧] [سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١٨٧] أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ. انْتِقَالٌ فِي أَحْكَامِ الصِّيَامِ إِلَى بَيَانِ أَعْمَالٍ فِي بَعْضِ أَزْمِنَةِ رَمَضَانَ قَدْ يُظَنُّ أَنَّهَا تُنَافِي عِبَادَةَ الصِّيَامِ، وَلِأَجْلِ هَذَا الِانْتِقَالِ فُصِلَتِ الْجُمْلَةُ عَنِ الْجُمَلِ السَّابِقَةِ. وَذَكَرُوا لِسَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ كَلَامًا مُضْطَرِبًا غَيْرَ مُبِينٍ فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ «كَانَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا نَامَ أَحَدُهُمْ إِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ وَسَهِرَ بَعْدَهَا لَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يُبَاشِرْ أَهْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَجَاءَ عُمَرُ يُرِيدُ امْرَأَتَهُ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ نِمْتُ فَظَنَّ أَنَّهَا تَعْتَلُّ فَبَاشَرَهَا» ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ الْبَرَاءِ

стр. 948

بْنِ عَازِبٍ أَنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ جَاءَ إِلَى مَنْزِلِهِ بَعْدَ الْغُرُوبِ يُرِيدُ طَعَامَهُ فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: حَتَّى نُسَخِّنَ لَكَ شَيْئًا فَنَامَ فَجَاءَتِ امْرَأَتُهُ فَوَجَدْتُهُ نَائِمًا فَقَالَت: خيبة لم فَبَقِيَ كَذَلِكَ فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْجُوعِ، وَفِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ مِنْ «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» عَنْ حَدِيثِ الْبَراء بن عاوب قَالَ: لَمَّا نَزَلَ صَوْمُ رَمَضَانَ كَانُوا لَا يَقْرَبُونَ النِّسَاءَ رَمَضَانَ كُلَّهُ وَكَانَ رِجَالٌ يَخُونُونَ أَنْفُسَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ الْآيَةَ، وَوَقَعَ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ مِثْلَ مَا وَقَعَ لِعُمَرَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِسَبَبِ تِلْكَ الْأَحْدَاثِ، فَقِيلَ: كَانَ تَرْكُ الْأَكْلِ وَمُبَاشَرَةِ النِّسَاءِ مِنْ بَعْدِ النَّوْمِ أَوْ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ حُكْمًا مَشْرُوعًا بِالسُّنَّةِ ثُمَّ نُسِخَ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ، وَأَنْكَرَ أَبُو مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ أَنْ يَكُونَ هَذَا نَسْخًا لِشَيْءٍ تَقَرَّرَ فِي شَرْعِنَا وَقَالَ: هُوَ نَسْخٌ لِمَا كَانَ فِي شَرِيعَةِ النَّصَارَى. وَمَا شُرِعَ الصَّوْمُ إِلَّا إِمْسَاكًا فِي النَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ فَلَا أَحْسِبُ أَنَّ الْآيَةَ إِنْشَاءٌ لِلْإِبَاحَةِ وَلَكِنَّهَا إِخْبَارٌ عَنِ الْإِبَاحَةِ الْمُتَقَرِّرَةِ فِي أَصْلِ تَوْقِيتِ الصِّيَامِ بِالنَّهَارِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا إِبْطَالُ شَيْءٍ تَوَهَّمَهُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ أَنَّ الْأَكْلَ بَيْنَ اللَّيْلِ لَا يَتَجَاوَزُ وَقْتَيْنِ وَقْتَ الْإِفْطَارِ وَوَقْتَ السُّحُورِ وَجَعَلُوا وَقْتَ الْإِفْطَارِ هُوَ مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ إِلَى الْعَشَاءِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَنَامُونَ إِثْرَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَقِيَامِهَا فَإِذَا صَلُّوا الْعِشَاءَ لَمْ يَأْكُلُوا إِلَّا أَكْلَةَ السَّحُورِ وَأَنَّهُمْ كَانُوا فِي أَمْرِ الْجِمَاعِ كَشَأْنِهِمْ فِي أَمْرِ الطَّعَامِ وَأَنَّهُمْ لَمَّا اعْتَادُوا جَعْلَ النَّوْمِ مَبْدَأَ وَقْتِ الْإِمْسَاكِ اللَّيْلِيِّ ظَنُّوا أَنَّ النَّوْمَ إِنْ حَصَلَ فِي غَيْرِ إِبَّانِهِ الْمُعْتَادِ يَكُونُ أَيْضًا مَانِعًا مِنَ الْأَكْلِ وَالْجِمَاعِ إِلَى وَقْتِ السُّحُورِ وَإِنَّ وَقْتَ السُّحُورِ لَا يُبَاحُ فِيهِ إِلَّا الْأَكْلُ دُونَ الْجِمَاعِ إِذْ كَانُوا يَتَأَثَّمُونَ مِنَ الْإِصْبَاحِ فِي رَمَضَانَ عَلَى جَنَابَةٍ، وَقَدْ جَاءَ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَرَى ذَلِكَ يَعْنِي بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَعَلَّ هَذَا قَدْ سَرَى إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا يَقْتَضِيهِ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ، وَلَعَلَّهُمُ الْتَزَمُوا ذَلِكَ وَلَمْ يَسْأَلُوا عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ لَمْ يَتَجَاوَزْ بَعْضَ شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الَّتِي شرع لَهُم فِيهَا صِيَامُ رَمَضَانَ فَحَدَثَتْ هَذِهِ الْحَوَادِثُ الْمُخْتَلِفَةُ الْمُتَقَارِبَةُ، وَذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي «الْعَارِضَةِ» عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ مَنْ رَقَدَ قَبْلَ أَنْ يَطْعَمَ لَمْ يَطْعَمْ مِنَ اللَّيْلِ شَيْئًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ فَأَكَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: عَلِمَ اللَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِهَذَا الْحُكْمِ

стр. 949

لِزِيَادَةِ الْبَيَانِ إِذْ عَلِمَ اللَّهُ مَا ضَيَّقَ بِهِ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَوْحَى بِهِ إِلَى رَسُولِهِ ﷺ . وَهَذَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُفْشُوا ذَلِكَ وَلَا أَخْبَرُوا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ وَلِذَلِكَ لَا نَجِدُ فِي رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ وَالنَّسَائِيِّ أَنَّ النَّاسَ ذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ إِلَّا فِي حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ صِرْمَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَلَعَلَّهُ مِنْ زِيَادَاتِ الرَّاوِي. فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَدْ شُرِّعَ ثُمَّ نُسِخَ فَلَا أَحْسِبُهُ، إِذْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ الدِّينِ الَّذِي شَرَّعَ الصَّوْمَ أَوَّلَ مَرَّةٍ يَوْمًا فِي السَّنَةِ ثُمَّ دَرَّجَهُ فَشَرَّعَ الصَّوْمَ شَهْرًا عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِطْعَامِ تَخْفِيفًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفْرِضَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَيْلًا وَنَهَارًا فَلَا يُبِيحُ الْفِطْرَ إِلَّا سَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. وَلَيْلَةُ الصِّيَامِ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَعْقُبُهَا صِيَامُ الْيَوْمِ الْمُوَالِي لَهَا جَرْيًا عَلَى اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ فِي إِضَافَةِ اللَّيْلَةِ لِلْيَوْمِ الْمُوَالِي لَهَا إِلَّا لَيْلَةَ عَرَفَةَ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا اللَّيْلَةُ الَّتِي بَعْدَ يَوْمِ عَرَفَةَ. وَالرَّفَثُ فِي «الأساس» و «اللِّسَان» أَنَّ حَقِيقَتَهُ الْكَلَامُ مَعَ النِّسَاء فِي شؤون الِالْتِذَاذِ بِهِنَّ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْجِمَاعِ كِنَايَةً، وَقِيلَ هُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا وَهُوَ الظَّاهِر، وتعديته بإلى لِيَتَعَيَّنَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ وَهُوَ الْإِفْضَاءُ. وَقَوْلُ: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ كَالْعِلَّةِ لِمَا قَبْلَهَا أَيْ أُحِلَّ لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ عَنْ ذَلِكَ، ذَلِكَ أَنَّ الصَّوْمَ لَوْ فُرِضَ عَلَى النَّاسِ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ وَقْتُ الِاضْطِجَاعِ لَكَانَ الْإِمْسَاكُ عَنْ قُرْبَانِ النِّسَاءِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عَنَتًا وَمَشَقَّةً شَدِيدَةً لَيْسَتْ مَوْجُودَةً فِي الْإِمْسَاكِ عَنْ قُرْبَانِهِنَّ فِي النَّهَارِ لِإِمْكَانِ الِاسْتِعَانَةِ عَلَيْهِ فِي النَّهَارِ بِالْبُعْدِ عَنِ الْمَرْأَةِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ اسْتِعَارَةٌ بِجَامِعِ شِدَّةِ الِاتِّصَالِ حِينَئِذٍ وَهِيَ اسْتِعَارَةٌ أَحْيَاهَا الْقُرْآنُ، لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتِ اعتبرتها فِي قَوْله: لَابَسَ الشَّيْءُ الشَّيْءَ، إِذَا اتَّصَلَ بِهِ لَكِنَّهُمْ صَيَّرُوهَا فِي خُصُوصِ زِنَةِ الْمُفَاعَلَةِ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فَجَاءَ الْقُرْآنُ فَأَحْيَاهَا وَصَيَّرَهَا اسْتِعَارَةً أَصْلِيَّةً جَدِيدَةً بَعْدَ أَنْ كَانَتْ تَبَعِيَّةً مَنْسِيَّةً وَقَرِيبٌ مِنْهَا قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ: فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسِلِ وتَخْتانُونَ قَالَ الرَّاغِبُ: «الِاخْتِيَانُ مُرَاوَدَةُ الْخِيَانَةِ» بِمَعْنَى أَنَّهُ افْتِعَالٌ مِنَ الْخَوْنِ وَأَصْلُهُ تَخْتَوِنُونَ فَصَارَتِ الْوَاوُ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، وَخِيَانَةُ الْأَنْفُسِ تَمْثِيلٌ لِتَكْلِيفِهَا مَا لَمْ تُكَلَّفْ بِهِ كأنّ ذَلِك تَعْزِير بِهَا إِذْ يُوهِمُهَا أَنَّ الْمَشَقَّةَ مَشْرُوعَةٌ عَلَيْهَا وَهِيَ لَيْسَتْ بِمَشْرُوعَةٍ، وَهُوَ تَمْثِيلٌ لِمُغَالَطَتِهَا فِي التَّرَخُّصِ بِفِعْلِ مَا تَرَوْنَهُ مُحَرَّمًا عَلَيْكُمْ فَتُقْدِمُونَ تَارَةً

стр. 950

وَتُحْجِمُونَ أُخْرَى كَمَنْ يُحَاوِلُ خِيَانَةً فَيَكُونُ كَالتَّمْثِيلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يُخادِعُونَ [الْبَقَرَة: ٩] . وَالْمَعْنَى هُنَا أَنَّكُمْ تُلْجِئُونَهَا لِلْخِيَانَةِ أَوْ تَنْسُبُونَهَا لَهَا، وَقِيلَ: الِاخْتِيَانُ أَشَدُّ مِنَ الْخِيَانَةِ كَالِاكْتِسَابِ وَالْكَسْبِ كَمَا فِي «الْكَشَّافِ» قُلْتُ: وَهُوَ اسْتِعْمَالٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ [النِّسَاء: ١٠٧] . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ الْأَمْرُ لِلْإِبَاحَةِ، وَلَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِ: فَالْآنَ إِشَارَةً إِلَى تَشْرِيعِ الْمُبَاشَرَةِ حِينَئِذٍ بَلْ مَعْنَاهُ فَالْآنَ اتَّضَحَ الْحُكْمُ فَبَاشِرُوهُنَّ وَلَا تَخْتَانُوا أَنْفُسَكُمْ. وَالِابْتِغَاءُ الطَّلَبُ، وَمَا كَتَبَهُ اللَّهُ: مَا أَبَاحَهُ مِنْ مُبَاشَرَةِ النِّسَاءِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصِّيَامِ أَوِ اطْلُبُوا مَا قَدَّرَ اللَّهُ لَكُمْ مِنَ الْوَلَدِ تَحْرِيضًا لِلنَّاسِ عَلَى مُبَاشَرَةِ النِّسَاءِ عَسَى أَنْ يَتَكَوَّنَ النَّسْلُ مِنْ ذَلِكَ وَذَلِكَ لِتَكْثِيرِ الْأُمَّةِ وَبَقَاءِ النَّوْعِ فِي الْأَرْضِ. وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ. عَطَفَ عَلَى بَاشِرُوهُنَّ، وَالْخَيْطُ سِلْكُ الْكَتَّانِ أَوِ الصُّوفِ أَوْ غَيْرِهِمَا يُلْفَقُ بِهِ بَيْنَ الثِّيَابِ بِشَدِّهِ بِإِبْرَةٍ أَوْ مَخِيطٍ، يُقَالُ خَاطَ الثَّوْبَ وَخَيَّطَهُ. وَفِي خَبَرِ قُبُورِ بَنِي أُمَيَّةَ أَنَّهُمْ وَجَدُوا مُعَاوِيَةَ ﵁ فِي قَبْرِهِ كَالْخَيْطِ، وَالْخَيْطُ هُنَا يُرَادُ بِهِ الشُّعَاعُ الْمُمْتَدُّ فِي الظَّلَامِ وَالسَّوَادُ الْمُمْتَدُّ بِجَانِبِهِ قَالَ أَبُو دُؤَادٍ مِنْ شُعَرَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ: فَلَمَّا أَضَاءَتْ لَنَا سَدْفَةٌ (١) ... وَلَاحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أَنَارَا وَقَوْلُهُ: مِنَ الْفَجْرِ مِنْ ابْتِدَائِيَّةٌ أَيِ الشُّعَاعُ النَّاشِئُ عَنِ الْفَجْرِ، وَقِيلَ بَيَانِيَّةٌ وَقِيلَ تَبْعِيضِيَّةٌ وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَبِي دُؤَادٍ «مِنَ الصُّبْحِ» لِأَنَّ الْخَيْطَ شَائِعٌ فِي السِّلْكِ الَّذِي يُخَاطُ بِهِ فَهُوَ قَرِينَةُ إِحْدَى الْمَعْنَيَيْنِ لِلْمُشْتَرِكِ، وَجَعَلَهُ فِي «الْكَشَّافِ» تَشْبِيهًا بَلِيغًا، فَلَعَلَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ اشْتِهَارُ إِطْلَاقِهِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِ بَعْضِ الْكَلَامِ، كَالْآيَةِ وَبَيْتِ أَبِي دُؤَادٍ، وَعِنْدِي أَنَّ الْقُرْآنَ مَا أَطْلَقَهُ إِلَّا لِكَوْنِهِ كَالنَّصِّ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ فِي اللُّغَةِ الْفُصْحَى دُونَ إِرَادَةِ التَّشْبِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَشْبِيهٍ وَاضِحٍ.

стр. 951

وَقَدْ جِيءَ فِي الْغَايَةِ بِحَتَّى وَبِالتَّبَيُّنِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْإِمْسَاكَ يَكُونُ عِنْدَ اتِّضَاحِ الْفَجْرِ لِلنَّاظِرِ وَهُوَ الْفَجْرُ الصَّادِقُ، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعَالَى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ تَحْدِيدٌ لِنِهَايَةِ وَقْتِ الْإِفْطَارِ بِصَرِيحِ الْمَنْطُوقِ وَقَدْ عُلِمَ مِنْهُ لَا مَحَالَةَ أَنَّهُ ابْتِدَاءُ زَمَنِ الصَّوْمِ، إِذْ لَيْسَ فِي زَمَانِ رَمَضَانَ إِلَّا صَوْمٌ وَفِطْرٌ وَانْتِهَاءُ أَحَدِهِمَا مَبْدَأُ الْآخَرِ فَكَانَ قَوْلُهُ: أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ بَيَانًا لِنِهَايَةِ وَقْتِ الصِّيَامِ وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: ثُمَّ أَتِمُّوا وَلَمْ يَقُلْ ثُمَّ صُومُوا لِأَنَّهُمْ صَائِمُونَ مِنْ قَبْلُ. وإِلَى اللَّيْلِ غَايَةٌ اخْتِيرَ لَهَا (إِلَى) لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَعْجِيلِ الْفِطْرِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لِأَن إِلَى لَا تَمْتَدُّ مَعَهَا الْغَايَةُ بِخِلَافِ حَتَّى، فَالْمُرَادُ هُنَا مُقَارَنَةُ إِتْمَامِ الصِّيَامِ بِاللَّيْلِ. وَاعْلَمْ أَنَّ ثُمَّ فِي عَطْفِ الْجُمَلِ لِلتَّرَاخِي الرُّتْبِيِّ وَهُوَ اهْتِمَامٌ بِتَعْيِينِ وَقْتِ الْإِفْطَارِ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَالْبِشَارَةِ لَهُمْ، وَلَا الْتِفَاتَ إِلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو جَعْفَرٍ الْخَبَّازُ السَّمَرْقَنْدِيُّ مِنْ قُدَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِثُمَّ فِي هَاتِهِ الْآيَةِ عَلَى صِحَّةِ تَأْخِيرِ النِّيَّةِ عَنِ الْفَجْرِ احْتِجَاجًا لِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ جَوَازِ تَأْخِيرِ النِّيَّة إِلَى الصحوة الْكُبْرَى. بِنَاءً عَلَى أَنَّ ثُمَّ لِلتَّرَاخِي وَأَنَّ إِتْمَامَ الصِّيَامِ يَسْتَلْزِمُ ابْتِدَاءَهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ ثُمَّ بَعْدَ تَبْيِينِ الْخَيْطَيْنِ مِنَ الْفَجْرِ صُومُوا أَوْ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ فَيَنْتِجُ مَعْنَى صُومُوا بَعْدَ تَرَاخٍ عَنْ وَقْتِ الْفَجْرِ وَهُوَ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ وَالْمَصِيرِ إِلَى دَلَالَةِ الْإِشَارَةِ الْخَفِيفَةِ غَفْلَةٌ عَنْ مَعْنَى التَّرَاخِي فِي عَطْفِ (ثُمَّ) لِلْجُمَلِ. هَذَا، وَقَدْ رُوِيَتْ قِصَّةٌ فِي فَهْمِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ لِهَذِهِ الْآيَةِ وَفِي نُزُولِهَا مُفَرَّقَةً، فَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ عَمِدْتُ إِلَى عِقَالٍ أَسْوَدَ وَإِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِي اللَّيْلِ فَلَا يَسْتَبِينُ لِي الْأَبْيَضُ مِنَ الْأَسْوَدِ فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ، وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّكَ لِعَرِيضُ الْقَفَا، إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ» . وَرَوَيَا عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ نَزَلَتْ: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ وَلَمْ يَنْزِلْ مِنَ الْفَجْرِ فَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلِهِ الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ الْأَسْوَدَ وَلَمْ يَزَلْ يَأْكُلُ حَتَّى تَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدُ مِنَ الْفَجْرِ، فَيَظْهَرُ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ مِثْلَ مَا عَمِلَهُ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ قَدْ كَانَ عَمِلَهُ غَيْرُهُ مِنْ قَبْلِهِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، فَإِنَّ عَدِيًّا أَسْلَمَ سَنَةَ تِسْعٍ أَوْ سَنَةَ عَشْرٍ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ فُرِضَ

стр. 952

سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَلَا يَعْقِلُ أَنْ يَبْقَى الْمُسْلِمُونَ سَبْعَ أَوْ ثَمَانِيَ سِنِينَ فِي مِثْلِ هَذَا الْخَطَأِ، فَمَحَلُّ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَا فِيهِ وَقَعَ فِي أَوَّلِ مُدَّةِ شَرْعِ الصِّيَامِ، وَمَحْمَلُ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّ عَدِيًّا وَقَعَ فِي مِثْلِ الْخَطَأِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ مَنْ تَقَدَّمُوهُ، فَإِنَّ الَّذِي عِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ حُصَيْنٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيٍّ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ إِلَخْ فَهُوَ قَدْ ذَكَرَ الْآيَةَ مُسْتَكْمَلَةً، فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ مَحْمَلُ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ قَدْ عَمِلَهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي الصَّوْمِ الْمَفْرُوضِ قَبْلَ فَرْضِ رَمَضَانَ أَيْ صَوْمِ عَاشُورَاءَ أَوْ صَوْمِ النَّذْرِ وَفِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ فَرْضِ رَمَضَانَ وَفِيهَا مِنَ الْفَجْرِ عَلِمُوا أَنَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَهُ خَطَأٌ، ثُمَّ حَدَثَ مِثْلُ ذَلِكَ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ. وَحَدِيثُ سَهْلٍ لَا شُبْهَةَ فِي صِحَّةِ سَنَدِهِ إِلَّا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فِيهِ وَلَمْ يَنْزِلْ مِنَ الْفَجْرِ وَقَوْلُهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْفَجْرِ مَرْوِيًّا بِالْمَعْنَى فَجَاءَ رَاوِيهِ بِعِبَارَاتٍ قَلِقَةٍ غَيْرِ وَاضِحَةٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَبِي غَسَّانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فَقَالَ الرَّاوِي: «فَأَنْزَلَ بَعْدُ- أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ- مِنَ الْفَجْرِ» وَكَانَ الْأَوْضَحُ أَنْ يَقُولَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدُ: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا- إِلَى قَوْلِهِ- مِنَ الْفَجْرِ. وأيّا مَا كَانَ فَلَيْسَ فِي هَذَا شَيْءٌ مِنْ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ، لِأَنَّ مَعْنَى الْخَيْطِ فِي الْآيَةِ ظَاهِرٌ لِلْعَرَبِ، فَالتَّعْبِيرُ بِهِ مِنْ قَبِيلِ الظَّاهِرِ لَا مِنْ قَبِيلِ الْمُجْمَلِ، وَعَدَمُ فَهْمِ بَعْضِهِمُ الْمُرَادَ مِنْهُ لَا يَقْدَحُ فِي ظُهُورِ الظَّاهِرِ، فَالَّذِينَ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ مَعْنَى الْخَيْطِ الْأَبْيَضِ وَالْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، فَهِمُوا أَشْهَرَ مَعَانِي الْخَيْطِ وَظَنُّوا أَنَّ قَوْلَهُ: مِنَ الْفَجْرِ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ يَتَبَيَّنَ عَلَى أَنْ تَكُونَ (مِنْ) تَعْلِيلِيَّةً أَيْ يَكُونُ تَبَيُّنُهُ بِسَبَبِ ضَوْءِ الْفَجْرِ، فَصَنَعُوا مَا صَنَعُوا وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيءُ ﷺ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ «إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ- أَوْ إِنَّكَ لَعَرِيضُ الْقَفَا» كِنَايَةً عَنْ قِلَّةِ الْفِطْنَةِ وَهِيَ كِنَايَةٌ مُوَجَّهَةٌ مِنْ جَوَامِعِ كَلِمِهِ ﵇. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: بَاشِرُوهُنَّ لِقَصْدِ أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَكِفُ صَالِحًا. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ لَهَاتِهِ الْآيَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ الْمَسْجِدِ فَقِيلَ لَا بُدَّ مِنَ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ وَقِيلَ مُطَلَّقُ مَسْجِدٍ وَهُوَ التَّحْقِيقُ وَهُوَ مَذْهَبُ

стр. 953

مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ ﵏، وَأَحْكَامُهُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَلَيْسَتْ مِنْ غَرَضِ هَذَا الْمُفَسِّرِ. تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ. تَذْيِيلٌ بِالتَّحْذِيرِ مِنْ مُخَالَفَةِ مَا شَرَّعَ إِلَيْهِ مِنْ أَحْكَامِ الصِّيَامِ. فَالْإِشَارَةُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ، وَالْإِخْبَارُ عَنْهَا بِالْحُدُودِ عَيْنُ أَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِ هُوَ التَّحْدِيدَاتُ الْمُشْتَمِلُ عَلَيْهَا الْكَلَام السَّابِق وَهِي قَوْلِهِ: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ وَقَوْلِهِ: إِلَى اللَّيْلِ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ مِنْ كُلِّ مَا فِيهِ تَحْدِيدٌ يُفْضِي تَجَاوُزُهُ إِلَى مَعْصِيَةٍ، فَلَا يَخْطُرُ بِالْبَالِ دُخُولُ أَحْكَامِ الْإِبَاحَةِ فِي الْإِشَارَةِ مِثْلَ: أُحِلَّ لَكُمْ وَمِثْلَ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ. وَالْحُدُودُ الحواجز وَنِهَايَاتُ الْأَشْيَاءِ الَّتِي إِذَا تَجَاوَزَهَا الْمَرْءُ دَخَلَ فِي شَيْءٍ آخَرَ، وَشُبِّهَتِ الْأَحْكَامُ بِالْحُدُودِ لِأَنَّ تَجَاوُزَهَا يُخْرِجُ مِنْ حِلٍّ إِلَى مَنْعٍ وَفِي الْحَدِيثِ «وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا» ، وَسَتَأْتِي زِيَادَةُ بَيَانٍ لَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها. وَقَوْلُهُ: فَلا تَقْرَبُوها نَهَى عَنْ مُقَارَبَتِهَا الْمُوقِعَةِ فِي الْخُرُوجِ مِنْهَا عَلَى طَرِيقِ الْكِنَايَةِ لِأَنَّ الْقُرْبَ مِنَ الْحَدِّ يَسْتَلْزِمُ قَصْدَ الْخُرُوجِ غَالِبًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الْأَنْعَام: ١٥٢] ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فِي آيَاتٍ أُخْرَى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها [الْبَقَرَة: ٢٢٩] . كَمَا سَيَأْتِي هُنَالِكَ وَفِي مَعْنَى الْآيَةِ حَدِيثُ «مَنْ حَامَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ» . وَالْقَوْلُ فِي: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي قَوْلِهِ: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [الْبَقَرَة: ١٤٣] أَيْ كَمَا بَين الله أَحْكَامَ الصِّيَامِ يُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ أَي جَمِيع رياته لِجَمِيعِ النَّاسِ، وَالْمَقْصِدُ أَنَّ هَذَا شَأْنُ اللَّهِ فِي إِيضَاحِ أَحْكَامِهِ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ شَيْءٌ مِنْهَا عَلَى النَّاسِ، وَقَوْلُهُ: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ، أَيْ إِرَادَةٌ لِاتِّقَائِهِمُ الْوُقُوعَ فِي الْمُخَالَفَةِ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُبَيِّنْ لَهُمُ الْأَحْكَامَ لَمَا اهْتَدَوْا لِطَرِيقِ الِامْتِثَالِ، أَوْ لَعَلَّهُمْ يَلْتَبِسُونَ بِغَايَةِ الِامْتِثَالِ وَالْإِتْيَانِ بِالْمَأْمُورَاتِ عَلَى وَجْهِهَا فَتَحْصُلُ لَهُمْ صِفَةُ التَّقْوَى الشَّرْعِيَّةِ، إِذْ لَوْ لَمْ يُبَيِّنِ اللَّهُ لَهُمْ لَأَتَوْا بِعِبَادَاتٍ غَيْرِ مُسْتَكْمِلَةٍ لِمَا أَرَادَ اللَّهُ مِنْهَا وَهُمْ وَإِنْ كَانُوا مَعْذُورِينَ عِنْدَ عَدَمِ الْبَيَان وَغير مؤاخذيم بِإِثْمِ التَّقْصِيرِ

стр. 954

إِلَّا أَنَّهُمْ لَا يَبْلُغُونَ صِفَةَ التَّقْوَى أَيْ كَمَالَ مُصَادَفَةِ مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَعَلَّ يَتَّقُونَ عَلَى هَذَا مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ لَا يُقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ مِثْلَ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩] ، وَهُوَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مَحْذُوفُ الْمَفْعُول للقرينة. [١٨٨] [سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١٨٨] وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨) عَطْفُ جُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ، وَالْمُنَاسَبَةُ أَنَّ قَوْلَهُ: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها [الْبَقَرَة: ١٨٧] تَحْذِيرٌ مِنَ الْجُرْأَةِ على مُخَالفَة حكم الصِّيَامِ بِالْإِفْطَارِ غَيْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْأَكْلِ الْحَرَامِ فَعَطَفَ عَلَيْهِ أَكْلٌ آخَرُ مُحَرَّمٌ وَهُوَ أَكْلُ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، وَالْمُشَاكَلَةُ زَادَتِ الْمُنَاسَبَةَ قُوَّةً، وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ عِدَادِ الْأَحْكَامِ الْمَشْرُوعَةِ لِإِصْلَاحِ مَا اخْتَلَّ مِنْ أَحْوَالِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَلِذَلِكَ عُطِفَ عَلَى نَظَائِرِهِ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ أَصْلُ تَشْرِيعٍ عَظِيمٌ لِلْأَمْوَالِ فِي الْإِسْلَامِ. كَانَ أَكْلُ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ شِنْشِنَةً مَعْرُوفَةً لِأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ بَلْ كَانَ أَكْثَرُ أَحْوَالِهِمُ الْمَالِيَّةِ فَإِنَّ اكْتِسَابَهُمْ كَانَ مِنَ الْإِغَارَةِ وَمِنَ الْمَيْسِرِ، وَمِنْ غَصْبِ الْقَوِيِّ مَالَ الضَّعِيفِ، وَمِنْ أَكْلِ الْأَوْلِيَاءِ أَمْوَالَ الْأَيْتَامِ واليتامى، وَمن الْغرَر وَالْمُقَامَرَةِ، وَمِنَ الْمُرَابَاةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الْبَاطِلِ الَّذِي لَيْسَ عَن طِيبِ نَفْسٍ. وَالْأَكْلُ حَقِيقَتُهُ إِدْخَالُ الطَّعَامِ إِلَى الْمَعِدَةِ مِنَ الْفَمِ وَهُوَ هُنَا اسْتِعَارَة لِلْأَخْذِ بِقَصْدِ الِانْتِفَاعِ دُونَ إِرْجَاعٍ لِأَنَّ ذَلِكَ الْأَخْذَ يُشْبِهُ الْأَكْلَ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ، وَلِذَلِكَ لَا يُطْلَقُ عَلَى إِحْرَاقِ مَالِ الْغَيْرِ اسْمُ الْأَكْلِ وَلَا يُطْلَقُ عَلَى الْقَرْضِ وَالْوَدِيعَةِ اسْمُ الْأَكْلِ، وَلَيْسَ الْأَكْلُ هُنَا اسْتِعَارَةً تَمْثِيلِيَّةً إِذْ لَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ هَيْئَةِ آخِذِ مَالِ غَيْرِهِ لِنَفْسِهِ بِقَصْدِ عَدَمِ إِرْجَاعِهِ وَهَيْئَةِ الْأَكْلِ كَمَا لَا يَخْفَى. وَالْأَمْوَالُ جَمْعُ مَالٍ وَنُعَرِّفُهُ بِأَنَّهُ «مَا بِقَدْرِهِ يَكُونُ قَدْرُ إِقَامَةِ نِظَامِ مَعَاشِ أَفْرَادِ النَّاسِ فِي تنَاول الضروريات والحاجيات وَالتَّحْسِينِيَّاتِ بِحَسَبِ مَبْلَغِ حَضَارَتِهِمْ حَاصِلًا بِكَدْحٍ» ، فَلَا يُعَدُّ الْهَوَاءُ مَالًا، وَلَا مَاءُ الْمَطَرِ وَالْأَوْدِيَةِ وَالْبِحَارِ مَالًا، وَلَا التُّرَابُ مَالًا، وَلَا كُهُوفُ الْجِبَالِ وَظِلَالُ الْأَشْجَارِ مَالًا، وَيُعَدُ الْمَاءُ الْمُحْتَفَرُ بِالْآبَارِ مَالًا، وَتُرَابُ الْمُقَاطِعِ مَالًا، وَالْحَشِيشُ وَالْحَطَبُ مَالًا، وَمَا يَنْحِتُهُ الْمَرْءُ لِنَفْسِهِ فِي جَبَلٍ مَالًا.

стр. 955

وَالْمَالُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: النَّوْعُ الْأَوَّلُ مَا تَحْصُلُ تِلْكَ الْإِقَامَةُ بِذَاتِهِ دُونَ تَوَقُّفٍ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ الْأَطْعِمَةُ كَالْحُبُوبِ، وَالثِّمَارِ، وَالْحَيَوَانِ لِأَكْلِهِ وَلِلِانْتِفَاعِ بِصُوفِهِ وَشَعْرِهِ وَلَبَنِهِ وَجُلُودِهِ وَلِرُكُوبِهِ قَالَ تَعَالَى: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ [النَّحْل: ٨٠] وَقَالَ: لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ [غَافِر: ٧٩] وَقَدْ سَمَّتِ الْعَرَبُ الْإِبِلَ مَالًا قَالَ زُهَيْرٌ: صَحِيحَاتِ مَالٍ طَالِعَاتٍ بِمَخْرَمِ وَقَالَ عُمَرُ: «لَوْلَا الْمَالُ الَّذِي أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا حَمَيْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ بِلَادِهِمْ شِبْرًا» ، وَهَذَا النَّوْعُ هُوَ أَعْلَى أَنْوَاعِ الْأَمْوَالِ وَأَثْبَتُهَا، لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ حَاصِلَةٌ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى أَحْوَالِ الْمُتَعَامِلِينَ وَلَا عَلَى اصْطِلَاحَاتِ الْمُنَظِّمِينَ، فَصَاحِبُهُ يَنْتَفِعُ بِهِ زَمَنَ السِّلْمِ وَزَمَنَ الْحَرْبِ وَفِي وَقْتِ الثِّقَةِ وَوَقْتِ الْخَوْفِ وَعِنْدَ رِضَا النَّاسِ عَلَيْهِ وَعَدَمِهِ وَعِنْدَ احْتِيَاجِ النَّاسِ وَعَدَمِهِ، وَفِي الْحَدِيثِ «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ مَالِي مَالِي وَإِنَّمَا مَالُكَ مَا أَكَلْتَ فَأَمْرَيْتَ أَوْ أَعْطَيْتَ فَأَغْنَيْتَ» فَالْحَصْرُ هُنَا لِلْكَمَالِ فِي الِاعْتِبَارِ مِنْ حَيْثُ النَّفْعِ الْمَادِّيِّ وَالنَّفْعِ الْعَرَضِيِّ. النَّوْعُ الثَّانِي: مَا تَحْصُلُ تِلْكَ الْإِقَامَةُ بِهِ وَبِمَا يُكْمِلُهُ مِمَّا يَتَوَقَّفُ نَفْعُهُ عَلَيْهِ كَالْأَرْضِ لِلزَّرْعِ وَلِلْبِنَاءِ عَلَيْهَا، وَالنَّارِ لِلطَّبْخِ وَالْإِذَابَةِ، وَالْمَاءِ لِسَقْيِ الْأَشْجَارِ، وَآلَاتِ الصِّنَاعَاتِ لِصُنْعِ الْأَشْيَاءِ مِنَ الْحَطَبِ وَالصُّوفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا النَّوْعُ دُونَ النَّوْعِ الثَّانِي لِتَوَقُّفِهِ عَلَى أَشْيَاءَ رُبَّمَا كَانَتْ فِي أَيْدِي النَّاسِ فَضَنَّتْ بِهَا وَرُبَّمَا حَالَتْ دُونَ نَوَالِهَا مَوَانِعُ مِنْ حَرْبٍ أَوْ خَوْفٍ أَوْ وُعُورَةِ طَرِيقٍ. النَّوْعُ الثَّالِثُ: مَا تَحْصُلُ الْإِقَامَةُ بِعِوَضِهِ مِمَّا اصْطَلَحَ الْبَشَرُ عَلَى جَعْلِهِ عِوَضًا لِمَا يُرَادُ تَحْصِيلُهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالنَّقْدِ أَوْ بِالْعُمْلَةِ، وَأَكْثَرُ اصْطِلَاحِ الْبَشَرِ فِي هَذَا النَّوْعِ عَلَى مَعْدَنَيِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَمَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْبَشَرِ مِنَ التَّعَامُلِ بِالنُّحَاسِ وَالْوَدَعِ وَالْخَرَزَاتِ وَمَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنَ التَّعَامُلِ بِالْحَدِيدِ الْأَبْيَضِ وَبِالْأَوْرَاقِ الْمَالِيَّةِ وَهِيَ أَوْرَاقُ الْمَصَارِفِ الْمَالِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ وَهِيَ حُجَجُ الْتِزَامٍ مِنَ الْمَصْرِفِ بِدَفْعِ مِقْدَارِ مَا بِالْوَرَقَةِ الصَّادِرَةِ مِنْهُ، وَهَذَا لَا يَتِمُّ اعْتِبَارُهُ إِلَّا فِي أَزْمِنَةِ السِّلْمِ وَالْأَمْنِ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُتَقَارِبُ الْأَفْرَادِ، وَالْأَوْرَاقُ الَّتِي تُرَوِّجُهَا الْحُكُومَاتُ بِمَقَادِيرَ مَالِيَّةٍ يَتَعَامَلُ بِهَا رَعَايَا تِلْكَ الْحُكُومَاتِ. وَقَوْلِي فِي التَّعْرِيفِ: حَاصِلًا بِكَدْحٍ، أَرَدْتُ بِهِ أَنَّ شَأْنَهُ أَنْ يَكُونَ حَاصِلًا بِسَعْيٍ فِيهِ كُلْفَةٌ

стр. 956

وَلِذَلِكَ عَبَّرْتُ عَنْهُ بِالْكَدْحِ وَذَلِكَ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْمَالَ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُكْتَسَبًا والاكتساب لَهُ ثَلَاثَة طُرُقٍ: الطَّرِيقُ الْأَوَّلُ: طَرِيقُ التَّنَاوُلِ مِنَ الْأَرْضِ قَالَ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [الْبَقَرَة: ٢٩] وَقَالَ: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ [الْملك: ١٥] وَهَذَا كَالْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ وَالصَّيْدِ الْبَرِّيِّ وَالْبَحْرِيِّ وَثَمَرِ شَجَرِ الْبَادِيَةِ وَالْعَسَلِ، وَهَذَا قَدْ يَكُونُ بِلَا مُزَاحَمَةٍ وَقَدْ يَكُونُ بِمُزَاحَمَةٍ فَيَكُونُ تَحْصِيلُهُ بِالسَّبْقِ كَسُكْنَى الْجِبَالِ وَالْتِقَاطِ الْكَمْأَةِ. الطَّرِيقُ الثَّانِي: الِاسْتِنْتَاجُ وَذَلِكَ بِالْوِلَادَةِ وَالزَّرْعِ وَالْغَرْسِ وَالْحَلْبِ، وَبِالصَّنْعَةِ كَصُنْعِ الْحَدِيدِ وَالْأَوَانِي وَاللِّبَاسِ وَالسِّلَاحِ. الطَّرِيقُ الثَّالِثُ: التَّنَاوُلُ مِنْ يَدِ الْغَيْرِ فِيمَا لَا حَاجَةَ لَهُ بِهِ إِمَّا بِتَعَامُلٍ بِأَنْ يُعْطِيَ الْمَرْءُ مَا زَادَ عَلَى حَاجَتِهِ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ غَيْرُهُ وَيَأْخُذُ مِنَ الْغَيْرِ مَا زَادَ عَلَى حَاجَتِهِ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ هُوَ، أَوْ بِإِعْطَاءِ مَا جَعَلَهُ النَّاسُ عَلَّامَةً عَلَى أَنَّ مَالِكَهُ جَدِيرٌ بِأَنْ يَأْخُذَ بِهِ مَا قُدِّرَ بِمِقْدَارِهِ كَدِينَارٍ وَدِرْهَمٍ فِي شَيْءٍ مُقَوَّمٍ بِهِمَا، وَإِمَّا بِقُوَّةٍ وَغَلَبَةٍ كَالْقِتَالِ عَلَى الْأَرَاضِي وَعَلَى الْمِيَاهِ. وَالْبَاطِلُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ بَطَلَ إِذَا ذَهَبَ ضَيَاعًا وَخَسْرًا أَيْ بِدُونِ وَجْهٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْوَجْهَ هُوَ مَا يُرْضِي صَاحِبَ الْمَالِ أَعْنِي الْعِوَضَ فِي الْبُيُوعَاتِ وَحُبِّ الْمَحْمَدَةِ فِي التَّبَرُّعَاتِ. وَالضَّمَائِرُ فِي مِثْلِ: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ عَامَّةٌ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِعْلُ: وَلا تَأْكُلُوا وَقَعَ فِي حَيِّزِ النَّهْيِ فَهُوَ عَامٌّ، فَأَفَادَ ذَلِكَ نَهْيًا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كُلِّ أَكْلٍ وَفِي جَمِيع الْأَمْوَال، قُلْنَا هُنَا جَمْعَانِ جَمْعُ الْآكِلِينَ وَجَمْعُ الْأَمْوَالِ الْمَأْكُولَةِ، وَإِذَا تَقَابَلَ جَمْعَانِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مِنْ مُقَابَلَةِ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْجَمْعِ بِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْجَمْعِ الْآخَرِ عَلَى التَّوْزِيعِ نَحْوَ رَكِبَ الْقَوْمُ دَوَابَّهُمْ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَخُذُوا حِذْرَكُمْ [النِّسَاء: ١٠٢]- قُوا أَنْفُسَكُمْ [التَّحْرِيم: ٦] ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ لَكِنْ عَلَى مَعْنَى أَنَّ كُلَّ فَرْدٍ يُقَابَلُ بِفَرْدٍ غَيْرِهِ لَا بِفَرْدِ نَفْسِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [الحجرات: ١١] وَقَوْلِهِ فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ [النُّور: ٦١] ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مِنْ مُقَابَلَةِ كُلِّ فَرْدٍ بِجَمِيعِ الْأَفْرَادِ نَحْوَ قَوْلِهِ: وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ [غَافِر: ٩] ، وَالتَّعْوِيلُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْقَرَائِنِ. وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ هَذَيْنِ الْجَمْعَيْنِ هُنَا مِنَ النَّوْعِ الثَّانِي أَيْ لَا يَأْكُلُ بَعْضُهُمْ مَالَ بَعْضٍ آخَرَ

стр. 957

بِالْبَاطِلِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: بَيْنَكُمْ لِأَنَّ بَيْنَ تَقْتَضِي تَوَسُّطًا خِلَالَ طَرَفَيْنِ، فَعُلِمَ أَنَّ الطَّرَفَيْنِ آكِلٌ وَمَأْكُولٌ مِنْهُ وَالْمَالُ بَيْنَهُمَا، فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْآكِلُ غَيْرَ الْمَأْكُولِ وَإِلَّا لَمَا كَانَتْ فَائِدَةٌ لِقَوْلِهِ: بَيْنَكُمْ. وَمَعْنَى أَكْلِهَا بِالْبَاطِلِ أَكْلُهَا بِدُونِ وَجْهٍ، وَهَذَا الْأَكْلُ مَرَاتِبُ: الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى: مَا عَلِمَهُ جَمِيعُ السَّامِعِينَ مِمَّا هُوَ صَرِيحٌ فِي كَوْنِهِ بَاطِلًا كَالْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ وَالْحِيلَةِ. الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: مَا أَلْحَقَهُ الشَّرْعُ بِالْبَاطِلِ فَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنَ الْبَاطِلِ وَقَدْ كَانَ خَفِيًّا عَنْهُمْ وَهَذَا مِثْلُ الرِّبَا فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا [الْبَقَرَة: ٢٧٥] ، وَمثل رَشْوَةِ الْحُكَّامِ، وَمِثْلُ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا فَفِي الْحَدِيثِ: «أَرَأَيْتَ إِنْ مَنْعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ» ، وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هِيَ خَمْسُونَ حَدِيثًا. الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: مَا اسْتَنْبَطَهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ ذَلِكَ، فَمَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ وَصْفُ الْبَاطِلِ بِالنَّظَرِ وَهَذَا مَجَالٌ لِلِاجْتِهَادِ فِي تَحْقِيقِ مَعْنَى الْبَاطِلِ، وَالْعُلَمَاءُ فِيهِ بَيْنَ مُوَسِّعٍ وَمُضَيِّقٍ مِثْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَتَفْصِيلُهُ فِي الْفِقْهِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَضِيَّةِ عَبَدَانَ الْحَضْرَمِيِّ وامرئ الْقَيْس فالكندي اخْتَصَمَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَرْضٍ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَالْقِصَّةُ مَذْكُورَةٌ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمَا وَإِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ عَطْفٌ عَلَى تَأْكُلُوا أَيْ لَا تُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَتَوَسَّلُوا بِذَلِكَ إِلَى أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ. وَخَصَّ هَذِهِ الصُّورَةَ بِالنَّهْيِ بَعْدَ ذِكْرِ مَا يَشْمَلُهَا وَهُوَ أَكْلُ الْأَمْوَالِ بِالْبَاطِلِ لِأَنَّ هَذِهِ شَدِيدَةُ الشَّنَاعَةِ جَامِعَةٌ لِمُحَرَّمَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَلِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ مُعْطِيَ الرَّشْوَةِ آثِمٌ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ مَالًا بَلْ آكَلَ غَيْرَهُ، وَجُوِّزَ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ لِلْمَعِيَّةِ وتُدْلُوا مَنْصُوبًا بِأَنْ مُضْمَرَةً بَعْدَهَا فِي جَوَابِ النَّهْيِ فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنْ مَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ أَيْ لَا تَأْكُلُوهَا بَيْنَكُمْ مُدْلِينَ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا وَهُوَ يُفْضِي إِلَى أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ الرَّشْوَةُ خَاصَّةً فَيَكُونُ الْمُرَادُ الِاعْتِنَاءَ بِالنَّهْيِ عَنْ هَذَا النَّوْعِ مِنْ أَكْلِ الْأَمْوَالِ بِالْبَاطِلِ. وَالْإِدْلَاءُ فِي الْأَصْلِ إِرْسَالُ الدَّلْوِ فِي الْبِئْرِ وَهُوَ هُنَا مَجَازٌ فِي التَّوَسُّلِ وَالدَّفْعِ.

стр. 958

فَالْمَعْنَى عَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ، لَا تَدْفَعُوا أَمْوَالَكُمْ لِلْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا بِهَا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ فَالْإِدْلَاءُ بِهَا هُوَ دَفْعُهَا لِإِرْشَاءِ الْحُكَّامِ لِيَقْضُوا لِلدَّافِعِ بِمَالِ غَيْرِهِ فَهِيَ تَحْرِيمٌ لِلرَّشْوَةِ وَلِلْقَضَاءِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَلِأَكْلِ الْمَقْضِيِّ لَهُ مَالًا بِالْبَاطِلِ بِسَبَبِ الْقَضَاءِ بِالْبَاطِلِ. وَالْمَعْنَى عَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بِالْبَاطِلِ فِي حَالِ انْتِشَابِ الْخُصُومَاتِ بِالْأَمْوَالِ لَدَى الْحُكَّامِ لِتَتَوَسَّلُوا بِقَضَاءِ الْحُكَّامِ، إِلَى أَكْلِ الْأَمْوَالِ بِالْبَاطِلِ حِينَ لَا تَسْتَطِيعُونَ أَكْلَهَا بِالْغَلَبِ، وَكَأَنَّ الَّذِي دَعَاهُمْ إِلَى فَرْضِ هَذَا الِاحْتِمَالِ هُوَ مُرَاعَاةُ الْقِصَّةِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي سَبَبِ النُّزُولِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّقَيُّدَ بِتِلْكَ الْقِصَّةِ لَا وَجْهَ لَهُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ، لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ سَنَدُهَا لَكَانَ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى تَحْرِيمِ الرَّشْوَةِ لِأَجْلِ أَكْلِ الْمَالِ دَلِيلًا عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِ الْمَالِ بِدُونِ رَشْوَةٍ بِدَلَالَةِ تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ. وَعَلَى مَا اخْتَرْنَاهُ فَالْآيَةُ دَلَّتْ عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِ الْأَمْوَالِ بِالْبَاطِلِ، وَعَلَى تَحْرِيمِ إِرْشَاءِ الْحُكَّامِ لِأَكْلِ الْأَمْوَالِ بِالْبَاطِلِ، وَعَلَى أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي لَا يُغَيِّرُ صِفَةَ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، وَعَلَى تَحْرِيمِ الْجَوْرِ فِي الْحُكْمِ بِالْبَاطِلِ وَلَوْ بِدُونِ إِرْشَاءٍ، لِأَنَّ تَحْرِيمَ الرَّشْوَةِ إِنَّمَا كَانَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَغْيِيرِ الْحَقِّ، وَلَا جَرَمَ أَنْ هَاتِهِ الْأَشْيَاءَ مِنْ أَهَمِّ مَا تَصَدَّى الْإِسْلَامُ لِتَأْسِيسِهِ تَغْيِيرًا لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَحِلُّونَ أَمْوَالَ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَطِيعُوا مَنْعَ أَمْوَالِهِمْ مِنَ الْأَكْلِ فَكَانُوا يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الضُّعَفَاءِ قَالَ صَنَّانُ الْيَشْكُرِيُّ: لَوْ كَانَ حَوْضَ حِمَارٍ مَا شَرِبْتَ بِهِ ... إِلَّا بِإِذْنِ حِمَارٍ آخَرَ الْأَبَدِ لَكِنَّهُ حَوْضُ مَنْ أَوْدَى بِإِخْوَتِهِ ... رَيْبُ الْمَنُونِ فَأَمْسَى بَيْضَةَ الْبَلَدِ وَأَمَّا إِرْشَاءُ الْحُكَّامِ فَقَدْ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْذُلُونَ الرِّشَا لِلْحُكَّامِ، وَلَمَّا تَنَافَرَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ وَعَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ إِلَى هَرَمِ بْنِ قُطْبَةَ الْفَزَارِيِّ بَذَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ إِنْ حَكَمَ لَهُ بِالتَّفْضِيلِ عَلَى الْآخَرِ فَلَمْ يَقْضِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَلْ قَضَى بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُمَا كَرُكْبَتِي الْبَعِيرِ الْأَدْرَمِ الْفَحْلِ تَسْتَوِيَانِ فِي الْوُقُوعِ عَلَى الْأَرْضِ فَقَالَ الْأَعْشَى فِي ذَلِكَ مِنْ أَبْيَاتٍ: حَكَّمْتُمُوهُ فَقَضَى بَيْنَكُمُ ... أَزْهَرُ مِثْلُ الْقَمَرِ الْبَاهِرِ لَا يَقْبَلُ الرَّشْوَةَ فِي حُكْمِهِ ... وَلَا يُبَالِي غَبَنَ الْخَاسِرِ وَيُقَالُ إِنَّ أَوَّلَ مَنِ ارْتَشَى مِنْ حُكَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ هُوَ ضَمْرَةُ بْنُ ضَمْرَةَ النَّهْشَلِيُّ بِمِائَةٍ مِنَ الْإِبِل دَفعهَا إِلَيْهِ عَبَّادُ بْنُ أَنْفِ الْكَلْبِ فِي مُنَافَرَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ معبد بن نَضْلَة الْفَقْعَسِيِّ لِيُنَفِّرَهُ

стр. 959

عَلَيْهِ فَفَعَلَ، وَيُقَالُ إِنَّ أَوَّلَ مَنِ ارْتَشَى فِي الْإِسْلَامِ يَرْفَأُ غُلَامُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَشَاهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ لِيُقَدِّمَهُ فِي الْإِذْنِ بِالدُّخُولِ إِلَى عُمَرَ لِأَنَّ يَرْفَأَ لَمَّا كَانَ هُوَ الْوَاسِطَةُ فِي الْإِذْنِ لِلنَّاسِ وَكَانَ الْحَقُّ فِي التَّقْدِيمِ فِي الْإِذْنِ لِلْأَسْبَقِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا غَيْرُهُ إِلَى التَّقْدِيمِ كَانَ تَقْدِيمُ غَيْرِ الْأَسْبَقِ اعْتِدَاءً عَلَى حَقِّ الْأَسْبَقِ فَكَانَ جَوْرًا وَكَانَ بَذْلُ الْمَالِ لِأَجْلِ تَحْصِيلِهِ إِرْشَاءً وَلَا أَحْسِبُ هَذَا إِلَّا مِنْ أَكَاذِيبِ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ لِلْغَضِّ مِنْ عَدَالَةِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ فَإِنْ صَحَّ وَلَا إِخَالُهُ: فَالْمُغِيرَةُ لَمْ يَرَ فِي ذَلِكَ بَأْسًا لِأَنَّ الضُّرَّ اللَّاحِقَ بِالْغَيْرِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ، أَوْ لَعَلَّهُ رَآهُ إِحْسَانًا وَلَمْ يَقْصِدِ التَّقْدِيمَ فَفَعَلَهُ يَرْفَأُ إِكْرَامًا لَهُ لِأَجَلِ نُوَالِهِ، أَمَّا يَرْفَأُ فَلَعَلَّهُ لَمْ يَهْتَدِ إِلَى دَقِيقِ هَذَا الْحُكْمِ. فَالرَّشْوَةُ حَرَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِنَصِّ هَاتِهِ الْآيَةِ لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ لِلْقَضَاءِ بِالْجَوْرِ فَهِيَ لِأَكْلِ مَالٍ بِالْبَاطِلِ وَلَيْسَتْ هِيَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ فَلِذَلِكَ عُطِفَ عَلَى النَّهْيِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْحَاكِمَ مُوكِلُ الْمَالِ لَا آكِلٌ، وَإِنْ كَانَتْ لِلْقَضَاءِ بِالْحَقِّ فَهِيَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْحَقِّ وَاجِبٌ، وَمِثْلُهَا كُلُّ مَالٍ يَأْخُذُهُ الْحَاكِمُ عَلَى الْقَضَاءِ مِنَ الْخُصُومِ إِلَّا إِذَا لَمْ يُجْعَلْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَقَدْ أَبَاحُوا لَهُ أَخْذَ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ عَلَى الْقَضَاءِ سَوَاءٌ فِيهِ كِلَا الْخَصْمَيْنِ. وَدَلَالَةُ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي لَا يُؤَثِّرُ فِي تَغْيِيرِ حُرْمَةِ أَكْلِ الْمَالِ مِنْ قَوْلِهِ: وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ فَجُعِلَ الْمَالُ الَّذِي يَأْكُلُهُ أَحَدٌ بِوَاسِطَةِ الْحُكْمِ إِثْمًا وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْقَضَاءَ لَا يَحِلُّ حَرَامًا وَلَا يُنَفَّذُ إِلَّا ظَاهِرًا (١) ، وَهَذَا مِمَّا لَا شُبْهَةَ فِيهِ لَوْلَا خِلَافٌ وَقَعَ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ خَالَفَ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ فَقَالَ بِأَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي يُحِلُّ الْحَرَامَ وَيُنَفَّذُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا إِذَا كَانَ بِحِلٍّ أَوْ حُرْمَةٍ وَادَّعَاهُ الْمَحْكُومُ لَهُ بِسَبَبٍ مُعَيَّنٍ أَيْ كَانَ الْقَضَاءُ بِعَقْدٍ أَوْ فَسْخٍ وَكَانَ مُسْتَنِدًا لِشَهَادَةِ شُهُودٍ وَكَانَ الْمَقْضِيُّ بِهِ مِمَّا يَصِحُّ أَنْ يُبْتَدَأَ، هَذَا الَّذِي حَكَاهُ عَنْهُ غَالِبُ فُقَهَاءِ مَذْهَبِهِ وَبَعْضُهُمْ يَخُصُّهُ بِالنِّكَاحِ. وَاحْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا خطب امْرَأَة هودونها فَأَبَتْ إِجَابَتَهُ فَادَّعَى عَلَيْهَا، عِنْدَ عَلِيٍّ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ زُورًا فَقَضَى عَلِيٌّ بِشَهَادَتِهِمَا فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ لَمَّا قَضَى عَلَيْهَا، إِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَزَوِّجْنِي مِنْهُ فَقَالَ لَهَا عَلِيٌّ شَاهِدَاكِ زَوَّجَاكِ، وَهَذَا الدَّلِيلُ بَعْدَ تَسْلِيمِ صِحَّةِ سَنَدِهِ لَا يَزِيدُ عَلَى كَوْنِهِ مَذْهَبُ صَحَابِيٍّ وَهُوَ لَا يُعَارِضُ الْأَحْوَالَ الشَّرْعِيَّةَ وَلَا الْأَحَادِيثَ الْمَرْوِيَّةَ نَحْوَ حَدِيثِ «فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ

стр. 960

فَلَا يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْتَطِعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ نَارٍ» ، عَلَى أَنَّ تَأْوِيلَهُ ظَاهِرٌ وَهُوَ أَنَّ عَلِيًّا اتَّهَمَهَا بِأَنَّهَا تُرِيدُ بِإِحْدَاثِ الْعَقْدِ بَعْدَ الْحُكْمِ إِظْهَارَ الْوَهَنِ فِي الْحُكْمِ وَالْإِعْلَانِ بِتَكْذِيبِ الْمَحْكُومِ لَهُ وَلَعَلَّهَا إِذَا طُلِبَ مِنْهَا الْعَقْدُ أَنْ تَمْتَنِعَ فَيُصْبِحَ الْحُكْمُ مُعَلَّقًا. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْقَضَاءَ فِيمَا يَقَعُ صَحِيحًا وَفَاسِدًا شَرْعًا مِنْ كُلِّ مَا لَيْسَ فِيهِ حَقُّ الْعَبْدِ أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي بِصِحَّتِهِ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ اسْتِكْمَالِ شُرُوطِهِ تَوْسِعَةً عَلَى النَّاسِ، فَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا وَلِذَلِكَ لَمْ يُتَابِعْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ. وَقَوْلُهُ: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ حَالٌ مُؤَكَّدَةٌ لِأَنَّ الْمُدْلِيَ بِالْأَمْوَالِ لِلْحُكَّامِ لِيَأْكُلَ أَمْوَالَ النَّاسِ عَالِمٌ لَا مَحَالَةَ بِصُنْعِهِ، فَالْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْحَالِ تَشْنِيعُ الْأَمْرِ وَتَفْظِيعُهُ إِعْلَانًا بِأَنَّ أَكْلَ الْمَالِ بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ هُوَ مِنَ الَّذِينَ أَكَلُوا أَمْوَالَ النَّاسِ عَنْ عِلْمٍ وَعَمْدٍ فَجُرْمُهُ أَشَدُّ. [١٨٩] [سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١٨٩] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩) يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ. اعْتِرَاضٌ بَيْنَ شَرَائِعِ الْأَحْكَامِ الرَّاجِعَةِ إِلَى إِصْلَاحِ النِّظَامِ، دَعَا إِلَيْهِ مَا حَدَثَ مِنَ السُّؤَالِ، فَقَدْ رَوَى الْوَاحِدِيُّ أَنَّهَا نَزَلَتْ بِسَبَبِ أَنَّ أَحَدَ الْيَهُودِ سَأَلَ أَنْصَارِيًّا عَنْ الْأَهِلَّةِ وَأَحْوَالِهَا فِي الدِّقَّةِ إِلَى أَنْ تَصِيرَ بَدْرًا ثُمَّ تَتَنَاقَصُ حَتَّى تَخْتَفِيَ فَسَأَلَ الْأَنْصَارِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَيَظْهَرُ أَنَّ نُزُولَهَا مُتَأَخِّرٌ عَنْ نُزُولِ آيَاتِ فَرْضِ الصِّيَامِ بِبِضْعِ سِنِينَ لِأَنَّ آيَةَ: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها مُتَّصِلَةٌ بِهَا. وَسَيَأْتِي أَنَّ تِلْكَ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عَامِ الْحُدَيْبِيَةِ أَوْ عَامِ عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ. فَمُنَاسَبَةُ وَضْعِهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ هِيَ تَوْقِيتُ الصِّيَامِ بِحُلُولِ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَكَانَ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ ذِكْرُ الْمَوَاقِيتِ لِإِقَامَةِ نِظَامِ الْجَامِعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ، وَمِنْ كَمَالِ النِّظَامِ ضَبْطُ الْأَوْقَاتِ، وَيَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَيْضًا نَزَلَتْ بَعْدَ أَنْ شُرِعَ الْحَجُّ أَيْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ. وَابْتُدِئَتِ الْآيَة ب يَسْئَلُونَكَ لِأَنَّ هُنَالِكَ سُؤَالًا وَاقِعًا عَنْ أَمْرِ الْأَهِلَّةِ. وَجَمِيعُ الْآيَاتِ الَّتِي افتتحت ب يَسْئَلُونَكَ هِيَ مُتَضَمِّنَةٌ لِأَحْكَامٍ وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهَا فَيَكُونُ مَوْقِعُهَا فِي الْقُرْآنِ مَعَ آيَاتٍ تُنَاسِبُهَا نَزَلَتْ فِي وَقْتِهَا أَوْ قُرِنَتْ بِهَا. وَرُوِيَ أَنَّ الَّذِي سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ

стр. 961

وَثَعْلَبَةُ بْنُ غَنَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَا: مَا بَالُ الْهِلَالِ يَبْدُو دَقِيقًا ثُمَّ يَزِيدُ حَتَّى يَمْتَلِئَ ثُمَّ لَا يَزَالُ يَنْقُصُ حَتَّى يَعُودَ كَمَا بَدَأَ، قَالَ الْعِرَاقِيُّ لَمْ أَقِفْ لِهَذَا السَّبَبِ عَلَى إِسْنَادٍ. وَجَمَعَ الضَّمِيرَ فِي قَوْله: يَسْئَلُونَكَ مَعَ أَنَّ الْمَرْوِيَّ أَنَّ الَّذِي سَأَلَهُ رَجُلَانِ- نَظَرًا لِأَنَّ الْمَسْئُولَ عَنْهُ يَهُمُّ جَمِيعَ السَّامِعِينَ أَثْنَاءَ تَشْرِيعِ الْأَحْكَامِ وَلِأَنَّ مِنْ تَمَامِ ضَبْطِ النِّظَامِ أَنْ يَكُونَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ قَدْ شَاعَ بَيْنَ النَّاسِ وَاسْتَشْرَفَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ لِمَعْرِفَتِهِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَنْ سَأَلَ بِالْقَوْلِ وَمَنْ سَأَلَ فِي نَفْسَهُ. وَذَكَرَ فَوَائِدَ خَلْقِ الْأَهِلَّةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ لِلْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِلْحَجِّ وَقْتًا مِنَ الْأَشْهُرِ لَا يَقْبَلُ التَّبْدِيلَ وَذَلِكَ تَمْهِيدًا لِإِبْطَالِ مَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ النَّسِيءِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فِي بَعْضِ السِّنِينَ. وَالسُّؤَالُ: طَلَبَ أَحَدٌ مِنْ آخَرَ بَذْلَ شَيْءٍ أَوْ إِخْبَارًا بِخَبَرٍ، فَإِذَا كَانَ طَلَبَ بَذْلٍ عُدِّيَ فِعْلُ السُّؤَالِ بِنَفْسِهِ وَإِذَا كَانَ طَلَبَ إِخْبَارٍ عُدِّيَ الْفِعْلُ بِحَرْفِ «عَنْ» أَوْ مَا يَنُوبُ مَنَابَهُ. وَقَدْ تَكَرَّرَتْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ آيَاتٌ مفتتحة ب يَسْئَلُونَكَ وَهِيَ سَبْعُ آيَاتٍ غَيْرُ بعيد بَعْضهَا عَن بَعْضٍ، جَاءَ بَعْضُهَا غَيْرَ مَعْطُوفٍ بِحَرْفِ الْعَطْفِ وَهِيَ أَرْبَعٌ وَبَعْضُهَا مَعْطُوفًا بِهِ وَهِيَ الثَّلَاثُ الْأَوَاخِرُ مِنْهَا، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُفْتَتَحَةِ بِحَرْفِ الْعَطْفِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى تَبْيِينِ تَجَرُّدِهَا عَنِ الْعَاطِفِ لِأَنَّهَا فِي اسْتِئْنَافِ أَحْكَامٍ لَا مُقَارَنَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَضْمُونِ الْجُمَلِ الَّتِي قَبْلَهَا فَكَانَتْ جَدِيرَةً بِالْفَصْلِ دُونَ عَطْفٍ، وَلَا يَتَطَلَّبُ لَهَا سِوَى الْمُنَاسَبَةِ لِمَوَاقِعِهَا. وَأَمَّا الْجُمَلُ الثَّلَاثُ الْأَوَاخِرُ الْمُفْتَتَحَةُ بِالْعَاطِفِ فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى أَحْكَامٍ لَهَا مَزِيدُ اتِّصَالٍ بِمَضْمُونِ مَا قَبْلَهَا فَكَانَ السُّؤَالُ الْمَحْكِيُّ فِيهَا مِمَّا شَأْنُهُ أَنْ يَنْشَأَ عَنِ الَّتِي قبلهَا فَكَانَت حَقِيقَة بِالْوَصْلِ بِحَرْفِ الْعَطْفِ كَمَا سَيَتَّضِحُ فِي مَوَاقِعِهَا. وَالسُّؤَالُ عَنِ الْأَهِلَّةِ لَا يَتَعَلَّقُ بِذَوَاتِهَا إِذِ الذَّوَاتُ لَا يُسْأَلُ إِلَّا عَنْ أَحْوَالِهَا، فَيُعْلَمُ هُنَا تَقْدِيرٌ وَحَذْفٌ أَيْ عَنْ أَحْوَالِ الْأَهِلَّةِ، فَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ السُّؤَالِ وَاقِعًا بِهَا غَيْرَ مَفْرُوضٍ فَهُوَ يَحْتَمِلُ السُّؤَالَ عَنِ الْحِكْمَةِ وَيَحْتَمِلُ السُّؤَالَ عَنِ السَّبَبِ، فَإِنْ كَانَ عَنِ الْحِكْمَةِ فَالْجَوَابُ بِقَوْلِهِ: قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ جَارٍ عَلَى وَفْقِ السُّؤَالِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» ، وَلَعَلَّ الْمَقْصُودَ مِنَ السُّؤَالِ حِينَئِذٍ اسْتِثْبَاتُ كَوْنِ الْمُرَادِ الشَّرْعِيِّ مِنْهَا مُوَافِقًا لِمَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ لِأَنَّ كَوْنَهَا مَوَاقِيتَ لَيْسَ مِمَّا يَخْفَى حَتَّى يُسْأَلَ عَنْهُ، فَإِنَّهُ مُتَعَارَفٌ لَهُمْ، فَيَتَعَيَّنُ كَوْنُ الْمُرَادِ مِنْ سُؤَالِهِمْ إِنْ كَانَ وَاقِعًا هُوَ تَحَقُّقُ الْمُوَافَقَةِ لِلْمَقْصِدِ الشَّرْعِيِّ. وَإِنْ كَانَ السُّؤَالُ عَنِ السَّبَبِ فَالْجَوَابُ بِقَوْلِهِ: قُلْ هِيَ مَواقِيتُ

стр. 962

غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلسُّؤَالِ، فَيَكُونُ إِخْرَاجًا لِلْكَلَامِ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ بِصَرْفِ السَّائِلِ إِلَى غَيْرِ مَا يَتَطَلَّبُ، تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ مَا صُرِفَ إِلَيْهِ هُوَ الْمُهِمُّ لَهُ، لِأَنَّهُمْ فِي مَبْدَأِ تَشْرِيعٍ جَدِيدٍ وَالْمَسْئُولُ هُوَ الرَّسُولُ ﵊ وَكَانَ الْمُهِمُّ لَهُمْ أَنْ يَسْأَلُوهُ عَمَّا يَنْفَعُهُمْ فِي صَلَاحِ دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ، وَهُوَ مَعْرِفَةُ كَوْنِ الْأَهِلَّةِ تَرَتَّبَتْ عَلَيْهَا آجَالُ الْمُعَامَلَاتِ وَالْعِبَادَاتِ كَالْحَجِّ وَالصِّيَامِ وَالْعِدَّةِ، وَلِذَلِكَ صَرَفَهُمْ عَن بَيَان مسؤولهم إِلَى بَيَانِ فَائِدَةٍ أُخْرَى، لَا سِيَّمَا وَالرَّسُول لم يَجِيء مُبَيِّنًا لِعِلَلِ اخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْأَجْرَامِ السَّمَاوِيَّةِ، وَالسَّائِلُونَ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ أُصُولِ مَعْرِفَةِ الْهَيْئَةِ مَا يُهَيِّئُهُمْ إِلَى فَهْمِ مَا أَرَادُوا عِلْمَهُ بِمُجَرَّدِ الْبَيَانِ اللَّفْظِيِّ بَلْ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي تَعْلِيمَهُمْ مُقَدِّمَاتٍ لِذَلِكَ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَعَرَّضَ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ لِبَيَانِهِ لَبَيَّنَ أَشْيَاءَ مِنْ حَقَائِقِ الْعِلْمِ لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً عِنْدَهُمْ وَلَا تَقْبَلُهَا عُقُولُهُمْ يَوْمَئِذٍ، وَلَكَانَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى طَعْنِ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ بِتَكْذِيبِهِ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَسْرَعُوا إِلَى التَّكْذِيبِ فِيمَا لَمْ يَطَّلِعُوا عَلَى ظَوَاهِرِهِ كَقَوْلِهِمْ: هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ [سبأ: ٧، ٨] وَقَوْلِهِمْ: مَا سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ [ص: ٧] وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ هَذَا الْجَوَابُ بِقَوْلِهِ: هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ تَخْرِيجًا لِلْكَلَامِ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ. أَنْشُدُهُ فِي «الْمِفْتَاحِ» وَلَمْ يَنْسُبْهُ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى قَائِلِهِ وَلَمْ أَرَهُ فِي غَيْرِهِ. أَتَتْ تَشْتَكِي مِنِّي مُزَاوَلَةَ الْقِرَى ... وَقَدْ رَأَتِ الْأَضْيَافُ يَنْحَوْنَ مَنْزِلِي فَقُلْتُ لَهَا لَمَّا سَمِعْتُ كَلَامَهَا ... هُمُ الضَّيْفُ جِدِّي فِي قِرَاهِمْ وَعِجِّلِي وَإِلَى هَذَا نَحَا صَاحِبُ «الْمِفْتَاحِ» وَكَأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يُظَنُّ بِهِمُ السُّؤَالُ عَنِ الْحِكْمَةِ فِي خَلْقِ الْأَهِلَّةِ لِظُهُورِهَا، وَعَلَى أَنَّ الْوَارِدَ فِي قِصَّةِ مُعَاذٍ وَثَعْلَبَةَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُمَا سَأَلَا عَنِ السَّبَبِ إِذْ قَالَا: مَا بَالُ الْهِلَالِ يَبْدُو دَقِيقًا إِلَخْ. وَالْأَهِلَّةُ: جَمْعُ هِلَالٍ وَهُوَ الْقَمَرُ فِي أَوَّلِ اسْتِقْبَالِهِ الشَّمْسَ كُلَّ شَهْرٍ قَمَرِيٍّ فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، قِيلَ وَالثَّالِثَةُ، وَمَنْ قَالَ إِلَى سبع فَإِنَّمَا أَرَادَ الْمجَاز، لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْهِلَالَ، وَيُطْلَقُ الْهِلَالُ عَلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَسَبْعٍ وَعِشْرِينَ لِأَنَّهُ فِي قَدْرِ الْهِلَالِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْهِلَالُ هِلَالًا لِأَنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْهُ رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِخْبَارِ عَنْهُ يُنَادِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِذَلِكَ، وَإِنَّ هَلَّ وَأَهَلَّ بِمَعْنَى رَفَعَ صَوْتَهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ [الْبَقَرَة: ١٧٣] .

стр. 963

وَقَوْلُهُ: مَواقِيتُ لِلنَّاسِ أَيْ مَوَاقِيتُ لِمَا يُوَقَّتُ مِنْ أَعْمَالِهِمْ فَاللَّامُ لِلْعِلَّةِ أَيْ لِفَائِدَةِ النَّاسِ وَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ لِأَعْمَالِ النَّاسِ، وَلَمْ تُذْكَرِ الْأَعْمَالُ الْمُوَقَّتَةُ بِالْأَهِلَّةِ لِيَشْمَلَ الْكَلَامُ كُلَّ عَمَلٍ مُحْتَاجٍ إِلَى التَّوْقِيتِ، وَعَطَفَ الْحَجَّ عَلَى النَّاسِ مَعَ اعْتِبَار الْمُضَاف الْمَحْذُوفِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ وَاحْتِيَاجُ الْحَجِّ لِلتَّوْقِيتِ ضَرُورِيٌّ إِذْ لَوْ لَمْ يُوَقَّتْ لَجَاءَ النَّاسُ لِلْحَجِّ مُتَخَالِفِينَ فَلَمْ يَحْصُلِ الْمَقْصُودُ مِنِ اجْتِمَاعِهِمْ وَلَمْ يَجِدُوا مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي أَسْفَارِهِمْ وَحُلُولِهِمْ بِمَكَّةَ وَأَسْوَاقِهَا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَلَيْسَتْ مُوَقَّتَةً بِالْأَهِلَّةِ، وَبِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنَّ تَوْقِيتَهُ بِالْهِلَالِ تَكْمِيلِيٌّ لَهُ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَقْصُورَةٌ عَلَى الذَّاتِ فَلَوْ جَاءَ بِهَا الْمُنْفَرِدُ لَحَصَلَ الْمَقْصِدُ الشَّرْعِيُّ وَلَكِنْ شُرِعَ فِيهِ تَوْحِيدُ الْوَقْتِ لِيَكُونَ أَخَفَّ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ، فَإِنَّ الصَّعْبَ يَخِفُّ بِالِاجْتِمَاعِ وَلِيَكُونَ حَالُهُمْ فِي تِلْكَ الْمدَّة متماثلا فَلَا يَشُقُّ أَحَدٌ عَلَى آخَرَ فِي اخْتِلَافِ أَوْقَاتِ الْأَكْلِ وَالنَّوْمِ وَنَحْوِهِمَا. وَالْمَوَاقِيتُ جَمْعُ مِيقَاتٍ وَالْمِيقَاتُ جَاءَ بِوَزْنِ اسْمِ الْآلَةِ مِنْ وَقَّتَ وَسَمَّى الْعَرَبُ بِهِ الْوَقْتَ، وَكَذَلِكَ سُمِّيَ الشَّهْرُ شَهْرًا مُشْتَقًّا مِنَ الشُّهْرَةِ، لِأَنَّ الَّذِي يَرَى هِلَالَ الشَّهْرِ يُشْهِرُهُ لَدَى النَّاسِ. وَسَمَّى الْعَرَبُ الْوَقْتَ الْمُعَيَّنَ مِيقَاتًا كَأَنَّهُ مُبَالَغَةٌ وَإِلَّا فَهُوَ الْوَقْتُ عَيْنُهُ. وَقِيلَ: الْمِيقَاتُ أَخَصُّ مِنَ الْوَقْتِ، لِأَنَّهُ وَقْتٌ قُدِّرَ فِيهِ عَمَلٌ مِنَ الْأَعْمَالِ، قُلْتُ: فَعَلَيْهِ يَكُونُ صَوْغُهُ بِصِيغَةِ اسْمِ الْآلَةِ اعْتِبَارًا بِأَنَّ ذَلِكَ الْعَمَلَ الْمُعَيَّنَ يَكُونُ وَسِيلَةً لِتَحْدِيدِ الْوَقْتِ فَكَأَنَّهُ آلَةٌ لِلضَّبْطِ وَالِاقْتِصَارِ عَلَى الْحَجِّ دُونَ الْعُمْرَةِ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ لَا وَقْتَ لَهَا فَلَا تَكُونُ لِلْأَهِلَّةِ فَائِدَةٌ فِي فِعْلِهَا. وَمَجِيءُ ذِكْرِ الْحَجِّ فِي هَاتِهِ الْآيَةِ، وَهِيَ مِنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَكُنِ الْمُسْلِمُونَ يَسْتَطِيعُونَ الْحَج حِينَئِذٍ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ يَمْنَعُونَهُمْ- إِشَارَةً إِلَى أَنَّ وُجُوبَ الْحَجِّ ثَابِتٌ وَلَكِنَّ الْمُشْرِكِينَ حَالُوا دُونَ الْمُسْلِمِينَ وَدُونَهُ (١) . وَسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ فِي [سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: ٩٧] وَعِنْدَ قَوْلِهِ: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ [الْبَقَرَة: ١٩٧] فِي هَذِهِ السُّورَةِ.

стр. 964

وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. معطوفة على يَسْئَلُونَكَ وَلَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلَى جُمْلَةِ هِيَ مَواقِيتُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِمَّا سَأَلُوا عَنْهُ حَتَّى يَكُونَ مَقُولًا لِلْمُجِيبِ. وَمُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ لِلَّتِي قَبْلَهَا أَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا كَانَ مُوَالِيًا أَوْ مُقَارِنًا لِسَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَأَنَّ مَضْمُونَ كِلْتَا الْجُمْلَتَيْنِ كَانَ مُثَارَ تَرَدُّدٍ وَإِشْكَالٍ عَلَيْهِمْ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُسْأَلَ عَنْهُ، فَكَانُوا إِذَا أَحْرَمُوا بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ مِنْ بِلَادِهِمْ جَعَلُوا مِنْ أَحْكَامِ الْإِحْرَامِ أَلَّا يَدْخُلَ الْمُحْرِمُ بَيْتَهُ مِنْ بَابِهِ أَوْ لَا يَدْخُلَ تَحْتَ سَقْفٍ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ، وَكَانَ الْمُحْرِمُونَ إِذَا أَرَادُوا أَخْذَ شَيْءٍ مِنْ بُيُوتِهِمْ تَسَنَّمُوا عَلَى ظُهُورِ الْبُيُوتِ أَوِ اتَّخَذُوا نَقْبًا فِي ظُهُورِ الْبُيُوتِ إِنْ كَانُوا مَنْ أَهْلِ الْمَدَرِ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْخيام دخلُوا من خَلْفَ الْخَيْمَةِ، وَكَانَ الْأَنْصَارُ يَدِينُونَ بِذَلِكَ، وَأَمَّا الْحُمْسُ فَلَمْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَ هَذَا، وَالْحُمْسُ جَمْعُ أَحْمَسَ وَالْأَحْمَسُ الْمُتَشَدِّدُ بِأَمْرِ الدِّينِ لَا يُخَالِفُهُ، وَهُمْ قُرَيْشٌ وَكِنَانَةُ وَخُزَاعَةُ وَثَقِيفٌ وَجُشْمٌ وَبَنُو نَصْرِ ابْن مُعَاوِيَةَ وَمُدْلِجٌ وَعَدْوَانُ وَعَضَلٌ وَبَنُو الْحَارِثِ بن عبد مَنَاة، وَبَنُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَكُلُّهُمْ مِنْ سُكَّانِ مَكَّةَ وَحَرَّمَهَا مَا عَدَا بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ فَإِنَّهُمْ تَحَمَّسُوا لِأَنَّ أُمَّهُمْ قُرَشِيَّةٌ. وَمَعْنَى نَفْيِ الْبِرِّ عَنْ هَذَا نَفْيٌ أَنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا أَوْ مِنَ الْحَنِيفِيَّةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا لِأَنَّهُ غُلُوٌّ فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ، فَإِنَّ الْحَجَّ وَإِنِ اشْتَمَلَ عَلَى أَفْعَالٍ رَاجِعَةٍ إِلَى تَرْكِ التَّرَفُّهِ عَنِ الْبَدَنِ كَتَرْكِ الْمَخِيطِ وَتَرْكِ تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الْمَقْصِدُ مِنْ تَشْرِيعِهِ إِعْنَاتَ النَّاسِ بَلْ إِظْهَارَ التَّجَرُّدِ وَتَرْكَ التَّرَفُّهِ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنِ الْحُمْسُ يَفْعَلُونَ، ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ إِلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ، فَالنَّفْيُ فِي قَوْلِهِ: وَلَيْسَ الْبِرُّ نَفْيُ جِنْسِ الْبِرِّ عَنْ هَذَا الْفِعْلِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ [الْبَقَرَة: ١٧٧] وَالْقَرِينَةُ هُنَا هِيَ قَوْلُهُ: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَلَمْ يَقُلْ هُنَالِكَ: وَاسْتَقْبِلُوا أَيَّةَ جِهَةٍ شِئْتُمْ، وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْآيَتَيْنِ إِظْهَارُ الْبِرِّ الْعَظِيمِ وَهُوَ مَا ذُكِرَ بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِدْرَاكِ فِي الْآيَتَيْنِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا نَفَى عَنْهُ الْبِرَّ، وَهَذَا هُوَ مَنَاطُ الشَّبَهِ وَالِافْتِرَاقِ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ. رَوَى الْوَاحِدِيُّ فِي «أَسْبَابِ النُّزُولِ» أَنَّ النَّبِيءَ ﷺ أَهَّلَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ مِنَ الْمَدِينَةِ وَأَنَّهُ دَخَلَ بَيْتًا وَأَنَّ أَحَدًا مِنَ الْأَنْصَارِ، قِيلَ: اسْمُهُ قُطْبَةُ بْنُ عَامِرٍ وَقِيلَ: رِفَاعَةُ بْنُ تَابُوتٍ.

стр. 965

كَانَ دَخَلَ ذَلِكَ الْبَيْتَ مِنْ بَابِهِ اقْتِدَاءً برَسُول الله فقاله لَهُ النَّبِيءُ ﷺ : لِمْ دَخَلْتَ وَأَنْتَ قَدْ أَحْرَمْتَ؟ فَقَالَ لَهُ الْأَنْصَارِيُّ: دَخَلْتَ أَنْتَ فَدَخَلْتُ بِدُخُولِكَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ : إِنِّي أَحْمَسُ فَقَالَ لَهُ الْأَنْصَارِيُّ: وَأَنَا دِينِي دينك رضيت بهداك فَنَزَلَتِ الْآيَةُ ، فَظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ الرَّسُولَ نَهَى غَيْرَ الْحُمْسِ عَنْ تَرْكِ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي إِبْطَالِهِ، وَفِي «تَفْسِيرِ ابْنِ جَرِيرٍ وَابْنِ عَطِيَّةَ» عَنِ السُّدِّيِّ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ النَّبِيءَ ﷺ دَخَلَ بَابًا وَهُوَ مُحْرِمٌ وَكَانَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ فَوَقَفَ الرَّجُلُ وَقَالَ: إِنِّي أَحْمَسُ فَقَالَ لَهُ الرَّسُول ﵊: وَأَنَا أَحْمَسُ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ ، فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَقْتَضِي أَنَّ النَّبِيءَ أَعْلَنَ إِبْطَالَ دُخُولِ الْبُيُوتِ مِنْ ظُهُورِهَا. وَأَنَّ الْحُمْسَ هُمُ الَّذِينَ كَانُوا يَدْخُلُونَ الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا، وَأَقُولُ: الصَّحِيحُ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كَانَتِ الْأَنْصَارُ إِذَا حَجُّوا فَجَاءُوا لَا يَدْخُلُونَ مِنْ أَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ وَلَكِنْ مِنْ ظُهُورِهَا فَجَاءَ رَجُلٌ فَدَخَلَ مِنْ بَابه فكأنّه عبّر بِذَلِكَ هَذِهِ الْآيَةُ، وَرِوَايَةُ السُّدِّيِّ وَهْمٌ، وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَمَرَ بِذَلِكَ وَلَا يُظَنُّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَسِيَاقُ الْآيَةِ يُنَافِيهِ. وَقَوْلُهُ: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى الْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [الْبَقَرَة: ١٧٧] . واتَّقى فِعْلٌ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَنِ اتَّصَفَ بِالتَّقْوَى الشَّرْعِيَّةِ بِامْتِثَالِ الْمَأْمُورَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمَنْهِيَّاتِ. وَجَرُّ بِأَنْ تَأْتُوا بِالْبَاءِ الزَّائِدَةِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ بِلَيْسَ، وَمُقْتَضَى تَأْكِيدِ النَّفْيِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ هَذَا الْمَنْفِيَّ مِنَ الْبِرِّ ظَنًّا قَوِيًّا فَلِذَلِكَ كَانَ مُقْتَضَى حَالِهِمْ أَنْ يُؤَكَّدَ نَفْيُ هَذَا الظَّنِّ. وَقَوْلُهُ: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها مَعْطُوفٌ عَلَى جُمْلَةِ وَلَيْسَ الْبِرُّ عَطْفَ الْإِنْشَاءِ عَلَى الْخَبَرِ الَّذِي هُوَ فِي مَعْنَى الْإِنْشَاءِ لِأَنَّ قَوْلَهُ: لَيْسَ الْبِرُّ فِي مَعْنَى النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ فَكَانَ كَعَطْفِ أَمْرٍ عَلَى نَهْيٍ. وَهَذِهِ الْآيَةُ يَتَعَيَّنُ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ فِي سَنَةَ خَمْسٍ حِينَ أَزْمَعَ النَّبِيءُ ﷺ الْخُرُوجَ إِلَى الْعُمْرَةِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الْهِجْرَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَوَى أَنْ يَحُجَّ

стр. 966

بِالْمُسْلِمِينَ إِنْ لَمْ يَصُدَّهُ الْمُشْرِكُونَ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي ذِي الْقِعْدَةِ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ «الْبِيُوتَ» فِي الْمَوْضِعَيْنِ فِي الْآيَةِ بِكَسْرِ الْبَاءِ عَلَى خِلَافِ صِيغَةِ جَمْعِ فَعْلٍ عَلَى فُعُولٍ فَهِيَ كَسْرَةٌ لِمُنَاسَبَةِ وُقُوعِ الْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَ حَرَكَةِ الضَّمِّ للتَّخْفِيف كَمَا قرأوا عُيُونٍ [الْحجر: ٤٥] . وَقَرَأَهُ أَبُو عَمْرٍو وَوَرْشٌ عَنْ نَافِعٍ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ بِضَمِّ الْبَاءِ عَلَى أَصْلِ صِيغَةِ الْجَمْعِ مَعَ عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِبَعْضِ الثِّقَلِ لِأَنَّهُ لَا يَبْلُغُ مَبْلَغَ الثِّقَلِ الْمُوجِبِ لِتَغْيِيرِ الْحَرَكَةِ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي «الْعَوَاصِمِ» : وَالَّذِي أَخْتَارُهُ لِنَفْسِي إِذَا قَرَأْتُ أَكْسِرُ الْحُرُوفَ الْمَنْسُوبَةَ إِلَى قَالُونَ إِلَّا الْهَمْزَةَ فَإِنِّي أَتْرُكُهُ أَصْلًا إِلَّا فِيمَا يُحِيلُ الْمَعْنَى أَوْ يُلْبِسُهُ وَلَا أَكْسِرُ بَاءَ بُيُوتٍ وَلَا عَيْنَ عُيُونٍ، وَأَطَالَ بِمَا فِي بَعْضِهِ نَظَرٌ، وَهَذَا اخْتِيَارٌ لِنَفْسِهِ بِتَرْجِيحِ بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ الْمَشْهُورَةِ عَلَى بَعْضٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ خِلَافُ الْقُرَّاءِ فِي نَصْبِ الْبِرُّ مِنْ قَوْلِهِ: لَيْسَ الْبِرُّ [الْبَقَرَة: ١٧٧] وَفِي تَشْدِيدِ نُونِ لكِنَّ مِنْ قَوْلِهِ: وَلكِنَّ الْبِرَّ. وَقَوْلُهُ: وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أَيْ تَظْفَرُونَ بِمَطْلَبِكُمْ مِنَ الْبِرِّ: فَإِنَّ الْبِرَّ فِي اتِّبَاعِ الشَّرْعِ فَلَا تَفْعَلُوا شَيْئًا إِلَّا إِذَا كَانَ فِيهِ مَرْضَاةَ اللَّهِ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الْمُبْتَدِعِينَ الَّذِينَ زَادُوا فِي الْحَجِّ مَا لَيْسَ مِنْ شَرْعِ إِبْرَاهِيمَ. وَقَدْ قِيلَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ وُجُوهٌ وَاحْتِمَالَاتٌ أُخْرَى كُلُّهَا بَعِيدَةٌ: فَقِيلَ إِنَّ قَوْلَهُ وَلَيْسَ الْبِرُّ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمَا كَانُوا يَأْتُونَهُ مِنَ النَّسِيءِ قَالَهُ أَبُو مُسْلِمٍ وَفِيهِ بُعْدٌ حَقِيقَةً وَمَجَازًا وَمَعْنًى لِأَنَّ الْآيَاتِ خِطَابٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَهُمُ الَّذِينَ سَأَلُوا عَنِ الْأَهِلَّةِ، وَالنَّسِيءُ مِنْ أَحْوَالِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَلِأَنَّهُ يَئُولُ إِلَى اسْتِعَارَةٍ غَيْرِ رَشِيقَةٍ، وَقِيلَ: مَثَلٌ ضُرِبَ لِسُؤَالِهِمْ عَنِ الْأَهِلَّةِ مَنْ لَا يَعْلَمُ وَأَمَرَهُمْ بِتَفْوِيضِ الْعِلْمِ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا لِحُصُولِ الْجَوَابِ مِنْ قَبْلُ، وَقِيلَ: كَانُوا يَنْذِرُونَ إِذَا تَعَسَّرَ عَلَيْهِمْ مَطْلُوبُهُمْ أَلَّا يَدْخُلُوا بُيُوتَهُمْ مِنْ أَبْوَابِهَا فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وَهَذَا بَعِيدٌ مَعْنًى، لِأَنَّ الْكَلَامَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَسَنَدًا، إِذْ لَمْ يَرْوِ أَحَدٌ أَنَّ هَذَا سَبَب النُّزُول. [١٩٠] [سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١٩٠] وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) جُمْلَةُ وَقاتِلُوا مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ وَلَيْسَ الْبِرُّ [الْبَقَرَة: ١٨٩] إِلَخْ، وَهُوَ اسْتِطْرَادٌ دَعَا إِلَيْهِ اسْتِعْدَادُ

стр. 967

النَّبِيءِ ﷺ لِعُمْرَةِ الْقَضَاءِ سَنَةَ سِتٍّ وَتَوَقُّعُ الْمُسْلِمِينَ غَدْرَ الْمُشْرِكِينَ بِالْعَهْدِ، وَهُوَ قِتَالٌ مُتَوَقَّعٌ لِقَصْدِ الدِّفَاعِ لِقَوْلِهِ: الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ، وَهَذِهِ الْآيَةُ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقِتَالِ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ قَوْلُهُ تَعَالَى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا فِي [سُورَةِ الْحَجِّ: ٣٩] وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِأَنَّهَا مَكِّيَّةٌ وَآيَةُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مَدَنِيَّةٌ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحِ» أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَرْسَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ فَأَرْجَفَ بِأَنَّهُمْ قَتَلُوهُ فَبَايَعَ النَّاسُ وَالرَّسُول عَلَى الْمَوْتِ فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ ثُمَّ انْكَشَفَ الْأَمْرُ عَنْ سَلَامَةِ عُثْمَان. ونزول هذهف الْآيَاتِ عَقِبَ الْآيَاتِ الَّتِي أَشَارَتْ إِلَى الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ وَالَّتِي نَرَاهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ الْخُرُوجِ إِلَى الْحُدَيْبِيَةِ يُنْبِئُ بِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا قد أضمروا ضد النَّبِيءِ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ ثُمَّ أَعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ لَمَّا رَأَوْا تَهَيُّؤَ الْمُسْلِمِينَ لِقِتَالِهِمْ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [الْبَقَرَة: ١٩١] إِرْشَادٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِمَا فِيهِ صَلَاحٌ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا انْقَضَتِ الْآيَاتُ الْمُتَكَلِّمَةُ عَنِ الْقِتَالِ عَادَ الْكَلَامُ إِلَى الْغَرَضِ الَّذِي فَارَقَتْهُ وَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [الْبَقَرَة: ١٩٦] ، الْآيَاتِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ ضَرْبُ مُدَّةٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ لَا يُقَاتِلُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ الْآخَرَ فَخَافَ الْمُسْلِمُونَ عَامَ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ أَنْ يَغْدِرَ بِهِمُ الْمُشْرِكُونَ إِذَا حَلُّوا بِبَلَدِهِمْ وَأَلَّا يَفُوا لَهُمْ فَيَصُدُّوهُمْ عَنِ الْعُمْرَةِ فَأُمِرُوا بِقِتَالِهِمْ إِنْ هُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ. وَهَذَا إِذْنٌ فِي قِتَالِ الدِّفَاعِ لِدَفْعِ هُجُومِ الْعَدُوِّ ثُمَّ نَزَلَتْ بَعْدَهَا آيَةُ بَرَاءَةٌ: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [التَّوْبَة: ٣٦] نَاسِخَةٌ لِمَفْهُومِ هَذِهِ الْآيَةِ عِنْدَ مَنْ يَرَى نَسْخَ الْمَفْهُومِ وَلَا يَرَى الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ نَسْخًا، وَهِيَ أَيْضًا نَاسِخَةٌ لَهَا عِنْدَ مَنْ يَرَى الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ نَسْخًا وَلَا يَرَى نَسْخَ الْمَفْهُومِ، وَهِيَ وَإِنْ نَزَلَتْ لِسَبَبٍ خَاصٍّ فَهِيَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ حَالٍ يُبَادِئُ الْمُشْرِكُونَ فِيهِ الْمُسْلِمِينَ بِالْقِتَالِ، لِأَنَّ السَّبَبَ لَا يُخَصَّصُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمُجَاهِدٍ أَنَّ هَاتِهِ الْآيَةَ مُحْكَمَةٌ لَمْ تُنْسَخْ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمُ الَّذِينَ هُمْ مُتَهَيِّئُونَ لِقِتَالِكُمْ أَيْ لَا تُقَاتِلُوا الشُّيُوخَ وَالنِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ، أَيِ الْقَيْدُ لِإِخْرَاجِ طَائِفَةٍ مِنَ الْمُقَاتِلِينَ لَا لِإِخْرَاجِ الْمُحَاجِزِينَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ الْكُفَّارُ كُلُّهُمْ، فَإِنَّهُمْ بِصَدَدِ أَنْ يُقَاتِلُوا. ذَكَرَهُ فِي «الْكَشَّافِ» ، أَيْ فَفِعْلُ يُقاتِلُونَكُمْ مُسْتَعْمل فِي مُقَارنَة الْفِعْلِ وَالتَّهَيُّؤِ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ تَرَكَ خَيْراً [الْبَقَرَة: ١٨٠] . وَالْمُقَاتَلَةُ مُفَاعَلَةٌ وَهِيَ حُصُولُ الْفِعْلِ مِنْ جَانِبَيْنِ، وَلَمَّا كَانَ فِعْلُهَا وَهُوَ الْقَتْلُ لَا يُمْكِنُ حُصُولُهُ مِنْ جَانِبَيْنِ لِأَنَّ أَحَدَ الْجَانِبَيْنِ إِذَا قُتِلَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُقْتَلَ كَانَتِ الْمُفَاعَلَةُ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ

стр. 968

بِمَعْنَى مُفَاعَلَةِ أَسْبَابِ الْقَتْلِ أَيِ الْمُحَارَبَةِ، فَقَوْلُهُ وَقاتِلُوا بِمَعْنَى وَحَارِبُوا وَالْقِتَالُ الْحَرْبُ بِجَمِيعِ أَحْوَالِهَا مِنْ هُجُومٍ وَمَنْعِ سُبُلٍ وَحِصَارٍ وَإِغَارَةٍ وَاسْتِيلَاءٍ عَلَى بِلَادٍ أَوْ حُصُونٍ. وَإِذَا أُسْنِدَتِ الْمُفَاعَلَةُ إِلَى أَحَدِ فَاعِلَيْهَا فَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ هُوَ الْمُبْتَدِئُ بِالْفِعْلِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَجَعَلَ فَاعِلَ الْمُفَاعَلَةِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ قَالَ: الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ فَجَعَلَ فَاعِلَهُ ضَمِيرَ عَدُوِّهِمْ، فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ دَافِعُوا الَّذِينَ يَبْتَدِئُونَكُمْ. وَالْمُرَادُ بِالْمُبَادَأَةِ دَلَائِلُ الْقَصْدِ لِلْحَرْبِ بِحَيْثُ يَتَبَيَّنُ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الْأَعْدَاءَ خَرَجُوا لِحَرْبِهِمْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَتَّى يَضْرِبُوا وَيَهْجُمُوا لِأَنَّ تِلْكَ الْحَالَةَ يَفُوتُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ تَدَارُكُهَا، وَهَذَا الْحُكْمُ عَامٌّ فِي الْأَشْخَاصِ لَا مَحَالَةَ، وَعُمُومُ الْأَشْخَاصِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الْأَحْوَالِ وَالْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ عَلَى رَأْيِ الْمُحَقِّقِينَ، أَوْ هُوَ مُطْلَقٌ فِي الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمِنَةِ وَالْبِقَاعِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ [الْبَقَرَة: ١٩١] تَخْصِيصًا أَوْ تَقْيِيدًا بِبَعْضِ الْبِقَاعِ. فَقَوْلُهُ: وَلا تَعْتَدُوا أَيْ لَا تَبْتَدِئُوا بِالْقِتَالِ وَقَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ تَحْذِيرٌ مِنَ الِاعْتِدَاءِ وَذَلِكَ مُسَالَمَةٌ لِلْعَدُوِّ وَاسْتِبْقَاءٌ لَهُمْ وَإِمْهَالٌ حَتَّى يَجِيئُوا مُؤْمِنِينَ، وَقِيلَ: أَرَادَ وَلَا تَعْتَدُوا فِي الْقِتَالِ إِنْ قَاتَلْتُمْ فَفَسَّرَ الِاعْتِدَاءَ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ تَرْجِعُ إِلَى تَجَاوُزِ أَحْكَامِ الْحَرْبِ وَالِاعْتِدَاءُ الِابْتِدَاءُ بِالظُّلْمِ وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ آنِفًا. [١٩١، ١٩٢] [سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١٩١] وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (١٩١) [سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١٩٢] فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ. هَذَا أَمْرٌ بِقَتْلِ مَنْ يُعْثَرُ عَلَيْهِ مِنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سَاحَةِ الْقِتَالِ، فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ أَمَرَهُمْ بِقِتَالِ مَنْ يُقَاتِلُهُمْ عَمَّمَ الْمَوَاقِعَ وَالْبِقَاعَ زِيَادَةً فِي أَحْوَالِ الْقَتْلِ وَتَصْرِيحًا بِتَعْمِيمِ الْأَمَاكِنِ فَإِنَّ أَهَمِّيَّةَ هَذَا الْغَرَضِ تَبْعَثُ عَلَى عَدَمِ الِاكْتِفَاءِ بِاقْتِضَاءِ عُمُومِ الْأَشْخَاصِ تَعْمِيمَ الْأَمْكِنَةِ لِيَكُونَ الْمُسْلِمُونَ مَأْذُونِينَ بِذَلِكَ فَكُلُّ مَكَانٍ يَحُلُّ فِيهِ الْعَدُوُّ فَهُوَ مَوْضِعُ قِتَالٍ، فَالْمَعْنَى وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ إِنْ قَاتَلُوكُمْ. وَعُطِفَتِ الْجُمْلَةُ عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا وَإِنْ كَانَتْ هِيَ مُكَمِّلَةً لَهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ مَا تَضَمَّنَتْهُ قَتْلٌ خَاصٌّ غَيْرُ قِتَالِ الْوَغَى فَحَصَلَتِ الْمُغَايِرَةُ الْمُقْتَضِيَةُ الْعَطْفَ، وَلِذَلِكَ قَالَ هُنَا وَاقْتُلُوهُمْ وَلَمْ يَقُلْ: وَقَاتِلُوهُمْ

стр. 969

مِثْلَ الْآيَةِ قَبْلَهَا تَنْبِيهًا عَلَى قَتْلِ الْمُحَارِبِ وَلَوْ كَانَ وَقْتَ الْعُثُورِ عَلَيْهِ غَيْرَ مُبَاشِرٍ لِلْقِتَالِ وَأَنَّهُ مَنْ خَرَجَ مُحَارِبًا فَهُوَ قَاتِلٌ وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ. وثَقِفْتُمُوهُمْ بِمَعْنَى لَقِيتُمُوهُمْ لِقَاءَ حَرْبٍ وَفِعْلُهُ كَفَرِحَ، وَفَسَّرَهُ فِي «الْكَشَّافِ» بِأَنَّهُ وُجُودٌ عَلَى حَالَةِ قَهْرٍ وَغَلَبَةٍ. وَقَوْلُهُ: وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ أَيْ يَحِلُّ لَكُمْ حِينَئِذٍ أَنْ تُخْرِجُوهُمْ مِنْ مَكَّةَ الَّتِي أَخْرَجُوكُمْ مِنْهَا، وَفِي هَذَا تَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ وَوَعْدٌ بِفَتْحِ مَكَّةَ، فَيَكُونُ هَذَا اللِّقَاءُ لِهَذِهِ الْبُشْرَى فِي نُفُوسِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَسْعَوْا إِلَيْهِ حَتَّى يُدْرِكُوهُ وَقَدْ أَدْرَكُوهُ بَعْدَ سَنَتَيْنِ، وَفِيهِ وَعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ بِالنَّصْرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ [الْفَتْح: ٢٧] الْآيَةَ. وَقَوْلُهُ: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ تَذْيِيلٌ وأل فِيهِ لِلْجِنْسِ تَدُلُّ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ فِي الْمَقَامِ الْخِطَابِيِّ، وَهُوَ حُجَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَنَفْيٌ لِلتَّبِعَةِ عَنْهُمْ فِي الْقِتَالِ بِمَكَّةَ إِنِ اضْطُرُّوا إِلَيْهِ. وَالْفِتْنَةُ إِلْقَاءُ الْخَوْفِ وَاخْتِلَالُ نِظَامِ الْعَيْشِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ [الْبَقَرَة: ١٠٢] ، إِشَارَةٌ إِلَى مَا لَقِيَهُ الْمُؤْمِنُونَ فِي مَكَّةَ مِنَ الْأَذَى بِالشَّتْمِ وَالضَّرْبِ وَالسُّخْرِيَةِ إِلَى أَنْ كَانَ آخِرُهُ الْإِخْرَاجَ مِنَ الدِّيَارِ وَالْأَمْوَالِ، فَالْمُشْرِكُونَ مَحْقُوقُونَ مِنْ قَبْلُ فَإِذَا خَفَرُوا الْعَهْدَ اسْتَحَقُّوا الْمُؤَاخَذَةَ بِمَا مَضَى فِيمَا كَانَ الصُّلْحُ مَانِعًا مِنْ مُؤَاخَذَتِهِمْ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا كَانَتِ الْفِتْنَةُ أَشَدَّ مِنَ الْقَتْلِ لَتَكَرُّرِ إِضْرَارِهَا بِخِلَافِ أَلَمِ الْقَتْلِ، وَيُرَادُ مِنْهَا أَيْضًا الْفِتْنَةُ الْمُتَوَقَّعَةُ بِنَاءً عَلَى تَوَقُّعِ أَنْ يَصُدُّوهُمْ عَنِ الْبَيْتِ أَوْ أَنْ يَغْدُرُوا بِهِمْ إِذَا حَلُّوا بِمَكَّةَ، وَلِهَذَا اشْتَرَطَ الْمُسْلِمُونَ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الْعَامَ الْقَابِلَ بِالسُّيُوفِ فِي قِرَابِهَا، وَالْمَقْصِدُ مِنْ هَذَا إِعْلَانُ عُذْرِ الْمُسْلِمِينَ فِي قِتَالِهِمُ الْمُشْرِكِينَ وَإِلْقَاءُ بُغْضِ الْمُشْرِكِينَ فِي قُلُوبِهِمْ حَتَّى يَكُونُوا عَلَى أَهُبَّةِ قِتَالِهِمْ وَالِانْتِقَامِ مِنْهُمْ بِصُدُورٍ حَرِجَةٍ حَنِقَةٍ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الْفِتْنَةِ خُصُوصَ الْإِخْرَاجِ مِنَ الدِّيَارِ، لِأَنَّ التَّذْيِيلَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَعَمَّ مِنَ الْكَلَامِ الْمُذَيَّلِ.

стр. 970

وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) . الْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ الَّتِي أَفَادَتِ الْأَمْرَ بِتَتَبُّعِ الْمُقَاتِلِينَ بِالتَّقْتِيلِ حَيْثُمَا حَلُّوا سَوَاءٌ كَانُوا مُشْتَبِكِينَ بِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ أَمْ كَانُوا فِي حَالَةِ تَنَقُّلٍ أَوْ تَطَلُّعٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ لِأَنَّ أَحْوَالَ الْمُحَارِبِ لَا تَنْضَبِطُ وَلَيْسَتْ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ لِلنَّظَرِ فِي نَوَايَاهُ وَالتَّوَسُّمِ فِي أَغْرَاضِهِ، إِذْ قد يبادره إِلَى اغْتِيَالِ عَدُوِّهِ فِي حَالِ تَرَدُدِّهِ وَتَفَكُّرِهِ، فَخَصَّ الْمَكَانَ الَّذِي عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ عُمُومِ الْأَمْكِنَةِ الَّتِي شَمِلَهَا قَوْلُهُ: حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ أَيْ إِنْ ثَقِفْتُمُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ غَيْرَ مُشْتَبِكِينَ فِي قِتَالٍ مَعَكُمْ فَلَا تَقْتُلُوهُمْ، وَالْمَقْصِدُ مِنْ هَذَا حِفْظُ حُرْمَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ لَهُ بِقَوْلِهِ: مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [آل عمرَان: ٩٧] ، فَاقْتَضَتِ الْآيَةُ مَنْعَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَتَدُلُّ عَلَى مَنْعِهِمْ مِنْ أَنْ يَقْتُلُوا أَحَدًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ دُونَ قِتَالٍ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِدَلَالَةِ لَحْنِ الْخِطَابِ أَوْ فَحْوَى الْخِطَابِ. وَجُعِلَتْ غَايَةَ النَّهْيِ بِقَوْلِهِ: حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ أَيْ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ فَاقْتُلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، لِأَنَّهُمْ خَرَقُوا حُرْمَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَلَوْ تُرِكَتْ مُعَامَلَتُهُمْ بِالْمِثْلِ لَكَانَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى هَزِيمَةِ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنْ قَاتَلُوا الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَادَ أَمْرُ الْمُسْلِمِينَ بِمُقَاتَلَتِهِمْ إِلَى مَا كَانَ قَبْلَ هَذَا النَّهْيِ فَوَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قِتَالُهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَقَتْلُ مَنْ ثُقِفُوا مِنْهُمْ كَذَلِكَ. وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَاقْتُلُوهُمْ تَنْبِيهٌ عَلَى الْإِذْنِ بِقَتْلِهِمْ حِينَئِذٍ وَلَوْ فِي غَيْرِ اشْتِبَاكٍ مَعَهُمْ بِقِتَالٍ، لِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ مِنْ أَنْ يَتَّخِذُوا حُرْمَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَسِيلَةً لَهَزْمِ الْمُسْلِمِينَ. وَلِأَجْلِ ذَلِكَ جَاءَ التَّعْبِيرُ بِقَوْلِهِ: فَاقْتُلُوهُمْ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ الْقَتْلَ بِدُونِ قِتَالٍ وَالْقَتْلَ بِقِتَالٍ. فَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ قاتَلُوكُمْ أَيْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَاقْتُلُوهُمْ هُنَالِكَ، أَيْ فَاقْتُلُوا مَنْ ثَقِفْتُمْ مِنْهُمْ حِينَ الْمُحَارَبَةِ، وَلَا يَصُدُّكُمُ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ عَنْ تَقَصِّي آثَارِهِمْ لِئَلَّا يَتَّخِذُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَام ملْجأ يلجؤون إِلَيْهِ إِذَا انْهَزَمُوا. وَقَدِ احْتَارَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فِي انْتِظَامِ هَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ قَوْلِهِ: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [الْبَقَرَة: ١٩٠] إِلَى قَوْلِهِ هُنَا- كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ حَتَّى لَجَأَ بَعْضُهُمْ إِلَى دَعْوَى نَسْخِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ

стр. 971

فَزَعَمَ أَنَّ آيَاتٍ مُتَقَارِنَةً بَعْضَهَا نَسَخَ بَعْضًا مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْآيَاتِ الْمُتَقَارِنَةَ فِي السُّورَةِ الْوَاحِدَةِ نَزَلَتْ كَذَلِكَ وَمَعَ مَا فِي هَاتِهِ الْآيَاتِ مِنْ حُرُوفِ الْعَطْفِ الْمَانِعَةِ مِنْ دَعْوَى كَوِنِ بَعْضِهَا قَدْ نَزَلَ مُسْتَقِلًّا عَنْ سَابِقِهِ وَلَيْسَ هُنَا مَا يُلْجِئُ إِلَى دَعْوَى النَّسْخِ، وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى تَفْسِيرِ الْمُفْرَدَاتِ اللُّغَوِيَّةِ وَالتَّرَاكِيبِ الْبَلَاغِيَّةِ وَأَعْرَضَ عَنْ بَيَانِ الْمَعَانِي الْحَاصِلَةِ مِنْ مَجْمُوعِ هَاتِهِ الْآيَاتِ. وَقَدْ أَذِنَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ بِالْقِتَالِ وَالْقَتْلِ لِلْمُقَاتِلِ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَلَمْ يَعْبَأْ بِمَا جَعَلَهُ لِهَذَا الْمَسْجِدِ مِنَ الْحُرْمَةِ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ حُرْمَةُ نِسْبَتِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلَمَّا كَانَ قِتَالُ الْكُفَّارِ عِنْدَهُ قِتَالًا لِمَنْعِ النَّاسِ مِنْهُ وَمُنَاوَاةً لِدِينِهِ فَقَدْ صَارُوا غَيْرَ مُحْتَرِمِينَ لَهُ وَلِذَلِكَ أَمَرَنَا بِقِتَالِهِمْ هُنَالِكَ تَأْيِيدًا لِحُرْمَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ) ثَلَاثَتُهَا بِأَلِفٍ بَعْدَ الْقَافِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: (وَلَا تَقْتُلُوهُمْ حَتَّى يَقْتُلُوكُمْ فَإِنْ قَتَلُوكُمْ) بِدُونِ أَلِفٍ بَعْدَ الْقَافِ، فَقَالَ الْأَعْمَشُ لِحَمْزَةَ أَرَأَيْتَ قِرَاءَتَكَ هَذِهِ كَيْفَ يَكُونُ الرَّجُلُ قَاتِلًا بَعْدَ أَنْ صَارَ مَقْتُولًا؟ فَقَالَ حَمْزَةُ: إِنَّ الْعَرَبَ إِذَا قُتِلَ مِنْهُمْ رَجُلٌ قَالُوا قتلنَا اهـ يُرِيدُ أَنَّ الْكَلَامَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ مِنَ الْمَفْعُولِ كَقَوْلِهِ: غَضِبَتْ تَمِيمٌ أَنْ تُقَتَّلَ عَامِرٌ ... يَوْمَ النِّسَارِ فَأُعْتِبُوا بِالصَّيْلَمِ وَالْمَعْنَى وَلَا تَقْتُلُوا أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى يَقْتُلُوا بَعْضَكُمْ فَإِنْ قَتَلُوا بَعْضَكُمْ فَاقْتُلُوا مَنْ تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ وَكَذَلِكَ إِسْنَادُ (قَتَلُوا) إِلَى ضَمِيرِ جَمَاعَةِ الْمُشْرِكِينَ فَهُوَ بِمَعْنَى قَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُسْنِدُ فِعْلَ بَعْضِ الْقَبِيلَةِ أَوِ الْمِلَّةِ أَوِ الْفِرْقَةِ لِمَا يَدُلُّ عَلَى جَمِيعِهَا مِنْ ضَمِيرٍ كَمَا هُنَا أَوِ اسْمٍ ظَاهِرٍ نَحْوَ قَتَلَتْنَا بَنُو أَسَدٍ. وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ تَقْتَضِي أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ الْقَتْلُ فَيَشْمَلُ الْقَتْلَ بِاشْتِبَاكِ حَرْبٍ وَالْقَتْلُ بِدُونِ مَلْحَمَةٍ. وَقَدْ دَلَّتِ الْآيَةُ بِالنَّصِّ عَلَى إِبَاحَةِ قَتْلِ الْمُحَارِبِ إِذَا حَارَبَ فِي الْحَرَمِ أَوِ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ مُقَاتَلَةٌ فَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَوِ اسْتَوْلَى عَلَى مَكَّةَ عَدُوٌّ وَقَالَ: لَا أُقَاتِلُكُمْ وَأَمْنَعُكُمْ مِنَ الْحَجِّ وَلَا أَبْرَحُ مِنْ مَكَّةَ لَوَجَبَ قِتَالُهُ وَإِنْ لم يبْدَأ بِالْقِتَالِ نَقْلَهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادَ مِنْ مَالِكِيَّةِ الْعِرَاقِ. قَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا بِقَوْلِهِ: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ [الْبَقَرَة: ١٩٣] .

стр. 972

وَاخْتَلَفُوا فِي دَلَالَتِهَا عَلَى جَوَازِ قَتْلِ الْكَافِرِ الْمُحَارِبِ إِذَا لَجَأَ إِلَى الْحَرَمِ بِدُونِ أَنْ يَكُونَ قِتَالٌ وَكَذَا الْجَانِي إِذَا لَجَأَ إِلَى الْحَرَمِ فَارًّا مِنَ الْقِصَاصِ وَالْعُقُوبَةِ فَقَالَ مَالِكٌ: بِجَوَازِ ذَلِكَ وَاحْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ [التَّوْبَة: ٥] الْآيَةَ قَدْ نَسَخَ هَاتِهِ الْآيَةَ وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ وَمُقَاتِلٍ بِنَاءً عَلَى تَأَخُّرِ نُزُولِهَا عَنْ وَقْتِ الْعَمَلِ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَالْعَامُّ الْمُتَأَخِّرُ عَنِ الْعَمَلِ يَنْسَخُ الْخَاصَّ اتِّفَاقًا. وَبِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ فِي «الْمُوَطَّأِ» عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ أَبُو بَرْزَةَ فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اقْتُلُوهُ» وَابْنُ خَطَلٍ هَذَا هُوَ عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ خَطَلٍ التَّيْمِيُّ كَانَ مِمَّنْ أَسْلَمَ ثُمَّ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ وَجَعَلَ دَأْبَهُ سَبَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْإِسْلَامَ فَأَهْدَرَ النَّبِيءُ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ دَمَهُ فَلَمَّا عَلِمَ ذَلِكَ عَاذَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَأَمَرَ النَّبِيءُ ﷺ بِقَتْلِهِ حِينَئِذٍ، فَكَانَ قَتْلُ ابْنِ خَطَلٍ قَتْلَ حَدٍّ لَا قَتْلَ حَرْبٍ لِأَنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَدْ وَضَعَ الْمِغْفَرَ عَنْ رَأْسِهِ وَقَدِ انْقَضَتِ السَّاعَةُ الَّتِي أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ فِيهَا مَكَّةَ. وَبِالْقِيَاسِ وَهُوَ أَنَّ حُرْمَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مُتَقَرِّرَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ فَلَمَّا أَذِنَ اللَّهُ بِقَتْلِ مَنْ قَاتَلَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلِمْنَا أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ أَنَّ الْقِتَالَ فِيهِ تَعْرِيضٌ بِحُرْمَتِهِ لِلِاسْتِخْفَافِ، فَكَذَلِكَ عِيَاذُ الْجَانِي بِهِ، وَبِمِثْلِ قَوْلِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، لَكِنْ قَالَ الشَّافِعِيُّ إِذَا الْتَجَأَ الْمُجْرِمُ الْمُسْلِمُ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ يُضَيَّقُ عَلَيْهِ حَتَّى يَخْرُجَ فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ جَازَ قَتْلُهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقْتَلُ الْكَافِرُ إِذَا الْتَجَأَ إِلَى الْحَرَمِ إِلَّا إِذَا قَاتَلَ فِيهِ لِنَصِّ هَاتِهِ الْآيَةِ وَهِيَ مُحْكَمَةٌ عِنْدَهُ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ وَهُوَ قَول طَاوُوس وَمُجَاهِدٍ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي «الْأَحْكَامِ» : حَضَرْتُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِمَدْرَسَةِ أَبِي عُقْبَةَ الْحَنَفِيِّ وَالْقَاضِي الزِّنْجَانِيُّ يُلْقِي عَلَيْنَا الدَّرْسَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ عَلَيْهِ أَطْمَارٌ فَسَلَّمَ سَلَامَ الْعُلَمَاءِ وَتَصَدَّرَ فِي الْمَجْلِسِ، فَقَالَ الْقَاضِي الزِّنْجَانِيُّ: مَنِ السَّيِّدُ؟ فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ بِصَاغَانَ سَلَبَهُ الشُّطَّارُ أَمْسِ، وَمَقْصِدِي هَذَا الْحَرَمُ الْمُقَدَّسُ فَقَالَ الْقَاضِي الزِّنْجَانِيُّ: سَلُوهُ عَنِ الْعَادَةِ فِي مُبَادَرَةِ الْعُلَمَاءِ بِمُبَادَرَةِ أَسْئِلَتِهِمْ، وَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْكَافِرِ إِذَا الْتَجَأَ إِلَى الْحَرَمِ هَلْ يُقْتَلُ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ، فَسُئِلَ عَنِ الدَّلِيلِ فَقَالَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قُرِئَ (وَلَا تَقْتُلُوهُمْ) فَالْآيَةُ نَصٌّ وَإِنْ قُرِئَ (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ) فَهِيَ تَنْبِيهٌ، لِأَنَّهُ إِذَا نَهَى عَنِ الْقِتَالِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْقَتْلِ كَانَ دَلِيلًا بَيِّنًا عَلَى النَّهْيِ

стр. 973

عَنِ الْقَتْلِ فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ الزِّنْجَانِيُّ مُنْتَصِرًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَإِنْ لَمْ يَرَ مَذْهَبَهُمَا عَلَى الْعَادَةِ، فَقَالَ هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التَّوْبَة: ٥] فَقَالَ الصَّاغَانِيُّ هَذَا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِ الْقَاضِي، فَإِنَّ الْآيَةَ الَّتِي اعْتَرَضْتَ بِهَا عَامَّةٌ فِي الْأَمَاكِنِ وَالَّتِي احْتَجَجْتُ بِهَا خَاصَّةٌ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ الْعَامَّ يَنْسَخُ الْخَاصَّ فَأُبْهِتَ الْقَاضِي الزِّنْجَانِيُّ، وَهَذَا مِنْ بديع الْكَلَام اهـ. وَجَوَابُ هَذَا أَنَّ الْعَامَّ الْمُتَأَخِّرَ عَنِ الْعَمَلِ بِالْخَاصِّ نَاسِخٌ وَحَدِيثُ ابْنِ خَطَلٍ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي فِي بَرَاءَةَ نَاسِخَةٌ لِآيَةِ الْبَقَرَةِ. وَأَمَّا قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّ قَتْلَ ابْنِ خَطَلٍ كَانَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ فِيهِ مَكَّةَ فَيَدْفَعُهُ أَنَّ تِلْكَ السَّاعَةَ انْتَهَتْ بِالْفَتْحِ وَقَدْ ثَبَتَ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ نَزَعَ حِينَئِذٍ الْمِغْفَرَ وَذَلِكَ أَمَارَةُ انْتِهَاءِ سَاعَةِ الْحَرْبِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي «الْأَحْكَامِ» : الْكَافِرُ إِذَا لَمْ يُقَاتِلُ وَلَمْ يَجْنِ جِنَايَةً وَلَجَأَ إِلَى الْحَرَمِ فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ، يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ الْقَتْلَ الَّذِي اقْتَضَتْهُ آيَةُ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَهُوَ مِمَّا شَمَلَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ. وَقَوْلُهُ: كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ، الْإِشَارَة إِلَى الْقَتْلِ الْمَأْخُوذِ مِنْ قَوْلِهِ: فَاقْتُلُوهُمْ أَيْ كَذَلِكَ الْقَتْلُ جَزَاؤُهُمْ عَلَى حَدِّ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [الْبَقَرَة: ١٤٣] وَنُكْتَةُ الْإِشَارَةِ تَهْوِيلُهُ أَيْ لَا يَقِلُّ جَزَاءُ الْمُشْرِكِينَ عَنِ الْقَتْلِ وَلَا مَصْلَحَةٌ فِي الْإِبْقَاءِ عَلَيْهِمْ وَهَذَا تَهْدِيدٌ لَهُمْ، فَقَوْلُهُ كَذلِكَ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِلِاهْتِمَامِ وَلَيْسَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [الْبَقَرَة: ١٩٠] لِأَنَّ الْمُقَاتَلَةَ لَيْسَتْ جَزَاءً إِذْ لَا انْتِقَامَ فِيهَا بَلِ الْقِتَالٌ سِجَالٌ يَوْمًا بِيَوْمٍ. وَقَوْلُهُ: فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أَيْ فَإِنِ انْتَهَوْا عَنْ قِتَالِكُمْ فَلَا تَقْتُلُوهُمْ لِأَنَّ اللَّهَ غَفُور رَحِيم، فينبعي أَنْ يَكُونَ الْغُفْرَانُ سُنَّةَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَوْلُهُ: فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ جَوَابُ الشَّرْطِ وَهُوَ إِيجَازٌ بَدِيعٌ إِذْ كُلُّ سَامِعٍ يَعْلَمُ أَنَّ وَصْفَ اللَّهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الِانْتِهَاءِ فَيُعْلَمُ أَنَّهُ تَنْبِيهٌ لِوُجُوبِ الْمَغْفِرَةِ لَهُمْ إِنِ انْتَهَوْا بِمَوْعِظَةٍ وَتَأْيِيدٍ لِلْمَحْذُوفِ، وَهَذَا مِنْ إِيجَازِ الْحَذْفِ. وَالِانْتِهَاءُ: أَصْلُهُ مُطَاوِعُ نَهَى يُقَالُ: نَهَاهُ فَانْتَهَى ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ فَأُطْلِقَ عَلَى الْكَفِّ عَنْ عَمَلٍ

стр. 974

أَوْ عَنْ عَزْمٍ لِأَنَّ النَّهْيَ هُوَ طَلَبُ تَرْكِ فِعْلٍ سَوَاءٌ كَانَ الطَّلَبُ بَعْدَ تَلَبُّسِ الْمَطْلُوبِ بِالْفِعْلِ أَوْ قَبْلَ تَلَبُّسِهِ بِهِ قَالَ النَّابِغَةُ: لَقَدْ نَهَيْتُ بَنِي ذُبْيَانَ عَنْ أُقُرٍ ... وَعَنْ تَرَبُّعِهِمْ فِي كُلِّ إِصْفَارٍ أَيْ عَنِ الْوُقُوعِ فِي ذَلِك. [١٩٣] [سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١٩٣] وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣) عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ [الْبَقَرَة: ١٩٠] وَكَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَلَّا تُعْطَفَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ لِأَنَّهَا مُبَيِّنَةٌ لِمَا أُجْمِلَ مِنْ غَايَةِ الْأَمْرِ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ وَلَكِنَّهَا عُطِفَتْ لِمَا وَقَعَ مِنَ الْفَصْلِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجُمْلَةِ الْمُبَيِّنَةِ. وَقَدْ تَضَمَّنَتِ الْجُمَلُ السَّابِقَةُ مِنْ قَوْلِهِ: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [الْبَقَرَة: ١٩١] إِلَى هُنَا تَفْصِيلًا لِجُمْلَةِ وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ لِأَنَّ عُمُومَ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ تَنْشَأُ عَنْهُ احْتِمَالَاتٌ فِي الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمِنَةِ وَالْبِقَاعِ وَقَدِ انْقَضَى بَيَانُ أَحْوَالِ الْبِقَاعِ وَأَفْضَتِ التَّوْبَةُ الْآنَ إِلَى بَيَانِ تَحْدِيدِ الْأَحْوَالِ بِغَايَةِ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ. فَإِذَا انْتَهَتِ الْفِتْنَةُ فَتِلْكَ غَايَةُ الْقِتَالِ، أَيْ إِنْ خَاسُوا بِالْعَهْدِ وَخَفَرُوا الذِّمَّةَ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي بَيْنَكُمْ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ فَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي حِلٍّ مِنْ عَهْدِهِمْ فَلَكُمْ أَنْ تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ أُخْرَى مِنْ بَعْدُ يَفْتِنُونَكُمْ بِهَا وَحَتَّى يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ، فَهَذَا كُلُّهُ مُعَلَّقٌ بِالشَّرْطِ الْمُتَقَدِّمِ فِي قَوْلِهِ: فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ [الْبَقَرَة: ١٩١] ، فَإِعَادَةُ فِعْلِ وَقاتِلُوهُمْ لِتُبْنَى عَلَيْهِ الْغَايَةُ بِقَوْلِهِ: حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَبِتِلْكَ الْغَايَةِ حَصَلَتِ الْمُغَايَرَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهِيَ الَّتِي بِاعْتِبَارِهَا سَاغَ عَطْفُهُ عَلَى مِثْلِهِ. فَ (حَتَّى) فِي قَوْلِهِ: حَتَّى لَا تَكُونَ إِمَّا أَنْ تُجْعَلَ لِلْغَايَةِ مُرَادِفَةَ إِلَى، وَإِمَّا أَنْ تُجْعَلَ بِمَعْنَى كَيِ التَّعْلِيلِيَّةِ وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ لِأَنَّ الْقِتَال لما غيي بِذَلِكَ تَعَيَّنَ أَنَّ الْغَايَةَ هِيَ الْمَقْصِدُ، وَمَتَّى كَانَتِ الْغَايَةُ غَيْرَ حِسِّيَّةٍ نَشَأَ عَنْ (حَتَّى) مَعْنَى التَّعْلِيلِ، فَإِنَّ الْعِلَّةَ غَايَةٌ اعْتِبَارِيَّةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ [الْبَقَرَة: ٢١٧] . وأيّا مَا كَانَ فَالْمُضَارِعُ مَنْصُوبٌ بعد (حَتَّى) بِأَن مُضْمَرَةً لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَرَتُّبِ الْغَايَةِ.

стр. 975

وَالْفِتْنَةُ تَقَدَّمَتْ قَرِيبًا. وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا كَالْمُرَادِ بِهَا هُنَالِكَ، وَلَمَّا وَقَعَتْ هُنَا فِي سِيَاقِ النَّفْيِ عَمَّتْ جَمِيعَ الْفِتَنِ فَلِذَلِكَ سَاوَتِ الْمَذْكُورَةُ هُنَا الْمَذْكُورَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [الْبَقَرَة: ١٩١] فَإِعَادَةُ الْفِتْنَةِ مُنَكَّرَةً هُنَا لَا يَدُلُّ عَلَى الْمُغَايَرَةِ كَمَا هُوَ الشَّائِعُ بَيْنَ الْمُعْرِبِينَ فِي أَنَّ الْمَعْرِفَةَ إِذَا أُعِيدَتْ نَكِرَةً فَهِيَ غَيْرُ الْأُولَى لِأَنَّ وُقُوعَهَا فِي سِيَاقِ النَّفْيِ أَفَادَ الْعُمُومَ فَشَمَلَ جَمِيعَ أَفْرَادِ الْفِتْنَةِ مُسَاوِيًا لِلْفِتْنَةِ الْمُعَرَّفَةِ بِلَامِ الِاسْتِغْرَاقِ إِلَّا أَنَّهُ اسْتِغْرَاقٌ عُرْفِيٌّ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ فَتَقَيَّدَ بِثَلَاثَةِ قُيُودٍ بِالْقَرِينَةِ أَيْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ مِنْهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ فِي أَمْرِ الدِّينِ وَإِلَّا فَقَدَ وَقَعَتْ فِتَنٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْفُسِهِمْ كَمَا فِي حَدِيثِ: «ثُمَّ فِتْنَةٌ لَا يَبْقَى بَيْتٌ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا دَخَلَتْهُ» . وَانْتِفَاءُ الْفِتْنَةِ يَتَحَقَّقُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا بِأَنْ يَدْخُلَ الْمُشْرِكُونَ فِي الْإِسْلَام فتنزل فِتْنَتُهُمْ فِيهِ، وَإِمَّا بِأَنْ يُقْتَلُوا جَمِيعًا فَتَزُولَ الْفِتْنَةُ بِفَنَاءِ الْفَاتِنِينَ. وَقَدْ يُفْرَضُ انْتِفَاءُ الْفِتْنَةِ بِظُهُورِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ وَمَصِيرِ الْمُشْرِكِينَ ضُعَفَاءَ أَمَامَ قُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ، بِحَيْثُ يَخْشَوْنَ بَأْسَهُمْ، إِلَّا أَنَّ الْفِتْنَةَ لَمَّا كَانَتْ نَاشِئَةً عَنِ التَّصَلُّبِ فِي دِينِهِمْ وَشِرْكِهِمْ لَمْ تَكُنْ بِالَّتِي تَضْمَحِلُّ عِنْدَ ضَعْفِهِمْ، لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى إِرْضَاءِ الْعَقِيدَةِ يَصْدُرُ حَتَّى مِنَ الضَّعِيفِ كَمَا صَدَرَ مِنَ الْيَهُودِ غَيْرَ مَرَّةٍ فِي الْمَدِينَةِ فِي مِثْلِ قِصَّةِ الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ، وَقَتْلِهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ الْحَارِثِيَّ فِي خَيْبَرَ، وَلِذَلِكَ فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ هُنَا إِلَّا أَحَدَ أَمْرَيْنِ: إِمَّا دُخُولُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ وَإِمَّا إِفْنَاؤُهُمْ بِالْقَتْلِ، وَقَدْ حَصَلَ كِلَا الْأَمْرَيْنِ فِي الْمُشْرِكِينَ فَفَرِيقٌ أَسْلَمُوا، وَفَرِيقٌ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْغَزَوَاتِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: لَا تقبل من مُشْرِكين الْعَرَبِ الْجِزْيَةُ، وَمِنْ ثَمَّ فَسَّرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ الْفِتْنَةَ هُنَا بِالشِّرْكِ تَفْسِيرًا بِاعْتِبَارِ الْمَقْصُودِ مِنَ الْمَعْنَى لَا بِاعْتِبَارِ مَدْلُولِ اللَّفْظِ. وَقَوْلُهُ: وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ عَطْفٌ عَلَى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَهُوَ مَعْمُول لِأَن الْمُضْمَرَةِ بَعْدَ (حَتَّى) أَيْ وَحَتَّى يَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ، أَيْ حَتَّى لَا يَكُونَ دِينٌ هُنَالِكَ إِلَّا لِلَّهِ أَيْ وَحْدَهُ. فَالتَّعْرِيفُ فِي الدِّينِ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ، لِأَنَّ الدِّينَ مِنْ أَسْمَاءِ الْمَوَاهِي الَّتِي لَا أَفْرَادَ لَهَا فِي الْخَارِجِ فَلَا يَحْتَمِلُ تَعْرِيفُهُ مَعْنَى الِاسْتِغْرَاقِ. وَاللَّامُ الدَّاخِلَةُ عَلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ لَامُ الِاخْتِصَاصِ أَيْ حَتَّى يَكُونَ جِنْسُ الدِّينِ مُخْتَصًّا بِاللَّهِ تَعَالَى عَلَى نَحْوِ مَا قَرَّرَ فِي قَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ [الْفَاتِحَة: ٢] ، وَذَلِكَ يَئُولُ إِلَى مَعْنَى الِاسْتِغْرَاقِ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ عَيْنَهُ، إِذْ لَا نَظَرَ فِي مِثْلِ هَذَا لِلْأَفْرَادِ، وَالْمَعْنَى: وَيَكُونَ دِينُ الَّذِينَ تُقَاتِلُونَهُمْ خَالِصًا لِلَّهِ لَا حَظَّ لِلْإِشْرَاكِ فِيهِ.

стр. 976

وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا تَخْلِيصُ بِلَادِ الْعَرَبِ مِنْ دِينِ الشِّرْكِ وَعُمُومُ الْإِسْلَامِ لَهَا لِأَنَّ اللَّهَ اخْتَارَهَا لِأَنْ تَكُونَ قَلْبَ الْإِسْلَامِ وَمَنْبَعَ مَعِينِهِ فَلَا يَكُونُ الْقَلْبُ صَالِحًا إِذَا كَانَ مَخْلُوطَ الْعَنَاصِرِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَثَرًا جَيِّدًا قَالَ: جَاءَ رَجُلَانِ إِلَى ابْنِ عُمَرَ أَيَّامَ فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَا: إِنَّ النَّاسَ صَنَعُوا مَا تَرَى وَأَنْتَ ابْنُ عُمَرَ وَصَاحِبُ النَّبِيءِ ﷺ فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ؟ فَقَالَ: يَمْنَعُنِي أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ دَمَ أَخِي، فَقَالَا: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعَالَى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَاتَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ وَكَانَ الدِّينُ لِلَّهِ وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَانَ الْإِسْلَامُ قَلِيلًا فَكَانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ إِمَّا قَتَلُوهُ وَإِمَّا عَذَّبُوهُ حَتَّى كَثُرَ الْإِسْلَامُ فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ. وَسَيَأْتِي بَيَانٌ آخَرُ فِي نَظِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ سُورَةِ الْأَنْفَالِ. وَقَوْلُهُ: فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، أَيْ فَإِنِ انْتَهَوْا عَنْ نَقْضِ الصُّلْحِ أَوْ فَإِنِ انْتَهَوْا عَنِ الشِّرْكِ بِأَنْ آمَنُوا فَلَا عُدْوَانَ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ: الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ [الْبَقَرَة: ١٩٠] وَاحْتِيجَ إِلَيْهِ لِبُعْدِ الصِّفَةِ بِطُولِ الْكَلَامِ وَلِاقْتِضَاءِ الْمَقَامِ التَّصْرِيحَ بِأَهَمِّ الْغَايَتَيْنِ مِنَ الْقِتَالِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ آخِرَ الْكَلَامِ نَسَخَ أَوَّلَهُ وَأَوْجَبَ قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ فِي كُلِّ حَالٍ. وَقَوْلُهُ: فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ قَائِمٌ مَقَامَ جَوَابِ الشَّرْطِ لِأَنَّهُ عِلَّةُ الْجَوَابِ الْمَحْذُوفِ، وَالْمَعْنَى فَإِنِ انْتَهَوْا عَنْ قِتَالِكُمْ وَلَمْ يَقْدُمُوا عَلَيْهِ فَلَا تَأْخُذُوهُمْ بِالظِّنَّةِ وَلَا تَبْدَءُوهُمْ بِالْقِتَالِ، لِأَنَّهُمْ غَيْرُ ظَالِمِينَ وَإِذْ لَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، وَهُوَ مَجَازٌ بَدِيعٌ. وَالْعُدْوَانُ هُنَا إِمَّا مَصْدَرُ عَدَا بِمَعْنَى وَثَبَ وَقَاتَلَ أَيْ فَلَا هُجُومَ عَلَيْهِمْ، وَإِمَّا مَصْدَرُ عَدَا بِمَعْنَى ظَلَمَ كَاعْتَدَى فَتَكُونُ تَسْمِيَتُهُ عُدْوَانًا مُشَاكَلَةً لِقَوْلِهِ: عَلَى الظَّالِمِينَ كَمَا سُمِّيَ جَزَاءُ السَّيِّئَةِ بِالسُّوءِ سَيِّئَةً. وَهَذِهِ المشاكلة تقديرية.

стр. 977

[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١٩٤] الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ فُصِلَتْ عَنْ سَوَابِقِهَا لِأَنَّهُ اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ فَإِنَّهُ لَمَّا بَيَّنَ تَعْمِيمَ الْأَمْكِنَةِ وَأَخْرَجَ مِنْهَا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فِي حَالَةٍ خَاصَّةٍ كَانَ السَّامِعُ بِحَيْثُ يَتَسَاءَلُ عَمَّا يُمَاثِلُ الْبِقَاعَ الْحَرَامَ وَهُوَ الْأَزْمِنَةُ الْحَرَامُ أَعْنِي الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ الَّتِي يُتَوَقَّعُ حَظْرُ الْقِتَالِ فِيهَا. فَإِنْ كَانَ هَذَا تَشْرِيعًا نَازِلًا عَلَى غَيْرِ حَادِثَةٍ فَهُوَ اسْتِكْمَالٌ وَاسْتِفْصَالٌ لِمَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَى بَيَانِهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ الْمُهِمِّ، وَإِنْ كَانَ نَازِلًا عَلَى سَبَبٍ كَمَا قِيلَ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي عَامِ الْقَضِيَّةِ لَمَّا قَصَدُوا مَكَّةَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ سَبْعٍ مُعْتَمِرِينَ خَشَوْا أَلَّا يَفِيَ لَهُمُ الْمُشْرِكُونَ بِدُخُولِ مَكَّةَ أَوْ أَنْ يَغْدُرُوهُمْ وَيَتَعَرَّضُوا لَهُمْ بِالْقِتَالِ قَبْلَ دُخُولِ مَكَّةَ وَهُمْ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ، فَإِنْ دَافَعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمُ انْتَهَكُوا حُرْمَةَ الشَّهْرِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، أَوْ مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ حِينَ اعْتَمَرَ عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ: أَنَهَيْتَ يَا مُحَمَّدُ عَنِ الْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ قَالَ: نَعَمْ، فَأَرَادُوا قِتَالَهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَيْ إِنِ اسْتَحَلُّوا قِتَالَكُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَقَاتِلُوهُمْ أَيْ أَبَاحَ اللَّهُ لَهُمْ قِتَالَ الْمُدَافَعَةِ، فَإِطْلَاقُ الشَّهْرِ هُنَا عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ وَاضِحُ التَّقْدِيرِ مِنَ الْمَقَامِ وَمِنْ وَصْفِهِ بِالْحَرَامِ، وَالتَّقْدِيرُ حُرْمَةُ الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَتَكْرِيرُ لَفْظِ الشَّهْرِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ غَيْرُ مَقْصُودٍ مِنْهُ التَّعَدُّدُ بَلِ التَّكْرِيرُ بِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِ جِهَةِ إِبْطَالِ حُرْمَتِهِ أَيِ انْتِهَاكُهُمْ حُرْمَتَهُ تُسَوِّغُ لَكُمُ انْتِهَاكَ حُرْمَتِهِ. وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ، أَنَّ قُرَيْشًا صَدَّتْهُمْ عَنِ الْبَيْتِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَيَسَّرَ اللَّهُ لَهُمُ الرُّجُوعَ عَامَ الْقَضِيَّةِ سَنَةَ سَبْعٍ فَقَالَ لَهُمْ: هَذَا الشَّهْرُ الَّذِي دَخَلْتُمْ فِيهِ بَدَلٌ عَنِ الَّذِي صُدِدْتُمْ فِيهِ، وَنُقِلَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ وَالسُّدِّيِّ، يَعْنِي أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِمْ: «يَوْمٌ بِيَوْمٍ وَالْحَرْبُ سِجَالٌ» . وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: بِالشَّهْرِ الْحَرامِ لِلتَّعْوِيضِ كَقَوْلِهِمْ: صَاعًا بِصَاعٍ وَلَيْسَ ثَمَّةَ شَهْرَانِ بَلِ الْمُرَادُ انْتِهَاكُ الْحُرْمَةِ مِنْهُمْ وَمِنْكُمْ وَهُمَا انْتِهَاكَانِ.

стр. 978

وَالتَّعْرِيفُ فِي الشَّهْرِ هُنَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَعْرِيفَ الْجِنْسِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، لِأَنَّهُ يُفِيدُ حُكْمًا عَامًّا وَيَشْمَلُ كُلَّ شَهْرٍ خَاصٍّ مِنَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ عَلَى فَرْضِ كَوْنِ الْمَقْصُودِ شَهْرَ عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ شَهْرَ عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ. وَالْأَشْهُرُ الْحُرُمُ أَرْبَعَةٌ: ثَلَاثَةٌ مُتَتَابِعَةٌ هِيَ ذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَحُرْمَتُهَا لِوُقُوعِ الْحَجِّ فِيهَا ذَهَابًا وَرُجُوعًا وَأَدَاءً، وَشَهْرٌ وَاحِدٌ مُفْرَدٌ وَهُوَ رَجَبٌ وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ شَهْرُ الْعُمْرَةِ وَقَدْ حَرَّمَتْهُ مُضَرٌ كُلُّهَا وَلِذَلِكَ يُقَالُ لَهُ: رَجَبُ مُضَرٍ، وَقَدْ أُشِيرُ إِلَيْهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ [التَّوْبَة: ٣٦] . وَقَوله: وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ تَعْمِيم للْحكم وَلذَلِك عطفه ليَكُون كالحجة لما قبله من قَوْله: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ [الْبَقَرَة: ١٩١] وَقَوله: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ إِلَخ، فالجملة تذييل وَالْوَاو اعتراضية. وَمَعْنَى كَوْنِهَا قِصَاصًا أَيْ مُمَاثِلَةً فِي الْمُجَازَاةِ وَالِانْتِصَافِ، فَمَنِ انْتَهَكَهَا بِجِنَايَةٍ يُعَاقَبُ فِيهَا جَزَاءَ جِنَايَتِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحُرْمَةَ لِلْأَشْهُرِ الْحُرُمِ لِقَصْدِ الْأَمْنِ فَإِذَا أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَتَّخِذَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى غَدْرِ الْأَمْنِ أَوِ الْإِضْرَارِ بِهِ فَعَلَى الْآخَرِ الدِّفَاعُ عَنْ نَفْسِهِ، لِأَنَّ حُرْمَةَ النَّاسِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى حُرْمَةِ الْأَزْمِنَةِ، وَيَشْمَلُ ذَلِكَ حُرْمَةَ الْمَكَانِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ [الْبَقَرَة: ١٩١] ، وَالْإِخْبَارُ عَنِ الْحُرُمَاتِ بِلَفْظِ (قِصَاصٍ) إِخْبَارٌ بِالْمَصْدَرِ لِلْمُبَالَغَةِ. وَقَوْلُهُ: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ تَفْرِيعٌ عَنْ قَوْلِهِ: وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ وَنَتِيجَةٌ لَهُ، وَهَذَا وَجْهُ قَوْلِ «الْكَشَّافِ» : إِنَّهُ فَذْلَكَةٌ، وَسُمِّيَ جَزَاءُ الِاعْتِدَاءِ اعْتِدَاءً مُشَاكَلَةً عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ آنِفًا فِي قَوْلِهِ: فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ [الْبَقَرَة: ١٩٣] . وَقَوْلُهُ: بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ يَشْمَلُ الْمُمَاثَلَةَ فِي الْمِقْدَارِ وَفِي الْأَحْوَالِ كَكَوْنِهِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ أَوِ الْبَلَدِ الْحَرَامِ. وَقَوْلُهُ: وَاتَّقُوا اللَّهَ أَمْرٌ بِالِاتِّقَاءِ فِي الِاعْتِدَاءِ أَيْ بِأَلَّا يَتَجَاوَزَ الْحَدَّ، لِأَنَّ شَأْنَ الْمُنْتَقِمِ أَنْ يَكُونَ عَنْ غَضَبٍ فَهُوَ مَظِنَّةُ الْإِفْرَاطِ. وَقَوْلُهُ: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ افْتِتَاحُ الْكَلَامِ بِكَلِمَةِ اعْلَمْ إِيذَانٌ بِالِاهْتِمَامِ بِمَا سَيَقُولُهُ، فَإِنَّ قَوْلَكَ فِي الْخِطَابِ: اعْلَمْ إِنْبَاءٌ بِأَهَمِّيَّةِ مَا سَيُلْقَى لِلْمُخَاطَبِ وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْكَلَامِ

стр. 979

فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ [٢٤] ، وَالْمَعِيَّةُ هُنَا مَجَازٌ فِي الْإِعَانَةِ بِالنَّصْرِ وَالْوِقَايَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: وَاتَّقُوا اللَّهَ فِي حُرُمَاتِهِ فِي غَيْرِ أَحْوَالِ الِاضْطِرَارِ: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ فَهُوَ يَجْعَلُهُمْ بِمحل عنايته. [١٩٥] [سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١٩٥] وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) هَذِهِ الْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [الْبَقَرَة: ١٩٠] إِلَخْ فَإِنَّهُمْ لَمَّا أُمِرُوا بِقِتَالِ عَدُوِّهِمْ وَكَانَ الْعَدُوُّ أَوْفَرَ مِنْهُمْ عُدَّةَ حَرْبٍ أَيْقَظَهُمْ إِلَى الِاسْتِعْدَادِ بِإِنْفَاقِ الْأَمْوَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَالْمُخَاطَبُونَ بِالْأَمْرِ بِالْإِنْفَاقِ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ لَا خُصُوصَ الْمُقَاتِلِينَ. وَوَجْهُ الْحَاجَةِ إِلَى هَذَا الْأَمْرِ. مَعَ أَنَّ الِاسْتِعْدَادَ لِلْحَرْبِ مَرْكُوزٌ فِي الطِّبَاعِ- تَنْبِيهُ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُمْ قَدْ يُقَصِّرُونَ فِي الْإِتْيَانِ عَلَى مُنْتَهَى الِاسْتِعْدَادِ لِعَدُوٍّ قَوِيٍّ، لِأَنَّهُمْ قَدْ مُلِئَتْ قُلُوبُهُمْ إِيمَانًا بِاللَّهِ وَثِقَةً بِهِ، وَمُلِئَتْ أَسْمَاعُهُمْ بِوَعْدِ اللَّهِ إِيَّاهُمُ النَّصْرَ وَأَخِيرًا بِقَوْلِهِ: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ نُبِّهُوا عَلَى أَنَّ تَعَهُّدَ اللَّهِ لَهُمْ بِالتَّأْيِيدِ وَالنَّصْرِ لَا يُسْقِطُ عَنْهُمْ أَخْذَ الْعُدَّةِ الْمَعْرُوفَةِ فَلَا يَحْسَبُوا أَنَّهُمْ غَيْرُ مَأْمُورِينَ بِبَذْلِ الْوُسْعِ لِوَسَائِلِ النَّصْرِ الَّتِي هِيَ أَسْبَابٌ نَاطَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا مُسَبَّبَاتِهَا عَلَى حَسَبِ الْحِكْمَةِ الَّتِي اقْتَضَاهَا النِّظَامُ الَّذِي سَنَّهُ اللَّهُ فِي الْأَسْبَابِ وَمُسَبَّبَاتِهَا، فَتَطَلُّبُ الْمُسَبَّبَاتِ دُونَ أَسْبَابِهَا غَلَطٌ وَسُوءُ أَدَبٍ مَعَ خَالِقِ الْأَسْبَابِ وَمُسَبَّبَاتِهَا كَيْ لَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا لِمُوسَى فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ [الْمَائِدَة: ٢٤] فَالْمُسْلِمُونَ إِذَا بَذَلُوا وُسْعَهُمْ، وَلَمْ يُفَرِّطُوا فِي شَيْءٍ ثُمَّ ارْتَبَكُوا فِي أَمْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ فَاللَّهُ نَاصِرُهُمْ، وَمُؤَيِّدُهُمْ فِيمَا لَا قِبَلَ لَهُمْ بِتَحْصِيلِهِ وَلَقَدْ نَصَرَهُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ هم أَذِلَّةٌ، إِذْ هم يؤمئذ جُمْلَةُ الْمُسْلِمِينَ وَإِذْ لَمْ يُقَصِّرُوا فِي شَيْءٍ، فَأَمَّا أَقْوَامٌ يُتْلِفُونَ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي شَهَوَاتِهِمْ، وَيُفِيتُونَ الْفُرَصَ وَقْتَ الْأَمْنِ فَلَا يَسْتَعِدُّونَ لِشَيْءٍ ثُمَّ يَطْلُبُونَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ النَّصْرَ وَالظَّفَرَ فَأُولَئِكَ قَوْمٌ مَغْرُورُونَ، وَلِذَلِكَ يُسَلِّطُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَعْدَاءَهُمْ بِتَفْرِيطِهِمْ، وَلَعَلَّهُ يَتَدَارَكُهُمْ فِي خِلَالِ ذَلِكَ بِلُطْفِهِ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى اسْتِبْقَاءِ الدِّينِ. وَالْإِنْفَاقُ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [الْبَقَرَة: ٣] . و

стр. 980

(سَبِيل اللَّهِ) طَرِيقُهُ، وَالطَّرِيقُ إِذَا أُضِيفَ إِلَى شَيْءٍ فَإِنَّمَا يُضَافُ إِلَى مَا يُوصِلُ إِلَيْهِ، وَلَمَّا عُلِمَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ النَّاسُ تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الطَّرِيقِ الْعَمَلَ الْمُوصِلَ إِلَى مَرْضَاةِ اللَّهِ وَثَوَابِهِ، فَهُوَ مَجَازٌ فِي اللَّفْظِ وَمَجَازٌ فِي الْإِسْنَادِ، وَقَدْ غَلَبَ (سَبِيلُ اللَّهِ) فِي اصْطِلَاحِ الشَّرْعِ فِي الْجِهَادِ. أَيِ الْقِتَالِ لِلذَّبِّ عَنْ دِينِهِ وَإِعْلَاءِ كَلِمَتِهِ، وَ (فِي) لِلظَّرْفِيَّةِ لِأَنَّ النَّفَقَةَ تَكُونُ بِإِعْطَاءِ الْعَتَادِ، وَالْخَيْلِ، وَالزَّادِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَظْرُوفٌ لِلْجِهَادِ عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ وَلَيْسَتْ (فِي) هُنَا مُسْتَعْمَلَةً لِلتَّعْلِيلِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ عَطْفُ غَرَضٍ عَلَى غَرَضٍ، عُقِّبَ الْأَمْرُ بِالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِالنَّهْيِ عَنِ الْأَعْمَالِ الَّتِي لَهَا عَوَاقِبُ ضَارَّةٌ إِبْلَاغًا لِلنَّصِيحَةِ وَالْإِرْشَادِ لِئَلَّا يَدْفَعَ بِهِمْ يَقِينُهُمْ بِتَأْيِيدِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ إِلَى التَّفْرِيطِ فِي وَسَائِلِ الْحَذَرِ مِنْ غَلَبَةِ الْعَدُوِّ، فَالنَّهْيُ عَنِ الْإِلْقَاءِ بِالنُّفُوسِ إِلَى التَّهْلُكَةِ يَجْمَعُ مَعْنَى الْأَمْرِ بِالْإِنْفَاقِ وَغَيْرِهِ مِنْ تَصَارِيفِ الْحَرْبِ وَحِفْظِ النُّفُوسِ، وَلِذَلِكَ فَالْجُمْلَةُ فِيهَا مَعْنَى التَّذْيِيلِ وَإِنَّمَا عُطِفَتْ وَلَمْ تُفْصَلْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا غَرَضٌ آخَرُ مِنْ أَغْرَاضِ الْإِرْشَادِ. وَالْإِلْقَاءُ رَمْيُ الشَّيْءِ مِنَ الْيَدِ وَهُوَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ بِنَفْسِهِ وَإِلَى الْمَرْمِيِّ إِلَيْهِ بِإِلَى وَإِلَى الْمَرْمِيِّ فِيهِ بِفِي. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَيْدِيَ هِيَ الْمَفْعُولُ إِذْ لَمْ يَذْكَرْ غَيْرَهْ، وَأَنَّ الْبَاءَ زَائِدَةٌ لِتَوْكِيدِ اتِّصَالِ الْفِعْلِ بِالْمَفْعُولِ كَمَا قَالُوا لِلْمُنْقَادِ «أَعْطَى بِيَدِهِ» أَيْ أَعْطَى يَدَهُ لِأَنَّ الْمُسْتَسْلِمَ فِي الْحَرْبِ وَنَحْوِهِ يَشُدُّ بِيَدِهِ، فَزِيَادَةُ الْبَاءِ كَزِيَادَتِهَا فِي وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ [مَرْيَم: ٢٥] وَقَوْلِ النَّابِغَةِ: لَكَ الْخَيْرُ إِنْ وَارَتْ بِكَ الْأَرْضُ وَاحِدًا وَالْمَعْنَى وَلَا تُعْطُوا الْهَلَاكَ أَيْدِيَكُمْ فَيَأْخُذَكُمْ أَخذ الموثق، وَجل التَّهْلُكَةَ كَالْآخِذِ وَالْآسِرِ اسْتِعَارَةً بِجَامِعِ الْإِحَاطَةِ بِالْمُلْقِي، وَيَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ الْيَدُ مَعَ هَذَا مَجَازًا عَنِ الذَّاتِ بِعَلَاقَةِ الْبَعْضِيَّةِ لِأَنَّ الْيَدَ أَهَمُّ شَيْءٍ فِي النَّفْسِ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَهَذَا فِي الْأَمْرَيْنِ كَقَوْلِ لَبِيَدٍ: حَتَّى إِذَا أَلْقَتْ يَدًا فِي كَافِرٍ أَيْ أَلْقَتِ الشَّمْسُ نَفْسَهَا. وَقِيلَ الْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ وَالْأَيْدِي مُسْتَعْمَلَةٌ فِي مَعْنَى الذَّاتِ كِنَايَةً

стр. 981

عَنِ الِاخْتِيَارِ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أَيْ لَا تُلْقُوا أَنْفُسَكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ بِاخْتِيَارِكُمْ. وَالتَّهْلُكَةُ بِضَمِّ اللَّامِ اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنَى الْهَلَاكِ، وَإِنَّمَا كَانَ اسْمَ مَصْدَرٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ فِي الْمَصَادِرِ وَزْنُ التَّفْعُلَةِ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَإِنَّمَا فِي الْمَصَادِرِ التَّفْعِلَةُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ لَكِنَّهُ مَصْدَرُ مُضَاعَفِ الْعَيْنِ الْمُعْتَلِّ اللَّامِ كَزَكَّى وَغَطَّى، أَوِ الْمَهْمُوزُ اللَّامِ كَجَزَّأَ وَهَيَّأَ، وَحَكَى سِيبَوَيْهِ لَهُ نَظِيرَيْنِ فِي الْمُشْتَقَّاتِ التَّضُرَّةَ وَالتَّسُرَّةَ بِضَمِّ الْعَيْنِ مِنْ أَضَرَّ وَأَسَرَّ بِمَعْنَى الضُّرِّ وَالسُّرُورِ، وَفِي الْأَسْمَاءِ الْجَامِدَةِ التَّنْضُبَةَ وَالتَّتْفُلَةَ (الْأَوَّلُ اسْمُ شَجَرٍ، وَالثَّانِي وَلَدُ الثَّعْلَبِ) . وَفِي «تَاجِ الْعَرُوسِ» أَنَّ الْخَلِيلَ قَرَأَهَا (التَّهْلِكَةِ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَلَا أَحْسِبُ الْخَلِيلَ قَرَأَ كَذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا لَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْقُرَّاءِ فِي الْمَشْهُورِ وَلَا الشَّاذِّ فَإِنْ صَحَّ هَذَا النَّقْلُ فَلَعَلَّ الْخَلِيلَ نَطَقَ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْمِثَالِ فَلَمْ يَضْبُطْ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ حَقَّ الضَّبْطِ، فَإِنَّ الْخَلِيلَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ بِحَرْفٍ غَيْرِ مَأْثُورٍ. وَمَعْنَى النَّهْيِ عَنِ الْإِلْقَاءِ بِالْيَدِ إِلَى التَّهْلُكَةِ النَّهْيُ عَنِ التَّسَبُّبِ فِي إِتْلَافِ النَّفْسِ أَوِ الْقَوْمِ عَنْ تَحَقُّقِ الْهَلَاكِ بِدُونِ أَنْ يُجْتَنَى مِنْهُ الْمَقْصُودُ. وَعَطَفَ عَلَى الْأَمْرِ بِالْإِنْفَاقِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى عِلَّةِ مَشْرُوعِيَّةِ الْإِنْفَاقِ وَإِلَى سَبَبِ الْأَمْرِ بِهِ فَإِنْ تَرَكَ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْخُرُوجَ بِدُونِ عُدَّةٍ إِلْقَاءٌ بِالْيَدِ لِلْهَلَاكِ كَمَا قِيلَ: كَسَاعٍ إِلَى الْهَيْجَا بِغَيْرِ سِلَاحٍ فَلِذَلِكَ وَجَبَ الْإِنْفَاقُ، وَلِأَنَّ اعْتِقَادَ كِفَايَةِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَنَصْرِ دِينِهِ فِي هَزِمِ الْأَعْدَاءِ اعْتِقَادٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّهُ كَالَّذِي يُلْقِي بِنَفْسِهِ لِلْهَلَاكِ وَيَقُولُ سَيُنْجِينِي اللَّهُ تَعَالَى، فَهَذَا النَّهْيُ قَدْ أَفَادَ الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا وَهَذَا مِنْ أَبْدَعِ الْإِيجَازِ. وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ فِي مَعْنَى وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ لَا تَتْرُكُوا النَّفَقَةَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَتَخَافُوا الْعَيْلَةَ وَإِنْ لم إلّا يكز سهم أَو مشقص فَأْتِ بِهِ. وَقَدْ قِيلَ فِي تَفْسِيرِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ أَقْوَالٌ: الْأَوَّلُ أَنَّ أَنْفِقُوا أَمْرٌ بِالنَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ، والتهلكة: الْإِسْرَافُ فِيهَا أَوِ الْبُخْلُ الشَّدِيدُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ، وَيُبْعِدُهُ قَوْلُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَنَّ إِطْلَاقَ التَّهْلُكَةِ عَلَى السَّرَفِ بَعِيدٌ وَعَلَى الْبُخْلِ أَبْعَدُ.

стр. 982

الثَّانِي أَنَّهَا النَّفَقَةُ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَيِ الصَّدَقَةُ والتهلكة الْإِمْسَاك وببعده عَدَمُ مُنَاسَبَةِ الْعَطْفِ وَإِطْلَاقُ التَّهْلُكَةِ عَلَى الْإِمْسَاكِ. الثَّالِثُ الْإِنْفَاقُ فِي الْجِهَادِ، وَالْإِلْقَاءُ إِلَى التَّهْلُكَةِ الْخُرُوجُ بِغَيْرِ زَادٍ. الرَّابِعُ الْإِلْقَاءُ بِالْيَدِ إِلَى التَّهْلُكَةِ: الِاسْتِسْلَامُ فِي الْحَرْبِ أَيْ لَا تَسْتَسْلِمُوا لِلْأَسْرِ. الْخَامِسُ أَنَّهُ الِاشْتِغَالُ عَنِ الْجِهَادِ وَعَنِ الْإِنْفَاقِ فِيهِ بِإِصْلَاحِ أَمْوَالِهِمْ. رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ: كُنَّا بِمَدِينَةِ الرُّومِ (الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ) فَأَخْرَجُوا إِلَيْنَا صَفًّا عَظِيمًا مِنَ الرُّومِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلُهُمْ فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صَفٍّ لِلرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ فَصَاحَ النَّاسُ وَقَالُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ يُلْقِي بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فَقَامَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الْآيَةِ هَذَا التَّأْوِيلَ وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ فِينَا مَعَاشِرَ الْأَنْصَارِ لَمَّا أَعَزَّ اللَّهُ الْإِسْلَامَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ سِرًّا دُونَ رَسُولِ اللَّهِ: إِنَّ أَمْوَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَزَّ الْإِسْلَامَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ فَلَوْ أَقَمْنَا فِي أَمْوَالِنَا فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ يَرُدُّ عَلَيْنَا مَا قُلْنَا: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ فَكَانَتِ التَّهْلُكَةُ الْإِقَامَةَ عَلَى الْأَمْوَالِ وَإِصْلَاحَهَا وَتَركنَا الْغَزْو اهـ، وَالْآيَةُ تَتَحَمَّلُ جَمِيعَ الْمَعَانِي الْمَقْبُولَةِ. وَوُقُوعُ فِعْلِ تُلْقُوا فِي سِيَاقِ النَّهْيِ يَقْتَضِي عُمُومَ كُلِّ إِلْقَاءٍ بِالْيَدِ لِلتَّهْلُكَةِ أَيْ كُلِّ تَسَبُّبٍ فِي الْهَلَاكِ عَنْ عَمْدٍ فَيَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ مُحَرَّمًا مَا لَمْ يُوجَدْ مُقْتَضٍ لِإِزَالَةِ ذَلِكَ التَّحْرِيمِ وَهُوَ مَا يَكُونُ حِفْظُهُ مُقَدَّمًا عَلَى حِفْظِ النَّفْسِ مَعَ تَحَقُّقِ حُصُولِ حِفْظِهِ بِسَبَبِ الْإِلْقَاءِ بِالنَّفْسِ إِلَى الْهَلَاكِ أَوْ حِفْظِ بَعْضِهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ. فَالتَّفْرِيطُ فِي الِاسْتِعْدَادِ لِلْجِهَادِ حَرَامٌ لَا مَحَالَةَ لِأَنَّهُ إِلْقَاءٌ بِالْيَدِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، وَإِلْقَاءٌ بِالْأُمَّةِ وَالدِّينِ إِلَيْهَا بِإِتْلَافِ نُفُوسِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مِثْلِ هَذَا الْخَبَرِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ وَهُوَ اقْتِحَامُ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ عَلَى صَفِّ الْعَدُوِّ فَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ (مِنَ التَّابِعِينَ) وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجَشُونِ وَابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادَ (مِنَ الْمَالِكِيَّةِ) وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إِذَا كَانَ فِيهِ قُوَّةٌ وَكَانَ بِنِيَّةٍ خَالِصَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى وَطَمَعٍ فِي نَجَاةٍ أَوْ فِي نِكَايَةِ الْعَدُوِّ أَوْ قَصْدِ تَجْرِئَةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أحد بمرأى النَّبِي ﷺ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَانَ مِنَ الْإِلْقَاءِ إِلَى التَّهْلُكَةِ.

стр. 983

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَحْسِنُوا الْإِحْسَانُ فِعْلُ النَّافِعِ الْمُلَائِمِ، فَإِذَا فَعَلَ فِعْلًا نَافِعًا مُؤْلِمًا لَا يَكُونُ مُحْسِنًا فَلَا تَقُولَ إِذَا ضَرَبْتَ رَجُلًا تَأْدِيبًا: أَحْسَنْتُ إِلَيْهِ وَلَا إِذَا جَارَيْتَهُ فِي مَلَذَّاتٍ مُضِرَّةٍ أَحْسَنْتُ إِلَيْهِ، وَكَذَا إِذَا فَعَلَ فِعْلًا مُضِرًّا مُلَائِمًا لَا يُسَمَّى مُحْسِنًا. وَفِي حَذْفِ مُتَعَلِّقِ أَحْسِنُوا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْإِحْسَانَ مَطْلُوبٌ فِي كُلِّ حَالٍ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» . وَفِي الْأَمْرِ بِالْإِحْسَانِ بَعْدَ ذِكْرِ الْأَمْرِ بِالِاعْتِدَاءِ عَلَى الْمُعْتَدِي وَالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْإِلْقَاءِ بِالْيَدِ إِلَى التَّهْلُكَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ كُلَّ هَاتِهِ الْأَحْوَالِ يُلَابِسُهَا الْإِحْسَانُ وَيَحُفُّ بِهَا، فَفِي الِاعْتِدَاءِ يَكُونُ الْإِحْسَانُ بِالْوُقُوفِ عِنْدَ الْحُدُودِ وَالِاقْتِصَادِ فِي الِاعْتِدَاءِ وَالِاقْتِنَاعِ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ الصَّلَاحُ الْمَطْلُوبُ، وَفِي الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَكُونُ الْإِحْسَانُ بِالرِّفْقِ بِالْأَسِيرِ وَالْمَغْلُوبِ وَبِحِفْظِ أَمْوَالِ الْمَغْلُوبِينَ وَدِيَارِهِمْ مِنَ التَّخْرِيبِ وَالتَّحْرِيقِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: «مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ» ، وَالْحَذَرُ مِنَ الْإِلْقَاءِ بِالْيَدِ إِلَى التَّهْلُكَةِ إِحْسَانٌ. وَقَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ تَذْيِيلٌ لِلتَّرْغِيبِ فِي الْإِحْسَانِ، لِأَنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ عَبْدَهُ غَايَةُ مَا يَطْلُبُهُ النَّاسُ إِذْ مَحَبَّةُ اللَّهِ الْعَبْدَ سَبَبَ الصَّلَاحِ وَالْخَيْرِ دُنْيَا وَآخِرَةً، وَاللَّامُ لِلِاسْتِغْرَاقِ الْعُرْفِيِّ وَالْمُرَادُ الْمُحْسِنُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. [١٩٦] [سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١٩٦] وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٩٦) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ. هَذَا عَوْدٌ إِلَى الْكَلَامِ عَلَى الْعُمْرَةِ فَهُوَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها [الْبَقَرَة: ١٨٩] إِلَخْ وَمَا بَيْنَهُمَا اسْتِطْرَادٌ أَوِ اعْتِرَاضٌ، عَلَى أَنَّ عَطْفَ الْأَحْكَامِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ لِلْمُنَاسَبَةِ طَرِيقَةٌ قُرْآنِيَّةٌ فَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ عَطْفًا عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا عَطْفَ قِصَّةٍ عَلَى قِصَّةٍ. وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْحُدَيْبِيَةِ سَنَةَ سِتٍّ حِينَ صَدَّ الْمُشْرِكُونَ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْبَيْتِ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، وَقَدْ كَانُوا نَاوِينَ الْعُمْرَةَ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ الْحَجُّ،

стр. 984

فَالْمَقْصُودُ مِنَ الْكَلَامِ هُوَ الْعُمْرَةُ وَإِنَّمَا ذُكِرَ الْحَجُّ عَلَى وَجْهِ الْإِدْمَاجِ تَبْشِيرًا بِأَنَّهُمْ سَيَتَمَكَّنُونَ مِنَ الْحَجِّ فِيمَا بَعْدُ، وَهَذَا مِنْ مُعْجِزَاتِ الْقُرْآنِ. وَالْإِتْمَامُ إِكْمَالُ الشَّيْءِ وَالْإِتْيَانُ عَلَى بَقَايَا مَا بَقِيَ مِنْهُ حَتَّى يَسْتَوْعِبَ جَمِيعَهُ. وَمِثْلُ هَذَا الْأَمْرِ الْمُتَعَلِّقِ بِوَصْفِ فِعْلٍ يَقَعُ فِي كَلَامِهِمْ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا وَهُوَ الْأَكْثَرُ أَنْ يَكُونَ الْمَطْلُوبُ تَحْصِيلَ وَصْفٍ خَاصٍّ لِلْفِعْلِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ الْوَصْفُ كَالْإِتْمَامِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ أَيْ كَمِّلُوهُ إِنْ شَرَعْتُمْ فِيهِ، وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ [الْبَقَرَة: ١٨٧] عَلَى مَا اخْتَرْنَاهُ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ [التَّوْبَة: ٤] وَمِثْلُهُ أَنْ تَقُولَ: أَسْرِعِ السِّيَرَ لِلَّذِي يَسِيرُ سَيْرًا بَطِيئًا، وَثَانِيهِمَا أَنْ يَجِيءَ الْأَمْرُ بِوَصْفِ الْفِعْلِ مُرَادًا بِهِ تَحْصِيلُ الْفِعْلِ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ [الْبَقَرَة: ١٥٠] ، وَذَلِكَ كَقَوْلِكَ: أَسْرِعِ السَّيْرَ فَادْعُ لِي فُلَانًا تُخَاطِبُ بِهِ مُخَاطَبًا لَمْ يَشْرَعْ فِي السَّيْرِ بَعْدُ، فَأَنْتَ تَأْمُرُهُ بِإِحْدَاثِ سَيْرٍ سَرِيعٍ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُمْ: «وَسِّعْ فَمَ الرَّكِيَّةِ، وَقَوْلُهُمْ: وَسِّعْ كُمَّ الْجُبَّةِ وَضَيِّقْ جَيْبَهَا» أَيْ أَوْجِدْهَا كَذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ، وَهَذَا ضَرْبٌ مِنْ ضُرُوبِ التَّعْبِيرِ لَيْسَ بِكِنَايَةٍ وَلَا مَجَازٍ، وَلَكِنَّهُ أَمْرٌ بِمَجْمُوعِ شَيْئَيْنِ وَهُوَ أَقَلُّ لِأَنَّ الشَّأْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَطْلُوبُ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ ابْتِدَاءً هُوَ الْحَدَثُ الَّذِي مِنْهُ مَادَّةُ تِلْكَ الصِّيغَةِ. وَالْآيَةُ تَحْتَمِلُ الِاسْتِعْمَالَيْنِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَهِيَ أَمْرٌ بِإِكْمَالِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، بِمَعْنَى أَلَّا يَكُونَ حَجًّا وَعُمْرَةً مَشُوبَيْنِ بِشَغَبٍ وَفِتْنَةٍ وَاضْطِرَابٍ أَوْ هِيَ أَمْرٌ بِإِكْمَالِهِمَا وَعَدَمِ الرُّجُوعِ عَنْهُمَا بَعْدَ الْإِهْلَالِ بِهِمَا وَلَا يَصُدُّهُمْ عَنْهُمَا شَنَآنُ الْعَدُوِّ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَهِيَ أَمْرٌ بِالْإِتْيَانِ بِهِمَا تَامَّيْنِ أَيْ مُسْتَكْمِلَيْنِ مَا شُرِعَ فِيهِمَا. وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَأَنْسَبُ بِالْآيَاتِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَكَأَنَّ هَذَا التَّحْرِيضَ مُشِيرٌ إِلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَهَمَّ مِنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ هُنَا هُمَا الصَّرُورَةُ فِي الْحَجِّ وَكَذَا فِي الْعُمْرَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا. وَاللَّامُ فِي (الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) لِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ، وَهُمَا عِبَادَتَانِ مَشْهُورَتَانِ عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ مُتَمَيِّزَتَانِ عَنْ بَقِيَّةِ الْأَجْنَاسِ، فَالْحَجُّ هُوَ زِيَارَةُ الْكَعْبَةِ فِي مَوْسِمٍ مُعَيَّنٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، لِلْجَمَاعَةِ وَفِيهِ وُقُوفُ عَرَفَةَ، وَالْعُمْرَةُ زِيَارَةُ الْكَعْبَةِ فِي غَيْرِ مَوْسِمٍ مُعَيَّنٍ وَهِيَ لِكُلِّ فَرْدٍ بِخُصُوصِهِ. وَأَصْلُ الْحَجِّ فِي اللُّغَةِ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا تَكَرُّرُ الْقَصْدِ إِلَى الشَّيْءِ أَوْ كَثْرَةُ قَاصِدِيهِ. وَعَنِ

стр. 985

ابْنِ السِّكِّيتِ: الْحَجُّ كَثْرَةُ الِاخْتِلَافِ وَالتَّرَدُّدِ يُقَالُ حَجَّ بَنُو فُلَانٍ فُلَانًا أَطَالُوا الِاخْتِلَافَ إِلَيْهِ وَفِي «الْأَسَاسِ» : فُلَانٌ تَحُجُّهُ الرِّفَاقُ أَي تقصده اهـ. فَجَعَلَهُ مُفِيدًا بِقَصْدٍ مِنْ جَمَاعَةٍ كَقَوْلِ الْمُخَبَّلِ السَّعْدِيِّ وَاسْمُهُ الرَّبِيعُ: وَأَشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً ... يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرَقَانِ الْمُزَعْفَرَا وَالْحَجُّ مِنْ أَشْهُرِ الْعِبَادَاتِ عِنْدَ الْعَرَبِ وَهُوَ مِمَّا وَرِثُوهُ عَنْ شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ كَمَا حَكَى اللَّهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ [الْحَج: ٢٧] الْآيَةَ حَتَّى قِيلَ: إِنَّ الْعَرَبَ هُمْ أَقْدَمُ أُمَّةٍ عُرِفَتْ عِنْدَهَا عَادَةُ الْحَجِّ، وَهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ زِيَارَةَ الْكَعْبَةِ سَعْيٌ لِلَّهِ تَعَالَى قَالَ النَّابِغَةُ يَصِفُ الْحَجِيجَ وَرَوَاحِلَهُمْ: عَلَيْهِنَّ شُعْثٌ عَامِدُونَ لِرَبِّهِمْ ... فَهُنَّ كَأَطْرَافِ الْحَنِيِّ خَوَاشِعُ وَكَانُوا يَتَجَرَّدُونَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ مِنْ مَخِيطِ الثِّيَابِ وَلَا يَمَسُّونَ الطِّيبَ وَلَا يَقْرَبُونَ النِّسَاءَ وَلَا يَصْطَادُونَ، وَكَانَ الْحَجُّ طَوَافًا بِالْبَيْتِ وَسَعْيًا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَوُقُوفًا بِعَرَفَةَ وَنَحْرًا بِمِنًى. وَرُبَّمَا كَانَ بَعْضُ الْعَرَبِ لَا يَأْكُلُ مُدَّةَ الْحَجِّ أَقْطًا وَلَا سَمْنًا- أَيْ لِأَنَّهُ أَكْلُ الْمُتَرَفِّهِينَ- وَلَا يَسْتَظِلُّ بِسَقْفٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحُجُّ مُتَجَرِّدًا مِنَ الثِّيَابِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَسْتَظِلُّ مِنَ الشَّمْسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحُجُّ صَامِتًا لَا يَتَكَلَّمُ، وَلَا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَلَهُمْ فِي الْحَجِّ مَنَاسِكُ وَأَحْكَامٌ ذَكَرْنَاهَا فِي «تَارِيخِ الْعَرَبِ» . وَكَانَ لِلْأُمَمِ الْمُعَاصِرَةِ لِلْعَرَبِ حُجُوجٌ كَثِيرَةٌ، وَأَشْهَرُ الْأُمَمِ فِي ذَلِكَ الْيَهُودُ فَقَدْ كَانُوا يَحُجُّونَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ تَابُوتُ الْعَهْدِ أَيْ إِلَى هَيْكَلِ (أُورْشَلِيمَ) وَهُوَ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي السَّنَةِ لِيَذْبَحُوا هُنَاكَ فَإِنَّ الْقَرَابِينَ لَا تَصِحُّ إِلَّا هُنَاكَ وَمِنْ هَذِهِ الْمَرَّاتِ مَرَّةٌ فِي عِيدِ الْفِصْحِ. وَاتَّخَذَتِ النَّصَارَى زِيَارَاتٍ كَثِيرَةٍ، حَجًّا، أَشْهَرُهَا زِيَارَاتُهُمْ لِمَنَازِلِ وِلَادَةِ عِيسَى ﵇ وَزِيَارَةِ (أُورْشَلِيمَ) ، وَكَذَا زِيَارَةُ قَبْرِ (مَارْبُولِسْ) وَقَبْرِ (مَارْبُطْرُسْ) بِرُومَةَ، وَمِنْ حَجِّ النَّصَارَى الَّذِي لَا يَعْرِفْهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَهُوَ أَقْدَمُ حَجِّهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ الْإِسْلَامِ يَحُجُّونَ إِلَى مَدِينَةِ (عَسْقَلَانَ) مِنْ بِلَادِ السَّوَاحِلِ الشَّامِيَّةِ، وَالْمَظْنُونُ أَنَّ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا حَجَّهَا هُمْ نَصَارَى الشَّامِ مِنَ الْغَسَاسِنَةِ لِقَصْدِ صَرْفِ النَّاسِ عَنْ زِيَارَةِ الْكَعْبَةِ وَقَدْ ذَكَرَهُ سُحَيْمٌ عَبْدُ بَنِي الْحِسْحَاسِ وَهُوَ مِنَ الْمُخَضْرَمِينَ فِي قَوْلِهِ يَصِفُ وُحُوشًا جَرَفَهَا السَّيْلُ: كَأَنَّ الْوُحُوشَ بِهِ عَسْقَلَا ... نُ صَادَفْنَ فِي قَرْنِ حَجٍّ ذِيَافَا
следующие страницы →