← Тафсир

Тафсир · id 9776

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Полный текст (11 044 стр.). Показаны 9941–9980 · переход к 9946.

стр. 9941

وَالْعَذَابُ: عَذَابُ جَهَنَّمِ، وَيَكُونُ الْفِعْلُ الْمَاضِي مُسْتَعْمَلًا فِي مَعْنَى الْمُسْتَقْبَلِ تَشْبِيهًا لِلْمُسْتَقْبَلِ بِالْمَاضِي فِي تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ مِثْلَ قَوْلِهِ: أَتى أَمْرُ اللَّهِ [النَّحْل: ١] ، وَقَوْلِهِ: وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ [الْأَعْرَاف: ٤٤] . وَالنُّكُرُ بِضَمَّتَيْنِ، وَبِضَمٍّ فَسُكُونٍ: مَا يُنْكِرُهُ الرَّأْيُ مِنْ فَظَاعَةِ كَيْفِيَّتِهِ إِنْكَارًا شَدِيدًا. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَيَعْقُوبُ نُكْراً بِضَمَّتَيْنِ. وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ بِسُكُونِ الْكَافِ. وَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ. وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها لِتَفْرِيعِ فَحاسَبْناها وَعَذَّبْناها. وَالذَّوْقُ: هُنَا الْإِحْسَاسُ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ. وَالْوَبِيلُ: صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ. يُقَالُ: وَبُلَ (بِالضَّمِّ) : الْمَرْعَى، إِذَا كَانَ كَلَأُهُ وَخِيمًا ضَارًّا لِمَا يَرْعَاهُ. وَالْأَمْرُ: الْحَالُ وَالشَّأْنُ، وَإِضَافَةُ الْوَبَالِ إِلَى الْأَمْرِ مِنْ إِضَافَةِ الْمُسَبِّبِ إِلَى السَّبَبِ، أَيْ ذَاقُوا الْوَبَالَ الَّذِي تَسَبَّبَ لَهُمْ فِيهِ أَمْرُهُمْ وَشَأْنُهُمُ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ. وَعَاقِبَةُ الْأَمْرِ: آخِرُهُ وَأَثَرُهُ. وَهُوَ يَشْمَلُ الْعَاقِبَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً. وَشُبِّهَتْ عَاقِبَتُهُمُ السُّوأَى بِخَسَارَةِ التَّاجِرِ فِي بَيْعِهِ فِي أَنَّهُمْ لَمَّا عَتَوْا حَسِبُوا أَنَّهُمْ أَرْضَوْا أَنْفُسَهُمْ بِإِعْرَاضِهِمْ عَنِ الرُّسُلِ وانتصروا عَلَيْهِم فَلَمَّا لَبِثُوا أَنْ صَارُوا بِمَذَلَّةٍ وَكَمَا يَخْسَرُ التَّاجِرُ فِي تَجْرِهِ. وَجِيءَ بِفِعْلِ كانَ بِصِيغَةِ الْمُضِيِّ لِأَنَّ الْحَدِيثَ عَنْ عَاقِبَتِهَا فِي الدُّنْيَا تَغْلِيبًا. وَفِي كُلِّ ذَلِكَ تَفْظِيعٌ لِمَا لَحِقَهُمْ مُبَالَغَةً فِي التَّحْذِيرِ مِمَّا وَقَعُوا فِيهِ. وَجُمْلَةُ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً بَدَلُ اشْتِمَالِ مِنْ جُمْلَةِ وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً أَوْ بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ.

стр. 9942

وَالْمُرَادُ عَذَابُ الْآخِرَةِ لِأَنَّ الْإِعْدَادَ التَّهْيِئَةُ وَإِنَّمَا يُهَيَّأُ الشَّيْءُ الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ. وَإِنْ جَعَلْتَ الْحِسَابَ وَالْعَذَابَ الْمَذْكُورَيْنِ آنِفًا حِسَابَ الْآخِرَةِ وَعَذَابَهَا كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا فَجُمْلَةُ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً اسْتِئْنَافًا لِبَيَانِ أَنَّ ذَلِكَ مُتَزَايِدٌ غَيْرُ مُخَفَّفٍ مِنْهُ كَقَوْلِهِ: فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً [النبأ: ٣٠] . فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا. هَذَا التَّفْرِيعُ الْمَقْصُودُ عَلَى التَّكَالِيفِ السَّابِقَةِ وَخَاصَّةً عَلَى قَوْلِهِ: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [الطَّلَاق: ١] وَهُوَ نَتِيجَةُ مَا مَهَّدَ لَهُ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ. وَفِي نِدَاءِ الْمُؤْمِنِينَ بِوَصْفِ أُولِي الْأَلْبابِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْعُقُولَ الرَّاجِحَةَ تَدْعُو إِلَى تَقْوَى اللَّهِ لِأَنَّهَا كَمَالٌ نَفْسَانِيٌّ، وَلِأَنَّ فَوَائِدَهَا حَقِيقِيَّةٌ دَائِمَةٌ، وَلِأَنَّ بِهَا اجْتِنَابَ الْمَضَارِّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالَ تَعَالَى: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ [يُونُس: ٦٢، ٦٣] ، وَقَوْلُهُ: أُولِي مَعْنَاهُ ذَوِي، وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ [الطَّلَاق: ٤] آنِفًا والَّذِينَ آمَنُوا بَدَلٌ مِنْ أُولِي الْأَلْبابِ. وَهَذَا الِاتِّبَاع يومىء إِلَى أَنَّ قَبُولَهُمُ الْإِيمَانَ عُنْوَانٌ عَلَى رَجَاحَةِ عُقُولِهِمْ. وَالْإِتْيَانُ بِصِلَةِ الْمَوْصُولِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْإِيمَانَ سَبَبٌ لِلتَّقْوَى وَجَامِعٌ لِمُعْظَمِهَا وَلَكِنَّ لِلتَّقْوَى دَرَجَاتٍ هِيَ الَّتِي أُمِرُوا بِأَنْ يُحِيطُوا بِهَا. قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (١٠) رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ. فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ مَعْنَى الْعِلَّةِ لِلْأَمْرِ بِالتَّقْوَى لِأَنَّ إِنْزَالَ الْكِتَابِ نَفْعٌ عَظِيمٌ لَهُمْ مُسْتَحِقٌّ شُكْرَهُمْ عَلَيْهِ.

стр. 9943

وَتَأْكِيدُ الْخَبَرِ بِ قَدْ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ وَبَعَثِ النُّفُوسِ عَلَى تَصَفُّحِ هَذَا الْكِتَابِ وَمُتَابَعَةِ إرشاد الرَّسُول ﷺ . وَالذِّكْرُ: الْقُرْآنُ. وَقَدْ سُمِّيَ بِالذِّكْرِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ تَذْكِيرَ النَّاسِ بِمَا هُمْ فِي غَفْلَةٍ عَنْهُ مِنْ دَلَائِلِ التَّوْحِيدِ وَمَا يَتَفَرَّعُ عَنْهَا مِنْ حُسْنِ السُّلُوكِ، ثُمَّ تَذْكِيرَهُمْ بِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ التَّكَالِيفِ وَبَيَّنَاهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ [٦] . وَإِنْزَالُ الْقُرْآنِ تَبْلِيغُهُ إِلَى الرَّسُول ﷺ بِوَاسِطَةِ الْمَلَكِ وَاسْتُعِيرَ لَهُ الْإِنْزَالُ لِأَنَّ الذِّكْرَ مُشَبَّهٌ بِالشَّيْءِ الْمَرْفُوعِ فِي السَّمَاوَاتِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ وَفِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ. وَجُعِلَ إِنْزَالُ الذِّكْرِ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّهُمُ الَّذِينَ انتفعوا بِهِ وَعمِلُوا بِمَا فِيهِ فَخُصِّصُوا هُنَا مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ الْأُمَمِ لِأَنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ. وَقَوْلُهُ: رَسُولًا بَدَلٌ مِنْ ذِكْراً بَدَلُ اشْتِمَالٍ لِأَنَّ بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالرَّسُول مُحَمَّد ﷺ مُلَازَمَةً وَمُلَابَسَةً فَإِنَّ الرِّسَالَةَ تَحَقَّقَتْ لَهُ عِنْدَ نُزُولِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ، فَقَدْ أُعْمِلَ فِعْلُ أَنْزَلَ فِي رَسُولًا تَبَعًا لِإِعْمَالِهِ فِي الْمُبْدَلِ مِنْهُ بِاعْتِبَارِ هَذِهِ الْمُقَارَنَةِ وَاشْتِمَالِ مَفْهُومِ أَحَدِ الِاسْمَيْنِ عَلَى مَفْهُومِ الْآخَرِ. وَهَذَا كَمَا أُبْدِلَ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ [الْبَيِّنَة: ٢] مِنْ قَوْلِهِ: حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ فِي سُورَةِ الْبَيِّنَةِ [١] . وَالرَّسُولُ: هُوَ مُحَمَّد ﷺ . وَأَمَّا تَفْسِيرُ الذِّكْرِ بِجِبْرِيلَ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الْكَلْبِيِّ لِتَصْحِيحِ إِبْدَالِ رَسُولًا مِنْهُ فَفِيهِ تَكَلُّفَاتٌ لَا دَاعِيَ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ لَا مَحِيصَ عَنِ اعْتِبَارِ بَدَلِ الِاشْتِمَالِ، وَلَا يَسْتَقِيمُ وَصَفُ جِبْرِيلَ بِأَنَّهُ يَتْلُو عَلَى النَّاسِ الْآيَاتِ فَإِنَّ مَعْنَى التِّلَاوَةِ بَعِيدٌ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ تَفْسِيرُ الذِّكْرِ بِجِبْرِيلَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا مَفْعُولًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللَّهُ وَتَقْدِيرُهُ: وَأَرْسَلَ إِلَيْكُمْ رَسُولًا، وَيَكُونُ حَذْفُهُ إِيجَازًا إِلَّا أَنَّ الْوَجْهَ السَّابِقَ أَبْلَغُ وَأَوْجَزُ. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ مُبَيِّناتٍ بِفَتْحِ الْيَاءِ. وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ بِكَسْرِهَا وَمَآلُ الْقِرَاءَتَيْنِ وَاحِدٌ. وَجُعِلَتْ عِلَّةُ إِنْزَالِ الذِّكْرِ إِخْرَاجَ الْمُؤْمِنِينَ الصَّالِحِينَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنْ

стр. 9944

كَانَتْ عِلَّةُ إِنْزَالِهِ إِخْرَاجَ جَمِيعِ النَّاسِ مِنْ ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ وَفَسَادِ الْأَعْمَالِ إِلَى نُورِ الْإِيمَانِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ، نَظَرًا لِخُصُوصِ الْفَرِيقِ الَّذِي انْتَفَعَ بِهَذَا الذِّكْرِ اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِمْ. وَلَيْسَ ذَلِكَ بِدَالٍّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ مَقْصُورَةٌ عَلَى هَذَا الْفَرِيقِ وَلَكِنَّهُ مُجَرَّدُ تَخْصِيصٍ بِالذِّكْرِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا أَوَّلُ سُورَةِ الْأَعْرَافِ. وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً. عَطْفٌ عَلَى الْأَمْرِ بِالتَّقْوَى وَالتَّنْوِيهُ بِالْمُتَّقِينَ وَالْعِنَايَةُ بِهِمْ هَذَا الْوَعْدُ عَلَى امْتِثَالِهِمْ بِالنَّعِيمِ الْخَالِدِ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ نَعِيمٌ مُقَيَّدٌ حُصُولُهُ لِرَاغِبِيهِ بِأَنْ يُؤْمِنُوا وَيَعْمَلُوا الصَّالِحَاتِ. وصالِحاً نَعْتٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ يَعْمَلْ أَيْ عَمَلًا صَالِحًا، وَهُوَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ تُفِيدُ الْعُمُوم كإفادته إِيَّاه فِي سِيَاقِ النَّفْيِ. فَالْمَعْنَى: وَيَعْمَلُ جَمِيعَ الصَّالِحَاتِ، أَيِ الْمَأْمُورِ بِهَا أَمْرًا جَازِمًا بِقَرِينَةِ اسْتِقْرَاءِ أَدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ. وَتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ. وَجُمْلَةُ قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوب فِي يُدْخِلْهُ وَلِذَلِكَ فَذِكْرُ اسْمِ الْجَلَالَةِ إِظْهَارٌ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ لِتَكُونَ الْجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِهَا. وَالرِّزْقُ: كُلُّ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَتَنْكِيرُهُ هُنَا لِلتَّعْظِيمِ، أَيْ رِزْقًا عَظِيمًا. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ نُدْخِلْهُ بِنُونِ الْعَظَمَةِ. وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ مِنْ قَوْلِهِ: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَعَلَى قِرَاءَةِ نَافِعٍ وَابْنِ عَامِرٍ يَكُونُ فِيهِ سُكُون الِالْتِفَات. [١٢] [سُورَة الطَّلَاق (٦٥) : آيَة ١٢] اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً

стр. 9945

(١٢) اسْمُ الْجَلَالَةِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هُوَ اللَّهُ. وَهَذَا مِنْ حَذْفِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ لِمُتَابَعَةِ الِاسْتِعْمَالِ كَمَا سَمَّاهُ السَّكَّاكِيُّ، فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ جرى ذكر شؤون من عَظِيم شؤون اللَّهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً مِنْ قَوْلِهِ: وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ [الطَّلَاق: ١] إِلَى هُنَا، فَقَدْ تَكَرَّرَ اسْمُ الْجَلَالَةِ وَضَمِيرُهُ وَالْإِسْنَادُ إِلَيْهِ زُهَاءَ ثَلَاثِينَ مَرَّةً فَاقْتَضَى الْمَقَامُ عَقِبَ ذَلِكَ أَنْ يُزَادَ تَعْرِيفُ النَّاسِ بِهَذَا الْعَظِيمِ، وَلَمَّا صَارَ الْبِسَاطُ مَلِيئًا بِذِكْرِ اسْمِهِ صَحَّ حَذْفُهُ عِنْدَ الْإِخْبَارِ عَنْهُ إِيجَازًا وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلِهِ تَعَالَى: رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فِي سُورَةِ مَرْيَمَ [٦٥] ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [الْبَقَرَة: ١٨] ، وَقَوْلِهِ: مَقامِ إِبْراهِيمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٢٥] . فَالْجُمْلَةُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا. وَالْمَوْصُولُ صِفَةٌ لِاسْمِ الْجَلَالَةِ وَقَدْ ذُكِرَتْ هَذِهِ الصِّلَةُ لِمَا فِيهَا مَنْ الدَّلَالَةِ عَلَى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ تَعَالَى، وَعَلَى أَنَّ النَّاسَ وَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ مَا فِي الْأَرْضِ عَبِيدُهُ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَتَّقُوهُ، وَلَا يَتَعَدَّوْا حُدُودَهُ، وَيُحَاسِبُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى مَدَى طَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ فَإِنَّهُ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَأَنَّهُ قَدِيرٌ عَلَى إِيصَالِ الْخَيْرِ إِلَيْهِمْ إِنْ أَطَاعُوهُ وَعِقَابِهِمْ إِنْ عَصَوْهُ. وَفِيهِ تَنْوِيهٌ بِالْقُرْآنِ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَمْرِ الَّذِي يَتَنَزَّلُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. وَالسَّبْعُ السَّمَاوَاتِ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهَا غَيْرَ مَرَّةٍ، وَهِيَ سَبْعٌ مُنْفَصِلٌ بَعْضُهَا عَنِ الْآخَرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ نُوحٍ [١٥] : أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً. وَقَوْلُهُ: وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ عَطْفٌ عَلَى سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْمَعْطُوفُ قَوْلَهُ: مِنَ الْأَرْضِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَعْطُوفُ لَفْظَ الْأَرْضِ وَيَكُونُ حَرْفُ مِنَ مَزِيدًا لِلتَّوْكِيدِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ وَالْأَخْفَشِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِزِيَادَةِ مِنَ أَنْ تَقَعَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ وَالنَّهْيِ وَالِاسْتِفْهَامِ وَالشَّرْطِ وَهُوَ الْأَحَقُّ بِالْقَبُولِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَثِيرًا فِي الْكَلَامِ، وَعَدَمُ الْكَثْرَةِ لَا يُنَافِي الْفَصَاحَةَ، وَالتَّقْدِيرُ: وَخَلَقَ الْأَرْضَ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: مِثْلَهُنَّ حَالًا مِنْ الْأَرْضِ. وَمُمَاثَلَةُ الْأَرْضِ لِلسَّمَاوَاتِ فِي دَلَالَةِ خَلْقِهَا عَلَى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، أَيْ أَنَّ خَلْقَ الْأَرْضِ لَيْسَ أَضْعَفَ دَلَالَةً عَلَى الْقُدْرَةِ مِنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ لِأَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا خَصَائِصَ دَالَّةً عَلَى عَظِيمِ الْقُدْرَةِ.

стр. 9946

وَهَذَا أظهر مَا تؤوّل بِهِ الْآيَةُ. وَفِي إِفْرَادِ لَفْظِ الْأَرْضِ دُونَ أَنْ يُؤْتَى بِهِ جَمْعًا كَمَا أُتِيَ بِلَفْظِ السَّمَاوَاتِ إِيذَانٌ بِالِاخْتِلَافِ بَيْنَ حَالَيْهِمَا. وَالْوَجْه الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَعْطُوفُ مِثْلَهُنَّ وَيَكُونُ قَوْلُهُ: وَمِنَ الْأَرْضِ بَيَانا للمثل فمصدق مِثْلَهُنَّ هُوَ الْأَرْضِ. وَتَكُونُ مِنَ بَيَانِيَّةً وَفِيهِ تَقْدِيمُ الْبَيَانِ عَلَى الْمُبَيَّنِ، وَهُوَ وَارِدٌ غَيْرُ نَادِرٍ. فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُمَاثِلَةً فِي الْكُرَوِيَّةِ، أَيْ مِثْلَ وَاحِدَةٍ مِنَ السَّمَاوَاتِ، أَيْ مِثْلَ كَوْكَبٍ مِنَ الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ فِي كَوْنِهَا تَسِيرُ حَوْلَ الشَّمْسِ مِثْلَ الْكَوَاكِبِ فَيَكُونُ مَا فِي الْآيَةِ مِنَ الْإِعْجَازِ الْعِلْمِيِّ الَّذِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ الْعَاشِرَةِ. وَجُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ جَعَلُوا الْمُمَاثَلَةَ فِي عَدَدِ السَّبْعِ وَقَالُوا: إِنِ الْأَرْضَ سَبْعُ طَبَقَاتٍ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هِيَ سَبْعُ طَبَقَاتٍ مُنْبَسِطَةٍ تَفْرُقُ بَيْنَهَا الْبِحَارُ. وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هِيَ سَبْعُ طِبَاقٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَهَذَا يَقْرُبُ مِنْ قَوْلِ عُلَمَاءِ طَبَقَاتِ الْأَرْضِ (الْجُيُولُوجْيَا) ، مِنْ إِثْبَاتِ طَبَقَاتٍ أَرْضِيَّةٍ لَكِنَّهَا لَا تَصِلُ إِلَى سَبْعِ طَبَقَاتٍ. وَفِي «الْكَشَّافِ» «قِيلَ مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَرَضِينَ سَبْعٌ إِلَّا هَذِهِ» اه. وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهَا لَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ فِي كِتَابِهِ «الْمُعْلِمِ» عَلَى «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» عِنْدَ قَول النبيء ﷺ فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . كَانَ شَيْخُنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَمِيدِ كَتَبَ إِلَيَّ بَعْدَ فِرَاقِي لَهُ: هَلْ وَقَعَ فِي الشَّرْعِ عَمَّا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الْأَرْضِ سَبْعًا، فَكَتَبْتُ إِلَيْهِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ وَذَكَرْتُ لَهُ هَذَا الْحَدِيثَ فَأَعَادَ كِتَابَهُ إِلَيَّ يَذْكُرُ فِيهِ أَنَّ الْآيَةَ مُحْتَمَلَةٌ هَلْ مِثْلَهُنَّ فِي الشَّكْلِ وَالْهَيْئَةِ أَوْ مِثْلَهُنَّ فِي الْعَدَدِ. وَأَنَّ الْخَبَرَ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ، وَالْقُرْآنُ إِذَا احْتُمِلَ وَالْخَبَرُ إِذَا لَمْ يَتَوَاتَرْ لَمْ يَصِحَّ الْقَطْعُ بِذَلِكَ، وَالْمَسْأَلَةُ لَيْسَتْ مِنَ الْعَمَلِيَّاتِ فَيُتَمَسَّكُ فِيهَا بِالظَّوَاهِرِ وَأَخْبَارِ الْآحَادِ، فَأَعَدْتُ

стр. 9947

إِلَيْهِ الْمُجَاوَبَةَ أَحْتَجُّ لِبُعْدِ الِاحْتِمَالِ عَنِ الْقُرْآنِ وَبَسَطْتُ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ وَتَرَدَّدْتُ فِي آخِرِ كِتَابِي فِي احْتِمَالِ مَا قَالَ. فَقَطَعَ الْمُجَاوَبَةَ اه. وَأَنْتَ قَدْ تَبَيَّنْتَ أَنَّ إِفْرَادَ الْأَرْضِ مُشْعِرٌ بِأَنَّهَا أَرْضٌ وَاحِدَةٌ وَأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِي قَوْلِهِ: مِثْلَهُنَّ رَاجِعَةٌ إِلَى الْمُمَاثَلَةِ فِي الْخَلْقِ الْعَظِيمِ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَإِنَّهُ فِي شَأْن من شؤون الْآخِرَةِ وَهِيَ مُخَالَفَةٌ لِلْمُتَعَارَفِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُطَوَّقَ الْغَاصِبُ بِالْمِقْدَارِ الَّذِي غَصَبَهُ مُضَاعَفًا سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي الْغِلَظِ وَالثِّقَلِ، عَلَى أَنَّ عَدَدَ السَّبْعِ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي الْمُضَاعَفَةِ. وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ طَبَقَاتٍ مَعْلُومَةً لَقَالَ: طَوَّقَهُ مِنَ السَّبْعِ الْأَرَضِينَ بِصِيغَةِ التَّعْرِيفِ. وَكَلَامُ عَبْدِ الْحَمِيدِ أَدْخَلُ فِي التَّحْقِيقِ مِنْ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ. وَعَلَى مُجَارَاةِ تَفْسِيرُ الْجُمْهُورِ لِقَوْلِهِ: وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ مِنَ الْمُمَاثَلَةِ فِي عَدَدِ السَّبْعِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ السَّبْعَ سَبْعُ قِطَعٍ وَاسِعَةٍ مِنْ سَطْحِ الْأَرْضِ يَفْصِلُ بَيْنَهَا الْبِحَارُ نُسَمِّيهَا الْقَارَّاتِ وَلَكِنْ لَا نَعْنِي بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيَّ فِي كُتُبِ الْجُغْرَافِيَا الْقَدِيمَةِ أَوِ الْحَدِيثَةِ بَلْ هِيَ قَارَّاتٌ طَبِيعِيَّةٌ كَانَ يَتَعَذَّرُ وَصُولُ سُكَّانِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضِهَا الْآخَرِ فِي الْأَزْمَانِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ فِيهَا تَنَقُّلٌ بَحَرِيٌّ وَفِيمَا بَعْدَهَا مِمَّا كَانَ رُكُوبُ الْبَحْرِ فِيهَا مَهُولًا. وَهِيَ أَنَّ آسْيَا مَعَ أُورُوبَّا قَارَّةٌ، وَإِفْرِيقِيَا قَارَّةٌ، وأستراليا قارة، وأميركا الشمالية قارة، وأميركا الْجَنُوبِيَّةُ قَارَّةٌ، وَجِرُولَنْدَةُ فِي الشَّمَالِ، وَالْقَارَّةُ الْقُطْبِيَّةُ الْجَنُوبِيَّةُ. وَلَا الْتِفَاتَ إِلَى الْأَجْزَاءِ الْمُتَفَرِّقَةِ مِنَ الْأَرْضِ فِي الْبِحَارِ، وَتَكُونُ مِنَ تَبْعِيضِيَّةً لِأَنَّ هَذِهِ الْقَارَّاتِ الِاصْطِلَاحِيَّةَ أَجْزَاءٌ مِنَ الْأَرْضِ. وَقَرَأَ غير عَاصِم مِثْلَهُنَّ بِالنَّصْبِ. وَقَرَأَهُ عَاصِمٌ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ. وَمَعْنَى يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ أَمْرُ اللَّهِ بِالتَّكْوِينِ أَوْ بِالتَّكْلِيفِ يُبَلَّغُ إِلَى الَّذِينَ يَأْمُرُهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِيُبَلِّغُوهُ، أَوْ لِمَنْ يَأْمُرُهُمُ اللَّهُ مِنَ الرُّسُلِ لِيُبَلِّغُوهُ عَنْهُ، أَوْ مِنَ النَّاسِ لِيَعْلَمُوا بِمَا فِيهِ، كُلُّ ذَلِكَ يَقَعُ فِيمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: لِتَعْلَمُوا لَامُ كَيْ وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِ خَلَقَ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ مِمَّا أَرَادَهُ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، أَنْ يَعْلَمَ النَّاسُ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَإِحَاطَةَ عِلْمِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ. لِأَنَّ خَلْقَ تِلْكَ الْمَخْلُوقَاتِ الْعَظِيمَةِ

стр. 9948

وَتَسْخِيرَهَا وَتَدْبِيرَ نِظَامِهَا فِي طُولِ الدَّهْرِ يَدُلُّ أَفْكَارَ الْمُتَأَمِّلِينَ عَلَى أَنَّ مُبْدِعَهَا يَقْدِرُ عَلَى أَمْثَالِهَا فَيَسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ قَدِيرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ لِأَنَّ دَلَالَتَهَا عَلَى إِبْدَاعِ مَا هُوَ دُونَهَا ظَاهِرَةٌ، وَدَلَالَتَهَا عَلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهَا وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُشَاهَدَةٍ، فَقِيَاسُ الْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خَالِقَ أَمْثَالِهَا قَادِرٌ عَلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ. وَأَيْضًا فَإِنَّ تَدْبِيرَ تِلْكَ الْمَخْلُوقَاتِ بِمِثْلِ ذَلِكَ الْإِتْقَانِ الْمُشَاهَدِ فِي نِظَامِهَا، دَلِيلٌ عَلَى سِعَةِ عِلْمِ مُبْدِعِهَا وَإِحَاطَتِهِ بِدَقَائِقِ مَا هُوَ دُونَهَا، وَأَنَّ مَنْ كَانَ عِلْمُهُ بِتِلْكَ الْمَثَابَةِ لَا يُظَنُّ بِعِلْمِهِ إِلَّا الْإِحَاطَةُ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ. فَالْعِلْمُ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: لِتَعْلَمُوا صَادِقٌ عَلَى عِلْمَيْنِ: عِلْمٌ يَقِينِيٌّ مُسْتَنِدٌ إِلَى أَدِلَّةٍ يَقِينِيَّةٍ مُرَكَّبَةٍ مِنَ الدَّلَالَةِ الْحِسِّيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ، وَعِلْمٌ ظَنِّيٌّ مُسْتَنِدٌ إِلَى الْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ وَالْقَرَائِنِ. وَكِلَا الْعِلْمَيْنِ مُوَصِّلٌ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ فِي الِاسْتِدْلَالِ الْخَطَابِيِّ (بِفَتْحِ الْخَاءِ) .

стр. 9949

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٦٦- سُورَةُ التَّحْرِيمِ سُورَةُ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التَّحْرِيم: ١] إِلَخْ سُمِّيَتْ «سُورَةَ التَّحْرِيمِ» فِي كُتُبِ السُّنَّةِ وَكُتُبِ التَّفْسِيرِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ الْهَرَوُيِّ «لِصَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» تَسْمِيَتُهَا بَاسْمِ «سُورَةِ اللِّمَ تُحَرِّمُ» بِتَشْدِيدِ اللَّامِ، وَفِي «الْإِتْقَانِ» وَتُسَمَّى «سُورَةَ اللِّمَ تُحَرِّمُ» ، وَفِي «تَفْسِيرِ الْكَوَاشِيِّ» (أَيْ بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ مَكْسُورَةً) وَبِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ التَّاءِ مُحَقَّقَةً وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ مَكْسُورَةً بَعْدَهَا مِيمٌ عَلَى حِكَايَةِ جُمْلَةِ لِمَ تُحَرِّمُ وَجَعْلِهَا بِمَنْزِلَةِ الِاسْمِ وَإِدْخَالِ لَامِ تَعْرِيفِ الْعَهْدِ عَلَى ذَلِكَ اللَّفْظِ وَإِدْغَامِ اللَّامَيْنِ. وَتُسَمَّى «سُورَة النبيء» ﷺ وَقَالَ الْآلُوسِيُّ: إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ سَمَّاهَا «سُورَةَ النِّسَاءِ» . قُلْتُ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ وَلَمْ يَذْكُرْ صَاحِبُ «الْإِتْقَانِ» هَذَيْنِ فِي أَسْمَائِهَا. وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعَدَدِ عَلَى أَنَّ عِدَّةَ آيِهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ. وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَتَبِعَهُ الْقُرْطُبِيُّ. وَقَالَ فِي «الْإِتْقَانِ» عَنْ قَتَادَةَ: إِنَّ أَوَّلَهَا إِلَى تَمَامِ عَشْرِ آيَاتٍ وَمَا بَعْدَهَا مَكِّيٌّ، كَمَا وَقَعَتْ حِكَايَةُ كَلَامِهِ. وَلَعَلَّهُ أَرَادَ إِلَى عَشْرِ آيَاتٍ، أَيْ أَنَّ الْآيَةَ الْعَاشِرَةَ مِنَ الْمَكِّيِّ إِذْ مِنَ الْبَعِيدِ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ الْعَاشِرَةُ مدنيّة والحادية عشرَة مَكِّيَّةً. وَهِيَ مَعْدُودَةٌ الْخَامِسَةُ بَعْدَ الْمِائَةِ فِي عِدَادِ نُزُولِ سُوَرِ الْقُرْآنِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْحُجُرَاتِ وَقَبْلَ سُورَةِ الْجُمُعَةِ.

стр. 9950

وَيَدُلُّ قَوْلُهُ: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ [التَّحْرِيم: ٢] أَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْمَائِدَةِ كَمَا سَيَأْتِي. وَسَبَبُ نُزُولِهَا حَادِثَتَانِ حَدَثَتَا بَيْنَ أَزوَاج النبيء ﷺ : إِحْدَاهُمَا: مَا ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحِ» عَنْ عَائِشَةَ أَن النبيء ﷺ كَانَ شَرِبَ عَسَلًا عِنْدَ إِحْدَى نِسَائِهِ اخْتُلِفَ فِي أَنَّهَا زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، أَوْ حَفْصَةُ، أَوْ أُمُّ سَلَمَةَ، أَوْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ. وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا زَيْنَبُ. فَعَلِمَتْ بِذَلِكَ عَائِشَةُ فَتَوَاطَأَتْ هِيَ وَحَفْصَةُ عَلَى أَنَّ أَيَّتَهُمَا دَخَلَ عَلَيْهَا تَقُولُ لَهُ «إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ» (وَالْمَغَافِيرُ صَمْغُ شَجَرِ الْعُرْفُطِ وَلَهُ رَائِحَةٌ مُخْتَمِرَةٌ) وَكَانَ النبيء ﷺ يَكْرَهُ أَنْ تُوجَدَ مِنْهُ رَائِحَةٌ وَإِنَّمَا تَوَاطَأَتَا عَلَى ذَلِكَ غَيْرَةً مِنْهُمَا أَنْ يَحْتَبِسَ عِنْدَ زَيْنَبَ زَمَانًا يَشْرَبُ فِيهِ عَسَلًا. فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: بَلْ شَرِبَتُ عَسَلًا عِنْدَ فُلَانَةٍ وَلَنْ أَعُودَ لَهُ، أَرَادَ بِذَلِكَ اسْتِرْضَاءَ حَفْصَةَ فِي هَذَا الشَّأْنِ وَأَوْصَاهَا أَنْ لَا تُخْبِرَ بِذَلِكَ عَائِشَةَ (لِأَنَّهُ يَكْرَهُ غَضَبَهَا) فَأَخْبَرَتْ حَفْصَةُ عَائِشَةَ فَنَزَلَتِ الْآيَاتُ . هَذَا أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ. وَالتَّحْرِيمُ هُوَ قَوْلُهُ: «وَلَنْ أَعُودَ لَهُ» (لِأَن النبيء ﷺ لَا يَقُولُ إِلَّا صِدْقًا وَكَانَتْ سَوْدَةُ تَقُولُ: لَقَدْ حَرَمْنَاهُ) . وَالثَّانِيَةُ: مَا رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي «الْمُدَوَّنَةِ» عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ أُمَّ إِبْرَاهِيمَ جَارِيَتَهُ فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَا أَطَؤُكِ» ثُمَّ قَالَ: «هِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ [التَّحْرِيم: ١] . وَتَفْصِيلُ هَذَا الْخَبَرِ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ قَالَ: دَخَلَ رَسُول الله ﷺ بِأُمِّ وَلَدِهِ مَارِيَةَ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ فَوَجَدَتْهُ حَفْصَةُ مَعَهَا، وَكَانَتْ حَفْصَةُ غَابَتْ إِلَى بَيْتِ أَبِيهَا. فَقَالَتْ حَفْصَةُ: تُدْخِلُهَا بَيْتِي مَا صَنَعْتَ بِي هَذَا مِنْ بَيْنَ نِسَائِكَ إِلَّا مِنْ هَوَانِي عَلَيْكَ. فَقَالَ لَهَا: لَا تَذْكُرِي هَذَا لِعَائِشَةَ فَهِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ إِنْ قَرِبْتُهَا. قِيلَ: فَقَالَتْ لَهُ حَفْصَةُ: كَيْفَ تَحْرُمُ عَلَيْكَ وَهِيَ جَارِيَتُكَ فَحَلِفَ لَهَا أَنْ لَا يَقْرَبَهَا فَذَكَرَتْهُ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ فَآلَى أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى نِسَائِهِ شَهْرًا

стр. 9951

فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ . وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ. أَغْرَاضُ هَذِهِ السُّورَةِ مَا تَضَمَّنُهُ سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّ أَحَدًا لَا يُحَرِّمُ عَلَى نَفْسِهِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ لِإِرْضَاءِ أَحَدٍ إِذْ لَيْسَ ذَلِكَ بِمَصْلَحَةٍ لَهُ وَلَا لِلَّذِي يَسْتَرْضِيهِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ كَالنَّذْرِ إِذْ لَا قُرْبَةَ فِيهِ وَمَا هُوَ بِطَلَاقٍ لِأَنَّ الَّتِي حَرَّمَهَا جَارِيَةً لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ، فَإِنَّمَا صَلَاحُ كُلِّ جَانِبٍ فِيمَا يَعُودُ بِنَفْعٍ عَلَى نَفسه أَو بنفع بِهِ غَيْرَهُ نَفْعًا مُرْضِيًا عِنْدَ اللَّهِ وَتَنْبِيهُ نسَاء النبيء ﷺ إِلَى أَنَّ غَيْرَةَ الله على نبيّه أَعْظَمُ مِنْ غَيْرَتِهِنَّ عَلَيْهِ وَأَسْمَى مَقْصِدًا. وَأَنَّ اللَّهَ يُطْلِعُهُ عَلَى مَا يَخُصُّهُ مِنَ الْحَادِثَاتِ. وَأَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى حِنْثَهَا خَيْرًا مِنْ بِرِّهَا أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهَا وَيَفْعَلَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ. وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ عَنْ رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ. وَتَعْلِيمُ الْأَزْوَاجِ أَنْ لَا يُكْثِرْنَ مِنْ مُضَايَقَةِ أَزْوَاجِهِنَّ فَإِنَّهَا رُبَّمَا أَدَّتْ إِلَى الْمَلَالِ فَالْكَرَاهِيَةِ فَالْفِرَاقِ. وَمَوْعِظَةُ النَّاسِ بِتَرْبِيةِ بَعْضِ الْأَهْلِ بَعْضًا وَوَعْظِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. وَأُتْبِعَ ذَلِكَ بِوَصْفِ عَذَابِ الْآخِرَةِ وَنَعِيمِهَا وَمَا يُفْضِي إِلَى كِلَيْهِمَا مِنْ أَعْمَالِ النَّاسِ صَالِحَاتِهَا وَسَيِّئَاتِهَا. وَذُيِّلَ ذَلِكَ بِضَرْبِ مَثَلَيْنِ مِنْ صَالِحَاتِ النِّسَاءِ وَضِدِّهِنَّ لِمَا فِي ذَلِك من العظة لِنِسَاءِ الْمُؤمنِينَ ولأمهاتهم. [١] [سُورَة التَّحْرِيم (٦٦) : آيَة ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

стр. 9952

(١) افْتِتَاحُ السُّورَةِ بخطاب النبيء ﷺ بِالنِّدَاءِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ مَا سَيُذْكَرُ بَعْدَهُ مِمَّا يَهْتَمُّ بِهِ النبيء ﷺ وَالْأُمَّةُ وَلِأَنَّ سَبَبَ النُّزُولِ كَانَ مِنْ عَلَائِقِهِ. وَالِاسْتِفْهَامُ فِي قَوْلِهِ: لِمَ تُحَرِّمُ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَى النَّفْيِ، أَيْ لَا يُوجَدُ مَا يَدْعُو إِلَى أَنْ تُحَرِّمَ عَلَى نَفْسِكَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا الْتَزَمَ عَدَمَ الْعَوْدِ إِلَى مَا صَدَرَ مِنْهُ الْتِزَامًا بِيَمِينٍ أَوْ بِدُونِ يَمِينٍ أَرَادَ الِامْتِنَاعَ مِنْهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ قَاصِدًا بِذَلِكَ تطمين أَزوَاجه اللاء تَمَالَأْنَ عَلَيْهِ لِفَرْطِ غَيْرَتِهِنَّ، أَيْ لَيْسَتْ غَيْرَتُهُنَّ مِمَّا تَجِبُ مُرَاعَاتُهُ فِي الْمُعَاشَرَةِ إِنْ كَانَتْ فِيمَا لَا هضم فِيهِ لحقوقهن، وَلَا هِيَ مِنْ إِكْرَامِ إِحْدَاهِنَّ لِزَوْجِهَا إِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى لَمْ تَتَمَكَّنْ مِنْ إِكْرَامِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ الْإِكْرَامِ فِي بَعْضِ الْأَيَّام. وَهَذَا يومىء إِلَى ضَبْطِ مَا يُرَاعَى مِنَ الْغَيْرَةِ وَمَا لَا يُرَاعَى. وَفِعْلُ تُحَرِّمُ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَى: تَجْعَلُ مَا أُحِلَّ لَكَ حَرَامًا، أَيْ تُحَرِّمُهُ عَلَى نَفْسِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ [آل عمرَان: ٩٣] وَقَرِينَتُهُ قَوْلُهُ هُنَا: مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ. وَلَيْسَ مَعْنَى التَّحْرِيمِ هُنَا نِسْبَةَ الْفِعْلِ إِلَى كَوْنِهِ حَرَامًا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ [الْأَعْرَاف: ٣٢] ، وَقَوْلِهِ: يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما [التَّوْبَة: ٣٧] ، فَإِنَّ التَّفْعِيلَ يَأْتِي بِمَعْنَى التَّصْبِيرِ كَمَا يُقَالُ: وَسِّعْ هَذَا الْبَابَ وَيَأْتِي بِمَعْنَى إِيجَادِ الشَّيْءِ عَلَى حَالَةٍ مِثْلِ مَا يُقَالُ لِلْخَيَّاطِ: وَسِّعْ طَوْقَ الْجُبَّةِ. وَلَا يَخْطُرُ بِبَالِ أَحَدٍ أَنْ يَتَوَهَّمَ مِنْهُ أَنَّكَ غَيَّرْتَ إِبَاحَتَهُ حَرَامًا عَلَى النَّاسِ أَوْ عَلَيْكَ. وَمِنَ الْعَجِيبِ قَوْلُ «الْكَشَّافِ» : لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُحَرِّمَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أَحَلَّهُ لِمَصْلَحَةٍ عَرَفَهَا فِي إِحْلَالِهِ إِلَخْ. وَصِيغَةُ الْمُضَارِعِ فِي قَوْلِهِ: لِمَ تُحَرِّمُ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ تَحْرِيمًا مُتَجَدِّدًا. فَجُمْلَةُ تَبْتَغِي حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ تُحَرِّمُ. فَالتَّعْجِيبُ وَاقِعٌ عَلَى مَضْمُونِ الْجُمْلَتَيْنِ مِثْلَ قَوْلِهِ: لَا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً [آل عمرَان: ١٣٠] . وَفِي الْإِتْيَانِ بِالْمَوْصُولِ فِي قَوْلِهِ: مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ لِمَا فِي الصِّلَةِ مِنَ الْإِيمَاءِ إِلَى تَعْلِيلِ الْحُكْمِ هُوَ أَنَّ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ لِعَبْدِهِ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَمَتَّعَ بِهِ مَا لَمْ يَعْرِضْ لَهُ مَا

стр. 9953

يُوجِبُ قَطْعَهُ مِنْ ضُرٍّ أَوْ مَرَضٍ لِأَنَّ تَنَاوُلَهُ شُكْرٌ لِلَّهِ وَاعْتِرَافٌ بِنِعْمَتِهِ وَالْحَاجَةِ إِلَيْهِ. وَفِي قَوْله: تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ عذر للنَّبِي ﷺ فِيمَا فَعَلَهُ مِنْ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ خَيْرًا وَهُوَ جَلْبُ رِضَا الْأزْوَاج لِأَنَّهُ أعون عَلَى مُعَاشَرَتِهِ مَعَ الْإِشْعَارِ بِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْمَرْضَاةِ لَا يَعْبَأُ بِهَا لِأَنَّ الْغَيْرَةَ نَشَأَتْ عَنْ مُجَرَّدِ مُعَاكَسَةِ بَعْضِهِنَّ بَعْضًا وَذَلِكَ مِمَّا يَخْتَلُّ بِهِ حُسْنُ الْمُعَاشَرَةِ بَيْنَهُنَّ، فَأَنْبَأَهُ اللَّهُ أَنَّ هَذَا الِاجْتِهَادَ مُعَارَضٌ بِأَنَّ تَحْرِيمَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ يُفْضِي إِلَى قَطْعِ كَثِيرٍ مِنْ أَسْبَابِ شُكْرِ اللَّهِ عِنْدَ تَنَاوُلِ نِعَمَهُ وَأَنَّ ذَلِكَ يَنْبَغِي إِبْطَالُهُ فِي سِيرَةِ الْأُمَّةِ. وَذُيِّلَ بِجُمْلَةِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ استئناسا للنبيء ﷺ مِنْ وَحْشَةِ هَذَا الْمَلَامِ، أَيْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لَكَ مِثْلَ قَوْلِهِ: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التَّوْبَة: ٤٣] . [٢] [سُورَة التَّحْرِيم (٦٦) : آيَة ٢] قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ بَيَّنَ الله بِهِ لنبيئه ﷺ أَنَّ لَهُ سِعَةً فِي التَّحَلُّلِ مِمَّا الْتَزَمَ تَحْرِيمَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَذَلِكَ فِيمَا شَرَعَ اللَّهُ مِنْ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فَأَفْتَاهُ اللَّهُ بِأَنْ يَأْخُذَ بِرُخْصَتِهِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ الْمَشْرُوعَةِ لِلْأُمَّةِ كُلِّهَا وَمِنْ آثَارِ حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ مَا قَالَه النبيء ﷺ لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ بَعْدَ أَنِ اسْتَحْمَلُوهُ وَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَهُمْ إِذْ لَيْسَ عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، فَجَاءَهُ ذَوْدٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَقَالَ لَهُمْ: «وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَفَعَلْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» . وَافْتِتَاحُ الْخَبَرِ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ لتنزيل النبيء ﷺ مَنْزِلَةَ مَنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ تَحِلَّةَ الْأَيْمَانِ بِآيَةِ الْكَفَّارَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ بِالرُّخْصَةِ تَعْظِيمًا لِلْقَسَمِ. فَأَعْلَمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْأَخْذَ بِالْكَفَّارَةِ لَا تَقْصِيرَ عَلَيْهِ فِيهِ فَإِنَّ فِي الْكَفَّارَةِ مَا يَكْفِي لِلْوَفَاءِ بِتَعْظِيمِ الْيَمِينِ بِاللهِ إِلَى شَيْءٍ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ أَيُّوبَ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ [ص: ٤٤] كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي تَفْسِيرِهَا وفَرَضَ عَيَّنَ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: نَصِيباً مَفْرُوضاً [النِّسَاء: ٧] . وَقَالَ: فَرَضَ لَهُ فِي الْعَطَاءِ وَالْمَعْنَى: قَدْ بيّن الله لَكِن تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ إِنْ كَانَ النبيء ﷺ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ إِلَّا أَنَّهُ الْتَزَمَ أَنْ لَا

стр. 9954

يَعُودَ لِشُرْبِ شَيْء عِنْدَ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ فِي غَيْرِ يَوْمِ نَوْبَتِهَا أَوْ كَانَ وَعْدٌ أَنْ يُحَرِّمَ مَارِيَةَ عَلَى نَفْسِهِ بِدُونِ يَمِينٍ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى. كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ يَمِينٍ فَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ إِيَّاهُ بِأَنْ يُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ إِمَّا لِأَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى الْيَمِينِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا وَعَدَ لِذَلِكَ تَطْمِينًا لِخَاطِرِ أَزْوَاجِهِ فَهُوَ الْتِزَامٌ لَهُنَّ فَكَانَ بِذَلِكَ مُلْحَقًا بِالْيَمِينِ وَبِذَلِكَ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ وَلَمْ يَرَهُ مَالِكٌ يَمِينًا وَلَا نَذْرًا فَقَالَ فِي «الْمُوَطَّأِ» : وَمَعْنَى قَوْلِ رَسُول الله ﷺ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» أَنْ يَنْذُرَ الرَّجُلُ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى الشَّامِ أَوْ إِلَى مِصْرَ مِمَّا لَيْسَ لِلَّهِ بِطَاعَةٍ إِنْ كَلَّمَ فُلَانًا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ إِنْ هُوَ كَلَّمَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ طَاعَةٌ فَإِنْ حَلَفَ فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَا آكُلُ هَذَا الطَّعَامَ وَلَا أَلْبَسُ هَذَا الثَّوْبَ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» اه. وَقَدِ اخْتُلِفَ هَلْ كفّر النبيء ﷺ عَنْ يَمِينِهِ تِلْكَ. فَالتَّحِلَّةُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ عِنْدَ مَالِكٍ هِيَ: جَعْلُ اللَّهِ مُلْتَزِمَ مِثْلِ هَذَا فِي حِلٍّ مِنَ الْتِزَامِ مَا الْتَزَمَهُ. أَيْ مُوجِبٌ التَّحَلُّلَ مِنْ يَمِينِهِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: هِيَ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ مِنَ الْخُرُوجِ مِنَ الْأَيْمَانِ بِالْكَفَّارَاتِ وَإِنْ كَانَ النبيء ﷺ صَدَرَ مِنْهُ يَمِينٌ عِنْدَ ذَلِكَ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ فَتَحِلَّةُ الْيَمِينِ هِيَ الْكَفَّارَةُ عِنْدَ الْجَمِيعِ. وَجُمْلَةُ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ. وَالْمَوْلَى: الْوَلِيُّ، وَهُوَ النَّاصِرُ وَمُتَوَلِّي تَدْبِيرِ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ، وَهُوَ هُنَا كِنَايَة عَن الرؤوف وَالْمُيَسِّرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [الْبَقَرَة: ١٨٥] . وَعُطِفَ عَلَيْهَا جُمْلَةُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ أَيِ الْعَلِيمُ بِمَا يُصْلِحُكُمْ فَيَحْمِلُكُمْ عَلَى الصَّوَابِ وَالرُّشْدِ وَالسَّدَادِ وَهُوَ الْحَكِيمُ فِيمَا يَشْرَعُهُ، أَيْ يُجْرِي أَحْكَامَهُ عَلَى الْحِكْمَةِ. وَهِيَ إِعْطَاءُ الْأَفْعَالِ مَا تَقْتَضِيهِ حَقَائِقُهَا دُونَ الْأَوْهَامِ وَالتَّخَيُّلَاتِ. وَاخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْإِسْلَامِ فِيمَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِمَّا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ عَلَى أَقْوَالٍ كَثِيرَةٍ أَنْهَاهَا الْقُرْطُبِيُّ إِلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ قَوْلًا وَبَعْضُهَا مُتَدَاخِلٌ فِي بَعْضٍ بِاخْتِلَافِ الشُّرُوط والنيات فتؤول إِلَى سَبْعَةٍ. أَحَدُهَا: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ سَوَاءٌ كَانَ الْمُحَرَّمُ زَوْجًا أَوْ غَيْرَهَا. وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيُّ وَمَسْرُوقٌ وَرَبِيعَةُ مِنَ التَّابِعَيْنِ وَقَالَهُ أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ.

стр. 9955

الثَّانِي: تَجِبُ كَفَّارَةُ مِثْلُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ. وَهَذَا جَارٍ عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ مِنْ قَوْلِهِ: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ. الثَّالِثُ: لَا يَلْزَمُهُ فِي غَيْرِ الزَّوْجَةِ وَأَمَّا الزَّوْجَةُ فَقِيلَ: إِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا كَانَ التَّحْرِيمُ ثَلَاثًا، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا يَنْوِ فِيمَا أَرَادَ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَالْحَكَمِ وَمَالِكٍ فِي الْمَشْهُورِ. وَقِيلَ هِيَ ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ دَخَلَ بِهَا أَمْ لَمْ يَدْخُلْ. وَنُسِبَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَالَهُ ابْنُ أَبِي ليلى وَهُوَ عِنْد عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجْشُونِ فِي «الْمَبْسُوطِ» . وَقِيلَ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ. وَنُسِبَ إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَحَمَّادِ بْنِ سُلَيْمَانَ وَنَسَبَهُ ابْنُ خُوَيْزَ مَنْدَادَ إِلَى مَالِكٍ وَهُوَ غَيْرُ الْمَشْهُورِ عَنْهُ. وَقِيلَ: طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ فِي الزَّوْجَةِ مُطْلَقًا، وَنُسِبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَيَكُونُ قَيْدًا لِمَا رُوِيَ عَنْهُ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي. وَقَالَهُ الزُّهْرِيُّ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ وَابْنُ الْمَاجْشُونِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَعْنِي فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: إِنْ نَوَى الطَّلَاقَ فَعَلَيْهِ مَا نَوَى مِنْ أَعْدَادِهِ وَإِلَّا فَهِيَ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ. وَقِيلَ: هِيَ ثَلَاثٌ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَوَاحِدَةٌ فِي الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِهَا دُونَ تَنْوِيَةٍ. الرَّابِعُ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِنْ نَوَى بِالْحَرَامِ الظِّهَارَ كَانَ مَا نَوَى فَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى الثَّلَاثَ. وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا كَانَتْ يَمِينًا وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ فَإِنْ أَبَاهَا كَانَ مُولِّيًا. وَتَحْرِيم النبيء ﷺ سُرِّيَّتَهُ مَارِيَةَ عَلَى نَفْسِهِ هُوَ أَيْضًا مِنْ قَبِيلِ تَحْرِيمِ أَحَدٍ شَيْئًا مِمَّا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ غَيْرَ الزَّوْجَةِ لِأَنَّ مَارِيَةَ لَمْ تَكُنْ زَوْجَةً لَهُ بَلْ هِيَ مَمْلُوكَتُهُ فَحُكْمُ قَوْلِهِ: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ جَارٍ فِي قَضِيَّةِ تَحْرِيمِ مَارِيَةَ بِيَمِينٍ أَوْ بِغَيْرِ يَمِينٍ بِلَا فَرْقٍ. وتَحِلَّةَ تَفْعِلَةٌ مِنْ حَلَّلَ جَعَلَ الْفِعْلَ حَلَالًا. وَأَصْلُهُ تَحِلْلَةَ فَأُدْغِمَ اللَّامَانِ وَهُوَ مَصْدَرٌ سَمَاعِيٌّ لِأَنَّ الْهَاءَ فِي آخِرِهِ لَيْسَتْ بِقِيَاسٍ إِذْ لَمْ يُحْذَفْ مِنْهُ حَرْفٌ حَتَّى يُعَوَّضَ عَنْهُ الْهَاءُ مِثْلَ تَزْكِيَةٍ وَلَكِنَّهُ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ مثل تعلة. [٣] [سُورَة التَّحْرِيم (٦٦) : آيَة ٣] وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ

стр. 9956

(٣) هَذَا تَذْكِيرٌ وَمَوْعِظَةٌ بِمَا جَرَى فِي خِلَالِ تَيْنِكَ الْحَادِثَتَيْنِ ثُنِيَ إِلَيْهِ عِنَانُ الْكَلَامِ بَعْدَ أَنْ قُضِيَ مَا يُهِمُّ مِنَ التشريع للنبيء ﷺ بِمَا حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ جَرَّائِهِمَا. وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى جُمْلَةِ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التَّحْرِيم: ١] بِتَقْدِيرِ وَاذْكُرْ. وَقَدْ أُعِيدَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ السَّابِقَةُ ضِمْنًا بِمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ بأسلوب آخر ليبن عَلَيْهِ مَا فِيهِ مِنْ عِبَرٍ وَمَوَاعِظَ وَأَدَبٍ، وَمَكَارِمَ وَتَنْبِيهٍ وَتَحْذِيرٍ. فَاشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ على عشْرين معنى مِنْ مَعَانِي ذَلِكَ. إِحْدَاهَا مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ. الثَّانِي: قَوْلُهُ: فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ. وَالثَّالِث: وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ. الرَّابِعُ: عَرَّفَ بَعْضَهُ. الْخَامِسُ: وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ. السَّادِسُ: قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا. السَّابِعُ: قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ. الثَّامِنُ وَالتَّاسِعُ وَالْعَاشِرُ: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ إِلَى فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ [التَّحْرِيم: ٤] . الْحَادِي عَشَرَ وَالثَّانِي عَشَرَ وَالثَّالِثَ عَشَرَ: وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ [التَّحْرِيم: ٤] . الرَّابِعَ عَشَرَ وَالْخَامِسَ عَشَرَ: عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً [التَّحْرِيم: ٥] . السَّادِسَ عَشَرَ: خَيْراً مِنْكُنَّ [التَّحْرِيم: ٥] . السَّابِعَ عشر: مُسْلِماتٍ [التَّحْرِيم: ٥] إِلَخْ. الثَّامِنَ عشر: سائِحاتٍ [التَّحْرِيم: ٥] . التَّاسِعَ عَشَرَ: ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً [التَّحْرِيم: ٥] ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهَا عِنْدَ تَفْسِيرِ كُلِّ آيَةٍ مِنْهَا.

стр. 9957

الْعِشْرُونَ: مَا فِي ذِكْرِ حَفْصَةَ أَوْ غَيْرِهَا بِعُنْوَانِ بَعْضِ أَزْواجِهِ دُونَ تَسْمِيَتِهِ مِنَ الِاكْتِفَاءِ فِي الْمَلَامِ بِذِكْرِ مَا تَسْتَشْعِرُ بِهِ أَنَّهَا الْمَقْصُودَةُ بِاللَّوْمِ. وَإِنَّمَا نبّأها النبيء ﷺ بِأَنَّهُ عَلِمَ إِفْشَاءَهَا الْحَدِيثَ بِأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ الْمَوْعِظَةَ وَالتَّأْدِيبَ فَإِنَّ اللَّهَ مَا أَطْلَعَهُ عَلَى إِفْشَائِهَا إِلَّا لِغَرَضٍ جَلِيلٍ. وَالْحَدِيثُ هُوَ مَا حَصَلَ مِنِ اختلاء النبيء ﷺ بِجَارِيَتِهِ مَارِيَةَ وَمَا دَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَفْصَةَ وَقَوْلُهُ لِحَفْصَةَ: «هِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ وَلَا تُخْبِرِي عَائِشَةَ» وَكَانَتَا مُتَصَافِيَتَيْنِ وَأَطْلَعَ الله نبيئه ﷺ عَلَى أَنَّ حَفْصَةَ أَخْبَرَتْ عَائِشَةَ بِمَا أَسَرَّ إِلَيْهَا. وَالْوَاوُ عَاطِفَةٌ قِصَّةً عَلَى قِصَّةٍ لِأَنَّ قِصَّةَ إِفْشَاءِ حَفْصَةَ السِّرَّ غَيْرُ قِصَّةِ تَحْرِيم النبيء ﷺ عَلَى نَفْسِهِ بَعْضَ مَا أُحِلَّ لَهُ. وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَنَّ الَّتِي أَسَرَّ إِلَيْهَا النبيء ﷺ الْحَدِيثَ هِيَ حَفْصَةُ وَيَأْتِي أَنَّ الَّتِي نَبَّأَتْهَا حَفْصَةُ هِيَ عَائِشَةُ. وَفِي «الصَّحِيحِ» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَكَثْتُ سَنَةً وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ آيَةٍ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ هَيْبَةً لَهُ حَتَّى خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجْتُ مَعَهُ فَلَمَّا رَجَعَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ مِنْ أَزْوَاجِهِ؟ فَقَالَ: تِلْكَ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ وَسَاقَ الْقِصَّةَ بِطُولِهَا. وَأَصْلُ إِطْلَاقِ الْحَدِيثِ عَلَى الْكَلَامِ مَجَازٌ لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْحَدَثَانِ فَالَّذِي حَدَثَ هُوَ الْفِعْل وَنَحْوه ثمَّ شَاعَ حَتَّى صَارَ حَقِيقَةً فِي الْخَبَرِ عَنْهُ وَصَارَ إِطْلَاقُهُ عَلَى الْحَادِثَةِ هُوَ الْمَجَازُ فَانْقَلَبَ حَالُ وَضْعِهِ وَاسْتِعْمَالِهِ. وأَسَرَّ أَخْبَرَ بِمَا يُرَادُ كِتْمَانُهُ عَنْ غَيْرِ الْمُخْبِرِ أَوْ سَأَلَهُ عَدَمَ إِفْشَاءِ شَيْءٍ وَقَعَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِخْبَارًا وَذَلِكَ إِذَا كَانَ الْخَبَرُ أَوِ الْفِعْلُ يُرَادُ عَدَمُ فَشَوِّهِ فَيَقُولُهُ صَاحِبُهُ سِرًّا وَالسِّرُّ ضِدُّ الْجَهْرِ، قَالَ تَعَالَى: وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ [التغابن: ٤] فَصَارَ أَسَرَّ يُطْلَقُ بِمَعْنَى الْوِصَايَةِ بِعَدَمِ الْإِفْشَاءِ، أَيْ عَدَمِ الْإِظْهَارِ قَالَ تَعَالَى: فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ [يُوسُف: ٧٧] . وَأَسَرَّ: فِعْلٌ مُشْتَقٌّ مِنَ السِّرِّ فَإِنَّ الْهَمْزَةَ فِيهِ لِلْجَعْلِ، أَيْ جَعَلَهُ ذَا سِرًّ، يُقَالُ: أَسَرَّ فِي نَفْسِهِ، إِذَا كَتَمَ سِرَّهُ. وَيُقَالُ: أَسَرَّ إِلَيْهِ، إِذَا حَدَّثَهُ بِسِرٍّ فَكَأَنَّهُ

стр. 9958

أَنْهَاهُ إِلَيْهِ، وَيُقَالُ: أَسَرَّ لَهُ إِذَا أَسَرَّ أَمْرًا لِأَجْلِهِ، وَذَلِكَ فِي إِضْمَارِ الشَّرِّ غَالِبًا وَأَسَرَّ بِكَذَا، أَيْ أَخْبَرَ بِخَبَر سرّ، وأسرّ، إِذَا وَضَعَ شَيْئًا خَفِيًّا. وَفِي الْمَثَلِ «يُسِرُّ حَسْوًا فِي ارْتِغَاءِ» . وبَعْضِ أَزْواجِهِ هِيَ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. وَعَدَلَ عَنْ ذِكْرِ اسْمِهَا تَرَفُّعًا عَنْ أَنْ يَكُونَ الْقَصْدُ مَعْرِفَةَ الْأَعْيَانِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْعِلْمُ بِمَغْزَى الْقِصَّةِ وَمَا فِيهَا مِمَّا يُجْتَنَبُ مِثْلُهُ أَوْ يُقْتَدَى بِهِ. وَكَذَلِكَ طَيُّ تَعْيِينِ الْمُنَبَّأَةِ بِالْحَدِيثِ وَهِيَ عَائِشَةُ. وَذُكِرَتْ حَفْصَة بعنوان بعض أَزْوَاجِهِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَن النَّبِي ﷺ وَضَعَ سِرَّهُ فِي مَوْضِعِهِ لِأَنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِمَعْرِفَةِ سِرِّ الرَّجُلِ زَوْجُهُ. وَفِي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِمَلَامِهَا عَلَى إِفْشَاءِ سِرِّهِ لِأَنَّ وَاجِبَ الْمَرْأَةِ أَنْ تَحْفَظَ سِرَّ زَوْجِهَا إِذَا أَمَرَهَا بِحِفْظِهِ أَوْ كَانَ مثله مِمَّا يجب حِفْظَهُ. وَهَذَا الْمَعْنَى الْأَوَّلُ مِنَ الْمَعَانِي التَّهْذِيبِيَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا آنِفًا. وَنَبَّأَ: بِالتَّضْعِيفِ مُرَادِفُ أَنْبَأَ بِالْهَمْزِ وَمَعْنَاهُمَا: أَخْبَرَ، وَقَدْ جَمَعَهُمَا قَوْلُهُ: فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ. وَقَدْ قِيلَ: السِّرُّ أَمَانَةٌ، أَيْ وَإِفْشَاؤُهُ خِيَانَةٌ. وَفِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ مِنْ آدَابِهِمُ الْعَرَبِيَّةِ الْقَدِيمَةِ قَالَتِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: «جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ لَا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثًا وَلَا تَنْفِثُ مِيرَثَنَا تَنْفِيثًا» . وَكَلَامُ الْحُكَمَاءِ وَالشُّعَرَاءِ فِي السِّرِّ وَحِفْظِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى. وَهُوَ الْمَعْنَى الثَّانِي مِنَ الْمَعَانِي التَّهْذِيبِيَّةِ الَّتِي ذَكرنَاهَا. وَمعنى ووَ أَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ أَطْلَعَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الظُّهُورِ بِمَعْنَى التَّغَلُّبِ. اسْتُعِيرَ الْإِظْهَارُ إِلَى الْإِطْلَاعِ لِأَنَّ إِطْلَاعَ الله نبيئه ﷺ عَلَى السِّرِّ الَّذِي بَيْنَ حَفْصَةَ وَعَائِشَةَ كَانَ غَلَبَةً لَهُ عَلَيْهِمَا فِيمَا دَبَّرَتَاهُ فَشُبِّهَتِ الْحَالَةُ الْخَاصَّةُ مِنْ تَآمُرِ حَفْصَةَ وَعَائِشَةَ عَلَى مَعْرِفَةِ سرّ النبيء ﷺ وَمِنْ عِلْمِهِ بِذَلِكَ بِحَالِ مَنْ يُغَالِبُ

стр. 9959

غَيْرَهُ فَيَغْلِبُهُ الْغَيْرُ وَيَكْشِفُ أَمْرَهُ. فَالْإِظْهَارُ هُنَا مِنَ الظُّهُورِ بِمَعْنَى الِانْتِصَارِ. وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الظُّهُورِ ضِدَّ الْخَفَاءِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى بِحَرْفِ (عَلَى) . وَضَمِيرُ عَلَيْهِ عَائِد إِلَى الْإِنْبَاءِ الْمَأْخُوذِ مِنْ نَبَّأَتْ بِهِ أَوْ عَلَى الْحَدِيثِ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: نَبَّأَتْ بِهِ تَقْدِيرُهُ: أَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَى إِفْشَائِهِ. وَهَذَا تَنْبِيهٌ إِلَى عِنَايَةِ الله بِرَسُولِهِ ﷺ وَانْتِصَارِهِ لَهُ لِأَنَّ إِطْلَاعَهُ عَلَى مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ مِمَّا يُهِمُّهُ، عِنَايَةٌ وَنُصْحٌ لَهُ. وَهَذَا حَاصِلُ الْمَعْنَى الثَّالِثِ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهَا الْآيَاتُ وذكرناها آنِفا. ومعفول عَرَّفَ الْأَوَّلُ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، أَيْ عَرَّفَهَا بَعْضَهُ، أَيْ بَعْضَ مَا أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَعْرَضَ عَنْ تَعْرِيفِهَا بِبَعْضِهِ. وَالْحَدِيثُ يَحْتَوِي عَلَى أَشْيَاءَ: اخْتِلَاءُ النَّبِيءِ بِسُرِّيَّتِهِ مَارِيَةَ، وَتَحْرِيمُهَا عَلَى نَفْسِهِ، وَتَنَاوُلُهُ الْعَسَلَ فِي بَيْتِ زَيْنَبَ، وَتَحْرِيمُهُ الْعَوْدَةَ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ، وَرُبَّمَا قَدْ تَخَلَّلَ ذَلِكَ كَلَامٌ فِي وَصْفِ عُثُورِ حَفْصَةِ عَلَى ذَلِكَ بَغْتَةً، أَوْ فِي التَّطَاوُلِ بِأَنَّهَا اسْتَطَاعَتْ أَنْ تُرِيحَهُنَّ مِنْ مَيْلِهِ إِلَى مَارِيَةَ. وَإِنَّمَا عرّفها النبيء ﷺ بِذَلِكَ لِيُوقِفُهَا عَلَى مُخَالَفَتِهَا وَاجِبَ الْأَدَبِ مِنْ حَفْظِ سِرِّ زَوْجِهَا. وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الرَّابِعُ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي سَبَقَتْ إِشَارَتِي إِلَيْهَا. وإعراض الرَّسُول ﷺ عَنْ تَعْرِيفِ زَوْجِهِ بِبَعْضِ الْحَدِيثِ الَّذِي أَفْشَتْهُ مِنْ كرم خلقه ﷺ فِي مُعَاتَبَةِ الْمُفْشِيَةِ وَتَأْدِيبِهَا إِذْ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِأَنْ يُعْلِمَ بَعْضَ مَا أَفْشَتْهُ فَتُوقِنَ أَنَّ اللَّهَ يَغَارُ عَلَيْهِ. قَالَ سُفْيَانُ: مَا زَالَ التَّغَافُلُ مِنْ فِعْلِ الْكِرَامِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا اسْتَقْصَى كَرِيمٌ قَطُّ، وَمَا زَادَ عَلَى الْمَقْصُودِ بِقَلْبِ الْعِتَابِ مِنْ عِتَابٍ إِلَى تَقْرِيعٍ. وَهَذَا الْمَعْنَى الْخَامِسُ مِنْ مَقَاصِدِ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ آنِفًا. وَقَوْلُهَا: مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى ثِقَتِهَا بِأَنَّ عَائِشَةَ لَا تُفْشِي سِرَّهَا وَعَلِمَتْ أَنَّهُ لَا قبل للرسول ﷺ بِعِلْمِ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ قِبَلِ عَائِشَةَ أَوْ مِنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ فَرَامَتِ التَّحَقُّقَ مِنْ أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ.

стр. 9960

وَالِاسْتِفْهَامُ حَقِيقِيٌّ وَلَكَ أَن تَجْعَلهُ للتعجب مِنْ عِلْمِهِ بِذَلِكَ. وَفِي هَذَا كِفَايَةٌ مِنْ تَيَقُّظِهَا بِأَنَّ إِفْشَاءَهَا سِرَّ زَوْجِهَا زَلَّةٌ خُلُقِيَّةٌ عَظِيمَةٌ حَجَبَهَا عَنْ مُرَاعَاتِهَا شِدَّةُ الصَّفَاءِ لِعَائِشَةَ وَفَرْطُ إِعْجَابِهَا بِتَحْرِيمِ مَارِيَةَ لِأَجْلِهَا، فَلَمْ تَتَمَالَكْ عَنْ أَنْ تُبَشِّرَ بِهِ خَلِيلَتَهَا وَنَصِيرَتَهَا وَلَوْ تَذَكَّرَتْ لَتَبَيَّنَ لَهَا أَنَّ مُقْتَضَى كَتْمِ سِرِّ زَوْجِهَا أَقْوَى مِنْ مُقْتَضَى إِعْلَامِهَا خَلِيلَتَهَا فَإِنَّ أَوَاصِرَ الزَّوْجِيَّةِ أَقْوَى مِنْ أَوَاصِرَ الْخُلَّةِ وَوَاجِبُ الْإِخْلَاصِ لِرَسُولِ اللَّهِ أَعْلَى مِنْ فَضِيلَةِ الْإِخْلَاصِ لِلْخَلَائِلَ. وَهَذَا هُوَ الْأَدَبُ السَّادِسُ مِنْ مَعَانِي الْآدَابِ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهَا الْقِصَّةُ وَأَجْمَلْنَا ذِكْرَهَا آنِفًا. وَإِيثَارُ وَصْفَيِّ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ هُنَا دُونَ الِاسْمِ الْعَلَمِ لِمَا فِيهِمَا مِنَ التَّذْكِيرِ بِمَا يَجِبُ أَنْ يَعْلَمَهُ النَّاسُ مِنْ إِحَاطَةِ اللَّهِ تَعَالَى عِلْمًا وَخَبَرًا بِكُلِّ شَيْءٍ. والْعَلِيمُ: الْقَوِيُّ الْعِلْمِ وَهُوَ فِي أَسْمَائِهِ تَعَالَى دَالٌّ عَلَى أَكْمَلِ الْعِلْمِ، أَيِ الْعِلْمِ الْمُحِيطِ بِكُلِّ مَعْلُومٍ. والْخَبِيرُ: أَخَصُّ مِنَ الْعَلِيمِ لِأَنَّهُ مُشْتَقّ من خبر الشَّيْءِ إِذَا أَحَاطَ بِمَعَانِيهِ وَدَخَائِلِهِ وَلِذَلِكَ يُقَالُ خَبَرْتُهُ، أَيْ بَلَوْتُهُ وَتَطَلَّعْتُ بَوَاطِنَ أَمْرِهِ، قَالَ ابْنُ بُرُجَّانَ (بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَبِجِيمٍ مُشَدَّدَةٍ) فِي «شَرْحِ الْأَسْمَاءِ» : «الْفَرْقُ بَيْنَ الْخُبْرِ وَالْعِلْمِ وَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى صِفَةِ الْعِلْمِ أَنْ تَتَعَرَّفَ حُصُولَ الْفَائِدَةِ مِنْ وَجْهٍ وَأَضِفْ ذَلِكَ إِلَى تِلْكَ الصِّفَةِ وَسَمِّ الْفَائِدَةَ بِذَلِكَ الْوَجْهِ الَّذِي عَنْهُ حَصَلَتْ فَمَتَى حَصَلَتْ مِنْ مَوْضِعِ الْحُضُورِ سُمِّيَتْ مُشَاهَدَةً وَالْمُتَّصِفُ بِهَا هُوَ الشَّاهِدُ وَالشَّهِيدُ. وَكَذَلِكَ إِنْ حَصَلْتَ مِنْ وَجْهِ سَمْعٍ أَوْ بَصَرٍ فَالْمُتَّصِفُ بِهَا سَمِيعٌ وَبَصِيرٌ. وَكَذَلِكَ إِنْ حَصَلَتْ مِنْ عِلْمٍ أَوْ عَلَامَةٍ فَهُوَ الْعِلْمُ وَالْمُتَّصِفُ بِهِ الْعَالِمُ وَالْعَلِيمُ، وَإِنْ حَصَلَتْ عَنِ اسْتِكْشَافِ ظَاهِرِ الْمَخْبُورِ عَنْ بَاطِنِهِ بِبَلْوَى أَوِ امْتِحَانٍ أَوْ تَجْرِبَةٍ أَوْ تَبْلِيغٍ فَهُوَ الْخَبَرُ. وَالْمُسَمَّى بِهِ الْخَبِيرُ» اه. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي «الْمَقْصِدِ الْأَسْنَى» : «الْعِلْمُ إِذَا أُضِيفَ إِلَى الْخَفَايَا الْبَاطِنَةِ سُمِّيَ خِبْرَةً وَسُمِّيَ صَاحِبُهَا خَبِيرًا اه» . فَيَتَّضِحُ أَنَّ اتِّبَاعَ وَصْفِ الْعَلِيمُ بِوَصْفِ الْخَبِيرُ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ عَلِمَ دَخِيلَةَ الْمُخَاطَبَةِ وَمَا قَصَدَتْهُ مِنْ إِفْشَاءِ السِّرِّ لِلْأُخْرَى.

стр. 9961

وَقَدْ حَصَلَ مِنْ هَذَا الْجَوَابِ تَعْلِيمُهَا بِأَنَّ الله يطلع رَسُول ﷺ عَلَى مَا غَابَ إِنْ شَاءَ قَالَ تَعَالَى: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [الْجِنّ: ٢٦، ٢٧] وَتَنْبِيهًا عَلَى مَا أَبْطَنَتْهُ مِنَ الْأَمْرِ. وَهُوَ الْأَدَب السَّابِع من آدَابِ هَذِهِ الْآيَاتِ. وَاعْلَمْ أَنَّ نَبَّأَ وَأَنْبَأَ مُتَرَادِفَانِ وَهُمَا بِمَعْنَى أَخْبَرَ وَأَنَّ حَقَّهُمَا التَّعْدِيَةُ إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ لِأَجْلِ مَا فِيهِمَا مِنْ هَمْزَةِ تَعْدِيَةٍ أَوْ تَضْعِيفٍ. وَإِنْ كَانَ لَمْ يُسْمَعْ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ لَهُمَا وَهُوَ مِمَّا أُمِيتَ فِي كَلَامِهِمُ اسْتِغْنَاءً بِفِعْلِ عَلِمَ. وَالْأَكْثَرُ أَنْ يَتَعَدَّيَا إِلَى مَا زَادَ عَلَى الْمَفْعُولِ بِحَرْفِ جَرٍّ نَحْوَ: نَبَّأَتُ بِهِ. وَقَدْ يُحْذَفُ حَرْفُ الْجَرِّ فَيُعَدَّيَانِ إِلَى مَفْعُولَيْنِ، كَقَوْلِهِ هُنَا: مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا أَيْ بِهَذَا، وَقَوْلِ الْفَرَزْدَقِ: نُبِّئْتُ عَبْدَ اللَّهِ بِالْجَوِّ أَصْبَحَتْ ... كِرَامًا مَوَالِيهَا لِآمًا مَا صَمِيمُهَا حَمَلَهُ سِيبَوَيْهِ عَلَى حَذْفِ الْحَرْفِ. وَقَدْ يُضَمَّنَانِ مَعْنَى: اعْلَمْ، فَيُعَدَّيَانِ إِلَى ثَلَاثَةِ مَفَاعِيلَ كَقَوْلِ النَّابِغَةِ: نَبِئْتُ زُرْعَةَ وَالسَّفَاهَةُ كَاسْمِهَا ... يُهْدِي إِلَيَّ غَرَائِبَ الْأَشْعَارِ وَلِكَثْرَةِ هَذَا الِاسْتِعْمَالِ ظُنَّ أَنَّهُ مَعْنًى لَهُمَا وَأُغْفِلَ التَّضْمِينُ فَنُسِبَ إِلْحَاقُهُمَا بِ (اعْلَمْ) إِلَى سِيبَوَيْهِ وَالْفَارِسِيِّ وَالْجُرْجَانِيِّ وَأَلْحَقَ الْفَرَّاءُ خَبَّرَ وَأَخْبَرَ، وَأَلْحَقَ الْكُوفِيُّونَ حدّث. قَالَ زَكَرِيَّا الْأَنْصَارِيُّ: لَمْ تُسْمَعْ تَعْدِيَتُهَا إِلَى ثَلَاثَةٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إِلَّا إِذَا كَانَتْ مَبْنِيَّةً إِلَى الْمَجْهُولِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ عَرَّفَ بِالتَّشْدِيدِ. وَقَرَأَهُ الْكِسَائِيُّ عَرَفَ بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ، أَيْ عَلِمَ بَعْضَهُ وَذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنِ الْمُجَازَاةِ، أَيْ جَازَى عَنْ بَعْضِهِ الَّتِي أَفْشَتْهُ بِاللَّوْمِ أَوْ بِالطَّلَاقِ عَلَى رِوَايَةِ أَنَّ رَسُول الله ﷺ طَلَّقَ حَفْصَةَ وَلَمْ يَصِحَّ وَقَدْ يُكَنَّى عَنِ التَّوَعُّدِ بِفِعْلِ الْعِلْمِ. وَنَحْوِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ [النِّسَاء: ٦٣] . وَقَوْلُ الْعَرَبِ لِلْمُسِيءِ: لَأَعْرِفَنَّ لَكَ هَذَا. وَقَوْلُكَ: لَقَدْ عَرَفْتُ مَا صنعت.

стр. 9962

[سُورَة التَّحْرِيم (٦٦) : آيَة ٤] إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (٤) الْتِفَاتٌ مِنْ ذِكْرِ الْقِصَّتَيْنِ إِلَى مَوْعِظَةِ مَنْ تَعَلَّقَتْ بِهِمَا فَهُوَ اسْتِئْنَافُ خِطَابٍ وَجَّهَهُ اللَّهُ إِلَى حَفْصَةَ وَعَائِشَةَ لِأَنَّ إنباء النبيء ﷺ بِعِلْمِهِ بِمَا أَفْشَتْهُ الْقَصْدُ مِنْهُ الْمَوْعِظَةُ وَالتَّحْذِيرُ وَالْإِرْشَادُ إِلَى رَأْبِ مَا انْثَلَمَ مِنْ وَاجِبِهَا نَحْوَ زَوْجِهَا. وَإِذْ قَدْ كَانَ ذَلِكَ إِثْمًا لِأَنَّهَ إِضَاعَةٌ لِحُقُوقِ الزَّوْجِ وَخَاصَّةٌ بِإِفْشَاءِ سِرِّهِ ذَكَّرَهَا بِوَاجِبِ التَّوْبَةِ مِنْهُ. وخطاب التّثنية عَائِدَة إِلَى الْمُنَبِّئَةِ وَالْمُنَبَّأَةِ فَأَمَّا الْمُنَبِّئَةُ فَمَعَادُهَا مَذْكُورٌ فِي الْكَلَامِ بِقَوْلِهِ: إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ [التَّحْرِيم: ٣] . وَأَمَّا الْمُنَبَّأَةُ فَمَعَادُهَا ضِمْنِيٌّ لِأَنَّ فعل نَبَّأَتْ [التَّحْرِيم: ٣] يَقْتَضِيهِ فَأَمَّا الْمُنَبِّئَةُ فَأَمْرُهَا بِالتَّوْبَةِ ظَاهِرٌ. وَأَمَّا الْمُذَاعُ إِلَيْهَا فَلِأَنَّهَا شَرِيكَةٌ لَهَا فِي تَلَقِّي الْخَبَرِ السِّرِّ وَلِأَنَّ الْمُذِيعَةَ مَا أَذَاعَتْ بِهِ إِلَيْهَا إِلَّا لِعِلْمِهَا بِأَنَّهَا تَرْغَبُ فِي تَطَلُّعٍ مِثْلِ ذَلِكَ فَهَاتَانِ مَوْعِظَتَانِ لِمُذِيعِ السِّرِّ وَمُشَارَكَةِ الْمُذَاعِ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَكَانَ عَلَيْهَا أَنْ تَنْهَاهَا عَنْ ذَلِكَ أَوْ أَنْ تُخْبِرَ زَوْجَهَا بِمَا أَذَاعَتْهُ عَنْهُ ضُرَّتُهَا. وصَغَتْ: مَالَتْ، أَيْ مَالَتْ إِلَى الْخَيْرِ وَحَقِّ الْمُعَاشَرَةِ مَعَ الزَّوْجِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ سَمَاعُ الْكَلَامِ إِصْغَاءً لِأَنَّ الْمُسْتَمِعُ يَمِيلُ سَمْعُهُ إِلَى مَنْ يُكَلِّمُهُ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [١١٣] . وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ فِيمَا فَعَلَتَاهُ انْحِرَافًا عَنْ أَدَبِ الْمُعَاشَرَةِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَأَنْ عَلَيْهِمَا أَنْ تَتُوبَا مِمَّا صَنَعَتَاهُ لِيَقَعَ بِذَلِكَ صَلَاحُ مَا فَسَدَ مِنْ قُلُوبِهِمَا. وَهَذَانِ الْأَدَبَانِ الثَّامِنُ وَالتَّاسِعُ مِنَ الْآدَابِ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهَا هَذِهِ الْآيَاتُ. وَالتَّوْبَةُ: النَّدَمُ عَلَى الذَّنْبِ، وَالْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدَةِ إِلَيْهِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ. وَإِذْ كَانَ الْمُخَاطَبُ مُثَنَّى كَانَتْ صِيغَةُ الْجَمْعِ فِي (قُلُوبٍ) مُسْتَعْمَلَةً فِي الِاثْنَيْنِ طَلَبًا لِخِفَّةِ اللَّفْظِ عِنْدَ إِضَافَتِهِ إِلَى ضَمِيرِ الْمُثَنَّى كَرَاهِيَةَ اجْتِمَاعِ مُثَنَّيَيْنِ فَإِنَّ صِيغَةَ التَّثْنِيَةِ ثَقِيلَةٌ لِقَلَّةِ دَوَرَانِهَا فِي الْكَلَامِ. فَلَمَّا أُمِنَ اللَّبْسُ سَاغَ التَّعْبِيرَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ عَنِ التَّثْنِيَةِ.

стр. 9963

وَهَذَا اسْتِعْمَالٌ لِلْعَرَبِ غَيْرُ جَارٍ عَلَى الْقِيَاسِ. وَذَلِكَ فِي كُلِّ اسْمٍ مُثَنَّى أُضِيفَ إِلَى اسْمٍ مُثَنَّى فَإِنَّ الْمُضَافَ يَصِيرُ جَمْعًا كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَقَوْلُ خِطَامِ الْمُجَاشِعِيِّ: وَمَهْمَهَيْنِ قَذَفَيْنِ مَرْتَيْنْ ... ظَهْرَاهُمَا مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْنْ وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ وَأَفْصَحُهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُعَبِّرُوا بِلَفْظِ الْجَمْعِ مُضَافًا إِلَى اسْمِ الْمُثَنَّى لِأَنَّ صِيغَةَ الْجَمْعِ قَدْ تُطْلَقُ عَلَى الِاثْنَيْنِ فِي الْكَلَامِ فَهُمَا يَتَعَاوَرَانِ. وَيَقِلُّ أَنْ يُؤْتَى بِلَفْظِ الْمُفْرَدِ مُضَافًا إِلَى الِاسْمِ الْمُثَنَّى. وَقَالَ ابْنُ عُصْفُورٍ: هُوَ مَقْصُورٌ عَلَى السَّمَاعِ. وَذَكَرَ لَهُ أَبُو حَيَّانَ شَاهِدًا قَوْلَ الشَّاعِرِ: حَمَامَةَ بَطْنِ الْوَادِيَيْنِ تَرَنَّمِي ... سَقَاكِ مِنَ الْغُرِّ الْغَوَادِي مَطِيرُهَا وَفِي «التَّسْهِيلِ» : تَرْجِيحُ التَّعْبِيرِ عَنِ الْمُثَنَّى الْمُضَافِ إِلَى مُثَنَّى بِاسْمٍ مُفْرَدٍ، عَلَى التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِلَفْظِ الْمُثَنَّى. وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ فِي «الْبَحْرِ الْمُحِيطِ» : إِنَّ ابْنَ مَالِكٍ غَلَطَ فِي ذَلِكَ. قُلْتُ: وَزَعْمَ الْجَاحِظُ فِي كِتَابِ «الْبَيَانِ وَالتَّبْيِينِ» ، أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: اشْتَرِ رَأْسَ كَبْشَيْنِ يُرِيدُ رَأْسَيْ كَبْشَيْنِ خَطَأٌ. قَالَ: لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ اه. وَذَلِكَ يُؤَيِّدُ قَوْلَ ابْنِ عُصْفُورٍ بِأَنَّ التَّعْبِيرَ عَنِ الْمُضَافِ الْمُثَنَّى بِلَفْظِ الْإِفْرَادِ مَقْصُورٌ عَلَى السَّمَاعِ، أَيْ فَلَا يُصَارُ إِلَيْهِ. وَقَيَّدَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي «الْمُفَصَّلِ» هَذَا التَّعْبِيرَ بِقَيْدِ أَنْ لَا يَكُونَ اللَّفْظَانِ مُتَّصِلَيْنِ. فَقَالَ: «وَيُجْعَلُ الِاثْنَانِ عَلَى لَفْظِ جَمْعٍ إِذَا كَانَا مُتَّصِلَيْنِ كَقَوْلِهِ: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَلَمْ يَقُولُوا فِي الْمُنْفَصِلَيْنِ: أَفَرَاسُهُمَا وَلَا غِلْمَانُهُمَا. وَقَدْ جَاءَ وَضَعَا رِحَالَهُمَا» . فَخَالَفَ إِطْلَاقَ ابْنِ مَالِكٍ فِي «التَّسْهِيلِ» وَطَرِيقَةُ صَاحِبِ «الْمُفَصَّلِ» أَظْهَرُ. وَقَوْلُهُ: وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ هُوَ ضِدُّ إِنْ تَتُوبا أَيْ وَإِنْ تُصِرَّا عَلَى الْعَوْدِ إِلَى تَأَلُّبِكُمَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ مَوْلَاهُ إِلَخْ. وَالْمُظَاهَرَةُ: التَّعَاوُنُ، يُقَالُ: ظَاهَرَهُ، أَيْ أَيَّدَهُ وَأَعَانَهُ. قَالَ تَعَالَى: وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ [٤] . وَلَعَلَّ أَفْعَالَ الْمُظَاهِرِ وَوَصْفَ ظَهِيرٍ كُلَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنَ الِاسْمِ الْجَامِدِ، وَهُوَ الظَّهْرُ لِأَنَّ الْمُعِينَ وَالْمُؤَيِّدَ كَأَنَّهُ يَشُدُّ ظَهْرَ مَنْ يُعِينُهُ وَلِذَلِكَ لَمْ يُسْمَعْ لِهَذِهِ الْأَفْعَالِ الْفَرْعِيَّةِ وَالْأَوْصَافِ الْمُتَفَرِّعَةِ عَنْهَا فِعْلٌ مُجَرَّدٌ. وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا فِعْلُ عَضَدَ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: شَدَّ عَضُدَهُ.

стр. 9964

وَأَصْلُ تَظاهَرا تَتَظَاهَرَا فَقُلِبَتِ التَّاءُ ظَاءً لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهَا وَأُدْغِمَتْ فِي ظَاءِ الْكَلِمَةِ وَهِيَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ. وَقَرَأَهُ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ تَظاهَرا بِتَخْفِيفِ الظَّاءِ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ لِلتَّخْفِيفِ. وَصالِحُ مُفْرَدٌ أُرِيدَ بِهِ مَعْنَى الْفَرِيقِ الصَّالِحِ أَوِ الْجِنْسِ الصَّالِحِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ [الْحَدِيد: ٢٦] . وَالْمُرَادُ بِ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُؤْمِنُونَ الْخَالِصُونَ مِنَ النِّفَاقِ وَالتَّرَدُّدِ. وَجُمْلَةُ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ قَائِمَةٌ مِنْ مَقَامِ جَوَابِ الشَّرْطِ مَعْنَى لِأَنَّهَا تُفِيدُ معنى يتولّى جَزَاء كَمَا عَلَى الْمُظَاهَرَةِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَاهُ. وَفِي هَذَا الْحَذْفِ مَجَالٌ تَذْهَبُ فِيهِ نَفْسُ السَّامِعِ كُلَّ مَذْهَبٍ مِنَ التَّهْوِيلِ. وَضَمِيرُ الْفَصْلِ فِي قَوْلِهِ: هُوَ مَوْلاهُ يُفِيدُ الْقَصْرَ عَلَى تَقْدِيرِ حُصُولِ الشَّرْطِ، أَيْ إِنْ تَظَاهَرَتُمَا مُتَنَاصِرَتَيْنِ عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ نَاصِرُهُ لَا أَنْتُمَا، أَيْ وَبَطُلَ نَصْرُكُمَا الَّذِي هُوَ وَاجِبُكُمَا إِذْ أَخْلَلْتُمَا بِهِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ. وَفِي هَذَا تَعْرِيفٌ بِأَنَّ اللَّهَ نَاصِر رَسُوله ﷺ لِئَلَّا يَقَعَ أَحَدٌ مِنْ بعد فِي محاولة التَّقْصِيرِ مِنْ نَصْرِهِ. فَهَذَا الْمَعْنَى الْعَاشِرُ مِنْ مَعَانِي الْمَوْعِظَةِ وَالتَّأْدِيبِ الَّتِي فِي هَذِهِ الْآيَاتِ. وَعَطْفُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ فِي هَذَا الْمَعْنَى تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ رَسُولِ الْوَحْيِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَشَأْنِ الْمُؤْمِنِينَ الصَّالِحِينَ. وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأَنَّهُمَا تَكُونَانِ (عَلَى تَقْدِيرِ حُصُولِ هَذَا الشَّرْطِ) مِنْ غَيْرِ الصَّالِحِينَ. وَهَذَانِ التَّنْوِيهَانِ هُمَا الْمَعْنَيَانِ الْحَادِيَ عَشَرَ وَالثَّانِيَ عَشَرَ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي سَبَقَتْ إِشَارَتِي إِلَيْهَا. وَقَوْلُهُ: وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ عَطْفُ جُمْلَةٍ عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ تَعْظِيمُ هَذَا النَّصْرِ بِوَفْرَةِ النَّاصِرِينَ تَنْوِيهًا بِمَحَبَّةِ أَهْلِ السَّمَاء للنبيء ﷺ وَحُسْنِ ذِكْرِهِ بَيْنَهُمْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُزِيدُ نَصْرَ اللَّهِ إِيَّاهُ شَأْنًا. وَفِي الْحَدِيثِ «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ إِنِّي قَدْ أَحْبَبْتُ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ» .

стр. 9965

فَالْمُرَادُ بِأَهْلِ الْأَرْضِ فِيهِ الْمُؤْمِنُونَ الصَّالِحُونَ مِنْهُمْ لِأَنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ يُحِبُّهُ لِصَلَاحِهِ وَالصَّالِحُ لَا يُحِبُّهُ أَهْلُ الْفَسَادِ وَالضَّلَالِ. فَهَذِهِ الْآيَةُ تَفْسِيرُهَا ذَلِكَ الْحَدِيثُ. وَهَذَا الْمَعْنَى الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ مَعَانِي التَّعْلِيمِ الَّتِي حَوَتْهَا الْآيَاتُ. وَقَوْلُهُ: بَعْدَ ذلِكَ اسْمُ الْإِشَارَةِ فِيهِ لِلْمَذْكُورِ، أَيْ بَعْدَ نَصْرِ اللَّهِ وَجِبْرِيلَ وَصَالِحِ الْمُؤْمِنِينَ. وَكَلِمَةُ بَعْدَ هُنَا بِمَعْنَى (مَعَ) فَالْبَعْدِيَّةُ هُنَا بَعْدِيَّةٌ فِي الذِّكْرِ كَقَوْلِهِ: عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ [الْقَلَم: ١٣] . وَفَائِدَةُ ذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ بَعْدَ ذِكْرِ تَأْيِيدِ اللَّهِ وَجِبْرِيلَ وَصَالِحِ وَالْمُؤمنِينَ أَنَّ الْمَذْكُورين قبلهم ظَاهره آثَارُ تَأْيِيدِهِمْ بِوَحْي الله للنَّبِي ﷺ بِوَاسِطَةِ جِبْرِيلَ وَنَصْرُهُ إِيَّاهُ بِوَاسِطَةِ الْمُؤْمِنِينَ فَنَبَّهَ اللَّهُ الْمَرْأَتَيْنِ عَلَى تَأْيِيدٍ آخَرَ غَيْرِ ظَاهِرَةٍ آثَارُهُ وَهُوَ تَأْيِيدُ الْمَلَائِكَةِ بِالنَّصْرِ فِي يَوْمِ بَدْرٍ وَغَيْرُ النَّصْرِ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ فِي السَّمَاوَاتِ، فَلَا يَتَوَهَّمُ أَحَدٌ أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي تَفْضِيلَ نُصْرَةِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى نُصْرَةِ جِبْرِيلَ بَلْهَ نُصْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وظَهِيرٌ وَصْفٌ بِمَعْنَى الْمُظَاهِرِ، أَيِ الْمُؤَيِّدِ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الظَّهْرِ، فَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مُفَاعِلٍ مِثْلَ حَكِيمٍ بِمَعْنَى مُحْكِمٍ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ، وَفَعِيلٌ الَّذِي لَيْسَ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ أَصْلُهُ أَنْ يُطَابِقَ مَوْصُوفَهُ فِي الْإِيرَادِ وَغَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ هُنَا خَبَرًا عَنِ الْمَلَائِكَةِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ كَانَ إِفْرَادُهُ عَلَى تَأْوِيلِ جَمْعِ الْمَلَائِكَةِ بِمَعْنَى الْفَوْجِ الْمُظَاهِرِ أَوْ هُوَ مِنْ إِجْرَاءِ فَعِيلٍ الَّذِي بِمَعْنَى فَاعِلٍ مَجْرَى فَعِيلٍ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الْأَعْرَاف: ٥٦] ، وَقَوْلِهِ: وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً [الْفرْقَان: ٥٥] وَقَوْلِهِ: وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [النِّسَاء: ٦٩] ، وَإِنْ كَانَ خَبَرًا عَنْ جِبْرِيلَ كَانَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ عَطْفًا عَلَى جِبْرِيلَ وَكَانَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذلِكَ حَالًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ أَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ [التَّحْرِيم: ٣] وَبَيْنَ وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ وَبَيْنَ ظَهِيرٌ تجنيسات. [٥] [سُورَة التَّحْرِيم (٦٦) : آيَة ٥] عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً

стр. 9966

(٥) لَيْسَ هَذَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ [التَّحْرِيم: ٤] بَلْ هُوَ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ عُدِلَ بِهِ إِلَى تَذْكِيرِ جَمِيعِ أَزْوَاجِهِ بِالْحَذَرِ مِنْ أَنْ يَضِيقَ صَدْرُهُ عَنْ تَحَمُّلِ أَمْثَالِ هَذَا الصَّنِيعِ فَيُفَارِقَهُنَّ لِتُقْلِعَ الْمُتَلَبِّسَةُ وَتُحَذَّرَ غَيْرُهَا مِنْ مِثْلِ فِعْلِهَا. فَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا عُقِّبَتْ بِهَا جُمْلَةُ إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [التَّحْرِيم: ٤] الَّتِي أَفَادَتِ التَّحْذِيرَ مِنْ عِقَابٍ فِي الْآخِرَةِ إِنْ لَمْ تَتُوبَا مِمَّا جَرَى مِنْهُمَا فِي شَأْنِ رَسُول الله ﷺ ، أَفَادَ هَذَا الْإِيمَاءُ إِلَى التَّحْذِيرِ مِنْ عُقُوبَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ لَهُنَّ يَأْمُرُ اللَّهُ فِيهَا نبيئه ﷺ وَهِيَ عُقُوبَةُ الطَّلَاقِ عَلَيْهِ مَا يَحْصُلُ مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْآخِرَةِ إِنْ لَمْ تَتُوبَا، وَلِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنِ الَّتِي قَبْلَهَا لِاخْتِلَافِ الْغَرَضَيْنِ. وَفِي قَوْلِهِ: عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ إِيجَازٌ بِحَذْفِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إِبْدَالُهُنَّ مِنْ تَقْدِيرِ إِنْ فَارَقَكُنَّ. فَالتَّقْدِيرُ: عَسَى أَنْ يُطَلِّقَكُنَّ هُوَ (وَإِنَّمَا يُطَلِّقُ بِإِذْنِ رَبِّهِ) أَنْ يُبْدِلَهُ رَبُّهُ بِأَزْوَاجٍ خَيْرٍ مِنْكُنَّ. وَفِي هَذَا مَا يُشِيرُ إِلَى الْمَعْنَى الرَّابِعَ عَشَرَ وَالْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ مَعَانِي الْمَوْعِظَةِ وَالْإِرْشَادِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا آنِفًا. وعَسى هُنَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِي التَّحْقِيقِ وَإِيثَارُهَا هُنَا لِأَنَّ هَذَا التَّبْدِيلَ مُجَرَّدُ فَرْضٍ وَلَيْسَ بِالْوَاقِعِ لِأَنَّهُنَّ لَا يُظَنُّ بِهِنَّ عَدَمَ الْإِرْعُواءِ عَمَّا حُذِّرْنَ مِنْهُ، وَفِي قَوْلِهِ: خَيْراً مِنْكُنَّ تَذْكِيرٌ لَهُنَّ بِأَنَّهُنَّ مَا اكْتَسَبْنَ التَّفْضِيلَ عَلَى النِّسَاءِ إِلَّا مِنْ فَضْلِ زَوْجِهِنَّ عِنْدَ اللَّهِ وَإِجْرَاءُ الْأَوْصَافِ الْمُفَصَّلَةِ بَعْدَ الْوَصْفِ الْمُجْمَلِ وَهُوَ خَيْراً مِنْكُنَّ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ أُصُولَ التَّفْضِيلِ مَوْجُودَة فِيهِنَّ فيكمل اللاء يتزوجهن النبيء ﷺ فَضْلٌ عَلَى بَقِيَّةِ النِّسَاءِ بِأَنَّهُنَّ صِرْنَ أَزْوَاجًا للنبيء ﷺ . وَهَذِهِ الْآيَةُ إِلَى قَوْلِهِ: خَيْراً مِنْكُنَّ نَزَلَتْ مُوَافِقَةً لِقَوْلِ عُمَرَ لِابْنَتِهِ حَفْصَةَ ﵄ مِثْلَ هَذَا اللَّفْظِ وَهَذَا مِنَ الْقُرْآنِ الَّذِي نَزَلَ وِفَاقًا لِقَوْلِ عُمَرَ أَوْ رَأْيِهِ تَنْوِيهًا بِفَضْلِهِ. وَقَدْ وَرَدَتْ فِي حَدِيثٍ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ «عَنْ عُمَرَ قَالَ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، فَنَزَلَتْ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [الْبَقَرَة: ١٢٥] ، وَقُلْتُ: «يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْحِجَابِ. وَبَلَغَنِي مُعَاتَبَةُ النَّبِيءِ بَعْضَ نِسَائِهِ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ فَقُلْتُ: إِنِ انْتَهَيْتُنَّ أَوْ لِيُبَدِّلَنَّ اللَّهُ

стр. 9967

رَسُولَهُ خَيْرًا مِنْكُنَّ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ الْآيَةَ. وَهِيَ مَوْعِظَةٌ بِأَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لَهُ بِطَلَاقِهِنَّ وَأَنَّهُ تَصِيرُ لَهُ أَزْوَاجٌ خَيْرٌ مِنْهُنَّ. وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى الْمَعْنَى السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ مَوَاعِظِ هَذِهِ الْآيِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ أَنْ يُبْدِلَهُ بِتَشْدِيدِ الدَّالِّ مُضَارِعِ بَدَّلَ. وَقَرَأَهُ يَعْقُوبُ بِتَخْفِيفٍ مُضَارِعِ أَبْدَلَ. وَالْمُسْلِمَاتُ: الْمُتَّصِفَاتُ بِالْإِسْلَامِ. وَالْمُؤْمِنَاتُ: الْمُصَدِّقَاتُ فِي نُفُوسِهِنَّ. وَالْقَانِتَاتُ: الْقَائِمَاتُ بِالطَّاعَةِ أَحْسَنَ قِيَامٍ. وَتَقَدَّمَ الْقُنُوتُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٣٨] . وَقَوْلُهُ: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ [٣١] . وَفِي هَذَا الْوَصْفِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُنَّ مُطِيعَاتٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فَفِيهِ تَعْرِيضٌ لِمَا وَقَعَ مِنْ تَقْصِيرِ إِحْدَاهُنَّ فِي ذَلِكَ فَعَاتَبَهَا اللَّهُ وَأَيْقَظَهَا لِلتَّوْبَةِ. وَالتَّائِبَاتُ: الْمُقْلِعَاتُ عَنِ الذَّنْبِ إِذَا وَقَعْنَ فِيهِ. وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِإِعَادَةِ التَّحْرِيضِ عَلَى التَّوْبَةِ مِنْ ذَنْبِهِمَا الَّتِي أُمِرَتَا بِهَا بِقَوْلِهِ: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ [التَّحْرِيم: ٤] . وَالْعَابِدَاتُ: الْمُقْبِلَاتُ عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَهَذِهِ الصِّفَاتُ تُفِيدُ الْإِشَارَةَ إِلَى فَضْلِ هَذِهِ التَّقْوَى وَهُوَ الْمَعْنَى السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ مَعَانِي الْعِبْرَةِ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ. وَالسَّائِحَاتُ: الْمُهَاجِرَاتُ وَإِنَّمَا ذُكِرَ هَذَا الْوَصْفُ لِتَنْبِيهِهِنَّ عَلَى أَنَّهُنَّ إِنْ كُنَّ يَمْتُنَّ بِالْهِجْرَةِ فَإِنَّ الْمُهَاجِرَاتِ غَيْرَهُنَّ كَثِيرٌ، وَالْمُهَاجِرَاتُ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِنَّ، وَهَذِهِ الصِّفَةُ تُشِيرُ إِلَى الْمَعْنَى الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ مَعَانِي الِاعْتِبَارِ فِي هَذِهِ الْآيِ. وَهَذِهِ الصِّفَاتُ انْتَصَبَتْ عَلَى أَنَّهَا نُعُوتٌ لِ أَزْواجاً، وَلَمْ يُعْطَفْ بَعْضُهَا على بعض الْوَاو، لِأَجْلِ التَّنْصِيصِ عَلَى ثُبُوتِ جَمِيعِ تِلْكَ الصِّفَاتِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَلَوْ عُطِفَتْ بِالْوَاوِ لِاحْتِمَلِ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ لِلتَّقْسِيمِ، أَيْ تَقْسِيمِ الْأَزْوَاجِ إِلَى مَنْ يَثْبُتُ لَهُنَّ بَعْضُ تِلْكَ الصِّفَاتِ دُونَ بَعْضٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا أُرِيدَتْ إِفَادَةُ ثُبُوتِ إِحْدَى صِفَتَيْنِ دُونَ أُخْرَى مِنَ النَّعْتَيْنِ الْوَاقِعَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ كَيْفَ عُطِفَ بِالْوَاوِ قَوْلُهُ:

стр. 9968

وَأَبْكاراً لِأَنَّ الثَّيِّبَاتِ لَا يُوصَفْنَ بِأَبْكَارٍ. وَالْأَبْكَارُ لَا يُوصَفْنَ بِالثَّيِّبَاتِ. قُلْتُ وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مُسْلِماتٍ، إِلَى قَوْلِهِ: سائِحاتٍ مُحَسِّنُ الْكَلَامِ الْمُتَّزِنِ إِذْ يَلْتَئِمُ مِنْ ذَلِكَ بَيْتٌ مِنْ بَحْرِ الرَّمَلِ التَّامِّ: فَاعِلَتُنْ فَاعِلَتُنْ فَاعِلَتُنْ ... فَاعِلَاتُنْ فَاعِلَاتُنْ فَاعِلَتُنْ وَوَجْهُ هَذَا التَّفْصِيلِ فِي الزَّوْجَاتِ الْمُقَدَّرَاتِ لِأَنَّ كِلْتَا الصِّفَتَيْنِ مَحَاسِنُهَا عِنْدَ الرِّجَالِ فَالثَّيِّبُ أَرْعَى لِوَاجِبَاتِ الزَّوْجِ وَأَمْيَلُ مَعَ أَهْوَائِهِ وَأَقْوَمُ عَلَى بَيْتِهِ وَأَحْسَنُ لِعَابًا وَأَبْهَى زِينَةً وَأَحْلَى غَنْجًا. وَالْبِكْرُ أَشَدُّ حَيَاءً وَأَكْثَرَ غِرَارَةً وَدَلَّا وَفِي ذَلِكَ مَجْلَبَةٌ لِلنَّفْسِ، وَالْبِكْرُ لَا تَعْرِفُ رَجُلًا قَبْلَ زَوْجِهَا فَفِي نُفُوسِ الرِّجَالِ خَلْقٌ مِنَ التَّنَافُسِ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهَا غَيْرُهُمْ. فَمَا اعْتَزَّتْ وَاحِدَةٌ مِنْ أَزوَاج النبيء ﷺ بِمَزِيَّةٍ إِلَّا وَقَدْ أَنْبَأَهَا اللَّهُ بِأَنْ سَيُبْدِلَهُ خَيْرًا مِنْهَا فِي تِلْكَ الْمَزِيَّةِ أَيْضًا. وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى التَّاسِعَ عَشَرَ مِنْ مَعَانِيَ الْمَوْعِظَةِ وَالتَّأْدِيبِ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ. وَتَقْدِيمُ وَصْفِ ثَيِّباتٍ لِأَنَّ أَكْثَرَ أَزوَاج النبيء ﷺ لَمَّا تَزَوَّجْهُنَّ كُنَّ ثَيِّبَاتٍ. وَلَعَلَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَلَامَ الْأَشَدَّ مُوَجَّهٌ إِلَى حَفْصَةَ قَبْلَ عَائِشَةَ وَكَانَتْ حَفْصَةُ مِمَّنْ تَزَوَّجَهُنَّ ثَيِّبَاتٍ وَعَائِشَةُ هِيَ الَّتِي تَزَوَّجَهَا بِكْرًا. وَهَذَا التَّعْرِيضُ أُسْلُوبٌ مِنْ أَسَالِيبِ التَّأْدِيبِ كَمَا قِيلَ: «الْحُرُّ تَكْفِيهِ الْإِشَارَةُ» . وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الْعِشْرُونَ مِنْ مَغْزَى آدَابِ هَذِهِ الْآيَاتِ. وَمِنْ غرائب الْمسَائِل الأديبة الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً زَعَمَهَا ابْنُ خَالَوِيهِ (١) وَاوًا لَهَا اسْتِعْمَالٌ خَاصٌّ وَلَقَّبَهَا بِوَاوِ الثَّمَانِيَةِ (بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَتَخْفِيفِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَ النُّونِ) وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ ذَكَرُوا مِنْهُمُ الْحَرِيرِيُّ وَالثَّعْلَبِيُّ

стр. 9969

النَّيْسَابُورِيُّ الْمُفَسِّرُ وَالْقَاضِي الْفَاضِلُ. أَنَّهُمُ اسْتَخْرَجُوا مِنَ الْقُرْآنِ أَنَّ مَا فِيهِ مَعْنَى عَدَدِ ثَمَانِيَةٍ تَدْخُلُ عَلَيْهِ وَاوٌ وَيَظْهَرُ مِنَ الْأَمْثِلَةِ الَّتِي مَثَّلُوا بِهَا أَنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ مَا دَلَّ عَلَى أَمْرٍ مَعْدُودٍ بِعَدَدٍ كَمَا فِيهِ سَوَاءً كَانَ وَصْفًا مُشْتَقًّا مِنْ عَدَدِ ثَمَانِيَةٍ أَوْ كَانَ ذَاتًا ثَامِنَةً أَوْ كَانَ يَشْتَمِلُ عَلَى ثَمَانِيَةٍ سَوَاء كَانَ ذَلِك مُفْرَدًا أَوْ كَانَ جُمْلَةً. فَقَدْ مَثَّلُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ [١١٢] : التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ. قَالُوا لَمْ يُعْطَفِ الصِّفَاتُ الْمَسْرُودَةُ بِالْوَاوِ إِلَّا عِنْدَ الْبُلُوغِ إِلَى الصِّفَةِ الثَّامِنَةِ وَهِيَ النَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ. وَجَعَلُوا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ آيَةَ سُورَةِ التَّحْرِيمِ إِذْ لَمْ يُعْطَفْ مِنَ الصِّفَاتِ الْمَبْدُوءَةِ بِقَوْلِهِ: مُسْلِماتٍ إِلَّا الثَّامِنَةُ وَهِيَ وَأَبْكاراً ومثلوا لما وصف فِيهِ بِوَصْفٍ ثَامِنٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ [٢٢] . فَلَمْ يُعْطَفْ رابِعُهُمْ وَلَا سادِسُهُمْ وَعُطِفَتِ الْجُمْلَةُ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا وَصْفُ الثَّامِنِ بِوَاوِ عَطْفِ الْجُمَلِ. وَمَثَّلُوا لِمَا فِيهِ كَلِمَةُ ثَمَانِيَةٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فِي سُورَةِ الْحَاقَّةِ [٧] . وَمَثَّلُوا لِمَا يَشْتَمِلُ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَسْمَاءٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الزُّمَرِ [٧٣] : وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها قَالُوا جَاءَتْ جُمْلَةُ وَفُتِحَتْ هَذِهِ بِالْوَاو وَلم تجىء أُخْتُهَا الْمَذْكُورَةُ قَبْلَهَا وَهِيَ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها [الزمر: ٧١] . لِأَنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةٌ. وَتَرَدَّدَتْ كَلِمَاتُهُمْ فِي أَنَّ هَذِهِ الْوَاوَ مِنْ صِنْفِ الْوَاوِ الْعَاطِفَةِ يَمْتَازُ عَنِ الصِّنْفِ الْآخَرِ يَلْزَمُ ذِكْرُهُ إِذَا كَانَ فِي الْمَعْطُوفِ مَعْنَى الثَّامِنِ أَوْ مِنْ صَنْفِ الْوَاوِ الزَّائِدَةِ. وَذَكَرَ الدَّمَامِينِيُّ فِي «الْحَوَاشِيَ» الْهِنْدِيَّةِ عَلَى «الْمُغْنِي» أَنَّهُ رَأَى فِي «تَفْسِيرِ الْعِمَادِ الْكِنْدِيِّ» قَاضِي الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ (الْمُتَوَفَّى فِي نَحْوِ عِشْرِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ) نِسْبَةَ الْقَوْلِ بِإِثْبَاتِ وَاوِ الثَّمَانِيَةِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ الْكَفِيفِ الْمَالِقِيِّ النَّحْوِيِّ الْغِرْنَاطِيِّ مِنْ عُلَمَاءِ غِرْنَاطَةَ فِي مُدَّةِ الْأَمِيرِ ابْنِ حَبُوسَ (بِمُوَحَدَةٍ بَعْدَ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ) هُوَ بَادِيسُ بْنُ حَبُوسَ صَاحِبُ غِرْنَاطَةَ سَنَةَ ٤٢٠. وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ فِي «الرَّوْضِ الْأَنِفِ» عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى نُزُولِ سُورَةِ الْكَهْفِ أَنَّهُ أَفْرَدَ الْكَلَامَ عَلَى الْوَاوِ الَّتِي يُسَمِّيهَا بَعْضُ النَّاسِ وَاوَ الثَّمَانِيَةِ بَابًا طَوِيلًا وَلَمْ يُبْدِ رَأْيَهُ فِي إِثْبَاتِهَا وَلَمْ أَقِفْ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَفْرَدَ فِيهِ الْكَلَامَ عَلَيْهَا. وَيَظْهَرُ أَنَّهُ غَيْرُ مُوَافِقٍ عَلَى

стр. 9970

إِثْبَاتِ هَذَا الِاسْتِعْمَالِ لَهَا. وَمن عَجِيب الصُّدَفِ مَا اتَّفَقَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْأَرْبَعِ مِنْ مُثِيرِ شُبْهَةٍ لِلَّذِينَ أَثْبَتُوا هَذَا الْمَعْنَى فِي مَعَانِي الْوَاوِ. وَمِنْ غَرِيبِ الْفِطْنَةِ تَنَبُّهُ الَّذِي أَنْبَأَ بِهَذَا. وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي «الِانْتِصَافِ» أَنَّ شَيْخَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ ذَكَرَ لَهُ أَنَّ الْقَاضِي الْفَاضِلَ عَبْدَ الرَّحِيمِ الْبَيْسَانِيَّ الْكَاتِبَ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَبْكاراً هِيَ الْوَاوُ الَّتِي سَمَّاهَا بَعْضُ ضَعَفَةِ النُّحَاةِ وَاوَ الثَّمَانِيَةِ. وَكَانَ الْفَاضِلُ يَتَبَجَّحُ بِاسْتِخْرَاجِهَا زَائِدَةً عَلَى الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ الْمَشْهُورَةِ إِلَى أَنْ ذَكَرَهُ يَوْمًا بِحَضِيرَةِ أَبِي الْجُودِ النَّحْوِيِّ الْمُقْرِي، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ وَاهِمٌ فِي عَدِّهَا مِنْ ذَلِكَ الْقَبِيلِ وَأَحَالَ الْبَيَانَ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي دُعَاءِ اللُّزُومِ إِلَى الْإِتْيَانِ بِالْوَاوِ هُنَا لِامْتِنَاعِ اجْتِمَاعِ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ فِي مَوْصُوفٍ وَاحِدٍ. فَأَنْصَفَهُ الْفَاضِلُ وَقَالَ: أَرْشَدْتَنَا يَا أَبَا الْجُودِ. قُلْتُ: وَأَرَى أَنَّ الْقَاضِيَ الْفَاضِلَ تَعَجَّلَ التَّسْلِيمَ لِأَبِي الْجُودِ إِذْ كَانَ لَهُ أَنْ يَقُولَ: إِنَّا لَمْ نَلْتَزِمْ أَنْ يَكُونَ الْمَعْدُودُ الثَّامِنُ مُسْتَقِلًّا أَوْ قَسِيمًا لِغَيْرِهِ وَإِنَّمَا تَتَبَّعْنَا مَا فِيهِ إِشْعَارٌ بِعَدَدِ ثَمَانِيَةٍ. وَنَقَلَ الطِّيبِيُّ وَالْقَزْوِينِيُّ فِي «حَاشِيَتِي الْكَشَّافِ» أَنَّهُ رَوَى عَنْ صَاحِبِ «الْكَشَّافِ» أَنَّهُ قَالَ: الْوَاوُ تَدْخُلُ فِي الثَّامِنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ [الْكَهْف: ٢٢] ، وَقَوْلِهِ: وَفُتِحَتْ أَبْوابُها [الزمر: ٧٣] وَيُسَمُّونَهُ وَاوَ الثَّمَانِيَةِ وَهِيَ كَذَلِكَ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. قَالَ الرَّاوِي عَنْهُ وَقَدْ قَالَ لَنَا عِنْدَ قِرَاءَةِ هَذَا الْمَوْضِعِ: أَنْسَيْتُمْ وَاوَ الثَّمَانِيَةِ عِنْدَ جَوَابِي هَذَا (أَيْ يَلُومُهُمْ عَلَى إِهْمَالِهِمْ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي تِلْكَ الْآيَةِ) أَيْ هُوَ جَوَابٌ حَسَنٌ وَذَلِكَ خَطَأٌ مَحْضٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ اه. قُلْتُ: وَهَذَا يُخَالِفُ صَرِيحَ كَلَامِهِ فِي «الْكَشَّافِ» فَلَعَلَّ الرَّاوِيَ لَمْ يُحْسِنْ تَحْرِيرَ مُرَادِ صَاحِبِ «الْكَشَّافِ» ، أَوْ لَعَلَّ صَاحِبَ «الْكَشَّافِ» لَمْ يَرَ مُنَافَاةً بَيْنَ لُزُومِ ذِكْرِ الْوَاوَيْنِ اقْتِضَاءَ الْمَقَامِ ذِكْرُهَا بِأَنَّ الْمَعْطُوفَ بِهَا ثَامِنٌ فِي الذِّكْرِ فَإِنَّ النُّكَتَ لَا تَتَزَاحَمُ فَتَأَمَّلْ بِتَدْقِيقٍ. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى وَاوِ الثَّمَانِيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْآيَةُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ [١١٢] . وَعِنْدَ قَوْلِهِ: وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ [٢٢] ، وَتَقَدَّمَتْ فِي سُورَةِ الزُّمَرِ وَفِي سُورَة الحاقة.

стр. 9971

[سُورَة التَّحْرِيم (٦٦) : آيَة ٦] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦) كَانَتْ مَوْعِظَةُ نسَاء النبيء ﷺ مُنَاسِبَةً لِتَنْبِيهِ الْمُؤْمِنِينَ لِعَدَمِ الْغَفْلَةِ عَنْ مَوْعِظَةِ أَنْفُسِهِمْ وَمَوْعِظَةِ أَهْلِيهِمْ وَأَنْ لَا يَصُدَّهُمُ اسْتِبْقَاءُ الْوِدِّ بَيْنَهُمْ عَنْ إِسْدَاءِ النُّصْحِ لَهُمْ وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْأَذَى. وَهَذَا نِدَاءٌ ثَانٍ مُوَجَّهٌ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْمَقْصُودِ مِنَ النِّدَاءِ الْأَوَّلِ نِدَاء النبيء ﷺ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التَّحْرِيم: ١] . وُجِّهَ الْخِطَابُ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ ليأتنسوا بالنبيء ﷺ فِي مَوْعِظَةِ أَهْلِيهِمْ. وَعَبَّرَ عَنِ الْمَوْعِظَةِ وَالتَّحْذِيرِ بِالْوِقَايَةِ مِنَ النَّارِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ لِأَنَّ الْمَوْعِظَةَ سَبَبٌ فِي تَجَنُّبِ مَا يُفْضِي إِلَى عَذَابِ النَّارِ أَوْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ بِتَشْبِيهِ الْمَوْعِظَةِ بِالْوِقَايَةِ مِنَ النَّارِ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالِغَةِ فِي الْمَوْعِظَةِ. وَتَنْكِيرُ «نَارًا» لِلتَّعْظِيمِ وَأُجْرِيَ عَلَيْهَا وُصْفٌ بِجُمْلَةِ وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ زِيَادَةً فِي التَّحْذِيرِ لِئَلَّا يَكُونُوا مِنْ وَقُودِ النَّارِ. وَتَذْكِيرًا بِحَالِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ [٩٨] . وَتَفْظِيعًا لِلنَّارِ إِذْ يَكُونُ الْحَجَرُ عِوَضًا لَهَا عَنِ الْحَطَبِ. وَوُصِفَتِ النَّارُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ لِأَنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ قَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ بِمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٤] مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ وَبِمَا تَقَدَّمَهُمَا مَعًا مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ [٩٨] . والْحِجارَةُ: جَمْعُ الْحَجَرِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ فَإِنَّ قِيَاسَهُ أَحْجَارٌ فَجَمَعُوهُ عَلَى حِجَارٍ بِوَزْنِ فِعَالٍ وَأَلْحَقُوا بِهِ هَاءَ التَّأْنِيثِ كَمَا قَالُوا: بِكَارَةٌ جَمْعُ بَكْرٍ، وَمِهَارَةٌ جَمْعُ مُهْرٍ. وَزِيدَ فِي تَهْوِيلِ النَّارِ بِأَنَّ عَلَيْهَا مَلَائِكَةً غِلَاظًا شِدَادًا وَجُمْلَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ إِلَى آخِرِهَا صِفَةٌ ثَانِيَةٌ.

стр. 9972

وَمَعْنَى عَلَيْها أَنَّهُمْ مُوَكَّلُونَ بِهَا. فَالِاسْتِعْلَاءُ الْمُفَادُ مَنْ حَرْفِ (عَلَى) مُسْتَعَارٌ لِلتَّمْكِنِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [الْبَقَرَة: ٥] . وَفِي الْحَدِيثِ «فَلَمْ يَكُنْ عَلَى بَابِهِ بَوَّابُونَ» . وغِلاظٌ جَمْعُ غَلِيظٍ وَهُوَ الْمُتَّصِفُ بِالْغِلْظَةِ. وَهِيَ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ وَفِعْلُهَا مِثْلُ كَرُمَ. وَهِيَ هُنَا مُسْتَعَارَةٌ لِقَسَاوَةِ الْمُعَامَلَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمرَان: ١٥٩] أَيْ لَوْ كُنْتَ قَاسِيًا لَمَا عَاشَرُوكَ. وَ «شِدَادٌ» : جَمْعُ شَدِيدٍ. وَالشِّدَّةُ بِكَسْرِ الشِّينِ حَقِيقَتُهَا قُوَّةُ الْعَمَلِ الْمُؤْذِي وَالْمَوْصُوفُ بِهَا شَدِيدٌ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ أَقْوِيَاءُ فِي مُعَامَلَةِ أَهْلِ النَّارِ الَّذِينَ وُكِّلُوا بِهِمْ: يُقَالُ: اشْتَدَّ فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ، أَيْ أَسَاءَ مُعَامَلَتَهُ، وَيُقَالُ: اشْتَدَّتِ الْحَرْبُ، وَاشْتَدَّتِ الْبَأْسَاءُ. وَالشِّدَّةُ مِنْ أَسْمَاءِ الْبُؤْسِ وَالْجُوعِ وَالْقَحْطِ. وَجُمْلَةُ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ ثَنَاءٌ عَلَيْهِمْ أُعْقِبَ بِهِ وَصْفُهُمْ بِأَنَّهُمْ غِلَاظٌ شِدَادٌ تَعْدِيلًا لِمَا تَقْتَضِيَانِهِ مِنْ كَرَاهِيَةِ نُفُوسِ النَّاسِ إِيَّاهُمْ، وَهَذَا مُؤْذِنٌ بِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِالْغِلْظَةِ وَالشَّدَّةِ فِي تَعْذِيبِ أَهْلِ النَّارِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ فَهُوَ تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ دَعَا إِلَيْهِ مَقَامُ الْإِطْنَابِ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، مَعَ مَا فِي هَذَا التَّصْرِيحِ مِنِ اسْتِحْضَارِ الصُّورَةِ الْبَدِيعَةِ فِي امْتِثَالِهِمْ لِمَا يُؤْمَرُونَ بِهِ. وَقَدْ عُطِفَ هَذَا التَّأْكِيدُ عَطْفًا يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ تَنْوِيهًا بِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ لِأَنَّ فِعْلَ الْمَأْمُورِ أَوْضَحُ فِي الطَّاعَةِ مِنْ عَدَمِ الْعِصْيَانِ وَاعْتِبَارٌ لِمُغَايَرَةِ الْمَعْنَيَيْنِ وَإِنْ كَانَ قَالَهُمَا وَاحِدٌ وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ مَرْجِعَ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَعْصُونَ فِيمَا يُكَلَّفُونَ بِهِ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْخَاصَّةِ بِهِمْ، وَمَرْجِعُ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ إِلَى مَا كُلِّفُوا بِعَمَلِهِ فِي الْعُصَاةِ فِي جَهَنَّم. [٧] [سُورَة التَّحْرِيم (٦٦) : آيَة ٧] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) هُوَ مِنْ قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ عَلَى النَّارِ. وَذِكْرُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ هُنَا اسْتِطْرَادٌ يُفِيدُ التَّنْفِيرَ مِنْ جَهَنَّمَ بِأَنَّهَا دَارُ أَهْلِ الْكُفْرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [الْبَقَرَة: ٢٤] ،

стр. 9973

وَإِلَّا فَإِنَّ سِيَاقَ الْآيَةِ تَحْذِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْمُوبِقَاتِ فِي النَّارِ. وَمَعْنَى مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مُمَاثِلُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، وَأَفَادَتْ إِنَّما قَصْرَ الْجَزَاءِ عَلَى مُمَاثَلَةِ الْعَمَلِ الْمُجْزَى عَلَيْهِ قَصْرَ قَلْبٍ لِتَنْزِيلِهِمْ مَنْزِلَةَ مَنِ اعْتَذَرَ وَطَلَبَ أَنْ يَكُونَ جَزَاؤُهُ أَهْوَنَ مِمَّا شَاهَدَهُ. وَالِاعْتِذَارُ: افْتِعَالٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعُذْرِ. وَمَادَّةُ الِافْتِعَالِ فِيهِ دَالَّةٌ عَلَى تَكَلُّفِ الْفِعْلِ مِثْلَ الِاكْتِسَابِ وَالِاخْتِلَاقِ، وَالْعُذْرُ: الْحُجَّةُ الَّتِي تُبْرِئُ صَاحِبَهَا مِنْ تَبِعَةِ عَمَلٍ مَا. وَلَيْسَ لِمَادَّةِ الِاعْتِذَارِ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ دَالٌّ عَلَى إِيجَادِ الْعُذْرِ وَإِنَّمَا الْمَوْجُودُ عَذَرَ بِمَعْنَى قَبِلَ الْعُذْرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ [٩٠] . [٨] [سُورَة التَّحْرِيم (٦٦) : آيَة ٨] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ. أُعِيدَ خِطَابُ الْمُؤْمِنِينَ وَأُعِيدَ نِدَاؤُهُمْ وَهُوَ نِدَاءٌ ثَالِثٌ فِي هَذِهِ السُّورَةِ. وَالَّذِي قَبْلَهُ نِدَاءٌ لِلْوَاعِظِينَ. وَهَذَا نِدَاءٌ لِلْمَوْعُوظِينَ وَهَذَا الْأُسْلُوبُ مِنْ أساليب الْإِعْرَاض الْمُتَّهم بهَا. أَمر الْمُؤمنِينَ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ إِذَا تَلَبَّسُوا بِهَا لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ إِصْلَاحِ أَنْفُسِهِمْ بَعْدَ أَنْ أُمِرُوا بِأَنْ يُجَنِّبُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيَهُمْ مَا يَزُجُّ بِهِمْ فِي عَذَابِ النَّارِ، لِأَنَّ اتِّقَاءَ النَّارِ يَتَحَقَّقُ بِاجْتِنَابِ مَا يَرْمِي بِهِمْ فِيهَا، وَقَدْ يُذْهَلُونَ عَمَّا فَرَطَ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَهُدُوا إِلَى سَبِيلِ التَّوْبَةِ الَّتِي يَمْحُونَ بِهَا مَا فَرَطَ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ. وَهَذَا نَاظِرٌ إِلَى مَا ذُكِرَ مِنْ مَوْعِظَةِ امْرَأَتي النبيء ﷺ بِقَوْلِهِ: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ [التَّحْرِيم: ٤] . وَالتَّوْبَةُ: الْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ إِلَى الْعِصْيَانِ مَعَ النَّدَمِ عَلَى مَا فَرَطَ مِنْهُ فِيمَا مَضَى. وَتَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ فِي

стр. 9974

سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٣٧] . وَفِي مَوَاضِعَ أُخْرَى وَخَاصَّةً عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [١٧] . وَتَعْدِيَتُهَا بِحَرْفِ (إِلَى) لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الرُّجُوعِ لِأَنَّ (تَابَ) أَخُو (ثَابَ) . وَالنَّصُوحُ: ذُو النُّصْحِ. وَالنُّصْحُ: الْإِخْلَاصُ فِي الْعَمَلِ وَالْقَوْلُ، أَيِ الصِّدْقُ فِي إِرَادَةِ النَّفْعِ بِذَلِكَ. وَوَصْفُ التَّوْبَةِ بِالنَّصُوحِ مَجَازٌ جُعِلَتِ التَّوْبَةُ الَّتِي لَا تَرَدُّدُ فِيهَا وَلَا تُخَالِطُهَا نِيَّةُ الْعَوْدَةِ إِلَى الْعَمَلِ الْمَتُوبِ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ النَّاصِحِ لِغَيْرِهِ فَفِي (نَصُوحٍ) اسْتِعَارَةٌ وَلَيْسَ مِنَ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ إِذْ لَيْسَ الْمُرَادُ نَصُوحًا صَاحِبُهَا. وَإِنَّمَا لَمْ تَلْحَقْ وَصْفَ (نَصُوحٍ) هَاءُ التَّأْنِيثِ الْمُنَاسِبَةِ لِتَأْنِيثِ الْمَوْصُوفِ بِهِ لِأَنَّ فَعُولًا بِمَعْنَى فَاعِلٍ يُلَازِمُ الْإِفْرَادَ وَالتَّذْكِيرَ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ نَصُوحاً بِفَتْحِ النُّونِ عَلَى مَعْنَى الْوَصْفِ كَمَا عَلِمْتَ. وَقَرَأَهُ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ بِضَمِّ النُّونِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرُ (نَصَحَ) مِثْلَ: الْقُعُودِ مِنْ قَعَدَ. وَزَعَمَ الْأَخْفَشُ أَنَّ الضَّمَّ غَيْرُ مَعْرُوفٍ وَالْقِرَاءَةَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ. وَمِنْ شُرُوطِ التَّوْبَةِ تَدَارُكُ مَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ مِمَّا وَقَعَ التَّفْرِيطُ فِيهِ مِثْلَ الْمَظَالِمِ لِلْقَادِرِ عَلَى رَدِّهَا. رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁: يَجْمَعُ التَّوْبَةَ سِتَّةُ أَشْيَاءَ: النَّدَامَةُ عَلَى الْمَاضِي مِنَ الذُّنُوبِ، وَإِعَادَةُ الْفَرَائِضِ. وَرَدُّ الْمَظَالِمِ، وَاسْتِحْلَالُ الْخُصُومِ، وَأَنْ تُذِيبَ نَفْسَكَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ كَمَا رَبَّيْتَهَا فِي الْمَعْصِيَةِ، وَأَنْ تُذِيقَهَا مَرَارَةَ الطَّاعَاتِ كَمَا أَذَقْتَهَا حَلَاوَةَ الْمَعَاصِي . وَتَقُومُ مَقَامَ رَدِّ الْمَظَالِمِ اسْتِحْلَالُ الْمَظْلُومِ حَتَّى يَعْفُوَ عَنْهُ. وَمِنْ تَمَامِ التَّوْبَةِ تَمْكِينُ التَّائِبِ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يُنَفَّذَ عَلَيْهَا الْحُدُودُ كَالْقَوْدِ وَالضَّرْبِ. قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: هَذَا التَّمْكِينُ وَاجِبٌ خَارِجٌ عَنْ حَقِيقَةِ التَّوْبَةِ لِأَنَّ التَّائِبَ إِذَا نَدِمَ وَنَوَى أَنْ لَا يَعُودَ صَحَّتْ تَوْبَتُهُ عِنْدَ اللَّهِ وَكَانَ مَنْعُهُ مِنْ تَمْكِينِ نَفْسِهِ مَعْصِيَةً مُتَجَدِّدَةً تَسْتَدْعِي تَوْبَةً. وَهُوَ كَلَامٌ وَجِيهٌ إِذِ التَّمْكِينُ مِنْ تَنْفِيذِ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلَى النُّفُوسِ مَشَقَّةً عَظِيمَةً فَلَهَا عُذْرٌ فِي الْإِحْجَامِ عَنِ التَّمْكِينِ مِنْهُ.

стр. 9975

وَتَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنْ ذَنْبٍ دُونَ ذَنْبٍ خِلَافًا لِأَبِي هَاشِمٍ الْجُبَّائِيِّ الْمُعْتَزِلِيِّ، وَذَلِكَ فِيمَا عَدَا التَّوْبَةِ مِنَ الْكُفْرِ. وَأَمَّا التَّوْبَةُ مِنَ الْكُفْرِ بِالْإِيمَانِ فَصَحِيحَةٌ فِي غُفْرَانِ إِثْمِ الْكُفْرِ وَلَوْ بَقِيَ مُتَلَبِّسًا بِبَعْضِ الْكَبَائِرِ بِإِجْمَاعِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ. وَالذُّنُوبُ الَّتِي تَجِبُ مِنْهَا التَّوْبَةُ هِيَ الْكَبَائِرُ ابْتِدَاءً، وَكَذَلِكَ الصَّغَائِرُ وَتَمْيِيزُ الْكَبَائِرِ مِنَ الصَّغَائِرِ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى مَحَلُّهَا أُصُولُ الدِّينِ وَأُصُولُ الْفِقْهِ وَالْفِقْهُ. إِلَّا أَنَّ اللَّهَ تَفَضَّلَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَغَفَرَ الصَّغَائِرَ لِمَنِ اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ، أُخِذَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّجْمِ [٣٢] . وَلَوْ عَادَ التَّائِبُ إِلَى بَعْضِ الذُّنُوبِ أَوْ جَمِيعِهَا مَا عَدَا الْكُفْرَ اخْتَلَفَ فِيهِ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ فَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ التَّوْبَةَ تَنْتَقِضُ بِالْعَوْدَةِ إِلَى بَعْضِ الذُّنُوبِ فِي خُصُوصِ الذَّنْبِ الْمَعُودِ إِلَيْهِ وَلَا تَنْتَقِضُ فِيمَا سِوَاهُ. وَأَنَّ الْعَوْدَ مَعْصِيَةٌ تَجِبُ التَّوْبَةُ مِنْهَا. وَقَالَ الْمُعْتَزِلَةُ: تَنْتَقِضُ بِالْعَوْدَةِ إِلَى بَعْضِ الذُّنُوبِ فَتَعُودُ إِلَيْهِ ذُنُوبُهُ وَوَافَقَهُمُ الْبَاقِلَّانِيُّ. وَلَيْسَ فِي أَدِلَّةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا يَشْهَدُ لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ. وَالرَّجَاءُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ فِعْلِ عَسى مُسْتَعْمَلٌ فِي الْوَعْدِ الصَّادِرِ عَنِ الْمُتَفَضِّلِ عَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِعَارَةِ وَذَلِكَ التَّائِبُ لَا حَقَّ لَهُ فِي أَنْ يُعْفَى عَنْهُ مَا اقْتَرَفَهُ لِأَنَّ الْعِصْيَانَ قَدْ حَصَلَ وَإِنَّمَا التَّوْبَةُ عَزْمٌ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدَةِ إِلَى الذَّنْبِ وَلَكِنْ مَا لِصَاحِبِهَا مِنَ النَّدَمِ وَالْخَوْفِ الَّذِي بَعَثَ عَلَى الْعَزْمِ دَلَّ عَلَى زَكَاءِ النَّفْسِ فَجَعَلَ اللَّهُ جَزَاءَهُ أَنْ يَمْحُوَ عَنْهُ مَا سَلَفَ مِنَ الذُّنُوبِ تُفَضُّلًا مِنَ اللَّهِ فَذَلِكَ مَعْنَى الرَّجَاءِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ عَسى. وَقَدْ أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ مِنَ الْكُفْرِ بِالْإِيمَانِ مَقْبُولَةٌ قَطْعًا لِكَثْرَةِ أَدِلَّةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَعَيُّنِ قَبُولِ تَوْبَةِ الْعَاصِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ: قَبُولُهَا مَرْجُوٌّ غَيْرُ مَقْطُوعٍ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ الْبَاقِلَّانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَعَنِ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهِ سَمْعًا، وَالْمُعْتَزِلَةِ مَقْطُوعٌ بِهِ عَقْلًا. وَتَكْفِيرُ السَّيِّئَاتِ: غُفْرَانُهَا، وَهُوَ مُبَالَغَةٌ فِي كَفَرَ الْمُخَفَّفِ الْمُتَعَدِّي الَّذِي هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْكَفْرِ بِفَتْحِ الْكَافِ، أَيِ السَّتْرِ.

стр. 9976

يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. يَوْمَ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِ يُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ وَهُوَ تَعْلِيقٌ تَخَلَّصَ إِلَى الثَّنَاءِ على الرَّسُول ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ مَعَهُ. وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَهَذَا الثَّنَاءُ عَلَيْهِمْ بِانْتِفَاءِ خِزْيِ اللَّهِ عَنْهُمْ تَعْرِيضٌ بِأَنَّ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا مَعَهُ يُخْزِيهِمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَذكر النبيء ﷺ مَعَ الَّذِينَ آمَنُوا لِتَشْرِيفِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا عَلَاقَةَ لَهُ بِالتَّعْرِيضِ. وَالْخِزْيُ: هُوَ عَذَابُ النَّارِ، وَحَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ ﵇ قَوْلَهُ: وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ [الشُّعَرَاء: ٨٧] عَلَى أَنَّ انْتِفَاءَ الْخِزْيِ يَوْمَئِذٍ يَسْتَلْزِمُ الْكَرَامَةَ إِذْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا كَمَا أَشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ [آل عمرَان: ١٨٥] . وَفِي صِلَةِ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ إِيذَانٌ بِأَنَّ سَبَبَ انْتِفَاءِ الْخِزْيِ عَنْهُمْ هُوَ إِيمَانُهُمْ. وَمَعِيَّةُ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ النبيء ﷺ صحبتهم النبيء ﷺ . وَ (مَعَ) يَجُوزُ تَعَلُّقُهَا بِمَحْذُوفٍ حَالٍ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا أَيْ حَالَ كَوْنِهِمْ مَعَ الشَّيْءِ فِي انْتِفَاءِ خِزْيِ اللَّهِ عَنْهُمْ فَيَكُونُ عُمُومُ الَّذِينَ آمَنُوا مَخْصُوصًا بِغَيْرِ الَّذِينَ يَتَحَقَّقُ فِيهِمْ خِزْيُ الْكُفْرِ وَهُمُ الَّذِينَ ارْتَدُّوا وَمَاتُوا عَلَى الْكُفْرِ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى الْمَغْفِرَةِ لِجَمِيعِ أَصْحَاب النبيء ﷺ . وَيَجُوزُ تَعَلُّقُ (مَعَ) بِفِعْلِ آمَنُوا أَيِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَصَحِبُوهُ، فَيَكُونُ مُرَادًا بِهِ أَصْحَاب النبيء ﷺ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَلَمْ يَرْتَدُّوا بَعْدَهُ، فَتَكُونُ الْآيَةُ مُؤْذِنَةً بِفَضِيلَةٍ لِلصَّحَابَةِ. وَضَمِيرُ نُورُهُمْ عَائِدٌ إِلَى النبيء ﷺ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ. وَإِضَافَةُ نُورُ إِلَى ضَمِيرِ هُمْ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ إِخْبَارٌ عَنْهُمْ بِنُورٍ لَهُمْ لَيْسَتْ إِضَافَةَ تَعْرِيفٍ إِذْ لَيْسَ الْمَقْصُودُ تَعْرِيفَ النُّورِ وَتَعْيِينَهُ وَلَكِنَّ الْإِضَافَةَ مُسْتَعْمَلَةٌ هُنَا فِي لَازِمِ

стр. 9977

مَعْنَاهَا وَهُوَ اخْتِصَاصُ النُّورِ بِهِمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِحَيْثُ يُمَيِّزُهُ النَّاسُ مِنْ بَيْنِ الْأَنْوَارِ يَوْمَئِذٍ. وُسَعْيُ النُّورِ: امْتِدَادُهُ وَانْتِشَارُهُ. شُبِّهَ ذَلِكَ بِاشْتِدَادِ مَشْيِ الْمَاشِي وَذَلِكَ أَنَّهُ يَحِفُّ بِهِمْ حَيْثُمَا انْتَقَلُوا تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِمْ كَمَا تُنْشَرُ الْأَعْلَامُ بَيْنَ يَدَيِ الْأَمِيرِ وَالْقَائِدِ وَكَمَا تُسَاقُ الْجِيَادُ بَيْنَ يَدَيِ الْخَلِيفَةِ. وَإِنَّمَا خُصَّ بِالذِّكْرِ مِنَ الْجِهَاتِ الْأَمَامُ وَالْيَمِينُ لِأَنَّ النُّورَ إِذَا كَانَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ تَمَتَّعُوا بِمُشَاهَدَتِهِ وَشَعَرُوا بِأَنَّهُ كَرَامَةٌ لَهُمْ وَلِأَنَّ الْأَيْدِيَ هِيَ الَّتِي تُمْسَكُ بِهَا الْأُمُورُ النَّفِيسَةُ وَبِهَا بَايعُوا النبيء ﷺ عَلَى الْإِيمَانِ وَالنَّصْرِ. وَهَذَا النُّورُ نُورٌ حَقِيقِيٌّ يَجْعَلُهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى (عَنْ) . وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذَا فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ وَمَا ذَكَرْنَاهُ هُنَا أَوْسَعُ. وَجُمْلَةُ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا إِلَى آخِرِهَا حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ نُورُهُمْ، وَظَاهره أَن تكون حَالًا مُقَارَنَةً، أَيْ يَقُولُونَ ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَدُعَاؤُهُمْ طَلَبٌ لِلزِّيَادَةِ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ، فَيَكُونُ ضمير يَقُولُونَ عَائِد إِلَى جَمِيعِ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَ النبيء ﷺ يَوْمَئِذٍ، أَوْ يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ كَانَ نُورُهُ أَقَلَّ مِنْ نُورِ غَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ يَوْمَئِذٍ فَيَكُونُ ضَمِيرُ يَقُولُونَ عَلَى إِرَادَةِ التَّوْزِيعِ عَلَى طَوَائِفِ الَّذِينَ آمَنُوا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ. وَإِتْمَامُ النُّورِ إِدَامَتُهُ أَوِ الزِّيَادَةُ مِنْهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ آنِفًا وَكَذَلِكَ الدُّعَاءُ بِطَلَبِ الْمَغْفِرَةِ لَهُمْ هُوَ لِطَلَبِ دَوَامِ الْمَغْفِرَةِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ أَدَبٌ مَعَ اللَّهِ وَتَوَاضُعٌ لَهُ مِثْلَ مَا قِيلَ فِي اسْتِغْفَار النبيء ﷺ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً. وَيَظْهَرُ بِذَلِكَ وَجْهُ التَّذْيِيلِ بِقَوْلِهِمْ: إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الْمُشْعِرُ بِتَعْلِيلِ الدُّعَاءِ كِنَايَةً عَنْ رَجَاءِ إجَابَته لَهُم. [٩] [سُورَة التَّحْرِيم (٦٦) : آيَة ٩] يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩) لَمَا أَبْلَغَ الْكُفَّارَ مَا سَيَحِلُّ بِهِمْ فِي الْآخِرَةِ تَصْرِيحًا بِقَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ [التَّحْرِيم: ٧] ،

стр. 9978

وَتَعْرِيضًا بِقَوْلِهِ: يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ [التَّحْرِيم: ٨] ، أَمر رَسُوله ﷺ بِمَسْمَعٍ مِنْهُمْ بِأَنْ يُجَاهِدَهُمْ وَيُجَاهِدَ الْمُسْتَتِرِينَ لِكُفْرِهِمْ بِظَاهِرِ الْإِيمَانِ نِفَاقًا، حَتَّى إِذَا لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِمُ الْمَوْعِظَةُ بِعِقَابِ الْآخِرَةِ يَخْشَوْنَ أَنْ يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَذَابَ السَّيْفِ فِي الْعَاجِلَةِ فَيُقْلِعُوا عَنِ الْكُفْرِ فَيُصْلِحُ نُفُوسَهُمْ وَإِنَّمَا أَمر رَسُوله ﷺ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْكُفَّارَ تَأَلَّبُوا مَعَ الْمُنَافِقِينَ بَعْدَ هِجْرَة النبيء ﷺ فَاتَّخَذُوهُمْ عُيُونًا لَهُمْ وَأَيَدِيَ يَدُسُّونَ بِهَا الْأَذَى للنبيء ﷺ وَلِلْمُؤْمِنِينَ. فَهَذَا نِدَاءٌ ثَان للنبيء ﷺ يَأْمُرُهُ بِإِقَامَةِ صَلَاحِ عُمُومِ الْأُمَّةِ بِتَطْهِيرِهَا مِنَ الْخُبَثَاءِ بَعْدَ أَنْ أَمَرَهُ بِإِفَاقَةِ مَنْ عَلَيْهِمَا الْغَفْلَةُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ وَاجِبِ حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ مَعَ الزَّوْجِ. وَجِهَاد الْكفَّار ظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَطْفُ الْمُنافِقِينَ عَلَى الْكُفَّارَ الْمَفْعُولِ لِ جاهِدِ فَيَقْتَضِي أَن النبيء ﷺ مَأْمُورٌ بِجِهَادِ الْمُنَافِقِينَ وَكَانَ حَالُ الْمُنَافِقِينَ مُلْتَبِسًا إِذْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ مُعْلِنًا بِالْكُفْرِ وَلَا شُهِدَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ بِذَلِكَ وَلَمْ يُعَيِّنِ الله لرَسُوله ﷺ مُنَافِقًا يُوقِنُ بِنِفَاقِهِ وَكُفْرِهِ أَوْ أَطْلَعَهُ إِطْلَاعًا خَاصًّا وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعْلَانِهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ كَمَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ أَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ فِي الْآثَارِ. فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلَ عَطْفِ الْمُنافِقِينَ عَلَى الْكُفَّارَ إِمَّا بِأَنْ يَكُونَ فِعْلُ جاهِدِ مُسْتَعْمَلًا فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ وَهُمَا الْجِهَادُ بِالسَّيْفِ وَالْجِهَادُ بِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ وَالتَّعْرِيضُ لِلْمُنَافِقِ بِنِفَاقِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْجِهَادُ مَجَازًا كَمَا فِي قَوْله ﷺ «رَجِعْنَا مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ» ، وَقَوْلِهِ لِلَّذِي سَأَلَهُ الْجِهَادَ فَقَالَ لَهُ: «أَلَكَ أَبَوَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» . وَعِنْدِي أَنَّ الْأَقْرَبَ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْعَطْفِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ إِلْقَاءَ الرُّعْبِ فِي قُلُوبِ الْمُنَافِقِينَ لِيَشْعُرُوا بِأَن النبيء ﷺ وَالْمُؤمنِينَ بالمرصاد بهم فَلَوْ بَدَتْ مِنْ أَحَدِهِمْ بَادِرَةٌ يُعْلَمُ مِنْهَا نِفَاقُهُ عُومِلَ مُعَامَلَةَ الْكَافِرِ فِي الْجِهَادِ بِالْقَتْلِ وَالْأَسْرِ فَيَحْذَرُوا وَيَكُفُّوا عَنِ الْكَيْدِ لِلْمُسْلِمِينَ خَشْيَةَ الِافْتِضَاحِ فَتَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا [الْأَحْزَاب: ٦٠، ٦١] .

стр. 9979

وَالْغِلْظَةُ: حَقِيقَتُهَا صَلَابَةُ الشَّيْءِ وَهِيَ مُسْتَعَارَةٌ هُنَا لِلْمُعَامَلَةِ بِالشِّدَّةِ بِدُونِ عَفْوٍ وَلَا تَسَامُحٍ، أَيْ كُنْ غَلِيظًا، أَيْ شَدِيدًا فِي إِقَامَةِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَمْثَالَهُمْ. وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ [١٢٣] ، وَقَوْلِهِ: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [١٥٩] . وَالْمَأْوَى: الْمَسْكَنُ، وَهُوَ مَفْعَلٌ مِنْ أَوَى إِذَا رَجَعَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَرْجِعُ إِلَى مَسْكَنه. [١٠] [سُورَة التَّحْرِيم (٦٦) : آيَة ١٠] ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) أَعْقَبَتْ جُمْلَةَ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ [التَّحْرِيم: ٩] الْآيَةُ الْمَقْصُودُ مِنْهَا تَهْدِيدُهُمْ بِعَذَابِ السَّيْفِ فِي الدُّنْيَا وَإِنْذَارُهُمْ بِعَذَابِ الْآخِرَةِ وَمَا قَارَنَ ذَلِكَ مِنْ مُقَابَلَةِ حَالِهِمْ بِحَالِ الْمُؤْمِنِينَ، بِأَنْ ضَرَبَ مَثَلَيْنِ لِلْفَرِيقَيْنِ بِنَظِيرَيْنِ فِي حَالَيْهِمَا لَتَزْدَادَ الْمَوْعِظَةُ وُضُوحًا وَيَزْدَادَ التَّنْوِيهُ بِالْمُؤْمِنِينَ اسْتِنَارَةً. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فَائِدَةُ ذِكْرِ الْأَمْثَالِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٧] . وَضَرْبُ الْمَثَلِ: إِلْقَاؤُهُ وَإِيضَاحُهُ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٦] . فَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا. وَهَذَا الْمَثَلُ لَا يَخْلُو مِنْ تَعْرِيضٍ بِحَثِّ زَوجي النبيء ﷺ عَلَى طَاعَته وبأنّ رضى اللَّهِ تَعَالَى يتبع رضى رُسُلِهِ. فَقَدْ كَانَ الْحَدِيثُ عَنْ زَوْجَتي النبيء ﷺ قَرِيبًا وَكَانَ عَمَلُهُمَا مَا فِيهِ بَارِقَةً مِنْ مُخَالَفَةٍ، وَكَانَ فِي الْمَثَلَيْنِ مَا فِيهِ إِشْعَارٌ بِالْحَالَيْنِ. وَتَعْدِيَةُ ضَرَبَ بِاللَّامِ الدَّالِّ عَلَى الْعِلَّةِ تُفِيدُ أَنَّ إِلْقَاءَ الْمَثَلِ لِأَجْلِ مَدْخُولِ اللَّامِ. فَمَعْنَى ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُ أَلْقَى هَذَا التَّنْظِيرَ لِأَجْلِهِمْ، أَيِ اعْتِبَارِهِمْ بِهِمْ وَقِيَاسِ حَالِهِمْ عَلَى حَالِ الْمُمَثَّلِ بِهِ، فَإِذَا قِيلَ: ضَرَبَ لِفُلَانٍ مَثَلًا، كَانَ الْمَعْنَى: أَنَّهُ قَصَدَهُ بِهِ وَأَعْلَمَهُ إِيَّاهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا [الزخرف: ٥٨] .

стр. 9980

وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ [الرّوم: ٥٨] . وَنَحْوِ ذَلِكَ وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ بِاللَّامِ على الْمَفْعُول لِلِاهْتِمَامِ بِإِيقَاظِ الَّذِينَ كَفَرُوا. فَمَعْنَى ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ، أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ حَالَةَ هَاتَيْنِ الْمَرْأَتَيْنِ عِظَةً وَتَنْبِيهًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا، أَيْ لِيُذَكِرَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ لَا يَصْرِفُهُ عَنْ وَعِيدِهِ صَارِفٌ فَلَا يَحْسَبُوا أَنَّ لَهُمْ شُفَعَاءَ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَا أَنَّ مَكَانَهُمْ مِنْ جِوَارِ بَيْتِهِ وَعِمَارَةِ مَسْجِدِهِ وَسِقَايَةِ حَجِيجِهِ تَصْرِفُ غَضَبَ اللَّهِ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَقْلَعُوا عَنْ هَذَا الْحُسْبَانِ أَقْبَلُوا عَلَى التَّدَبُّرِ فِي النَّجَاةِ مِنْ وَعِيدِهِ بِالنَّظَرِ فِي دَلَائِلِ دَعْوَةِ الْقُرْآنِ وَصدق الرَّسُول ﷺ فَلَوْ كَانَ صَارِفٌ يَصْرِفُ اللَّهَ عَنْ غَضَبِهِ لَكَانَ أَوْلَى الْأَشْيَاءِ بِذَلِكَ مَكَانَةَ هَاتَيْنِ الْمَرْأَتَيْنِ مِنْ زَوْجَيْهِمَا رَسُولَيْ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَمُنَاسِبَةُ ضَرْبِ الْمَثَلِ بِامْرَأَة نوح وَامْرَأَة لوط دون غَيرهمَا مِنْ قُرَابَةِ الْأَنْبِيَاءِ نَحْوَ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَابْنِ نُوحٍ ﵉ لِأَنَّ ذِكْرَ هَاتَيْنِ الْمَرْأَتَيْنِ لَمْ يَتَقَدَّمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ نُوحٍ، لِتَكُونَ فِي ذِكْرِهِمَا فَائِدَةٌ مُسْتَجَدَّةٌ، وَلِيَكُونَ فِي ذِكْرِهِمَا عَقِبَ مَا سَبَقَ مِنْ تَمَالُؤِ أُمَّيِ الْمُؤمنِينَ على زَوجهمَا ﷺ تَعْرِيضٌ لَطِيفٌ بِالتَّحْذِيرِ مِنْ خَاطِرِ الِاعْتِزَازِ بِغِنَاءِ الصِّلَةِ الشَّرِيفَةِ عَنْهُمَا فِي الْوَفَاءِ بِحَقِّ مَا يَجِبُ مِنَ الْإِخْلَاص للنبيء ﷺ لِيَكُونَ الشَّبَهُ فِي التَّمْثِيلِ أَقْوَى. فَعَنْ مُقَاتِلٍ «يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ: لَا تَكُونَا بِمَنْزِلَةِ امْرَأَةِ نُوحٍ وَامْرَأَةِ لُوطٍ فِي الْمَعْصِيَةِ وَكُونَا بِمَنْزِلَةِ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمَ» . وَوَضَّحَهُ فِي «الْكَشَّافِ» بِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ التَّعْرِيضِ. وَمَنَعَهُ الْفَخْرُ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: «قَالَ بَعْضُ النَّاسِ فِي الْمَثَلَيْنِ عِبْرَةٌ لزوجات النبيء ﷺ حِينَ تَقَدَّمَ عِتَابُهُنَّ. وَفِي هَذَا بُعْدٌ لِأَنَّ النَّصَّ أَنَّهُ لِلْكُفَّارِ يُبْعِدُ هَذَا» اه. وَيَدْفَعُ اسْتِبْعَادَهُ أَنَّ دَلَالَةَ التَّعْرِيضِ لَا تُنَافِي اللَّفْظَ الصَّرِيحَ، وَمن لطائف التَّقْيِيد بِقَوْلِهِ تَعَالَى: لِلَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ الْمَقْصِدَ الْأَصْلِيَّ هُوَ ضَرْبُ الْمَثَلِ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ مِنَ الِاحْتِرَاسِ مِنْ أَنْ تَحْمِلَ التَّمْثِيلَ عَلَى الْمُشَابَهَةِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ وَالِاحْتِرَاسُ بِكَثْرَةِ التَّشْبِيهَاتِ وَمِنْهُ تَجْرِيدُ الِاسْتِعَارَةِ. وَقِصَّةُ امْرَأَةِ نُوحٍ لَمْ تَذْكُرْ فِي الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا خَانَتْ زَوْجَهَا بَعْدَ الطُّوفَانِ وَأَنَّ نُوحًا لَمْ يَعْلَمْ بِخَوْنِهَا لِأَنَّ اللَّهَ سَمَّى عَمَلَهَا خِيَانَةً. وَقَدْ وَرَدَ فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْرَاةِ ذِكْرُ امْرَأَةِ نُوحٍ مَعَ الَّذِينَ رَكِبُوا السَّفِينَةَ
следующие страницы →