Полный текст (264 стр.). Показаны 246–264 · переход к 251.
стр. 246
وَفِي الْعُصُورِ الْأَخِيرَةِ سُمِّيَتْ «الْفَرْعِيَّةَ» لِأَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ يَقُولُونَ لِلشَّرْقِ فَرْعٌ، وَلِلْغَرْبِ حُدَّرُ.
نَجْرَانُ عَلَى وَزْنِ فَعْلَانَ:
لَهَا ذِكْرٌ كَثِيرٌ فِي السِّيرَةِ، وَلَهَا حَوَادِثُ تَمْلَأُ مُجَلَّدًا مُنْذُ الْجَاهِلِيَّةِ إلَى يَوْمِنَا هَذَا.
وَهِيَ مَدِينَةٌ عَرِيقَةٌ عُرِفَتْ مُنْذُ أَنْ عُرِفَ لِلْعَرَبِ تَارِيخٌ، تَتَكَوَّنُ مِنْ مَجْمُوعَةِ مُدُنٍ صَغِيرَةٍ فِي وَادٍ وَاحِدٍ، وَلِذَا فَكَلَمَّا انْدَثَرَتْ مَدِينَةٌ مِنْ تِلْكَ الْمُدُنِ حَمَلَتْ الْأُخْرَى اسْمَ نَجْرَانَ، وَهِيَ وَادٍ كَبِيرٌ كَثِيرُ الْمِيَاهِ وَالزَّرْعِ، يَسِيلُ مِنْ السَّرَاةِ شَرْقًا حَتَّى يَصُبَّ فِي الرُّبْعِ الْخَالِي، وَتَقَعُ عَلَى الطَّرِيقِ بَيْنَ صَعْدَةَ وَأَبْهَا، عَلَى قُرَابَةِ (٩١٠) أَكْيَالٍ جَنُوبَ شَرْقِيِّ مَكَّةَ، فِي الْجِهَةِ الشَّرْقِيَّةِ مِنْ السَّرَاةِ، وَتَرْبِطُهَا بِكُلِّ مِنْ مَكَّةَ وَالرِّيَاضِ وَشَرَوْرَى فِي الرُّبْعِ الْخَالِي - طَرِيقٌ مُعَبَّدَةٌ، وَلَهَا مَطَارٌ، وَفِيهَا آثَارٌ أَهَمُّهَا مَدِينَةُ الْأُخْدُودِ - قَدْ ذُكِرَتْ - وَمَا كَانَ يُعْرَفُ بِكَعْبَةِ نَجْرَانَ. كَانَ قِوَامَ أَهْلِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَصَدْرِ الْإِسْلَامِ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ مِنْ مَذْحِجَ، وَقِوَامُ أَهْلِهَا الْيَوْمَ قَبِيلَةُ يَامٍ الْهَمْدَانِيَّةِ. وَقَدْ أَفَضْت فِي الْحَدِيثِ عَنْهَا فِي كِتَابِي «بَيْنَ مَكَّةَ وَحَضْرَمَوْتَ» بَلْ لَمْ يُؤَلَّفْ ذَلِكَ الْكِتَابُ إلَّا مِنْ أَجْلِهَا. فَرَاجِعْهُ إنْ شِئْت.
وَجَاءَتْ فِي قَوْلِ حَسَّانَ لَابْنِ الزِّبَعْرَى حِينَ هَرَبَ إلَى نَجْرَانَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ:
لَا تَعْدَمَنْ رَجُلًا أَحَلَّك بُغْضُه ُ
نَجْرَانَ فِي عَيْشٍ أَحَذِّ لَئِيمِ
стр. 247
وَهِيَ عَلَى الْخَرِيطَةِ بَيْنَ خَطَّيْ (٣٠ْ ٤٤ْ طُولًا، و١٨ْ عَرْضًا وَلَهَا الْيَوْمَ إمَارَةٌ تَضُمُّ نَوَاحِيَ كَثِيرَةً، مِنْهَا: شَرَوْرَى، وَحَبَوْنَنُ، وَغَيْرُهَا، وَكُلُّهَا تَضَمَّنَهَا بِالتَّفْصِيلِ الْكِتَابُ آنِفُ الذِّكْرِ.
النُّجَيْرُ كَأَنَّهُ تَصْغِيرُ نَجْرٍ:
جَاءَ فِي قَوْلِ أَعْشَى قَيْسٍ يَمْدَحُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ :
وَأَبْتَذِلُ الْعِيسَ الْمَرَاقِيلَ تَغْتَلِي
مَسَافَةَ مَا بَيْنَ النُّجَيْرِ فَصَرْخَدَا
أَلَا أَيُّهَذَا السَّائِلِي أَيْنَ يَمَّمَت ْ
فَإِنَّ لَهَا مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ مَوْعِدَا
قُلْت: كَانَ حِصْنًا بِالْيَمَنِ قُرْبَ حَضْرَمَوْتَ، دَارَتْ حَوْلَهُ حُرُوبٌ بَيْنَ الْمُرْتَدِّينَ مِنْ بَنِي كِنْدَة وَالْمُسْلِمِينَ بِقِيَادَةِ زِيَادِ بْنِ لَبِيَدِ الْبَيَاضِيّ الْأَنْصَارِيّ فَفَتَحَ الْحِصْنَ وَقَتَلَ سَبْعِمِائَةٍ مِنْ أَشْرَافِ الْمُرْتَدِّينَ وَتَرَكَهَا لِلسِّبَاعِ، وَسَبَى نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ ; كَذَا وَرَدَ فِي مَصَادِرِ حُرُوبِ الرِّدَّةِ.
وَالْبَيْتُ الثَّانِي يُرْوَى: مَسَافَةً مَا بَيْنَ النُّجَيْرِ وَصَرْخَدَ وَصَرْخَدُ بِبِلَادِ الشَّامِ، وَالْأَعْشَى يُدَلِّلُ بِبُعْدِ الْمَسَافَةِ بَيْنَ حَضْرَمَوْتَ وَالشَّامِ عَلَى كَثْرَةِ سَفَرَاتِهِ.
وَالنُّجَيْرُ الْيَوْمَ: بَقَايَا أَطْلَالٍ - فِي حَضْرَمَوْتَ - جَنُوبَ غَرْبِيِّ الْعِبْرِ عَلَى قَرَابَةِ سِتِّينَ كَيْلًا، أَيْ شَمَالَ غَرْبِيِّ حَضْرَمَوْتَ. «رَوَى ذَلِكَ الْأُسْتَاذُ هَادُونَ الْعَطَّاسُ».
стр. 248
نَخْبٌ بِفَتْحِ النُّونِ، وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ: جَاءَ فِي قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ: وَأَمَرَ وَهُوَ بِلِيَّةَ، بِحِصْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْف ٍ (النَّصْرِيِّ) فَهُدِمَ، ثُمَّ سَلَكَ فِي طَرِيقٍ يُقَالُ لَهَا الضَّيِّقَةُ، فَلَمَّا تَوَجَّهَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَأَلَ عَنْ اسْمِهَا، فَقِيلَ لَهُ: الضَّيِّقَةُ، فَقَالَ: بَلْ هِيَ الْيُسْرَى، ثُمَّ خَرَجَ عَلَى نَخْبٍ، حَتَّى نَزَلَ تَحْتَ سِدْرَةِ الصَّادِرَةِ.
هَذَا النَّصُّ، هُوَ تَكْمِلَةٌ لِلْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي «قَرْنٍ» أَيْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَتَى الطَّائِفَ مِمَّا يَلِي مَكَّةَ ثُمَّ حَلَّقَ مِنْ شَرْقِيِّهَا، ثُمَّ جَاءَهَا مِنْ الْجَنُوبِ، وَهُوَ مَا يُسَمِّيهِ الْعَسْكَرِيُّونَ التَّطْوِيقَ، وَهِيَ خُطَّةٌ عَسْكَرِيَّةٌ حَكِيمَةٌ، إذْ حَالَ بَيْنَ ثَقِيفٍ وَمَدَدِهِمْ مِنْ بَنِي نَصْرٍ الْقَاطِنِينَ شَرْقَ وَجَنُوبَ الطَّائِفِ، وَبَيْنَ ثَقِيفٍ وَبَيْنَ أَمْوَالِهِمْ فِي لِيَّةَ وَمَا حَوْلَهَا. وَفِي هَذَا النَّصِّ:
١ - نَخْبٌ: وَادٍ صَغِيرٌ يَمُرُّ جَنُوبَ الطَّائِفِ عَلَى قَرَابَةِ خَمْسَةِ أَكْيَالٍ، ثُمَّ يَصُبُّ فِي لِيَّةَ مِنْ ضَفَّتِهَا الْيُسْرَى. وَأَهْلُهُ الْيَوْمَ وَقْدَانُ مِنْ عُتَيْبَةَ.
٢ - حِصْنُ مَالِكٍ: مَعْرُوفٌ الْيَوْمَ قُرْبَ بَحْرَةِ الرُّغَاءِ، مُهَدَّمٌ.
٣ - الْيُسْرَى: تَلْعَةٌ بَيْنَ لِيَّةَ وَنَخْبٍ، تَصُبُّ فِي لِيَّةَ عَلَى مَرْأًى مِنْ بَحْرَةِ الرُّغَاءِ، وَمَا زَالَتْ تُسَمَّى الْيُسْرَى كَمَا سَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
стр. 249
سِدْرَةُ الصَّادِرَةِ: مَكَانُهَا الْيَوْمَ مَسْجِدٌ فِي نَخْبٍ، يُسَمَّى مَسْجِدَ الصَّادِرَةِ، وَمَسْجِدَ نَخْبٍ، وَهُوَ مَعْمُورٌ، وَقَدْ تَحَدَّثْت عَنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فِي الْمُعْجَمِ.
نَخْلَةُ بِلَفْظِ النَّخْلَةِ شَجَرَةُ التَّمْرِ:
جَاءَ فِي ذِكْرِ سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ: فَلَمَّا سَارَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ يَوْمَيْنِ فَتَحَ الْكِتَابَ، فَنَظَرَ فِيهِ فَإِذَا فِيهِ: إذَا نَظَرْت فِي كِتَابِي هَذَا فَامْضِ حَتَّى تَنْزِلَ نَخْلَةَ، فَتَرْصُدَ بِهَا قُرَيْشًا وَتَعْلَمَ لَنَا مِنْ أَخْبَارِهِمْ.
قُلْت: هُمَا نَخْلَتَانِ: الشَّامِيَّةُ وَالْيَمَانِيَّةُ، وَالْمَقْصُودُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ نَخْلَةُ الْيَمَانِيَّةُ، لِأَنَّهَا عَلَى الطَّرِيقِ الْقَدِيمِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، وَمَا كَانَتْ الْقَوَافِلُ تَسِيرُ بَيْنَهُمَا إلَّا فِيهَا.
стр. 250
وَالنَّخْلَتَانِ. مُتَجَاوِرَتَانِ فِي الْمَنْبَعِ وَالْمَصَبِّ، فَكِلَاهُمَا تَأْخُذُ أَعْلَى مَسَاقِطِ مِيَاهِهَا مِنْ السَّرَاةِ الْوَاقِعَةِ غَرْبَ الطَّائِفِ، ثُمَّ تَنْحَدِرَانِ شَمَالًا ثُمَّ غَرْبًا حَتَّى. تَجْتَمِعَا فِي مَلْقًى كَانَ يُسَمَّى «بُسْتَانَ ابْنِ مَعْمَرٍ» ثُمَّ يُكَوِّنَانِ وَادِيَ مَرِّ الظَّهْرَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَرُّ الظَّهْرَانِ، فِي هَذَا الْكِتَابِ.
النُّخَيْلُ كَتَصْغِيرِ نَخْلٍ: وَرَدَ فِي نَصٍّ ذَكَرْنَاهُ فِي «الْيَمَنِ» وَتُرَدَّدُ فِي أَمَاكِنَ أُخْرَى. وَهُوَ قَرْيَةٌ عَلَى وَادٍ بِنَفْسِ الِاسْمِ يُجَاوِرُ وَادِيَ نَخْلٍ «وَادِي الْحِنَاكِيَّةِ» يَقَعُ يَمِينَ قَاصِدِ الْقَصِيمِ مِنْ الْمَدِينَةِ إذَا أَقْبَلَ عَلَى الْحِنَاكِيَّةِ، وَالْحِنَاكِيَّةُ: عَلَى (١٠٠) كَيْلٍ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى طَرِيقِ الْقَصِيمِ.
النَّدْوَةُ جَاءَ ذِكْرُ «دَارِ النَّدْوَةِ» فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ.
قُلْت: هِيَ الدَّارُ الَّتِي بَنَاهَا قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ (مَجْمَعُ قُرَيْشٍ) لِاجْتِمَاعِهِمْ وَتُشَاوِرْهُمْ، وَكَانَ لَا يَعْقِدُ لِوَاءَ الْحَرْبِ إلَّا فِيهَا وَلَا تَزَوَّجَ قُرَشِيَّةً إلَّا فِيهَا. كَانَتْ فِي الْجَانِبِ الشَّمَالِيِّ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، ثُمَّ دَخَلَتْ فِي تَوْسِعَتِهِ فِي عَهْدِ بَنِي الْعَبَّاسِ.
نَسْرٌ بِفَتْحِ النُّونِ، وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَآخِرُهُ رَاءٌ:
جَاءَ، فِي النَّصِّ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَذُو الْكُلَاعِ مِنْ حِمْيَرَ، اتَّخَذُوا نَسْرًا بِأَرْضِ حِمْيَرَ.
قُلْت: يُفْهَمُ مِمَّا فِي صِفَةِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ أَنَّ أَرْضَ «الْكُلَاعِ» تَشْمَلُ إقْلِيمًا وَاسِعًا قُرْبَ صَنْعَاءَ، وَلَعَلَّهَا مَا
стр. 251
يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِلِوَاءِ «إب» حَيْثُ ذُكِرَ مِنْهَا «إب» وَبَلَدُ بَنِي حَشِيشٍ، وَبَنُو حَشِيشٍ قَبِيلَةٌ مَا زَالَتْ مَعْرُوفَةً بِظَاهِرِ صَنْعَاءَ، وَجَبَلُ نُقَمٍ وَاقِعٌ فِي دِيَارِهِمْ، وَهُوَ جَبَلُ صَنْعَاءَ. أَمَّا «نَسْرٌ» فَقَدْ أَبْدَلَ اللَّهُ أَهْلَ الْيَمَنِ - أَهْلَ الْإِيمَانِ - بِهِ خَيْرًا، أَبْدَلَهُمْ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَلَمْ يَعُدْ أَحَدٌ يَعْرِفُهُ مِنْ أَبْنَاءِ حِمْيَرَ، وَلَا غَيْرِهِمْ.
نَصِيبِينُ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى صِيغَةِ الْجَمْعِ. جَاءَتْ فِي ذِكْرِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ﵁، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَوْصِلِ.
قُلْت: تَقَعُ نَصِيبِينُ فِي أَقْصَى شَمَالِ الْجَزِيرَةِ الْفُرَاتِيَّةِ عَلَى الْحُدُودِ بَيْنَ تُرْكِيَّةَ وَسُورِيَّةَ وَالْحُدُودُ تَحُوزُهَا - الْيَوْمَ - إلَى تُرْكِيَّةَ، تُجَاوِرُ مَدِينَةَ القامشلي السُّورِيَّةَ لَيْسَ بَيْنَهُمَا غَيْرُ الْحَدِّ، نَصِيبِينُ شَمَالَهُ والقامشلي جَنُوبُهُ، وَيَمُرُّ فِيهِمَا أَحَدُ فُرُوعِ نَهْرِ الْخَابُورِ.
وَكَانَتْ نَصِيبِينُ مِنْ الْمُدُنِ الْعَامِرَةِ ذَاتِ الْبَسَاتِينِ الْغَنَّاءِ، حَتَّى قِيلَ إنَّهُ كَانَ يَتْبَعُهَا أَرْبَعُونَ أَلْفَ بُسْتَانٍ. وَهِيَ عَلَى الْجَادَّةِ بَيْنَ الْمَوْصِلِ وَحَلَبٍ، وَمَا زَالَتْ تِلْكَ الْجَادَّةُ عَامِرَةً.
نَقْبُ بَنِي دِينَارٍ ذُكِرَ فِي «ذِي الْعُشَيْرَةِ».
نَقْمَى ذُكِرَتْ فِي مَجْمَعِ الْأَسْيَالِ.
النَّقِيعُ فَعِيلٌ مِنْ النَّقْعِ:
стр. 252
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ، يَذْكُرُ عَوْدَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ: وَسَلَكَ الْحِجَازَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى مَاءٍ بِالْحِجَازِ فُوَيْقَ النَّقِيعِ، يُقَالُ لَهُ: بَقْعَاءُ.
قُلْت: النَّقِيعُ: وَادٍ فَحْلٌ مِنْ أَوْدِيَةِ الْحِجَازِ، يَقَعُ جَنُوبَ الْمَدِينَةِ، يَسِيلُ مِنْ الْحِرَارِ الَّتِي يَسِيلُ مِنْهَا وَادِي الْفَرْعِ، ثُمَّ يَتَّجِهُ شَمَالًا جَاعِلًا جِبَالَ قُدْسٍ عَلَى يَسَارِهِ، وَيَأْخُذُ كُلَّ مِيَاهِهَا الشَّرْقِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي حَمَاهُ رَسُولُ اللَّهِ لِلْخَيْلِ. يُسَمَّى الْوَادِيَ النَّقِيعَ إلَى أَنْ يُقْبِلَ عَلَى بِئْرِ الْمَاشِي - ٣٨ كَيْلًا جَنُوبَ الْمَدِينَةِ - ثُمَّ يُسَمَّى عَقِيقَ الْحَسَا، إلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ عَقِيقِ الْمَدِينَةِ حَتَّى يَدْفَعَ فِي إضَمٍ فِي مَجْمَعِ الْأَسْيَالِ. فَأَوَّلُ النَّقِيعِ مِمَّا يَلِي الْمَدِينَةَ يَبْعُدُ عَنْهَا قَرَابَةَ (٤٠) كَيْلًا، جَنُوبًا عَلَى طَرِيقِ الْفَرْعِ، وَأَقْصَاهُ عَلَى قَرَابَةِ (١٢٠) كَيْلًا قُرْبَ الْفَرْعِ.
النُّورُ (جَبَلٌ . .) ذُكِرَ فِي حِرَاءٍ.
نِيقُ الْعُقَابِ جَاءَ فِي قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَدْ لَقِيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيْضًا بِنِيقِ الْعُقَابِ، فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ.
قُلْت: لَا يُعْرَفُ هَذَا الْمَوْضِعُ الْيَوْمَ، وَخَاصَّةً عَلَى الْجَادَّةِ.
стр. 253
النِّيلُ بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ، وَبِالتَّعْرِيفِ. جَاءَ فِي قِصَّةِ النَّجَاشِيّ وَحُرُوبِهِ أَثْنَاءَ وُجُودِ مُهَاجِرِي الْحَبَشَةِ فِي جِوَارِهِ.
وَالنِّيلُ مَعْرُوفٌ مَعْلُومٌ حَتَّى لِلْعَامَّةِ، إنَّمَا الَّذِي جَاءَ ذِكْرُهُ غَيْرُ النِّيلِ الْكَبِيرِ، هُوَ فَرْعٌ مِنْهُ يَدْخُلُ فِي بِلَادِ الْحَبَشَةِ يُسَمَّى النِّيلَ الْأَزْرَقَ، يَسِيلُ مِنْ هَضْبَةِ الْحَبَشَةِ إلَى بِلَادِ السُّودَانِ، وَيُقَابِلُهُ فِي الْجِهَةِ الْأُخْرَى النِّيلُ الْأَبْيَضُ الَّذِي يَأْتِي مِنْ مُرْتَفَعَاتِ «أُوغَنْدَة» فَيَشُقُّ أَرْضَ السُّودَانِ طُولًا فَيَجْتَمِعُ النِّيلَانِ عِنْدَ مَدِينَةِ الْخُرْطُومِ فَيَتَكَوَّنُ النِّيلُ الْكَبِيرُ، الَّذِي يَذْهَبُ مُنْحَدِرًا فِي أَرْضِ السُّودَانِ ثُمَّ أَرْضِ مِصْرَ إلَى أَنْ يَفِيضَ فِي الْبَحْرِ الْأَبْيَضِ بَيْنَ الإسكندرية وَبُورْسَعِيدَ.
стр. 254
نِينَوَى بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ، وَفَتْحِ النُّونِ الْأُخْرَى مَقْصُورٌ: جَاءَ ذِكْرُهَا فِي خَبَرِ لُجُوءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى الطَّائِفِ. وَحَدِيثُهُ مَعَ عَدَّاسٍ، إذْ قَالَ لَهُ: وَمِنْ أَهْلِ أَيِّ الْبِلَادِ أَنْت يَا عَدَّاسُ، وَمَا دِينُك؟ قَالَ: نَصْرَانِيٌّ، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نِينَوَى.
قُلْت: نِينَوَى: كَانَتْ إحْدَى مُدُنِ الْعِرَاقِ الْمُهِمَّةِ، ذَاتُ شُهْرَةٍ تَارِيخِيَّةٍ، كَانَ مِنْهَا نَبِيُّ اللَّهِ يُونُسَ بْنُ مَتَّى، وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ مُغَاضِبًا فِي الْبَحْرِ، وَذَكَرَ اللَّهُ ﷻ أَنَّهُ بَعَثَهُ إلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ. وَنِينَوَى الْيَوْمَ أَطْلَالٌ وَآثَارٌ عَلَى الضَّفَّةِ الْيُسْرَى لِنَهْرِ دِجْلَةَ مُقَابَلَةً مَدِينَةَ الْمَوْصِلِ مِنْ مَطْلَعِ الشَّمْسِ، وَالنَّهْرُ بَيْنَهُمَا. وَيَؤُمُّهَا الْمِئَاتُ مِنْ السُّيَّاحِ كُلَّ يَوْمٍ، وَمَوْقِعُهَا بَارِدٌ شِتَاءً مُعْتَدِلٌ صَيْفًا.
стр. 255
الْهَبَاءَةُ هَاء فَمُوَحَّدَةٌ تَحْتِيَّةٌ: ذُكِرَتْ فِي الْيَعْمَلَةِ، وَهُنَاكَ تَحْدِيدُهَا. وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ زُهَيْرٍ:
تَرَكْت عَلَى الْهَبَاءَةِ غَيْرَ فَخْرٍ
حُذَيْفَةَ عِنْدَهُ قَصْدُ الْعَوَالِي
هُبَلُ بِضَمِّ الْهَاءِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، وَآخِرُهُ لَامٌ: جَاءَ فِي النَّصِّ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ اتَّخَذَتْ صَنَمًا عَلَى بِئْرٍ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ يُقَالُ لَهُ: هُبَلُ.
قُلْت: هَذِهِ بِئْرٌ كَانَ يُودَعُ فِيهَا مَا كَانَ لِلْكَعْبَةِ مِنْ أَمْوَالٍ، وَلَيْسَتْ بِئْرَ مَاءٍ. وَكَانَ هُبَلُ مِنْ عَقِيقٍ أَحْمَرَ عَلَى صُورَةِ إنْسَانٍ، وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى مَكْسُورَةً فَجَعَلَتْ لَهُ قُرَيْشٌ يَدًا مِنْ ذَهَبٍ، قِيلَ إنَّ خُزَيْمَةَ بْنَ مُدْرِكَةَ بْنِ إلْيَاسِ بْنِ مُضَرَ، هُوَ الَّذِي نَصَبَهُ، وَكَانَ يَسْتَقْسِمُ عِنْدَهُ بِالْأَزْلَامِ، وَكَانَ صَاحِبَ الْقِدَاحِ يَضْرِبُهَا عِنْدَهُ، وَيَوْمُ أُحُد قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: اُعْلُ هُبَلُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : رُدُّوا عَلَيْهِ: فَقِيلَ: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ، وَكُسِّرَ يَوْمَ كُسِّرَتْ الْأَصْنَامُ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَمِنْ الطَّبِيعِيِّ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ.
الْهَدْمُ بِلَفْظِ الِاسْمِ مِنْ هَدَمَ: جَاءَ فِي قِصَّةِ هَدْمِ اللَّاتِي، جَاءَ فِي خَبَرِ ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْسَلَ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، وَالْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ لِهَدْمِ الطَّاغِيَةِ، وَهِيَ اللَّاتِي، فَلَمَّا وَصَلَا إلَى الطَّائِفِ ذَهَبَ الْمُغِيرَةُ لِهَدْمِهَا، وَأَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ بِمَالِهِ بِذِي الْهَدْمِ.
стр. 256
وَجَاءَ فِي بَعْضِ الْمَصَادِرِ «الْهَرْمُ». وَلَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِالطَّائِفِ مَكَانٌ بِأَحَدِ الِاسْمَيْنِ. فَهَلْ يَكُونُ هَذَا تَصْحِيفَ «الْعَرْجِ»؟ وَكُلُّ مَنْ ذَكَرَهُ نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ.
стр. 257
وَادِي مَدَانَ: اُنْظُرْ الْحَرَّةَ الرَّجْلَاءَ
الْوَتِيرُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ، وَآخِرُهُ رَاءٌ: جَاءَ ذِكْرُهُ فِي فَتْحِ مَكَّةَ.
وَهُوَ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ جَنُوبَ غَرْبِيِّ مَكَّةَ عَلَى حُدُودِ الْحَرَمِ، يَبْعُدُ عَنْ مَكَّةَ (١٦) كَيْلًا، وَهُوَ مِنْ دِيَارِ خُزَاعَةَ قَدِيمًا وَحَالِيًّا. وَقَدْ أَوْفَيْتهَا الْحَدِيثَ فِي «مَعَالِمِ مَكَّةَ التَّارِيخِيَّةِ وَالْأَثَرِيَّةِ» وَيُجْمَعُ مَعَ مَا حَوْلَهُ فَيُقَالُ: الْوَتَائِرُ، وَسَمَّاهُ الْفَاسِيُّ - الْعِقْدَ الثَّمِينَ - الْوَتِيرَيْنِ، وَقَدْ أُطْلِقَ الْيَوْمَ عَلَى حَيِّزٍ مِنْهُ اسْمُ الْكَعْكِيَّةِ، نِسْبَةً إلَى الْكَعْكِ الَّذِي تَمْلِكُ هَذَا الْحَيِّزَ مِنْهُ، وَيُطْلَقُ عَلَى حَيِّزٍ آخَرَ اسْمُ الْعُكَيْشِيَّةِ.
وَجٌّ هَكَذَا فِي جَمِيعِ الْمَرَاجِعِ، وَأَهْلُهُ يَنْطِقُونَهُ بِكَسْرِ الْوَاوِ: جَاءَ فِي قَوْلِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيِّ، يَهْجُو ثَقِيفًا:
وَبِئْسَ الْأَمْرُ أَمْرُ بَنِي قَسِيٍّ
بِوَجِّ، إذْ تَقَسَّمَتْ الْأُمُورُ
أَضَاعُوا أَمْرَهُمْ وَلِكُلِّ قَوْمٍ
أَمِيرٌ، وَالدَّوَائِرُ قَدْ تَدُورُ
قُلْت: وَجٌّ، هُوَ وَادِي الطَّائِفِ الرَّئِيسُ، يَسِيلُ مِنْ شِعَافِ السَّرَاةِ جَنُوبَ غَرْبِيِّ الطَّائِفِ، فَيُقَاسِمُ أَوْدِيَةَ ضَيْمٍ وَدُفَاقٍ وَمَلَكَانَ الْمَاءَ، ثُمَّ يَتَّجِهُ شَرْقًا حَتَّى يَمُرَّ فِي طَرَفِ الطَّائِفِ مِنْ الْجَنُوبِ ثُمَّ الشَّرْقِ، وَقَدْ عُمِّرَ الْيَوْمَ جَانِبَاهُ بِأَحْيَاءِ مِنْ الطَّائِفِ، فَإِذَا تَجَاوَزَ الطَّائِفَ كَانَتْ عَلَيْهِ قُرًى وَمَزَارِعُ كَثِيرَةٌ إلَى أَنْ يَجْتَمِعَ مَعَ وَادِي شِرْبٍ عِنْدَ مَوْقِعِ عِكَاظٍ، فَيُكَوِّنَانِ
стр. 258
وَادِيَ الْمَبْعُوثِ الَّذِي يَخْتَرِقُ سَهْلَ رُكْبَةَ وَيَذْهَبُ إلَى عَقِيقِ عُشَيْرَةَ إنْ كَانَ سَيْلُهُمَا كَافِيًا. سُكَّانَهُ: فِي أَعْلَاهُ هُذَيْلٌ، وَعِنْدَ الْوَهْطِ وَالْوَهِيطِ قُرَيْشٌ، وَعِنْدَ الطَّائِفِ الْأَشْرَافُ ذَوُو غَالِبٍ، أَمَّا بَعْدَ الطَّائِفِ فَأَحْيَاءٌ مِنْ الْأَشْرَافِ وَعُتَيْبَةَ وَعَدْوَانَ وَغَيْرُهُمْ.
وَجْرَةُ ذُكِرْت فِي الْعَقِيقِ.
ثَنِيَّةُ الْ وَدَ اعِ جَاءَتْ فِي ذِكْرِ يَوْمِ ذِي قَرَدٍ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَتَّى إذَا عَلَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ - يَعْنِي الْأَكْوَعَ - نَظَرَ إلَى بَعْضِ خُيُولِهِمْ، فَأَشْرَفَ مِنْ نَاحِيَةِ سَلْعٍ، ثُمَّ صَرَخَ: وَاصَبَاحَاه.
قُلْت: ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ مِنْ سَلْعٍ عَلَى مَتْنِهِ الشَّرْقِيِّ، يَعْرِفُهَا الْخَاصَّةُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَفِيهَا عُبِّدَ الطَّرِيقُ الذَّاهِبُ إلَى الْعُيُونِ وَالشُّهَدَاءِ وَالشَّامِ، وَهِيَ الْيَوْمَ فِي قَلْبِ عُمْرَانِ الْمَدِينَةِ.
وَدٌّ ذُكِرَ فِي دُومَةِ الْجَنْدَلِ.
وَدَّانُ كَأَنَّهُ مُثَنَّى وَدٍّ الَّذِي قَبْلَهُ: جَاءَ فِي النَّصِّ: ثُمَّ خَرَجَ غَازِيًا فِي صَفَرٍ عَلَى رَأْسِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ، حَتَّى بَلَغَ «وَدَّانَ» وَهِيَ غَزْوَةُ الْأَبْوَاءِ.
قُلْت: انْدَثَرَتْ وَدَّانُ مِنْ زَمَنٍ بَعِيدٍ، وَتَوَهَّمَ بَعْضُ
стр. 259
الْبَاحِثِينَ أَنَّهَا (مَسْتُورَةٌ) الْيَوْمَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَمَوْضِعُ وَدَّانَ شَرْقَ مَسْتُورَةَ إلَى الْجَنُوبِ، فِي نَعْفِ حَرَّةِ الْأَبْوَاءِ إذَا أَكْنَعْت فِي مَكَانٍ يَلْتَقِي فِيهِ سَيْلُ تَلْعَةِ حَمَامَةَ بِوَادِي الْأَبْوَاءِ، وَذَلِكَ النَّعْفُ يُسَمَّى «الْعُصْعُصَ» وَالْمَسَافَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَسْتُورَةَ قَرِيبًا مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ كَيْلًا. وَأَهْلُهَا - الْيَوْمَ - بَنُو مُحَمَّدٍ مِنْ بَنِي عَمْرٍو مِنْ حَرْبٍ.
وَرْقَانُ يَضْبِطُهُ الْجُغْرَافِيُّونَ بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَأَهْلُهُ يُسَكِّنُونَهُ، وَأَظُنُّهُ بِالسُّكُونِ، يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ جَمِيلٍ:
يَا خَلِيلِيَّ إنَّ بُثَيْنَةَ بَانَتْ
يَوْمَ وِرْقَانَ بِالْفُؤَادِ سَبِيًّا
تَقَدَّمَ وَرْقَانُ مَعَنَا فِي عَسْجَدٍ، وَكَسَرَهُ هُنَاكَ زَرَاحٌ الْعُذْرِيُّ لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ. قُلْت: هُوَ جَبَلٌ أَشْهَبُ وَلَيْسَ بِأَسْوَدَ كَمَا تَنَاقَلَتْهُ كُتُبُ الْمُتَقَدِّمِينَ، ذُو شَنَاخِيبَ عَسِرُ الْمَرْقَى، إذَا أَقْبَلْت عَلَى الرَّوْحَاءِ آتِيًا مِنْ الْمَدِينَةِ كَانَ وَرْقَانُ عَلَى يَسَارِك، تَرَاهُ شَاهِقًا، وَلِلنَّاسِ تَغَنٍّ بِعُسْرِ مَرَقَاهُ وَمَنْعَتِهِ، وَهُوَ الْيَوْمَ لِعَوْفٍ مِنْ حَرْبٍ، وَمِيَاهُهُ مَقْسُومَةٌ بَيْنَ غَوْرٍ وَجِلْسَ الْغَوْرُ، فِي وَادِي الصَّفْرَاءِ وَالْجِلْسُ فِي وَادِي الْفُرَيْشِ ثُمَّ مَلَلٍ فَإِضَمٍ. يَبْعُدُ وَرْقَانُ جَنُوبَ الْمَدِينَةِ (٧٠) كَيْلًا.
стр. 260
يَأْجَجُ بَعْدَ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ هَمْزَةٌ، ثُمَّ تَكْرَارُ الْجِيمِ، أَوَّلُهُمَا مَفْتُوحٌ: جَاءَ فِي قِصَّةِ هِجْرَةِ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ،
قُلْت: هُوَ وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ مَكَّةَ، شَمَالَ عُمْرَةِ التَّنْعِيمِ، وَوَادِي التَّنْعِيمِ يَصُبُّ فِي يَأْجَحَ، يَقْطَعُهُ الطَّرِيقُ إلَى الْمَدِينَةِ عَلَى عَشْرَةِ أَكْيَالٍ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِاسْمِ «يَاجَ» وَأَهْلُهُ لِحْيَانُ مِنْ هُذَيْلٍ، وَسَيْلُهُ يَصُبُّ فِي مَرِّ الظَّهْرَانِ مِنْ الْيَسَارِ عِنْدَ دُفِّ خُزَاعَةَ.
يَثْرِبُ بِالْمُثَنَّاةِ تَحْتُ، وَمُثَلَّثَةٍ سَاكِنَةٍ، وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ: جَاءَ فِي ذِكْرِ خُرُوجِ قَبَائِلِ الْأَزْدِ مِنْ الْيَمَنِ، وَكَانَ أَنْ نَزَلَتْ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ يَثْرِبَ، وَقَدْ سَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ فِيمَا بَعْدُ «الْمَدِينَةَ» وَنَهَى أَنْ يُقَالَ لَهَا يَثْرِبُ، وَسَمَّى أَهْلَهَا الْأَنْصَارَ. وَدَعَاهَا الْمُسْلِمُونَ الْمَدِينَةَ الْمُنَوَّرَةَ، تَمْيِيزًا لَهَا عَنْ أَيَّةِ مَدِينَةٍ أُخْرَى. وَهِيَ أَجَلُّ وَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ نَعْرِفَهَا هُنَا.
الْيُسْرَى ذُكِرَتْ فِي نَخْبٍ
الْيَعْمَلَةُ أَوَّلُهُ يَاءٌ مُثَنَّاةٌ تَحْتُ: جَاءَ فِي قَوْلِ عَامِرٍ الْخَصَفِيّ:
стр. 261
أَحْيَا أَبَاهُ هَاشِمَ بْنَ حَرْمَلَه ْ
يَوْمَ الْهَبَاءَاتِ وَيَوْمَ الْيَعْمَلَهْ
تَرَى الْمُلُوكَ عِنْدَهُ مُغَرْبَلَهْ
يَقْتُلُ ذَا الذَّنَبِ وَمَنْ لَا ذَنَبَ لَهْ
الْيَعْمَلَةُ: مَوْضِعٌ كَانَتْ فِيهِ وَقْعَةٌ، وَتَقَعُ جَنُوبَ الرَّبَذَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَهْدِ الذَّهَبِ (وَادٍ وَجِبَالٌ). وَالْهَبَاءَةُ: أَرْضٌ بِهَا حَفَائِرُ تَقَعُ فِي وَادِي بَيْضَانَ قُرْبَ السوارقية، وَهُمْ يَقُولُونَ: الْهَبَاءُ، بِحَذْفِ الْهَاءِ الْآخِرَةِ، وَانْظُرْ عَنْ الْهَبَاءَةِ: «مُعْجَمَ مَعَالِمِ الْحِجَازِ».
يَعُوقُ ذُكِرَ فِي خَيْوَانَ.
يَغُوثُ أَوَّلُهُ مُثَنَّاةٌ تَحْتُ، وَآخِرُهُ مُثَلَّثَةٌ جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى. لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ، وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا، وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَنْعَمُ مِنْ طَيِّئٍ، وَأَهْلُ جُرَشٍ مِن ْ مَذْحِجَ اتَّخَذُوا يَغُوثَ بِجُرَشٍ. مَذْحِجَ اتَّخَذُوا يَغُوثَ بِجُرَشٍ.
وَيُعَلِّقُ مُحَقِّقُو السِّيرَةِ بِمَا يَنْفِي كَوْنَ جُرَشٍ مِنْ مَذْحِجَ. وَالنَّصُّ يَقُولُ: إنَّ أَهْلَ جُرَشٍ مِنْ مَذْحِجَ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، إذْ أَنَّ مَدِينَةَ جُرَشٍ كَانَتْ فِي أَرْضِ مَذْحِجَ،
стр. 262
وَهِيَ كَمَا قَدَّمْنَا آثَارٌ قُرْبَ خَمِيسِ بْنِ مُشَيْطٍ، فَهَذَا مَوْقِعُ يَغُوثَ وَلَكِنَّهُ لَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ، وَمُعْظَمُ الْأَصْنَامِ كَرِهَ الْعَرَبُ - بَعْدَ الْإِسْلَامِ - حَتَّى ذِكْرَ أَسْمَائِهَا بَعْدَ أَنْ عَوَّضَهُمْ اللَّهُ حَقًّا وَنُورًا، هُوَ الْإِسْلَامُ.
يَلَمْلَمُ جَاءَ فِي قَوْلِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيِّ يَمْدَحُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ :
أَطَعْنَاك حَتَّى أَسْلَمَ النَّاسُ كُلُّهُمْ
وَحَتَّى صَبَحْنَا الْجَمْعَ أَهْلَ يَلَمْلَمَا
قُلْت: يَلَمْلَمُ وَقَدْ يُقَالُ: أَلَمْلَمُ: وَادٍ فَحْلٌ يَمُرُّ جَنُوبَ مَكَّةَ عَلَى (١٠٠) كَيْلٍ، فِيهِ مِيقَاتُ أَهْلِ الْيَمَنِ مَنْ أَتَى عَلَى الطَّرِيقِ التِّهَامِيّ، وَيُعْرَفُ الْمِيقَاتُ إلَى سَنَةِ ١٣٩٩ هـ بِالسَّعْدِيَّةِ، ثُمَّ زُفِّتَ طَرِيقُ السَّيَّارَاتِ فَأَخَذَ السَّاحِلَ، فَهُجِرَ هَذَا الْمِيقَاتُ الْيَوْمَ لِبُعْدِهِ، عَنْ الطَّرِيقِ الْحَدِيثَةِ، وَأَهْلُ يَلَمْلَمَ فِي صُدُورِهِ بَنُو فَهْمٍ، وَتِهَامَتُهُ لِبَنِي شُعْبَةَ الْكِنَانِيِّينَ، وَسَاحِلُهُ لِلْأَشْرَافِ الْعَرَامِطَةِ وَأَفْنَاءٍ مِنْ حَرْبٍ.
يَلْيَلُ بِتَكْرَارِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ، وَاللَّامِ. جَاءَ فِي النَّصِّ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي «الْعُدْوَةِ الْقُصْوَى» وَكَانَ وَادِي الصَّفْرَاءِ يُطْلَقُ عَلَى أَسْفَلِهِ الَّذِي يَمُرُّ بِبَدْرِ اسْمَ يَلْيَلَ، وَقَدْ يُسَمِّيهِ الْيَوْمَ بَعْضُهُمْ وَادِيَ بَدْرٍ، وَلَمْ يَعُدْ يُعْرَفُ اسْمُ يَلْيَلَ.
الْيَمَنُ تَرَدَّدَ ذِكْرُهُ كَثِيرًا فِي السِّيرَةِ، وَهُوَ الزَّاوِيَةُ الْجَنُوبِيَّةُ الْغَرْبِيَّةُ لِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، كَانَ مَنْبَعَ حَضَارَاتِ الْعَرَبِ الْقَدِيمَةِ وَمِنْهُ
стр. 263
خَرَجَتْ الْهِجْرَاتُ الْعَرَبِيَّةُ الَّتِي عَمَّرَتْ مَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِالْعَالَمِ الْعَرَبِيِّ، وَظَلَّ الْيَمَنُ عَلَى مَرِّ التَّارِيخِ يَتَوَحَّدُ وَيَتَفَرَّقُ، وَهُوَ مُكَوَّنٌ فِي عَهْدِنَا هَذَا مِنْ دَوْلَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا الْيَمَنُ الشَّمَالِيُّ، وَعَاصِمَتُهُ صَنْعَاءُ، وَالْيَمَنُ الْجَنُوبِيُّ، وَعَاصِمَتُهُ عَدَنٌ، وَكِلَاهُمَا قَدْ مَرَّ فِي هَذَا الْمُعْجَمِ. وَالْعَرَبُ مِنْ قَدِيمٍ تُطْلِقُ عَلَى كُلِّ مَا هُوَ جَنُوبٌ يَمَنًا، وَعَلَى مَا هُوَ شَمَالٌ، شَامًا، خَاصَّةً فِي الْحِجَازِ، فَهُمْ يَعْتَبِرُونَ كُلَّ مَا هُوَ جَنُوبَ مَكَّةَ يَمَنًا، بَلْ إنَّ الْمَحَاكِمَ بِمَكَّةَ تَقُولُ: (يَحُدُّ مُلْكَ فُلَانٍ يَمَنًا كَذَا، وَشَامًا كَذَا). وَلِذَا قَالَ هُبَيْرَةُ الْمَخْزُومِيُّ:
سُقْنَا كِنَانَةَ مِنْ أَطْرَافِ ذِي يَمَنٍ
عَرْضَ الْبِلَادِ عَلَى مَا كَانَ يُزْجِيهَا
قَالَتْ كِنَانَةُ: أَنَّى تَذْهَبُونَ بِنَا؟
قُلْنَا: النَّخِيلُ، فَأَمُّوهَا وَمَنْ فِيهَا
النَّخِيلُ: قَرْيَةٌ عَامِرَةٌ عَلَى وَادٍ بِهَذَا الِاسْمِ شَمَالَ بَلْدَةِ الْحِنَاكِيَّةِ، وَالْحِنَاكِيَّةُ: عَلَى مِائَةِ كَيْلٍ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى طَرِيقِ الْقَصِيمِ. اُنْظُرْ عَنْهَا - إنْ شِئْت - كِتَابِي «الرِّحْلَةُ النَّجْدِيَّةُ». أَمَّا الْيَمَنُ - جُغْرَافِيًّا - فَهُوَ مَا حَدَّدْنَاهُ، آنِفًا.
يَنْبُعُ مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ وَنُونٌ وَمُوَحَّدَةٌ، وَآخِرُهُ عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ: جَاءَ فِي غَزَاةِ ذِي الْعُشَيْرَةِ.
قُلْت: إذَا ذُكِرَ هَذَا الِاسْمُ فِي السِّيرَةِ أَوْ أَيِّ كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ الْمُتَقَدِّمِينَ فَلَا يَنْصَرِفُ إلَّا عَلَى وَادِي يَنْبُعَ النَّخْلِ، وَهُوَ وَادٍ فَحْلٌ كَثِيرُ الْعُيُونِ وَالْقُرَى وَالنَّخِيلِ، الَّتِي أُخِذَ اسْمُهُ مِنْهَا، يَتَعَلَّقُ رَأْسُهُ عِنْدَ بُوَاطَ عَلَى قُرَابَةِ (٧٠) كَيْلًا مِنْ الْمَدِينَةِ غَرْبًا، ثُمَّ يَنْحَدِرُ بَيْنَ سِلْسِلَتَيْنِ مِنْ الْجِبَالِ
стр. 264
عَظِيمَتَيْنِ، فَتَكْثُرُ رَوَافِدُهُ مِنْهُمَا، وَهَذَا هُوَ سِرُّ وَفْرَةِ مِيَاهِهِ وَتَفَجُّرِ عُيُونِهِ، وَالسِّلْسِلَتَانِ هُمَا: جَبَلُ الْأَشْعَرِ فِي الْجَنُوبِ، وَيُسَمَّى الْيَوْمَ «الْفِقْرَةَ» تَسِيلُ مِنْهُ أَوْدِيَةٌ عِظَامٌ فِي يَنْبُعَ، مِنْ أَهَمِّهَا «نَخَلَى» وَعَبَاثِرُ، وَجِبَالُ رَضْوَى مِنْ الشَّمَالِ، وَمِنْهَا أَوْدِيَةٌ أَيْضًا مِنْ أَهَمِّهَا: ضَأْسٌ وَغَيْرُهُ.