"بذاته"، "وهو في كل مكان بعلمه"، "القرآن كلام الله ليس بمخلوق" فاستنكر عليه الذهبي - رحمه الله تعالى- لفظة "بذاته". ونقل المعلق برقم / ٢، (ص / ٢٦)، استنكار الذهبي لها على ابن أَبي زيد المالكي، وعلى ابن الزاغوني الحنبلي المتوفى ٥٢٧ هـ.
ونريد في هذه الحقيقة بيان الفرق بين استنكار الذهبي لها وبين سياق المعلق لهذا الاستنكار، لنعلم أَن الفرق بين الاستنكارين كالفرق بين الرجلين.
فالذهبي - رحمه الله تعالى- جارِ في الاعتقاد على طريقة أَهل السنة والجماعة، لا يشك في ذلك أَحد؛ ولهذا كان كتابه "العلو للعلي الغفار" شجى في حلوق المبتدعة من المؤولة، والمفوضة، والمعطلة، وغيرهم.
فاستنكاره - رحمه الله تعالى- لِإطلاق بعض هذه الأَلفاظ لا يعني التأْثير بأَي وجه على سلامة معتقده في الِإثبات بلا تشبيه ولا تكييف، وإِنما يعني استنكار إِطلاقها في مقام التقرير، أَو لما يحصل لها من أَثر على بعض
стр. 37
النفوس، والقصد هداية الخلق إِلى الحق، والأَصل الوقوف عند لفظ النص.
أَما سياق المعلق المذكور بقرينة تعاليقه الخلفية على هذه المقدمة، فهو يعني إِنكار "استواء الذات" والذي من لازمه أَن الله -تعالى- في كل مكان، فيؤول الأَمر إِلى ما فاهت به الجهمية والمعتزلة من قولهم: "إِن الله في كل مكان بذاته" تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.
وهذه الحيدة في هذا التعليق عن مذهب السلف، هي نظير الحيدة في تعليقته الثانية: رقم / ١، (ص / ٢٧) على قول ابن أَبي زيد - رحمه الله تعالى-:
"وهو في كل مكان بعلمه" إِذ قال المعلق: "يعني أَن عِلْمَ الله -تعالى- محيط بكل مكان لا يخفى عليه شيء في الأَرض ولا في السماء".
فهذا كلام حق، والله -تعالى- يقول: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. لكن تعليقه من خَلَفِىّ على هذا الموضع، له معنى لدى الأَشعرية يعود
стр. 38
بالِإبطال على إِثبات استواء الله على عرشه بذاته، وأَنه في كل مكان بعلمه.
وتعليقته هذه هي عين ما جرى عليه الأَشعرية في "شرح الرسالة"، كما في: "شرح زروق": (١/ ٢٩)، والتتائي في: "تنوير المقالة": (١/ ١٨٦ - ١٨٧) وفيه: " ... قول من قال: إِن الباري -تعالى- بكل مكان بعلمه: باطل؛ لأَن من يعلم مكاناً لا يصح أَن يقال: هو في ذلك المكان بالعلم، وإِنما يقال: إِنه محيط بكل شيء قدرة، وعلماً، وأَن ما أَتى به المؤلف، هو مذهب المعتزلة ... " انتهى.
وهذه مغالطة. فالمعتزلة يقولون: إِن الله تعالى في كل مكان بذاته، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.
فانظر:- رعاك الله- خفاء مسالك المبتدعة، في صرف الحق وأَن لهم عبارات، وأَلفاظاً، وحيلاً، يُقََلِّبون فيها الأُمور.
وأَن هذا المعلق أَتى بهذا التعليق على مشربه، فأَفسد
стр. 39
العقيدة من مكان بعيد.
نعوذ باللهِ من الخذلان.
وأَما تعليقته الثالثة: رقم / ١، (ص / ٣١) على قول ابن أَبي زيد - رحمه الله تعالى-: "على العرش استوى" فإِنه نقل كلام زروق في "شرح الرسالة": (١/ ٢٤، ٣١)، وكلام زروق- تجاوز الله عنا وعنه - فيه تأْويل من بعد تفويض؛ إِذ فوض معنى الاستواء وَأَوَّلَ قول مالك - رحمه الله تعالى- المشهور عنه وعن غيره من السلف: "الاستواء معلوم ... " على أَن آيات الصفات من المتشابه الذي يُنزه عن المحال ولا يُتعرض لمعناه.
وهذا حمل لكلام مالك على غير المراد منه، والناس كافة على خلافه، وشرح هذا يطول.
وَهُنَا غَلِطَ زروق في قوله: "جاء ذكر الاستواء على العرش في ستة مواضع من كتاب الله تعالى"، وصوابه في: "سبعة مواضع ... " من سورة: الأَعراف، ويونس، والرعد، وطه، والفرقان، والسجدة، والحديد.
стр. 40
والمعلق لم ينقل أَيضاً كلامه بتمامه، بل بتر، وَلَفَّق، وَيَعلم هذا مَنْ قَابَل بين النقل والكتاب المنقول منه.
والقول بالتفويض شَرٌّ من التأْويل، ومن نَسب التفويض إِلى أَنه قول السلف، وفي مقدمتهم الصحابة- ﵃ فقد جَهِلَ مذهبهم، وَجَهَّلَهم، وكذب عليهم.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى- (١):
"إِن قول أَهل التفويض الذين يزعمون أَنهم متبعون للسنة والسلف مِن شَرِّ أَقوال أَهل البدع والِإلحاد" انتهى.
وقال السفاريني - رحمه الله تعالى- مشيراً إِلى قبح مقالة التفويض (٢):
"فهذا الظن الفاسد، أَوجب تلك المقالة التي مضمونها، نبذ الإِسلام وراء الظهر، وقد كذبوا وأَفكوا على طريقة السلف، وضلوا في تصويب طريقة الخلف،
стр. 41
فجمعوا بين باطلين: الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم، والمجهل والضلال بتصويب طريقة غيرهم" انتهى.
حينئذٍ يأْتي هذا السؤال وهو: لماذا عَلَّق على هذين اللفظين: "بذاته"، و"في كل مكان بعلمه" بما يلغيهما، وترك التعليق على لفظ "ليس بمخلوق" في قول ابن أَبي زيد - رحمه الله تعالى-: "وأَن القرآن كلام الله ليس بمخلوق ... " مع أَن هذه اللفظة "ليس بمخلوق" هي كذلك ليست توقيفية بلفظها، كاللفظين المذكورين؟
والجواب: أَن الذي يقول بخلق القرآن هم الجهمية، والمعتزلة، وقد قام أَهل السنة والجماعة بواجب الرد عليهم، وكانت الأَشاعرة كذلك لا تقول بخلق القرآن، وكان منهم من يطلق هذه العبارة: "القران كلام الله غير مخلوق"، لكن لهم أَقوال غثة رخيصة تؤدي إِلى القول بخلق القران كما تجد بيانها في "شرح الطحاوية" وغيره. والله أَعلم.
وَحَوَّلَ مَا قَرَّرَهُ ابن أَبي زيد - رحمه الله تعالى- من أَن الله يجيء يوم القيامة حقيقة- إِلى حكايه
стр. 42
الخلاف بين المجيء حقيقة، وبين التأْويل بمجيء أَمره وقضائه، وذلك فيما نقله في التعليق رقم / ١، (ص / ٣٧) عن كتاب: "صفوة البيان ... " للشيخ حسنين مخلوف - رحمه الله تعالى-: (ص / ٨٠٤).
وهو بهذا الِإخراج لمقدمة رسالة ابن أَبي زيد - رحمه الله تعالى- وبهذه التعليقات عليها، لَمْ يُبْق هذه "العقيدة الِإسلامية" على مبناها؛ لِمَا أَدخله من تحريفٍ: زيادة، ونقصاً، وتبديلاً. وَلَمْ يُبْقِها على مَعْنَاها، وَصَفَائِهَا، ونقاوتها، بَلْ نَكََثَها، وَحَوَّلَها إِلى عقيدة خلفية هُوَ عاضٌّ عليها، تَحْمِلُ: الِإرجاء، والتفويض، والتأْويل، ويرفضها سلف هذه الأُمة وخيارها من لدن الصحابة ﵃ فمن تبعهم بإِحسان، ومنهم إِمام أَهل السنة في زمانه، ابن أَبي زيد القيرواني - رحمه الله تعالى-.
ففي هذا التحويل جِنَايَاتٌ عِدَّة على الحق، والخلق:
جناية على ابن أَبي زيد فيما بذله ونصح به للمسلمين من بيان واجب الديانة في الاعتقاد.
стр. 43
وفي هذا التحويل: تَغْرِيرٌ بالمتعلمين وَغِشٌّ لأَولاد المسلمين.
وفي هذا التحويل: نَفْثٌ لعقيدة التفويض، والتأْويل بواسطة كتب السلف، والتمسح بإِخراجها، وخدمتها، والتعليق عليها. وهذا الكيد المهين من الظلم، والفجور، والانطواء على حرقة من انتشار عقيدة السلف، وانحسار شباب الأمة عن تلكم العقائد الخلفية التي يرفضها: النص، والفطرة، والعقل.
ومعلوم أَن أُمور الاعتقاد لا تقبل التذبذب، ولا التردد، ولا حكايته القولين، أَو الأَقوال، وإِنما الحق فيها واحد لا يتعدد، وليس وراءه إِلا الضلال.
ومعلومٌ أَن أَهل الأَهواء قد وقفوا لنصوص الصفات بالمرصاد بالتأْويل تارة، وبالتفويض تارة، وبالتعطيل تارة، فإِذا لم يتم لهم شيء من ذلك لَجَأُوا إِلى الطعن في ثبوت السنن.
والرجل يدور في تعليقاته بين التأْويل والتفويض.
стр. 44
وبالجملة فهذه تصرفات منه مشينة، مرفوضة بجميع معايير النقد عند السلف والخلف؟
وهو مُدَانٌ بِأَلَمِهِ مِنْ قَلَمِهِ؛ إِذ قال معلقاً على كلمة ابن خَلاَّدٍ - رحمه الله تعالى-: "الحَكُّ تُهْمَة" ما نصه (١):
"انظر كيف تجب المحافظة على الأَمانة في الكلمة العلمية، وكيف كانوا يحترسون من التهمة أَن تتوجه إِليهم ولو بحك كلمة دخيلة على الكتاب، ولقد وجد في زماننا هذا طائفة من المحككين "المحققين" يتصرفون في بعض الكتب، فمنهم من يحذف من الكتاب، ومنهم من يزيد فيه، ومنهم من يغير فيه ويبدل كلاماً بكلام، إذا لم يعجبه، أَو جاء على غير مشربه أَو كان ذلك أَنفع له تجارةً ومالاً، كما وقع هذا من (محمد ومحمد ناصر وحَمَد وحامد ومحمود وبعض الناشرين الذين يظن بهم الأَمانة والدين) وأَمثالهم، فإِنا لله من ضياع الأَمانة في العلم! " انتهى.
стр. 45
هذا كلام جميل هو منه محروم، لكنه "جَرْوَل" يهجو نَفْسَهُ، ويكفينا عن هذه الأَسماء: "مُعَلِّمُ المحككين: عبد الفتاح"، فقد فاق أَقرانه المحرفين بالتحريف، وَبَزَّ أَهل الزمان منهم بالتزييف. ولا أَدري كيف أَجمع بين تعليقه على كلمة ابن خلاد، واستجازته لنفسه، التقلب في ظلمات التحريف، مرتضياً هذا لِدِييهِ، وأَدبه، وخلقه؟ لكنها جادة المخالفين أَهل الزَّمَانَةِ والانقطاع، وَمَنْ سَطَا بالتأْويل، والتفويض على نصوص الوحيين الشريفين، فمن باب أَولى أَن يستغفل الناس فيتصرف في كلام المؤلفين.
ويبقى تعليقه على كلمهَ ابن خلاد، زيادة في الحجة عليه، فإِنه قَدْ عَبَّ من كل أَبواب التحريف فزاد، ونقص، وغَيَّر، كل هذا خدمة لمشربه، وتلصصه بنشره هنا وهناك؟؟ وقد بَيَّنتُ أَن ديدنه التحريف فيما كتبته عن "تحريف النصوص".
وتأَمل ماذا يصنع المشرب المنحرف بأَهله.
فيا هذا: أَوَّلُ مَا يُفْقَدُ من الدين "الأَمانة".
стр. 46
وعندي أَنه لا يوثق بنقل هذا الرجل إِخراجاً أَو تعليقاً؛ لاختلال أَمانته، وفساد مشربه.
من أَجل ذلك رأَيت تحرير هذا التقديم حاوياً لأُمور ثلاثة:
الأَول: أَن ابن أَبي زيد -رحمه الله تعالى- قد أَلقى الله عليه من نوره، فهو صاحب عقيدة سلفية سُنَية، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة الحديد، الآية: ٢٨].
الثاني: أَن مقدمة رسالته في التوحيد، جارية على طريقة السلف ولزوم السنة والأَثر، مشرقة بالحق، وصحة المعتقد.
الثالث: أَن إِخراج "مُعلم المحككين" لها، مدخولة بتحريفه لمبناها، وتحويله لمعناها: مُعَارَضَةَ منه للنور بالظلمة، وللصحة بالزمانة، وللحق الجلي بالشبهة الواهية.
كل هذا نظير ما صنعه "قُدْوَتُهُ الكوثري" في "الأَسماء
стр. 47
والصفات" للبيهقي (١)، فإِنه حَوَّله وَحَرَّفَه إِلى حمل مذهب السلف على التفويض، وهذا من الظلم العظيم للصحابة الأَبرار من المهاجرين والأَنصار، ومن تبعهم بإِحسان، لكنه الهوى وفساد المشرب، والمهم أَن يعرف طلاب العلم أَن ما هنا جزء مما هنالك، نعوذ بالله من الهوى وأَهله.
وهنا أَقول: وإننا في هذه الأَيام نشاهد: "كوثرية ولا مُعَلِّمِيَّ لها" نرى هؤلاء الأَصاغر، رابضين بين أَهل السنة، تمتد أَيديهم إِلى كتب أَعلامها، وَيَتَلَصَّصُون ساعة الغفلة فيها، فيصعدون على أَكتافها، ويتحرشون بهم بواسطتها، وينفثون ما لديهم من هوى وبدعة في حواشيها؛ لأَنهم لما رأَو أَن نشر كتب الخلف يقطع عليهم الطريق صارت النقلة بهذه"العقيدة التجار" إِلى التحشية على كتب السلف ليصلوا إِلى تَلْوِيث اعتقاد أَولاد المسلمين: "أَهل السنة" بتحريف تلكم الواسطة.
стр. 48
والواجب أَمام هذا الرهط: الحجر على امتداد أَقلامهم إِلى كتب السلف، وهجر ما تعمله أَيديهم، والبعد عن نشره وتخريجه، وتواصي الكتبيين بعدم تسويقها، والِإنكار عليهم إِن فعلوا، وعدم تمكين كل صاحب هوى وبدعة من تعليم أَولاد المسلمين: الفقه في الدين.
فَإِنَّ دَأَبَ أَهل الأَهواء هكذا إِن وجدوا غفلة من أَهل السنة صاحوا بهم، وتأَلبوا عليهم، وإِن تيقظ لهم أَهل السنة: خنسوا، وتشرذموا، كما قال ابن القيم - رحمه الله تعالى- فيهم (١):
"طَبْل يَجْمَعُهُمْ، وَعَصاً تُفَرِّقُهُم".
وبناءً على ما تقدم تبيانه وشرحه، فقد أَفردت هذه "المقدمة" في "التوحيد" من "رسالة ابن أَبي زيد القيرواني" ثم أَلحقتها بنظمها لابن مشرف، ولولا خوف الِإطالة لأَتبعت ذلك بمقدمة ابن أَبي زيد لكتابه "الجامع" والتي نقلها عنه ابن القيم - رحمه الله تعالى- في: "اجتماع الجيوش
стр. 49
الِإسلامية" فهي أَبسط مما هنا، وفي غاية النفاسة، فَلْيُرجع لإِليها.
وإِليك المقدمة نثراً (١)، ونظماً (٢):
стр. 50
[مقدمة مؤلف الرسالة]
مقدِّمة ابن أبي زيد القيرواني -رحمه الله تعالى-
قال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني ﵁ وأرضاه:
الحمد لله الذي ابتدأ الإنسان بنعمته، وصوره في الأرحام بحكمته، وأبرزه إلى رفقه وما يسره له من رزقه، وعلمه ما لم يكن يعلم، وكان فضل الله عليه عظيماً، ونبه بآثار صنعته وأعذر إليه على ألسنة المرسلين الخيرة من خلقه فهدى من وفقه بفضله، وأضل من خذله بعدله، ويسر المؤمنين لليسرى، وشرح صدورهم للذكرى، فآمنوا بالله بألسنتهم ناطقين، وبقلوبهم مخلصين، وبما أتتهم به رسله وكتبه عاملين، وتعلموا ما علمهم، ووفقوا عند ما حد لهم، واستغنوا بما أحل لهم عما حرم عليهم.
أما بعد، أعاننا الله وإياك على رعاية ودائعه وحفظ ما أودعنا من شرائعه، فإنك سألتني أن أكتب لك جملة
стр. 51
مختصرة من واجب أمور الديانة مما تنطق به الألسنة، وتعتقده القلوب، وتعمله الجوارح، وما يتصل بالواجب من ذلك من السنن من مؤكدها ونوافلها ورغائبها، وشيء من الآداب منها، وجل من أصول الفقه وفنونه على مذهب الإمام مالك ابن أنس رحمه الله تعالى وطريقته، مع ما سهَّل سبيل ما أشكل من ذلك من تفسير الراسخين وبيان المتفقهين، لما رغبت فيه من تعليم ذلك للوالدان كما تعلمهم حروف القرآن، ليسبق إلى قلوبهم من فهم دين الله وشرائعه ما ترجى لهم بركته وتحمد لهم عاقبته، فأجبتك إلى ذلك، لما رجوته لنفسي ولك من ثواب من علم دين الله أو دعا إليه.
واعلم أن خير القلوب أوعاها للخير وأرجى القلوب للخير ما لم يسبق الشر إليه، وأولى ما عني به الناصحون ورغب في أجره الراغبون إيصال الخير إلى قلوب أولاد المؤمنين ليرسخ فيها، وتنبيههم على معالم الديانة، وحدود الشريعة ليراضوا عليها وما عليهم أن تعتقده من الدين
стр. 52
قلوبهم وتعمل به جوارحهم؛ فإنه روي أن تعليم الصغار لكتاب الله يطفي غضب الله، وأن تعليم الشيء في الصغر كالنقش في الحجر.
وقد مثلت لك من ذلك ما ينتفعون -إن شاء الله- يحفظه، ويشرفون بعلمه، ويسعدون باعتقاده والعمل به، وقد جاء أن يؤمروا بالصلاة لسبع سنين، ويضربوا عليها لعشر، ويفرق بينهم في المضاجع، فكذلك ينبغي أن يعلموا ما فرض الله على العباد من قول وعمل قبل بلوغهم ليأتي عليهم البلوغ وقد تمكن ذلك من قلوبهم، وسكنت إليه أنفسهم، وأنست بما يعملون به من ذلك جوارحهم.
وقد فرض الله سبحانه على القلب عملاً من الاعتقادات وعلى الجوارح الظاهرة عملاً من الطاعات.
وسأفصل لك ما شرطت لك ذكره باباً باباً ليقرب من فهم متعلميه إن شاء الله تعالى، وإياه نستخير وبه تستعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 53
باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة
من واجب أمور الديانات
من ذلك الإيمانُ بالقلب، والنُّطقُ باللِّسان أنَّ الله إلَهٌ واحدٌ لا إله غيرُه، ولا شبيهَ له، ولا نَظيرَ له، ولا وَلَدَ له، ولا وَالِدَ له، ولا صاحبة له، ولا شريكَ له.
ليس لأَوَّلِيَّتِهِ ابتداءٌ، ولا لآخِرِيَّتِه انقضَاءٌ، لا يَبْلُغُ كُنْهَ صِفَتِهِ الواصفون، ولاَ يُحيطُ بأمرِه المُتَفَكِّرونَ، يَعتَبِرُ المتفَكِّرونَ بآياته، ولا يَتَفكَّرونَ في مَاهِيَةِ ذاتِه، ولا يُحيطون بشيءٍ من عِلمه إلاَّ بِما شاء وَسِعَ كرْسِيُّه السَّموات والأرض، ولا يِؤُودُه حفظُهما وهو العليُّ العَظيمُ.
العالِمُ الخبيرُ، المُدَبِّرُ القَدِيرُ، السَّمِيعُ البصيرُ، العَلِيُّ الكَبيرُ، وَأنَّه فوقَ عَرشه المجيد بذاته، وهو في كلِّ مَكان بعِلمه.
خَلَقَ الإنسانَ ويَعلمُ ما تُوَسْوِسُ به نفسُه، وهو أَقرَبُ إليهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ، وما تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إلاَّ يَعلَمُها، ولاَ حَبَّةٍ
стр. 54
في ظُلُمَات الأرضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِس إلاَّ في كتاب مُبين.
على العَرشِ اسْتَوى، وعَلى المُلْكِ احْتَوى، وله الأسماء الحُسنى والصِّفاتُ العُلَى، لَم يَزَل بِجَميعِ صفاتِه وأسمائِه، تَعالى أن تكونَ صفاتُه مَخلوقَةً، وأسماؤُه مُحْدَثَةً.
كلَّم موسى بكلامِه الَّذي هو صفةُ ذاتِه لا خَلْقٌ مِن خَلقِه، وَتَجَلَّى للجَبَل فصار دَكًّا مِن جلالِه، وأنَّ القرآنَ كلامُ الله، ليس بمخلُوقٍ فيَبِيدُ، ولا صفة لمخلوقٍ فَيَنْفَدُ.
والإيمانُ بالقَدَرِ خَيْرِه وشَرِّه، حُلْوِهِ وَمُرِّهِ، وكلُّ ذلك قَد قَدَّرَهُ اللهُ رَبُّنا، ومقاديرُ الأمورِ بيدِه، ومَصدَرُها عن قضائِه.
عَلِمَ كلَّ شيْءٍ قَبل كَونِه، فجَرَى على قَدَرِه، لا يَكون مِن عبادِه قَولٌ ولا عَمَلٌ إلاَّ وقدْ قَضَاهُ وسبق عِلْمُه به، ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]
يُضِلُّ مَن يشاء فيَخْذُلُه بعدْلِه، ويَهدي مَن يَشاء فَيُوَفِّقُه بفضلِه، فكَلٌّ مُيَسَّرٌ بتَيْسيره إلى ما سَبَقَ مِن علمه وقَدَرِه، مِن شَقِيٍّ أو سعيدٍ.
تعالَى أن يكونَ في مُلْكِهِ ما لا يُريد، أو يكونَ لأَحَد عنه غِنًى، أو يكون خالقٌ لشيءٍ إلا هو رَبُّ العباد ورَبُّ
стр. 55
أعمالِهم، والمُقَدِّرُ لِحَركاتِهم وآجالِهم، الباعثُ الرُّسُل إليهِم لإقَامَةِ الحُجَّةِ عَلَيهم.
ثُمَّ خَتَمَ الرِّسالةَ والنَّذَارَةَ والنُّبُوَةَ بمحمَّد نَبيِّه ﷺ ، فجَعَلَه آخرَ المرْسَلين، بَشِيراً ونَذِيراً وداعياً إلى الله بإذنِه وسِرَاجاً منيراً.
وأنزَلَ عَليه كتابَه الحَكِيمَ، وشَرَحَ به دينَه القَويمَ، وهَدَى به الصِّرَاطَ المستَقيمَ.
وأنَّ السَّاعةَ آتيَةٌ لا رَيْبَ فيها، وأنَّ اللهَ يَبعَثُ مَن يَموتُ، كما بدأَهم يعودون.
وأنَّ اللهَ ضاعَفَ لعباده المؤمنين الحسَنات، وصَفَحَ لهم بالتَّوبَة عن كبائرِ السيِّئات، وغَفَرَ لهم الصَّغائِرَ باجْتناب الكبائِر، وجَعَلَ مَن لَم يَتُبْ مِنَ الكبائر صَائراً إلى مَشيئَتِه ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] ومَن عاقَبَه اللهُ بنارِه أخرجه مِنها بإيمانِه، فأدخَلَه به جَنَّتَه ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٨]، ويُخرِجُ منها بشفاعَة النَّبِيِّ صلى الله عليه
стр. 56
وسلم مَن شَفَعَ لَه مِن أهلِ الكبائِر مِن أمَّتِه.
وأنَّ اللهَ سبحانه قد خَلَقَ الجَنَّةَ فأَعَدَّها دارَ خُلُود لأوليائِه، وأكرَمهم فيها بالنَّظر إلَى وَجْهِه الكريم، وهي الَّتِي أَهْبَطَ منها آدَمَ نبِيَّه وخلِيفَتَه إلى أَرضِه بِما سَبَقَ فِي سابِق عِلمِه.
وخَلَق النَّارَ فأعَدَّها دَارَ خُلُود لِمَن كَفَرَ به، وألْحَدَ في آياتِه وكتُبه ورُسُلِه، وجَعَلَهم مَحجُوبِين عن رُؤيَتِه.
وأنَّ اللهَ ﵎ يَجيءُ يَومَ القيامَةِ: ﴿وَالمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢]؛ لِعَرْضِ الأُمَمِ وَحِسَابِهَا وعقُوبَتِها وثَوابِها، وتُوضَعُ الموازِينُ لَوَزْنِ أَعْمَالِ العِبَادِ: ﴿فمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأولئك هم المُفلِحون﴾ [الأعراف:٨]، ويُؤْتَوْنَ صَحائِفهم بأعمَالِهم: فمَن أُوتِي كتابَه بيمينه فسوف يُحاسَبُ حِساباً يَسيراً، ومَن أُوتِي كتابَه ورَاء ظَهْرِه فأولئِك يَصْلَوْنَ سَعيراً.
وأنَّ الصِّرَاطَ حَقٌّ، يَجُوزُه العبادُ بِقَدْرِ أعمالِهم، فناجُون مُتفاوِتُون في سُرعَة النَّجاةِ عليه مِن نار جَهَنَّم، وقَوْمٌ أَوْبَقَتْهُمْ فيها أعمالُهم.
стр. 57
والإيمانُ بِحَوْض رسولِ الله ﷺ ، تَرِدُهُ أمَّتُهُ لاَ يَظْمَأُ مَن شَرب مِنه، ويُذَادُ عنه مَنْ بَدَّلَ وغَيَّرَ.
وأنَّ الإيمانَ قَولٌ باللِّسانِ، وإخلاَصٌ بالقلب، وعَمَلٌ بالجوارِح، يَزيد بزيادَة الأعمالِ، ويَنقُصُ بنَقْصِها، فيكون فيها النَّقصُ وبها الزِّيادَة، ولا يَكْمُلُ قَولُ الإيمانِ إلاَّ بالعمل.
ولا قَولٌ وعَمَلٌ إلاَّ بنِيَّة، ولا قولٌ وعَمَلٌ وَنِيَّةٌ إلاَّ بمُوَافَقَة السُّنَّة.
وأنَّه لا يَكفُرُ أَحدٌ بذَنب مِنْ أهْل القِبْلَة.
وأنَّ الشُّهداءَ أحياءٌ عند ربِّهم يُرْزَقونَ، وأرْواحُ أهْل السَّعادَةِ باقِيةٌ ناعِمةٌ إلى يوم يُبْعَثون، وأرواحُ أهلِ الشَّقاوَةِ مُعَذَّبَةٌ إلى يَوم الدِّين.
وأنَّ المؤمنِينَ يُفْتَنُونَ في قُبُورِهم ويُسْأَلُون، ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧].
وأنَّ على العباد حَفَظَةً يَكتُبون أعمالَهم، ولا يَسقُطُ شيْءٌ مِن ذلك عَن عِلمِ ربِّهِم، وأنَّ مَلَكَ الموتِ يَقْبِضُ
стр. 58
الأرواحَ بإذن ربِّه.
وأنَّ خيْرَ القرون القرنُ الَّذين رَأَوا رسولَ الله ﷺ وآمَنوا به، ثمَّ الَّذين يَلُونَهم ثمَّ الَّذين يَلونَهم.
وَأفْضَلُ الصحابة: الخُلَفاءُ الرَّاشدون المَهْديُّون؛ أبو بكر ثمَّ عُمر ثمَّ عُثمان ثمَّ عليٌّ ﵃ أجمعين.
وأن لاَ يُذكَرَ أَحَدٌ مِن صحابَةِ الرَّسولِ ﷺ إلاَّ بأحْسَن ذِكْرٍ، والإمساك عمَّا شَجَرَ بَينهم، وأنَّهم أحَقُّ النَّاس، أن يُلْتَمَسَ لَهم أَحَسَن المخارج، ويُظَنَّ بهم أحْسن المذاهب.
والطَّاعَةُ لأئمَّة المسلمين مِن وُلاَة أمورِهم وعُلمائهم، واتِّباعُ السَّلَفِ الصَّالِح واقتفاءُ آثارِهم، والاستغفارُ لهم.
وتَركُ المراءِ والجِدَالِ في الدِّين، وتَركُ ما أَحْدَثَهُ المُحْدِثُونَ.
وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّدٍ وعلى آله وأزواجِه وذريته، وسلَّم تَسليماً كثيراً.
стр. 59
نظم الأحسائى لمقدمة الرسالة
نظمها الشيخ أحمد بن مشرف الأحسائي
المتوفى سنة (١٢٨٥) هجرية
стр. 60
عقيدة ابن أبي زيد كما نظمها الشيخ أحمد بن مشرف
الأحسائي المالكي المتوفى ستة (١٢٨٥) هـ
الحمدُ لله حمداً ليس مُنْحَصرَا ... على أياديه ما يخفى وما ظهرَا
ثم الصلاةُ وتسليمُ المهيمنِ ما ... هبَّ الصَّبَا فأدرَّ العارضَ المَطرَا
على الذي شاد بنيانَ الهُدى فسَما ... وساد كلَّ الوَرَى فخراً وما افتخرَا
نبيِّنا أحمد الهادي وعَتْرَته ... وصحبِه كلِّ مَن آوى ومَن نصرَا
وبعدُ فالعلمُ لَم يظفر به أحدٌ ... إلاَّ سَمَا وبأسباب العُلَى ظفرَا
لا سيما أصل علم الدِّين إنَّ به ... سعادةَ العبد والمَنْجَى إذا حُشرَا
باب ما تعتقده القلوب وتنطق به الألسن
من واجب أمور الديانات
وأوَّلُ الفرض إيمانُ الفؤاد كذا ... نُطْقُ اللِّسانِ بما في الذِّكر قد سُطرَا
أنَّ الإلهَ إلَهٌ واحدٌ صَمد ... فلا إله سوى مَن للأنام برَا
ربُّ السموات والأرضين ليس لنا ... ربٌّ سواه تعالى مَن لنا فطَرَا
وأنَّه مُوجدُ الأشياء أجمعِها ... بلا شريك ولا عَوْن ولا وُزَرَا
وهو المُنَزَّه عن ولد وصاحبة ... ووالد وعن الأشباه والنُّظَرَا
لا يبلغن كُنْهَ وصف الله واصفُه ... ولا يحيط به علماً مَن افتَكَرَا
стр. 61
وأنَّه أوَّل باق فليس له ... بدءٌ ولا منتهى سبحان من قدرَا
حيٌّ عليمٌ قديرٌ والكلام له ... فردٌ سميعٌ بصيرٌ ما أراد جَرَى
وأنَّ كرسيَّه والعرشَ قد وَسِعَا ... كلَّ السموات والأرضين إذ كبرَا
ولم يزل فوق ذاك العرش خالقُنا ... بذاته فاسأل الوحيين والفِطَرَا
إنَّ العلوَّ به الأخبارُ قد وَرَدَتْ ... عن الرَّسول فتابِع مَن رَوى وقرَا
فالله حق على المُلك احتوى وعلى ... العرش استوى وعن التكييف كُن حَذِرَا
والله بالعلم في كلِّ الأماكن لا ... يخفاه شيءٌ سميعٌ شاهدٌ ويَرَى
وأنَّ أوصافَه ليست بمُحدَثة ... كذاك أسماؤه الحُسنى لِمَن ذكرَا
وأن تنْزيلَه القرآنَ أجمعَه ... كلامُه غيرُ خلق أعجز البشَرَا
وَحْيٌ تكلَّم مولانا القديمُ به ... ولم يزل من صفات الله مُعْتبَرَا
يُتلَى ويُحمل حفظاً في الصدور كما ... بالخطِّ يُثبِتُه في الصُّحف مَن زَبَرَا
وأنَّ موسى كليمُ الله كلَّمه ... إلَهُه فوق ذاك الطور إذ حضرَا
فالله أسمعه مِن غير واسطة ... من وصفه كلمات تحتوي عِبَرَا
حتى إذا هام سُكراً في محبَّته ... قال الكليم: إلَهي أسأل النَّظَرَا
إليك. قال له الرحمن موعظة ... أنَّى ترانِي ونوري يُدهشُ البَصَرَا
فانظر إلى الطور إن يثبت مكانته ... إذا رأى بعضَ أنواري فسوف ترَى
стр. 62
حتى إذا ما تَجلَّى ذو الجلال له ... تصدَّع الطورُ من خَوف وما اصطبَرَا
فصل فى الايمان بالقدر خيره وشره
وبالقضاء وبالأقدار أجمعها ... إيمانُنا واجبٌ شرعاً كما ذكرَا
فكلُّ شيء قضاه الله في أزَل ... طرًّا وفي لوحه المحفوظ قد سطرَا
وكلُّ ما كان من همٍّ ومن فرَح ... ومن ضلال ومن شكران مَن شَكَرَا
فإنَّه من قضاء الله قدَّره ... فلا تكن أنت مِمَّن ينكر القَدَرَا
والله خالقُ أفعال العباد وما ... يجري عليهم فعن أمر الإلَه جَرَا
ففي يديه مقادير الأمور وعن ... قضائه كلُّ شيء في الورى صَدَرَا
فمَن هَدى فبمحض الفضل وفَّقه ... ومن أضلَّ بعدل منه قد كفرَا
فليس في مُلكه شيءٌ يكون سوى ... ما شاءه الله نفعاً كان أو ضررَا
فصل فى عذاب القبر وفتنته
ولم تَمُت قطُّ من نفس وما قُتلت ... من قبل إكمالها الرِّزق الذي قُدرَا
وكلُّ روح رسولُ الموت يَقبضُها ... بإذن مولاه إذ تستكمل العُمُرَا
وكلُّ من مات مسئولٌ ومفتتنٌ ... من حين يوضَعُ مقبوراً ليُختبَرَا
وأنَّ أرواحَ أصحاب السعادة في ... جنَّات عدن كطير يعلق الشَّجَرَا
لكنَّما الشُّهَدا أحيا وأنفسهم ... في جوف طير حسان تُعجب النَّظَرَا
стр. 63
وأنَّها في جنان الخلد سارحةٌ ... من كلِّ ما تشتهي تجنِي بها الثَّمَرَا
وأنَّ أرواح من يشقى معذَّبةٌ ... حتَّى تكون مع الجُثمان فِي سَقَرَا
فصل فى البعث بعد الموت والجزاء
وأنَّ نفخةَ إسرافيلَ ثانية ... في الصُّور حقٌّ فيحيى كلُّ مَن قُبرَا
كما بدا خلقهم ربِّي يُعيدهمُ ... سبحان من أنشأ الأرواحَ والصُّوَرَا
حتى إذا ما دعا للجمع صارخُه ... وكلُّ ميْتٍ من الأموات قد نُشرَا
قال الإلَه: قِفوهم للسؤال لكي ... يقتصَّ مظلُومُهم مِمَّن له قَهَرَا
فيوقَفون ألوفاً من سنينهمُ ... والشمسُ دانيةٌ والرَّشْحُ قد كثُرَا
وجاء ربُّك والأملاكُ قاطبة ... لهم صفوفٌ أحاطت بالورى زُمَرَا
وجيء يومئذ بالنار تسحبُها ... خزانها فأهالت كلَّ مَن نظَرَا
لها زفيرٌ شديدٌ من تغيظها ... على العُصاة وترمي نحوهم شَرَرَا
ويرسل الله صُحفَ الخلق حاويةً ... أعمالَهم كلَّ شيء جلَّ أو صغُرَا
فمَن تلقَّته باليمنى صحيفتُه ... فهْو السَّعيد الذي بالفوز قد ظفرَا
ومن يكن باليد اليسرى تناولُها ... دعا ثُبوراً وللنيران قد حُشرَا
ووزنُ أعمالهم حقٌّ فإن ثقلت ... بالخير فاز وإن خفَّت فقد خسرَا
وأنَّ بالمثل تُجزى السيِّئات كما ... يكون في الحسنات الضِّعف قد وفرَا
стр. 64
وكلُّ ذنب سوى الإشراكِ يغفرُه ... ربِّي لِمَن شا وليس الشركُ مُغتَفرَا
وجنَّة الخُلد لا تفنى وساكنُها ... مخلَّدٌ ليس يخشى الموتَ والكبرَا
أعدَّها اللهُ داراً للخلود لِمَن ... يخشى الإلَهَ وللنَّعماء قد شَكَرَا
وينظرون إلى وجه الإلَه بها ... كما يرى الناسُ شمسَ الظهر والقمَرَا
كذلك النارُ لا تفنى وساكنُها ... أعدَّها الله مولانا لِمَن كَفَرَا
ولا يخلد فيها مَن يوَحِّدُه ... ولو بسفك دم المعصوم قد فَجَرَا
وكم يُنجي إلَهي بالشفاعة مِنْ ... خير البريَّة من عاص بِها سجرَا
فصل فى الإيمان بالحوض
وأنَّ للمصطفى حوضاً مسافتُه ... ما بين صَنْعَا وبُصرَى هكذا ذكرَا
أحلَى من العسل الصافي مذاقتُه ... وأنَّ كِيزَانَه مثلُ النجوم تُرَى
ولم يَرِدْه سوى أتباع سُنَّته ... سيماهم: أن يُرى التَّحجيل والغُرَرَا
وكم يُنحَّى ويُنفَى كلُّ مبتدع ... عن وِرْدِه ورجالٌ أحدثوا الغيَرَا
وأن جسراً على النِّيران يَعبُرُه ... بسرعة مَن لمنهاجِ الهُدى عبَرَا
وأنَّ إيْمَانَنا شرعاً حقيقتُه ... قصدٌ وقولٌ وفعلٌ للذي أمرَا
وأنَّ معصيةَ الرحْمن تُنقصُه ... كما يزيد بطاعات الذي شَكَرَا
وأنَّ طاعةَ أولي الأمر واجبةٌ ... من الهُداة نجوم العلم والأُمرَا
стр. 65
إلاَّ إذا أمروا يوماً بمعصية ... من المعاصي فيُلغى أمرهم هَدَرَا
وأنَّ أفضلَ قرن للَّذين رأوا ... نبيَّنا وبهم دينُ الهُدى نُصرَا
أعنِي الصحابةَ رُهبانٌ بليلهمُ ... وفي النهار لدى الهَيْجَا لُيوث شَرَى
وخيرُهم مَن ولِي منهم خلافته ... والسَّبق في الفضل للصِّدِّيق معْ عُمَرَا
والتابعون بإحسان لهم وكذ ... أتباع أتباعهم مِمَّن قفى الأثَرَا
وواجبٌ ذِكرُ كلّ من صحابته ... بالخير والكفُّ عمَّا بينهم شَجَرَا
فلا تَخُض في حروب بينهم وقعت ... عن اجتهاد وكنْ إن خُضتَ معتذِرَا
والاقتداءُ بهم في الدِّين مفتَرَضٌ ... فاقتَد بهم واتَّبع الآثار والسُّوَرَا
وتركُ ما أحدثه المُحدِثون فكم ... ضلالة تبعت والدِّين قد هُجِرَا
إنَّ الهُدى ما هدى الهادي إليه وما ... به الكتاب كتاب الله قد أمَرَا
فلا مراء وما في الدِّين من جدلِ ... وهل يُجادل إلاَّ كلُّ مَن كفرَا
فهاك في مذهب الأسلاف قافيةً ... نظماً بديعاً وجيزَ اللَّفظ مختصرَا
يحوي مهمّات باب في العقيدة من ... رسالة ابن أبي زيد الذي اشتَهَرَا
والحمد لله مولانا ونسأله ... غفران ما قلَّ من ذنب وما كثرَا
ثمَّ الصلاةُ على مَن عمَّ بعثته ... فأنذر الثَّقلَين الجنَّ والبَشَرَا
ودينُه نَسَخ الأديانَ أجمَعَها ... وليس يُنْسَخُ ما دام الصَّفَا وحِرَا
стр. 66
محمد خير كلِّ العالَمين به ... ختم النبيِّين والرُّسل الكرام جَرَا
وليس من بعده يوحَى إلى أحد ... ومن أجاز فحَلَّ قتلُه هَدَرَا
والآلُ والصَّحبُ ما ناحت على فنَن ... وَرْقَا ومَا غرَّدت قُمْريّة سَحَرَا