← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 97809

حاشية اللبدي على نيل المآرب

عبد الغني اللبدي

Полный текст (514 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

حَاشِيةُ اللبَّدِي على نَيْل المَآرِبِ في الفِقهِ الحَنْبَليِّ للِشَّيْخِ عَبْدِ الغَني بْن يَاسِيْن اللبَدِي النَّابُلسِي (١٢٦٢ - ١٣١٩ هـ) تحقيق وتعليق الدكتور محمد سليمان الأشقر دار البشائر الإسلامية

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

حَاشِيَةُ اللبَدي على نيل المآرب في الفِقهِ الحَنْبليِّ

стр. 4

حُقوُق الطبع محَفوُظة لِلمُحَقِّق الطّبْعَة الأولى ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م دار البشائر الإسلاميّة للطبَاعَة وَالنشرَ والتوَزيع بَيروت - لبنان - ص. ب: ٥٩٥٥ - ١٤

стр. 5

بين يدي التحقيق الحمد لله رب العالمين، وبه أستعين. وأشهد أن لا إله إلا الله ولي المتقين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين وإمام المرسلين محمد، وعلى آله وصحابته الغرّ الميامين. وبعد فإنني لما عزمت على تحقيق (نيل المآرب بشرح دليل الطالب) بذلت الجهد في الحصول على ما يمكن أن يكون قد خُدِم به هذا الكتاب الجليل، ليكون مسهلًا لعملي، ومعينًا على إعطاء الكتاب حقه من العناية والإتقان. فوقعتْ إليّ نسخة من حاشية الشيخ عبد الغني اللبدي على نيل المآرب. وقد قرأتها مرّات، وأفدت منها كثيرًا. وصدر التحقيق المذكور سنة ١٤٠٣ هـ. ثم لما تجدّدت الرغبة في إصدار الطبعة الثانية من (نيل المآرب) بذلت فيها مزيدًا من العناية، وأدخلت عليها مزيدًا من التصحيحات من قبلي، ومما عَلّقه الشيخ محمد بن سليمان الجرّاح، الفقيه الحنبلي، الكويتي المعمّر، إذ كان يقرئ الطلبة في نسخة من الطبعة الأولى المنشورة بتحقيقي. بل إنه قرأ الكتاب كله بغرض التدقيق، وأمدّني بقائمتين تصحيحيتين استعنت بهما في تصحيح الكتاب، فجزاه الله خيرًا. وقد توفي مؤخرًا (١٤١٧ هـ) فرحمه الله رحمة واسعة. ثم دفعتُ الكتاب والحاشية إلى المطبعة، وصححتُ بعض التجارب. ووقعتْ حوادث الخليج المفجعة سنة ١٩٩٠م، ففقد بسببها النصف الأول من الكتاب، والنصف الأول من الحاشية، فلم يعثر لهما على أثر. وكان لا بد من إعادة العمل، فبالله وحده نستعين. * قيمة هذه الحاشية: هذه الحاشية تقويم لكتاب (نيل المآرب) وأصلِهِ (دليل الطالب) وهو المتن الذي يعتمده علماء المذهب الحنبلي في كافة الديار، وخاصة في الديار الشامية -أ-

стр. 6

وبعض الديار السعودية، وسائر دول الخليج العربي، وإن كان يزاحمه في الديار السعودية كتاب زاد المستقنع (مختصر المقنع) للحجاوي صاحب الإقناع. إلا أن (دليل الطالب) أيسر منه، وأوضح عبارة، وأقل تعقيدًا، ولذا كان أيسر على الطلبة. وقد زاده (نيل المآرب) وضوحًا، وإفادة، وزيادة. وقد لَفَت الشيخُ ابن بدران في مدخله الأنظار إلى أن هذا الشرح "غيرُ محرَّر، وغير وافٍ بمقصود المتن". لكن الشيخ محمد بن عبد العزيز المانع ﵀، في تقديمه لكتاب "منار السبيل في شرح الدليل"، لفَتَ الأنظار أيضًا إلى أن "حاشية اللبدي " أكملت هذا النقص، وأن "بها تحرَّرَ نيلُ الماَرب" كما قال. وكانت هذه الكلمة شهادةً لهذه الحاشية. وكان ذلك مما حفزني للبحث عنها. والعمل على إخراجها لأهل العلم. فالحمد لله على ذلك. لقد أضافت حاشية الشيخ عبد الغني اللبدي إلى "نيل المآرب" كثيرًا من مسائل الفقه التقليدية المتوارثة، وزادت من تقويمه بما فيها من توضيحٍ لمشكلاته، وتحرير لِمَطالبِهِ، وتقييد لتعبيراته، وصححتْ كثيرًا من الأخطاء التي وقعت فيه، بل التي وقعت في متن "دليل الطالب" وأضافت إليه مسائل ذات أهمية. واستعرضت أوضاعًا وأعرافًا خاصة، كانت جارية في الديار النابلسيّة، وفي قراها خاصة، ولا يزال بعضها موجودًا، كان الشيخ عبد الغني يطّلع عليها، أو يُسْأل عنها، فينزّل عليها ما وَعَاهُ من الأحكام الفقهية المستقرة لديه، بعد مراجعة كتب المذهب، أو يلحقها بنظائرها مما نص عليه العلماء، أو يستخرج حكمها الشرعي بثاقب نظره في الأدلة. وربما اشتبهت عليه، فيصوّر المشكلة، ويبيّن وجه الإشكال، ويذكر أنه لم يتضح له أمره، ثم يقول: "فليحرَّر" أو "فلينظر". ... -ب-

стр. 7

صاحب الحاشية * اسمه ونسبه: هو الشيخ عبد الغني بن ياسين اللبدي. وقد ذكر هو نَسَبَ نفسه مفصّلاً في خاتمة رسالته في المناسك (ص ٧٤) فقال: "عبد الغني بن ياسين بن محمود بن ياسين بن طه بن أحمد اللبدي النابلسي". وينطق العامة في الديار النابلسية هذه النسبة "اللَّبَدي" بفتح اللام والباء. وقد ضبطها بروكلمان في اسم خليل اللبدي بضم اللام وضم الباء "اللُّبُدي". درج المثقفون على ضبطها بضم اللام وفتح الباء "اللُّبَدي"، ولعل لذلك أصلًا في اللغة، ففي لسان العرب: يقال: "الناسُ لُبَد" أي مجتمعون، وفي التنزيل العزيز: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾ قال: المال اللُّبَد: الكثير لا يخشى فناؤه، والرجل اللُّبَدَ الذي لا يسافر ولا يبرح منزله. والمُرَجَّح أن الصواب ضبطُها بفتح اللام والباء، نسبة إلى اللَّبَدِ، وهو في الأصل مصدر "لَبِدَ" بالمكان "لَبَدًا" أي لَزِقَ به ولزمه وأقام به. * مولده ووفاته: ولد الشيخ عبد الغني سنة ١٢٦٢هـ على ما ذكره محمد جميل بن عمر الشطي في "مختصر طبقات الحنابلة". أما وفاته فقد كانت يوم الجمعة ١٦ ذي الحجة سنة ١٣١٩هـ بمكة المشرفة، كما ذُكر على صفحة العنوان لرسالته "دليل الناسك لأداء المناسك" وذُكِر فيها أنه توفي بعد نزوله من مني، وأنه دفن بالمَعْلاةِ، وهي مقبرة أهل مكة. وذكر الشيخ الشطي أن وفاته كانت سنة ١٣١٧ هـ، وهكذا في معجم المؤلفين. والأول هو الصواب في نظري لأن أهل مكة أدرى بمن مات فيهم. * أسرته: تعرف هذه الأسرة الكريمة بهذه النسبة "اللُّبَدي" قديمًا وحديثًا. ويسميها أهل كفر اللبد: (آل الشيخ ياسين) لعله باسم أحد أجداد الشيخ عبد الغني، وهو المذكور في عمود نسبه. ويسفوْن أيضًا بعائلة "الفقهاء"، ربما لكونهم اشتهروا في تلك -ج-

стр. 8

الديار بالفقه في الدين. فيظهر أن هذه النسبة "اللبدي" علقت بهم في ديار الاغتراب حتى اشتهروا بها. عرف بالعلم من هذه العائلة الشيخ "طه بن أحمد اللبدي" ذكره ابن حميد في "السحب الوابلة"، وقال عنه: "الشيخ الفاضل الفقيه النبيه، أخذ عن خلقٍ، وأخذ عنه جمعٌ، أجلّهم العلاّمة الشيخ محمد السفاريني. وذكره في ثبته" ثم بيّض لسنة وفاته. ويظهر أن ياسين بن طه المذكور تتلمذ للشيخ السفاريني كما في الورقة ١٢٣ من نسخة ض من. هذه الحاشية. ووجدت لابنه الشيخ محمود بن ياسين بن طه الذي هو جد الشيخ عبد الغني، عناية بالفقه الحنبلي، ففد كتب بخطه نسخةً من (نيل المآرب) موجودة بالمكتبة الأزهرية برقم [٦٥٢] ٤٧٨٥٣، وبهامشها حواشٍ بقلم محمد بن ياسين بن أحمد اللبدي. ووجدت نسخة من حاشية ابن عوض على دليل الطالب مكتوبة بخط عبد الحافظ بن ياسين بن طه اللبدي. * بلده: بلده "كفر اللبد" من الديار النابلسية. وأهل هذه المنطقة يتبعون المذهب الحنبلي، وقد برّز منهم عدد غفير من علماء الحنابلة، صار لهم مكانة علمية في مجال التدريس والتأليف والإفتاء والقضاء في ديارهم وفي القدس ودمشق وحلب وسائر البلاد الشامية، وفي الديار المصرية، والديار الحجازية. وقد ابتدأ نبوغ شأنهم منذ انتقل الشيخ أبو عمر بن قدامة، من أهل "جَمّاعيل" من قرى نابلس، إلى دمشق، بأهله وذويه في الربع الأخير من القرن السادس الهجري. وانضم بعضهم إلى جيوش صلاح الدين ﵀، وجاهدوا معه في استعادة الأرض المقدسة من عبدة الصليب إلى حظيرة الإسلام. واشتغلوا بالعلم في دمشق، ونبغ منهم فيه كثير، منهم الموفق صاحب المغني، وابن أخيه شارح المقنع. ومنذ ذلك الوقت أخذ التاريخ يبرز أسماء المنتمين إلى قرى هذه المنطقة من اللامعين من علماء الحنابلة نحو رامين، ومَرْدَا، وطُولْكَرْم، وبُورِين، وكَفْر سابا، والساوية، وشُوَ يْكَةَ، وحَجَّة، وعنَبْتَا، وجراع، والسِّيلة، وسفّارين وذِنَّابة، وبُرْقا، -د-

стр. 9

وكَفْر قَدُّوم، وحارس، وزَيْتَا، وغيرها، بالإضافة إلى من ينتسب إلى مدينة نابلس نفسها وهم كثير. وقد ساهم هؤلاء مساهمة كبيرة في إعداد المؤلفات الفقهية في المذهب، مما لا يخفى على دارسيه. تقع "كفر اللبد" على جبل على يسار الطريق الرئيسي الذاهب من نابلس إلى طولكرم، وتبعد عن نابلس مسافة ١٧ كيلو مترًا تقريبًا. وعن طول كرم ١١ كيلو مترًا. وانتسب إليها بعض أهل العلم، من أقدمهم محمد بن أحمد بن سعيد اللبدي (٧٧١ - ٨٥٥هـ) تولى قضاء الحنابلة بحلب، ثم بمكة، وبها مات. ومنهم ياسين بن علي بن أحمد اللبدي المتوفى ١٠٥٨هـ، ذكره صاحب السحب الوابلة، وقال: "له تحريرات على المنتهى نفيسة"، ومنهم مصطفى بن عبد الحق اللبدي (- ١١٥٣ هـ) من شيوخ الشيخ محمد السفاريني العلامة المشهور. ومنهم محمد وحامد ابنا مصطفى اللبدي، ذكرهم الشطي في مختصره. * نشأة الشيخ عبد الغني وحياته ورحلاته: لا نجد وصفًا لنشأته في الصغر. وقد سافر الشيخ عبد الغني إلى مصر ودرس بالأزهر، كما ذكره الشطي، وكما يعلم من تقريظ ابن حميد له ولرسالته في المناسك المطبوع بآخرها، حيث يقول بعد أن ذكر شيئًا من فضله: "وقد كنت أتفرَّسُ فيه هذا وأكثر منه، منذ كان مجاورًا بالجامع الأزهر". وذكر الشيخ عبد الغني في حاشية على نيل المآرب، في كتاب الأطعمة منها، قوله في وصف الزَّرافة: "وفيها بقع في جميع بدنها، ولطول يديها وقصر رجليها لا يثبت على ظهرها راكب. وقد رأيتها في مصر، وصورتها عجيبة". وقبل ذلك وَصَفَ النعامة، وقال: "رأيتها بمصر". وقد حجّ الشيخ عبد الغني، واستقرّ بمكة مدة "سنين عديدة، وصار مدرسًا بحرمها الشريف، ولم يزل مجاورًا لها حتى توفي بها" كما ذكره الشطي. ويعلم ذلك أيضاً من قول ابنه محمود في مقدمة هذه الحاشية في التعريف بوالده: "نزيل مكة، والمتوفى بها" لكن لم نجد ذكرًا للسنة التي انتقل فيها إلى الحجاز. فالله -هـ-

стр. 10

بذلك أعلم. * طلبه للعلم، وذكر شيوخه وتلاميذه: لم نجد ما يتبين به مراحل طلبه للعلم في صغره. وقد أكثر في حاشيته من ذكر الشيخ حسن بن عمر بن معروف الشطّي الحنبلي الدمشقي (١٢٠٥ - ١٢٧٠هـ) بعنوان "شيخ مشايخنا" وصرح في موضع منها بقوله "شيخ مشايخنا الشيخ حسن الشطي". وكان الشيخ حسن الشطي ﵀ ذا قدم في العلم راسخة. وكان رفيقًا بطلبة العلم مسعفًا لهم، يبذل لهم ماله وجاهه وعلمه. فانثالوا عليه من الآفاق، وخاصة من الديار النابلسية، كما ذكر ذلك في ترجمتِهِ الشيخُ ابن حميد في السُّحب الوابلة. ولما رجع هؤلاء النابلسيون إلى ديارهم كان الشيخ عبد الغني في سن الطلب، فيبدو أنه أخذ عنهم. وممن صرح الشيخ عبد الغني باسمه منهم: بلديُّنا الشيخ "يوسف البرقاوي" (١٢٥٠ - ١٣٢٠هـ) شيخ رواق الحنابلة في الجامع الأزهر. وكان جل انتفاع الشيخ عبد الغني به. وقابَلَهُ إذ ذاك الشيخ ابن حميد صاحب السحب، وتفرس فيه خيرًا كثيرًا، وقد ذكره في مواضع من الحاشية، منها ما في (باب تعليق الطلاق). وإذا قال الشيخ عبد الغني في الحاشية: "قال شيخنا" فإنه يعني الشيخ يوسف البرقاوي. وهو من تلاميذ الشيخ حسن الشطي الدمشقي، كما في الموضع المذكور من الحاشية. وقد ترجم له الشيخ محمد جميل بن عمر الشطي في مختصره، فذكر أن مولده ببرقا بعد ١٢٥٠هـ، وأنه رحل إلى دمشق، وانتفع بالشيخ حسن الشطي وغيره، ثم رجع إلى بلده فدرّس بها، ثم رحل إلى مصر وجاور في أزهرها مدة حتى صار شيخ رواق الحنابلة. ورحل إليه الطلاب من الآفاق، وانتفعوا به. وكانت وفاته في حدود ١٣٢١ هـ. ومن تلاميذ الشيخ حسن الشطي من النابلسيين النابهين الذين عادوا بعد تحصيل العلم بدمشق إلى بلادهم واشتغلوا بالتدريس في نابلس: الشيخ أحمد بن عبيد القدّومي، (- ١٣١٤ هـ) والشيخ محمد بن عبيد القَدُّومي (١٢٤٩ - ١٣١٨ هـ) والشيخ أحمد بن حسين القدومي (- ١٣٢٠ هـ) والشيخ عبد الله بن -و-

стр. 11

صوفان القدومي (- ١٣٣١ هـ) فلعل كل هؤلاء أو بعضهم هم من يعنيهم الشيخ عبد الغني بقوله: "مشايخنا" والله أعلم. تلاميذه: لم نجد فيما اطلعنا عليه تسمية أحد من الآخذين عن الشيخ عبد الغني اللبدي، على الرغم من علمِهِ الجمّ واشتغاله بالتدريس والفتيا. لكن لا يبعد أن يكون ابناه الشيخ محمود اللبدي والشيخ سعيد اللبدي ممن تتلمذ عليه. ويبدو أن الشيخ عبد الغني قد مارس الفتوى والتدريس في منطقة نابلس، قبل أن يذهب إلى الحجاز، على الرغم من أننا لم نجد ذلك في معلومات تاريخية يستند إليها. لكن ما في حاشيته من التعرض للمسائل الواقعة، وخاصة في البيئة الزراعية القروية هناك، يوحي بذلك. هذا وإن حاشيته تدل على نباهته، ودقته في الفهم، وتحريره للمسائل، وتفريقه بين المتشابهات، وغوصه على مواضع الإشكال، واستدراكِهِ على الفحول. * مؤلفاته: لا يعرف للشيخ عبد الغني من المؤلفات إلا كتابان: أحدهما: هذه الحاشية. والثاني: كتابه المسمى: (دليل الناسك لأداء المناسك" وهو منسك على المذهب الحنبلي خاصة. وقد أورد اسمه في حاشيته على نيل المآرب، في كتاب الحج منها، قبيل باب الإحرام، حيث أحال عليه بتفاصيل بعض ما أجمله في الحاشية. وكلامه في "دليل الناسك" يجري على ما في نيل المآرب وغيره من كتب الحنابلة، وربما تعرّض للإفتاء في بعض الأمور التي جدّت في عصره، كاستظلال المُحْرِم بما يسمّى "الشمسية". وقد ألف الشيخ عبد الغني هذا الكتاب قبل أن يتم السابعة والعشرين من عمره، ويدل لذلك أن عليه تقريظًا للشيخ ابن حميد صاحب السحب الوابلة، مؤرّخًا في سنة ١٢٨٩هـ. وقد ذكر صاحب السحب في تقريظه أن أحد القادمين -ز-

стр. 12

للحج أطلعه على هذا المنسك، مما يوحي بان الشيخ عبد الغني ألّفه في بلاده أن يقدم للحج، ويستقرّ بمكة. نُشِر هذا الكتابُ على يد الشيخ محمد يوسف أحمد الباز الكتبي بمكة المكرمة سنة ١٣٣٠ هـ، ثم أعيد نشره سنة ١٣٩٨ هـ على نفقة مريم عبد الرحمن الدعيج من أهل الكويت. * عقيدته: اشتغال الشيخ عبد الغني كان بالفقه، يبدو أن الفقه أخذ عليه وقته وكل اهتمامه. وهو كأغلب العلماء الحنابلة: يتبع في العقائد طريقة السلف التي عمل علماء السلف لتثبيتها، وجاهد الإمام أحمد لتأسيسها وتقعيدها، ثم تابع أصحابُهُ بعده تشييد أركانها، وخاصة شيخ الإسلام ابن تيمية والعلاّمة ابن القيم. غير أنه يبدو أن الشيخ عبد الغني تأثر في بعض مراحل دراسته بعض التأثر بطريقة أهل الكلام في الصفات، كما يلحظ في كلامه في أول الحاشية على تفسير "الرحمن الرحيم"، وكما في باب شروط من تقبل شهادته ح٤، وفي كلامه في "دليل الناسك" على التوسل بالنبي ﷺ . * أولاده: خلّف الشيخ عبد الغني ثلاثة من البنين، هم الشيخ محمود، والشيخ سعيد، وكلاهما كان على حظ من العلم الشرعي، وسليم. وخلف أيضًا ثلاث بنات: كريمة وأسماء وفاطمة. أما الشيخ محمود والشيخ سليم فقد أصهرا إلى إحدى العائلات في قريتنا "بُرْقا". وولد للشيخ محمود ابنان هما الشيخ رضا والشيخ شمس الدين. وولد للشيخ سعيد ابنٌ هو العلامة الشيخ عبد الرؤوف اللبدي، اللغوي والأديب المعروف، زميلنا في التدريس في الجامعة الإسلامية سنة ١٣٨٣ و ١٣٨٤ هـ، واستمر هو في التدريس فيها قريبًا من عشرين عامًا، انتهت باعتزاله العمل وله كتابان أحدهما: "رسائل لم يحملها البريد" مطبوع، والآخر: "همزة -ح-

стр. 13

الاستفهام في القرآن الكريم" صدر منه جزء واحد، ولا يزال لديه جزءان مخطوطان". أما الشيخ محمود بن عبد الغني فقد اشتغل بالعلم واشتهر به، وقد حضر إلى بلدنا برقا، واستقر بها في السنوات الأخيرة من أيامه، وفرّغ نفسه للتدريس، حتى إنه كان يعقد للنساء ببيته دروسًا يوم الخميس والاثنين، أدت إلى تمسّك الكثير منهن بالدين، والتزمن بالأحكام الشرعية. واستمر على ذ لك إلى أن توفي فيها، قبيل سنة ١٣٦٠ هـ، ونقل جثمانه إلى بلده ودفن بها. وقد كان على درجة حسنة من التحقيق، كما يُعلَم من استدراكاته على كلام والده وغيره، من ذلك ما في الحاشية (٥) من كتاب الاعتكاف، حيث ردّ على والده، وعلى الشيخ محمد السفاريني، بما هو عين الصواب. * مصادر ترجمة الشيخ عبد الغني: ١ - مختصر طبقات الحنابلة، للشيخ محمد جميل بن عمر الشطي الدمشقي. بيروت، دار الفكر، ١٤٠٦ هـ. ٢ - بعض ما ذكره صاحب الحاشية في أثنائها. ٣ - بعض ما ذكر في رسالته دليل الناسك - نشرت بالكويت. ٤ - معجم المؤلفين، لعمر رضا كحالة. ٥ - مقابلة شخصية مع حفيده العلامة الشيخ عبد الرؤوف اللبدي في منزله بعمان يوم ٢٤/ ٢/ ١٩٩٨ م. ٦ - كتاب أهل العلم والحكم في ريف فلسطين، لأحمد سامح الخالدي. عمّان، جمعية عمّال المطابع التعاونية، ١٩٦٨م ص ١٩٠، ١٩١. ٧ - بلادنا فلسطين، قسم الديار النابلسية، لمصطفى مراد الدبّاغ. بيروت، دار الطليعة، ١٣٩١ هـ. استدراك: قبل دخول هذه الحاشية إلى المطبعة علمت بوجود (عقيدة) للشيخ عبد الغني في مكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض وهي بخطه من ١٥ ورقة. ... -ط-

стр. 14

الكتاب * اسم الكتاب: اشتهر هذا الكتاب باسم "حاشية اللبدي على نيل المآرب" غير أن نسخة الرياض من هذه الحاشية وضعت عليها إدارة المكتبة التي تقتنيها اسمًا هو "تيسير المطالب إلى فهم وتحقيق نيل المآرب شرح دليل الطالب" ولم أجد فيها إشارة إلى المصدر الذي أخذت عنه هذه التسمية. لذا رأيت وجوب الإبقاء على التسمية التي اشتهر بها الكتاب. * كيفية إعداد الشيخ عبد الغني لهذه الحاشية: يظهر أن الشيخ عبد الغني كان يكتب ملاحظاته وتعليقاته على إحدى نسخ الطبعة البولاقية من نيل المآرب، وهي النسخة التي صدرت بمصر سنة ١٢٨٨اهـ. والذي غَلّب هذا على ظني، بل كِدْتُ أحقّقُهُ، أن في الحاشية في أول باب الهبة في (ق ٤٨ ب) من نسخة الأصل تعليقين نبه بهما الشيخ عبد الغني على كلمتين ذكرهما مصحح الطبعة البولاقية من نيل المآرب بهامش الصفحة التاسعة من الجزء الثاني. قال الشيخ عبد الغني فيهما: "فلا معنى لتوقف المصحح في الحكم" يعني بالمصحح مصحح الطبعة البولاقية. وإذا علمنا أن الطبعة البولاقية من نيل المآرب صدرت سنة ١٢٨٨ اهـ فيمكن الافتراض أنه بدأ بالكتابة عليها بعد هذا التاريخ لا قبله. ويبدو أن الشيخ عبد الغني قد أتم العمل في تعليق هذه الحواشي، وارتضاها على الوضع الذي هي عليه، فإنه قد ختمها بقوله "هذا آخر ما يسره الله تعالى من كتابة ما بهامش هذا الكتاب" إلخ. * تجريد هذه الحاشية: الذي قام بتجريد هذه الحواشي من هامش نسخة الشيخ عبد الغني هو الشيخ محمود بن عبد الغني اللبدي. وقد أتم عمله في تجريدها سنة ١٣٢١ هـ. وقد علمت من بعض المعمرين ممن كان له علاقة به، أنه بعد وفاة والده بالحجاز ذهب إلى -ي-

стр. 15

هناك وأحضر كتب والده إلى قريته كفر اللبد. فالذي يبدو أنه كان على علم بعمل والده في هذه التعليقات، وبقيمتها، وباهتمام والده بها، أو أنه اطّلع على عمل والده ببحثه في الكتب التي استرجعها، وخشي على جهود والده أن تضيع، فبذل الهمة في تجريدها بشكل مستقل، إبقاءًا عليها، وتسهيلاً على أهل العلم أن يستنسخوها ويتناقلوها. وهكذا كان. وقد أتمّ التجريد المطلوب قبل انتهاء السنة الثانية من وفاة والده. فجزاه الله تعالى على جهوده خيرًا وتغمده ووالده بواسع رحمته. أما نسخة الشيخ عبد الغني نفسه فلم نَعْلَقْ لها بأثرٍ بعد السؤال والبحث. هذا ويبدو لي أن الشيخ محمودًا أثناء تجريده لحاشية والده كان يدخل بعض ملاحظاته الخاصة على كتابة والده، زيادة في تحرير المسائل، وربما ناقض كلام والده. ولا حرج في العلم. وفي تقديري أن ما بدئ من الملاحظات بعبارة "أقول" فهو من كلام الشيخ محمود، بخلاف ما بدئ بقوله "قلت" فهو من كلام الشيخ عبد الغني. * السقط الذي في هذه الحاشية: في هذه الحاشية سقط يقدر بخمس ورقات، وهو في أثناء باب النكاح وتوابعه. وقد نبه على ذلك السقط ناسخ نسخة الأصل في خاتمة النسخة. وأشار إلى السقط أيضًا كاتب النسخة ض، وهو محمد بن سعيد بن غباش، نبه إليه في موضع السقط من كتاب النكاح، حيث قال: "لم نجد للمحشّي كلامًا على عدة أبواب، وهي باب المحرمات في النكاح، وباب الشروط فيه، وباب العيوب فيه، وباب نكاح الكفار، وكتاب الصداق. قال: ولا ندري هل سقط ذلك من الناسخ أو لا". أما ناسخ نسخة الأصل فقد استظهر أن الإسقاط كان من نجل المحشّي. وهو الصواب عندي، وأكاد أجزم أن ذلك الإسقاط تفويت في تجريد الشيخ محمود لكلام والده، وأن الشيخ عبد الغني قد حشّى على الأبواب المذكورة. والله أعلم بماكان. -ك-

стр. 16

وها هنا سؤال، وهو: هل كتب الشيخ عبد الغني هذه الحاشية في بلده من الأرض المقدّسة فلسطين، أم كتبها بعد سفره إلى الديار الحجازية المقدسة واستقراره هناك، أم جمع فيها بين الموضعين. وهذا سؤال لم نجد عنه جوابًا شافيًا. * مصادر الشيخ عبد الغني في هذه الحاشية: يرجع المحشي في كلامه إلى الكتب المتنوعة المشهورة في المذهب، وخاصة الفروع، والإنصاف، والتنقيح، والمنتهى للفتوحي، وشرحه له، وشرحه للبهوتي، وحاشيته عليه، وإلى شرح المفردات للبهوتي، وإلى الإقناع للحجاوي، وشرحه للبهوتي، وإلى الغاية للكرمي، وشرحَيْها للرحيباني، والجراعي، وتجريد زوائدها لحسن الشطي، وإلى حاشية ابن عوض على الدليل. وهذا بالإضافة إلى الكتب المتقدمة، كمختصر الخرقي، وشروحه للزركشي والموفق، والمقنع والكافي له، وإلى ما قبل ذلك ككتب القاضي أبي يعلى وأبي الخطاب وابن عقيل. وغيرها. وإلى كتب نادرة غير معروفة الآن. ويبدو أنه كان تحت يديه مكتبة حنبلية حافلة. وعلى نيل المآرب وأصلِهِ دليل الطالب حواشٍ ذكرنا قسمًا منها في مقدمة تحقيقنا لكتاب نيل المآرب، فلا يبعد أن يكون الشيخ عبد الغني قد رجع إلى بعضها، والله أعلم. ... -ل-

стр. 17

وصف النسخ المستخدمة في التحقيق هما نسختان، كما تقدم: الأولى: نسخة كتبت بخط رقعة حديث، في ٩٤ ورقة مسطرتُها في الغالب ٣٠ سطرًا. ولا يعرف اسم ناسخها. تاريخ نسخها سنة ١٣٢٤ هـ. وقد اتخذناها أصلاً، لكونها منسوخة عن نسخة ابن المؤلف مباشرة، ولأنها تامّة ما عدا النقص المشار إليه سابقًا. وهي نسخة جيدة مقابلة، والأخطاء والسقط فيها قليل، استدركناه من النسخة الأخرى في كتاب البيع فما بعده. وهذا ما عدا السقط الكبير الذي سبق التنبيه عليه، وقد قال ناسخها في آخرها: "قوبلت على نسخة نجل المؤلف مقابلة تامة، ووجد فيها بعض ألفاظ لا يفهم معناها" قلت: الألفاظ التي أشار إليها أمكن حلها بفضل الله تعالى ولم يبق إلا كلمتان أو ثلاث نبهنا إليها في مواضعها. وقد رمزنا إلى هذه النسخة في التحقيق باسم "الأصل" أو "نسخة الأصل". النسخة الثانية: وهي صورة عن نسخةٍ موجودة بالرياض، في مجمع الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود. وقد زوّدني بيذه الصورة الأخ النبيه الشيخ الفاضل محمد بن ناصر العجمي الكويتي، لمّا علم أني بصدد تحقيق الحاشية المذكورة. وذكر لي أنها صُوِّرت عن نسخة الشيخ محمد بن عبد العزيز المانع، من مكتبته التي آلت إلى مكتبة المجمع المذكور. النسخة المذكورة لا تشتمل على قسم العبادات، بل تبدأ من كتاب البيع، وفيها السقط الكبير الذي نبهنا إليه وقد انتهى ناسخها من كتابتها سنة ١٣٧٧ هـ، وذكر في موضع أنه كتبه سنة ١٣٧٤ هـ. أما ناسخها، فقد ذُكِرَ في مواضع منها أنه الشيخ محمد بن سعيد بن غباش (١)، وله عليها تعليقات وفوائد مضافة وتنبيهات.

стр. 18

وفي مواضع أن الناسخ هو عبد الله الغزال. وفي خاتمتها أن كتابتها من أول كتاب البيوع إلى آخرها بقلم عبد الله بن محمد بن صالح بن جابر، ولعله عبد الله الغزال بعينه، فالله أعلم بما كان (١). وقد كانت كتابتها في مدينة الدوحة في قطر. ويظهر أن هذه النسخة لم تتمّ مقابلتها، إذ فيها أخطاء وإسقاطات نبهنا إليها. وتأكد لنا أنها ليست منقولة عن نسخة الأصل، لأن فيها مواضع على التمام مع أنها ساقطة من نسخة الأصل. وكانت القراءة فيها متعبة، لأن ناسخها داخَلَ بين تعليقاته وبين كلام صاحب الحاشية. ...

стр. 19

منهج العمل في التحقيق ١ - عرّفت بالمؤلف حسب الطاقة. ٢ - عرّفت بالحاشية مبينًا قيمتها العلمية. ٣ - وصفت النسختين المخطوطتين المستعملتين في التحقيق. ٤ - أجريت المقابلة بالنسختين المخطوطتين، وأتممت نقص إحداهما من الأخرى، وأخذت عند الاختلاف بالأصح، ونبهت إلى الوجه الآخر بذيل الصفحات. ٥ - علّقت في ذيل الصفحات بما يقتضيه المقام من التنبيه، مع الاقتصاد في التعليق، نظرًا إلى أن الكتاب هو في حد ذاته "حاشية" فلا يحسن الإطناب في التعليق عليها. ٦ - أضفت تسميةً لعناوين الفصول تبعًا لما صنعته في "نيل المآرب". ٧ - رقمت الحواشي في كل باب أو فصل بأرقام متسلسلة، ليمكن ربطها بنصّ "نيل المآرب" من أجل سهولة المراجعة والاستفادة. ٨ - اتبّعت في وضع علامات الترقيم ما استقر عليه أمر مجمع اللغة بالقاهرة. ٩ - أثْبَتُّ بين معقوفين أرقام صفحات النسخة الأصل. ١٠ - ترجمت لأسماء العلماء غير المشهورين لدى الدارسين، بإيجاز شديد. وذكرت بعض البيان لأسماء الكتب غير المشهورة، وإيضاحًا للرموز الواردة في الحاشية، وجعلت كل ذلك في ذيل الصفحات في أول موضع يرد فيه ذكر العالم، أو ذكر الكتاب، أو الرمز، وكان ذلك بالاستعانة بما يذكر في قائمة مراجع التحقيق الآتي ذكرها. ١١ - أشرف في أول كل صفحة من صفحات الحاشية على يمين السطر الأول أو يساره إلى رقم صفحة (نيل المآرب) المطبوع بتحقيقنا التي ينتمي إليها هذا السطر وذلك من أجل إتقان الربط. ... -ص-

стр. 20

خريطة تبين مدن وقرى الديار النابلسية التي ينسب إليها بعض الفقهاء الحنابلة ممن ذكرهم ابن حُمَيد في كتابه "السحب الوابلة"

стр. 21

حَاشِيةُ اللبَّدِي على نَيْل المَآرِبِ في الفِقهِ الحَنْبَليِّ للِشَّيْخِ عَبْدِ الغَني بْن يَاسِيْن اللبَدِي النَّابُلسِي (١٢٦٢ - ١٣١٩ هـ) تحقيق وتعليق الدكتور محمد سليمان الأشقر دار البشائر الإسلامية

стр. 22

حَاشِيةُ اللبَّدِي على نَيْل المَآرِبِ في الفِقهِ الحَنْبَليِّ للِشَّيْخِ عَبْدِ الغَني بْن يَاسِيْن اللبَدِي النَّابُلسِي (١٢٦٢ - ١٣١٩ هـ) تحقيق وتعليق الدكتور محمد سليمان الأشقر الجزء الأول

стр. 23

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي وفق للتفقه في الدين من أراد به خيرًا من عباده، وأسبغ عليهم جلابيب نعمه، وأسعفهم بمزيد إمداده. أحمده تعالى أن منَّ علينا بنعمة الإسلام، وعلّمنا بالقلم ما لم نكن نعلم، وأحكَمَ لنا الأحكام أيَّ إحكام. وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، ذو الجلال والإكرام. وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمةً للأنام، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه الكرام، صلًاة وسلامًا لا يعتريهما نقصٌ ولا انثلام. أما بعد: فإن الكتاب الموسوم ب (نيل المآرب شرحِ دليلِ الطالب) قد بَلَغَ النهايةَ في حُسْنِ الوَقْع، وعظمِ النفع. وقد عكفَتْ على قراءته الطلاّب، واندفع على تحصيله الراغبون من ذوي الألباب. غير أنه يحتاج إلى كتابةِ حاشيةٍ عليه، تَسْفِرُ عن وجوه مخدّراته النقاب، وتُبْرِزُ من خفيّ مكنوناته ما وراء الحجاب. وإنني لم أكن أهلاً لذلك، ولا لسلوك تلك المسالك. غير أنني لما قرأت النسخة التي كان يقرؤها والدي المرحوم الشيخ عبد الغني اللبدي، نزيل مكة، والمتوفى بها، ورأيتُ بهامشها تقريراتٍ مفيدة، ومباحث سديدة، خطر ببالي أن أُجَرِّدها وأرتبها، وأجعلها حاشية على الشرح المذكور، استظهاراً للصواب، واسترباحًا للثواب. وأرجو من الله الكريم أن يعمّم بها النفع، وأن يجعل لها في القلوب أعظم وقع، إنه جواد كريم، رؤوف رحيم (١). (١) قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم" إنما ابتدأ بها المصنّف ﵀،

стр. 24

[١/ ٣٣] اقتداءً بالكتاب العزيز، وعملًا بحديث: "كل أمرٍ ذي بالٍ لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر" أي ذاهب البركة. رواه الخطيب بهذا اللفظ في كتابه "الجامع" (١)، والحافظ عبد القادر الرُّهاوي (٢). والباء في البسملة إما للمصاحبة [٢أ] أو للاستعانة، متعلّقة بمحذوف. وتقديرُهُ فعلًا أولى، لأن الأصل في العمل للأفعالِ، وخاصةً لأنه أنسب بالمقام، لأن كل شارعٍ في فنٍّ يضمر ما كانت البسمَلَةُ مبدأً له، ومؤخَرًا لإفادة الاختصاص. و"الله " علم على الذاتِ الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، الموصوف بكمال الإنعام، وبما دونه. فهو عَلَمٌ على المعبود بحق، إذ لم يستعمل في غيرِه تعالى. قال تعالى: ﴿هل تعلم له سميًّا﴾ [مريم: ٦٥] ومن ثَمَّ كان "لا إله إلا الله" توحيداً، أي لا معبود بحق إلا الله الواحد الحق. فهو من الأعلام الخاصة، من حيث إنه لم يُسَم به غيره تعالى، ومن الأعلام الغالبة، من حيث إن أصله "إله"، قاله بعض المحقّقين. و"الرحمن لما وصفٌ للفظ الجلالة. وهو خاص لفطًا، من حيث إنه لم يُسَمّ به غيره تعالى، وهو أيضًا من الأعلام الغالبة؛ أي: هو عَلَم بالغَلَبة، كـ"النجم" للثريّا، و"الكتاب" لكتاب سيبويه. فهو عامٌ معنىً، لأنه صفة لمعنى كثير الرحمة، ثم غَلَب على البالغ في الرحمة غايتها. ومعناه أيضاً أنه المتفضل بجلائل النعم في

стр. 25

الدنياوالآخرة، فهومن الصفات الغالبة. [١/ ٣٣] و"الرحيم" عامٌ لفظًا، لأنه قد يسمّى به تعالى. قال تعالى في حق نبيّه ﷺ : ﴿بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ [التوبة: ٢٨] و"الرحمن الرحيم" صفتان مشبَّهتان، مشتَقّتان من "رَحِمَ" بنقْلِهِ إلى "رحُمَ" لازمًا، لأن الصفة المشبّهة لا تُشتَقّ إلا من لازمٍ، نحو طَهُرَ وحَسُنَ، فالصفة المشبّهة منهما طاهرٌ وحَسَنٌ. و"الرحمن" أبلغ من "الرحيم" لأن زيادة المعنى تدلّ على زيادة المعنى غالبًا. وقدّمَ "الرحمن"، لأنه كالعلم، من حيث إنه لا يوصف به غيرُه تعالى. وقيل إنه علم. ولم يقل "بالله الرحمن الرحيم": اقتداءً بالكتاب العزيز، وتبركًا بذكر اسمه تعالى، وفرْقًا بين التيمّن واليمين. أو قدم "الرحمن" لأن "الرحيم" كالتتمّة له، لدلالة "الرحمن" على أنه هو المتفضّل بجلائل النعم وأصولها، فَرُودِفَ بـ"الرحيم" ليتناول ما خرج منه. أو قدّم "الرحمن" لمراعاة الفواصل. وهو جواب حسن عمّا يقال: إن الترقي يكون من الأدنى إلى الأعلى، لا من الإعلى إلى الأدنى كما هنا، فَيُجابُ بما ذُكِرة أي: لمراعاة الفواصل. والرحمة في الأصل رقة في القلب تقتضي التفضل والإحسان، وهي بهذا المعنى من المحال على الله تعالى، فيراد لازمها وهو الإنعام [٢ب] والإحسان، أو إرادة الإنعام والإحسان. فعلى تفسيرها بذلك تكون صفةَ فعلٍ، وعلى تفسيرها بالإرادة تكون صفة ذات. ولهذا كله إنما يتمشّى على مذهب الخَلَف (١) القائلين بأن الرحمة والغضب

стр. 26

[١/ ٣٣] والرضا لها مبادئ ونهايات. فالله يوصف بها باعتبار النهاية، لا باعتبار المبادئ. ثم إنه ينبغي الكلام على البسملة بما يناسب الفنّ المبْدوءَ بها. فيناسبها هنا أن نقول: تجب [البسملة] في خمسة مواضع: عند غسل اليدين من نوم الليل، وعند الوضوء، وعند الغسل، وعند التيمّم، وعند غسل الميّت. وتشترط في موضعين: عند الذكاة، إلا أنها تسقط سهوًا لا جهلاً، وعند إرسال الآلة للصيد ولا تسقط لا سهوًا ولا جهلاً. وتُسَنّ في مواضع كثيرة: عند الأكل والشرب ونحوهما. وتكره على أكل محرّم. وتحرم في بيت الخلاء ونحوه. وتباح في غير ذلك. (٢) قوله: "المنفرد بصفات الكمال": أي الذي تفرّد بالأوصاف الكاملة. فلا تليق بغيره . لا يقال: قد يوصف غيره ببعض صفاته، كالعلم والحلم، والكلام، والسمع، والبصر، وغير ذلك، فما معنى قوله: "المنفرد"؟ لأنّ الصفات المذكورة إذا اتصف بها غيره لا تكون مطلقةً، بل مقيّدة. فيكون متصفًا بالعلم ببعض الأشياء لا مطلقًا. وكذا يقال فيما بعده. فهي لا توصف بالكمال المطلق، بخلاف صفاتِ البارئ ، فإنها صفاتُ كمالٍ مطلقًا. ويؤخذ من هذا أيضًا أنه منزّه عن كل نقص، وعن سماتِ الحدوث، ومشابهتِهِ للحوادث. كيف وهو المحدث الموجد لها . وقوله: "المنعوت" أي الموصوف "بنعوت أي صفات "الجلال والجمال" أي فالبارئ متصف بالجلال، وهو الهيبةُ والغَلَبَةُ والقهر والسلطان، والجمال، وهو

стр. 27

الرحمة والرأفة والكرم والحلم. وكل من هذه الصفاتِ صفات كمال. وقوله: [١/ ٣٣] "المتحبب" أي المتودّد "إلى خلقه بالإنعام والإفضال" أي فهو كثير الإنعام والمتفضّل على- خلقه. ومن كان كنالك فالقلوب تستروح لمحبته، لأنها مطبوعة على ذلك. والله تعالى يحب من عباده أن يحبّوه. ومن لُطْفِهِ بهم أسبغ عليهم نِعَمَهُ ظاهرة وباطنة، وكانت سببًا لمحبتهم له. وقوله: "والعطاء والنوال" عطفُ مرادفٍ. وقوله: "المحسِنُ على ممرّ الأيام والليال" أي الدائم إحسانه لخلقه في سائر الأوقات. وقوله: "أحمده" أي أصفه بالجميل، وصفًا متجدّدًا يحدث شيئًا بعد شيء. "لا لغيُّرَ له" أي لا نقص له "ولا زوال" أي ولا انقطاع "لا تحوُّل له ولا انفصال" أي لا انتقال له ولا انقطاع. (٣) قوله: "ولا مثْلَ له ولا مثال" أي لا يشبهه شيء [٣أ]، ولا يُشْبِهُ شيئًا. وقوله: "ولا خلال" أي مُخَالَلَة ومُوَادَّة. (٤) قوله: "أصحّ الأقوال لا أي الأقوال الصحيحة "وأسدِّ الأفعال" أي الأفعال السديدة، أي الصواب. وقوله: "المُحْكِم" أي المتُْقنِ للأحكام "الغُدُوّ" جمع غدوة، أي أول النهار، "والآصال" جمع "أَصيلٍ" أي آخر النهار. (٥) قوله: "فإن الاشتغال بالعلم" هذه العبارة من خطبة "المبْدع". (٦) قوله: "المقدسي" نسبة إلى البلاد المقدّسة، وإلا فهو من طول كَرْم (١)، من أعمال نابلس. (٧) قوله: "فاستخرت الله الخ": هذا جواب "لمَّا" فكان الأَوْلى إسقاط الفاء. (٨) قوله: "ذي بال": أي حالي وشرفٍ يُهْتَمّ به شرعًا. (٩) قوله: "واللهِ عَلَمٌ الخ" يقرأ بكسر الهاء على الحكاية، وكذا بترقيق اللام فيما يظهر، لأنه لا يُقرأ على حكايته إلا كذلك. وقوله: "الواجب الوجود": أي

стр. 28

[١/ ٣٤] الذي لا يتصور في العقل عَدَمُه، بخلاف "الجائز" فهو الذي يُتصوَّر في العقل وجوده وعدمه، وبخلاف "المستحيل" فإنه الذي لا يتصور في العقل وجوده. فالأول البارئ ، والثاني كالمخلوقات، والثالث كالشريك له سبحانه وتعالي. (١٠) قوله: "من الوصف بالعبودية": أي لأنها تركُ الاختيار، والثقةُ بالفاعل المختار، والتسليم لأمر الواحد القهّار، وعدم منازعة الأقدار (١)، حتى لا يبقى له مع الله مراد إلا ما أراد. (١١) قوله: "من حلالٍ" أي واجب. ولو عبّر به لكان أولى. لأن الحلال يشمل الواجب والمكروه والمباح، كما هو ظاهر. (١٢) [قوله]: "وعلى جميع الأنبياء والمرسلين": قد روي بيان عدد الأنبياء في بعض الأحاديث [أنهم] مائة وأربعة وعشرون ألفًا، والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر (٢). والأولى أن لا يقتصر على عدد في التسمية. قال الله تعالى: ﴿منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصُصْ عليك﴾ [النساء: ١٦٤] ولا يؤمَن في ذكر العَمَد أن يَدْخلَ فيهم من ليس منهم، أو يخرج منهم من هو فيهم.

стр. 29

(١٣) قوله: "بناء على أنّ الخ" أي وأما إذا قلنا إن مسمى الكتاب هو [١/ ٣٦] النقوش، كما عليه بعضهم، فلا تصح الإشارة إلا إن كانت الخطبة بعد التأليف. (١٤) قوله: "الفهم": هو إدراك معنى الكلام. وقيل جودة الذهن. (١٥) قوله: "معرفة الأحكام": وقيل الأحكام نفسها. وقوله: "الشرعية": خرج العقلية، وقوله: "الفرعية" خرج الأصولية. وقوله: "الفعل" أي الاستدلال. وقوله: "أو بالقوّة القريبة" أي من الفعل. وقوله: "كذلك": أي بالفعل أو بالقوّة. فعلى هذا: من عرف الأحكام بغير ذلك لا يسمى فقيهًا. ***

стр. 30

كتاب الطهارة [١/ ٣٨] (١) قوله: "وهي رفع الحَدَث" الأولى أن يقول: "وهي ارتفاع الحدث الخ" لأنه تفسير للطهارة، [٣ب]، وأما الرفع فهو تفسير للتطهير، لأنه فعل الفاعل، فيحصل التطابق بين المفسَّر والمفسَّر. (٢) قوله: "ولا يرفع الحدث" قال المصنف في "الغاية": ويتجه: ولو للناسي؛ لكن ناقشه شارحها (١) بما في "المبدع" من أنه كالصلاة بثوبٍ محرّم، وهو تصح الصلاة به لناسٍ. ومثله في "شرح الإقناع" للبهوتي، لكن عارضه العلاّمة النجدي (٢) بالفرق بينهما بأن الماء يتلف، بخلاف الثوب. وأجاب عن ذلك شيخ مشايخنا الشطّي بان الماء مضمون عليه فكأنه لم يتلف. (٣) قوله: "ولو كافرة": كذا قالوا. واعترضه المحقق السفاريني (٣) بما ملخّصه: أن الكافرة لا طهارة لها كاملة، لفقْدِ النيّة، فلا تؤثّر خَلْوَتُها. وأجابوا عن

стр. 31

ذلك بان طهارتها صحيحة ولا تشترط لها النية، للحاجة، ولو لم تصح طهارتها لما [١/ ٣٩] جاز لزوجها المسلم وطؤها. قلت: لكن يشكل على هذا قولهم فيما يكره استعماله عند قولهم: "أو استعمل في غسل كافر" فإنهم قالوا: "وشمل الذّمّيّة التي تغتسل لحلّ وطئها لزوجها المسلم" فجعلوه لم يرفع حدثًا مع أن الحكم مُنَاط (١) برفع الحدث، فلْيُتأمل. (٤) قوله: "بأن لا يشاهدها الخ" المراد بالمشاهدة الحضور، لما أنهم ذكروا أن الأعمى يزيل الخلوة. لا يقال: المراد بها الرؤية ولو إمكانًا، أي فالأعمى لولا المانع لرأى، لما أنه يترتب على ذلك أنه لو كان بين المتخلّي وبين من تزول به الخلوةُ حائلٌ كجدار ونحوه، لكان لا يعد ذلك خلوة، إذ لولا المانع لحصلت الرؤية، وهو باطل. وظاهر كلامهم أن النائم لا تزول به الخلوة لعدم إحساسه، بخلاف الأعمى. لكن إن كان أصم فالظاهر أنه كالنائم وأولى، فلا تزول به خلوة، فحرِّر. (٥) قوله: "وشمل الذّميّة الخ" مع أنهم قالوا: يصح غسلها من الحيض والنفاس بدون نيّة، لحاجة زوجها. وإذا صح غُسلها يكون قد ارتفع حدثها، فيكون ما استعملتْهُ في غسلها مَسْلوبَ الطهورية. فإن قيل: إنّ هذا الغسل مخفَّف ومبيح للوطء للحاجة، وليس رافعًا للحديث، كوضوء الجُنُب للُّبث في المسجد، قلت: يدفع هذا قولهم إن خلوتها بالماء لهذا الغُسل تؤثر فيه. ومن أنها لا تؤثر (٢) إلا إذا كانت رافعة لحدثٍ، كما تقدم. (٦) قوله: "تشريفًا له": أي فعِلّةُ كراهة إزالة الخَبَث به تشريفه وتعظيمه. وقيل إن سبب ذلك اختيار الواقفِ وشرطه (٣). قال في الفروع: فعلى هذا اختَلَف

стр. 32

الأصحاب: لو سَبَّل ماءً للشرب هل يجوز الوضوء به مع الكراهة أم يحرم، على وجهين. اهـ. أقول: سيأتي في الوقف أن الصحيح من المذهب: لا يجوز الوضوء به. فعلى ذلك لا يجوز الوضوء بماء زمزم. وعمل الناس على خلافه [٤أ]. (٧) قوله: "مطلقاً" أي لا في رفع الحدث، ولا في زوال الخبث، ولا فيما هو بمعناهما، وغير ذلك، ومع الاحتياج إليه وعدمه. (٨) قوله: "مُنْطَبع": أي نحاس أو حديد ونحوهما. (٩) قوله: "في غير رفع الحدث وزوال الخبث" أي ونحوهما، فلا يصح أن يغسل به ميت، ولا غسل يديْ قائم من نوم ليل، ولا أنْثَيَيْ من نزل منه مَذْي، ولا غسلٌ مستحب، كغسل الجمعة، ولا وضوء مسنون، ونحو ذلك، مع أن هذا ليس رفعَ حدث ولا إزالةَ خبث. ففي عبارته قصور. (١٠) قوله: "بمخالطة شيء طاهر": إنما قَدّر الشارح المضاف لأن التغيير لا يسلب الطهورية إلا إذا كان بمخالطة المغيِّر وممازجته للماء. وأما إن كان غير ممازج، كقطع الكافور ونحوه، فقد تقدّم أنه لا يسلب الطهورية، إلا أن الماء يكون مكروها. وان تغيّر الماء بمَقَرّ أو مَمَر فلا كراهة أيضاً. ومن هنا يعلم أن البئر إذا قُصِرتْ بجصّ واختلف ماؤها من الجص يكون ماؤها طهورًا غير مكروه. (١١) قوله: "بنفسه" ليس بقيد، بل إن زال تغيّره بإضافةٍ ونحوها عاد إلى طَهُوريّتهِ. (١٢) قوله: "لأنه أزال مانعًا الخ" هذا أحد أقوالٍ ستة. ثانيها: لأنه أسقط واجبًا. ثالثها: لأنه رَفَع حدثًا. رابعها: لأنه أدّى به عبادة. وخامسها: لما تخلَّلَهُ من الأدران والأوساخ. وسادسها: لأن المحدث يثبت بأعضائه نجاسة حُكْميّة. وينبني على هذا الاختلاف فوائد كثيرة. اهـ. هكذا رأيته بهامش الفروع. (١٣) قوله: "أو انغمست فيه الخ" أي وكذا لو صُبّ الماء عليها كلها يكون مسلوب الطهورية، إذ لا فرق بين ورودِها على الماء وورود الماء عليها. فعلى هذا لو استنجى مثلاً قبل غسلها من نوم الليل، وكان صب الماء يعمّها كلها لا يصح

стр. 33

الاستنجاء، لأن الماء يصير مسلوب الطهوريّة. وإن كان لا يجري على جميعها [١/ ٤٣] صحّ. فتنبّه. (١٤) قوله: "إذا غَمَسَ بعضها بنية الخ" أي بنيّة غسلها من نوم الليل "فيه" أي في الماء القليل. ويتجه أنه لو نوى الاغتراف بها وغسل يديه خارج الماء لا يضر. فتأمل. (١٥) قوله: "أكثر من قُلّتين" الأولى أن يقول: قُلّتين فأكثر، لأنه يوهم أن القلّتين غير كثير. وليس بجيد. (١٦) قوله: "كثير" أي لا بدّ من كون الطهور المضاف كثيرًا، أي قُلَّتيْنِ فصاعدًا. جزم به في "المنتهى" وغيره. وفي "الإنصاف": لو كوثر بماءٍ يسيرٍ، أو بغير الماء، لم يطهر على الصحيح من المذهب. اهـ. وقال العلامة المصنّف في "الغاية": ويتجه صحة عدم اشتراط كثير في إضافةٍ ونزح. اهـ. قلت: وهو ظاهر كلامه هنا أيضًا. وهو قوي من حيث الدليل، وإن كان مخالفًا لما عليه أكثر الأصحاب، وذلك لأنه لو زال التغير بدون إضافة شيء صار الماء طهورًا، فعَوْدُهُ إلى الطهورية بإضافة يسيرٍ من الماء أولى. فتنّبهْ، ولا تكن أسير التقليد. (١٧) قوله: "تقريبًا": الأولى أن يأتي بهذه اللفظة بعد قوله: "وهما خمسمائة رطلٍ بالعراقي لأن الكثير قلّتان تحديدًا. فلو نقص عن القلتين يسيرًا صار دونهما. ومناط الحكم بلوغُ الماء قفتين، أو عدمه. وأما كون القلّتين خمسمائة رطلٍ بالعراقي، فتقريبٌ لا تحديد. فلو نقص هذا القدر رطلًا أو رطلين فلا يضر. ويسمى قلّتين، لأن هذا التقدير بالنص، وذلك لأن المراد بالقلّتين من قلال هَجَر [٤ب] وكانت القلّة تسع قربتين وشيئًا. والقربة تسعمائة رطل. فاحتاطوا وجعلوا "الشيء" نصفًا. وهو يمكن أن يكون أقل من النصف، بل ومن الربع. فاغتفروا النقص اليسير من هذا العدد. وهذا ظاهر لا غبار عليه، لا يحتاج لتأمّل. (١٨) قوله: "ذراع طولاً الخ" فيه أن الأذرع في المربّع أربعة إلا ربع ذراع وفي المدوَّر ثلاثة ونصف. فكيف يستويان في

стр. 34

[١/ ٤٤] القدر؟ (١). (١٩) قوله: "توضأ منهما وضوءًا واحدًا الخ" فُهِم منه أنه لو توضأ منهما وضوءين، من كل واحد وضوءًا، أنه لا يصح واحد منهما. وهذا المذهب. وقيل يصحٍ ذلك. وهل إذا اشتبه المحرّم بالمباح، وتوضا منهما وضوءًا واحدًا، من هذا غَرفةً ومن هذا غرفة، يصحّ وضوؤه، وكذا لو توضأ منهما وضوءين، قياسًا على اشتباه الطهور بالطاهر؟ الظاهر: نعم. لكن يشكل على هذا قولهم فيما تقدم، فيما إذا اشتبه محرم بمباحٍ، أو طهور بنجس: لم يتحرّ، ويتيمّم. والله أعلم. (٢٠) قوله: "إعلام من أراد أن يستعمله إلخ": فإن أعلمه وكان ثقةً لزمه قبوله إن بيّن له السبب. ومن وقع عليه ماء ونحوه من سطح ونحوه يجهل حاله لم يلزمه أن يسأل عنه، بل عدم سؤاله أولى. باب الآنية ترجم لشيء، وزاد عليه، وهذا ليس بعيب (٢). (١) قوله: "ويحرم استعمال إناء الذهب ولو ميلاً": فيه أن الميل ليس بإناء. فلو قال: ويحرم استعمال آلة من ذهب أو فضة ولو ميلاً، لكان أولى. (٢) قوله: "يعني إذا فارقنا شيئًا طاهرًا الخ" هذا ليس بقيد، بل المقصود: إذا جهلنا حال شيء من إناءٍ ونحوه فهو طاهر. وقوله: "لا نوجب بالشك الخ " أي فلو شكّ في حصول الحدث، لا نوجب عليه الوضوء، ونحوإ لك. وكذا لو وجدنا حيوانًا مذبوحًا في بلدٍ وفيها من لا تحل ذبيحته، وغيره، فلا نحرّمها

стр. 35

بالشك، باحتمال كون ذابحها من لا تحل ذبيحته. نعم أوجبوا صوم يوم الثلاثين [١/ ٤٧] من شعبان إذا كان مانع من رؤية الهلال، كما يأتي. (٣) قوله: "مُطْلَقًا" أي سواء كان جلد حيوان مأكولٍ أم لا، طاهرٍ في الحياة أم لا. وعنه (١): يطهر جلد مأكول اللحم بالدبغ. اختارها جماعة. ويحرم استعمال جلدِ آدميّ إجماعًا. قال بعضهم: ولا يطهر بدبغه. وأطلق بعضهم وجهين. وجعلُ المُصْران وترًا دباغ، وكذا الكَرِش. قال في الفروع: ذكره أبو المعالي. ويتوجّه: لا. أقول: جزم في الإقناع وغيره بما قاله أبو المعالي. وهو المذهب. تتمّة: اختلف علماؤنا، فقالت طائفة: الدبغ إحالةٌ لا إزالة. وقال آخرون: إزاله. باب الاستنجاء وأداب التخلي (١) قوله: "ويستفاد من الإقناع الخ" مُحصَّل شروط الاستجمار التي ذكرها أنه لا بدّ أن يكون بطاهرٍ مباحٍ منقّ، ولا بدّ من حصول الإنقاء، وثلاثُ مَسَحاتٍ إن أنقت وإلا فحتّى تنقي، وأن تعمّ كل مَسْحَةٍ المحلّ، وأن يكون الفرجُ أصليًّا، وأن يكون المخرج معتادًا، وأن يكون تنخسه من الخارج، وأن يكون الخارج من غير أجزاء الحقنة، وأن يكون المستجمَر به غير منهىٍّ عنه، وأن لا يتعدى الخارج موضع العادة. فهذه اثنا عشر شرطًا لصحة الاستجمار. (٢) قوله: "لم يجزئه بعد ذلك إلا الماء الخ" وهذه يُعَايَا بها، يقال: استجمر بما لا يجزئ، وأتبعه بما يجزئ، هل يجزئ أو لا؟ والجواب: إن كان لا يجزئ لحرمته، كالروث والعظم ونحوهما فلا يجزئ أن يتبعه بما يجزئ من حجر ونحوه،

стр. 36

[١/ ٥١] بل لا بدّ من الماء. وإن كان لا يجزئ لملاسته، كالرخام، فيجزئ أن يتبعه بحجرٍ بالشروط المتقدمة، ويصح استجماره. (٣) قوله: "كما لو تعدى الخارج موضع العادة الخ" فلو تعدّى بول المرأة إلى مخرج الحيض لزمها الغَسل، ولا يكفي الاستجمار، لأن مخرجهما مختلف. وذكر في المغني احتمالاً أنه لا يجب الغسل، بل يكفي الاستجمار، وأقره في الشرح والرعاية، لأن هذا عادةٌ في حقها، كالمعتادة في غيرها. قلت: وهذا هو الصواب إن شاء الله، ويرشد لذلك قولهم: "موضع العادة" ولو كان مرادهم ما تقدّم لقالوا: "موضع الخروج" أو: "المخرج" مثلاً. ويلزم عليه أن لا يصح استجمار أنثى أصلاً لأنه لا بدّ من التعدي المذكور، وهذا لا قائل به. والله أعلم. فصل في آداب الخلاء (١) قوله: "ومريدَ لقضاء حاجة الخ": أي كذلك يسن لمريد قضاء الحاجة في الصحراء تقديم رجله اليسرى إلى المحلّ الذي يقضي حاجته فيه. وإذا قام منه قدّم اليمنى، وقال: "غفرانك الخ". (٢) قوله: "أي أسألك غفرانك الخ" قال في الحاشية (١): والسّرّ في هذا الدعاء أنه لما خلَص من النَّجْوِ والبول المثقِلينِ للبدن سأل الخلاص مما يُثقِل القلب، وهو الذنْب، بالغفران، لتكمل له الراحةُ الحسّيّة والمعنوية. اهـ. (٣) قوله: "خشية أن يرد عليه البول الخ" يؤخذ مثه أنه لا يكره استقبال الريح وهو يتغوّط فقط، لعدم المحذور. (٤) قوله: "ويكره الكلام الخ" أي إلا إذا كان لتحذير معصومٍ من مهلكةٍ، فيجب. وقال في الحاشية: لما قيل إن الملكين الموكّلين به ينعزلان عن دخول الخلاء، فإذا تكلم أحوجهما إلى العود، فيلعنانه. اهـ.

стр. 37

(٥) قوله: "والاستتار بدابةٍ وجدار الخ" الظاهر أنه لا بدّ من قربه من السُّترة [١/ ٥٣] نحو ثلاثة أذرع، كسترة الصلاة. (٦) قوله: "وأن يلبث الخ" أي لما فيه من كشف العورة بلا حاجة. وقيل إنه يدمي الكبد، ويورث الباسور. قال في "الفروع" (١): وفي تحريمه وكراهته روايتان، اختار القاضي (٢) وغيره الكراهة، واختار صاحب "المحرّر" (٣) وغيره التحريم. اهـ. باب السواك (١) قوله: في "يُسَنُّ السواك" أي التسوّك. فإن "السواك" يطلق على التسوّك. وقوله: "ليّن" الأولى تصير "رطبٍ " بها. ولو عبّر المصنّف بها لكان أولى، ليشمل اليابس المُنَدَّى. (٢) قوله: "إلا بعد الزوال لصائمٍ فيكره" هذا المذهب. وقيل بل يُسَنّ للصائم أيضًا مطلقًا. وجزم به المحقق م س (٤) وألف رسالة في ذلك وأقام عليه البراهين والأدلّة. وكان السواك واجبًا على النبيّ ﷺ . ويسن السِّواك باليسرى على أسنانٍ ولِثَةٍ ولسان.

стр. 38

فصل في سنن الفطرة [١/ ٥٧] (١) قوله: "ولا بأس بأخذ ما زاد على القبضة منها" وعبارة الإقناع: "ولا يكره أخذ ما زاد الخ " أقول: حاصل كلام المصنف كغيره أن حلقها، ومثله قصُّها كلها ونتفها ونحو ذلك، حرام، وأن السّنّة عدم أخذ شيء منها، وأن أخذ ما زاد على القبضة لا بأس به، ولا يكره، وأما أخذ ما دون قبضتِهِ بحيث لا يستأصلها فلم أجد أحدًا تعرّض له. إلا أني رأيتُ بعض الحنفية صرّح بالإجماع على عدم إباحته. وكذا مفهوم نص الإمام أحمد. وعبارة "الإقناع" فليس دالًّا على التحريم ولا على الكراهة، بل هو محتملهما. وإنما يدل على عدم الإباحة فقط. وغالب أهل هذا الزمان يحلقون لحاهم، ومن لم يحلقها يقصها ويبالغ في قصّها، ويُعْفُون شواربهم حتى تسدَّ أفواههم، حتى رأيت بعض القضاة كذلك. وهل هذه إلا مضادّةٌ للشرع الشريف الذي أمر بإِحْفَاءِ الشوارب وإعفاء اللحى. فلا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم. (٢) قوله: "فيعايا بها" أي يقال: في أي موضع تكون السنّة أفضل من الواجب؟ فيقال: هنا. وكذا إنظار المعسر واجب وإبراؤه مندوب، وهو أفضل. وكذا ردّ السلام واجب وابتداؤه سنة، وهو أفضل. فيكون هذا ونحوه مستثنًى من قاعدةإ "الفرض أفضل من النّفل". وقد يقال: لا استثناء في الحقيقة، لاختلاف جهة الأفضلية. بيان ذلك أن الختان قبل البلوغ يساوي ما بعده في امتثال الأمر وسقوط الواجب به، ويزيد فضيلة المتقدم وغيره. وكذا إنظار المعسر واجب لدفع أذاه بالمطالبة، ففي إبرائِه وجود ذلك، وزيادة إسقاط الدين عنه بالكليّة. ففيه فضيلة الإسقاط. وكذا ردّ السلام واجب لما يلزم على تركه من العداوة والتباغض، فهو مطلوب للتّوادّ بين المسلمين، وهو حاصل بابتدائه ويزيد فضيلة المتقدم. فقد فَضَل النّفلُ الفرضَ لا من جهة الفرضية، بل من جهةٍ أخرى. وإلا فإنا إذا حكمنا على ماهيّةٍ بأنها خير من ماهيّةٍ أخرى، كالرجل خير من المرأة، لم يمكن أن تفضلها الأخرى بشيء من تلك الحيثيّة، فالرجل من حيث إنه رجل لم يمكن أن تفضلَهُ المرأة من حيث إنها غير الرجل، دالاّ تتكاذبِ القضيتان. وهذا بديهي. نعم قد

стр. 39

تفضل المرأة الرجل من جهةٍ غير الذكررة والأنوثة. اهـ من كلام بعض المحققين [١/ ٥٨] فليُعلم. باب الوضوء (١) قوله: "وواجباته": صوابه: "وواجبه"، لأنه ليس للوضوء إلا واجبٌ واحد، وهو التسمية. والأولى أن يزيد: "وصفته وسننه وما يتعلق بذلك". (٢) قوله: "وعلى الوجوب الخ": أي وأما على القول بانها فرض فلا تسقط. وهما روايتان، كما في الفروع. (٣) قوله: "وقال في الإقناع الخ": واتجه العلامة المصنف (١) أنه إذا كان الوقت متسعًا والماء كثيرًا سمّى وابتدأ، وإذا كان الوقتُ ضيّقًا، أو الماء قليلاً، سمّى وبنى. وهو توسّطٌ بين القولين. وهو تفصيل حسن. (٤) قوله: "فلو لم تجب لأجزأ غسل اللمعة فقط": يشير إلى ما روي "أن رجلاً توضأ وفي رجله لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي ﷺ أن يعيد الوضوء" وفي رواية: "والصلاة" (٢). فهذا يدل على اشتراط الموالاة، وإلا لأمره بغسل اللمعة فقط. وأيضًا لم ينقل عنه ﷺ أنه توضأ إلا متواليًا. (٥) قوله: "فإن قيل: الإسلام عبادة الخ": هذا السؤال وارد على أبي البقاء (٣)، لما قال: العبادة ما أمرنا به شرعًا من غير [٦أ]، اطّرادٍ عُرْفيّ، ولا اقتضاءٍ عقلي، فقيل له: الإسلام والنية عبادتان، ولا يفتقران إلى النيّة. فقال: الإسلام ليس بعبادة، لصدوره من الكافر، وليس من أهلها. سلَّمْنا، لكن للضرورة، لأنه لا

стр. 40

[١/ ٦٠] يصدر إلا من كافر. وأما النيّة، فلقطع التسلسل. اهـ. فإن قلت: السترة والاستقبال من شرط الصلاة، فلم اعتُبرت النيّة للوضوء دونهما، مع أنه شرط أيضًا؟ فالجواب كما في الفروع: أن نيّة الصلاة تضمْنتْهُما لوجودهما فيها حقيقةً، ولهذا لو حلف لا يستتر، وأدام الستر، أو حلف لا يستقبل، وهو مستقبل، فاستدامه، حنث، بخلاف الوضوء، فاستدامته ليست بوضوء، لأن الوضوء عبارة عن الهيئة المعروفة. فصل في النية (١) قوله: "وتتعيّن نيّة الاستباحة" أي فلا يجزئ نيّةُ رفع الحدث، لأنه دائم، أي فينافي نيّة رفعه، لأن شرط رفعه انقطاعُ ما يوجبه، ولم يوجد. هذا معنى ما قرروه هنا. والأشبه أنه يجزئ نيةُ رفع الحدث. لأن الانقطاع ليس شرطًا، للحاجة. ويؤيده قولهم: "ويرتفع حدثه" وإلا لزم أن الذمّيّة التي تغتسل للوطء أنها تنوي الاستباحة، لأن الحدث لا يرتفع بدون نيّة، وهي ليست من أهلها، فلم يقله أحد. فإن قيل: ما الحكمة في غسل الأعضاء المذكورة في الوضوء، دون غيرها؟ فالجواب: لأنها أسرع حركة للمخالفة من غيرها، فأمر بغسلها ظاهرًا، تنبيهًا على طهارتها باطنًا. ورتّب غسلها على ترتيب سرعة حركتها، فبدأ بالمضمضة، لأن اللسان أكثر الأعضاء حركة، وأسرعها مخالفة. فهو كثير العطب، قليل السلامة. ثم الأنف، ليتوب مما شمّه، ثم الوجه ليتوب مما نظر، ثم اليد لتتوب مما بَطَشت. ثم خصّ الرأس بالمسح لأنه مجاور لما تقع منه المخالفة، ثم الأذن لتتوب مما سمعت، ثم الرجل لتتوب مما مشت. ثم أرشده بعدإ لك إلى تجديد الإيمان بالشهادتين. والله أعلم. فصل في صفة الوضوء الكامل (١) قوله: "من منابِتِ شعر الرأس المعتاد الخ": فيدخل فيه عِذار، وهو
следующие страницы →