← Сира

Сира · id 9780

شرح بهجة المحافل وبغية الأماثل

الأشخر اليمني

Полный текст (880 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

العلماء صلاة النبي ﷺ على النجاشى أصلا في الصلاة على الغائب وقال الخطابي من أصحابنا لا يصلي عليه الا اذا كان في موضع لا يصلي عليه كما وقع للنجاشى واستحسنه الرويانى في البحر والكلام في الغائب عن البلد أما الحاضر فلا يصلي عليه صلاة غائب سواء كبرت البلد أو صغرت والله اعلم. [مطلب في موت عبد الله بن أبيّ بن سلول واستغفار النبي ﷺ له ونهي ربّه عن ذلك] وفيها مات عبد الله بن ابي بن سلول وذلك بعد مرجع النبي ﷺ من تبوك. روي أن النبي ﷺ دخل عليه وهو مريض فقال أهلك حب يهود ولما مات أتاه النبي ﷺ بعد ما أدخل فأمر به فاخرج فوضعه على ركبته ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه رواه البخاري عن جابر وروي أيضا عن عمر قال لما مات عبد الله بن أبي دعى له رسول الله ﷺ ليصلي عليه فلما قام رسول الله ﷺ وثبت اليه فقلت له يا رسول الله أتصلي على ابن أبي وقد قال يوم كذا كذا وكذا اعدد عليه قوله فتبسم رسول الله ﷺ وقال أخرعنى يا عمر فلما أكثرت عليه قال اني خيرت فاخترت كان زيد بن أرقم يكبر على الجنائز أربعا وانه كبر على جنازة خمسا فسألته قال كان رسول الله ﷺ كبرها ومقابل الاصح تبطل بالزيادة كزيادة ركعة خامسة ولا يتابع المأموم الامام فيها بل يسلم أو ينتظره ليسلم معه في الاصح ومقابلة تتابعه لتأكيد المتابعة فان قلنا الزيادة مبطلة فارقه جزما (وقال الخطابي) اسمه حمد بفتح المهملة وسكون الميم بن محمد بن ابراهيم بن خطاب قال الشمني هو الامام الحافظ السبتي قال والخطابي نسبة الى جده ويقال انه من نسل زيد بن الخطاب (الروياني) بضم الراء وسكون الهمزة اسمه عبد الواحد بن اسماعيل منسوب الى رويان بلد بطبرستان (والكلام في الغائب عن البلد) سواء كان في جهة القبلة أو في غيرها (اما الحاضر فلا يجوز) ان (يصلى عليه صلاة غائب) اذ لم يرد ذلك والحضور عنده سهل* موت عبد الله بن أبي (روى ان النبي ﷺ دخل عليه وهو مريض) نقل ذلك البغوى عن أهل التفسير وقال ما معناه سبب ذلك انه بعث الى رسول الله ﷺ فلما جاءه (قال أهلكك حب يهود) لا ينصرف زاد البغوى فقال يا رسول الله انى لم أبعث اليك لتؤنبني ولكن بعثت اليك لتستغفر لى وسأله ان يكفنه في قميصه ويصلى عليه (ولما مات) وكانت وفاته في ذى القعدة (وروي) البخارى (أيضا) وكذا مسلم والترمذي والنسائى (دعى له رسول الله ﷺ وكان الداعي ابنه عبد الله بن عبد الله وهو الذي سأل من النبي ﷺ ان يلبس أباه قميصه الذي يلي جلده كما نقله البغوي وغيره عن يزيد بن هارون (وثبت اليه) أي قمت بسرعة (وقد قال يوم كذا كذا وكذا) لاصحاب السنن وقد نهاك ربك ان تصلى عليه (اني خيرت فاخترت) فان قيل كيف فهم

стр. 527

لو أعلم اني ان زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها قال وصلى رسول الله ﵌ ثم انصرف فلم يمكث الايسيرا حتى نزلت الآيتان من براءة ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره انهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون قال فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله ﷺ يومئذ والله ورسوله أعلم. قيل فعل به النبي ﷺ ما فعل اكراما لولده حيث سأله ذلك وما سئل شيئا قط فقال لا وأما القميص فألبسه اياه مكافأة له لأنه ألبس العباس يوم بدر قميصا* خاتمتها ﷺ من الآية التخيير والمفهوم من الآية انما هو التسمية بين الاستغفار وتركه كما فهمه عمر واقتضاه سياق القصة أجيب بأن قوله ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا الى آخره تأخر نزوله عن أول الآية ففهم ﷺ من ذلك القدر النازل ما هو الظاهر حينئذ من ان أو للتخيير وان عدد السبعين له مفهوم فاندفع الاستشكال الحامل لجماعة من الأكابر على الطعن في هذا الحديث منهم أبو بكر الباقلاني وامام الحرمين والغزالى والحديث لا مطعن فيه فقد اتفق الشيخان وسائر الذين خرجوا الصحيح على تصحيحه (لو أعلم انى ان زدت على السبعين الى آخره) لاصحاب السنن وسأزيد على السبعين (وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ) ظاهر الحديث تأخر نزول هذه الآية عن القصة وما في تفسير البغوي مما يقتضي نزولها في حياة عبد الله بن أبي مردود بما في الصحيح وفي الآية تحريم الصلاة على الكافر والدعاء له بالمغفرة والقيام على قبره (الى قوله وَهُمْ فاسِقُونَ) زاد الترمذى فترك الصلاة عليهم (من جرأتي) أى اقدامي (اكراما لولده) قيل واظهارا لحلمه عن من يؤذيه أو لرحمته إياه عند جريان القضاء عليه (ما سئل شيئا قط فقال لا) كما رواه الحاكم عن أنس كان لا يسأل شيئا الا أعطاه أو سكت (ان) بفتح الهمزة (ألبس العباس يوم بدر قميصا) ولم يكن للعباس يومئذ ثوب فوجدوا قميص عبد الله تقدر عليه فكساه إياه كما رواه البغوى عن جابر بصيغة وروى قال وقال ابن عيينة كانت له عند رسول الله يد فأحب ان يكافئه قال وروي ان النبى ﷺ كافأ فيما فعل بعبد الله بن أبى فقال النبى ﷺ ما يغنى عنه قميصي وصلاتى من الله والله ان كنت أرجو ان يسلم به ألف من قومه وروى انه أسلم بعد موته ألف من قومه لما رأوه تبرك بقميص النبي ﷺ انتهي وفي هذا الحديث كما قال النووي بيان عظيم مكارم اخلاق النبي ﷺ فقد علم ما كان من هذا المنافق من الايذاء وقابله بالحسنى فألبسه قميصه كفنا وصلى عليه واستغفر له قال تعالى وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ انتهى وفي هذا الحديث منقبة جليلة لعمر ﵁ حيث وافق ربه (فائدة) قال ابن العربي وافق عمر ربه تلاوة ومعنى في احد عشر موضعا منها هذه القصة وفي قوله عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ وفي قوله وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وفي الحجاب وفي اساري بدر وكل هذه في الصحيح وفي آية المؤمنين كما رواه أبو داود الطيالسى من حديث على بن زيد وافقت ربى لما نزلت ثم أنشأناه خلقا آخر فقلت انا تبارك الله أحسن الخالقين فنزلت وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره من حديث أنس وفي

стр. 528

[مطلب في حج أبي بكر تلك السنة وإردافه بعلي يؤذن ببراءة في الحج] حج ابو بكر الصديق وكان من خبر ذلك ان النبي ﷺ لما قدم من تبوك في رمضان أقام بالمدينة الى ذي القعدة وأراد الحج فذكر مخالطة المشركين وما اعتادوه من الجهالات في حجهم وان الأشهر الحرم والعهود التي لهم تمنع من منعهم فساءه ذلك وأمر أبا بكر على الحجاج وبعث معه بسورة براءة حاصلها التبرأ من عهود المشركين والتأجيل لهم أربعة أشهر ذهابا في الأرض اينما شاؤا ومن كان له عهد الى مدة ولم ينقص المسلمين شيئا ولم يظاهروا عليهم أحدا كبعض بني بكر فهو الى مدته فيما تضمنته أربعون آية من صدر سورة براءة ثم بعث النبي ﷺ بعده على بن ابي طالب على ناقته العضباء تحريم الخمر كما روي أصحاب السنن والحاكم ان عمر قال اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فأنزل الله تحريمها وفي قوله تعالى مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ الآية ذكره البغوى وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث عبد الرحمن بن أبى ليلى قلت ومنها قصة الاستغفار للمنافقين كما روي الطبرانى من حديث ابن عباس قال لما أكثر رسول الله ﷺ من الاستغفار لقوم من المنافقين قال عمر سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ومنها آية لما استشار النبي ﷺ أصحابه في الخروج الى بدر أشار عمر بالخروج فنزل كما أخرجك ربك من بيتك بالحق الآية ذكره أهل السير ومنها انه لما استشاره ﷺ في فراق عائشة يوم الافك قال عمر من زوجكها يا رسول الله قال الله قال أفتظن ان ربك دلس عليك فيها سبحانك هذا بهتان عظيم فنزلت كذلك ومنها ما أخرجه أحمد وغيره انه لما جامع امرأته في رمضان ليلا بعد الانتباه وكان ذلك محرما أول الاسلام فنزل أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ الآية ومنها ما أخرجه ابن مردويه وابن أبي حاتم وغيرهم عن أبي الاسود قال اختصم رجلان الى النبى ﷺ فقضى بينهما فقال الذى قضي عليه ردنا الى عمر فقال أكذلك قال نعم فقال عمر مكانكما حتى أخرج اليكما فخرج اليهما مشتملا على سيفه فضرب الذي قال ردنا الى عمر فقتله وأدبر الآخر فقال يا رسول الله قتل عمر والله صاحبي فقال ما كنت أظن ان يجترئ عمر على قتله مؤمن فأنزل الله فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ الآية فاهدر دم الرجل وبرأ عمر من قتله وله شاهد موصول وفي تفسير البغوي ان المقتول كان منافقا وخصمه يهوديا ومنها الاستئذان في الدخول وذلك انه دخل عليه غلامه وكان نائما فقال اللهم حرم الدخول فنزلت آية الاستئذان ذكره بعض المفسرين ومنها موافقته لقوله تعالى ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ الاية أخرجه ابن عساكر في التاريخ عن جابر* حج أبي بكر الصديق (وما أعتادوه من الجهالات ك) كطوافهم بالبيت عراة (فثناه ذلك) أي رجعه (أمر) بالتشديد (على الحجاج) بضم الحاء (بسورة براءة) أى باربعين آية من صدرها ليقرأها على أهل الموسم كما سيذكره المصنف (ولم ينقص المسلمين) بالمهملة (من صدر سورة براءة) الى قوله وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ كما في رواية ابن جرير (العضباء) باهمال العين واعجام الضاد

стр. 529

وأمره ان يتولى نبذ العهود ويقرأ على الناس صدر سورة براءة فلما أدرك علي ﵇ أبا بكر قال ابو بكر امير أم مأمور فقال بل مأمور ثم مضيا ويقال ان ابا بكر لما لحقه علي رجع فقال يا رسول الله بأبى أنت وأمي أنزل في شأني شيء قال لا ولكن لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا الارجل من اهلي اما ترضى يا ابا بكر انك كنت معي في الغار وانك صاحبي على الحق ايضا قال بلى فكان ابو بكر أمير الناس وعلي يؤذن ببراءة ويؤذن المؤذنون بها عن امره روينا في صحيح البخاري عن أبي هريرة قال بعثني ابو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان وروي عنه انه قال امرني علي بن ابي طالب ان اطوف في المنازل من منى ببراءة وكنت اصيح حتى صحل حلقى فقيل له بم كنت تنادي قال بأربع أن لا يدخل الجنة الا مؤمن وان لا يحج بعد العام مشرك وان لا يطوف بالبيت عريان ومن كان له عهد فله اجل أربعة أشهر ثم لا عهد له قال العلماء وكان السبب في بعث علي ﵇ بعد أبي بكر انه كان في عرف العرب ان لا يتولى عقد العقود ونقضها الا سيدهم أو رجل من رهطه فبعث عليا ازاحة للعلة لئلا يقولوا هذا خلاف ما نعرفه واراد النبي ﷺ بذلك أن يأتى حجه من قابل على امر قد تقرر وتمهد فنسخ الله بابتداء سورة التوبة عهد كل ذي عهد بالشرط السابق ومن لم يكن له عهد فاحله انسلاخ شهر الله المحرم وذلك قوله تعالى فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ ثم موحدة مع المد (نبذ العهود) من طرحها وابطالها (ويقال ان أبا بكر) ذكر ذلك البغوي بصيغة جزم (بابى أنت وأمي) افديك (أنزل في شأنى شيء) قال ذلك من شدة خوفه لله وخشية أن يكون ليس أهلا للتأمير (وانك صاحبي) بفتح الهمزة (روينا في صحيح البخارى) وصحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائي (بعثني أبو بكر في الحجة) قال الطحاوى كيف بعث أبو بكر أبا هريرة والمأمور بالتأذين علىّ وأجيب بان أبا بكر كان هو الامير وكان لعلى التأذين فقط ولم يطقه وحده فاحتاج الي من يعينه على ذلك فارسل معه أبو بكر رضى الله عنه أبا هريرة وغيره ليساعدوه (في مؤذنين) قال في التوشيح سمى منهم سعد ابن أبى وقاص وجابر (ولا يطوف) بالنصب (وروي عنه قال أمرني على) رواه النسائي بمعناه (إزاحة) بكسر الهمزة وبالزاى والمهملة والتنوين أي اماطة وتنحية (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ) أى انفضت ومضت قيل هي الاشهر الاربعة رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم وقيل هى شهور العهد سميت حرما لأن الله

стр. 530

فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ وهذه الآية من اعاجيب القرآن لأنها نسخت من القرآن مائة واربعا وعشرين آية ثم نسخت بقوله تعالى وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ* [السنة العاشرة وفيها كان إسلام أبي عبد الله جرير البجلي سيد بجيلة] السنة العاشرة في رمضان منها تعالي حرم فيها على المؤمنين دماء أهل الشرك والتعرض لهم (فاقتلوا المشركين) أي الكفار (حيث وجدتموهم) أي ولو في الحرم (وخذوهم واحصروهم) أى احبسوهم وقال ابن عباس يريد ان تحصنوا فاحصروهم أى امنعوهم الخروج وقيل امنعوهم دخول مكة والتصرف في بلاد الاسلام (واقعدوا لهم كل مرصد) أي على كل طريق (وان أحد من المشركين) الذين أمرت بقتلهم (استجارك) أي استأمنك بعد انسلاخ الاشهر الحرم (فاجره) فاعذه وأمنه (حتى يسمع كلام الله) فيما له وعليه من الثواب والعقاب (ثم ابلغه مأمنه) أى المحل الذى يأمن فيه وهو دار قومه ثم ان قاتلك بعد وقدرت عليه فاقتله* السنة العاشرة (ذكر اسلام جرير) بن عبد الله (في رمضان منها) كما جزم به ابن حبان والبغوي وأكثر الحفاظ المتأخرين وغلط الطحاوى ابن عبد البر وغيره ممن قال ان اسلامه قبل موت النبى ﷺ باربعين يوما لما في الصحيحين وغيرهما عنه قال قال لي رسول الله ﷺ في حجة الوداع استنصت لى الناس نعم يؤيد ما قاله ابن عبد البر ما روي عن جرير قال ما كان اسلامي الا بعد نزول المائدة وقد علم ان قوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ انما نزلت بعرفات في حجة الوداع وهى من جملة آياتها والجواب عنه انه أراد بعد نزول معظمها وكان قبل حجة الوداع ومن ذلك آية الوضوء منها وهي نزلت قبل غزوة تبوك بزمن طويل فان قيل قد روي الطبرانى في الاوسط والكبير بسند صحيح غريب عن جرير رضى الله عنه قال لما بعث رسول الله ﷺ أتيته فقال لى يا جرير لاى شيء جئتنا قلت لاسلم على يديك يا رسول الله فالقي لى كساه ثم أقبل على أصحابه فقال اذا أتاكم كريم قوم فاكرموه وهذا يدل على ان مجيء جرير كان في أول البعثة فالجواب ان جريرا لم يرد بقوله لما بعث النبي ﷺ أتيته انه أتي بعد البعثة فورا والا للزم من ذلك انه أسلم بمكة ولا قائل به ومما يقوى هذا ما في تتمة الحديث في المعجم الكبير فدعانى الى شهادة أن لا اله الا الله وانى رسول الله وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتؤمن بالقدر خيره وشره وذلك لان الصلاة المكتوبة انما فرضت ليلة الاسراء وهو بعد البعثة بمدة كما مر والزكاة انما فرضت بالمدينة بلا توقف فحينئذ هذا اللفظ متروك الظاهر فلا يستدل به علي قدم اسلام جرير فان قيل ففي معجم ابن نافع من حديث شريك عن أبي اسحق عن الشعبي عن جرير قال لمانعى النجاشى قال النبي صلي الله عليه وسلم ان أخاكم النجاشى هلك فاستغفروا له فهذا يدل على تقدم اسلام جرير عن رمضان لان وفاة النجاشى كانت في رجب سنة تسع كما مر فالجواب انه ليس في حديث جرير انه كان مسلما يومئذ لجواز أن يكون حديثه من مراسيل الصحابة وأما ما رواه الطبري عن جرير قال بعثني النبي ﷺ في أثر العرنيين الدال لتقدم اسلام جرير لان قصة العرنيين كانت سنة ست أو تسع فجوابه ان سند هذا

стр. 531

اسلم سيد بجيلة ابو عبد الله جرير بن عبد الله البجلي الأحمسي ﵁. روينا في الصحيحين عنه قال بايعت رسول الله ﷺ على اقام الصلاة وايتاء الزكاة والنصح لكل مسلم وفيهما ايضا عنه قال ما حجبني رسول الله ﷺ منذ اسلمت ولا رآنى الاضحك وكان عمر يسميه يوسف هذه الامة لفرط جماله وكان طوالا يقتحم في ذروة البعير وكان نعله ذراعا ومع تأخر اسلامه فقد اخذ في نصر الاسلام بحظ وافر وكان رسول الله ﷺ يغزيه مرة ويبعثه اخرى. روينا في الصحيحين واللفظ لمسلم الحديث ضعيف فيه موسي بن عبيدة اليزيدي كذا أجاب الحفاظ قلت وبتقدير صحته فلا دلالة فيه اذ لم يصرح بانه كان مسلما يومئذ فلعله ﷺ استعان به يومئذ وهو علي كفره (فائدة) حديث اذا أتاكم كريم قوم فأكرموه رواه ابن ماجه بسند صحيح عن ابن عمر ورواه البزار وابن خزيمة وابن أبى عدي والبيهقى في الشعب عن جرير أيضا ورواه البزار أيضا عن أبى هريرة ورواه ابن أبى عدى عن معاذ وأبي قتادة ورواه الحاكم عن جرير ورواه الطبراني في الكبير أيضا عن ابن عباس وعبد الله بن حمزة ورواه ابن عساكر عن أنس وعدى بن حاتم ورواه الدولابي في الكنى وابن عساكر عن أبي راشد عبد الرحمن بن عبد الله بلفظ شريف قوم (بجيلة) بفتح الموحدة وكسر الجيم حي من اليمن من معد وهو أخو خعثم وهما من قحطان أو من ربيعة بن نزار قولان (جرير) بفتح الجيم وكسر الراء الاولى (ابن عبد الله) بن جابر (الاحمسي) نسبة الى أحمس بهمزة مفتوحة فمهملة ساكنة فميم مفتوحة فسين مهملة بظن من بجيلة (وروينا في الصحيحين) وسنن ابن حبان ومعجم الطبراني (علي اقام الصلاة وايتاء الزكاة) زاد البخاري في البيوع وعلى السمع والطاعة (والنصح لكل مسلم) زاد ابن حبان فكان جرير اذا اشترى شيأ أو باع يقول لصاحبه اعلم ان ما أخذنا منك أحب الينا مما أعطيناكه وللطبراني حتى انه أمر مولاه أن يشتري له فرسا بثلاثمائة درهم وجاء به وبصاحبه لينقده الثمن فقال جرير لصاحب الفرس فرسك خير من ثلاثمائة ثم اشتراه بثمانمائة درهم فقيل له في ذلك فقال انى بايعت النبى ﷺ علي النصح لكل مسلم وانما بايع جريرا على ما ذكر لانه ﷺ كان يبايع أصحابه بحسب ما يحتاج المبايع اليه من تجديد عهد أو توكيد امر فمن ثم اختلفت ألفاظهم في مبايعتهم قاله القرطبي (وفيهما أيضا) وفي سنن الترمذى (ما حجبني رسول الله ﷺ أى ما منعني الدخول عليه في وقت من الاوقات ولم يرد انه كان يدخل على أزواجه (ولا رآني الاضحك) أي تبسم كما في رواية أخرى في صحيح مسلم وغيره وفي الحديث استحباب البشاشة واللطف والاكرام للوارد وفيه فضيلة جرير (يوسف) بالفتح (لفرط جماله) ورد في حديث ضعيف انه ﷺ قال كان على وجه جرير مسحة ملك (طوالا) بضم الطاء المهملة وتخفيف الواو صفة مبالغة للطويل (ذروة) بكسر المعجمة وفتحها أعلا سنام (البعير) زاد في الرياض المستطابة الظهر أي طويل الظهر (روينا في الصحيحين)

стр. 532

قال قال لى رسول الله ﷺ يا جرير الا تريحنى من ذي الخلصة بيت لخثعم كان يدعى كعبة اليمانية قال فتقرب اليه في خمسين ومائة فارس وكنت لا أثبت على الخيل فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فضرب بيده في صدري وقال اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا قال فانطلق فحرقها بالنار ثم بعث جرير الى رسول الله ﷺ رجلا يبشره يكنى ابا أرطاة فأتى رسول الله ﷺ فقال له يا رسول الله ما جئك حتى تركتها كأنها جمل اجرب فبرّك رسول الله ﷺ على خيل احمس ورجالها خمس مرات ثم بعثه النبي ﷺ الى اليمن قبل موته فلقى بها ذا كلاع وذا عمر وقال جرير فجعلت أحدثهم عن رسول الله ﷺ فقال لى ذو عمرو لئن كان الذي تذكره من أمر صاحبك لقد مر على أجله منذ ثلاث قال وأقبلا معي حتى اذا كنا في بعض الطريق رفع لنا ركب من قبل المدينة فسئلناهم فقالوا قبض رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر والناس صالحون فقالا اخبر صاحبك انا قد جئنا ولعلنا سنعود انشاء الله ورجعت الى اليمن فاخبرت أبا بكر بحديثهم قال أفلا جئت بهم قال فلما كان بعد قال لي ذو عمر ويا جرير وسنن أبي داود والنسائى (من ذي الخلصة) اختلف هل كان هذا الاسم للبيت أو الصنم وقد مر ضبطها (بيت) بالجر بدل من ذى (لحثعم) من بلاد دوس كانوا يحجون اليه ويطوفون به ويبخرون عنده يشبهون به الكعبة المكرمة قال السهيلي وفي موضعها مسجد جامع بموضع يسمى الغيلان (تدعى كعبة) بالنصب (اليمانية) بالتخفيف وباضافة كعبة الى اليمانية من باب اضافة الموصوف الى صفته وفي رواية لمسلم كان يقال له الكعبة اليمانية والكعبة الشامية وفي بعض النسخ الكعبة الشامية بلا واو قال النووي وفي هذا اللفظ المام والمرادان ذا الخلصة كانوا يسمونه الكعبة اليمانية وكانت الكعبة الكريمة تسمى الكعبة الشامية فرقوا بينهما للتمييز هذا هو المراد فتأول اللفظ عليه وتقديره يقال له الكعبة اليمانية ويقال للتى بمكة الشامية ومن رواه الكعبة اليمانية الكعبة شامية بحذف الواو فمعناه كل يقال هذان اللفظان أحدهما لموضع والآخر لآخر (فنفرت) أي خرجت للقتال (فضرب بيده في صدرى) زاد النسائي وغيره حتى رأيت أثر يده في صدري (هاديا) أى دالا على طريق الهدى (مهديا) مدلولا عليها وموفقاها زاد في رواية فما وقعت عن فرس بعد (رجلا يبشره) فيه كما قال النووي استحباب ارسال البشير بالفتوح ونحوها (أبا أرطاة) بفتح الهمزة وسكون الراء ثم مهملة واسمه حصين كما في نسخ صحيح مسلم وهو الموجود في نسخة ابن هامان وحسين كما في أكثرها وذكر عياض الوجهين والصواب الصاد (جمل اجرب) أي اسود كالمطلى بالقطران لجربه قال النووى فيه النكاية بآثار الباطل والمبالغة في ازالته (فبرك) يتشديد الراء (على خيل احمس ورجالها) أي قال بارك الله فيهم (خمس مرات) هذا أصل في تكرير الدعاء خمس مرات (ذا كلاع) تقدم ضبطه وذكر اسمه

стр. 533

ان لك علىّ كرامة واني مخبرك خبرا انكم يا معشر العرب لن تزالوا بخير ما كنتم اذا ما هلك أمير تأمرتم في آخر فاذا كانت بالسيف كانوا ملوكا يغضبون غضب الملوك ويرضون برضا الملوك رواه البخاري وذكر ان ذا الكلاع لما أتاه جرير أسلم وأعتق ثمانية عشر ألف عبد وقيل اثنى عشر الف بنت والله أعلم* [وفد بني الحارث بن كعب وفيهم قيس بن الحصين ذي الغصة] وفي شوال منها قدم على رسول الله ﷺ وفد بني الحارث بن كعب بأهل نجران وفيهم قيس بن الحصين ذي الغصة سمى بذلك لغصة كانت في حلقه وفيه قال عمر بن الخطاب يوما وقد خطب الناس لا تزاد امرأة في صداقها على كذا وكذا ولو كانت بنت ذي الغصة فيهم يزيد بن عبد المدان وآخرون وكان سبب وفادتهم ان النبي ﷺ بعث اليهم خالد بن الوليد وأمره أن يدعوهم ثلاثة أيام ثم يقاتلهم بعدها فلما قدم عليهم خالد أسلموا فكتب الى رسول الله ﷺ يخبره بذلك فكتب اليه رسول الله ﷺ أن يقدم بهم معه فقدم بهم خالد فلما رآهم رسول الله ﷺ قال من هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال الهند فلما وقفوا على رسول الله ﷺ قالوا نشهد انك لرسول الله ﷺ وان لا إله إلا الله فقال رسول الله ﷺ وأنا أشهد أن لا إله إلا الله واني رسول الله ثم قال رسول (كرامة) بالنصب (تأمرتم في آخر) بمد الهمزة وقصرها أى تشاورتم (فاذا كانت) أي امارة (بالسيف) أى بالقهر والغلبة كانوا أي المراد* تتمة من فضائل جرير ما روي الطبرانى في الكبير وابن أبي عدي عن على كرم الله وجهه ورضي عنه قال قال رسول الله ﷺ جرير منا أهل البيت ظهرا لبطن اما تاريخ وفاته فقد قال ابن عبد البر وغيره نزل جرير ﵁ الكوفة واعتزل حروب الصحابة ثم تحول الي الجزيرة ونواحيها ومات بقرقيسيا بكسر القافين والسين المهملة وسكون الراء وتخفيف التحتية يقصر ويمد سنة احدى وخمسين وقيل بعدها انتهى* ذكر وفد بنى الحارث بن كعب (ابن الحصين) بالمهملتين والتصغير (ذي الغصة) بضم المعجمة وتشديد المهملة (علي كذا وكذا) أي على خمسمائة درهم (يزيد) بالتحتية والزاى (بن عبد المدان) بفتح الميم وتخفيف الدال واسم عبد المدان عمرو بن الرباب بن قطن بن زياد بن الحارث بن مالك بن ربيعة الحارثي وكان من أشراف اليمن تضرب به الامثال في الشرف والمدان في الاصل الصنم من دان بمعنى أطاع (ان يقدم) بفتح الهمزة (كأنهم رجال الهند) أى في الطول والجمال وكثرة الشعر (نشهد أنك لرسول الله وان لا اله الا الله) قد يستدل به على عدم وجوب الترتيب بين كلمتى الشهادة لصحة الاسلام وهو خلاف ما نقله أصحابنا عن القاضي أبي الطيب وقرروه من اشتراط الترتيب وعليه فالجواب عن ذلك أنهم كانوا قد أسلموا ببلادهم

стр. 534

الله ﷺ أنتم الذين اذا زجروا استقدموا كررها عليهم ثلاثا كل ذلك لا يجيبونه فقال له يزيد بن عبد المدان في الرابعة أن نعم يا رسول الله نحن الذين اذا زجروا استقدموا قالها ثلاث مرات فقال رسول الله ﷺ لو أن خالدا لم يكتب انكم أسلمتم ولم تقاتلوا لألقيت رؤوسكم تحت أقدامكم فقال يزيد بن عبد المدان أما والله ما حمدناك ولا حمدنا خالدا قال فمن حمدتم قالوا حمدنا الله الذي هدانا بك قال صدقتم ثم قال لهم رسول الله ﷺ بما كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية قالوا نغلب من قاتلنا يا رسول الله انا كنا نجتمع ولا نفترق ولا نبدأ أحدا بظلم قال صدقتم وأمر عليهم رسول الله ﷺ ابن ذي الغصة ولم يمكثوا بعد ان رجعوا الى قومهم الا أربعة اشهر حتى توفي رسول الله ﷺ وكان رسول الله ﷺ بعد ان انصرفوا من عنده بعث اليهم عمرو بن حزم وكتب له كتابا فيه جمل من الأحكام* [مطلب في قصة تميم بن أوس الداري ونزول قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ الآية) .] وفي هذه السنة نزل قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ الآية الى الْفاسِقِينَ وما بعدها في قصة مشهورة وهو انه خرج تميم بن أوس الداري وعدي بن بداء النصرانيان في تجارة لهما الى الشام وخرج معهما بديل مولى عمرو بن العاص وكان مسلما فمرض بديل فأوصى اليهما وكتب جميع ما معه في رقعة وجعلها في جوالقه ولم يخبرهما بذلك فمات فلما مات أخذا من متاعه اناء من فضة منقوشا بالذهب ثم قدما حتى جاءهم خالد كما هو مصرح به في كتب السير (أنتم الذى اذا زجروا) أي سيقوا يقال زجرت البعير اذا أستقته (استقدموا) أي كفاهم الزجر من غير احتياج الى ضرب وغيره وهذا مثل ضرب رسول الله ﷺ لهم حيث آمنوا بمجرد ان جاء اليهم خالد من غير احتياج الى قتال (ابن حزم) بفتح الحاء المهملة وسكون الزاى* سبب نزول قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ الآية (في قصة مشهورة) رواها البخاري وأبو داود مختصرة والترمذي مطولة عن ابن عباس وقال ليس اسنادهما بصحيح (تميم ابن أوس) بن خارجة (الداري) نسبة الى دار بن هانيء بن حبيب بن انمار بن لخم بن عدي بن كهلان بن سبأ ويقال في نسبة الديري منسوب الى دير كان يتعبد فيه توفي ببيت المقدس سنة أربعين ولم يعقب سوى ابنته رقية التى يكني بها (ابن بداء) بفتح الموحدة وتشديد المهملة والمد مصروف (بديل) بالموحدة والمهملة مصغر وهو رجل من بنى سهم كما في البخاري وسنن أبي داود والترمذى والمراد مولاهم لانه (مولي عمرو بن العاص) كما في تفسير البغوى وغيره (في جوالقه) بالجيم المضمومة والقاف اما من جلود أو ثياب أو غيرهما فارسى معرب (اناء من فضة) للبخارى وأبي داود والترمذى جاما بالجيم وتخفيف الميم وأصله الصورة من العاج ثم استعير لغيره (منقوشا بالذهب) ولهم مخوصا باعجام الخاء واهمال الصاد أي جعل عليه صفائح من

стр. 535

ببقية المتاع على اهله ففتشوه فوجدوا الكتاب ففقدوا مما ذكر فيه الاناء الذي اخذه الوصيان فسئلوهما عنه فجحداه فاختصموا الى النبي ﷺ فأصرا على الانكار وحلفا فأنزل الله تعالى هذه الآية واختلف المفسرون في حكمها فقال جماعة منهم كانت شهادة اهل الذمة مقبولة فنسخت وناسخها قوله تعالى وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وذهب قوم الى انها ثابتة وانه اذا لم يجد مسلمين فيشهد كافرين ولما نزلت الآية دعا النبي ﷺ تميما وعديا واستحلفهما بعد صلاة العصر عند المنبر فحلفا وخلا سبيلهما ثم ظهر الاناء بعد ذلك بمكة فرفعوهما الى رسول الله ﷺ ونزل في ذلك قوله تعالى فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً اي اثما بخيانتهما وأيمانهما الكاذبة فآخران من أولياء الميت يقومان مقامهما يعنى مقام الوصيين من الذين استحق عليهم أي فيهم ولأجلهم الاثم وهم ورثة الميت استحق الحالفان بسببهم الاثم وعلى بمعنى في والأوليان هما هنا نعت لقوله فَآخَرانِ ففيه جواز نعت المعرفة للنكرة وهما تثنية الأولى والأولى هو الأقرب ولما نزلت الآية بانتقال اليمين الى أولياء الميت قام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهيمان فخلفا ودفع الاناء اليهما وكان تميم الداري بعد ما أسلم يقول صدق الله ورسوله أنا أخذت الاناء فأنا أتوب الى الله وأستغفره وانما انتقلت اليمين الى الأولياء لأن الوصيين حين وجدا الاناء ادعيا انهما ابتاعاه منه وهذا الحكم مستمر والله أعلم. [مطلب خبر إسلام فروة بن عمرو الخزامي] وفيها بعث فروة بن عمرو الخزامى الى رسول الله صلى الله عليه ذهب كخوص النخل زاد البغوى فيه ثلاثمائة مثقال فضة (فقال جماعة) منهم النخعى (وذهب قوم الى أنها ثابتة) اذا فقد مسلمين وكان مسافرا في الوصية فقط وبهذا قال شريح القاضي (ثم ظهر الاناء بعد ذلك بمكة) مع اناس ادعوا انهم اشتروه من تميم وعدى كما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وقال آخرون بل لما طالت المدة أظهره تميم وعدى مدعيين انهما اشترياه من بديل (فان عثر) أي اطلع (على أنهما) أي الوصيان (استحقا اثما) أى استوجباه (من الذين استحق) قراءة العامة بالبناء للمفعول وقرأ حصين بالبناء للفاعل أي حق ووجب عليهم الاثم يقال حق واستحق بمعنى (عليهم الاوليان) ولحمزة وأبي بكر عن عاصم الاولين بالجمع بدل من الذين (ابن أبي وداعة) بفتح الواو والمهملتين (فخلفا) زاد البغوى بعد العصر (ودفع الاناء اليهما) زاد البغوي والى أولياء الميت (لان الوصيين حين وجدا الاناء ادعيا انهما ابتاعاه منه) فكانت البينة في جهتهما واليمين في جهة الورثة لانهما يدعيان البيع والورثة ينكرونه (وهذا الحكم مستمر) ان البينة على المدعي واليمين على من أنكر كما رواه الترمذى والبيهقى في السنن وابن عساكر عن ابن عمر وروى أحمد والشيخان وابن ماجه الشق الاخير عن ابن عباس* اسلام فروة بن عمرو الخزامي ويقال

стр. 536

وسلم رسولا باسلامه وأهدى له فرسا وبغلة وكان فروة عاملا للروم على من يليهم من العرب وكان منزله معان ولما بلغ الروم خبر اسلامه أخذوه فحبسوه حينا ثم ضربوا عنقه ولما قدموه للقتل أنشد. أبلغ سراة المسلمين بأنني ... سلم لربي أعظمى ومقامي [إرسال علي بن أبي طالب خلف خالد بن الوليد إلى نجران وقصة الجارية التي وقعت لعلي في الخمس] وفيها بعث النبي ﷺ عليّ بن أبى طالب الى نجران خلف خالد بن الوليد روينا في صحيح البخاري عن البراء بن عازب قال بعثنا رسول الله ﷺ مع خالد بن الوليد الى اليمن قال ثم بعث عليا بعد ذلك مكانه فقال مر أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقب معك فليعقب ومن شاء فليقبل فكنت فيمن عقب معه قال فغنمت أواقا ذوات عدد. وروينا فيه أيضا عن بريدة بن الحصين الأسلمي قال بعث النبى ﷺ عليا ﵇ الى خالد ليقبض منه الخمس وكنت أبغض عليا وقد اغتسل فقلت لخالد ألا ترى الى هذا فلما قدمنا على النبي ﷺ وذكرت له ذلك فقال يا بريدة أتبغض عليا فقلت نعم فقال لا تبغضه فان له في الخمس أكثر من ذلك ومعنى ذلك انه رآه أخذ جارية من المغنم واغتسل منها فظن انه غلّ فلما أعلمه النبي ﷺ انه أخذ أقل من حقه أحبه وكان بريدة بعدها ممن يحب عليا ويتولاه. وروي خارج الصحيحين ان الجارية وقعت في الخمس ثم خمس فصارت في سهم ذوي القربى ثم صارت في سهم علىّ وبهذا يزول الاشكال ابن عامر وابن بغائة وأنس بنائه واسم بقاء ابن نعامة ومر ذكر الخلاف في اسلامه وكان اهداؤه البغلة قبل حنين كما سبق (وكان عاملا للروم الى آخره) ذكر ذلك ابن مندة وأبو نعيم وابن عبد البر (ثم ضربوا عنقه) بماء لهم يقال له عقرى بفلسطين وقال في ذلك: الاهل أتي سلمي بان خليلها ... على ماء عقرى فوق احدي الرواحل على ناقة لم يضرب الفحل أمها ... مسندة أطرافها بالمناخل (سراة) جمع سرى وهو السيد كما مر (سلم) بكسر السين وسكون اللام وبفتحهما* ذكر بعث على بن أبي طالب الى نجران (ان يعقب) بفتح العين وتشديد القاف أي يرجع الى اليمن اذ التعقيب ان يعود بعض العسكر بعد الرجوع عسي يصيبون من العدو غرة وقيل التعقيب ان يرجع في غزاة من كان في غزاة أخرى قبلها (فليقبل) بضم التحتية وكسر الباء (اتبغض عليا) فيه معجزة لرسول الله ﷺ حيث اطلع على ما في نفس بريدة (أكثر) بالنصب اسم ان (اخذ جارية) كما في رواية الاسماعيلي في صحيح البخارى فاصطفي على منها سبية أى أمة مسبية (وبهذا يرول الاشكال) الحاصل في استبداد على بها لكن مع زيادة انه ﷺ قد فوض

стр. 537

فعليّ كرم الله وجهه في الجنة أتقى وأزهد وأورع من أن تستفزه غلبة الشهوة على ارتكاب محارم الله وقد اجتمع فيه من الدين المتين والورع الحاجز والزهادة في الدنيا وجماع الفضائل ما لم يجتمع لأحد سواه وقد أبغضته فرقة تسمى الناصبة ففرطوا في دينهم وشقوا بسببه وأحبه آخرون فأفرطوا حتى أبغضوا بسببه كثيرا من الصحابة وقد تقدم اليه النبي ﷺ في ذلك فقال يا علىّ ان فيك مثلا من عيسى ابن مريم أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه وأحبه النصارى حتى انزلوه المنزلة التي ليس بها ونكب اهل السنة والجماعة عن الطرفين فاحبوا وتولوا جميعهم ونشروا محاسنهم وجنبوا معايبهم وكذبوا نقلتها واعتذروا على ما صح منها فالمؤمن يتحرى المعاذير والمنافق يتتبع العورات ومن سلم سلم ومن اطلق لسانه بالثلب ندم ومن حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه والله ولى التوفيق. [خبر الذهيبة التي قسمها رسول الله ﷺ بين أربعة نفر] روينا في صحيح البخاري عن ابى سعيد الخدري ﵁ قال بعث على الى رسول الله ﷺ من اليمن بذهيبة في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها قال فقسمها بين أربعة نفر بين عيينة بن بدر والأقرع بن حابس وزيد الخيل والرابع اما علقمة أو عامر بن الطفيل اليه أمر القسمة ثم يبقى الاشكال الحاصل في عدم استبرائها وجوابه ان سيدنا على كرم الله وجهه ورضي عنه لم يطأها بل استمتع بها بمادون الوطئ ولابدع ان يغتسل من ذلك لامكان انه أنزل به والاستمتاع بالمسبية بما دون الوطء جائز ولو صرحت رواية بانه وطئها فجوابه انه لعلها كانت بكرا وكان يري عدم وجوب استبراء البكر (يستفزه) يستخفه ويحمله (الحاجز) بالزاى المانع (وجماع الفضائل) بكسر الجيم (تسمى الناصبة) بالنون والمهملة والموحدة (ففرطوا) قصروا (وشقوا) بضم القاف (فافرطوا) غلوا وجاوزوا الحد (حتى بهتوا) بالموحدة والفوقية كما مر أى رموها بالزنا (فانزلوه المنزلة التي ليس بها) هو قولهم عيسى ابن الله (المعاذير) باهمال العين واعجام الذال جمع معذرة (ومن حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه) هو حديث حسن رواه الترمذي وابن ماجه عن أبى هريرة ورواه أحمد والطبراني في الكبير عن الحسين بن على ورواه الحاكم في الكنى عن أبي بكر ورواه الشيرازى عن أبي ذر ورواه الحاكم في تاريخه عن على ورواه الطبراني في الاوسط عن زيد بن ثابت ورواه ابن عساكر عن الحارث بن هشام (روينا في صحيح البخاري) وصحيح مسلم وغيرهما (بذهيبة) تصغير ذهبة وهي تأنيث الذهب وكانه ذهب به الى معني القطعة وفي رواية لمسلم بذهبة مكبر (في أديم) أى جلد (مقروظ) أي مدبوغ بالقاف والظاء شجر يدبغ به (لم تحصل) مبني للمفعول (من ترابها) أى لم يميز من تراب المعدن (اما) بكسر الهمزة (علقمة) هو ابن علاثة بضم المهملة وبمثلثة كما في رواية (واما عامر بن الطفيل) قال العلماء ذكر عامر هنا وهم ظاهر لانه توفي قبل ذلك بسنين كما مر ذكر وفاته والصواب

стр. 538

فقال رجل من أصحابه كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء قال فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال ألا تأمنوننى وأنا أمين من في السماء يأتينى خبر السماء صباحا ومساء قال فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناشز الجبهة كث اللحية محلوق الرأس مشمر الازار فقال يا رسول الله اتق الله قال ويلك أو لست أحق اهل الأرض ان يتقى الله قال ثم ولى الرجل قال خالد بن الوليد يا رسول الله الا أضرب عنقه قال لا لعله ان يكون يصلي فقال خالد وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس بقلبه قال رسول الله ﷺ اني لم أومر ان انقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم قال ثم نظر اليه رسول الله ﷺ وهو مقف فقال انه يخرج من ضئضيء هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا لا يجاوز حناجرهم يمرقون من انه علقمة بن علاثة كما هو مجزوم به في كثير من روايات مسلم (وأنا أمين من في السماء) قال في الديباج يحتمل ان يريد به الله تعالى على حد قوله أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أو الملائكة لانه أمين عندهم معروف بالامانة انتهى قلت يؤيد الاول قوله (يأتيني خبر السماء) أي ان ربي استأمنني على خبر السماء وعلى الوحى الذي يوحيه الي فكيف لا تأمنوني أنتم على قسمة عرض من اعراض الدنيا ليس لي فيه غرض (فقام رجل) هو ذو الخويصرة اليمنى كما مر (غائر) بالمعجمة والتحتية منخفض (مشرف الوجنتين) أي مرتفعهما تثنية وجنة مثلثة الواو وهي لحم الخد (ناشز الجبهة) بالمعجمة والزاي أي مرتفعها من النشز وهو المكان المرتفع ولمسلم ناتيء الجبين وهو جانب الجبهة وللانسان جنبان يكتنفان الجبهة (كث) بفتح الكاف وتشديد المثلثة أى كثير (اللحية) بكسر اللام أشهر من فتحها (أحق) بالنصب (قال خالد بن الوليد) وفي أخرى لمسلم فقال عمر ابن الخطاب دعني يا رسول الله اقتل هذا المنافق قال النووي ليس فيهما تعارض بل كل واحد منهما استأذن فيه انتهى (قلت) هما قصتان فلعل عمر استأذن في قصه وخالد في الاخري (انقب) بضم الهمزة وفتح النون وكسر القاف المشددة وروي بفتح الهمزة وسكون النون وضم القاف أي أشق واكشف (عن قلوب الناس) أي بل امرت ان احكم بما ظهر لى من الاحوال وأكل علم الباطن الى الكبير المتعال كما قال فاذا قالوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم وحسابهم على الله وقال هلا شققت عن قلبه (وهو مقف) بضم الميم وفتح القاف وتشديد الفاء أي مول قد أعطانا قفاه ضئضئى بكسر المعجمتين وسكون الهمزة الاولى وللكشميهني في صحيح البخارى بمهملتين فمعناه النسل والعقب وهو من أسماء الاصل كما مر (يتلون كتاب الله رطبا) فيه أقوال نقلها القرطبي أحدهما انه الحذق بالتلاوة والمعني انهم يأتون به على أحسن أحواله والثاني أنهم يواظبون على تلاوته فلا تزال ألسنتهم رطبة به والثالث ان يكون من حسن الصوت بالقراءة وفي رواية لمسلم يتلون كتاب الله لينا بالنون في بعض النسخ أى سهلا أو بحذف النون في كثير منها قال عياض ومعناه سهلا لكثرة حفظهم وقيل لما يلون ألسنتهم به يحرفون معانيه وتأويله قال ابن قتيبة وقد يكون من اللي في الشهادة وهو الميل (لا يجاوز حناجرهم) كناية عن عدم قبوله والانتفاع به (يمرقون) بالراء المضمومة والقاف أي

стр. 539

كما يمرق السهم من الرمية واظنه قال لئن ادركتهم لاقتلنهم قتل ثمود ووافي علىّ مقدمه من اليمن النبي ﷺ بمكة في حجة الوداع فقال له النبى ﷺ بم أهللت فان معناه أهلل قال أهللت بما أهلّ به النبي ﷺ قال أمسك فان معناه هديا رواه البخاري. [خبر قدوم رسولي مسيلمة بكتابه إلى رسول الله ﷺ ] وفي آخر هذه السنة قدم رسولا مسيلمة بكتابه وفيه من مسيلمة رسول الله الى محمد رسول الله السلام عليك أما بعد فانى اشتركت في الأمر معك ولنا نصف الارض ولقريش نصفها ولكن قريشا قوم يعتدون فقال رسول الله ﷺ لرسوليه فما تقولان أنتما قالا نقول كما قال فقال أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت اعناقكما ثم كتب اليه من محمد رسول الله ﷺ الى مسيلمة الكذاب السلام على من اتبع الهدى أما بعد فان الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين وممن ذكر في هذه السنة من الوفود وفد الرهاويين ووفد عبس ووفد خولان وهم عشرة* [مطلب في ذكر حجّة الوداع] خاتمتها حجة الوداع وسميت بذلك لأن النبي ﷺ ودع الناس فيها وقال خذوا عني مناسككم فانى لا ادري لعلي لا أحج بعد عامي هذا قال ابن عمر وكنا نتحدث بحجة الوداع يخرجون (كما يمرق السهم) النافذ (من الرمية) بفتح الراء وكسر الميم وتشديد التحتية وهى الصيد المرمي فعيلة بمعني مفعولة (لاقتلنهم قتل ثمود) أى قتلا عاما مستأصلا وفي رواية في صحيح مسلم قتل اد والجمع بينهما كما قاله القرطبي انه ﷺ قال كليهما فذكر أحد الرواة أحدهما وذكر الآخر الاخري وفي الحديث معجزة له ﷺ فقد وقع الامر كما أخبر فخرجوا زمن علىّ وقاتلهم وأبو سعيد الخدرى راوى هذا الحديث معه كما رواه مسلم وغيره وقد يستدل بهذا الحديث من يكفر الخوارج وخلاف أهل الاصول في ذلك منتشر والله أعلم (فان معناه أهلل) بالنصب (رواه البخاري) ومسلم وأبو داود والترمذي عن جابر ورواه أبو داود والترمذي عن البراء* ذكر قدوم رسولا مسيلمة لعنه الله (لولا ان الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما) رواه البخاري وصحح اسناده ففيه تحريم قتل رسول الكفار الى المسلمين وكذا استرقاقه سواء كان في الرسالة مصلحة لنا أو لا كوعيد وتهديد خلافا لما قاله الماوردي وحكاه الشيخان أوائل الجزية عن الروياني من انه ان كان فيه وعيد أو تهديد فلا أمان له حتى استرقاقه قال النووى في الروضة ما قاله غير مقبول بل هو آمن مطلقا (وفد الرهاويين) بضم الراء وتخفيف الهاء وكسر الواو وتشديد التحتية الاولى (ووفد عبس) بالموحدة والمهملة (ووفد خولان) بفتح المعجمة وسكون الواو* حجة الوداع (خذوا عنى مناسككم الي آخره) رواه مسلم عن جابر (لعلى لا أحج بعد عامي هذا) هذا

стр. 540

والنبي ﷺ بين أظهرنا ما ندري ما حجة الوداع رواه البخاري وكان جملة من حضرها من الصحابة أربعين ألفا وقد اختلفت روايات الصحابة في صفة حجته ﷺ هل كان قارنا أو مفردا أو متمتعا وبحسب ذلك اختلاف من بعدهم قال الامام محيى الدين النووى رحمه الله تعالى وطريق الجمع بين الروايات انه ﷺ كان أولا مفردا ثم صار قارنا فمن روى الافراد فهو الأصل ومن روى القران اعتمد آخر الأمر ومن روى التمتع أراد التمتع اللغوي وهو الانتفاع والارتفاق وقد ارتفق بالقران كارتفاق المتمتع وزيادة وهو الاقتصار على فعل واحد قال وبهذا الجمع تنتظم الأحاديث كلها قال القاضي عياض ﵀ قد أكثر الناس الكلام على هذه الأحاديث فمن مجيد منصف ومن مقصر متكلف ومن مطيل مكثر ومن مقصر مختصر قال وأوسعهم في ذلك نفسا ابو جعفر الطحاوي الحنفي فانه تكلم في ذلك في زيادة على الف ورقة. قال القاضى عياض وأولى ما يقال في هذا على ما فحصناه من كلامهم واخترنا من اختياراتهم مما هو أجمع للروايات وأشبه بمساق الأحاديث أن النبى ﷺ أباح للناس فعل هذه الأنواع الثلاثة ليدل على جواز جميعها إذ لو أمر بواحد منها لكان غيره يظن انه لا يجزيء فأضيف الجميع اليه وأخبر كل واحد بما أمر به وأباحه له ونسبه الى النبي ﷺ إما لأمر به وإما لتأويل من اعلام نبوته ﷺ اذ وقع الامر كما أخبر (ما ندرى ما حجة الوداع) أي حتى توفي ﷺ عقبها فعلمنا المراد حينئذ (وكان جملة من حضرها من الصحابة أربعين ألفا) كما نقله الحفاظ عن أبي زرعة الرازي (وبحسب ذلك اختلف من بعدهم) فقال الشافعي ومالك وكثيرون أفضلها الافراد ثم التمتع ثم القران لما في الصحيحين عن جابر وعائشة انه ﷺ أفرد الحج ورواه مسلم عن ابن عباس أيضا وقال أحمد وآخرون أفضلها التمتع لما في الصحيحين عن ابن عمر انه ﷺ أحرم متمتعا وقال أبو حنيفة أفضلها القران لما في الصحيحين عن أنس سمعت النبي ﷺ يقول لبيك عمرة وحجا وهذان المذهبان قولان آخران للشافعى وحكي الاخير عن المزنى وأبى اسحق المروزي (قال الامام النووى) في شرح مسلم (اللغوي) بضم اللام (وقال القاضى عياض) كما نقله النووى عنه ثم (في زيادة على الف ورقة) زاد النووي عنه وتكلم معه في ذلك أيضا أبو جعفر الطبري ثم أبو عبد الله ابن أبي صفرة ثم الملهب والقاضى أبو عبد الله بن المرابط والقاضي أبو الحسن القصار البغدادى والحافظ أبو عمر بن عبد البر وغيرهم (فحصناه) بالفاء والمهملتين والفحص المبالغة في البحث

стр. 541

عليه وأجمع الأحاديث في سياق حجة الوداع حديث جابر وهو من ما انفرد به مسلم باخراجه فقال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة واسحق بن ابراهيم جميعا عن حاتم قال أبو بكر حدثنا حاتم ابن اسماعيل المدينى عن جعفر بن محمد عن أبيه قال دخلنا على جابر بن عبد الله فسأل عن القوم حتى انتهى الىّ فقلت أنا محمد بن علي بن الحسين فاهوى بيده الى رأسى فنزع ذرى الأعلى ثم نزع ذرى الأسفل ثم وضع كفه بين ثديي وانا يومئذ غلام شاب فقال مرحبا بك يا ابن أخى سل عن ما شئت فسألته وهو أعمى وحضر وقت الصلاة فقام في نساجة ملتحفا بها كلما وضعها على منكبيه رجع طرفاها اليه من صغرها ورداءه الى جنبه على المشجب فصلى بنا فقلت أخبرنى عن حجة رسول الله ﷺ فقال بيده فعقد (واجمع الاحاديث) أي أكثرها جمعا لفوائد الحديث (حديث جابر) قال النووي هو حديث عظيم مشتمل على جمع من الفوائد ونفائس من مهمات القواعد (وهو مما انفرد مسلم) عن البخاري (باخراجه) في الصحيحة وقد رواه أبو داود أيضا كرواية مسلم (أبو بكر بن أبي شيبة) اسمه عبد الله بن محمد بن ابراهيم (اسحق بن ابرهيم) هو بن راهوية هي أمه وابراهيم أبوه (حاتم) بالمهملة والفوقية (المديني) بفتح الميم وكسر المهملة وسكون التحتية ثم نون ثم ياء النسبة (عن جعفر) الصادق (بن محمد) الباقر بن على بن زين العابدين بن الحسين ابن على بن أبي طالب (فسأل عن القوم) فيه ندب السؤال عن الواردين من الزوار والضيفان ونحوهم لينزلهم منازلهم كما جاء في حديث عائشة أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم (فاهوي بيده الى رأسى الى آخره) فيه اكرام أهل بيت النبي ﷺ وملاطفة الزائر بما يليق به وتأنيسه (وأنا يومئذ شاب) نبه بذلك على ان سبب فعل جابر ذلك التأنيس لكونه صغيرا (مرحبا بك) فيه استحباب الترحيب بالزائر والضيف ونحوهما (فصلى بنا) فيه جواز امامته للبصر وذلك اتفاق وانما الخلاف في الافضل وفيه ثلاثة مذاهب وثالثها وهو أيهما سوى التعادل فضيلتهما هو الاصح عند الاصحاب وهو نص الشافعى وفيه ان صاحب البيت أحق من غيره لانه امهم يومئذ (في نساجة) بفتح النون وتخفيف المهملة وجيم وتنوين قال النووي كذا في نسخ بلادنا قيل ومعناه ثوب ملفق وقال عياض هى رواية الفارسي وهو خطأ وتصحيف ورواية الجمهور ساجة بحذف النون وهو الطيلسان وقيل الاخضر خاصة وقال الازهري هو طيلسان مقور انتهى قال النووي قلت ليست الاولى تصحيفا بل كلاهما صحيح ويكون ثوبا ملفقا على هيئة الطيلسان وفي الحديث جواز الصلاة في ثوب واحد مع امكان الزيادة عليه (على المشجب) بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الجيم ثم موحدة اسم لاعواد يوضع عليها الثياب ومتاع البيت (عن حجة رسول الله ﷺ بكسر الحاء وفتحها والمراد حجة الوداع (فقال بيده) هو

стр. 542

تسعا فقال ان رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج ثم آذن في الناس في العاشرة أن رسول الله ﷺ حاج فقدم المدينة كثير كلهم يلتمس ان يأتم برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله فخرجنا معه حتى اذا أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبى بكر فارسلت الى رسول الله ﷺ كيف أصنع قال اغتسلى واستثفرى بثوب واحرمي فصلى ركعتين يعنى رسول الله ﷺ في المسجد ثم ركب القصواء حتى اذا استوت به ناقته على البيداء نظرت الى مد بصرى بين يديه من راكب وماش وعن يمينه مثل ذلك وعن يساره مثل ذلك ومن خلفه مثل ذلك ورسول الله ﷺ بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله وما عمل به من شيء عملنا به فاهلّ بالتوحيد لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك ان الحمد والنعمة من باب اطلاق القول الفعل (مكث تسع سنين لم يحج) يريد بعد الهجرة (آذن) بالمد والقصر اعلم فيه انه يستحب للامام ايذان الناس بالامور المهمة ليتأهبوا لها (أن يأتم) أي يقتدي (برسول الله ﷺ قال عياض هذا يدل على أنهم كلهم أحرموا بالحج لانه ﷺ احرم بالحج وهم لا يخالفونه ومن ثم قال جابر ما عمل من عمل عملناه ومثله توقفهم عن التحلل بالعمرة حتى اغصبوه واعتذر اليهم ومثله تعليق على وأبي موسى احرامهما على احرامه (اغتسلى) فيه ندب الغسل للاحرام للنفساء (واستثفري بثوب) بمثلثة قبل الفاء وهو أن تشد في وسطها شيئا وتأخذ خرقة عريضة تجعلها على موضع الدم وتشد أطرافها من قدامها ومن ورائها في ذلك المشدود في وسطها وهي شبيهة بثفر الدابة (واحرمي) فيه صحة احرام النفساء وهو اجماع (فصلى ركعتين) فيه استحباب ركعتى الاحرام (في المسجد) فيه ندب صلاتهما فيه ان كان بالميقات مسجد (القصواء) بفتح القاف وسكون المهملة والمد اسم ناقة النبي ﷺ قال عياض ووقع في رواية العذري القصوى بضم القاف والقصر وهو خطأ ثم قال جماعة وهى الجدعاء والعضباء اسم لناقة واحدة وقال ابن قتيبة هن ثلاث نوق له ﷺ قال ابن الاعرابي والاصمعي القصوى هي التي قطع طرف أذنها والجدع أكبر منه فان جاوز الربع فهو عضبا وقال أبو عبيدة القصوى المقطوعة الاذن عرضا والعضباء المقطوعة النصف فما فوقه وقال الخليل العضباء المشقوقة الاذن (البيداء) هى المفازة (نظرت مد بصرى) أي منتهاه (قال النووى) وأنكر بعض أهل اللغة مد بصري وقال الصواب مدى بصري وليس هو بمنكر بل هما لغتان المد أشهر (من راكب وماش) فيه جواز الحج راكبا وماشيا وهو اجماع وفي الافضل منهما خلاف للعلماء وجمهورهم على تفضيل الركوب للاتباع ولانه أعون له على وظائف النسك (وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله) ومعناه الحث على التمسك بما أخبركم عن فعله في حجته تلك (فاهل بالتوحيد) أى لبيك لا شريك لك مخالفة لما كانت الجاهلية يقولونه من تلبيتها من الشرك

стр. 543

لك والملك لا شريك لك وأهل الناس بهذا الذي يهلون به اليوم فلم يرد رسول الله ﷺ عليهم شيئا منه ولازم رسول الله ﷺ تلبيته قال جابر لسناننوى إلا الحج لسنا نعرف العمرة حتى اذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا ثم تقدم الى مقام ابراهيم فقرأ واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى فجعل المقام بينه وبين البيت فكان أبى يقول ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون ثم رجع الى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب الى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ إن الصفا والمروة من شعائر الله أبد أبما بدأ الله به فبدأ بالصفي فرقى عليه (وأهل الناس بهذا الذى يهلون اليوم) أي كقول ابن عمر لبيك ذا النعماء والفضل الحسن لبيك مرهوبا منك مرعوبا اليك لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء اليك والعمل (ولزم رسول الله ﷺ تلبيته) قال عياض قال أكثر العلماء المستحب الاقتصار على تلبية رسول الله ﷺ (لسنا نعرف العمرة) فيه دليل لمن قال يترجح الافراد (حتى اذا أتينا البيت) فيه ندب دخول مكة قبل الوقوف للحاج (استلم الركن الى آخره) فيه ندب طواف القدوم لمن دخل مكة قبل الوقوف وفيه ان الطواف سبع وفيه ندب الرمل في الثلاث الاول من طواف يعقبه سعي ومشي الاربع الاخيرة ويندب فيه الاضطباع لصحة الحديث به في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما (ثم تقدم الى مقام ابراهيم) فيه ندب ركعتين للطواف وكونهما خلف المقام ثم في الحجر ثم في المسجد ثم في مكة ثم في الحرم ثم حيث شاء متي شاء (كان ابى يقول) قائل ذلك جعفر بن محمد (ولا اعلمه) الضمير لابيه (ذكره) أي ذكر قرأ السورتين (الا عن النبي ﷺ أى ان جابرا رواه من فعله ﷺ لا من فعل نفسه وقوله لا اعلمه الى آخره ليس هو شكا في ذلك اذ لفظه العلم تباين الشك بل جزم برفعه الى النبى ﷺ وقد روى البيهقى بسند صحيح على شرط مسلم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر عن النبي ﷺ انه صلى ركعتين وقرأ فيهما قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) أى في الثانية (قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ) أى في الاولى وفيه استحباب قراءة هاتين السورتين فيهما (ثم رجع الى الركن) أي الذى فيه الحجر الاسود (فاستلمه) أي الحجر ففيه استحباب استلامه لمن طاف طواف القدوم بعد فراغه منه ومن صلاته خلف المقام (إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ) أي من اعلام دينه (ابدأ بما بدأ الله به) في كتابه الكريم وهذا أصل عظيم في البداءة بما بدأ الله به في القرآن لفظا ما لم تبين السنة ان الترتيب غير مراد أو ينعقد الاجماع على ذلك فخرج قوله مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ وقوله إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ الآية (فرقى) بكسر القاف كما مر (عليه الى آخره) فيه ندب الرقى على الصفا وكذا على المروة حتى يري البيت ان أمكنه وذلك خاص بالذكر وان يقف على الصفا مستقبل القبلة ذاكر الله تعالى بهذا الدعاء المأثور ويدعو ويكرر الذكر والدعاء ثلاثا على المشهور عند الاصحاب وقيل

стр. 544

حتي اذا رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره وقال لا إله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا إله الا الله وحده انجز وعده ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات ثم نزل الى المروة حتى أنصبت قدماه في بطن الوادى حتى اذا صعدنا مشى حتى اذا أتى المروة وفعل كما فعل على الصفا حتي اذا كان آخر طوافه على المروة قال لوانى استقبلت من أمرى ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدى فليحل وليجعلها عمرة فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال يا رسول الله العامنا هذا أم للأبد فشبك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة في الاخرى وقال دخلت العمرة في الحج مرتين ألا بل لأبد الأبد وقدم يكرر الذكر ثلاثا والدعاء مرتين (حتى اذا انصبت) بهمز وصل وسكون النون وتشديد الموحدة والانصاب النزول من الصب وهو الموضع المرتفع (في بطن الوادى) قال عياض كذا الرواية في صحيح مسلم وفيه اسقاط لفظة لا بد منها وهي حتى اذا انصبت قدماه رمل في بطن الوادي فسقطت لفظة رمل ولا بد منها وقد ثبتت هذه اللفظة في غير رواية مسلم وكذا ذكرها الحميدي في الجمع بين الصحيحين وفي الموطأ حتى اذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعي حتى خرج منه وهو بمعنى رمل انتهى* قال النووي وقد وقع في بعض نسخ صحيح مسلم حتى اذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى كما وقع في الموطأ وغيره وفي الحديث ندب السعى الشديد في الموضع الذي سعى فيه ﷺ والمشي بتؤدة في الموضع الذي مشى فيه في كل مرة من المرات السبع لكن يختص السعى بالذكر (آخر طوافه على المروة) فيه دليل على ان الذهاب من الصفا الى المروة مرة والرجوع من المروة الى الصفا ثانية وهكذا فيكون ابتداء السعي من الصفا وآخرها من المروة وهذا اجماع الا ما حكي عن ابن بنت الشافعي وأبي بكر الصيرفي ان الذهاب الى المروة والرجوع الى الصفا مرة واحدة فيكون آخر السبع على الصفا وذلك مردود بهذا الحديث الصحيح والاجماع العملي (لو استقبلت من أمرى ما استدبرت الى آخره) انما قال ذلك تطييبا لقلوب من لم يسق الهدي من أصحابه فامرهم بفسخ الحج الى العمرة واتمام عملها ثم الاحرام بالحج يوم التروية عند التوجه لعرفة فاخبرهم ﷺ انه لو لم يسق الهدي لفعل كما أمرهم (فائدة) روى الحارث بن بلال عن أبيه قال قلت يا رسول الله أرأيت فسخ الحج الى العمرة لنا خاصة أم للناس عامة فقال بل لكم خاصة أخرجه أبو داود (العامنا هذا) فقط فيحتاج الى عمرة أخري غير هذه التى فسخنا الحج اليها (أم) هي (للابد) فلا يحتاج الى غيرها (دخلت العمرة في الحج) أي صار حكمها حكمه فكما انه لا يجب في العمر الامرة كذلك هى (فائدة) أخرج الطبراني بسند حسن من حديث ابن عباس انه ﷺ قال أتانى جبريل في ثلاث بقين من ذي القعدة فقال دخلت العمرة في الحج الي يوم القيامة وهذا أصل في التاريخ كما قاله السيوطي (بل لأبد الابد) فيه دليل على ان العمرة لا تجب في العمر الامرة

стр. 545

علىّ من اليمن ببدن رسول الله ﷺ فوجد فاطمة ممن حل ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت فانكر ذلك عليها فقالت أبى أمرنى بهذا قال فكان على يقول بالعراق فذهبت الى رسول الله ﷺ محرشا على فاطمة الذى صنعت مستفتيا لرسول الله ﷺ فيما ذكرت عنه وأخبرته أنى أنكرت ذلك عليها فقال صدقت صدقت ماذا قلت حين فرضت الحج قال قلت اللهم انى أهل بما أهل به رسولك قال فان معي الهدى فلا تحل وكان جماعة الهدى الذى قدم به علىّ من اليمن والذى أتى به النبي ﷺ مائة قال فحل الناس كلهم فحلقوا وقصروا الا النبي ﷺ ومن كان معه هدى فلما كان يوم التروية توجهوا الى منى فاهلوا بالحج فركب النبي ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس وأمر بقبة من شعر كالحج (ولبست) بكسر الباء (صبيغا) أي مصبوغا فعيل بمعني مفعول (فانكر عليها) قال النووي فيه انكار الرجل على زوجته ما رآه منها من نقص في دينها لانه ظن ان ذلك لا يجوز فانكره (فقالت أبى) بفتح الهمزة ثم موحدة مكسورة ثم تحتية ساكنة يعنى رسول الله ﷺ (محرشا) باهمال الحاء واعجام الشين وكسر الراء المشددة أى مغريا (صدقت صدقت) هكذا هو مكرر للتأكيد وهو بفتح القاف والياء ضمير لفاطمة (فرضت الحج) أي أوجبته على نفسك بالاحرام (اللهم اني أهل بما أهل به رسولك الى آخره) فيه جواز تعليق الاحرام وانه يكون محرما بما أحرم به ذاك (الهدي) بالنصب اسم ان وهو بسكون المهملة وتخفيف الياء وبكسر المهملة وتشديد الياء (مائة) ثلاثة وستون جاء بها النبي ﷺ وسبعة وثلاثون جاء بها على ﵁ (فحل الناس كلهم) أى معظمهم أو عائشة لم تحل ولم تهد (وقصروا) ولم يحلقوا مع كونه أفضل لانهم أرادوا ابقاء الشعر ليحلقونه في الحج وحينئذ التقصير أفضل ليحصل في النسكين ازالة شعر (الا النبي ﷺ بالنصب لانه مستثنى من موجب (كان يوم) بالرفع والنصب (التروية) هو ثامن ذي الحجة سمى بذلك لان الناس يتروون فيه الماء أى يستقون أو لأن ابراهيم تروى ذلك اليوم أي فكر في رؤياه التي رآها هل هي من الله أم من الشيطان خلاف (واهلوا بالحج) فيه ان الافضل ان كان بمكة وأراد الاحرام بالحج ان يؤخره الى يوم التروية وهذا مذهبنا وفيه خلاف للعلماء (فركب النبي ﷺ فيه ان الركوب في تلك الاماكن أفضل من المشي كما في جملة الطريق وقال بعض أصحابنا الافضل في جملة الحج الركوب الا في مواطن المناسك وهي مكة ومنى ومزدلفة وعرفات والتردد فيها (فصلى بها الظهر الى آخره) فيه ندب المبيت بمنى ليلة التاسع وفعل الصلوات الخمس بها وأن لا يخرج منها حتى تطلع الشمس (وأمر بقبة من شعر) فيه جواز اتخاذ القباب وكونها من

стр. 546

ضربت له بنمرة فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش الا انه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية فاجاد رسول الله ﷺ حتى أتي عرفة فوجد القبة قد ضربت بنمرة فنزل بها حتى اذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت فاتي بطن الوادى [خطبة في حجة الوداع] فخطب الناس وقال ان دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وان أول دم أصنع من دمائنا دم الحارث بن عبد المطلب كان مسترضعا في بنى سعد فقتله هذيل وربا الجاهلية موضوع كله وأول ربا أضعه من ربانا ربا العباس بن عبد شعر (ضربت له بنمرة) فيه جواز الاستظلال للمحرم وهو للنازل بالاجماع وكرهه مالك وأحمد للراكب وفيه استحباب النزول بنمرة وأن لا يدخلوا عرفات الا بعد الزوال وصلاة الظهر والعصر جمعا بشرطه ويندب أيضا الغسل بها للوقوف قبل الزوال فقد جاء في غير هذا الحديث (ونمرة) بفتح النون وكسر الميم وبسكون الميم مع فتح النون وكسرها موضع الى جانب عرفات وليس منها (واما المشعر الحرام) فجبل بالمزدلفة يقال له قزح بقاف مضمومة فزاى مفتوحة فمهملة كانت قريش تقف عليه في الجاهلية فظنوا انه ﷺ سيقف به يومئذ فلم يفعل الا كما أمره الله في قوله ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ أي سائر العرب غير قريش (حتى أتي عرفة) أى قريبا منها (فرحلت) بتخفيف الحاء أى جعل عليها الرحل (ثم أتى بطن الوادي) أي وادى عرنة بضم المهملة وفتح الراء ثم نون وليست عرنة من أرض عرفات خلافا لمالك (فخطب الناس) فيه استحباب الخطبة يومئذ وذلك بالاتفاق خلافا له (كحرمة يومكم الى آخره) معناه متأكدة التحريم شديدته قال النووى وفيه دليل لضرب الامثال والحاق النظير بالنظير قياسا انتهي وقال بعضهم المشبه به هنا اخفض رتبة من المشبه وذلك خلاف القاعدة وجوابه ان تحريم اليوم والشهر والبلد لما كان ثابتا في نفوسهم مقررا عندهم بخلاف الانفس والاموال والاعراض فكانوا يستبيحونها في الجاهلية ورد التشبيه بالمقرر عندهم اذ مناطه ظهوره لنبأ السامع (تحت قدمى) اشارة الى ابطاله (ودماء الجاهلية موضوعة) أى باطلة (دم ابن ربيعة) بن الحارث بن عبد المطلب واسم هذا الابن اياس أو حارثة أو ثمام أو آدم أقوال لكن قال الدارقطني في الاخير هو تصحيف من دم قال عياض ورواه بعض رواة مسلم دم ربيعة بن الحارث قال وكذا رواة أبو داود قيل وهذا وهم لان ربيعة عاش بعد النبي ﷺ الى زمن عمر وتأوله أبو عبيد بانه انما قال دم ربيعة لانه ولى الدم فنسبه اليه قال الزبير بن بكار وكان هذا الابن المقتول طفلا صغيرا يحبو بين البيوت فاصابه حجر في حرب كانت بين بنى سعد وبنى ليث (وربا الجاهلية) أي الزائد عن رأس المال كما قال تعالى وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ (موضوع) باطل

стр. 547

المطلب فانه موضوع كله واتقوا الله في النساء فانكم أخذتموهن بامانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فان فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف وقد تركت فيكم ما لم تضلوا بعده ان اعتصمتم به كتاب الله وأنتم تسئلون عنى فما أنتم قائلون قالوا نشهد انك قد بلغت وأديت ونصحت فقال باصبعه السبابة يرفعها الى السماء وينكتها الى الناس اللهم أشهد اللهم أشهد ثلاث مرات ثم أذّن ثم أقام الصلاة وصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتي الموقف فجعل بطن ناقته القصوى الى الصخرات مردود لصاحبه (واتقوا الله في) أمر (النساء) راعوا حقوقهن وعاشروهن بالمعروف (بامانة الله) في أكثر أصول مسلم بامان الله أى ان الله ائتمنكم عليهن فيجب حفظ الامانة وصيانتها بمراعاة حقوقها (بكلمة الله) وهي قوله فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ أو المراد كلمة التوحيد اذ لا تحل مسلمة لغير مسلم أو المراد اباحة الله والكلمة قوله فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ أو المراد بالكلمة الايجاب والقبول أقوال قال بالاول الخطابى والهروى وغيرهما وصحح النووى الثالث (ولكم) واجب (عليهن ان لا يوطئن فرشكم) أي لا يأذن في دخول بيوتكم والجلوس في منازلكم (أحدا) سواء كان رجلا أجنبيا أو امرأة أو أحد محارم الزوجة ان كنتم (تكرهونه) أى تكرهون دخوله فخرج من علمت الزوجة رضى الزوج بدخوله فلها أن تأذن له هذا معني ما ذكره النووى وقال المازري قيل المراد بذلك أن لا يستخلين بالرجال ولم يرد زنا لان ذلك يوجب حدها ولانه حرام وان لم يكرهه الزوج قال عياض كانت عادة العرب حديث الرجال مع النساء ولم يكن ذلك عيبا ولا ريبة عندهم فلما نزلت آية الحجاب نهوا عن ذلك (غير مبرح) بالموحدة فالمهملة أى غير شديد شاق والبرح المشقة وفي الحديث جواز ضرب الرجل امرأته تأديبا فان ضربها الضرب المأذون فيه فماتت منه وجبت ديتها على عاقلة الضارب ووجبت الكفارة في ماله (كتاب الله) بالنصب والرفع (وينكتها الى الناس) بضم الكاف بعدها فوقية هكذا الرواية قال عياض وهو بعيد المعني وصوابه ينكبها بالموحدة ومعناه يردها ويقلبها الي الناس مشيرا اليهم انتهى وقال القرطبى روايتى وتقييدي على ما اعتمده من الائمة بضم التحتية وفتح النون وكسر الكاف مشددة وضم الموحدة أى يعدلها الي الناس قال وروينا مكتها بالفوقية وهي أبعدها (فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر) فيه مشروعية الجمع بين الظهر والعصر ثم يومئذ وهو اجماع وسببه الشك عند أبى حنيفة وبعض أصحابنا والصحيح عندنا ان سببه السفر فنحو المكي لا يجمع يومئذ كما انه لا يقصر وفيه ان الجامع يصلى الاولى أولا ويؤذن لها ويقيم لكل واحدة منهما ويوالى بينهما وكل ذلك متفق عليه عندنا (ثم ركب) قال النووى فيه تعجيل الذهاب الي الموقف بعد الصلاة وان الوقوف راكبا أفضل كما هو أحد أقوال ثلاثة (الى الصخرات) جمع صخرة وهي صخرات مفترشات في أسفل جبل الرحمة وهو الجبل الذي يوسط جبل عرفات وفي

стр. 548

وجعل جبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص وأردف اسامة خلفه ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق للقصوى الزمام حتى ان رأسها ليصيب مورك رجله ويقول بيده اليمنى أيها الناس السكينة السكينة كلما أتي جبلا من الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد حتى أتي المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء باذان واحد واقامتين ولم يسبح بينهما شيئا ثم اضطجع الحديث ندب الوقوف بذلك المحل فان عجز ففيما قرب منه (جبل المشاة) روى بالمهملة وسكون الموحدة أى صفهم ومجتمعهم من جبل الرمل وهو ما طال منه وضخم وروي بالجيم وفتح الموحدة أي طريقهم وحيث مسلك الرجالة قال غياض والاول أشبه بالحديث (واستقبل القبلة) فيه استحباب استقبالها في الوقوف (حتى غربت الشمس) فيه انه ينبغي أن لا يخرج من أرض عرفات حتى يتحقق غروب الشمس فلو أفاض قبل الغروب اراق دما وجوبا أو استحبابا قولان للشافعي أظهرهما الثانى (حتى غاب القرص) قال عياض لعل صوابه حين غاب القرص قال النووي يوؤل بانه بيان لقوله غربت الشمس فان هذه قد يطلق مجازا على مغيب معظم القرص فازال ذلك الاحتمال به (واردف اسامة) فيه جواز الارداف اذا كانت الدابة مطيقة وقد تظاهرت به الاحاديث قاله النووي (وقد شنق) بفتح المعجمة والنون الخفيفة ثم قاف أى ضم وضيق (مورك رجله) بفتح الميم وكسر الراء هو الموضع الذي يعطف الراكب رجله عليه قدام واسطة الرحل اذامل الركوب وضبطه عياض بفتح الراء قال وهو قطعة أدم يتورك عليها الراكب يجعل في مقدم الرحل تشبه المخدة الصغيرة (السكينة السكينة) مكرر منصوب أي الزموا السكينة وهى الرفق والطمأنينة ففيه استحباب السكينة في الدفع من عرفات فاذا وجد فرجة أسرع (جبلا من الجبال) بالمهملة وسكون الموحدة لا غير والجبل التل اللطيف من الرمل الضخم (حتى تصعد) بفتح أوله مع فتح العين وضمه مع كسرها من صعد وأصعد (المزدلفة) سميت بذلك من التزلف والازدلاف وهو التقرب لازدلاف الحجاج اليها اذا أفاضوا من عرفة أو لمجىء الناس اليها في زلف أي ساعات من الليل قولان ويسمى جمعا بفتح الجيم وسكون الميم لاجتماع الناس (فصلى بها المغرب والعشاء) فيه ندب تأخير المغرب له ليلئذ بنية الجمع ليصليها مع العشاء بمزدلفة والخلاف في سببه كما سبق (باذان واقامتين) هذا دليل الصحيح في مذهبنا وهو مذهب أحمد وأبي ثور وقال به عبد الملك بن الماجشون المالكي والطحاوى الحنفي وحكي عن عمرو بن مسعود انه يصليهما باذانين واقامتين وبه قال مالك وأبو حنيفة وأبو يوسف باذان واقامة واحدة ولنا كاحمد قول انه يصلى كل واحدة باقامة بغير اذان وحكى عن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وحكي أيضا عن ابن عمر انه يصليهما باقامة واحدة وهو مذهب الثوري (ولم يسبح) أي لم يصل ففيه استحباب الموالاة في جمع التأخير (ثم اضطجع

стр. 549

رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر فصلي الفجر حين تبين له الصبح باذان واقامة ثم ركب القصوى حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن العباس خلفه وكان رجلا حسن الشعر أبيض وسيما فلما دفع رسول الله ﷺ مرت به ظعن يجرين فطفق الفضل ينظر اليهن فوضع رسول الله ﷺ يده الكريمة على وجه الفضل فحول الفضل وجهه الى الشق الآخر ينظر فحول رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل فصرف وجهه من الشق الآخر ينظر حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة رسول الله ﷺ الى آخره) قال النووي فيه ان المبيت بمزدلفة نسك وللعلماء خلاف فيه والصحيح عندنا انه واجب يجبر تركه بدم والثاني انه سنة والثالث انه ركن (حتى طلع الفجر) فيه انه يستحب أن يبقي بها حتى يصلى بها الصبح الا للضعفة فالسنة لهم الدفع قبل الفجر وأقل ما يجزي في هذا المبيت ساعة بعد نصف الليل على الصحيح عندنا (فصلى الفجر حين تبين له الصبح) فيه استحباب التبكير بها في هذا الموضع متأكدا أكثر من تأكده في غيره لكثرة وظائف هذا اليوم فيتسع الوقت لها (باذان واقامة) فيه استحبابهما في السفر كالحضر وقد تظاهرت به الاحاديث الصحيحة (حتى أتى المشعر الحرام) فيه استحباب الوقوف به وفيه حجة للفقهاء على انه قزح وقال المحدثون والمفسرون وأهل السير انه جميع مزدلفة (حتى اسفر) الضمير الى الفجر المذكور أولا (جدا) بكسر الجيم أي اسفارا بليغا (وسيما) أى حسنا جميلا (ظعن) بضم الظاء والمهملة ويجوز اسكان العين جمع ظعينة وأصلها البعير الذى يكون عليه امرأة ثم سميت به مجازا لملابسها له كالراوية (يجرين) بفتح أوله من جري قال القرطبي ويضمه من أجري فالاول لازم والثاني متعد (فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل) فيه الحث على غض البصر عن الاجنبيات وغضهن عن الرجال الاجانب وللترمذى وغيره فلوى عنق الفضل فقال له العباس لويت عنق ابن عمك فقال رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما (بطن محسر) بضم الميم وفتح الحاء وكسر السين المشددة المهملتين سمى بذلك لان الفيل الذى جاء به ابرهة ليهدم البيت حسر فيه أي أعيا وكل (فحرك قليلا) فيه استحباب الاسراع من هذا الوادي فيحرك الراكب دابته ويسرع الماشى قدر رمية حجر (ثم سلك الطريق الوسطي) فيه استحباب سلوكها في الرجوع من عرفات وهي غير الطريق الذي ذهب فيها رسول الله ﷺ وهذا سنة في كل عبادة كما مر (فرماها) فيه استحباب البداءة برمى الجمرة ويكون ذلك قبل نزوله (بسبع حصيات) فيه تعيين الحجر للرمى كما هو مذهب الجمهور وجوزه أبو حنيفة بكل ما كان من آجر الارض (يكبر) فيه ندب التكبير (مع كل حصاة) أى رمية وفيه وجوب التفريق بين الحصيات حتى لورمى باكثر من

стр. 550

مثل حصى الخذف يرمي بطن الوادى ثم انصرف الى المنحر فنحر ثلاثا وستين بيده ثم أعطى عليا فنحر ما غبر وأشركه في هديه ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فاكلا من لحمها وشربا من مرقها ثم ركب ﷺ فافاض الى البيت فصلى بمكة الظهر فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال انزعوا بنى عبد المطلب فلولا ان يغلبكم النأس على سقايتكم لنزعت معكم فناولوه دلوا فشرب منه انتهى حديث جابر وهو عظيم الفوائد وقد اشتمل على جمل من مهمات القواعد قال القاضى عياض وقد تكلم الناس على ما فيه من الفقه وأكثروا وصنف فيه أبو بكر بن المنذر جزأ كبيرا وخرج فيه من الفقه مائة ونيفا حصاة دفعة بحسب الازمنة (مثل حصى الخذف) بالمعجمتين فيه استحباب كون حصى الرمي كذلك وهي قدر حبة الباقلاء وان أجزأ (من بطن الوادى) فيه استحباب الرمي منه بحيث يكون منى وعرفة والمزدلفة عن يمينه ومكة عن يساره هذا في رمي يوم النحر وأما غيره فيندب استقبال القبلة فيه (ثلاثا وستين بيده) الكريمة ولابن ماهان بدله بدنة وكلاهما صواب والاول أصوب قاله عياض وفيه استحباب الاستكثار من الهدي وان ينحر أو يذبح بنفسه (ثم أعطى عليا فنحر ما غبر) بالمعجمة أي ما بقى وهو سبع وثلاثون ففيه جواز الاستنابة في ذبح الهدى وهو اجماع اذا كان النائب مسلما فان كان كافرا تحل ذبيحته فكذلك عندنا لكن النية على صاحب الهدي لعدم تأهل النائب لها قال النووي وفيه استحباب تعجيل ذبح الهدايا وان كانت كبيرة في يوم النحر ولا يؤخر بعضها الي أيام التشريق (واشركه في هديه) ظاهره انه كان شريكا في نفس الهدى قاله عياض وعندى انه لم يكن شريكا حقيقة بل أعطاه قدرا ينحره قال والظاهر انه ﷺ نحر البدن التى جاءت معه من المدينة وكانت ثلاثا وستين كما جاء في رواية الترمذى وأعطا عليا البدن التي جاءت معه من اليمن وهي سبعة وثلاثون (ثم أمر من كل بدنة الى آخره) قال العلماء لما كان الاكل من كل بدنة سنة وفي الاكل من لحم كل واحدة بانفرادها كلفة جعلت في قدر ليكون قد أكل من مرق الجميع الذي فيه جزء من كل واحدة ويأكل من اللحم المجتمع في المرق ما تيسر والاكل من هدية التطوع وأضحيته سنة ليس بواجب اجماعا (بضعة) بفتح الموحدة لا غير القطعة من اللحم (فافاض الى البيت) أي طاف به طواف الافاضة وهو ركن من أركان الحج اجماعا (فصلي بمكة الظهر) لا ينافي هذا ما في صحيح مسلم عن ابن عمر ان النبي ﷺ أفاض يوم النحر وصلى الظهر بمني اذقد جمع بينهما بانه لما عاد الى منى أعاد صلاة الظهر مرة أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك (فاتي بنى عبد المطلب) أي بعد فراغه من طواف الافاضة (وهم يسقون على زمزم) يغرفون في الدلاء ويصبونه في الحياض ونحوها لشرب الناس (انزعوا) بكسر الزاى أى اسقوا بالدلاء وانزعوها بالرشا (فلولا ان يغلبكم الناس) أى فلولا اني أخاف ان يعتقد الناس ذلك من مناسك الحج ويزدحمون عليه بحيث يغلبونكم ويدفعونكم

стр. 551

وخمسين نوعا قال ولو تقصى لزيد على هذا العدد قريب منه والله أعلم. [فصل ومن الواردات في حجّة الوداع نزول قوله تعالى اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ] «فصل» ومن الواردات في حجة الوداع نزول قوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً وكان نزولها بعد العصر يوم الجمعة والنبي ﷺ واقف بعرفات على ناقته العضباء فحين نزولها كاد عضد الناقة أن يندق من شدة ثقلها فبركت روينا في صحيح البخارى عن طارق بن شهاب قال قالت اليهود لعمر إنكم تقرؤن آية لو نزلت فينا لاتخذناها عيدا فقال عمرانى لأعلم حيث أنزلت وأين أنزلت وأين رسول الله ﷺ حين أنزلت أنزلت يوم الجمعة وانّا والله بعرفة قال ابن عباس كان ذلك اليوم خمسة أعياد جمعة وعرفة وعيد اليهود وعيد النصارى والمجوس ولم يجتمع أعياد أهل الملل في يوم قبله ولا بعده وروى هرون بن عنترة عن أبيه قال لما نزلت هذه الآية بكى عمر فقال له النبي ﷺ ما يبكيك يا عمر قال بكائى انا كنا في زيادة من ديننا فاما اذا كمل فانه لم يكمل شيء الا نقص قال صدقت فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام ولا شيء من الفرائض والأحكام وعاش بعدها النبى ﷺ بعد نزولها أحد وثمانون يوما عن الاستقاء فتزول الخصوصية به الثابتة لكم لاستقيت معكم لكثرة فضيلة هذا الاستقاء (ولو تقصي) بضم الفوقية والقاف وتشديد المهملة المكسورة مبني للمفعول أي قصواه أى غايته «فصل» في الواردات في حجة الوداع (اليوم أكملت لكم دينكم) أي الفرائض والسنن والحدود والاحكام والحلال والحرام قاله ابن عباس ويروى عنه انه الذى نزلت بعدها وقال سعيد بن جبير وقتادة أكملت لكم دينكم فلم يحج معكم مشرك وقيل أظهرت دينكم وأمنتكم من العدو (واتممت عليكم نعمتي) أى وأنجزت وعدى في قولى ولأتم نعمتي عليكم فكان من تمام نعمته ان دخلوا مكة آمنين وعليها ظاهرين وحجوا مطمئنين لم يخالطهم أحد من المشركين (ورضيت لكم الاسلام دينا) لا أرتضى لكم غيره فلا تستبدلوا به وأكرموه بالسخاء وحسن الخلق (وكان نزولها بعد العصر الي آخره) ذكره البغوى في التفسير (عضد الناقة) من المرفق الى رأس الكتف (ان يندق) أى ينحطم وينفت (فبركت) بالموحدة (روينا في صحيح البخاري) وصحيح مسلم وسنن الترمذى والنسائي (طارق) بالمهملة والراء والقاف (قالت اليهود لعمر) قال ابن حجر وغيره كان القائل منهم ذلك كعب الاحبار (أنزلت يوم عرفة) أشار عمر الى ان ذلك اليوم كان عيدا لنا لان العيد لغة السرور العائد فكل يوم شرع تعظيمه يسمى عيدا وللترمذي نزلت يوم عيدين لانه وافق يوم الجمعة وهو عيد المسلمين (قال ابن عباس كان ذلك اليوم خمسة أعياد) كما نقله عن البغوي (بن عنترة) بالمهملة فالنون فالفوقية بوزن حيدرة واسمه هرون قال الذهبي وغيره ثقة وأبو عنترة الشيبانى عده ابن شاهين في الصحابة (احدى وثمانين يوما) كما في تفسير البغوى وذلك مبنى على ان وفاته كانت في ربيع

стр. 552

فكأنها كانت في معنى النعي له ﷺ ومن ذلك ما روينا في الصحيحين واللفظ للبخارى عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال عادنى رسول الله ﷺ في حجة الوداع في وجع أشفيت منه على الموت فقلت يا رسول الله بلغ بى من الوجع ما ترى وأنا ذو مال ولا يرثنى الا بنت لى واحدة أفأتصدق بثلثي مالى قال لا قلت فاتصدق بنصف مالى قال لا قلت والثلث قال والثلث كثير وانك ان تذر ورثتك أغنياء خير من ان تذرهم الاول وسيأتى الخلاف فيه (النعي) الاعلام بالموت وهو بفتح النون وسكون العين وتخفيف الياء وبضم النون وكسر العين وتشديد الياء (ومن ذلك ما رويناه في) الموطأ ومسند أحمد و (الصحيحين) وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عادني (النبي ﷺ فيه استحباب العيادة للامام كغيره (أشفيت منه) بفتح الهمزة وسكون المعجمة وفتح الفاء ثم تحيته ساكنة أشرفت (من الوجع) قال ابراهيم الحربي الوجع اسم لكل مرض وفيه جواز ذكر المريض ما يجده لغرض صحيح وانما المكروه ما كان على سبيل التسخط وهو الذي يقدح في أجر المريض (وأنا ذو مال) قال الووي فيه اباحة جمع المال لان هذه الصفة لا تستعمل في العرف الا للمال الكثير (ولا يرثنى الا ابنة لى) أراد من الولد وخواص الورثة والا فقد كان له عصبة وقيل أراد من أهل الفروض وهذه الابنة هي أم الحكم الكبري ولم يكن له سواها يومئذ وأمها بنت شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة وهي شقيقة اسحق الاكبر الذى كان يكنى به سعد بن أبي وقاص قال ابن حجر وهم من قال هي عائشة لانها لا صحبة لها وليست لسعد ابنة أخري اسمها عائشة (أفأتصدق بثلثى مالى) قال النووي يحتمل انه أراد بالصدقة الوصية ويحتمل أنه أراد بالصدقة المنجزة وهما عندنا وعند العلماء كافة سواء الا ما زاد على الثلث لا ينفذ الا برضاء الوارث وخالف أهل الظاهر فقالوا للمريض مرض الموت ان يتصدق بكل ماله ويتبرع به كالصحيح ودليل الجمهور قوله (الثلث والثلث كثير) مع حديث الذى أعتق ستة أعبد في مرضه فاعتق النبى ﷺ اثنين وأرق أربعة انتهي قال عياض يجوز نصب الثلث الاول على الاعزي «١» وعلى تقدير افعل واعط ورفعه على تقدير يكفيك فهو فاعل أو على انه مبتدأ حذف خبره أو خبر حذف مبتداؤه وضبط كثير بالمثلثة وبالموحدة وكلاهما صحيح قال النووي وفي الحديث مراعاة العدل بين الورثة والوصية وقال العلماء ان كانت الورثة أغنياء استحب استغراق الثلث بالوصية والا استحب ان ينقص وأما الزيادة عليه فمحرمة اركان يقصد حرمان الوارث والا فلا يحرم ولا ينفذ الا باجازته سواء كان له وارث خاص أم لا وروى عن على وابن مسعود جوازه فيمن لا وارث له وذهب اليه أبو حنيفة واسحاق وكذا أحمد في احدي الروايتين عنه (أن) بفتح الهمزة (تذر) منصوب بان وروي أيضا بكسر الهمزة وجزم تذر

стр. 553

عالة يتكففون الناس ولست تنفق نفقة تبتغى بها وجه الله الا أجرت بها حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك قلت يا رسول الله اخلف بعد أصحابي قال انك لن تخلف فتعمل عملا تبتغى به وجه الله الا ازددت به درجة ورفعة ولعلك تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضربك آخرون اللهم امض لأصحابى هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم لكن البائس سعد بن خولة بالشرط قال النووى وكلاهما صحيح (عالة) أي فقراء (يتكففون الناس) أي يسألونهم باكفهم وفي الحديث الحث على صلة الرحم والاحسان الى القريب والشفقة على الوارث وان صلة القريب الاقرب أفضل من الابعد قال النووي واستدل به بعضهم على ترجيح الغني على الفقير انتهي وفي الاستدلال به نظر (ولست تنفق نفقة) فيه الحث على الانفاق في وجوه الخير (تبتغي بها وجه الله) أي لا رياء فيها ولا سمعة ولا تريد عليها جزاء دنيويا (حتى اللقمة) بالنصب والضم (في في امرأتك) فيه ان المباح يصير طاعة بالنية وذلك لان زوج الانسان من أخص حظوظه الدنيوية وملاذه المباحة ووضع اللقمة في فيها انما يكون عادة عند المداعبة ونحوها وهذه الحالة أبعد الاشياء من الطاعة وأمور الآخرة فغير هذه الحالة أولى بحصول الاجر مع النية كذا قاله النووى (اخلف) استفهام حذفت ادانه (بعد أصحابي) أي بعد خروجهم الى المدينة اخلف عنهم بمكة وانما قال ذلك خوفا من موته بمكة لكونه هاجر منها وتركها لله كما صرحت به رواية في مسلم أو خوفا من بقائه بمكة بعد انصرافه ﷺ وأصحابه الى المدينة بسبب المرض وكانوا يكرهوا الرجوع فيما تركوه لله تعالى لا كمن جاء في رواية أخرى اخلف عن هجرتى قال عياض قيل كان حكم الهجرة باقيا بعد الفتح لهذا الحديث وقيل انما ذلك لمن هاجر قبل فاما من هاجر يعده فلا (انك لن تخلف) أراد بالتخلف هنا طول العمر والبقاء في الدنيا بعد جماعات من أصحابه (الا أزددت به درجة الى آخره) فيه فضيلة طول العمر للازدياد من الطاعات وفيه الحث على ارادة وجه الله تعالى بها (ولعلك تخلف) حرف ترج وهو هنا واجب (حتى ينتفع) في بعض نسخ مسلم حتى ينفع مبني للمفعول كقوله (ويضربك آخرون) وفي الحديث معجزة له ﷺ فان سعدا عاش حتى فتح العراق وغيره وانتفع به قوم في دينهم ودنياهم وتضرر به الكفار كذلك وتوفي ﵁ في قصره بالعقيق وحمل الى المدينة وعليها يومئذ مروان بن الحكم قيل وكان آخر المهاجرين موتا بالمدينة سنة ثمان أو خمس وخمسين وعن بعض بضع وستين سنة (اللهم امض لاصحابى هجرتهم) أي أتمها لهم ولا تبطلها (ولا تردهم على أعقابهم) أي بترك هجرتهم ورجوعهم عن مستقيم حالتهم المرضية واستدل به من قال ان بقاء المهاجرين بمكة كيف كان قادح في هجرته قال عياض ولا دليل فيه عندى لاحتمال انه دعا لهم دعاء عاما (لكن البائس) أى الفقير الذى عليه أثر البؤس أي الفقر (سعد بن خولة) هو زوج سبيعة الا سليمة وخولة بفتح المعجمة وسكون الواو وفي صحيح البخاري في الوصايا يرحم الله ابن عفراء قال ابن حجر يحتمل أن يكون خولة اسم أبيه وعفراء أمه وهو من بنى عامر بن لؤي واختلف في قصته فقيل لم يهاجر من مكة حتى مات بها وذكر البخاري انه هاجر وشهد بدرا ثم انصرف الى مكة ومات بها وقال ابن هشام هاجر الى الحبشة الهجرة الثانية وشهد

стр. 554

رثى له رسول الله ﷺ أن توفي بمكة ومنها ما رويناه في صحيح البخارى ان النبى ﷺ قال لجرير استنصت الناس فقال لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض وقال أيضا الا ان الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنى عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب شهر مضر الذي بين جمادى وشعبان بدرا وغيرها وتوفي بمكة في حجة الوداع سنة عشر وقيل سنة سبع في الهدنة خرج مختارا من المدينة الى مكة فعلى هذا وعلى الاول سبب بؤسه موته بمكة على أى حال كان لفوت الثواب الكامل بالموت في دار هجرته قال عياض وقد روي في هذا الحديث انه ﷺ خلف مع سعد بن أبي وقاص رجلا وقال إن مات بمكة فلا تدفنه بها (يرني) بالمثلثة أي يتوجع (له رسول الله ﷺ ان) بفتح الهمزة (مات بمكة) هذا كله من كلام الراوى وانتهى حديث رسول الله ﷺ عند قوله لكن البائس سعد بن خولة والتفسير من كلام سعد بن أبي وقاص أو من كلام الزهري قولان قلت ينبغى للقاريء ان يفصل بين الحديث والتفسير بقال وقد ثبت لفظه قال في نسخة من نسخ صحيح مسلم بخط الحافظ الصريفيني كما نقله السيوطى في الديباج (ما رويناه في) مسند أحمد (وصحيح البخارى) وصحيح مسلم وسنن النسائي وابن ماجه قال (لجرير) ورواه أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن عمرو رواه البخارى والنسائي عن أبي بكر ورواه البخاري والترمذي عن ابن عباس (لا ترجعوا بعدى) أى بعد وفاتي (كفارا) أى تتشبهوا بهم في قتل بعضكم بعضا (يضرب) بالرفع فقط ومن جزم احال المعني قاله عياض (وقال أيضا) فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي بكرة (ان الزمان) يعني السنة (قد استدار كهيئته) أى عاد مثل حالته وكان ذلك تاسع ذى الحجة في الوقت الذي حلت فيه الشمس برج الحمل حيث يستوى الليل والنهار وكانت العرب يجعلون السنة ثلاثة عشر شهرا (منها) أى من السنة (أربعة حرم) سميت بذلك لحرمتها حتى ان الجهاد كان محرما فيها أول الاسلام ثم نسخ بفعله ﷺ يوم حنين اذ دخل عليه شهر ذي القعدة وهو في جهاد ثم وقال عطاء وآخرون ان ذلك غير منسوخ ونقل عنه ابن جريج انه كان يحلف ما يحل للناس ان يقروا في الحرم ولا في الاشهر الحرم ولا ان يقاتلوا فيها وما يستحب (ذو القعدة الي آخره) فيه دليل لمن يقول ان الادب المستحب في غير هذه الاشهر ان يبدأ بذي القعدة ويختم برجب وهو الصحيح وقيل يبدأ بالمحرم ويختم بذي الحجة ليكون الاربعة من سنة واحدة (فالمحرم) هذا الاسم له اسلامي كما مر وكانوا في الجاهلية يسمونه صفر الاول وهو أفضل الاشهر الحرم وثلاثة رجب ثم ذو الحجة ثم ذو القعدة (ورجب مضر) انما أضافه اليهم ليمكنهم في تعظيمه أكثر من غيرهم أو لانهم كان بينهم وبين ربيعة اختلاف فيه فكانت مضر تجعله هذا المعروف وربيعة تجعله رمضان قولان (الذي بين جمادي وشعبان) قال النووي انما قيده هذا التقييد مبالغة في ايضاحه وازالة اللبس عنه وذلك لان العرب كانت

стр. 555

أيّ شهر هذا قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا انه سيسميه بغير اسمه فقال أليس ذا الحجة قلنا بلى يا رسول الله قال وأي بلد هذا قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا انه سيسميه بغير اسمه قال أليس هذه البلدة مكة قلنا بلى قال فأى يوم هذا قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا انه سيسميه بغير اسمه قال أليس هذا يوم النحر قلنا بلى قال فان دماؤكم وأموالكم قال محمد وأحسبه قال واعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ألا لا ترجعوا بعدى ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب ولعل بعض من لم يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه ألا هل بلغت ألا هل بلغت ألا هل بلغت- ومعنى استدارة الزمان أنهم كانوا في الجاهلية ينسئون الشهر الحرام أى يؤخرونه اذا احتاجوا الى القتال فيه فيحلونه ويحرمون مكانه شهرا آخركما يجعلون المحرم صفر فاذا احتاجوا الى تأخير تحريم صفر أخروه الى ربيع هكذا شهرا بعد شهر حتى استدار التحريم الى السنة تسمى رجب وشعبان الرجبين وسمى شعبان بذلك نتشعب العرب فيه للحرب أي تفرقهم وخروجهم في كل وجه (أى شهر هذا الى آخره) قال النووي هذا السؤال والسكوت والتفسير أراد به التقدير والتفخيم والتنبيه على عظم مزية هذا الشهر والبلد واليوم وقول الصحابة (الله ورسوله أعلم) من حسن أدبهم فانهم عرفوا انه ﷺ لا يخفي عليه ما يعرفونه من الجواب فعلموا انه ليس المراد مطلق الاخبار بما يعرفون (أليس ذا الحجة) بالنصب خبر ليس واسمها مستتر فيها وكذا ما بعده (قال محمد) هو ابن سيرين (وليبلغ الشاهد) أي الحاضر (الغائب) فيه وجوب تبليغ العلم بحيث يتيسر وذلك فرض كفاية (فلعل بعض) النصب اسم لعل (من تبلغه) بفتح أوله وسكون ثانيه وضم ثالثه (أوعى له من بعض) ولمسلم ممن (سمعه) قال النووى احتج العلماء لجواز رواية الفضلاء وغيرهم عن الشيوخ الذين لا علم عندهم ولا فقه اذا ضبط ما يحدث به (الاهل بلغت) ففي كلامه ﷺ وما قبله اعتراض (ومعني استدارة الزمان) كما قاله أبو عبيد (انهم كانوا ينسئون أى يؤخرون) وقيل هو من النسيان الواقع على المنسي وهو المتروك (الشهر الحرام) اسم جنس والمراد الاشهر الحرم والعرب كانت تعظمها كلها وذلك من جملة ما تمسكت به من دين ابراهيم (تنبيه) اختلف المفسرون في أول من نسأ فقيل بنو مالك من كنانة فقام الاسلام والذى نسؤا أبو ثمامة جنادة بن عوف بن أمية الكناني وقيل أول من فعله نعيم بن ثعلبة رجل من كنانة وقيل أول من فعل ذلك رجل من كنانة يقال له القلمس بفتح القاف واللام والميم المشددة ثم مهملة وفيه يقول شاعرهم* ومنا ناسيء الشهر القلمس* وقيل أول من فعله عمرو بن طي (اذا احتاجوا الى القتال فيه)

стр. 556

كلها وتحولت الشهور عن اماكنها فوافق حجة الوداع شهر الحج المشروع وهو ذو الحجة فأعلمهم النبي ﷺ ان أشهر الحج قد تناسخت باستدارة الزمان وعاد الامر الى ما وضع الله عليه حساب الاشهر يوم خلق السموات والأرض وأمرهم بالمحافظة عليه لئلا يتبدل في مستأنف الزمان* [السنة المخترمة بوفاته ﷺ ] ومن ذلك ما روى ابن اسحق وغيره ومعناه في الصحيحين عن عمرو ابن خارجة قال بعثني عتاب بن أسيد الى رسول الله ﷺ في حاجة ورسول الله ﷺ واقف بعرفة فبلغته ثم وقفت تحت ناقة رسول الله ﷺ وان لعابها ليقع على رأسى فسمعته وهو يقول أيها الناس ان الله قد أدى إلى كل ذى حق حقه وانه لا يجوز وصية لوارث والولد للفراش وللعاهر الحجر ومن ادعى الى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا وصدر النبي ﷺ من حجته وقد أدى الناس مناسكهم وعلمهم معالم دينهم وحذر وأنذر فكانت حجة البلاغ وحجة الوداع والله أعلم. السنة المخترمة بوفات النفس الزكية المكرمة وهى سنة احدى عشرة من الهجرة وثلاث وعشرين من النبوة وثلاث وستين من المولد وكأنها آخر الدنيا قال ابن اسحق ثم قفل أو الى الصيد (حجة الوداع) بالنصب (شهر الحج) بالرفع ويجوز عكسه (ما روى ابن اسحاق) وكذا البيهقي قال الذهبي بسند صالح (فان لعابها يقع على رأسى) يستدل به على طهارة نحو لعاب الحيوان الطاهر (لا يجوز وصية لوارث) زاد الدارقطني والبيهقى عن ابن عباس الا ان يسأل الورثة وللبيهقي من طريق عمرو بن خارجة الا ان يجيزها الورثة ففيه ان الوصية للوارث باى سبب كان لا تصح حتى يجيزها باقى الورثة أي مطلق التصرف منهم اما نحو السفيه فلا يجوز الاجازة منه ولا من وليه ولا من الحاكم كما صرح به الماوردي قال أصحابنا ويكفي من الورثة لفظ الاجازة لانها تنفيذ لا ابتداء عطية (من ادعي) بهمز وصل والبناء للفاعل (فعليه لعنة الله) أى عذابه الذى يستحقه على ذلك الذنب والطرد عن الجنة أول الأمر وليست كلعنة الكفار الذين يبعدون عن رحمة الله ابعادا كليا (لا يقبل الله منه صرفا) بفتح المهملة وسكون الراء أي فريضة (ولا عدلا) أي نافلة وقيل عكسه وقيل الصرف التوبة والعدل القربة قال عياض قيل معناه لا يقبل ذلك منه قبول رضي وان قبل قبولا آخر قال وقد يكون القبول هنا بمعني تكفير الذنب بهما قال وقد يكون معنى القربة هنا انه لا يجد في القيامة أحدا يفدي به بخلاف غيره من المذنبين الذين يتفضل الله عليهم بان يفديهم من النار باليهود والنصاري كما ثبت في الحديث الصحيح (وصدر) أي رجع (فكانت) مبينة (حجة) بالنصب خبرها* ذكر وفاته ﷺ (المخترمة) بالمعجمة (وثلاث وستين من المولد) كما رواه مسلم من رواية أنس وعائشة وابن عباس ومعاوية وهى أصح وأشهر ولمسلم رواية انه توفي

стр. 557

رسول الله ﷺ يعنى من حجة الوداع وأقام بالمدينة بقية ذى الحجة والمحرم وصفر وضرب على الناس بعثا الى الشام وأمّر عليهم اسامة بن زيد بن حارثة مولاه وأمره النبى ﷺ ان يوطئ الخيل تخوم البلقاء والدروم من أرض فلسطين وروى كثيرون ان النبي ﷺ أمره ان يغير على ابنى صباحا وان يحرق وابنى هي القرية التى عند مؤتة حيث قتل أبوه زيد وانما أمره ليدرك ثأره وطعن ناس في أمارته لكونه مولى ولحداثة سنه وكان اذ ذاك ابن ثمانى عشرة سنة فقام رسول الله ﷺ فقال ان تطعنوا في أمارته فقد كنتم قبل تطعنون في أمارة أبيه من قبل وأيم الله ان كان لخليقا للامارة وان كان لمن أحب الناس اليّ وان هذا لمن أحب الناس الىّ بعده [ذكر تجهيز جيش أسامة بن زيد إلى الشام] رواه البخارى وروى ابن اسحق عن رجاله ان رسول الله ﷺ استبطأ الناس في بعث أسامة بن زيد وهو في وجعه فخرج عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر وقد كان وهو ابن ستين سنة وأخرى وهو ابن خمس وستين وهما متواليان فرواية الستين اقتصر فيها على العقود وترك الكسر ورواية الخمس والستين حصل فيها اشتباه وقد أنكر فيها عروة على ابن عباس ونسبه الى الغلط وانه لم يدرك أول النبوة ولا كثرت صحبته بخلاف الباقين واتفقوا على ان اقامته بالمدينة كانت عشر سنين وبمكة قبل النبوة أربعين سنة الا ما حكي عياض عن ابن عباس وسعيد بن المسيب انها كانت ثلاثا وأربعين وهى رواية شاذة وانما اختلفوا في قدر اقامته بمكة بعد النبوة وقبل الهجرة والصحيح انه ثلاث عشرة سنة كما مر عند ذكر قصيدة أبي قيس بن الاسلت صرمة بن أبي أنس (بعث بعثا الى الشام) أى لقتال الروم وكان أمير الروم يومئذ شرحبيل بن عمرو الغساني ذكره البلاذري (تخوم) بضم الفوقية والمعجمة أي جوانب (البلقاء) بالمد (والدروم) بضم المهملة والراء (فلسطين) بكسر الفاء وفتح اللام وسكون السين وكسر الطاء المهملتين ثم تحتية ساكنة ثم نون وهى بلاد بيت المقدس وما حولها (يغير) بضم أوله رباعي (أبنى) بهمزة مضمومة فموحدة ساكنة فنون مفتوحة مع القصر قال ابن الاثير اسم موضع من فلسطين بين عسفان والرملة ويقال انها يبنى بالتحتية بدل الهمزة (ثأره) بالمثلثة والهمزة وقد يسهل (فطعن) بفتح العين في الماضي والمستقبل معا ان أريد الطعن المجازى فان أريد الحقيقى ضم العين في المستقبل على المشهور (ناس) وللبخاري بعض الناس والطاعن هذا هو عباس بن أبي ربيعة المخزومى أفاده البلاذرى (ابن ثماني عشرة سنة) وقيل ابن عشرين (لخليقا) بالمعجمة والقاف أى حقيقا و (وللامارة) ولمسلم بلا مرة بكسر الهمزة وسكون الميم وهما لغتان وفي الحديث جواز امارة العتيق وتقديمه على الغير وتولية الصغير وتولية المفضول على الفاضل للمصلحة وفضيلة ظاهرة لاسامة وأبيه زيد (رواه البخاري) ومسلم والترمذي وغيرهم عن ابن عمر (عن رجاله)

стр. 558

الناس قالوا أمر غلاما على جلة المهاجرين والانصار فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أيها الناس انفذوا بعث أسامة فلعمرى لئن قلتم في أمارته لقد قلتم في أمارة أبيه من قبله وانه لخليق للامارة وان كان أبوه لخليقا لها ثم نزل رسول الله ﷺ وانكمش الناس أي أسرعوا في جهازهم واستعر برسول الله ﷺ وجعه فخرج أسامة بجيشه حتى نزل الجرف من المدينة على فرسخ فضرب به عسكره وتتامّ اليه الناس وأقاموا ينتظرون ما الله قاض في رسوله قال أسامة لما ثقل رسول الله ﷺ هبطت وهبط الناس معى الى المدينة فدخلت على رسول الله ﷺ وقد أصمت فلا يتكلم فجعل يرفع يديه الى السماء ثم يضعها علىّ أعرف انه يدعو لى ولما توفي رسول الله ﷺ لم يشتغل أبو بكر بعد انتظام أمر الخلافة الا بتجهيز جيش أسامة وكلم في استبقاء الجيش حتى ينتسق أمر الناس أو ان يولي عليهم غير أسامة فقال والله لو لعبت الكلاب بخلاخيل نساء المدينة ما رددت جيشا أنفذه رسول الله ﷺ ولا عزلت واليا ولاه. [فصل في مرض رسول الله ﷺ ] (فصل) في مرض رسول الله ﷺ ووفاته وما ورد في ذلك من الروايات مما أكثره في الصحاح قال الله تعالى وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً الآية وقال أى رجال سنده (على جلة) بكسر الجيم وتشديد اللام أي معظم (انفذوا) بهمزة قطع وكسر الفاء أى لا تؤخروه (فلعمرى) انما اقسم به اقتداء بربه جل وعلا اذ أقسم به فقال لعمرك انهم لفي سكرتهم يعمهون (وانكمش الناس) بهمز وصل وسكون النون وفتح الكاف والميم والمعجمة أى اسرعوا والانكماش في المشي الاسراع فيه (واستعر) بالعين المهلة وتخفيف الراء أي هاج (الجرف) بضم الجيم والراء (وتتام) بفتح الفوقية المكررة والمد وتشديد الميم (دخلت على رسول الله ﷺ الى آخره) رواه الترمذى عن اسامة وحسنه (أصمت) بضم الهمزة وكسر الميم (استبقاء) بالموحدة والقاف (ينتسق) أي ينتظم (لو لعبت الكلاب الى آخره) أي لو سلط على أهل المدينة من يدخلها ويفعل فيها ما ذكره من انتهاك الحرمة ولم يمكن دفع ذلك الا باستبقاء جيش اسامة وترك تنفيذ أمر رسول الله ﷺ ما فعلت ذلك وفيه فضيلة ظاهرة لسيدنا أبى بكر رضى الله عنه (والخلاخيل) جمع خلخال وهو السوار الذى تجعله المرأة في رجلها. (فصل) عقده لبيان صفة مرضه ﷺ ووفاته (وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ) مضت (مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) وسيمضى هو بعدهم أيضا أفتظنون دوام حياته (أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ) رجعتم (عَلى أَعْقابِكُمْ) أي الى دينكم الاول نزلت هذه الآية فيمن قال يوم أحد إذ أشيع قتله ﷺ من

стр. 559

تعالى كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وقال تعالى إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ وقال تعالى وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وخرج الدارمي في مسنده ان العباس رضى الله عنه قال لأعلمن ما بقاء النبي ﷺ فينا فقال يا رسول الله انى أراهم قد آذوك وآذاك غبارهم فلو اتخذت عريشا تكلمهم منه فقال لا أزال بين أظهرهم يطؤن عقبي وينازعونى ردائى حتى يكون الله هو الذي يخرجنى منهم قال فعلمت ان بقاؤه فينا قليل قال أهل التواريخ ابتدأ بالنبى ﷺ مرضه في أول شهر ربيع الأول وأول ذلك انه خرج من جوف الليل الى البقيع فدعا لهم واستغفر وتضرع كالمودع للأموات وأصبح مريضا من يومه قالت عائشة لما رجع من البقيع وجدني وأنا أقول وارأساه فقال رسول الله ﷺ ذاك لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك فقلت واثكلتاه والله اني لأظنك تحب موتى ولو كان ذلك لظللت آخر يومك معرسا بعض أزواجك فقال النبي ﷺ بل أنا وارأساه لقد هممت أو أردت أن أرسل الى أبي بكر وابنه فاعهد ان يقول القائل أو يتمنى المتمنون ثم قلت يأبى الله ويدفع المؤمنون أو يدفع الله ويأبى المؤمنون رواه البخاري وروي مسلم أيضا عن عائشة قالت قال لى رسول الله ﷺ في مرضه ادعى لى أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتابا فاني أخاف أن يتمنى متمن أو يقول قائل أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون الا أبا بكر وهذان الحديثان أهل النفاق ان محمدا قد قتل فالحقوا بدينكم الاول (وَلا تَدْعُ) أي لا تعبد (مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ) الخطاب معه ﷺ والمراد غيره (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ) فان (إِلَّا وَجْهَهُ) أي الا هو والوجه صلة (لَهُ الْحُكْمُ) الفعل والقضاء حيث قضى هلاك كل من سواه (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) تردون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم ان خيرا فخير وان شرا فشر (فقال يا رسول الله انهم قد آذوك الى آخره) كان ذلك يوم قسم غنائم حنين وأوطاس (ذاك) بگسر الكاف (في أول شهر ربيع الاول) يوم الاثنين أو يوم السبت أو يوم الاربعاء أقوال (وا ثكلتاه) بضم المثلثة وسكون الكاف وفتح اللام (اني لاظنك تحب موتي) كانها فهمت من قوله تمنى الموت لها (لظللت) بكسر اللام الاولى (معرسا) بسكون العين (بل انا وارأساه) فيه انه لا بأس بقول ذلك ونحوه مما ليس هو على وجه التضجر كما مر قال بعضهم وفيه اشارة الى بقاء عائشة بعده (لقد هممت أو أردت) شك من الراوي (روى) البخاري (ومسلم) أيضا (وأخاك) انما طلب أخاها ليكتب الكتاب ووقع في رواية البخارى لقد هممت ان أوجه الي أبي بكر وابنه ولبعض رواة البخارى فاتيه من الاتيان وصوب هذا بعضهم قال عياض وليس كما صوب بل الصواب ابنه وهو أخو عائشة المذكور في رواية مسلم (فاني أخاف ان يتمنى متمن) فيه اشارة الى انه سيقع نزاع وكان كذلك (أنا أولى)

стр. 560

من أدل الدلائل على خلافة أبى بكر وقد ثبت أصلهما من الصحيحين كما ترى [مطلب وكان وجعه ﷺ عرق في الكلية] وكان وجعه ﷺ وهو عرق في الكلية اذا تحرك أوجع صاحبه وقيل الصداع وروي البخارى عن عائشة قالت كان النبي ﷺ يقول في مرضه الذى مات فيه يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذى أكلت بخيبر فهذا أو ان وجدت انقطاع ابهرى من ذلك السم وغير مدافع انه قد كان مع ذلك حمى فيحتمل ان يكون مع وجودها تداعت أسباب هذه الاوجاع كلها وكان وجعه ﷺ شديدا روينا في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال دخلت على النبي ﷺ وهو يوعك فمسسته فقلت انك لتوعك وعكا شديدا قال أجل كما يوعك رجلان منكم قلت ذلك بأن لك أجرين قال أجل ذلك كذلك ما من مسلم يصيبه اذى شوكة فما فوقها الا كفر الله بها سيآته كما تحط الشجرة ورقها وفي معناه قوله ﷺ أشد الناس بلاء الانبياء ثم الامثل فالامثل وكان ﷺ في مرضه يدور على أزواجه وهن يومئذ تسع حتى اشتد به المرض في يوم ميمونة أى أحق بالخلافة ورواه بعضهم في مسلم انا بالتخفيف أولا بفتح الهمزة والواو المشددة أى الاحق أولا وبعضهم انا بالتخفيف ولى بكسر اللام أى الخلافة وبعضهم انا بالتخفيف ولاه أي انا الذي ولاه النبي ﷺ وبعضهم انا بتشديد النون ولاه أي كيف ولاه قال عياض أجود هذه الروايات الاولى (من أدل الدلائل على خلافة أبي بكر) وثبوتها باجماع الصحابة على عقد الخلافة له وتقديمه وليس فيه نص صريح على خلافته والا لما وقعت منازعة من الانصار وغيرهم ولذكر حافظ النص ما معه ولرجعوا اليه (الخاصرة) باعجام الخاء واهمال الصاد (الكلية) بضم الكاف وسكون اللام (الصداع) وجع الرأس (وروى البخارى الى آخره) تقدم الكلام عليه في غزوة خيبر (كلها) بالرفع والنصب (فمسسته) بكسر السين (وعكا) بفتح الواو وسكون العين وقد يفتح والوعك الحمي وقيل معلها (أجل) بتخفيف اللام أي نعم (ما من مسلم يصيبه أذى الى آخره) فيه تكفير الخطايا بالبلايا كما ذهب اليه أهل السنة (سيآته) بكسر التاء علامة للفتح (كما تحط) تلقى وتسقط (أشد الناس بلاء الانبياء ثم الامثل فالامثل) رواه أحمد والبخاري والترمذى وابن ماجه عن سعد ﵁ وتتمته يبتلى الرجل على حسب دينه فان كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه وان كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الارض وما عليه خطيئة انتهي والامثل الافضل وانما شدد البلاء على من ذكر لانهم لقوة دينهم لا يخاف منهم الجزع والتسخط بالقضاء الماحق لاجر البلاء فابتلوا بما تزداد به درجاتهم ولا تنقص به حسناتهم بخلاف غيرهم اذ يخاف عليه غلبة الجزع ونحوه فيبطل ثوابه ولا ينتفع بالبلاء فكان بلاء كل على قدر دينه رجمة من الله بعباده ونظرا لهم بالاصلح الانفع فله الحمد والثناء على ما تفضل به وأسدى (في يوم ميمونة) وكان ابتداء مرضه ببيتها

стр. 561

فدعاهن فاستأذنهن ان يمرض في بيت عائشة فأذنّ له فخرج ﷺ ويده على عليّ ﵇ والاخرى على الفضل بن عباس. [مطلب في حديث السبع قرب لم تحل أوكيتهن وخروجه ﷺ إلى الناس] وروينا في الصحيحين عن عائشة ان النبى ﷺ قال بعد ما دخل بيتها واشتد وجعه أهريقوا علىّ من سبع قرب لم تحل أوكيتهن لعلي أعهد الى الناس فأجلسناه في مخضب لحفصة زوج النبى ﷺ ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب حتى طفق يشير الينا بيده ان قد فعلتن قالت ثم خرج الى الناس فصلي بهم وخطبهم وروى أهل السير ان النبي ﷺ خرج يوم الخميس وقد شد رأسه بعصابة دسماء فرقي المنبر فجلس عليه مصفر الوجه وأمر بلالا فنادى في الناس أن اجتمعوا لوصية رسول الله ﷺ فاجتمعوا كبيرهم وصغيرهم وتركوا أبواب بيوتهم مفتحة وغص المسجد بمن فيه ثم قام فخطبهم خطبة بليغة فكان أول ما تكلم به صلى على قتلى أحد واستغفر لهم روينا في صحيح البخارى عن عقبة بن عامر قال صلى رسول الله ﷺ على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودع للاحياء والأموات ثم طلع المنبر فقال انى بين أيديكم فرط وأنا شهيد عليكم وان موعدكم الحوض وانى لأنظر اليه من مقامي هذا وانى لست اخشى عليكم ان تشركوا ولكنى أخشى عليكم الدنيا ان تنافسوا فيها قال فكانت آخر نظرة نظرتها الى رسول الله ﷺ ثم قال أيضا ما رويناه في صحيح مسلم عن أبى سعيد الخدرى ان رسول الله ﷺ جلس على المنبر فقال ان عبدا خيره الله بين ان يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده فبكى أبو بكر وبكى فقال أو ببيت زينب أو ريحانة أقوال (فأذن له) بتشديد النون (أهريقوا) بفتح الهمزة مع فتح الهاء وسكونها (من سبع قرب) قيل الحكمة في هذا العدد ان فيها سرا وخاصية في دفع السم والسحر (مخضب) بكسر الميم وسكون الخاء وفتح الضاد المعجمتين ثم موحدة اناء نحو المركن يغتسل فيه (وروي أهل السير) عن أنس (دسماء) بفتح الدال وسكون السين المهملتين مع المد والدسمة لون بين الغبرة والسواد (مصفر الوجه) بالنصب على الحال (وغص) بالمعجمة ثم المهملة أي ضاق كما يضيق حلق الغاص باللقمة (صلى على قتلى أحد) أي دعا لهم (فرط) أى سابق اتقدمكم الى الآخرة (تنافسوا فيها) بحرف الاستقبال أي يتحاسدوا عليها (آخر نظرة) بالنصب خبر كانت واسمها مستتر (ما رويناه في صحيح البخاري) وصحيح مسلم وسنن الترمذي (ان عبدا خيره الله) قال النووي انما ابهم ليظهر فهم أهل المعرفة ونباهة أصحاب الحذق (من زهرة الدنيا) أى نعيمها وأعراضها وحظوظها (فبكي أبو بكر وبكى) كلاهما بتخفيف الكاف أي كرر البكاء لانه علم المخير صلى الله عليه

стр. 562

فديناك بآبائنا وأمهاتنا قال فكان رسول الله ﷺ هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا به فقال رسول الله ﷺ ان أمنّ الناس علىّ بماله وصحبته أبو بكر ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن أخوة الاسلام لا يبقين في المسجد خوخة الاخوخة أبى بكر وأوصى يومئذ بانفاذ جيش أسامة وأوصى بالانصار فقال يا معشر المهاجرين استوصوا بالانصار خيرا فان الناس يزيدون وان الانصار على هيئتها لا تزيد وانهم كانوا عيبتي وسلم فبكا حزنا على فراقه وانقطاع الوحي وغير ذلك من الخيرات (فديناك بآبائنا) فيه دليل لجواز التفدية وقد قاله ﷺ (هو المخير) بالنصب خبر كان وهو عماد وصلة (أعلمنا به) بالنصب خبر كان (ان أمن الناس على في ماله وصحبته أبو بكر) قال العلماء معني أكثرهم جودا وسماحة لنا بنفسه وماله وليس هو من المن الذي هو الاعتداد بالصنيعة لانه أذى مبطل للثواب ولان المنة لله تعالي ولرسوله ﷺ في قبول ذلك وغيره (لو كنت متخذا خليلا) غير ربى (لا اتخذت أبا بكر خليلا) ولكن محبة ربي استولت على جميع قلبي فلم يبق فيه وسع لغيره لان معني الخليل أن لا يتسع قلبه لغير خليله وللعلماء خلاف في معنى الخلة كما سبق قال ابن فورك الخلة صفاء المودة بتخلل الاسرار وقيل أصلها المحبة وللعلماء خلاف هل المحبة أرفع أم الخلة أم هما سواء فقالت طائفة لا يكون الحبيب الا خليلا وعكسه وقيل المحبة أرفع اذهي صفة نبينا ﷺ كما جاء في حديث حسن الا وأنا حبيب الله وهو أفضل من الخليل وقيل الخلة أرفع فقد ثبتت لنبينا ﷺ في هذا الحديث وقد نفا ان يكون له خليل سوى الله مع اثبات محبته لخديجة وعائشة وأبيها وأسامة وأبيه وفاطمة وابنيها قال النووي وغيره ولا ينافي هذا الحديث قول أبي هريرة وغيره من الصحابة سمعت خليلى ﷺ اذ تحسن لغيره ﷺ الانقطاع اليه ولا عكس (ولا يبقين) بنون التأكيد الثقلية (خوخة) بفتح المعجمة المكررة وسكون الواو وهي الباب الصغير بين البيتين والدارين ونحوه وفيه ان المساجد تصان عن تطرق الناس اليها الا من أبوابها الا لحاجة مهمة قاله النووي (الا خوخة أبي بكر) أي فلا تسدوها وكان سبب ذلك انه رأى عليها نورا كما رواه الطبراني وذلك اشارة الى خلافته ولاحمد والنسائي وغيرهما باسانيد حسنة انه أمر بسد الابواب الا باب علىّ والجمع بينهما كما قاله الطحاوي والكلاباذي والحافظ ابن حجر وغيرهما ان الامر بسد الابواب وقع مرتين ففي الاولى استثنى عليا حيث قال لا يحل لاحد ان يستطرق هذا المسجد غيرى وغيرك وذلك قبل مرضه بمدة وفي الثانية استثنى أبا بكر وذلك في مرض موته وكانت الثانية في الخوخ والاولى في الابواب فكانهم لما أمروا بسد الابواب سدوها وأحدثوا خوخا واخطأ ابن الجوزي حيث زعم ان حديث على موضوع وضعته الرافضة ليقابلوا به حديث أبي بكر (استوصوا بالإنصار خيرا) فيه رمز الى ان الخلافة لا تكون فيهم والا لاوصاهم ولم يوص بهم (ان الانصار على هيئتها لا تزيد) فيه معجزة له ﷺ فانهم صاروا من أقل الناس كما قال في رواية انهم يقلون حتى يكونوا كالملح في الطعام (عيبتي) أي خاصتى الذين أثق بهم واعتمد عليهم في

стр. 563

التي أويت اليها فاحسنوا الى محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم ثم نزل رسول الله ﷺ وتتامّ به وجعه ولم يخطب خطبة بعدها. [فصل في أمره ﷺ أبا بكر أن يصلي بالناس] (فصل) وأول عجزه عن الخروج الى الصلاة اجتمع الناس في المسجد وآذنوه بها فهم بالخروج فعجز فقال مروا أبا بكر فليصل بالناس فقالت له عائشة ان أبا بكر اذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل بالناس فقال مروا أبا بكر فليصل بالناس فقالت عائشة لحفصة قولى له ان أبا بكر اذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل بالناس ففعلت حفصة فقال رسول الله ﷺ انكن لانتن كصواحبات يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس فقالت حفصة لعائشة ما كنت لا صيب منك خيرا رواه الشيخان وفي رواية فيهما ان عائشة قالت لقد راجعت رسول الله في ذلك وما حملني على كثرة مراجعته الا انه لم يقع في قلبى ان يحب الناس بعده رجلا قام مقامه أبدا وانى كنت أرى انه لن يقوم مقامه أحد الا تشاءم الناس به فأردت ان يعدل ذلك رسول الله صلى أمورى والعيبة بفتح المهملة وبالموحدة وعاء معروف أكبر من المخلاة يحفظ الانسان فيها متاعه فضربها لهم مثلا لانهم محل سره وخفي أحواله (فأحسنوا الى محسنهم) أى واجهوه باللطف والبر (وتجاوزوا) اعفوا (عن مسيئهم) في بعض أصول مسلم سيئهم وذلك في غير حدود الله تعالي قاله النووي* فصل في أول عجزه عن الخروج (مروا أبا بكر فليصل بالناس) فيه ان الامام اذا عرض له عذر عن حصول الجماعة استخلف من يصلي بهم ولا يستخلف الا أفضلهم وفيه فضيلة أبي بكر رضى الله عنه على جميع الصحابة وتنبيه على انه أحق بخلافة رسول الله ﷺ (فقالت له عائشة الى آخره) فيه جواز مراجعة أولي الأمر على سبيل العرض والمشاورة والاشارة بما يظهر انه مصلحة وتكون تلك المراجعة بعبارة لطيفة (فمر عمر) يؤخذ منه أفضلية عمر على غيره بعد أبي بكر فمن ثم اشارتا به ويؤخذ ذلك أيضا من قول أبى بكر يا عمر صل بالناس ولم يقل لاحد سواه (انكن لانتن كصواحبات يوسف) أي في التظاهر على ما ترون والالحاح في طلبه وقيل في اظهاركن خلاف ما أبطنتن ووجه التشبيه ان عائشة أظهرت انها إنما تريد صلاة عمر لان أبا بكر رجل رقيق اذا قام مقام رسول الله ﷺ لم يسمع الناس من البكاء وأبطنت ما أخبرت به بعد انها خافت التشاؤم بمن يقوم مقام رسول الله ﷺ وأما حفصة فلانها أظهرت ما أظهرته عائشة وأبطنت محبة تقديم أبيها على غيره فاشبهن صواحب يوسف حيث أظهرن أنهن قعدن ليأكلن وهن انما يردن النظر الى يوسف (رواه الشيخان والترمذي وابن ماجه) عن عائشة ورواه الشيخان أيضا عن أبي موسي ورواه البخاري فقط عن ابن عمر ورواه ابن ماجه عن ابن عباس وعن سالم بن عبيد (كنت أري) بضم الهمزة أي أظن

стр. 564

الله عليه وسلم عن أبي بكر ورياوه أيضا باسناد واحد عن عبيد الله بن عبد الله بن مسعود قال دخلت على عائشة فقلت لها ألا تحدثينى عن مرض رسول الله ﷺ قالت بلى ثقل رسول الله ﷺ فقال أصلي الناس قلنا لا هم ينتظرونك يا رسول الله قال ضعوا لى ما في المخضب قال ففعلنا فاغتسل به ثم ذهب لينوء فأغمى عليه ثم أفاق فقال أصلى الناس قلنا لا هم ينتظرونك يا رسول الله قالت والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله ﷺ لصلاة العشاء الأخيرة قالت فأرسل رسول الله عليه وآله وسلم الى أبى بكر أن يصلى بالناس فأتاه الرسول فقال ان رسول الله ﷺ يأمرك ان تصلى بالناس فقال أبو بكر وكان رقيقا يا عمر صل بالناس فقال عمر أنت أحق بذلك قال فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام ثم ان رسول الله ﷺ وجد من نفسه خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس والثانى علىّ لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي (عن عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود (ذهب لينوء) بفتح التحتية وضم النون ثم همزة ممدودة أي ليقوم وينهض (فاغمى عليه) فيه جواز الاغماء على الانبياء قال النووى ولا شك في جوازه فانه مرض والمرض يجوز عليهم بخلاف الجنون فانه لا يجوز عليهم لانه نقص (فاغتسل) أى توضأ من الاغماء لانه ناقض كذا حمله عياض على الوضوء لكن الصواب كما قال النووي ان المراد غسل جميع البدن اذ هو ظاهر اللفظ ولا مانع يمنع منه لان الغسل من الاغماء مستحب بل في وجه شاذ لبعض أصحابنا انه واجب وفي تكرير النبي ﷺ الاغتسال دليل على استحباب تكرير الغسل اذا تكرر الاغماء لكن لو اغتسل مرة بعد تكرر الاغماء كفت (وهم ينتظرونك يا رسول الله) فيه ندب انتظار الامام اذا تأخر عن أول الوقت ورجى مجيئه عن قرب (والناس عكوف) بضم العين والكاف أي مجتمعون منتظرون خروجه ﷺ (العشاء الآخرة) في صحة قول الشخص العشاء الآخرة وهو الصواب فقد صح عنه ﷺ انه قال ذلك وكذا عائشة وأنس والبراء وجماعة وان أنكره الاصمعى (أنت أحق بذلك) فيه الاعتراف بالفضل لاهله وان المفضول لا يقبل رتبة عرضها عليه الفاضل بل تدعى له وفيه جواز الثناء في الوجه لمن آمن عليه نحو العجب قال النووى وأما قول أبي بكر لعمر صل بالناس فقالوا للعذر المذكور قال وقد تأوله بعضهم على انه قاله تواضعا والمختار ما ذكرناه (بين رجلين أحدهما العباس) والآخر اما على بن أبى طالب كما قاله ابن عباس أو الفضل ابن العباس كما في طريق آخر في مسلم أو اسامة بن زيد كما في رواية أخرى في غير صحيح مسلم والجمع بين هذه الروايات كما قاله النووي وغيره انهم كانوا بتناوبون الاخذ بيده الكريمة وهؤلاء خواص أهل بيته الرجال الكبار وكان العباس أكثرهم ملازمة وادام الاخذ بيده وتناوب الباقون في اليد الاخرى وأكرموا العباس باختصاصه بيد لماله من السن والعمومة فمن ثم ذكرته عائشة مسمى وأبهمت الآخر اذ لم يكن أخذ الثلاثة الباقين ملازما في كل الطريق

стр. 565

بالناس فلما رآه أبو بكر ذهب يستأخر فأومئ اليه النبى ﷺ ان لا يتأخر وقال لهما اجلسانى الى جنبه فأجلسناه الى جنب أبى بكر فكان أبو بكر يصلى وهو قائم بصلاة رسول الله ﷺ والناس يصلون بصلاة أبى بكر والنبى ﷺ قاعد وقالت أم الفضل بنت الحارث سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفا ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه الله تعالى رواه البخارى. [فصل في آخر ما أوصى به ﷺ ] وآخر أحواله في الصلاة ما رويناه في الصحيحين واللفظ لمسلم عن أنس بن مالك ان أبا بكر كان يصلى بهم في وجع رسول الله ﷺ الذي توفي فيه حتى اذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة كشف رسول الله ﷺ سترة الحجرة فنظر الينا وهو قائم كان وجهه ورقة مصحف ثم تبسم رسول الله ﷺ ضاحكا قال فبهتنا ونحن في الصلاة من الفرح بخروج رسول الله ﷺ ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف وظن ان رسول الله ﷺ خارج للصلاة فأشار اليهم رسول الله ﷺ بيده ان أتموا صلاتكم قال ثم دخل رسول الله ﷺ فأرخى الستر قال فتوفي رسول الله ﷺ يومه ذلك وفي رواية قال أنس فكانت آخر نظرة نظرتها الى رسول الله ﷺ ثم روى خارج الصحيحين ان آخر ما أوصى به ﷺ بأن قال الصلاة وما ملكت أيمانكم حرك بها لسانه وما يكاد يبين قال أراد بما (اجلسانى الى جنبه) فيه جواز وقوف مأموم واحد بجنب الامام لحاجة أو مصلحة (وقالت أم الفضل) سمها لبابة بنت الحارث زوج العباس ﵄ (بالمرسلات عرفا) أى بسورة المرسلات وهي الرياح أو الملائكة قولان والعرف المتتابع أو الكثير قولان (رواه) مالك و (البخاري) ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائى وابن ماجه (سترة الحجرة) بكسر السين (كان وجهه ورقة مصحف) بتثليث الميم وهذا عبارة عن الجمال البارع وحسن السيرة وصفاء الوجه واستنارته (ثم تبسم رسول الله ﷺ أى فرحا بما رأى من اجتماعهم على الصلاة واتباعهم لامامهم واقامتهم شريعته واتفاق كلمتهم واجتماع قلوبهم وهذا هو السبب في استنارة وجهه قال النووي وفيه معنى آخر وهو تأنيسهم واعلامهم بحاله في مرض وقيل يحتمل انه ﷺ خرج ليصلى بهم فرأي من نفسه ضعفا فرجع انتهى (قلت) أو لعله أراد توديعهم وان يملاؤا نظرهم منه ﷺ وكان ذلك بعد ان علم انه سيموت في ذلك اليوم وكان ذلك سبب تبسمه واستنارة وجهه فرحا بلقاء ربه (فبهتنا) مبنى للمفعول أي غشينا بهتة أي حيرة من سورة الفرح (ونكص) أى رجع (على عقبيه) أي الي ورائه قهقرا (وكانت) اسمها مستتر (آخر) خبرها (ثم روي خارج الصحيحين) في سنن أبي داود وابن ماجه عن على (الصلاة) بالنصب على الاغراء أى الزموا
следующие страницы →