Полный текст (6 431 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
نَفْسِي وَأَجَلُّ عِنْدِي مِنْ أَنْ أُحَدِّثَ بِكَ نَفْسِي، فَقَالَ: مَا أَجْفَاكَ: أَتُكَذِّبُ الْمَلِكَ! قَدْ صَدَقَ الْمَلِكُ، وَعَرَفْتُ الآنَ أَنَّكَ تَائِبٌ مِمَّا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْكَ ثُمَّ خَرَجَ فَأَتَانَا، فَقَالَ: يَا جُشَيْشُ، وَيَا فَيْرُوزُ، وَيَا دَاذُوَيْهِ، إِنَّهُ قَدْ قَالَ وَقُلْتُ، فَمَا الرَّأْيُ؟ فَقُلْنَا: نَحْنُ عَلَى حَذَرٍ، فَإِنَّا فِي ذَلِكَ، إِذْ أَرْسَلَ إِلَيْنَا، فَقَالَ: أَلَمْ أُشْرِفْكُمْ عَلَى قَوْمِكُمْ، أَلَمْ يَبْلُغْنِي عَنْكُمْ! فَقُلْنَا: أَقلْنَا مَرَّتَنَا هَذِهِ، فَقَالَ: لا يبلغني عنكم فاقتلكم، فنجونا ولم تكد، وَهُوَ فِي ارْتِيَابٍ مِنْ أَمْرِنَا وَأَمْرِ قَيْسٍ، وَنَحْنُ فِي ارْتِيَابٍ وَعَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ، إِذْ جاءنا اعتراض عامر ابن شَهْرٍ وَذِي زَوْدٍ وَذِي مُرَّان وَذِي الْكَلاعِ وَذِي ظُلَيْمٍ عَلَيْهِ، وَكَاتَبُونَا وَبَذَلُوا لَنَا النَّصْرَ، وَكَاتَبْنَاهُمْ وَأَمَرْنَاهُمْ أَلا يُحَرِّكُوا شَيْئًا حَتَّى نُبْرِمَ الأَمْرَ- وَإِنَّمَا اهْتَاجُوا لِذَلِكَ حِينَ جَاءَ كِتَابُ النبي ص، وكتب النبي ص إِلَى أَهْلِ نَجْرَانَ، إِلَى عَرَبِهِمْ وَسَاكِنِي الأَرْضِ مِنْ غَيْرِ الْعَرَبِ، فَثَبتُوا فَتَنَحَّوْا وَانْضَمُّوا إِلَى مَكَانٍ وَاحِدٍ- وَبَلَغَهُ ذَلِكَ، وَأَحَسَّ بِالْهَلاكِ، وَفَرَقَ لنا الرأي، فدخلت على آذاد، وَهِيَ امْرَأَتُهُ، فَقُلْتُ: يَا ابْنَةَ عَمِّ، قَدْ عَرَفْت بَلاءَ هَذَا الرَّجُلِ عِنْدَ قَوْمِكِ، قَتَلَ زَوْجَكِ، وَطَأْطَأَ فِي قَوْمِكِ الْقَتْلَ، وَسَفَلَ بِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ، وَفَضَحَ النِّسَاءَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ مُمَالأَةٍ عَلَيْهِ! فَقَالَتْ:
عَلَى أَيِّ أَمْرِهِ؟ قُلْتُ: إِخْرَاجِهِ، قَالَتْ: أَوْ قَتْلِهِ، قُلْتُ: أَوْ قَتْلِهِ، قَالَتْ: نَعَمْ وَاللَّهِ مَا خَلَقَ اللَّهُ شَخْصًا أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْهُ، مَا يَقُومُ لِلَّهِ عَلَى حَقٍّ، وَلا يَنْتَهِي لَهُ عَنْ حُرْمَةٍ، فَإِذَا عَزَمْتُمْ فَأَعْلِمُونِي أُخْبِرْكُمْ بِمَأْتَى هَذَا الأَمْرِ فَأَخْرُجَ فَإِذَا فَيْرُوزُ وَدَاذُوَيْهِ يَنْتَظِرَانِي، وَجَاءَ قَيْسٌ وَنَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نُنَاهِضَهُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ إِلَيْنَا: الْمَلِكُ يَدْعُوكَ، فَدَخَلَ فِي عَشَرَةٍ مِنْ مَذْحِجَ وَهَمْدَانَ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى قَتْلِهِ مَعَهُمْ- قَالَ السَّرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: فَقَالَ:
стр. 1507
يَا عَيْهَلَةُ بْنُ كَعْبِ بْنِ غَوْثٍ، وَقَالَ عبيد الله في حديثه: يا عبهله بْنُ كَعْبِ بْنِ غَوْثٍ- أَمِنِّي تُحْصَنُ بِالرِّجَالِ! الم اخبرك الحق وتخبرني الكذابة! انه يَقُولُ: يَا سَوْءَةُ يَا سَوْءَةُ! إِلا تَقْطَعَ مِنْ قَيْسٍ يَدَهُ يَقْطَعْ قُنَّتَكَ الْعُلْيَا، حَتَّى ظَنَّ أَنَّهُ قَاتِلُهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْحَقِّ أَنْ أَقْتُلَكَ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَمُرْ بِي بِمَا أَحْبَبْتَ، فَأَمَّا الْخَوْفُ وَالْفَزَعُ فَأَنَا فيهما مخافه ان تقتلني- قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَإِمَّا قَتَلْتَنِي فَمَوْتُهُ، وَقَالَ السَّرِيُّ: اقْتُلْنِي فَمَوْتَةٌ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ مَوْتَاتٍ أَمُوتُهَا كُلَّ يَوْمٍ- فَرَقَّ لَهُ فَأَخْرَجَهُ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا فأخبرنا وواطأنا، وَقَالَ: اعْمَلُوا عَمْلَكُمْ، وَخَرَجَ عَلَيْنَا فِي جَمْعٍ، فَقُمْنَا مُثُولا لَهُ، وَبِالْبَابِ مِائَةٌ مَا بَيْنَ بَقَرَةٍ وَبَعِيرٍ، فَقَامَ وَخَطَّ خَطًّا فَأُقِيمَتْ مِنْ ورائه، وَقَامَ مَنْ دُونِهَا، فَنَحَرَهَا غَيْرَ مُحْبَسَةٍ وَلا مُعْقَلَةٍ، مَا يَقْتَحِمُ الْخَطَّ مِنْهَا شَيْءٌ، ثُمَّ خَلاهَا فَجَالَتْ إِلَى أَنْ زُهِقَتْ، فَمَا رَأَيْتُ أَمْرًا كَانَ أَفْظَعَ مِنْهُ، وَلا يَوْمًا أَوْحَشَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: أَحَقٌّ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ يَا فَيْرُوزُ؟
وَبَوَّأَ لَهُ الْحَرْبَةَ- لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْحَرَكَ فَأُتْبِعَكَ هَذِهِ الْبَهِيمَةَ، فَقَالَ:
اخْتَرْتَنَا لِصِهْرِكَ وَفَضَّلْتَنَا عَلَى الأَبْنَاءِ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ نَبِيًّا مَا بِعْنَا نَصِيبَنَا مِنْكَ بِشَيْءٍ، فَكَيْفَ وَقَدِ اجْتَمَعَ لَنَا بِكَ أَمْرُ آخِرَةٍ وَدُنْيَا، لا تقبلن علينا امثال مَا يَبْلُغُكَ، فَإِنَّا بِحَيْثُ تُحِبُّ فَقَالَ: اقْسِمْ هذه، فأنت اعلم بمن هاهنا، فَاجْتَمَعَ إِلَيَّ أَهْلَ صَنْعَاءَ، وَجَعَلْتُ آمُرَ لِلرَّهْطِ بِالْجَزُورِ وَلأَهْلِ الْبَيْتِ بِالْبَقَرَةِ، وَلأَهْلِ الْحِلَّةِ بِعِدَّةٍ، حَتَّى أَخَذَ أَهْلُ كُلِّ نَاحِيَةٍ بِقِسْطِهِمْ فَلَحِقَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى دَارِهِ- وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَيَّ- رَجُلٌ يَسْعَى إِلَيْهِ بِفَيْرُوزَ، فَاسْتَمَعَ لَهُ، وَاسْتَمَعَ لَهُ فَيْرُوزٌ وَهُوَ يَقُولُ:
أَنَا قَاتِلُهُ غَدًا وَأَصْحَابُهُ، فَاغْدُ عَلَيَّ، ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا بِهِ، فَقَالَ: مَهْ! فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي صَنَعَ، فَقَالَ: أَحْسَنْتَ، ثُمَّ ضَرَبَ دَابَّتَهُ دَاخِلا، فَرَجَعَ إلينا فأخبرنا
стр. 1508
الْخَبَرَ، فَأَرْسَلْنَا إِلَى قَيْسٍ، فَجَاءَنَا، فَأَجْمَعَ مَلَؤُهُمْ أَنْ أَعُودَ إِلَى الْمَرْأَةِ فَأُخْبِرَهَا بِعَزِيمَتَنَا لِتُخْبِرَنَا بِمَا تَأْمُرُ، فَأَتَيْتُ الْمَرْأَةَ وَقُلْتُ: مَا عِنْدَكِ؟ فَقَالَتْ: هُوَ مُتَحَرِّزٌ مُتَحَرِّسٌ، وَلَيْسَ مِنَ الْقَصْرِ شَيْءٌ إِلا وَالْحَرَسُ مُحِيطُونَ بِهِ غَيْرَ هَذَا الْبَيْتِ، فَإِنَّ ظَهْرَهُ إِلَى مَكَانِ كَذَا وَكَذَا مِنَ الطَّرِيقِ، فَإِذَا أَمْسَيْتُمْ فَانْقُبُوا عَلَيْهِ، فَإِنَّكُمْ مِنْ دُونِ الْحَرَسِ، وَلَيْسَ دُونَ قَتْلِهِ شَيْءٌ وَقَالَتْ: إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِيهِ سِرَاجًا وَسِلاحًا فَخَرَجْتُ فَتَلَقَّانِي الأَسْوُد خَارِجًا مِنْ بَعْضِ مَنَازِلِهِ، فَقَالَ لِي مَا أَدْخَلَكَ عَلَيَّ؟ وَوَجَأَ رَأْسِي حَتَّى سَقَطْتُ- وَكَانَ شَدِيدًا- وَصَاحَتِ الْمَرْأَةُ فَأَدْهَشَتْهُ عَنِّي، وَلَوْلا ذَلِكَ لَقَتَلَنِي وَقَالَتِ: ابْنُ عَمِّي جَاءَنِي زائرا، فقصرت بي! فقال: اسكتي لا ابالك، فَقَدْ وَهَبْتُهُ لَكِ! فَتَزَايَلَتْ عَنِّي، فَأَتَيْتُ أَصْحَابِي فَقُلْتُ: النَّجَاءَ! الْهَرَبَ! وَأَخْبَرْتُهُمُ الْخَبَرَ، فَإِنَّا عَلَى ذَلِكَ حَيَارَى إِذْ جَاءَنِي رَسُولُهَا: لا تَدَعْنَ مَا فَارَقْتُكَ عَلَيْهِ، فَإِنِّي لَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى اطْمَأَنَّ، فَقُلْنَا لِفَيْرُوزٍ: ائْتِهَا فَتَثَبَّتْ مِنْهَا، فَأَمَّا أَنَا فَلا سَبِيلَ لِي إِلَى الدُّخُولِ بَعْدَ النَّهْيِ فَفَعَلَ، وَإِذَا هُوَ كَانَ أَفْطَنَ منى، فلما اخبرته قالت: وَكَيْفَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَنْقُبَ عَلَى بُيُوتٍ مُبَطَّنَةٍ! يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُقْلِعَ بِطَانَةَ الْبَيْتِ، فَدَخَلا فَاقْتَلَعَا الْبِطَانَةَ، ثُمَّ أَغْلَقَاهُ، وَجَلَسَ عِنْدَهَا كَالزَّائِرِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا الأَسْوَدُ فَاسْتَخَفَّتْهُ غَيْرَةٌ، وَأَخْبَرَتْهُ بِرَضَاعٍ وَقَرَابَةٍ مِنْهَا عِنْدَهُ مُحَرَّمٌ، فَصَاحَ بِهِ وَأَخْرَجَهُ وَجَاءَنَا بِالْخَبَرِ، فَلَمَّا أَمْسَيْنَا عَمِلْنَا فِي أَمْرِنَا، وَقَدْ وَاطَأْنَا أَشْيَاعَنَا، وَعَجِلْنَا عَنْ مُرَاسَلَةِ الْهَمْدَانِيِّينَ وَالْحِمْيَرِيِّينَ، فَنَقَبْنَا الْبَيْتَ مِنْ خَارِجٍ، ثُمَّ دَخَلْنَا وَفِيهِ سِرَاجٌ تَحْتَ جُفْنَةٍ، وَاتَّقَيْنَا بِفَيْرُوزَ، وَكَانَ أَنْجَدَنَا وَأَشَدَّنَا- فَقُلْنَا: انْظُرْ مَاذَا تَرَى! فَخَرَجَ وَنَحْنُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَرَسِ مَعَهُ فِي مَقْصُورَةٍ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ بَابِ الْبَيْتِ سَمِعَ غَطِيطًا شَدِيدًا، وَإِذَا الْمَرْأَةُ جَالِسَةٌ، فَلَمَّا قَامَ عَلَى الْبَابِ أَجْلَسَهُ الشَّيْطَانُ فَكَلَّمَهُ عَلَى لِسَانِهِ- وَإِنَّهُ لَيَغُطَّ جَالِسًا وَقَالَ أَيْضًا: مَا لِي وَلَكَ يَا فَيْرُوزُ! فَخَشِيَ إِنْ رَجَعَ أَنْ يَهْلِكَ وَتَهْلِكَ الْمَرْأَةُ، فَعَاجَلَهُ فَخَالَطَهُ وَهُوَ مِثْلُ الْجَمَلِ، فَأَخَذَ بِرَأْسِهِ فَقَتَلَهُ، فَدَقَّ
стр. 1509
عُنُقَهُ، وَوَضَعَ رُكْبَتَهُ فِي ظَهْرِهِ فَدَقَّهُ، ثُمَّ قَامَ لِيَخْرُجَ، فَأَخَذَتِ الْمَرْأَةُ بِثَوْبِهِ وَهِيَ تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ، فَقَالَتْ: أَيْنَ تَدَعُنِي! قَالَ: أُخْبِرُ أَصْحَابِي بِمَقْتَلِهِ، فَأَتَانَا فَقُمْنَا مَعَهُ، فَأَرَدْنَا حَزَّ رَأْسِهِ، فَحَرَّكَهُ الشَّيْطَانُ فَاضْطَرَبَ فَلَمْ يَضْبِطْهُ، فَقُلْتُ: اجْلِسُوا عَلَى صَدْرِهِ، فَجَلَسَ اثْنَانِ عَلَى صَدْرِهِ، وَأَخَذَتِ الْمَرْأَةُ بِشَعْرِهِ، وَسَمِعْنَا بَرْبَرَةً فَأَلْجَمَتْهُ بِمِئْلاةٍ، وَأَمَرَّ الشَّفْرَةَ عَلَى حَلْقِهِ فَخَارَ كَأَشَدِّ خُوَارِ ثَوْرٍ سَمِعْتُهُ قَطُّ، فَابْتَدَرَ الْحَرَسُ الْبَابَ وَهُمْ حَوْلَ الْمَقْصُورَةِ، فَقَالُوا:
مَا هَذَا، مَا هَذَا! فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: النَّبِيُّ يُوحَى إِلَيْهِ! فَخَمَدَ ثُمَّ سَمُرْنَا لَيْلَتَنَا وَنَحْنُ نَأْتَمِرُ كَيْفَ نُخْبِرُ أَشْيَاعَنَا، لَيْسَ غَيْرُنَا ثَلاثَتُنَا: فَيْرُوزُ وَدَاذُوَيْهِ وَقَيْسٌ، فَاجْتَمَعْنَا عَلَى النِّدَاءِ بِشِعَارِنَا الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَشْيَاعِنَا، ثُمَّ يُنَادَى بِالأَذَانِ، فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ نَادَى دَاذُوَيْهِ بِالشِّعَارِ، فَفَزِعَ الْمُسْلِمُونَ وَالْكَافِرُونَ، وَتَجَمَّعَ الْحَرَسُ فَأَحَاطُوا بِنَا، ثُمَّ نَادَيْتُ بِالأَذَانِ، وَتَوَافَتْ خُيُولُهُمْ إِلَى الْحَرَسِ، فَنَادَيْتُهُمْ:
أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَّ عَبْهَلَةَ كَذَّابٌ! وَأَلْقَيْنَا إِلَيْهِمْ رَأْسَهُ، فَأَقَامَ وَبَرٌ الصَّلاةَ، وَشَنَّهَا الْقَوْمُ غَارَةً، ونَادَيْنَا: يَا أَهْلَ صَنْعَاءَ، مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ دَاخِلٌ فَتَعَلَّقُوا بِهِ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَتَعَلَّقُوا بِهِ.
وَنَادَيْنَا بِمَنْ فِي الطَّرِيقِ: تَعَلَّقُوا بِمَنِ اسْتَطَعْتُمْ! فَاخْتَطَفُوا صِبْيَانًا كَثِيرِينَ، وَانْتَهَبُوا مَا انْتَهَبُوا، ثُمَّ مَضَوْا خَارِجِينَ، فَلَمَّا بَرَزُوا فَقَدُوا مِنْهُمْ سَبْعِينَ فَارِسًا رُكْبَانًا، وَإِذَا أَهْلُ الدور والطرق وقد وافونا بهم، وفقدنا سبعمائة عيل فراسلونا وراسلناهم أَنْ يَتْرُكُوا لَنَا مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَنَتْرُكُ لَهُمْ مَا فِي أَيْدِينَا، فَفَعَلُوا فَخَرَجُوا لَمْ يَظْفَرُوا مِنَّا بِشَيْءٍ، فَتَرَدَّدُوا فِيمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَنَجْرَانَ، وَخَلَصَتْ صَنْعَاءُ وَالْجُنْدُ، وَأَعَزَّ اللَّهُ الإِسْلامَ واهله، وتنافسنا الإمارة، وتراجع اصحاب النبي ص إِلَى أَعْمَالِهِمْ، فَاصْطَلَحْنَا عَلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، فَكَانَ يُصَلِّي بِنَا، وَكَتَبْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص بالخبر، وذلك في حياه
стр. 1510
النبي ص فَأَتَاهُ الْخَبَرُ مِنْ لَيْلَتِهِ، وَقَدِمَتْ رُسُلُنَا، وَقَدْ مات النبي ص صَبِيحَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَأَجَابَنَا أَبُو بَكْرٍ ﵀ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمِّي، قال: أخبرنا سيف- وحدثني السري، قال: حدثنا شُعَيْبٌ، عَنْ سَيْفٍ- عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الشَّنَوِيِّ، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ زِيَادٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، [قال: اتى الخبر النبي ص مِنَ السَّمَاءِ اللَّيْلَةَ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا الْعَنْسِيُّ لِيُبَشِّرَنَا، فَقَالَ: قُتِلَ الْعَنْسِيُّ الْبَارِحَةَ، قَتَلَهُ رَجُلٌ مُبَارَكٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ مُبَارَكينَ، قِيلَ: وَمَنْ هو؟ قَالَ:
فَيْرُوزُ، فَازَ فَيْرُوزُ!] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمِّي، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَيْفٌ- وَحَدَّثَنِي السري، قال: حدثنا شعيب، عن سيف- عن الْمُسْتَنِيرِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنْ فَيْرُوزَ، قَالَ: قَتَلْنَا الأَسْوَدَ، وَعَادَ أَمْرُنَا كَمَا كَانَ، إِلا أَنَّا أَرْسَلْنَا إِلَى مُعَاذٍ، فَتَرَاضَيْنَا عَلَيْهِ، فكان يصلى بنا في صنعاء، فو الله ما صلى بنا الا ثلاثا ونحن راجون مَؤْمُلُونَ، لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ نَكْرَهُهُ إِلا مَا كَانَ مِنْ تِلْكَ الْخُيُولِ الَّتِي تَتَرَدَّدُ بَيْنَنَا وَبَيَنْ نَجْرَانَ، حَتَّى أَتَانَا الْخَبَرُ بِوَفَاةِ رَسُولِ الله ص، فَانْتُقِضَتِ الأُمُورُ، وَأَنْكَرْنَا كَثِيرًا مِمَّا كُنَّا نَعْرِفُ، وَاضْطَرَبَتِ الأَرْضُ حَدَّثَنِي السَّرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَيْفٌ، عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ وَأَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ يَحْيَى بْنِ أَبِي عمرو السيبانى، مِنْ جُنْدِ فِلَسْطِينَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ص بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولا، يُقَالُ لَهُ: وَبْرُ بْنُ يَحْنُسَ الأَزْدِيُّ، وَكَانَ مَنْزِلُهُ عَلَى دَاذُوَيْهِ الْفَارِسِيِّ، وَكَانَ الأَسْوَدُ كَاهِنًا مَعَهُ شَيْطَانٌ وَتَابِعٌ لَهُ، فَخَرَجَ فَنَزَلَ عَلَى مَلَكِ الْيَمَنِ، فَقَتَلَ مَلِكَهَا وَنَكَحَ امْرَأَتَهُ وَمَلَكَ الْيَمَنَ، وَكَانَ بَاذَامُ هَلَكَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَخَلَفَ ابْنَهُ عَلَى أَمْرِهِ، فَقَتَلَهُ وَتَزَوَّجَهَا، فَاجْتَمَعْتُ أَنَا وَدَاذُوَيْهِ وَقَيْسِ بْنِ الْمَكْشُوحِ الْمُرَادِيِّ عِنْدَ وَبَرِ بْنِ يُحَنِّسَ رَسُولِ نَبِيِّ الله ص
стр. 1511
نَأْتَمِرُ بِقَتْلِ الأَسْوَدِ ثُمَّ إِنَّ الأَسْوَدَ أَمَرَ النَّاسَ فَاجْتَمَعُوا فِي رُحْبَةٍ مِنْ صَنْعَاءَ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى قَامَ فِي وَسْطِهِمْ، وَمَعَهُ حَرْبَةُ الْمَلِكِ، ثُمَّ دَعَا بِفَرَسِ الْمَلِكِ فَأَوْجَرَهُ الْحَرْبَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَ فَجَعَلَ يَجْرِي فِي الْمَدِينَةِ وَدِمَاؤُهُ تَسِيلُ حَتَّى مَاتَ وَقَامَ وَسَطَ الرُّحْبَةِ، ثُمَّ دَعَا بِجُزُرٍ مِنْ وَرَاءِ الْخَطِّ فَأَقَامَهَا، وَأَعْنَاقُهَا وَرُءُوسُهَا فِي الْخَطِّ مَا يَجُزْنَهُ ثُمَّ اسْتَقْبَلَهُنَّ بِحَرْبَتِهِ فَنَحَرَهُنَّ فَتَصَدَّعْنَ عَنْهُ، حَتَّى فَرَغَ مِنْهُنَّ، ثُمَّ أَمْسَكَ حَرْبَتَهُ فِي يَدِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ يَقُولُ- يَعْنِي شَيْطَانَهُ الَّذِي مَعَهُ: إِنَّ ابْنَ الْمَكْشُوحِ مِنَ الطُّغَاةِ، يَا أَسْوَدُ اقْطَعْ قُنَّةَ راسه العليا ثم أكب رَأْسَهُ أَيْضًا يَنْظُرُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ ابْنَ الدَّيْلَمِيِّ مِنَ الطُّغَاةِ، يَا أَسْوَدُ اقْطَعْ يَدَهُ الْيُمْنَى وَرِجْلَهُ الْيُمْنَى، فلما سمعت قوله قلت: والله ما آمن أَنْ يَدْعُوَ بِي، فَيْنَحَرَنِي بِحَرْبَتِهِ كَمَا نَحَرَ هَذِهِ الْجُزُرَ، فَجَعَلْتُ أَسْتَتِرُ بِالنَّاسِ لِئَلا يَرَانِي، حَتَّى خَرَجْتُ وَلا أَدْرِي مِنْ حِذْرِي كَيْفَ آخُذُ! فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْ مَنْزِلِي لَقِيَنِي رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَدَقَّ فِي رَقَبَتِي، فَقَالَ: إِنَّ الْمَلِكَ يَدْعُوكَ وَأَنْتَ تَرُوغُ! ارْجِعْ، فَردَّنِي، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ خَشِيتُ أَنْ يَقْتُلَنِي قَالَ: وَكُنَّا لا يَكَادُ يُفَارِقُ رَجُلا مِنَّا أَبَدًا خِنْجَرَهُ، فَأَدُسُّ يَدِي فِي خُفِّي، فَأَخَذْتُ خِنْجَرِي، ثُمَّ أَقْبَلْتُ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَحْمِلَ عَلَيْهِ، فَأَطْعَنَهُ بِهِ حَتَّى أَقْتُلَهُ، ثُمَّ أَقْتُلَ مَنْ مَعَهُ، فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ رَأَى فِي وَجْهِي الشَّرَّ، فَقَالَ: مَكَانَكَ! فَوَقَفْتُ، فَقَالَ: إِنَّكَ أَكْبَرُ مَنْ هَاهُنَا وَأَعْلَمُهُمْ بِأَشْرَافِ أَهْلِهَا، فَاقْسِمْ هَذِهِ الْجُزُرَ بَيْنَهُمْ وَرَكِبَ فَانْطَلَقَ وَعَلَّقْتُ أُقْسِمُ اللَّحْمَ بَيْنَ أَهْلِ صَنْعَاءَ، فَأَتَانِي ذَلِكَ الَّذِي دَقَّ فِي رَقَبَتِي، فَقَالَ: أَعْطِنِي مِنْهَا، فَقُلْتُ: لا وَاللَّهِ وَلا بَضْعَةً وَاحِدَةً، أَلَسْتَ الَّذِي دَقَقْتَ فِي رَقَبَتِي! فَانْطَلَقَ غَضْبَانَ حَتَّى أَتَى الأَسْوَدَ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا لَقِيَ مِنِّي وَقُلْتُ لَهُ فَلَمَّا فَرَغْتُ أَتَيْتُ الأَسْوَدَ أَمْشِي إِلَيْهِ، فَسَمِعْتُ الرَّجُلَ وَهُوَ يَشْكُونِي إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الأَسْوَدُ: أَمَا وَاللَّهِ لأَذْبَحَنَّهُ ذَبْحًا! فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي قَدْ فَرَغْتُ
стр. 1512
مِمَّا أَمَرْتَنِي بِهِ، وَقَسَّمْتُهُ بَيْنَ النَّاسِ قَالَ: قَدْ أَحْسَنْتَ فَانْصَرِفْ فَانْصَرَفْتُ، فَبَعَثْنَا إِلَى امْرَأَةِ الْمَلِكِ: أَنَّا نُرِيدُ قَتْلَ الأَسْوَدِ، فَكَيْفَ لَنَا! فَأَرْسَلَتْ إِلَيَّ: أَنْ هَلُمَّ فَأَتَيْتُهَا، وَجَعَلَتِ الْجَارِيَةَ عَلَى الْبَابِ لَتُؤْذِنَنَا إِذَا جَاءَ، وَدَخَلْتُ أَنَا وَهِيَ الْبَيْتَ الآخِرَ، فَحَفَرْنَا حَتَّى نَقَبْنَا نَقْبًا، ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الْبَيْتِ، فَأَرْسَلْنَا السِّتْرَ، فَقُلْتُ: إِنَّا نَقْتُلُهُ اللَّيْلَةَ، فَقَالَتْ: فَتَعَالَوْا، فَمَا شَعَرْتُ بِشَيْءٍ حَتَّى إِذَا الأَسْوَدُ قَدْ دَخَلَ الْبَيْتَ، وَإِذَا هُوَ مَعَنَا، فَأَخَذَتْهُ غَيْرَةٌ شَدِيدَةٌ، فَجَعَلَ يَدُقُّ فِي رَقَبَتِي، وَكَفْكَفْتُهُ عَنِّي، وَخَرَجْتُ فَأَتَيْتُ أَصْحَابِي بِالَّذِي صَنَعْتُ، وَأَيْقَنْتُ بِانْقِطَاعِ الْحِيلَةِ عَنَّا فِيهِ، إِذْ جَاءَنَا رَسُولُ الْمَرْأَةِ، أَلا يَكْسِرِنَّ عَلَيْكُمْ أَمْرَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ، فَإِنِّي قَدْ قُلْتُ له بعد ما خَرَجْتَ: أَلَسْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ أَقْوَامُ أَحْرَارٍ لَكُمْ أَحْسَابٌ! قَالَ: بَلَى، فَقُلْتُ: جَاءَنِي أَخِي يُسَلِّمُ عَلَيَّ وَيُكْرِمُنِي، فَوَقَعْتَ عَلَيْهِ تَدُقُّ فِي رَقَبَتِهِ، حتى اخرجته، فكانت هذه كرامتك اياه! فم أَزَلْ أَلُومُهُ حَتَّى لامَ نَفْسَهُ، وَقَالَ: أَهُوَ أَخُوكِ؟ فَقُلْتُ:
نَعَمْ، فَقَالَ: مَا شَعُرْتُ، فَأَقْبِلُوا اللَّيْلَةَ لِمَا أَرَدْتُمْ.
قَالَ الدَّيْلَمِيُّ: فَاطْمَأَنَّتْ أَنْفُسُنَا، وَاجْتَمَعَ لَنَا أَمْرَنَا، فَأَقْبَلْنَا مِنَ اللَّيْلِ أَنَا وَدَاذُوَيْهِ وَقَيْسٌ حَتَّى نَدْخُلَ الْبَيْتَ الأَقْصَى مِنَ النَّقَبِ الَّذِي نَقَبْنَا، فَقُلْتُ:
يَا قَيْسُ، أَنْتَ فَارِسُ الْعَرَبِ، ادْخُلْ فَاقْتُلِ الرَّجُلَ، قَالَ: إِنِّي تَأْخُذُنِي رِعْدَةٌ شَدِيدَةٌ عِنْدَ الْبَأْسِ، فَأَخَافُ أَنْ أَضْرِبَ الرَّجُلَ ضَرْبَةً لا تُغْنِي شَيْئًا، وَلَكِنِ ادْخُلْ أَنْتَ يَا فَيْرُوزُ، فَإِنَّكَ أَشَبُّنَا وَأَقْوَانَا، قَالَ: فَوَضَعْتُ سَيْفِي عِنْدَ الْقَوْمِ، وَدَخَلْتُ لأَنْظُرَ أَيْنَ رَأْسُ الرَّجُلِ! فَإِذَا السِّرَاجُ يُزْهِرُ، وَإِذَا هُوَ رَاقِدٌ عَلَى فُرُشٍ قَدْ غَابَ فِيهَا لا أَدْرِي أَيْنَ رَأْسُهُ مِنْ رِجْلَيْهِ! وَإِذَا الْمَرْأَةُ جَالِسَةٌ عِنْدَهُ كَانَتْ تُطْعِمُهُ رُمَّانًا حَتَّى رَقَدَ، فَأَشَرْتُ إِلَيْهَا: أَيْنَ رَأْسُهُ؟ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ، فَأَقْبَلْتُ أَمْشِي حَتَّى قُمْتُ عِنْدَ رَأْسِهِ لأَنْظُرَ، فَمَا أَدْرِي أَنَظَرْتُ فِي وَجْهِهِ أَمْ لا! فَإِذَا هُوَ قَدْ فَتَحَ عَيْنَيْهِ، فَنَظَرَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: إِنْ رَجَعْتُ إِلَى سَيْفِي خِفْتُ أَنْ يَفُوتَنِي وَيَأْخُذَ عُدَّةً يَمْتَنِعُ بِهَا مِنِّي، وَإِذَا شَيْطَانُهُ قَدْ أَنْذَرَهُ بِمَكَانِي وَقَدْ
стр. 1513
أَيْقَظَهُ، فَلَمَّا أَبْطَأَ كَلَّمَنِي عَلَى لِسَانِهِ، وَإِنَّهُ لَيَنْظُرُ وَيَغُطُّ، فَأَضْرِبُ بِيَدِي إِلَى رَأْسِهِ، فَأَخَذْتُ رَأْسَهُ بِيَدٍ وَلِحْيَتَهُ بِيَدٍ، ثُمَّ أَلْوِي عُنُقَهُ فَدَقَقْتُهَا، ثُمَّ أَقْبَلْتُ إِلَى أَصْحَابِي، فَأَخَذَتِ الْمَرْأَةُ بِثَوْبِي، فَقَالَتْ: أُخْتُكُمْ نَصِيحَتُكُمْ! قُلْتُ:
قَدْ وَاللَّهِ قَتَلْتُهُ وَأَرَحْتُكِ مِنْهُ قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى صَاحِبَيَّ فأخبرتهما، قالا:
فارجع فاحتز راسه وائتنا بِهِ، فَدَخَلْتُ فَبَرْبَرَ فَأَلْجَمْتُهُ فَحَزَزْتُ رَأْسَهُ، فَأَتَيْتُهُمَا بِهِ، ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى أَتَيْنَا مَنْزِلَنَا، وَعِنْدَنَا وَبَرُ بْنُ يُحَنِّسَ الأَزْدِيُّ، فَقَامَ مَعَنَا حَتَّى ارْتَقَيْنَا عَلَى حِصْنٍ مُرْتَفِعٍ مِنْ تِلْكَ الْحُصُونِ، فَأَذَّنَ وَبَرُ بْنُ يُحَنِّسَ بِالصَّلاةِ، ثُمَّ قُلْنَا: أَلا إِنَّ اللَّهَ قَدْ قَتَلَ الأَسْوَدَ الْكَذَّابَ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْنَا فَرَمَيْنَا بِرَأْسِهِ، فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ أَسْرَجُوا خُيُولَهُمْ، ثُمَّ جَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَأْخُذُ غُلامًا مِنْ أَبْنَائِنَا مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ الَّذِي كَانَ نَازِلا فِيهِمْ، فَأَبْصَرْتُهُمْ فِي الْغَلَسِ مُرْدِفِي الْغِلْمَانِ، فَنَادَيْتُ أَخِي وَهُوَ أَسْفَلَ مِنِّي مَعَ النَّاسِ: أَنْ تَعَلَّقُوا بِمَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْهُمْ، أَلا تَرَوْنَ مَا يَصْنَعُونَ بِالأَبْنَاءِ! فَتَعَلَّقُوا بِهِمْ، فَحَبَسْنَا مِنْهُمْ سَبْعِينَ رَجُلا، وَذَهَبُوا مِنَّا بِثَلاثِينَ غُلامًا، فَلَمَّا بَرَزُوا إِذَا هُمْ يَفْقِدُونَ سَبْعِينَ رَجُلا حِينَ تَفَقَّدُوا أَصْحَابَهُمْ، فَأَتَوْنَا فَقَالُوا:
أَرْسِلُوا إِلَيْنَا أَصْحَابَنَا، فَقُلْنَا لَهُمْ: أَرْسِلُوا إِلَيْنَا أَبْنَاءَنَا، فَأَرْسَلُوا إِلَيْنَا الأَبْنَاءَ، وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ أَصْحَابَهُمْ.
قَالَ: [وقال رسول الله ص لأَصْحَابِهِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ قَتَلَ الأَسْوَدَ الْكَذَّابَ الْعَنْسِيَّ، قَتَلَهُ بِيَدِ رَجُلٍ مِنْ إِخْوَانِكُمْ، وَقَوْمٌ أَسْلَمُوا وَصَدَّقُوا،] فَكُنَّا كَأَنَّا عَلَى الأَمْرِ الَّذِي كَانَ قَبْلَ قُدُومِ الأَسْوَدِ عَلَيْنَا وَأَمِنَ الأُمَرَاءُ وَتَرَاجَعُوا، وَاعْتَذَرَ النَّاسُ وَكَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيَّةِ.
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي، قَالَ: أخبرنا سيف- وحدثني السري، قال: حدثنا شعيب، قَالَ: حَدَّثَنَا سَيْفٌ- عَنْ سَهْلِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ صَخْرٍ، قَالَ: كَانَ أَوَّلُ أَمْرِهِ إِلَى آخِرِهِ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ
стр. 1514
وحدثني السري، قال: حدثنا شعيب، عن سيف- وحدثنا عبيد الله قال: أخبرنا عمي، قال: أخبرنا سيف- عن جابر بْن يزيد، عن عروه ابن غزية، عن الضحاك بْن فيروز، قَالَ: كان ما بين خروجه بكهف خبان ومقتله نحوا من أربعة أشهر، وقد كان قبل ذَلِكَ مستسرا بأمره.
حَتَّى بادى بعد.
حدثني عمر بن شبة، قال: حدثنا علي بن محمد، عن أبي معشر ويزيد بْن عياض بْن جعد به وغسان بْن عبد الحميد وجويرية بْن أسماء، عن مشيختهم، قالوا: أمضى أبو بكر جيش أسامة بْن زيد فِي آخر ربيع الأول، وأتى مقتل العنسي فِي آخر ربيع الأول بعد مخرج أسامة، وَكَانَ ذَلِكَ أول فتح اتى أبا بكر وهو بالمدينة
. [حوادث متفرقة]
وقال الْوَاقِدِيّ: فِي هذه السنة- أعني سنة إحدى عشرة- قدم وفد النخع فِي النصف من المحرم على رسول الله ص، رأسهم زرارة بْن عمرو، وهم آخر من قدم من الوفود.
وفيها: ماتت فاطمة ابنة رسول الله ص فِي ليلة الثلاثاء، لثلاث خلون من شهر رمضان، وهي يومئذ ابنة تسع وعشرين سنة أو نحوها.
وذكر أن أبا بكر بْن عبد الله، حَدَّثَهُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أبان بْن صالح بذلك وزعم أن ابن جريج حدثه عن عمرو بْن دينار، عن أبي جعفر، قَالَ: توفيت فاطمة ع بعد النبي ص بثلاثة أشهر.
قَالَ: وحدثنا ابن جريج، عن الزهري، عن عُرْوَة، قَالَ: توفيت فاطمة بعد النبي ص بستة أشهر.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وهو أثبت عندنا.
قال: وغسلها على ع وأسماء بنت عميس
стр. 1515
قَالَ: وحدثني عبد الرحمن بْن عبد العزيز بْن عبد الله بْن عثمان بْن حنيف، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عمرو بْن حزم، عن عمرة ابنة عبد الرحمن قالت: صلى عليها العباس بْن عبد المطلب.
وحدثنا أبو زيد، قَالَ: حَدَّثَنَا علي، عن أبي معشر، قَالَ: دخل قبرها العباس وعلي والفضل بْن العباس.
قَالَ: وفيها توفي عبد الله بْن أبي بكر بْن أبي قحافة، وَكَانَ أصابه بالطائف سهم مَعَ النَّبِيّ ص، رماه ابو محجن، ودمل الجرح حَتَّى انتقض به فِي شوال، فمات.
وحدثني أبو زيد، قَالَ: حَدَّثَنَا علي، قال: حدثنا ابو معشر ومحمد ابن إِسْحَاقَ وجويرية بْن أسماء بإسناده الَّذِي ذكرت قبل، قالوا: فِي العام الَّذِي بويع فيه أبو بكر ملك أهل فارس عليهم يزدجرد.
قَالَ أبو جعفر: وفيها كان لقاء أبي بكر ﵀ خارجة بْن حصن الفزاري حَدَّثَنِي أَبُو زَيْد، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ محمد بإسناده الَّذِي ذكرت قبل، قالوا: أقام أبو بكر بالمدينة بعد وفاة رَسُول اللَّهِ ص وتوجيهه أسامة فِي جيشه إلى حيث قتل أبوه زيد بْن حارثة من أرض الشام، وهو الموضع الذى كان رسول الله ص امره بالمسير إليه، لم يحدث شَيْئًا، وقد جاءته وفود العرب مرتدين يقرون بالصلاة، ويمنعون الزكاة.
فلم يقبل ذَلِكَ منهم وردهم، وأقام حَتَّى قدم أسامة بْن زيد بْن حارثة بعد أربعين يوما من شخوصه- ويقال: بعد سبعين يوما- فلما قدم أسامة بْن زيد استخلفه أبو بكر على المدينة وشخص- ويقال استخلف سنانا الضمري على الْمَدِينَةِ- فسار ونزل بذي القصة فِي جمادى الأولى، ويقال فِي جمادى الآخرة، وَكَانَ نوفل بْن معاويه الديلى بعثه رسول الله ص،
стр. 1516
فلقيه خارجة بْن حصن بالشربة، فأخذ ما فِي يديه، فرده على بني فزارة، فرجع نوفل إلى أبي بكر بالمدينة قبل قدوم أسامة على أبي بكر فأول حرب كانت في الرده بعد وفاه النبي ص حرب العنسي، وقد كانت حرب العنسي باليمن، ثُمَّ حرب خارجة بْن حصن ومنظور بْن زبان بْن سيار فِي غطفان، والمسلمون غارون، فانحاز أبو بكر إلى أجمة فاستتر بِهَا، ثُمَّ هزم الله المشركين.
وحدثني عبيد الله، قَالَ: حدثنا عمي، قال: أخبرنا سيف- وحدثني السري، قال: حدثنا شعيب، قال: حدثنا سيف- عن المجالد ابن سعيد، قَالَ: لما فصل أسامة كفرت الأرض وتضرمت، وارتدت من كل قبيلة عامة أو خاصه الا قريشا وثقيفا.
وحدثني عبيد الله، قَالَ: حَدَّثَنَا عمي، قَالَ: أخبرنا سيف- وحدثني السري، قال: حدثنا شعيب، قال: حدثنا سَيْفٍ- عَنْ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا مات رَسُول اللَّهِ ص، وفصل أسامة ارتدت العرب عوام أو خواص، وتوحى مسيلمة وطليحة، فاستغلظ أمرهما، واجتمع على طليحة عوام طيئ وأسد، وارتدت غطفان إلى ما كان من أشجع وخواص من الأفناء فبايعوه، وقدمت هَوَازِن رجلا وأخرت رجلا أمسكوا الصدقه الا ما كان من ثقيف ولفها، فإنهم اقتدى بهم عوام جديلة والأعجاز، وارتدت خواص من بني سليم، وكذلك سائر الناس بكل مكان.
قَالَ: وقدمت رسل النَّبِيّ ص من اليمن واليمامة وبلاد بني أسد ووفود من كان كاتبه النبي ص، وامر امره في الأسود ومسيلمه وطليحة بالأخبار والكتب، فدفعوا كتبهم إلى أبي بكر، واخبروه
стр. 1517
الخبر، فَقَالَ لهم أبو بكر: لا تبرحوا حَتَّى تجيء رسل أمرائكم وغيرهم بأدهى مما وصفتم وأمر، وانتقاض الأمور فلم يلبثوا أن قدمت كتب أمراء النبي ص من كل مكان بانتقاض عامة أو خاصة، وتبسُّطهم بأنواع الميل على الْمُسْلِمين، فحاربهم أبو بكر بما كان رسول الله ص حاربهم بالرسل فرد رسلهم بأمره، وأتبع الرسل رسلا، وانتظر بمصادمتهم قدوم أسامة، وَكَانَ أول من صادم عبس وذبيان، عاجلوه فقاتلهم قبل رجوع أسامة.
حدثني عبيد الله، قَالَ: أخبرنا عمي، قال: أخبرنا سيف- وحدثني السري، قال: حدثنا شعيب، قال: حدثنا سيف- عن أبي عمرو، عن زيد بْن أسلم، قَالَ: مات رسول الله ص وعماله على قضاعة، وعلى كلب امرؤ القيس بْن الأصبغ الكلبي من بني عبد الله، وعلى القين عمرو بْن الحكم، وعلى سعد هذيم معاوية بْن فلان الوائلي.
وقال السري الوالبي: فارتد وديعة الكلبي فيمن آزره من كلب، وبقي امرؤ القيس على دينه، وارتد زميل بْن قطبة القيني فيمن آزره من بني القين وبقي عمرو، وارتد معاوية فيمن آزره من سعد هذيم.
فكتب أبو بكر إلى امرئ القيس بْن فلان- وهو جد سكينة ابنة حسين- فسار لوديعة، وإلى عمرو فأقام لزميل، وإلى معاوية العذري فلما توسط أسامة بلاد قضاعة، بث الخيول فيهم وأمرهم أن ينهضوا من أقام على الإسلام إلى من رجع عنه، فخرجوا هُرَّابا، حَتَّى أرزوا إلى دومة، واجتمعوا إلى وديعة، ورجعت خيول اسامه اليه، فمضى فيها أسامة.
حَتَّى أغار على الحمقتين، فأصاب فِي بني الضبيب من جذام، وفي بني خيليل من لخم ولفها من القبيلين، وحازهم من آبل وانكفأ سالما غانما فحدثني السري، قال: حدثنا شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ يُوسُفَ، عن القاسم بن محمد، قال: مات رسول الله ص، واجتمعت أسد وغطفان وطيئ على طليحة، إلا ما كان من خواص أقوام فِي القبائل الثلاث، فاجتمعت أسد بسميراء، وفزارة ومن يليهم من غطفان بجنوب طيبة، وطيئ على حدود أرضهم واجتمعت ثعلبة بْن سعد ومن يليهم من مرة وعبس بالأبرق من الربذة، وتأشب، إِلَيْهِم ناس من بني كنانة، فلم تحملهم البلاد، فافترقوا فرقتين، فأقامت فرقة منهم بالأبرق، وسارت الأخرى إلى ذي القصة، وأمدهم طليحة بحبال فكان حبال على أهل ذي القصة من بني أسد ومن تأشب من ليث والديل ومدلج وَكَانَ على مرة بالأبرق عوف بْن فلان بْن سنان، وعلى ثعلبة وعبس الحارث ابن فلان، أحد بني سبيع، وقد بعثوا وفودا فقدموا الْمَدِينَة، فنزلوا على وجوه الناس، فأنزلوهم ما خلا عباسا فتحملوا بهم على أبي بكر، على أن يقيموا الصلاة، وعلى ألا يؤتوا الزكاة، فعزم الله لأبي بكر على الحق، وقال: لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه- وكانت عقل الصدقة على أهل الصدقة مَعَ الصدقة- فردهم فرجع وفد من يلي الْمَدِينَة من المرتدة إِلَيْهِم، فأخبروا
стр. 1518
عشائرهم بقله من اهل المدينة، وأطعموهم فيها، وجعل أبو بكر بعد ما أخرج الوفد على انقاب المدينة نفرا: عليا والزبير وطلحة وعبد الله بْن مسعود، وأخذ أهل الْمَدِينَة بحضور المسجد، وقال لهم: إن الأرض كافرة، وقد رأى وفدهم منكم قلة، وإنكم لا تدرون أليلا تؤتون أم نهارا! وأدناهم منكم على بريد.
وقد كان القوم يأملون أن نقبل منهم ونوادعهم، وقد أبينا عليهم، ونبذنا إِلَيْهِم عهدهم، فاستعدوا وأعدوا فما لبثوا إلا ثلاثا حَتَّى طرقوا الْمَدِينَة غارة مَعَ الليل، وخلفوا بعضهم بذي حسى، ليكونوا لهم ردءا، فوافق الغوار ليلا الأنقاب، وعليها المقاتلة، ودونهم أقوام يدرجون، فنبهوهم، وأرسلوا إلى أبي بكر بالخبر، فأرسل إِلَيْهِم أبو بكر أن الزموا أماكنكم، ففعلوا وخرج فِي أهل المسجد على النواضح إِلَيْهِم، فانفش العدو، فاتبعهم المسلمون على إبلهم، حَتَّى بلغوا ذا حسى، فخرج عليهم الردء بأنحاء قد نفخوها، جعلوا فيها الحبال، ثُمَّ دهدهوها بأرجلهم فِي وجوه الإِبِل، فتدهده كل نحي فِي طوله، فنفرت إبل الْمُسْلِمين وهم عليها- ولا تنفر الإِبِل من شيء نفارها من الأنحاء- فعاجت بهم ما يملكونها، حَتَّى دخلت بهم الْمَدِينَة، فلم يصرع مسلم ولم يصب، فَقَالَ: فِي ذَلِكَ الخطيل بن أوس أخو الحطيئه ابن أوس:
فدى لبني ذبيان رحلي وناقتي ... عشية يحذى بالرماح أبو بكر
ولكن يدهدي بالرجال فهبنه ... الى قدر ما ان يزيد ولا يحرى
وللَّه أجناد تذاق مذاقه ... لتحسب فيما عد من عجب الدهر!
стр. 1519
وأنشده الزهري: من حسب الدهر.
وقال عبد الله الليثي، وكانت بنو عبد مناة من المرتدة- وهم بنو ذبيان- فِي ذَلِكَ الأمر بذى القصة وبذى حمى:
أطعنا رَسُول اللَّهِ ما كان بيننا ... فيا لعباد الله ما لأبي بكر!
أيورثها بكرا إذا مات بعده ... وتلك لعمر الله قاصمة الظهر
فهلا رددتم وفدنا بزمانه ... وهلا خشيتم حس راغية البكر!
وإن التي سألوكم فمنعتم ... لكالتمر أو أحلى إلي من التمر
فظن القوم بالمسلمين الوهن، وبعثوا إلى أهل ذي القصة بالخبر، فقدموا عليهم اعتمادا فِي الذين أخبروهم، وهم لا يشعرون لأمر الله الَّذِي أراده، وأحب أن يبلغه فيهم، فبات أبو بكر ليلته يتهيأ، فعبَّى الناس، ثم خرج على تعبئة من أعجاز ليلته يمشي، وعلى ميمنته النعمان بْن مقرن، وعلى ميسرته عبد الله بْن مقرن، وعلى الساقة سويد بْن مقرن معه الركاب، فما طلع الفجر إلا وهم والعدو فِي صعيد واحد، فما سمعوا للمسلمين همسا ولا حسا حَتَّى وضعوا فيهم السيوف، فاقتتلوا أعجاز ليلتهم، فما ذر قرن الشمس حَتَّى ولوهم الأدبار، وغلبوهم على عامة ظهرهم، وقتل حبال واتبعهم أبو بكر، حَتَّى نزل بذي القصة- وَكَانَ أول الفتح- ووضع بِهَا النعمان ابن مقرن فِي عدد، ورجع إلى الْمَدِينَة فذل بِهَا المشركون، فوثب بنو ذبيان وعبس على من فيهم مِنَ الْمُسْلِمين، فقتلوهم كل قتلة، وفعل من وراءهم فعلهم وعز المسلمون بوقعة أبي بكر، وحلف أبو بكر ليقتلن فِي المشركين كل قتلة، وليقتلن فِي كل قبيلة بمن قتلوا مِنَ الْمُسْلِمين وزيادة، وفي ذَلِكَ يقول زياد بْن حنظلة التميمي:
стр. 1520
غداة سعى أبو بكر إِلَيْهِم ... كما يسعى لموتته جلال
أراح على نواهقها عليا ... ومج لهن مهجته حبال
وقال أيضا:
أقمنا لهم عرض الشمال فكبكبوا ... ككبكبة الغزى أناخوا على الوفر
فما صبروا للحرب عِنْد قيامها ... صبيحة يسمو بالرجال أبو بكر
طرقنا بني عبس بأدنى نباجها ... وذبيان نهنهنا بقاصمة الظهر
ثُمَّ لم يصنع إلا ذَلِكَ، حَتَّى ازداد المسلمون لَهَا ثباتا على دينهم فِي كل قبيلة، وازداد لَهَا المشركون انعكاسا من أمرهم فِي كل قبيلة، وطرقت الْمَدِينَة صدقات نفر: صفوان، الزبرقان، عدي، صفوان، ثُمَّ الزبرقان، ثُمَّ عدي، صفوان فِي أول الليل، والثاني فِي وسطه، والثالث فِي آخره وَكَانَ الَّذِي بشر بصفوان سعد بْن أبي وقاص، والذي بشر بالزبرقان عبد الرحمن بْن عوف، والذي بشر بعدي عبد الله بْن مسعود وقال غيره: أبو قتادة.
قَالَ: وقال الناس لكلهم حين طلع: نذير، وقال أبو بكر: هذا بشير، هذا حام وليس بوان، فإذا نادى بالخير، قالوا: طالما بشرت بالخير! وذلك لتمام ستين يوما من مخرج أسامة وقدم أسامة بعد ذَلِكَ بأيام لشهرين وأيام، فاستخلفه أبو بكر على الْمَدِينَة، وقال لَهُ ولجنده: أريحوا وأريحوا ظهركم.
ثُمَّ خرج فِي الذين خرجوا إلى ذي القصة والذين كانوا على الأنقاب على ذَلِكَ الظهر، فَقَالَ لَهُ المسلمون: ننشدك الله يا خليفة رَسُول اللَّهِ أن تعرض نفسك! فإنك إن تصب لم يكن للناس نظام، ومقامك أشد على العدو، فابعث رجلا، فإن أصيب أمرت آخر، فَقَالَ: لا والله لا أفعل ولأواسينكم بنفسي، فخرج فِي تعبيته إلى ذي حسى وذي القصة، والنعمان وعبد الله وسويد على ما كانوا عليه، حَتَّى نزل على أهل الربذة بالأبرق، فاقتتلوا، فهزم
стр. 1521
الله الحارث وعوفا، وأخذ الحطيئة أسيرا، فطارت عبس وبنو بكر، وأقام أبو بكر على الأبرق أياما، وقد غلب بني ذبيان على البلاد وقال:
حرام على بني ذبيان أن يتملكوا هذه البلاد إذ غنمناها الله! وأجلاها.
فلما غلب أهل الردة، ودخلوا فِي الباب الَّذِي خرجوا منه، وسامح الناس جاءت بنو ثعلبة، وهي كانت منازلهم لينزلوها، فمنعوا منها فاتوه في المدينة، فقالوا: علا م نمنع من نزول بلادنا! فَقَالَ: كذبتم، ليست لكم ببلاد، ولكنها موهبي ونقذى، ولم يعتبهم، وحمى الأبرق لخيول الْمُسْلِمين، وأرعى سائر بلاد الربذة الناس على بني ثعلبة، ثُمَّ حماها كلها لصدقات الْمُسْلِمين، لقتال كان وقع بين الناس وأصحاب الصدقات، فمنع بذلك بعضهم من بعض.
ولما فضت عبس وذبيان أرزوا إلى طليحة وقد نزل طليحة على بزاخة، وارتحل عن سميراء إليها، فأقام عليها، وقال فِي يوم الأبرق زياد بْن حنظلة:
ويوم بالأبارق قد شهدنا ... على ذبيان يلتهب التهابا
أتيناهم بداهية نسوف ... مَعَ الصديق إذ ترك العتابا
حَدَّثَنِي السَّرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد بْنِ ثَابِتِ بْنِ الْجَذِعِ وَحَرَامِ بْنِ عُثْمَانَ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ وَاسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَمَضَى حَتَّى انْتَهَى إِلَى الرَّبَذَةِ يَلْقَى بَنِي عَبْسٍ وَذُبْيَانَ وجماعه من بنى عبد مناه ابن كِنَانَةَ، فَلَقِيَهُمْ بِالأَبْرَقِ، فَقَاتَلَهُمْ فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ وَفَلَّهُمْ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا جَمَّ جُنْدُ أُسَامَةَ، وَثَابَ مَنْ حَوْلَ الْمَدِينَةِ خَرَجَ إِلَى ذِي الْقُصَّةِ فَنَزَلَ بِهِمْ- وَهُوَ عَلَى بَرِيدٍ مِنَ الْمَدِينَةِ تِلْقَاءَ نَجْدٍ- فَقَطَعَ فِيهَا الْجُنْدَ، وَعَقَدَ الأَلْوِيَةَ، عَقَدَ أَحَدَ عَشَرَ لِوَاءً عَلَى أَحَدَ عَشَرَ جُنْدًا، وَأَمَرَ أَمِيرَ كُلَّ
стр. 1522
جُنْدٍ بِاسْتِنْفَارِ مَنْ مَرَّ بِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْقُوَّةِ، وَتَخَلَّفَ بَعْضُ أَهْلِ الْقُوَّةِ لِمَنْعِ بِلادِهِمْ.
حَدَّثَنَا السَّرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ يُوسُفَ، عن الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: لَمَّا أَرَاحَ أُسَامَةُ وَجُنْدُهُ ظَهْرَهُمْ وَجَمُّوا، وَقَدْ جَاءَتْ صَدَقَاتٌ كَثِيرَةٌ تَفْضُلُ عَنْهُمْ، قَطَعَ أَبُو بَكْرٍ الْبُعُوثَ وَعَقَدَ الأَلْوِيَةَ، فَعَقَدَ أَحَدَ عَشَرَ لِوَاءً: عَقَدَ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَأَمَرَهُ بِطُلَيْحَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ، فَإِذَا فَرَغَ سَارَ إِلَى مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ بِالْبِطَاحِ ان اقام له، ولعكرمه ابن أَبِي جَهْلٍ وَأَمَرَهُ بِمُسَيْلِمَةَ، وَلِلْمُهَاجِرِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ وَأَمَرَهُ بِجُنُودِ الْعَنْسِيِّ وَمَعُونَةِ الأَبْنَاءِ عَلَى قَيْسِ بْنِ الْمَكْشُوحِ وَمَنْ أَعَانَهُ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يَمْضِي إِلَى كِنْدَةَ بِحَضْرَمَوْتَ، وَلِخَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ- وَكَانَ قَدِمَ عَلَى تَفْيِئَةِ ذَلِكَ مِنَ الْيَمَنِ وَتَرَكَ عَمَلَهُ- وَبَعَثَهُ إِلَى الْحَمِقَتَيْنِ مِنْ مَشَارِفِ الشَّامِ، وَلِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ إِلَى جِمَاعِ قُضَاعَةَ وَوَدِيعَةَ وَالْحَارِثِ، وَلِحُذَيْفَةَ بْنِ مِحْصَنٍ الْغَلْفَانِيِّ وَأَمَرَهُ بِأَهْلِ دَبَا وَلِعَرْفَجَةَ بْنِ هَرْثَمَةَ وَأَمَرَهُ بِمُهْرَةَ، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَجْتَمِعَا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي عَمَلِهِ عَلَى صَاحِبِهِ، وَبَعَثَ شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ فِي أَثَرِ عكرمه ابن أَبِي جَهْلٍ، وَقَالَ: إِذَا فَرَغَ مِنَ الْيَمَامَةِ فَالْحَقْ بِقُضَاعَةَ، وَأَنْتَ عَلَى خَيْلِكَ تُقَاتِلُ أَهْلَ الرِّدَّةِ، وَلِطَرِيفَةَ بْنِ حَاجِزٍ وَأَمَرَهُ بِبَنِي سُلَيْمٍ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ هَوَازِنَ، وَلِسُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ وَأَمَرَهُ بِتِهَامَةَ الْيَمَنِ، وَلِلْعَلاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ وَأَمَرَهُ بالبحرين
كتاب ابى بكر الى القبائل المرتدة ووصيته للامراء
فَفَصَلَتِ الأُمَرَاءُ مِنْ ذِي الْقُصَّةِ، وَنَزَلُوا عَلَى قَصْدِهِمْ، فَلَحِقَ بِكُلِّ أَمِيرٍ جُنْدُهُ، وَقَدْ عَهِدَ اليهم عهده، وكتب الى من بعث اليه مِنْ جَمِيعِ الْمُرْتَدَّةِ
стр. 1523
حَدَّثَنَا السَّرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَشَارَكَهُ فِي الْعَهْدِ وَالْكِتَابِ قَحْذَمٌ، فَكَانَتْ الْكُتُبُ إِلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ الْمُرْتَدَّةِ كِتَابًا وَاحِدًا:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ص إِلَى مَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي هَذَا مِنْ عَامَّةٍ وَخَاصَّةٍ، أَقَامَ عَلَى إِسْلامِهِ أَوْ رَجَعَ عَنْهُ سَلامٌ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى، وَلَمْ يَرْجِعْ بَعْدَ الْهُدَى إِلَى الضَّلالَةِ وَالْعَمَى، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمُ اللَّهَ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، نُقِرُّ بِمَا جَاءَ بِهِ، وَنُكَفِّرُ مَنْ أَبَى وَنُجَاهِدُهُ أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى خَلْقِهِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً، لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ فَهَدَى اللَّهُ بِالْحَقِّ مَنْ أَجَابَ إِلَيْهِ.
وضرب رسول الله ص بِإِذْنِهِ مَنْ أَدْبَرَ عَنْهُ، حَتَّى صَارَ إِلَى الإِسْلامِ طَوْعًا وَكَرْهًا ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ رَسُولَهُ الله ص وَقَدْ نَفَّذَ لأَمْرِ اللَّهِ، وَنَصَحَ لأُمَّتِهِ، وَقَضَى الَّذِي عَلَيْهِ، وَكَانَ اللَّهُ قَدْ بَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ وَلأَهْلِ الإِسْلامِ فِي الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ، فقال: «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ» وَقَالَ: «وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ» وَقَالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: «وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ» ، فَمَنْ كَانَ إِنَّمَا يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ إِنَّمَا يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ فَإِنَّ اللَّهَ لَهُ بِالْمِرْصَادِ، حَيٌّ قَيُّومٌ لا يَمُوتُ، وَلا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ، حَافِظٌ لأَمْرِهِ، مُنْتَقِمٌ مِنْ عَدُوِّهِ، يَجْزِيهِ وَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَحَظِّكُمْ وَنَصِيبِكُمْ مِنَ اللَّهِ، وَمَا جَاءَكُمْ بِهِ نَبِيُّكُمْ ص، وَأَنْ تَهْتَدُوا بِهُدَاهُ، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِدِينِ اللَّهِ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ يَهْدِهِ اللَّهُ ضَالٌّ، وكل
стр. 1524
مَنْ لَمْ يُعَافِهِ مُبْتَلًى، وَكُلُّ مَنْ لَمْ يُعِنْهُ اللَّهُ مَخْذُولٌ، فَمَنْ هَدَاهُ اللَّهُ كَانَ مُهْتَدِيًا، وَمَنْ أَضَلَّهُ كَانَ ضَالا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً» ، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا عَمَلٌ حَتَّى يقربه، وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ فِي الآخِرَةِ صَرَفٌ وَلا عَدْلٌ.
وَقَدْ بَلَغَنِي رُجُوعُ مَنْ رَجَعَ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ أَقَرَّ بِالإِسْلامِ وَعَمِلَ بِهِ، اغْتِرَارًا بِاللَّهِ، وَجَهَالَةً بِأَمْرِهِ، وَإِجَابَةً لِلشَّيْطَانِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا» وَقَالَ: «إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ» ، وَإِنِّي بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ فُلانًا فِي جَيْشٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالتَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ، وَأَمَرْتُه أَلا يُقَاتِلَ أَحَدًا وَلا يَقْتُلَهَ حَتَّى يَدْعُوَهُ إِلَى دَاعِيَةِ اللَّهِ، فَمَنِ اسْتَجَابَ لَهُ وَأَقَرَّ وَكَفَّ وَعَمِلَ صَالِحًا قَبِلَ مِنْهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ، وَمَنْ أَبَى أَمَرْتُ أَنْ يُقَاتِلَهُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ لا يُبْقِي عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ قَدِرَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُحَرِّقَهُمْ بِالنَّارِ، وَيَقْتُلَهُمْ كُلَّ قتلة، وَأَنْ يَسْبِيَ النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ، وَلا يَقْبَلْ مِنْ أَحَدٍ إِلا الإِسْلامَ، فَمَنِ اتَّبَعَهُ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ، وَمَنْ تَرَكَهُ فَلَنْ يُعْجِزَ اللَّهَ وَقَدْ أَمَرْتُ رَسُولِي أَنْ يَقْرَأَ كِتَابِي فِي كُلِّ مَجْمَعٍ لَكُمْ، وَالدَّاعِيَةُ الأَذَانُ، فَإِذَا أَذَّنَ الْمُسْلِمُونَ فَأَذَّنُوا كُفُّوا عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُؤَذِّنُوا عَاجَلُوهُمْ، وَإِنْ أَذَّنُوا اسْأَلُوهُمْ مَا عَلَيْهِمْ، فَإِنْ أَبَوْا عَاجِلُوهُمْ، وَإِنْ أَقَرُّوا قُبِلَ مِنْهُمْ، وَحَمَلَهُمْ عَلَى مَا يَنْبَغِي لَهُمْ.
فَنَفَذَتِ الرُّسُلُ بِالْكُتُبِ أَمَامَ الْجُنُودِ، وَخَرَجَتِ الأُمَرَاءُ وَمَعَهُمُ الْعُهُودُ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا عَهْدٌ مِنْ أَبِي بَكْرٍ خَلِيفَةِ رَسُولِ الله ص لِفُلانٍ حِينَ بَعَثَهُ فِيمَنْ بَعَثَهُ لِقِتَالِ مَنْ رَجَعَ عَنِ الإِسْلامِ، وَعَهِدَ إِلَيْهِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ مَا اسْتَطَاعَ فِي أَمْرِهِ كُلِّهِ سِرِّهِ وَعَلانِيَتِهِ، وَأَمَرَهُ بِالْجِدِّ فِي أَمْرِ اللَّهِ،
стр. 1525
وَمُجَاهَدَةِ مَنْ تَوَلَّى عَنْهُ، وَرَجَعَ عَنِ الإِسْلامِ إِلَى أَمَانِيِّ الشَّيْطَانِ بَعْدَ أَنْ يَعْذِرَ إِلَيْهِمْ فَيَدْعُوهُمْ بِدَاعَيَةِ الإِسْلامِ، فَإِنْ أَجَابُوهُ أَمْسَكَ عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُجِيبُوهُ شَنَّ غَارَتَهُ عَلَيْهِمْ، حَتَّى يُقِرُّوا لَهُ، ثُمَّ يُنْبِئهُمْ بِالَّذِي عَلَيْهِمْ وَالَّذِي لَهُمْ، فَيَأْخُذ مَا عَلَيْهِمْ، وَيُعْطيهمُ الَّذِي لَهُمْ، لا يُنْظِرْهُمْ، وَلا يَرُدَّ الْمُسْلِمِينَ عَنْ قِتَالِ عَدُوِّهِمْ، فَمَنْ أَجَابَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ وَأَقَرَّ لَهُ قَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ، وَإِنَّمَا يُقَاتِلُ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ عَلَى الإِقْرَارِ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَإِذَا أَجَابَ الدَّعْوَةَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، وَكَانَ اللَّهُ حَسِيبَهُ بَعْدُ فِيمَا اسْتَسَرَّ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُجِبْ دَاعِيَةَ اللَّهِ قُتِلَ وَقُوتِلَ حَيْثُ كَانَ، وَحَيْثُ بَلَغَ مُرَاغَمَةً، لا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا أَعْطَاهُ إِلا الإِسْلامَ، فَمَنْ أَجَابَهُ وَأَقَرَّ قُبِلَ مِنْهُ وَعَلِمَهُ، وَمَنْ أَبَى قَاتَلَهُ، فَإِنْ أَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ قَتَلَ مِنْهُمْ كُلَّ قِتْلَةٍ بِالسِّلاحِ وَالنِّيرَانِ، ثُمَّ قَسَّمَ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ، إِلا الْخُمُسَ فَإِنَّهُ يُبَلِّغَنَاهُ، وَأَنْ يَمْنَعَ أَصْحَابَهُ الْعَجَلَةَ وَالْفَسَادَ، وَأَلا يَدْخُلَ فِيهِمْ حَشْوًا حَتَّى يَعْرِفَهُمْ وَيَعْلَمَ مَا هُمْ، لا يكونوا عيونا، ولئلا يُؤْتَى الْمُسْلِمُونَ مِنْ قِبَلِهِمْ، وَأَنْ يَقْتَصِدَ بِالْمُسْلِمِينَ وَيَرْفِقَ بِهِمْ فِي السَّيْرِ وَالْمَنْزِلِ وَيَتَفَقَّدَهُمْ، وَلا يَعْجَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَيَسْتَوْصِيَ بِالْمُسْلِمِينَ فِي حُسْنِ الصُّحْبَةِ وَلِينِ الْقَوْلِ
стр. 1526
ذكر بقية الخبر عن غطفان حين انضمت إلى طليحة وما آل إليه أمر طليحة
حدثنا عبيد الله بن سعد، قال: حدثنا عمي، قال: أخبرنا سيف- وحدثني السري، قال: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَيْفٌ- عَنْ سَهْلِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَبَدْرِ بْنِ الْخَلِيلِ وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالُوا: لَمَّا أَرَزَتْ عَبْسٌ وَذُبْيَانُ وَلَفَّهَا إِلَى الْبُزَاخَةِ، أَرْسَلَ طُلَيْحَةُ إِلَى جَدِيلَةَ وَالْغَوْثِ أَنْ يَنْضَمُّوا إِلَيْهِ، فتعجل إِلَيْهِ، فَتَعَجَّلَ إِلَيْهِ أُنَاسٌ مِنَ الْحَيَّيْنِ، وَأَمَرُوا قَوْمَهُمْ بِاللِّحَاقِ بِهِمْ، فَقَدِمُوا عَلَى طُلَيْحَةَ، وَبَعَثَ أَبُو بَكْرٍ عَدِيًّا قَبْلَ تَوْجِيهِ خَالِدٍ مِنْ ذِي الْقُصَّةِ إِلَى قَوْمِهِ، وَقَالَ: أَدْرِكْهُمْ لا يؤكلوا فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَتَلَهُمْ فِي الذِّرْوَةِ وَالْغَارِبِ، وَخَرَجَ خَالِدٌ فِي أَثَرِهِ، وَأَمَرَهُ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يبدأ بطيىء عَلَى الأَكْنَافِ، ثُمَّ يَكُونَ وَجْهَهُ إِلَى الْبُزَاخَةِ، ثُمَّ يُثَلِّثُ بِالْبِطَاحِ، وَلا يُرِيمَ إِذَا فَرَغَ مِنْ قَوْمٍ حَتَّى يُحَدِّثَ إِلَيْهِ، وَيَأْمُرَهُ بِذَلِكَ وَأَظْهَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ خَارِجٌ إِلَى خَيْبَرَ وَمُنْصَبٌّ عَلَيْهِ مِنْهَا حَتَّى يُلاقِيَهُ بِالأَكْنَافِ، أَكْنَافِ سَلْمَى، فَخَرَجَ خَالِدٌ فَازَّوَارَ عَنِ الْبُزَاخَةِ، وَجَنَحَ إِلَى أَجَأَ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ خَارِجٌ إِلَى خَيْبَرَ، ثُمَّ مُنْصَبٌّ عَلَيْهِمْ، فَقَعَّدَ ذَلِكَ طَيِّئًا وَبَطَّأَهُمْ عَنْ طُلَيْحَةَ، وَقَدِمَ عَلَيْهِمْ عَدِيٌّ، فَدَعَاهُمْ فَقَالُوا: لا نُبَايِعُ أَبَا الْفَصِيلِ أَبَدًا، فَقَالَ: لَقَدْ أَتَاكُمْ قَوْمٌ لَيُبِيحُنَّ حَرِيمَكُمْ، وَلَتَكُنّنَّهُ بِالْفَحْلِ الأَكْبَرِ، فَشَأْنُكُمْ بِهِ فَقَالُوا لَهُ: فَاسْتَقْبِلِ الْجَيْشَ فَنَهْنِهْهُ عَنَّا حَتَّى نَسْتَخْرِجَ مَنْ لَحِقَ بِالْبُزَاخَةِ مِنَّا، فَإِنَّا إِنْ خَالَفْنَا طُلَيْحَةَ وَهُمْ فِي يَدَيْهِ قَتَلَهُمْ أَوِ ارْتَهَنَهُمْ فَاسْتَقْبَلَ عَدِيٌّ خَالِدًا وَهُوَ بِالسُّنْحِ، فَقَالَ: يَا خَالِدُ، أَمْسِكْ عَنِّي ثَلاثًا يجتمع لك خمسمائة مُقَاتِلٍ تَضْرِبُ بِهِمْ عَدُوَّكَ، وَذَلِكَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تُعْجِلَهُمْ إِلَى النَّارِ، وَتُشَاغِلَ بِهِمْ، فَفَعَلَ فعاد عدى اليهم وقد أرسلوا إخوانهم، فَأَتَوْهُمْ مِنْ بُزَاخَةَ كَالْمَدَدِ لَهُمْ، وَلَوْلا ذَلِكَ لَمْ يُتْرَكُوا، فَعَادَ عَدِيٌّ بِإِسْلامِهِمْ إِلَى خَالِدٍ، وَارْتَحَلَ خَالِدٌ نَحْوَ الأَنْسَرِ يُرِيدُ جَدِيلَةَ، فَقَالَ لَهُ عَدِيٌّ: إِنَّ طَيِّئًا كَالطَّائِرِ، وَإِنَّ جَدِيلَةَ
стр. 1527
أَحَدُ جَنَاحَيْ طَيِّئٍ، فَأَجِّلْنِي أَيَّامًا لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَنْتَقِذَ جَدِيلَةَ كَمَا انْتَقَذَ الْغَوْثَ، فَفَعَلَ، فَأَتَاهُمْ عَدِيٌّ فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتَّى بَايَعُوهُ، فَجَاءَهُ بِإِسْلامِهِمْ، وَلَحِقَ بِالْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ أَلْفُ رَاكِبٍ، فَكَانَ خَيْرَ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي أَرْضِ طَيِّئٍ وَأَعْظَمَهُ عَلَيْهِمْ بَرَكَةً.
وَأَمَّا هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ، فَإِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا رَجَعَ إِلَيْهِ أُسَامَةُ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْجَيْشِ، جَدَّ فِي حَرْبِ أَهْلِ الرِّدَّةِ، وَخَرَجَ بِالنَّاسِ وَهُوَ فِيهِمْ حَتَّى نَزَلَ بِذِي الْقُصَّةِ، مَنْزِلا مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى بَرِيدٍ مِنْ نَحْوِ نَجْدٍ، فَعَبَّى هُنَالِكَ جُنُودَهُ، ثُمَّ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى النَّاسِ، وَجَعَلَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ عَلَى الأَنْصَارِ، وَأَمَرَهُ إِلَى خَالِدٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَصْمُدَ لِطُلَيْحَةَ وَعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وَهُمَا عَلَى بُزَاخَةَ، مَاءٌ مِنْ مِيَاهِ بَنِي أَسَدٍ، وَأَظْهِرْ أَنِّي أُلاقِيَكَ بِمَنْ مَعِي مِنْ نَحْوِ خَيْبَرَ، مَكِيدَةً، وَقَدْ أَوْعَبَ مَعَ خَالِدٍ النَّاس، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ عَدُوَّهُ فَيُرْعِبَهُمْ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَسَارَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَتَّى إِذَا دَنَا مِنَ الْقَوْمِ بَعَثَ عُكَاشَةَ بْنَ مِحْصَنٍ، وَثَابِتَ بْنَ أَقْرَمَ- أَحَدَ بَنِي الْعَجْلانِ حَلِيفًا لِلأَنْصَارِ- طَلِيعَةً، حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنَ الْقَوْمِ خَرَجَ طُلَيْحَةُ وَأَخُوهُ سَلَمَةُ يَنْظُرَانِ وَيَسْأَلانِ: فَأَمَّا سَلَمَةُ فَلَمْ يُمْهِلْ ثَابِتًا أَنْ قَتَلَهُ، وَنَادَى طُلَيْحَةُ أَخَاهُ حِينَ رَأَى أَنْ قَدْ فَرَغَ مِنْ صَاحِبِهِ أَنْ أَعِنِّي عَلَى الرَّجُلِ، فَإِنَّهُ آكِلٌ، فَاعْتَوَنَا عَلَيْهِ، فَقَتَلاهُ ثُمَّ رَجَعَا، وَأَقْبَلَ خَالِدٌ بِالنَّاسِ حَتَّى مَرُّوا بِثَابِتِ بْنِ أَقْرَمَ قَتِيلا، فَلَمْ يَفْطِنُوا لَهُ حَتَّى وَطِئَتْهُ الْمَطِيُّ بِأَخْفَافِهَا، فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ نَظَرُوا فَإِذَا هُمْ بِعُكَاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ صَرِيعًا، فَجَزِعَ لِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ، وَقَالُوا: قُتِلَ سَيِّدَانِ مِنْ سَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَفَارِسَانِ مِنْ فِرْسَانِهِمْ، فَانْصَرَفَ خَالِدٌ نَحْوَ طَيِّئٍ.
قَالَ هِشَامٌ: قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: فَحَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ مُجَاهِدٍ، عَنِ الْمُحِلِّ ابن خَلِيفَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: بَعَثْتُ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنْ سِرْ إِلَيَّ فَأَقِمْ عِنْدِي أَيَّامًا حَتَّى أَبْعَثَ إِلَى قَبَائِلِ طَيِّئٍ، فَأَجْمَعَ لَكَ مِنْهُمْ أَكْثَرَ مِمَّنْ مَعَكَ، ثُمَّ أَصْحَبُكَ إِلَى عَدُوِّكَ قَالَ: فَسَارَ إِلَيَّ.
قَالَ هِشَامٌ: قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلامِ بْنُ سُوَيْدٍ أَنَّ بَعْضَ
стр. 1528
الأَنْصَارِ حَدَّثَهُ أَنَّ خَالِدًا لَمَّا رَأَى مَا بِأَصْحَابِهِ مِنَ الْجَزَعِ عِنْدَ مَقْتَلِ ثَابِتٍ وَعُكَاشَةَ، قَالَ لَهُمْ: هَلْ لَكُمْ إِلَى أَنْ أَمِيلَ بِكُمْ إِلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، كَثِيرٍ عَدَدُهُمْ، شَدِيدَةٍ شَوْكَتُهُمْ، لَمْ يَرْتَدَّ مِنْهُمْ عَنِ الإِسْلامِ أَحَدٌ! فَقَالَ لَهُ النَّاسُ: وَمَنْ هَذَا الْحَيُّ الَّذِي تَعْنِي؟ فَنِعْمَ وَاللَّهِ الْحَيُّ هُوَ! قَالَ لَهْمُ: طَيِّئٌ، فَقَالُوا:
وَفَّقَكَ اللَّهُ، نِعْمَ الرَّأْيُ رَأَيْتَ! فَانْصَرَفَ بِهِمْ حَتَّى نَزَلَ بِالْجَيْشِ فِي طَيِّئٍ.
قَالَ هِشَامٌ: حَدَّثَنِي جَدِيلُ بْنُ خَبَّابٍ النَّبْهَانِيُّ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ أُبَيٍّ، أَنَّ خَالِدًا جَاءَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى أَرَكِ، مَدِينَةِ سَلْمَى.
قَالَ هِشَامٌ: قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ أَنَّهُ نَزَلَ بِأَجَأَ، ثُمَّ تَعَبَّى لِحَرْبِهِ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى الْتَقَيَا عَلَى بُزَاخَةَ، وَبَنُو عَامِرٍ عَلَى سَادَتِهِمْ وَقَادَتِهِمْ قَرِيبًا يَسْتَمِعُونَ وَيَتَرَبَّصُونَ عَلَى مَنْ تَكُونُ الدِّبْرَةُ.
قَالَ هِشَامٌ عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ: حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ مُجَاهِدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَشْيَاخًا مِنْ قَوْمِهِ يَقُولُونَ: سَأَلْنَا خَالِدًا أَنْ نَكْفِيَهُ قَيْسًا فَإِنَّ بَنِي أَسَدٍ حُلَفَاؤُنَا، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا قَيْسٌ بِأَوْهَنَ الشَّوْكَتَيْنِ، اصْمُدُوا إِلَى أَيِّ الْقِبْلَتَيْنِ أَحْبَبْتُمْ، فَقَالَ عَدِيٌّ: لَوْ تَرَكَ هَذَا الدِّينَ أُسْرَتِي الأَدْنَى فَالأَدْنَى مِنْ قَوْمِي لَجَاهَدْتُهُمْ عَلَيْهِ، فَأَنَا أَمْتَنِعُ مِنْ جِهَادِ بَنِي أَسَدٍ لِحِلْفِهِمْ! لا لَعَمْرِ اللَّهِ لا أَفْعَلُ! فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: إِنَّ جِهَادَ الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا جِهَادٌ، لا تُخَالِفْ رَأْيَ أَصْحَابِكَ، امض الى احد الفريقين، وامض بِهِمْ إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ هُمْ لِقِتَالِهِمْ أَنْشَطُ.
قَالَ هِشَامٌ، عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ السَّلامِ بْنُ سُوَيْدٍ، أَنَّ خَيْلَ طَيِّئٍ كَانَتْ تَلْقَى خَيْلَ بَنِي أَسَدٍ وَفَزَارَةَ قَبْلَ قُدُومِ خالد عليهم فيتشامون وَلا يَقْتَتِلُونَ، فَتَقُولُ أَسَدٌ وَفَزَارَةُ: لا وَاللَّهِ لا نُبَايِعُ أَبَا الْفَصِيلِ أَبَدًا فَتَقُولُ لَهُمْ خَيْلُ طَيِّئٍ: أَشْهَدُ لَيُقَاتِلَنَّكُمْ حَتَّى تُكَنُّوهُ أَبَا الْفَحْلِ الأَكْبَرِ! فحدثنا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بن إسحاق،
стр. 1529
عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عتبة، قَالَ: حدثت أن الناس لما اقتتلوا، قاتل عيينه مع طليحة في سبعمائة من بني فزارة قتالا شديدا، وطليحة متلفف فِي كساء لَهُ بفناء بيت لَهُ من شعر، يتنبأ لهم، والناس يقتتلون، فلما هزت عيينة الحرب، وضرس القتال، كر على طليحة، فَقَالَ: هل جاءك جبريل بعد؟ قَالَ: لا، قَالَ:
فرجع فقاتل حَتَّى إذا ضرس القتال وهزته الحرب كر عليه فقال: لا أيا لك! أجاءك جبريل بعد؟ قَالَ: لا والله، قَالَ: يقول عيينة حلفا:
حَتَّى متى! قد والله بلغ منا! قَالَ: ثُمَّ رجع فقاتل، حَتَّى إذا بلغ كر عَلَيْهِ، فَقَالَ: هل جاءك جبريل بعد؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فماذا قَالَ لك؟
قَالَ: قَالَ لي: إن لك رحا كرحاه، وحديثا لا تنساه، قَالَ: يقول عيينة: أظن أن قد علم الله أنه سيكون حديث لا تنساه، يا بني فزارة هكذا، فانصرفوا، فهذا والله كذاب فانصرفوا وانهزم الناس فغشوا طليحة يقولون: ماذا تأمرنا؟ وقد كان أعد فرسه عنده، وهيأ بعيرا لامرأته النوار، فلما أن غشوه يقولون: ماذا تأمرنا؟ قام فوثب على فرسه، وحمل امرأته ثُمَّ نجا بِهَا، وقال: من استطاع منكم أن يفعل مثل ما فعلت وينجو بأهله فليفعل، ثُمَّ سلك الحوشية حَتَّى لحق بالشام وارفضَّ جمعه، وقتل الله من قتل منهم، وبنو عامر قريبا منهم على قادتهم وسادتهم، وتلك القبائل من سليم وهوازن على تلك الحال، فلما أوقع الله بطليحة وفزارة ما أوقع، أقبل أولئك يقولون: ندخل فيما خرجنا مِنْهُ، ونؤمن بالله ورسوله، ونسلم لحكمه فِي أموالنا وأنفسنا قَالَ أبو جعفر: وَكَانَ سبب ارتداد عيينة وغطفان ومن ارتد من طيئ مَا حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمِّي، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَيْفٌ- وَحَدَّثَنِي السَّرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ عَنْ سَيْفٍ- عَنْ طَلْحَةَ بْنِ الأعلم عن حبيب ابن رَبِيعَةَ الأَسَدِيِّ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ فُلانٍ الأَسَدِيِّ، قَالَ: ارْتَدَّ طُلَيْحَةُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ص، فادعى النبوه، فوجه النبي
стр. 1530
ص ضِرَارَ بْنَ الأَزْوَرِ إِلَى عُمَّالِهِ عَلَى بَنِي أَسَدٍ فِي ذَلِكَ، وَأَمَرَهُمْ بِالْقِيَامِ فِي ذَلِكَ عَلَى كُلِّ مَنِ ارْتَدَّ، فَأَشَجُّوا طُلَيْحَةَ وَأَخَافُوهُ، وَنَزَلَ الْمُسْلِمُونَ بِوَارِدَاتٍ، وَنَزَلَ الْمُشْرِكُونَ بِسَمِيرَاءَ، فَمَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ فِي نَمَاءٍ وَالْمُشْرِكُونَ فِي نُقْصَانٍ، حَتَّى هَمَّ ضِرَارٌ بِالْمَسِيرِ إِلَى طُلَيْحَةَ، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إِلا أَخَذَهُ سِلْمًا، إِلا ضَرْبَةً كَانَ ضَرَبَهَا بِالْجُرَازِ، فَنَبَا عَنْهُ، فَشَاعَتْ فِي النَّاسِ فَأُتِيَ الْمُسْلِمُونَ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِخَبَرِ موت نبيهم ص، وَقَالَ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ لِتِلْكَ الضَّرْبَةِ: إِنَّ السِّلاحَ لا يَحِيكُ فِي طُلَيْحَةَ، فَمَا أَمْسَى الْمُسْلِمُونَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ حَتَّى عَرَفُوا النُّقْصَانَ، وَارْفَضَّ النَّاسُ إِلَى طُلَيْحَةَ، وَاسْتَطَارَ أَمْرُهُ، وَأَقْبَلَ ذُو الْخِمَارَيْنِ عَوْفٌ الْجُذَمِيُّ حَتَّى نَزَلَ بِإِزَائِنَا، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ ثُمَامَةُ بْنُ أَوْسِ بْنِ لأَمٍ الطائي: ان معى من جديله خمسمائة، فَإِنْ دَهِمَكُمْ أَمْرٌ فَنَحْنُ بِالْقُرْدُودَةِ وَالأَنْسَرِ دُوَيْنِ الرمل وارسل اليه مهلهل بن زيد: إِنَّ مَعِي حَدَّ الْغَوْثِ، فَإِنْ دَهِمَكُمْ أَمْرٌ فَنَحْنُ بِالأَكْنَافِ بِحِيَالِ فَيْدٍ وَإِنَّمَا تَحَدَّبَتْ طَيِّئٌ عَلَى ذِي الْخِمَارَيْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ أَسَدٍ وَغَطَفَانَ وَطَيِّئٍ حِلْفٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا كان قبل مبعث النبي ص اجْتَمَعَتْ غَطَفَانُ وَأَسَدٌ عَلَى طَيِّئٍ، فَأَزَاحُوهَا عَنْ دَارِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ: غَوْثُهَا وَجَدِيلَتُهَا، فَكَرِهَ ذَلِكَ عَوْفٌ، فَقَطَعَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَطَفَانَ، وَتَتَابَعَ الْحَيَّانُ عَلَى الْجَلاءِ، وَأَرْسَلَ عَوْفٌ إِلَى الْحَيَّيْنِ مِنْ طَيِّئٍ، فَأَعَادَ حِلْفَهُمْ، وَقَامَ بِنُصْرَتِهِمْ، فَرَجَعُوا إِلَى دُورِهِمْ، وَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى غَطَفَانَ، فَلَمَّا مات رسول الله ص قَامَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ فِي غَطَفَانَ، فَقَالَ:
مَا أَعْرِفُ حُدُودَ غَطَفَانَ مُنْذُ انْقَطَعَ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَنِي أَسَدٍ، وَإِنِّي لَمُجَدِّدٌ الْحِلْفَ الَّذِي كَانَ بَيْنَنَا فِي الْقَدِيمِ وَمُتَابِعٌ طُلَيْحَةَ، وَاللَّهِ لأَنْ نَتَّبِعَ نَبِيًّا مِنَ الْحِلِيفَيْنِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ أَنْ نَتَّبِعَ نَبِيًّا مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَدْ مَاتَ مُحَمَّدٌ، وَبَقِيَ طُلَيْحَةُ فَطَابَقُوهُ عَلَى رَأْيِهِ، فَفَعَلَ وَفَعَلُوا
стр. 1531
فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ غَطَفَانُ عَلَى الْمُطَابَقَةِ لِطُلَيْحَةَ هَرَبَ ضِرَارٌ وَقُضَاعِي وَسِنَانٌ وَمَنْ كَانَ قَامَ بِشَيْءٍ من امر النبي ص فِي بَنِي أَسَدٍ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، وَارْفَضَّ مَنْ كَانَ مَعَهُمْ، فَأَخَبُروا أَبَا بَكْرٍ الْخَبَرَ، وَأَمَرُوهُ بِالْحَذَرِ، فَقَالَ ضِرَارُ بْنُ الأَزْوَرِ: فَمَا رايت أحدا- ليس رسول الله ص- أَمْلأَ بِحَرْبٍ شَعْوَاءَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، فَجَعَلْنَا نُخْبِرُهُ، وَلَكَأَنَّمَا نُخْبِرُهُ بِمَا لَهُ وَلا عَلَيْهِ وَقَدِمَتْ عَلَيْهِ وُفُودُ بَنِي أَسَدٍ وَغَطَفَانَ وَهَوَازِنَ وَطَيِّئٍ، وَتَلَقَّتْ وُفُودُ قُضَاعَةُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَحَوَّزَهَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَاجْتَمَعُوا بِالْمَدِينَةِ فَنَزَلُوا عَلَى وُجُوهِ الْمُسْلِمِينَ، لِعَاشِرٍ مِنْ مُتَوَفَّى رَسُولِ الله ص، فَعَرَضُوا الصَّلاةَ عَلَى أَنْ يُعْفَوْا مِنَ الزَّكَاةِ، وَاجْتَمَعَ مَلأُ مَنْ أَنْزَلَهُمْ عَلَى قَبُولِ ذَلِكَ حَتَّى يَبْلُغُوا مَا يُرِيدُونَ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْ وُجُوهِ الْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ إِلا أَنْزَلَ مِنْهُمْ نَازِلا إِلا الْعَبَّاسَ ثُمَّ أَتَوْا أَبَا بَكْرٍ فَأَخْبَرُوهُ خَبَرَهُمْ وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ مَلَؤُهُمْ، إِلا مَا كَانَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، فَإِنَّهُ أَبَى إِلا ما كان رسول الله ص يَأْخُذُ، وَأَبَوْا، فَرَدَّهُمْ وَأَجَّلَهُمْ يَوْمًا وَلَيْلَةً، فَتَطَايَرُوا إِلَى عَشَائِرِهِمْ.
حَدَّثَنِي السَّرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ سَيْفٍ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شعيب، قال: كان رسول الله ص قد بعث عمرو ابن الْعَاصِ إِلَى جَيْفَرٍ، مُنْصَرَفِهِ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فمات رسول الله ص وَعَمْرٌو بِعُمَانَ، فَأَقْبَلَ حَتَّى إِذَا انْتَهَى إِلَى الْبَحْرَيْنِ وَجَدَ الْمُنْذِرَ بْنَ سَاوَى فِي الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُ الْمُنْذِرُ: أَشِرْ عَلَيَّ فِي مَالِي بِأَمْرٍ لِي وَلا عَلَيَّ، قَالَ: صَدِّقْ بِعَقَارٍ صَدَقَةً تَجْرِي مِنْ بَعْدِكَ، فَفَعَلَ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، فَسَارَ فِي بَنِي تَمِيمٍ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا إِلَى بِلادِ بَنِي عَامِرٍ، فَنَزَلَ عَلَى قُرَّةَ بْنِ هُبَيْرَةَ، وَقُرَّةُ يُقَدِّمُ رِجْلا وَيُؤَخِّرُ رِجْلا، وَعَلَى ذَلِكَ بَنُو عَامِرٍ كُلُّهُمْ إِلا خَوَّاصٌ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَأَطَافَتْ بِهِ قُرَيْشٌ، وَسَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْعَسَاكِرَ مُعَسْكَرَةٌ مِنْ دَبَا إِلَى حَيْثُ انْتَهَيَتْ إِلَيْكُمْ، فَتَفَرَّقُوا وَتَحَلَّقُوا حِلَقًا، وَأَقْبَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُرِيدُ التَّسْلِيمَ عَلَى عَمْرٍو،
стр. 1532
فَمَرَّ بِحَلَقَةٍ، وَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنَ الَّذِي سمعوا من عمرو في تِلْكَ الْحَلَقَةِ: عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَسَعْدٌ، فَلَمَّا دَنَا عُمَرُ مِنْهُمْ سَكَتُوا، فَقَالَ: فِيمَ أَنْتُمْ؟ فَلَمْ يُجِيبُوهُ، فَقَالَ: مَا أَعْلَمَنِي بِالَّذِي خَلَوْتُمْ عَلَيْهِ! فَغَضِبَ طَلْحَةُ، وَقَالَ: تالله يا بن الْخَطَّابِ لَتُخْبِرَنَّا بِالْغَيْبِ! قَالَ: لا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ، وَلَكِنْ أَظُنُّ قُلْتُمْ: مَا أَخْوَفُنَا على قريش من العرب واخلقهم أَلا يُقِرُّوا بِهَذَا الأَمْرِ! قَالُوا: صَدَقْتَ، قَالَ: فَلا تَخَافُوا هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ، أَنَا وَاللَّهِ مِنْكُمْ عَلَى الْعَرَبِ أَخْوَفُ مِنِّي مِنَ الْعَرَبِ عَلَيْكُمْ، والله لو تدخلون معاشر قريش جحرا لدخلته الْعَرَبُ فِي آثَارِكُمْ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِيهِمْ وَمَضَى إِلَى عَمْرٍو فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ.
حَدَّثَنَا السَّرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، قَالَ: نَزَلَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مُنْصَرَفَهُ من عمان- بعد وفاه رسول الله ص- بِقُرَّةَ بْنِ هُبَيْرَةِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ قُشَيْرٍ، وَحَوْلَهُ عَسْكَرٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ مِنْ أَفْنَائِهِمْ، فَذَبَحَ لَهُ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ، فَلَمَّا أَرَادَ الرِّحْلَةَ خَلا بِهِ قُرَّةُ، فَقَالَ: يَا هَذَا، إِنَّ الْعَرَبَ لا تَطِيبُ لَكُمْ نَفْسًا بِالإِتَاوَةِ، فَإِنْ أَنْتُمْ أَعْفَيْتُمُوهَا مِنْ أَخْذِ أَمْوَالِهَا فَسَتَسْمَعْ لَكُمْ وَتُطِيعْ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ فَلا أَرَى أَنْ تَجْتَمِعَ عَلَيْكُمْ فَقَالَ عَمْرٌو: أَكَفَرْتَ يَا قُرَّةُ! وَحَوْلَهُ بَنُو عَامِرٍ، فَكَرِهَ أَنْ يَبُوحَ بِمُتَابَعَتِهِمْ فَيَكْفُرُوا بِمُتَابَعَتِهِ، فَيَنْفِرَ فِي شَرٍّ، فَقَالَ: لَنَرُدَّنَّكُمْ إِلَى فَيْئَتِكُمْ- وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ الإِسْلامُ- اجْعَلُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ مَوْعِدًا فَقَالَ عَمْرٌو:
أَتُوَعِّدُنَا بِالْعَرَبِ وَتُخَوِّفُنَا بها! موعدك حفش أمك، فو الله لأُوطِئَنَّ عَلَيْكَ الْخَيْلَ وَقَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَالْمُسْلِمِينَ فَأَخْبَرَهُمْ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:
لَمَّا فَرَغَ خَالِدٌ مِنْ أَمْرِ بَنِي عَامِرٍ وَبَيْعَتِهِمْ عَلَى مَا بَايَعَهُمْ عَلَيْهِ، أَوْثَقَ عُيَيْنَةَ بْنَ
стр. 1533
حِصْنٍ وَقُرَّةَ بْنَ هُبَيْرَةَ، فَبَعَثَ بِهِمَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا قَدِمَا عَلَيْهِ قَالَ لَهُ قُرَّةُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ مُسْلِمًا، وَلِي مِنْ ذَلِكَ عَلَى إِسْلامِي عِنْدَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ شَهَادَةٌ، قَدْ مَرَّ بِي فَأَكْرَمْتُهُ وَقَرَّبْتُهُ وَمَنَعْتُهُ قَالَ: فَدَعَا أَبُو بَكْرٍ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، فَقَالَ: مَا تَعْلَمُ مِنْ أَمْرِ هَذَا؟ فَقَصَّ عَلَيْهِ الْخَبَرَ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَا قَالَ لَهُ مِنْ أَمْرِ الصَّدَقَةِ، قَالَ لَهُ قُرَّةُ: حَسْبُكَ رَحِمَكَ اللَّهُ! قَالَ: لا وَاللَّهِ، حَتَّى أُبَلِّغَ لَهُ كُلَّ مَا قُلْتَ، فَبَلَّغَ لَهُ، فَتَجَاوَزَ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ، وَحَقَنَ دَمَهُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، عن عبيد الله بن عبد الله ابن عُتْبَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ نَظَرَ إِلَى عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ مَجْمُوعَةً يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ بِحَبْلٍ، يَنْخُسُهُ غِلْمَانُ الْمَدِينَةِ بِالْجَرِيدِ، يَقُولُونَ: أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ، أَكَفَرْتَ بَعْدَ إِيمَانِكَ! فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ آمَنْتُ بِاللَّهِ قَطُّ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ وَحَقَنَ لَهُ دَمَهُ.
حَدَّثَنِي السَّرِيُّ، قَالَ: حدثنا شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ يُوسُفَ، قَالَ: أخذ المسلمون رجلا من بني أسد، فأتي بِهِ خالد بالغمر- وَكَانَ عالما بأمر طليحة- فَقَالَ لَهُ خالد: حَدِّثْنَا عَنْهُ وعما يقول لكم، فزعم أن مما أتى به: والحمام واليمام، والصرد الصوام، قد صمن قبلكم بأعوام، ليبلغن ملكنا العراق والشام حَدَّثَنِي السري، قال: حدثنا شعيب، عن سيف، عن ابى يعقوب سعيد بن عبيد، قال: لما أرزى أهل الغمر إلى البزاخة، قام فيهم طليحة، ثُمَّ قَالَ: أمرت أن تصنعوا رحا ذات عرا، يرمي الله بِهَا من رمى، يهوي عليها من هوى، ثُمَّ عبَّى جنوده، ثُمَّ قَالَ: ابعثوا فارسين، على فرسين
стр. 1534
أدهمين، من بني نصر بْن قعين، يأتيانكم بعين فبعثوا فارسين من بني قعين، فخرج هو وسلمة طليعتين.
حَدَّثَنَا السَّرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سَعِيدِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ الْجَذِعِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ، عَمَّنْ شَهِدَ بُزَاخَةَ مِنَ الأَنْصَارِ، قَالَ: لَمْ يُصِبْ خَالِدٌ عَلَى الْبُزَاخَةِ عَيْلا وَاحِدًا، كَانَتْ عِيَالاتُ بَنِي أَسَدٍ مُحْرَزَةً- وقال ابو يعقوب: بين مثقب وفلج، وَكَانَتْ عِيَالاتُ قَيْسٍ بَيْنَ فَلَجٍ وَوَاسِطَ- فَلَمْ يَعُدْ أَنِ انْهَزَمُوا، فَأَقَرُّوا جَمِيعًا بِالإِسْلامِ خَشْيَةً عَلَى الذَّرَارِي، وَاتَّقُوا خَالِدًا بِطَلِبَتِهِ، وَاسْتَحَقُّوا الأَمَانَ، ومضى طليحة، حتى نزل كلب عَلَى النَّقْعِ، فَأَسْلَمَ، وَلَمْ يَزَلْ مُقِيمًا فِي كَلْبٍ حَتَّى مَاتَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَانَ إِسْلامُهُ هُنَالِكَ حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ أَسَدًا وَغَطَفَانَ وَعَامِرًا قَدْ أَسْلَمُوا، ثُمَّ خَرَجَ نَحْوَ مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي إِمَارَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَمَرَّ بِجَنَبَاتِ الْمَدِينَةِ، فَقِيلَ لأَبِي بَكْرٍ:
هَذَا طُلَيْحَةُ، فَقَالَ: مَا أَصْنَعُ بِهِ! خَلُّوا عَنْهُ، فَقَدْ هَدَاهُ اللَّهُ لِلإِسْلامِ.
وَمَضَى طُلَيْحَةُ نَحْوَ مَكَّةَ فَقَضَى عُمْرَتَهُ، ثُمَّ أَتَى عُمَرَ إِلَى الْبَيْعَةِ حِينَ اسْتُخْلِفَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَنْتَ قَاتِلُ عُكَاشَةَ وَثَابِتٍ! وَاللَّهِ لا أُحِبُّكَ أَبَدًا فَقَالَ:
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا تَهِمُّ مِنْ رَجُلَيْنِ أَكْرَمَهُمَا اللَّهُ بِيَدِي، وَلَمْ يُهِنِّي بِأَيْدِيهِمَا! فَبَايَعَهُ عُمَرُ ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا خُدَعُ، مَا بَقِيَ مِنْ كَهَانَتِكَ؟ قَالَ: نَفْخَةٌ أَوْ نَفْخَتَانِ بِالْكِيرِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى دَارِ قَوْمِهِ، فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى خَرَجَ إِلَى الْعِرَاقِ
. ذكر ردة هَوَازِن وسليم وعامر
حَدَّثَنَا السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ سَهْلٍ وَعَبْدِ اللَّهِ، قَالا:
أَمَّا بَنُو عَامِرٍ فَإِنَّهُمْ قَدَّمُوا رِجْلا وَأَخَّرُوا أُخْرَى، وَنَظَرُوا مَا تَصْنَعُ أَسَدٌ وَغَطَفَانُ، فَلَمَّا أُحِيطَ بِهِمْ وَبَنُو عَامِرٍ عَلَى قَادَتِهِمْ وَسَادَتِهِمْ، كَانَ قُرَّةُ بن
стр. 1535
هُبَيْرَةَ فِي كَعْبٍ وَمَنْ لافَّهَا، وَعَلْقَمَةُ بْنُ عُلاثَةَ فِي كِلابٍ وَمَنْ لافَّهَا، وَقَدْ كَانَ عَلْقَمَةُ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ فِي أَزْمَانِ النَّبِيِّ ص، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ فَتْحِ الطَّائِفِ حَتَّى لَحِقَ بالشام، فلما توفى النبي ص أَقْبَلَ مُسْرِعًا حَتَّى عَسْكَرَ فِي بَنِي كَعْبٍ، مُقَدِّمًا رِجْلا وَمُؤَخِّرًا أُخْرَى، وَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ سَرِيَّةً، وَأَمَّرَ عَلَيْهَا الْقَعْقَاعَ بن عمرو، وقال: يا قعقاع، سر حتى تُغِيرُ عَلَى عَلْقَمَةَ بْنِ عُلاثَةَ، لَعَلَّكَ أَنْ تَأْخُذَهُ لِي أَوْ تَقْتُلَهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ شِفَاءَ الشق الحوص، فَاصْنَعْ مَا عِنْدَكَ فَخَرَجَ فِي تِلْكَ السَّرِيَّةِ، حَتَّى أَغَارَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي عَلَيْهِ عَلْقَمَةُ، وَكَانَ لا يَبْرَحُ أَنْ يَكُونَ عَلَى رِجْلٍ، فَسَابَقَهُمْ عَلَى فَرَسِهِ، فَسَبَقَهُمْ مُرَاكَضَةً، وَأَسْلَمَ أَهْلُهُ وَوَلَدُهُ، فَانْتَسَفَ امْرَأَتَهُ وَبَنَاتَهُ وَنِسَاءَهُ، وَمَنْ أَقَامَ مِنَ الرِّجَالِ، فَاتَّقَوْهُ بِالإِسْلامِ فَقَدِمَ بِهِمْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَجَحَدَ وَلَدُهُ وَزَوْجَتُهُ أَنْ يَكُونُوا مَالَئُوا عَلْقَمَةَ، وَكَانُوا مُقِيمِينَ فِي الدَّارِ، فَلَمْ يَبْلُغْهُ إِلا ذَلِكَ، وَقَالُوا: مَا ذَنْبُنَا فِيمَا صَنَعَ عَلْقَمَةُ مِنْ ذَلِكَ! فَأَرْسَلَهُمْ ثُمَّ أَسْلَمَ، فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ.
حَدَّثَنَا السري، عن شعيب، عَنْ سَيْفٍ، عن أبي عمرو وأبي ضمرة، عن ابن سيرين مثل معانيه.
وأقبلت بنو عامر بعد هزيمة أهل بزاخة يقولون: ندخل فيما خرجنا مِنْهُ، فبايعهم على ما بايع عَلَيْهِ أهل البزاخة من أسد وغطفان وطيئ قبلهم، وأعطوه بأيديهم على الإسلام، ولم يقبل من أحد من أسد ولا غطفان ولا هَوَازِن ولا سليم ولا طيئ إلا أن يأتوه بالذين حرقوا ومثلوا وعدوا على أهل الإسلام فِي حال ردتهم فأتوه بهم، فقبل منهم إلا قرة بْن هبيرة ونفرا معه أوثقهم، ومثل بالذين عدوا على الإسلام، فأحرقهم بالنيران وو رضخهم بالحجارة، ورمى بهم من الجبال، ونكسهم فِي الآبار، وخزق بالنبال وبعث بقرة وبالأسارى، وكتب
стр. 1536
إلى أبي بكر: إن بني عامر أقبلت بعد إعراض، ودخلت فِي الإسلام بعد تربص، وإني لم أقبل من أحد قاتلني أو سالمني شَيْئًا حَتَّى يجيئوني بمن عدا على الْمُسْلِمين، فقتلتهم كل قتلة، وبعثت إليك بقرة وأصحابه حَدَّثَنَا السَّرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: كَتَبَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى خَالِدٍ: لِيُزِدْكَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكَ خَيْرًا، وَاتَّقِ اللَّهَ فِي أَمْرِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ جِدَّ فِي أَمْرِ اللَّهِ ولا تبنين، وَلا تَظْفَرَنَّ بِأَحَدٍ قَتَلَ الْمُسْلِمِينَ إِلا قَتَلْتَهُ وَنَكَّلْتَ بِهِ غَيْرَهُ، وَمَنْ أَحْبَبْتَ مِمَّنْ حَادَّ اللَّهَ أَوْ ضَادَّهُ، مِمَّنْ تَرَى أَنَّ فِي ذَلِكَ صَلاحًا فَاقْتُلْهُ فَأَقَامَ عَلَى الْبُزَاخَةِ شَهْرًا يَصْعَدُ عَنْهَا وَيَصُوبُ، وَيَرْجِعُ إِلَيْهَا فِي طَلَبِ أُولَئِكَ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَحْرَقَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَمَطَهُ وَرَضَخَهُ بِالْحِجَارَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَمَى بِهِ مِنْ رؤوس الْجِبَالِ وَقَدِمَ بِقُرَّةَ وَأَصْحَابِهِ، فَلَمْ يَنْزِلُوا وَلَمْ يَقُلْ لَهُمْ كَمَا قِيلَ لِعُيَيْنَةَ وَأَصْحَابِهِ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا فِي مِثْلِ حَالِهِمْ، وَلَمْ يَفْعَلُوا فِعْلَهُمْ قَالَ السري: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ سَيْفٍ، عن سهل وابى يعقوب، قال: واجتمعت فلال غطفان إلى ظفر، وبها أم زمل سلمى ابنة مالك بْن حذيفة بْن بدر، وهي تشبه بأمها أم قرفة بنت ربيعة بْن فلان بْن بدر، وكانت أم قرفة عِنْد مالك بْن حذيفة، فولدت لَهُ قرفة، وحكمة، وجراشة، وزملا، وحصينا، وشريكا، وعبدا، وزفر، ومعاوية، وحملة، وقيسا، ولأيا، فأما حكمة فقتله رسول الله ص يوم أغار عيينة بْن حصن على سرح الْمَدِينَة، قتله أبو قتادة، فاجتمعت تلك الفلال إلى سلمى، وكانت فِي مثل عز أمها، وعندها جمل أم قرفة، فنزلوا إليها فذمرتهم، وأمرتهم بالحرب، وصعدت سائرة فيهم وصوبت، تدعوهم إلى حرب خالد، حَتَّى اجتمعوا لَهَا، وتشجعوا على ذَلِكَ، وتأشب إِلَيْهِم الشرداء من كل جانب- وكانت قد سبيت أيام
стр. 1537
أم قرفة، فوقعت لعائشة فأعتقتها، فكانت تكون عندها، ثُمَّ رجعت إلى قومها، [وقد كَانَ النبي ص دخل عليهن يوما، فَقَالَ إن إحداكن تستنبح كلاب الحوأب،] ففعلت سلمى ذَلِكَ حين ارتدت، وطلبت بذلك الثأر، فسيرت فيما بين ظفر والحوأب، لتجمع إليها، فتجمع إليها كل فل ومضيق عَلَيْهِ من تلك الأحياء من غطفان وهوازن وسليم وأسد وطيئ، فلما بلغ ذَلِكَ خالدا- وهو فيما هو فيه من تتبع الثأر، وأخذ الصدقة ودعاء الناس وتسكينهم- سَارَ الى المرأة وقد استكثف أمرها، وغلظ شأنها، فنزل عليها وعلى جُمَّاعها، فاقتتلوا قتالا شديدا، وهي واقفة على جمل أمها، وفي مثل عزها، وَكَانَ يقال: من نخس جملها فله مائة من الإِبِل لعزها، وابيرت يومئذ بيوتات من جاس- قال ابو جعفر:
جاس حي من غنم- وهاربه، وغنم، وأصيب فِي أناس من كاهل، وَكَانَ قتالهم شديدا، حَتَّى اجتمع على الجمل فوارس فعقروه وقتلوها.
وقتل حول جملها مائة رجل، وبعث بالفتح، فقدم على أثر قرة بنحو من عشرين ليلة.
قَالَ السري: قَالَ شعيب، عن سيف، عن سهل وأبي يعقوب، قالا:
كَانَ من حديث الجواء وناعر، أن الفجاءة إياس بْن عبد ياليل قدم على أبي بكر، فَقَالَ: أعني بسلاح، ومرني بمن شئت من أهل الردة، فأعطاه سلاحا، وأمره أمره، فخالف أمره إلى الْمُسْلِمين، فخرج حَتَّى ينزل بالجواء، وبعث نجبة بْن أبي الميثاء من بني الشريد، وأمره بالمسلمين، فشنها غارة على كل مسلم فِي سليم وعامر وهوازن، وبلغ ذَلِكَ أبا بكر، فأرسل إلى طريفة بْن حاجز يأمره أن يجمع لَهُ وأن يسير إليه، وبعث إليه عبد الله بْن قيس الجاسي عونا، ففعل، ثُمَّ نهضا إليه وطلباه، فجعل يلوذ منهما حَتَّى لقياه على الجواء، فاقتتلوا، فقتل نجبة، وهرب الفجاءة، فلحقه طريفة فأسره ثُمَّ بعث بِهِ إلى أبي بكر، فقدم بِهِ على أبي بكر، فأمر فأوقد لَهُ نارا فِي مصلى الْمَدِينَة على حطب كثير، ثُمَّ رمي بِهِ فيها مقموطا
стр. 1538
قال أبو جعفر: وأما ابن حميد، فإنه حَدَّثَنَا فِي شأن الفجاءة عن سلمة، عَنْ محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قَالَ: قدم على أبي بكر رجل من بني سليم، يقال لَهُ الفجاءة، وهو إياس بْن عبد الله بْن عبد ياليل بْن عميرة بْن خفاف، فَقَالَ لأبي بكر: إني مسلم، وقد أردت جهاد من ارتد من الكفار، فاحملني وأعني، فحمله أبو بكر على ظهر، وأعطاه سلاحا، فخرج يستعرض الناس: المسلم والمرتد، يأخذ أموالهم، ويصيب من امتنع منهم، ومعه رجل من بني الشريد، يقال لَهُ: نجبة بْن أبي الميثاء، فلما بلغ أبا بكر خبره، كتب إلى طريفة بْن حاجز: إن عدو الله الفجاءة أتاني يزعم أنه مسلم، ويسألني أن أقويه على من ارتد عَنِ الإِسْلامِ، فحملته وسلحته، ثُمَّ انتهى إليَّ من يقين الخبر أن عدو الله قد استعرض الناس: المسلم والمرتد يأخذ أموالهم، ويقتل من خالفه منهم، فسر إليه بمن معك مِنَ الْمُسْلِمين حَتَّى تقتله، أو تأخذه فتأتيني بِهِ فسار طريفة بْن حاجز، فلما التقى الناس كانت بينهم الرِّمّيّا بالنبل، فقتل نجبة بْن أبي الميثاء بسهم رمي بِهِ، فلما رأى الفجاءة مِنَ الْمُسْلِمين الجد قَالَ لطريفة: والله ما أنت بأولى بالأمر مني، أنت أمير لأبي بكر وأنا أميره فَقَالَ لَهُ طريفة: إن كنت صادقا فضع السلاح، وانطلق معي إلى أبي بكر فخرج معه، فلما قد ما عَلَيْهِ أمر أبو بكر طريفة بْن حاجز، فَقَالَ: اخرج بِهِ إلى هذا البقيع فحرّقه فيه بالنار، فخرج بِهِ طريفة إلى المصلى فأوقد لَهُ نارا، فقذفه فيها، فَقَالَ خفاف بْن ندبة- وهو خفاف بْن عمير- يذكر الفجاءة، فيما صنع:
لم يأخذون سلاحه لقتاله ... ولذاكم عند الإله اثام
لادينهم ديني ولا انا منهم ... حتى يسير الى الصراة شمام
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: كَانَتْ سُلَيْمُ بْنُ مَنْصُورٍ قَدِ انْتُقِضَ بَعْضُهُمْ، فَرَجَعُوا كُفَّارًا، وَثَبَتَ بَعْضُهُمْ عَلَى الإِسْلامِ مَعَ أَمِيرٍ كَانَ لأَبِي بَكْرٍ عليهم،
стр. 1539
يُقَالُ لَهُ مَعْنُ بْنُ حَاجِزٍ، أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ، فَلَمَّا سَارَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ إِلَى طُلَيْحَةَ وَأَصْحَابِهِ، كَتَبَ إِلَى مَعْنِ بْنِ حَاجِزٍ أَنْ يَسِيرَ بِمَنْ ثَبَتَ مَعَهُ عَلَى الإِسْلامِ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ مَعَ خَالِدٍ، فَسَارَ وَاسْتَخْلَفَ على عمله أخاه طريفه ابن حَاجِزٍ، وَقَدْ كَانَ لَحِقَ فِيمَنْ لَحِقَ مِنْ بنى سليم باهل الرده ابو شجره ابن عَبْدِ الْعُزَّى، وَهُوَ ابْنُ الْخَنْسَاءِ، فَقَالَ:
فَلَوْ سالت عنا غداه مرامر ... كَمَا كُنْتَ عَنْهَا سَائِلا لَوْ نَأَيْتُهَا
لِقَاءَ بَنِي فِهْرٍ وَكَانَ لِقَاؤُهُمْ ... غَدَاةَ الْجَوَاءِ حَاجَةً فَقَضَيْتُهَا
صَبَرْتُ لَهُمْ نَفْسِي وَعَرَّجْتُ مُهْرَتِي ... عَلَى الطَّعْنِ حَتَّى صَارَ وَرْدًا كُمَيْتُهَا
إِذَا هِيَ صَدَّتْ عَنْ كَمِيٍّ أُرِيدُهُ ... عَدَلْتُ إِلَيْهِ صَدْرَهَا فَهدِيتُهَا
فَقَالَ أَبُو شَجَرَةَ حِينَ ارْتَدَّ عَنِ الإِسْلامِ:
صَحَا الْقَلْبُ عَنْ مَيَّ هَوَاهُ وَأَقْصَرَا ... وطلوع فِيهَا الْعَاذِلِينَ فَأَبْصَرَا
وَأَصْبَحَ أَدْنَى رَائِدَ الْجَهْلِ والصبا ... كَمَا وُدُّهَا عَنَّا كَذَاكَ تَغَيَّرَا
وَأَصْبَحَ أَدْنَى رَائِدَ الْوَصْلِ مِنْهُمُ ... كَمَا حَبْلُهَا مِنْ حَبْلِنَا قَدْ تَبَتَّرَا
أَلا أَيُّهَا الْمُدْلِي بِكَثْرَةِ قَوْمِهِ ... وَحَظُّكَ مِنْهُمْ أَنْ تُضَامَ وَتُقْهَرَا
سَلِ النَّاسَ عَنَّا كُلَّ يَوْمِ كَرِيهَةٍ ... إِذَا مَا الْتَقَيْنَا: دَارِعِينَ وَحُسَّرَا
أَلَسْنَا نُعَاطِي ذَا الطِّمَاحِ لِجَامَهُ ... وَنَطْعَنُ فِي الْهَيْجَا إِذَا الْمَوْتُ أَقْفَرَا!
وَعَاضِرَةٌ شَهْبَاءُ تَخْطُرُ بِالْقَنَا ... تَرَى الْبُلْقَ فِي حَافَّاتِهَا وَالسَّنَّوْرَا
فَرَوَيْتُ رُمْحِي مِنْ كَتِيبَةِ خَالِدٍ ... وَإِنِّي لأرجو بعدها ان اعمرا
ثم ان أَبَا شَجَرَةَ أَسْلَمَ، وَدَخَلَ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ، فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَنَسٍ السُّلَمِيِّ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ قَوْمِهِ وَحَدَّثَنَا السَّرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ سَهْلٍ وَأَبِي يَعْقُوبَ وَمُحَمَّدِ بْنِ مرزوق،
стр. 1540
وَعَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَيْسٍ السُّلَمِيِّ، قَالُوا:
فَأَنَاخَ نَاقَتَهُ بِصَعِيدِ بَنِي قُرَيْظَةَ قَالَ: ثُمَّ أَتَى عُمَرَ وَهُوَ يُعْطِي الْمَسَاكِينَ مِنَ الصَّدَقَةِ وَيَقْسِمُهَا بَيْنَ فُقَرَاءِ الْعَرَبِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَعْطِنِي فَإِنِّي ذُو حَاجَةٍ، قَالَ: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَبُو شَجَرَةَ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى السُّلَمِيُّ، قَالَ: أَبُو شَجَرَةَ! أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ، أَلَسْتَ الَّذِي تَقُولُ:
فَرَوَيْتُ رُمْحِي مِنْ كَتِيبَةِ خَالِدٍ ... وَإِنِّي لأَرْجُو بَعْدَهَا أَنْ أُعَمَّرَا
قَالَ: ثُمَّ جَعَلَ يَعْلُوهُ بِالدِّرَّةِ فِي رَأْسِهِ حَتَّى سَبَقَهُ عَدْوًا، فَرَجَعَ إِلَى نَاقَتِهِ فَارْتَحَلَهَا، ثُمَّ أَسْنَدَهَا فِي حَرَّةِ شَوْرَانَ رَاجِعًا إِلَى أَرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ، فَقَالَ:
ضَنَّ عَلَيْنَا أَبُو حَفْصٍ بِنَائِلِهِ ... وَكُلُّ مُخْتَبِطٍ يَوْمًا لَهُ وَرَقُ
مَا زَالَ يُرْهِقُنِي حَتَّى خَذِيتُ لَهُ ... وَحَالَ مِنْ دُونِ بَعْضِ الرَّغْبَةِ الشَّفَقُ
لَمَّا رَهِبْتُ أَبَا حَفْصٍ وَشُرْطَتَهُ ... وَالشَّيْخُ يُفْزَعُ أَحْيَانًا فَيَنْحَمِقُ
ثُمَّ ارْعَوَيْتُ إِلَيْهَا وَهْيَ جَانِحَةً ... مِثْلَ الطَّرِيدَةِ لَمْ يَنْبُتْ لَهَا ورق
أوردتها الحل مِنْ شَوْرَانِ صَادِرَةً ... إِنِّي لأُزْرِي عَلَيْهَا وَهِيَ تَنْطَلِقُ
تَطِيرُ مَرْوَ أَبَّانٍ عَنْ مَنَاسِمِهَا ... كَمَا تَنْوَقِدُ عِنْدَ الْجَهَبِذِ الْوَرَقُ
إِذَا يُعَارِضُهَا خِرْقٌ تُعَارِضُهُ ... وَرْهَاءُ فِيهَا إِذَا اسْتَعْجَلْتُهَا خَرِقُ
يَنُوءُ آخِرُهَا مِنْهَا بِأَوَّلِهَا ... سَرْحُ الْيَدَيْنِ بِهَا نِهَاضَةَ الْعُنُقُ
ذكر خبر بني تميم وأمر سجاح بنت الحارث بْن سويد
وَكَانَ من أمر بنى تميم، ان رسول الله ص توفي وقد فرق فيهم عماله، فكان الزبرقان بْن بدر على الرباب وعوف والأبناء- فيما
стр. 1541
ذكر السري، عن شعيب، عن سيف، عن الصعب بْن عطية بْن بلال، عن أبيه وسهم بْن منجاب- وقيس بْن عاصم على مقاعس والبطون، وصفوان ابن صفوان وسبرة بْن عمرو على بني عمرو، هذا على بهدي وهذا على خضم- قبيلتين من بني تميم- ووكيع بْن مالك ومالك بْن نويرة على بني حنظلة، هذا على بني مالك، وهذا على بني يربوع فضرب صفوان إلى أبي بكر حين وقع إليه الخبر بموت النبي ص بصدقات بني عمرو، وما ولى منها وبما ولى سبرة، وأقام سبرة فِي قومه لحدث ان ناب القوم، وقد أطرق قيس ينظر ما الزبرقان صانع وَكَانَ الزبرقان متعتّبا عَلَيْهِ، وقلما جامله إلا مزقه الزبرقان بحظوته وجده وقد قَالَ قيس وهو ينتظر لينظر ما يصنع ليخالفه حين أبطأ عليه: وا ويلنا من ابن العكلية! والله لقد مزقني فما أدري ما أصنع! لئن أنا تابعت أبا بكر وأتيته بالصدقة لينحرنها فِي بني سعد فليسودني فيهم، ولئن نحرتها فِي بني سعد ليأتين أبا بكر فليسودني عنده فعزم قيس على قسمها فِي المقاعس والبطون، ففعل وعزم الزبرقان على الوفاء، فاتبع صفوان بصدقات الرباب وعوف والأبناء حَتَّى قدم بِهَا الْمَدِينَة، وهو يقول ويعرض بقيس:
وفيت بأذواد الرسول وقد أبت ... سعاة فلم يردد بعيرا مجيرها
وتحلل الأحياء ونشب الشر، وتشاغلوا وشغل بعضهم بعضا ثُمَّ ندم قيس بعد ذَلِكَ، فلما أظله العلاء بْن الحضرمي أخرج صدقتها، فتلقاه بِهَا، ثُمَّ خرج معه، وقال فِي ذَلِكَ:
ألا أبلغا عني قريشا رسالة ... إذا ما أتتها بينات الودائع
فتشاغلت فِي تلك الحال عوف والأبناء بالبطون والرباب بمقاعس، وتشاغلت خضم بمالك وبهدي بيربوع، وعلى خضم سبرة بْن عمرو، وذلك الذى حلفه عن صفوان والحصين بْن نيار على بهدي، والرباب، عبد الله بْن صفوان
стр. 1542
على ضبة، وعصمة بْن أبير على عبد مناة، وعلى عوف والأبناء عوف بْن البلاد ابن خالد من بني غنم الجشمي، وعلى البطون سعر بن خفاف، وقد كان ثمامة ابن أثال تأتيه أمداد من بني تميم، فلما حدث هذا الحدث فيما بينهم تراجعوا إلى عشائرهم، فأضر ذَلِكَ بثمامة بْن أثال حَتَّى قدم عَلَيْهِ عكرمة وأنهضه، فلم يصنع شَيْئًا، فبينا الناس فِي بلاد تميم على ذَلِكَ، قد شغل بعضهم بعضا، فمسلمهم بإزاء من قدم رجلا وأخر أخرى وتربص، وبإزاء من ارتاب، فجئتهم سجاح بنت الحارث قد أقبلت من الجزيرة، وكانت ورهطها فِي بني تغلب تقود أفناء ربيعة، معها الهذيل بْن عمران في بنى تغلب، وعقه ابن هلال في النمر، وتاد بْن فلان فِي إياد، والسليل بْن قيس فِي شيبان، فأتاهم أمر دهي، هو أعظم مما فيه الناس، لهجوم سجاح عليهم، ولما هم فيه من اختلاف الكلمة، والتشاغل بما بينهم وقال عفيف بْن المنذر فِي ذَلِكَ:
ألم يأتيك والأنباء تسري ... بما لاقت سراة بني تميم
تداعى من سراتهم رجال ... وكانوا فِي الذوائب والصميم
وألجوهم وَكَانَ لهم جناب ... الى احياء خاليه وخيم
وكانت سجاح بنت الحارث بْن سويد بْن عقفان- هي وبنو أبيها عقفان- فِي بني تغلب، فتنبت بعد موت رسول الله ص بالجزيرة فِي بني تغلب، فاستجاب لَهَا الهذيل، وترك التنصر، وهؤلاء الرؤساء الذين أقبلوا معها لتغزو بهم أبا بكر فلما انتهت إلى الحزن راسلت مالك بْن نويرة ودعته إلى الموادعة، فأجابها، وفثأها عن غزوها، وحملها على أحياء من بني تميم، قالت: نعم، فشأنك بمن رأيت، فإني إنما أنا امرأة من بني يربوع، وإن كَانَ ملك فالملك ملككم فأرسلت إلى بني مالك بْن حنظلة تدعوهم إلى الموادعة، فخرج عطارد بْن حاجب وسروات بني مالك حَتَّى نزلوا فِي بني العنبر على سبرة بْن عمرو هُرَّابا قد كرهوا ما صنع وكيع،
стр. 1543
وخرج أشباههم من بني يربوع، حَتَّى نزلوا على الحصين بْن نيار فِي بني مازن، وقد كرهوا ما صنع مالك، فلما جاءت رسلها إلى بني مالك تطلب الموادعة، أجابها إلى ذَلِكَ وكيع، فاجتمع وكيع ومالك وسجاح، وقد وادع بعضهم بعضا، واجتمعوا على قتال الناس وقالوا: بمن نبدأ؟ بخضم، أم ببهدي، أم بعوف والأبناء، أم بالرباب؟ وكفوا عن قيس لما رأوا من تردده وطمعوا فيه، فقالت: أعدوا الركاب، واستعدوا للنهاب، ثُمَّ أغيروا على الرباب، فليس دونهم حجاب.
قَالَ: وصمدت سجاح للأحفار حَتَّى تنزل بِهَا، وقالت لهم: إن الدهناء حجاز بني تميم، ولن تعدو الرباب، إذا شدها المصاب، أن تلوذ بالدجاني والدهاني، فلينزلها بعضكم فتوجه الجفول- يعني مالك بْن نويرة- إلى الدجاني فنزلها، وسمعت بهذا الرباب فاجتمعوا لَهَا، ضبتها وعبد مناتها، فولي وكيع وبشر بني بكر من بني ضبة، وولي ثعلبة بْن سعد بْن ضبة عقة، وولي عبد مناة الهذيل فالتقى وكيع وبشر وبنو بكر من بني ضبة، فهُزما، وأسر سماعة ووكيع وقعقاع، وقتلت قتلى كثيرة، فَقَالَ فِي ذَلِكَ قيس بْن عاصم، وذلك أول ما استبان فيه الندم:
كأنك لم تشهد سماعة إذ غزا ... وما سر قعقاع وخاب وكيع
رأيتك قد صاحبت ضبة كارها ... على ندب فِي الصفحتين وجيع
ومطلق أسرى كَانَ حمقا مسيرها ... إلى صخرات أمرهن جميع
فصرفت سجاح والهذيل وعقة بني بكر، للموادعة التي بينها وبين وكيع- وَكَانَ عقة خال بشر- وقالت: اقتلوا الرباب ويصالحونكم ويطلقون أسراكم، وتحملون لهم دماءهم، وتحمد غب رأيهم أخراهم فاطلقت
стр. 1544
لهم ضبة الأسرى، وودوا القتلى، وخرجوا عنهم فَقَالَ فِي ذَلِكَ قيس يعيرهم صلح ضبة، إسعادا لضبة وتأنيبا لهم ولم يدخل فِي أمر سجاح عمري ولا سعدي ولا ربي، ولم يطمعوا من جميع هؤلاء إلا فِي قيس، حَتَّى بدا مِنْهُ إسعاد ضبة، وظهر مِنْهُ الندم ولم يمالئهم من حنظلة إلا وكيع ومالك، فكانت ممالأتهما موادعة على أن ينصر بعضهم بعضا، ويحتاز بعضهم إلى بعضهم، وقال أصم التيمي فِي ذَلِكَ:
أتتنا أخت تغلب فاستهدت ... جلائب من سراة بني أبينا
وأرست دعوة فينا سفاها ... وكانت من عمائر آخرينا
فما كنا لنرزيهم زبالا ... وما كانت لتسلم إذ أتينا
ألا سفهت حلومكم وضلت ... عشية تحشدون لَهَا ثبينا
قَالَ: ثُمَّ إن سجاح خرجت فِي جنود الجزيرة، حَتَّى بلغت النباج، فأغار عليهم أوس بْن خزيمة الهجيمي فيمن تأشب إليه من بني عمرو، فأسر الهذيل، أسره رجل من بني مازن ثُمَّ أحد بني وبر، يدعى ناشرة.
وأسر عقة، أسره عبدة الهجيمي، وتحاجزوا على أن يترادوا الأسرى، وينصرفوا عنهم، ولا يجتازوا عليهم، ففعلوا، فردوها وتوثقوا عليها وعليهما، أن يرجعوا عنهم، ولا يتخذوهم طريقا إلا من ورائهم فوفوا لهم، ولم يزل فِي نفس الهذيل على المازني، حَتَّى إذا قتل عثمان بْن عفان، جمع جمعا فأغار على سفار، وعليه بنو مازن، فقتلته بنو مازن ورموا بِهِ فِي سفار.
ولما رجع الهذيل وعقة إليها واجتمع رؤساء أهل الجزيرة قالوا لَهَا: ما تأمريننا؟
فقد صالح مالك ووكيع قومهما، فلا ينصروننا ولا يزيدوننا على أن نجوز فِي أرضهم، وقد عاهدنا هؤلاء القوم فقالت: اليمامة، فقالوا: إن شوكة أهل اليمامة شديدة، وقد غلظ أمر مسيلمة، فقالت: عليكم باليمامة،
стр. 1545
ودفوا دفيف الحمامة، فإنها غزوة صرامة، لا يلحقكم بعدها ملامة.
فنهدت لبني حنيفة، وبلغ ذَلِكَ مسيلمة فهابها، وخاف إن هو شغل بِهَا أن يغلبه ثمامة على حجر أو شرحبيل بْن حسنة، أو القبائل التي حولهم، فأهدى لَهَا، ثُمَّ أرسل إليها يستأمنها على نفسه حَتَّى يأتيها.
فنزلت الجنود على الأمواه، وأذنت لَهُ وآمنته، فجاءها وافدا فِي أربعين من بني حنيفة- وكانت راسخة فِي النصرانية، قد علمت من علم نصارى تغلب- فَقَالَ مسيلمة: لنا نصف الأرض، وَكَانَ لقريش نصفها لو عدلت، وقد رد الله عليك النصف الَّذِي ردت قريش، فحباك بِهِ، وَكَانَ لَهَا لو قبلت فقالت: لا يرد النصف إلا من حنف، فاحمل النصف إلى خيل تراها كالسهف فَقَالَ مسيلمة: سمع الله لمن سمع، وأطمعه بالخير إذ طمع، ولا زال أمره فِي كل ما سر نفسه يجتمع رآكم ربكم فحياكم، ومن وحشة خلاكم، ويوم دينه أنجاكم فأحياكم علينا من صلوات معشر أبرار، لا أشقياء ولا فجار، يقومون الليل ويصومون النهار، لربكم الكبار، رب الغيوم والأمطار.
وقال أيضا: لما رأيت وجوههم حسنت، وأبشارهم صفت، وأيديهم طفلت، قلت لهم: لا النساء تأتون، ولا الخمر تشربون، ولكنكم معشر أبرار، تصومون يوما، وتكلفون يوما، فسبحان الله! إذا جاءت الحياة كيف تحيون، وإلى ملك السماء ترقون! فلو أنها حبة خردلة، لقام عليها شهيد يعلم ما فِي الصدور، ولأكثر الناس فيها الثبور.
وَكَانَ مما شرع لهم مسيلمة أن من أصاب ولدا واحدا عقبا لا يأتي
следующие страницы →