Полный текст (6 431 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
فَتَرَاجَعُوا وَأَقَرُّوا بِالْجَزَاءِ إِلَى أَنْ تَحَوَّلَ سَعْدٌ مِنَ الْمَدَائِنِ إِلَى الْكُوفَةِ، فَلَحِقَ بِهِ، وَاسْتَخْلَفَ قباذ على الثغر، وكان اصله خراسانيا
. ذكر فتح تكريت
وَكَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ- أَعْنِي سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ فِي رِوَايَةِ سَيْفٍ- فَتْحُ تِكْرِيتَ، وَذَلِكَ فِي جُمَادَى مِنْهَا.
ذكر الخبر عن فتحها:
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَالْمُهَلَّبِ وَسَعِيدٍ، وَشَارَكَهُمُ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَيْبَةَ، قَالُوا: كَتَبَ سَعْدٌ فِي اجْتِمَاعِ أَهْلِ الْمَوْصِلِ إِلَى الأَنْطَاقِ وَإِقْبَالِهِ حَتَّى نَزَلَ بِتِكْرِيتَ، وَخَنْدَقَ فِيهِ عَلَيْهِ لِيَحْمِيَ أَرْضَهُ، وَفِي اجْتِمَاعِ أَهْلِ جَلُولاءَ عَلَى مِهْرَانَ مَعَهُ، فَكَتَبَ فِي جَلُولاءَ مَا قَدْ فَرَغْنَا مِنْهُ، وَكَتَبَ فِي تِكْرِيتَ وَاجْتِمَاعِ أَهْلِ الْمَوْصِلِ إِلَى الأَنْطَاقِ بِهَا: أَنْ سَرِّحْ إِلَى الأَنْطَاقِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُعْتَمِّ، وَاسْتَعْمِلْ على مقدمته ربعي ابن الأَفْكَلِ الْعَنَزِيَّ، وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ الْحَارِثَ بْنَ حَسَّانٍ الذُّهْلِيَّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ فُرَاتَ بْنَ حَيَّانَ الْعِجْلِيَّ، وَعَلَى سَاقَتِهِ هَانِئَ بْنَ قَيْسٍ، وَعَلَى الْخَيْلِ عرفجة ابن هَرْثَمَةَ، فَفَصَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَمِّ فِي خَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَدَائِنِ، فَسَارَ إِلَى تِكْرِيتَ أَرْبَعًا، حَتَّى نَزَلَ عَلَى الأَنْطَاقِ، وَمَعَهُ الرُّومُ وَإِيَادٌ وَتَغْلِبُ وَالنَّمِرُ وَمَعَهُ الشَّهَارِجَةُ وَقَدْ خَنْدَقُوا بِهَا، فَحَصَرَهُمْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَتَزَاحَفُوا فِيهَا أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ زَحْفًا، وَكَانُوا أَهْوَنَ شَوْكَةً، وَأَسْرَعَ أَمْرًا مِنْ أَهْلِ جَلُولاءَ، وَوُكِّلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَمِّ بِالْعَرَبِ لِيَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ وَإِلَى نُصْرَتِهِ عَلَى الرُّومِ، فَهُمْ لا يُخْفُونَ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَلَمَّا رَأَتِ الرُّومُ أَنَّهُمْ لا يَخْرُجُونَ خَرْجَةً إِلا كَانَتْ عَلَيْهِمْ، وَيُهْزَمُونَ فِي كُلِّ مَا زَاحَفُوهُمْ، تَرَكُوا أُمَرَاءَهُمْ، وَنَقَلُوا مَتَاعَهُمْ إِلَى السُّفُنِ، وَأَقْبَلَتِ الْعُيُونُ مِنْ تَغْلِبَ وَإِيَادٍ وَالنَّمِرِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُعْتَمِّ بِالْخَبَرِ، وَسَأَلُوهُ لِلْعَرَبِ السَّلْمَ، وَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدِ اسْتَجَابُوا لَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ: ان كنتم
стр. 1927
صَادِقِينَ بِذَلِكَ فَاشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَقِرُّوا بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، ثُمَّ أَعْلِمُونَا رَأْيَكُمْ فَرَجَعُوا إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَرَدُّوهُمْ إِلَيْهِ بِالإِسْلامِ، فَرَدَّهُمْ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ: إِذَا سَمِعْتُمْ تَكْبِيرَنَا فَاعْلَمُوا أَنَّا قَدْ نَهَدْنَا إِلَى الأَبْوَابِ الَّتِي تَلِينَا لِنَدْخُلَ عَلَيْهِمْ مِنْهَا، فَخُذُوا بِالأَبْوَابِ الَّتِي تَلِي دِجْلَةَ، وَكَبِّرُوا وَاقْتُلُوا مَنْ قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ، فَانْطَلِقُوا حَتَّى تُوَاطِئُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَنَهَدَ عَبْدُ اللَّهِ وَالْمُسْلِمُونَ لِمَا يَلِيهِمْ وَكَبَّرُوا، وَكَبَّرَتْ تَغْلِبُ وَإِيَادٌ وَالنَّمِرُ، وَقَدْ أَخَذُوا بِالأَبْوَابِ، فَحَسِبَ الْقَوْمُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أَتَوْهُمْ مِنْ خَلْفِهِمْ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِمْ مِمَّا يَلِي دِجْلَةَ، فَبَادَرُوا الأَبْوَابَ الَّتِي عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ، فَأَخَذَتْهُمُ السُّيُوفُ، سُيُوفُ الْمُسْلِمِينَ مُسْتَقْبِلَتُهُمْ، وَسُيُوف الربعيين الذين أسلموا ليتئذ مِنْ خَلْفِهِمْ، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْ أَهْلِ الخْنَدْقِ إِلا مَنْ أَسْلَمَ مِنْ تَغْلِبَ وَإِيَادٍ وَالنَّمِرِ وَقَدْ كَانَ عُمَرُ عَهِدَ إِلَى سَعْدٍ، إِنْ هُمْ هُزِمُوا أَنْ يَأْمُرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُعْتَمِّ بِتَسْرِيحِ ابْنِ الأَفْكَلِ الْعَنَزِيِّ إِلَى الْحِصْنَيْنِ، فَسَرَّحَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَمِّ ابْنَ الأَفْكَلِ الْعَنَزِيَّ إِلَى الْحِصْنَيْنِ، فَأَخَذَ بِالطَّرِيقِ، وَقَالَ: اسْبِقِ الخبر، وسر ما دون القيل، واحى اللَّيْلَ وَسَرِّحْ مَعَهُ تَغْلِبَ وَإِيَادَ وَالنَّمِرَ، فَقَدِّمْهُمْ وَعَلَيْهِمْ عُتْبَةُ بْنُ الْوَعْلِ، أَحَدُ بَنِي جُشَمِ بْنِ سَعْدٍ وَذُو الْقِرْطِ وَأَبُو وَدَاعَةَ بْنُ أَبِي كَرِبٍ وَابْنُ ذِي السُّنَيْنَةِ قَتِيلُ الْكِلابِ وَابْنُ الْحُجَيْرِ الإِيَادِيُّ وَبِشْرُ بْنُ أَبِي حَوْطٍ مُتَسَانِدِينَ، فَسَبَقُوا الْخَبَرَ إِلَى الْحِصْنَيْنِ وَلَمَّا كَانُوا منها قريبا قدموا عتبة ابن الْوَعْلِ فَادَّعَى بِالظَّفْرِ وَالنَّفْلِ وَالْقَفْلِ، ثُمَّ ذُو الْقِرْطِ، ثُمَّ ابْنُ ذِي السُّنَيْنَةِ، ثُمَّ ابْنُ الْحَجِيرِ، ثُمَّ بِشْرٌ، وَوَقَفُوا بِالأَبْوَابِ، وَقَدْ أَخَذُوا بِهَا، وَأَقْبَلَتْ سَرَعَانُ الْخَيْلِ مَعَ رِبْعِيِّ بْنِ الأَفْكَلِ حَتَّى اقْتَحَمَتْ عَلَيْهِمُ الْحِصْنَيْنِ، فَكَانَتْ إِيَّاهَا، فَنَادَوْا بِالإِجَابَةِ إِلَى الصُّلْحِ، فَأَقَامَ مَنِ اسْتَجَابَ، وَهَرَبَ مَنْ لَمْ يَسْتَجِبْ، إِلَى أَنْ أَتَاهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَمِّ، فَلَمَّا نَزَلَ عَلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ دَعَا مَنْ لَجَّ وَذَهَبَ، وَوَفَّى لِمَنْ أَقَامَ، فَتَرَاجَعَ الْهُرَّابُ وَاغْتَبَطَ الْمُقِيمُ، وَصَارَتْ لَهُمْ جَمِيعًا الذِّمَّةُ وَالْمَنْعَةُ، وَاقْتَسَمُوا فِي تِكْرِيتَ عَلَى كُلِّ سَهْمٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ، لِلْفَارِسِ ثَلاثَةُ آلافٍ وَلِلرَّاجِلِ أَلْفٌ، وَبَعَثُوا بِالأَخْمَاسِ مَعَ فُرَاتِ بْنِ حَيَّانَ، وَبِالْفَتْحِ
стр. 1928
مَعَ الْحَارِثِ بْنِ حَسَّانٍ وَوَلَّى حَرْبَ الْمَوْصِلِ ربعي بن الأفكل، والخراج عرفجة ابن هرثمة
. ذكر فتح ماسبذان
وفي هذه السنة- أعني سنة ست عشرة- كان فتح ماسبذان أيضا.
ذكر الخبر عن فتحها:
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ طَلْحَةَ وَمُحَمَّدٍ وَالْمُهَلَّبِ وَعَمْرٍو وَسَعِيدٍ قالوا: ولما رجع هاشم بن عتبة من جَلُولاءَ إِلَى الْمَدَائِنِ، بَلَغَ سَعْدًا أَنَّ آذِينَ بْنَ الْهُرْمُزَانِ قَدْ جَمَعَ جَمْعًا، فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى السَّهْلِ، فَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: ابْعَثْ إِلَيْهِمْ ضِرَارَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي جُنْدٍ وَاجْعَلْ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ ابْنَ الْهُذَيْلِ الأَسَدِيَّ، وَعَلَى مُجَنِّبَتَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ وَهْبٍ الرَّاسِبِيَّ حَلِيفَ بَجِيلَةَ، وَالْمُضَارِبَ بْنَ فُلانٍ الْعِجْلِيَّ، فَخَرَجَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَهُوَ أَحَدُ بَنِي مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ فِي الْجُنْدِ، وَقَدِمَ ابْنُ الْهُذَيْلِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَهْلِ مَاسَبَذَانَ، فَالْتَقَوْا بِمَكَانٍ يُدْعَى بَهَنْدَفَ، فَاقْتَتَلُوا بِهَا، فَأَسْرَعَ الْمُسْلِمُونَ فِي الْمُشْرِكِينَ، وَأَخَذَ ضِرَارٌ آذِينَ سَلْمًا، فَأَسَرَهُ فَانْهَزَمَ عَنْهُ جَيْشُهُ فَقَدَّمَهُ فَضَرَبَ عُنُقَهُ ثُمَّ خَرَجَ فِي الطَّلَبِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى السِّيرَوَانِ فَأَخَذَ مَاسَبَذَانَ عَنْوَةً فَتَطَايَرَ أَهْلُهَا فِي الْجِبَالِ، فَدَعَاهُمْ فَاسْتَجَابُوا لَهُ، وَأَقَامَ بِهَا حَتَّى تَحَوَّلَ سَعْدٌ مِنَ الْمَدَائِنِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَنَزَلَ الْكُوفَةَ وَاسْتَخْلَفَ ابْنَ الْهُذَيْلِ عَلَى مَاسَبَذَانَ فَكَانَتْ إِحْدَى فروج الكوفه
ذكر وقعه قرقيسياء
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ قَرْقِيسِيَاءَ فِي رَجَبٍ.
ذكر الخبر عن الوقعة بها:
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ طَلْحَةَ وَمُحَمَّدٍ وَالْمُهَلَّبِ وَعَمْرٍو وَسَعِيدٍ، قَالُوا: وَلَمَّا رَجَعَ هَاشِمُ بن عتبة عن جَلُولاءَ إِلَى الْمَدَائِنِ
стр. 1929
وَقَدِ اجْتَمَعَتْ جُمُوعُ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ، فَأَمَدُّوا هِرَقْلَ عَلَى أَهْلِ حِمْصَ، وَبَعَثُوا جُنْدًا إِلَى أَهْلِ هِيتَ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ سَعْدٌ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ أَنِ ابْعَثْ إِلَيْهِمْ عُمَرَ بْنَ مَالِكِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فِي جُنْدٍ، وَابْعَثْ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ الْحَارَثَ بْنَ يَزِيدَ الْعَامِرِيَّ، وَعَلَى مُجَنِّبَتَيْهِ رِبْعِيَّ بْنَ عامر ومالك ابن حَبِيبٍ، فَخَرَجَ عُمَرُ بْنُ مَالِكٍ فِي جُنْدِهِ سائرا نحو هيت، وقدم الحارث ابن يَزِيدَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى مَنْ بِهِيتَ، وَقَدْ خندقوا عليهم فلما راى عمر ابن مَالِكٍ امْتِنَاعَ الْقَوْمِ بِخَنْدَقِهِمْ وَاعْتِصَامِهِمْ بِهِ، اسْتَطَالَ ذَلِكَ، فَتَرَكَ الأَخْبِيَةَ عَلَى حَالِهَا وَخَلَّفَ عَلَيْهِمُ الْحَارِثَ بْنَ يَزِيدَ مُحَاصِرَهُمْ، وَخَرَجَ فِي نِصْفِ النَّاسِ يُعَارِضُ الطَّرِيقَ حَتَّى يَجِيءَ قَرْقِيسِيَاءَ فِي عره، فَأَخَذَهَا عَنْوَةً، فَأَجَابُوا إِلَى الْجَزَاءِ، وَكَتَبَ إِلَى الحارث بن يزيد ان هم اسْتَجَابُوا فَخَلِّ عَنْهُمْ فَلْيَخْرُجُوا، وَإِلا فَخَنْدِقْ عَلَى خَنْدَقِهِمْ خَنْدَقًا أَبْوَابَهُ مِمَّا يَلِيكَ حَتَّى أَرَى مِنْ رَأْيِي فَسَمَحُوا بِالاسْتِجَابَةِ، وَانْضَمَّ الْجُنْدُ إِلَى عُمَرَ وَالأَعَاجِمُ إِلَى أَهْلِ بِلادِهِمْ وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَرَبَ عُمَرُ أَبَا مِحْجَنٍ الثقفى الى باضع.
قال: وَفِيهَا تَزَوَّجَ ابْنُ عُمَرَ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدَةَ.
قَالَ: وَفِيهَا مَاتَتْ مَارِيَةُ أُمُّ وَلَدِ رسول الله ص، أُمُّ إِبْرَاهِيمَ، وَصَلَّى عَلَيْهَا عُمَرُ، وَقَبْرُهَا بِالْبَقِيعِ، فِي الْمُحَرَّمِ.
قَالَ: وَفِيهَا كُتِبَ التَّأْرِيخُ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ.
قال: وحدثني ابن أبي سبرة، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رافع، عن ابن المسيب، قال: أول من كتب التأريخ عمر، لسنتين ونصف من خلافته، فكتب لست عشرة من الهجرة بمشورة علي بْن أبي طالب.
حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: حدثنا نعيم
стр. 1930
ابن حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: جَمَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ، فَسَأَلَهُمْ مِنْ أَيِّ يَوْمٍ نَكْتُبُ؟ [فَقَالَ عَلِيٌّ: مِنْ يَوْمِ هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ص، وَتَرَكَ أَرْضَ الشِّرْكِ] فَفَعَلَهُ عُمَرُ.
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي عَبَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ التَّأْرِيخُ فِي السَّنَةِ الَّتِي قَدِمَ فِيهَا رَسُولُ الله ص الْمَدِينَةَ وَفِيهَا وُلِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ.
وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الْخَطَّابِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ- فِيمَا زَعَمَ الْوَاقِدِيُّ- زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَكَانَ عَامِلَ عُمَرَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى مَكَّةَ عَتَّابُ بْنُ أُسَيْدٍ، وَعَلَى الطَّائِفِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، وَعَلَى اليمن يعلى ابن أُمَيَّةَ، وَعَلَى الْيَمَامَةِ وَالْبَحْرَيْنِ الْعَلاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ، وعلى عمان حذيفة بن محصن، وعلى الشام كُلِّهَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَعَلَى الْكُوفَةِ سعد بن أبي وقاص، وعلى قضائها أبو قُرَّةَ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ وَأَرْضِهَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَعَلَى حَرْبِ الْمَوْصِلِ رِبْعِيُّ بْنُ الأَفْكَلِ، وَعَلَى الْخَرَاجِ بِهَا عَرْفَجَةُ بْنُ هَرْثَمَةَ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَفِي قَوْلِ آخَرِينَ عُتْبَةُ بْنُ فَرْقَدٍ على الحرب والخراج- وقيل ذَلِكَ كُلِّهِ كَانَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المعتم- وعلى الجزيرة عياض بن عمرو الأشعري
стр. 1931
سنة سبع عشرة
ففيها اختطت الكوفة، وتحول سعد بالناس من المدائن إليها في قول سيف بْن عمر وروايته.
ذكر سبب تحول من تحول من المسلمين من المدائن إلى الكوفة وسبب اختطاطهم الكوفة في رواية سيف
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَالْمُهَلَّبِ وَعَمْرٍو وَسَعِيدٍ، قَالُوا: لَمَّا جَاءَ فَتْحُ جَلُولاءَ وَحُلْوَانَ وَنُزُولُ الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو بِحُلْوَانَ فِيمَنْ مَعَهُ، وَجَاءَ فَتْحُ تِكْرِيتَ وَالْحِصْنَيْنِ، وَنُزُولُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُعْتَمِّ وَابْنِ الأَفْكَلِ الْحِصْنَيْنِ فِيمَنْ مَعَهُ، وَقَدِمَتِ الْوُفُودُ بِذَلِكَ عَلَى عُمَرَ، فَلَمَّا رَآهُمْ عُمَرَ قَالَ: وَاللَّهِ مَا هَيْئَتُكُمْ بِالْهَيْئَةِ الَّتِي أَبْدَأْتُمْ بِهَا، وَلَقَدْ قَدِمَتْ وُفُودُ الْقَادِسِيَّةِ وَالْمَدَائِنِ وَإِنَّهُمْ لَكَمَا أَبْدَءُوا، وَلَقَدِ انْتَكَيْتُمْ فَمَا غَيَّرَكُمْ؟ قَالُوا: وُخُومَةُ الْبِلادِ فَنَظَرَ فِي حَوَائِجِهِمْ، وَعَجَّلَ سَرَاحَهُمْ، وَكَانَ فِي وُفُودِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُعْتَمِّ عُتْبَةُ بْنُ الْوَعْلِ، وَذُو الْقِرْطِ، وَابْنِ ذِي السُّنَيْنَةِ، وَابْنُ الْحُجَيْرِ وَبِشْرٌ، فَعَاقَدُوا عُمَرَ عَلَى بَنِي تَغْلِبَ، فَعَقَدَ لَهُمْ، عَلَى أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ فَلَهُ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ، وَمَنْ أَبَى فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ، وَإِنَّمَا الإِجْبَارُ مِنَ الْعَرَبِ عَلَى مَنْ كَانَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فَقَالُوا: إِذَا يَهْرَبُونَ وَيَنْقَطِعُونَ فَيَصِيرُونَ عَجَمًا، فأمر أجمل الصدقة، فَقَالَ: لَيْسَ إِلا الْجَزَاءُ، فَقَالُوا: تُجْعَلُ جِزْيَتُهُمْ مِثْلَ صَدَقَةِ الْمُسْلِمِ، فَهُوَ مَجْهُودُهُمْ، فَفَعَلَ عَلَى أَلا يُنَصِّرُوا وَلِيدًا مِمَّنْ أَسْلَمَ آبَاؤُهُمْ، فَقَالُوا: لَكَ ذَلِكَ، فَهَاجَرَ هَؤُلاءِ التَّغْلِبِيُّونَ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ مِنَ النَّمَرِيِّينَ وَالإِيَادِيِّينَ إِلَى سَعْدٍ بِالْمَدَائِنِ وَخَطُّوا مَعَهُ بَعْدُ بِالْكُوفَةِ، وَأَقَامَ مَنْ أَقَامَ فِي بِلادِهِ عَلَى مَا أَخَذُوا لَهُمْ عَلَى عُمَرَ مُسْلِمُهُمْ وَذِمِّيُّهُمْ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن ابن شبرمة، عَنِ الشَّعْبُيِّ، قَالَ: كَتَبَ حُذَيْفَةُ إِلَى عُمَرَ: إِنَّ الْعَرَبَ قَدْ أُتْرِفَتْ بُطُونُهَا،
стр. 1932
وَخَفَّتْ أَعْضَادُهَا، وَتَغَيَّرَتْ أَلْوَانُهَا وَحُذَيْفَةُ يَوْمَئِذٍ مَعَ سَعْدٍ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَأَصْحَابِهِمَا، قَالُوا: كَتَبَ عُمَرُ إِلَى سَعْدٍ: أَنْبِئْنِي مَا الَّذِي غَيَّرَ أَلْوَانَ الْعَرَبِ وَلُحُومَهُمْ؟ فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّ الْعَرَبَ خَدَّدَهُمْ وَكَفَى أَلْوَانَهُمْ وُخُومَةُ الْمَدَائِنِ وَدِجْلَةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّ الْعَرَبَ لا يُوَافِقُهَا إِلا مَا وَافَقَ إِبِلَهَا مِنَ الْبُلْدَانِ، فَابْعَثْ سَلْمَانَ رَائِدًا وَحُذَيْفَةَ- وَكَانَا رَائِدَيِ الْجَيْشِ- فَلْيَرْتَادَا مَنْزِلا بَرِّيًّا بَحْرِيًّا، لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فِيهِ بَحْرٌ وَلا جِسْرٌ، وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْ أَمْرِ الْجَيْشِ شَيْءٌ إِلا وَقَدْ أَسْنَدَهُ إِلَى رَجُلٍ، فَبَعَثَ سَعْدٌ حُذَيْفَةَ وَسَلْمَانَ، فَخَرَجَ سَلْمَانُ حَتَّى يَأْتِيَ الأَنْبَارَ، فَسَارَ فِي غَرْبَيِّ الْفُرَاتِ لا يَرْضَى شَيْئًا، حَتَّى أَتَى الْكُوفَةَ.
وَخَرَجَ حُذَيْفَةُ فِي شَرْقِيِّ الْفُرَاتِ لا يَرْضَى شَيْئًا حَتَّى أَتَى الْكُوفَةَ، وَالْكُوفَةُ عَلَى حَصْبَاءَ- وَكُلُّ رَمْلَةٍ حَمْرَاءَ يُقَالُ لَهَا سَهْلَةٌ، وَكُلُّ حَصْبَاءَ وَرَمْلٍ هَكَذَا مُخْتَلِطَيْنِ فَهُوَ كُوفَةُ- فَأَتَيَا عَلَيْهَا، وَفِيهَا دَيْرَاتٌ ثَلاثَةٌ: دَيْرُ حُرَقَةَ، وَدَيْرُ أُمِّ عَمْرٍو، وَدَيْرُ سَلسلَةَ، وَخِصَاصٌ خِلالَ ذَلِكَ، فَأَعْجَبَتْهُمَا الْبُقْعَةُ، فَنَزَلا فَصَلَّيَا، وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاءِ وَمَا أَظَلَّتْ، وَرَبَّ الأَرْضِ وَمَا أَقَلَّتْ، وَالرِّيحِ وَمَا ذَرَتْ، وَالنُّجُومِ وَمَا هَوَتْ، وَالْبِحَارِ وَمَا جَرَتْ، وَالشَّيَاطِينِ وَمَا أَضَلَّتْ، وَالْخصاص وَمَا أَجنتْ، بَارِكْ لَنَا فِي هَذِهِ الْكُوفَةِ، وَاجْعَلْهُ مَنْزِلَ ثَبَاتٍ وَكَتَبَ إِلَى سَعْدٍ بِالْخَبَرِ.
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ، قَالَ: حدثنا أمية بن خالد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عبد الرحمن، قال: لَمَّا هُزِمَ النَّاسُ يَوْمَ جَلُولاءَ، رَجَعَ سَعْدٌ بِالنَّاسِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَمَّارٌ خَرَجَ بِالنَّاسِ إِلَى الْمَدَائِنِ فَاجْتَوَوْهَا، قَالَ عَمَّارٌ: هَلْ تَصْلُحُ بِهَا الإِبِلُ؟ قَالُوا: لا، إِنَّ بِهَا الْبَعُوضَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: إِنَّ الْعَرَبَ لا تَصْلُحُ بِأَرْضٍ لا تَصْلُحُ بِهَا الإِبِلُ قَالَ: فَخَرَجَ عَمَّارٌ بِالنَّاسِ حَتَّى نَزَلَ الْكُوفَةَ
стр. 1933
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مخلد بْن قيس، عن أبيه، عن النسير بْن ثور، قال: ولما اجتوى المسلمون المدائن بعد ما نزلناها وآذاهم الغبار والذباب، وكتب إلى سعد في بعثه روادا يرتادون منزلا بريا بحريا، فإن العرب لا يصلحها من البلدان إلا ما أصلح البعير والشاة، سأل من قبله عن هذه الصفة فيما بينهم، فأشار عليه من رأى العراق من وجوه العرب باللسان- وظهر الكوفة يقال له اللسان، وهو فيما بين النهرين إلى العين، عين بني الحذاء، كانت العرب تقول: أدلع البر لسانه في الريف، فما كان يلي الفرات منه فهو الملطاط، وما كان يلي الطين منه فهو النجاف- فكتب إلى سعد يأمره به.
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَالْمُهَلَّبِ وَعَمْرٍو وَسَعِيدٍ، قَالُوا: وَلَمَّا قَدِمَ سَلْمَانُ وَحُذَيْفَةُ عَلَى سَعْدٍ، وَأَخْبَرَاهُ عَنِ الْكُوفَةِ، وَقَدِمَ كِتَابُ عُمَرَ بِالَّذِي ذَكَرَا لَهُ، كَتَبَ سَعْدٌ إِلَى الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو: أَنْ خَلِّفْ عَلَى النَّاسِ بِجَلُولاءَ قُبَاذَ فِيمَنْ تَبِعَكُمْ إِلَى مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْحَمْرَاءِ فَفَعَلَ وَجَاءَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى سَعْدٍ فِي جُنْدِهِ، وَكَتَبَ سَعْدٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُعْتَمِّ: أَنْ خَلِّفْ عَلَى الْمَوْصِلِ مُسْلِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الَّذِي كَانَ أُسِرَ أَيَّامَ الْقَادِسِيَّةِ فِيمَنِ اسْتَجَابَ لَكُمْ مِنَ الأَسَاوِرَةِ، وَمَنْ كَانَ مَعَكُمْ مِنْهُمْ فَفَعَلَ، وَجَاءَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى سَعْدٍ فِي جُنْدِهِ، فَارْتَحَلَ سَعْدٌ بِالنَّاسِ مِنَ الْمَدَائِنِ حَتَّى عَسْكَرَ بِالْكُوفَةِ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَكَانَ بَيْنَ وَقْعَةِ الْمَدَائِنِ وَنُزُولِ الْكُوفَةِ سَنَةٌ وَشَهْرَانِ، وَكَانَ بَيْنَ قِيَامِ عُمَرَ وَاخْتِطَاطِ الْكُوفَةِ ثَلاثُ سِنِينَ وَثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ، اخْتُطَّتْ سَنَةَ أَرْبَعٍ مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنَ التَّأْرِيخِ، وَأعطوا الْعَطَايَا بِالْمَدَائِنِ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلُوا وفي بهرسير، في المحرم سنه ست عشره، وَاسْتَقَرَّ بِأَهْلِ الْبَصْرَةِ مَنْزِلُهُمُ الْيَوْمَ بَعْدَ ثَلاثِ نَزَلاتٍ قَبْلَهَا، كُلِّهَا ارْتَحَلُوا عَنْهَا فِي الْمُحَرَّمِ سنه سبع عشره، وَاسْتَقَرَّ بَاقِي قَرَارِهِمَا الْيَوْمَ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مَعْنٍ يَقُولُ: نَزَلَ النَّاسُ الْكُوفَةَ فِي آخِرِ سَنَةِ سَبْعَ عشره
стр. 1934
قال: وحدثنى ابن ابى الرقاد، عن أَبِيهِ، قَالَ: نَزَلُوهَا حِينَ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ، فِي أَوَّلِ السَّنَةِ.
رَجَعَ الْحَدِيثُ إِلَى حَدِيثِ سَيْفٍ قَالُوا: وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ وَإِلَى عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ أَنْ يَتَرَبَّعَا بِالنَّاسِ فِي كُلِّ حِينٍ رَبِيعٌ فِي أَطْيَبِ أَرْضِهِمْ، وَأَمَرَ لَهُمْ بِمعَاوِنِهِمْ فِي الرَّبِيعِ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ، وَبِإِعْطَائِهِمْ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ، وَبِفَيْئِهِمْ عِنْدَ طُلُوعِ الشعري فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَذَلِكَ عِنْدَ إِدْرَاكِ الْغَلاتِ، وَأَخَذُوا قَبْلَ نُزُولِ الْكُوفَةِ عَطَاءَيْنِ كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن مخلد بن قَيْسٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُدْعَى الْمَغْرُورَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَ سَعْدٌ الْكُوفَةَ، كَتَبَ إِلَى عُمَرَ: إِنِّي قَدْ نَزَلْتُ بِكُوفَة مَنْزِلا بَيْنَ الْحِيرَةِ وَالْفُرَاتِ بَرِيًّا بَحْرِيًّا، يُنْبِتُ الْحُلِيَّ وَالنَّصِيَّ، وَخَيَّرْتُ الْمُسْلِمِينَ بِالْمَدَائِنِ، فَمَنْ أَعْجَبَهُ الْمُقَامُ فِيهَا تَرَكْتُهُ فِيهَا كَالْمَسْلَحَةِ فَبَقِيَ أَقْوَامٌ مِنَ الأَفْنَاءِ، وَأَكْثَرُهُمْ بَنُو عَبْسٍ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وَعَمْرٍو وَسَعِيدٍ وَالْمُهَلَّبِ، قَالُوا: وَلَمَّا نَزَلَ أَهْلُ الْكُوفَةِ الْكُوفَةَ، وَاسْتَقَرَّتْ بِأَهْلِ الْبَصْرَةِ الدَّارُ، عَرَفَ الْقَوْمُ أَنْفُسَهُمْ، وَثَابَ إِلَيْهِمْ مَا كَانُوا فَقَدُوا ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ اسْتَأْذَنُوا فِي بُنْيَانِ الْقَصَبِ، وَاسْتَأْذَنَ فِيهِ أَهْلُ الْبَصْرَةِ، فَقَالَ عُمَرُ: الْعَسْكَرُ أَجَدُّ لِحَرْبِكُمْ وَأَذْكَى لَكُمْ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَكُمْ، وَمَا الْقَصَبُ؟ قَالُوا:
الْعِكْرِشُ إِذَا رُوِيَ قصب فَصَارَ قَصَبًا، قَالَ: فَشَأْنُكُمْ، فَابْتَنَى أَهْلُ الْمِصْرَيْنِ بِالْقَصَبِ.
ثُمَّ إِنَّ الْحَرِيقَ وَقَعَ بِالْكُوفَةِ وَبِالْبَصْرَةِ، وَكَانَ أَشَدَّهُمَا حَرِيقًا الْكُوفَةُ،
стр. 1935
فَاحْتَرَقَ ثَمَانُونَ عَرِيشًا، وَلَمْ يَبْقَ فِيهَا قَصَبَةٌ فِي شوالٍ، فَمَا زَالَ النَّاسُ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ فَبَعَثَ سَعْدٌ مِنْهُمْ نَفَرًا إِلَى عُمَرَ يَسْتَأْذِنُونَ فِي الْبِنَاءِ بِاللَّبِنِ، فَقَدِمُوا عَلَيْهِ بِالْخَبَرِ عَنِ الْحَرِيقِ، وَمَا بَلَغَ مِنْهُمْ- وَكَانُوا لا يَدَعُونَ شَيْئًا وَلا يَأْتُونَهُ إِلا وَآمَرُوهُ فِيهِ- فَقَالَ: افْعَلُوا، وَلا يَزِيدَنَّ أَحَدُكُمْ عَلَى ثَلاثَةِ أَبْيَاتٍ، وَلا تُطَاوِلُوا فِي الْبُنْيَانِ، وَالْزَمُوا السُّنَّةَ تَلْزَمْكُمُ الدَّوْلَةُ فَرَجَعَ الْقَوْمُ إِلَى الْكُوفَةِ بِذَلِكَ وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى عُتْبَةَ وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَعَلَى تَنْزِيلِ أَهْلِ الْكُوفَةِ أَبُو الْهَيَّاجِ بْنُ مالك، وعلى تنزيل اهل البصره عاصم ابن الدُّلَفِ أَبُو الْجَرْبَاءِ.
قَالَ: وَعَهِدَ عُمَرُ إِلَى الْوَفْدِ وَتَقَدَّمَ إِلَى النَّاسِ أَلا يَرْفَعُوا بُنْيَانًا فَوْقَ الْقَدْرِ.
قَالُوا: وَمَا الْقَدْرُ؟ قَالَ: مَا لا يُقَرِّبُكُمْ مِنَ السَّرَفِ، وَلا يُخْرِجُكُمْ مِنَ الْقَصْدِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَالْمُهَلَّبِ وَعَمْرٍو وَسَعِيدٍ، قَالُوا: لَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ يَضَعُوا بُنْيَانَ الْكُوفَةِ، أَرْسَلَ سَعْدٌ إِلَى أَبِي الْهَيَّاجِ فَأَخْبَرَهُ بِكِتَابِ عُمَرَ فِي الطُّرُقِ، أَنَّهُ أَمَرَ بِالْمَنَاهِجِ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا، وَمَا يَلِيهَا ثَلاثِينَ ذِرَاعًا، وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ عِشْرِينَ، وَبِالأَزِقَّةِ سَبْعَ أَذْرُعٍ، لَيْسَ دُونَ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَفِي الْقَطَائِعِ سِتِّينَ ذِرَاعًا إِلا الَّذِي لِبَنِي ضَبَّةَ فَاجْتَمَعَ أَهْلُ الرَّأْيِ لِلتَّقْدِيرِ، حَتَّى إِذَا أَقَامُوا عَلَى شَيْءٍ قَسَمَ ابو الهياج عليه، فأول شيء خط الكوفه وَبُنِيَ حِينَ عَزَمُوا عَلَى الْبِنَاءِ الْمَسْجِدُ، فَوُضِعَ فِي مَوْضِعِ أَصْحَابِ الصَّابُونِ وَالتَّمَّارِينَ مِنَ السُّوقِ، فَاخْتَطُّوهُ، ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ فِي وَسَطِهِ، رَامٍ شَدِيدُ النَّزْعِ، فَرَمَى عَنْ يَمِينِهِ فَأَمَرَ مَنْ شَاءَ أَنْ يَبْنِيَ وَرَاءَ مَوْقِعِ ذَلِكَ السَّهْمِ، وَرَمَى مَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، وَأَمَرَ مَنْ شَاءَ أَنْ يَبْنِيَ وَرَاءَ مَوْقِعِ السَّهْمَيْنِ.
فترك المسجد في مربعه غلوه مِنْ كُلِّ جَوَانِبِهِ، وَبَنَى ظِلَّةً فِي مُقَدِّمِهِ، لَيْسَتْ لَهَا مُجَنِّبَاتٌ وَلا مَوَاخِيرُ، والمربعة لاجْتِمَاعِ النَّاسِ لِئَلا يَزْدَحِمُوا-
стр. 1936
وَكَذَلِكَ كَانَتِ الْمَسَاجِدُ مَا خَلا الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَكَانُوا لا يُشْبِهُونَ بِهِ الْمَسَاجِدَ تَعْظِيمًا لِحُرْمَتِهِ، وَكَانَتْ ظِلَّتُهُ مِائَتَيْ ذِرَاعٍ عَلَى أَسَاطِينَ رُخَامٍ كَانَتْ لِلأَكَاسِرَةِ، سَمَاؤُهَا كَأَسْمِيَةِ الْكَنَائِسِ الرُّومِيَّةِ، وَأَعْلَمُوا عَلَى الصَّحْنِ بِخَنْدَقٍ لِئَلا يَقْتَحِمَهُ أَحَدٌ بِبُنْيَانٍ، وَبَنَوْا لِسَعْدٍ دَارًا بِحِيَالِهِ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ مَنْقَبٌ مِائَتَيْ ذِرَاعٍ، وَجَعَلَ فِيهَا بُيُوتَ الأَمْوَالِ، وَهِيَ قَصْرُ الْكُوفَةِ الْيَوْمَ، بَنَى ذَلِكَ لَهُ روزبه مِنْ آجر بُنْيَانِ الأَكَاسِرَةِ بِالْحِيرَةِ، وَنَهَجَ فِي الْوَدَعَةِ مِنَ الصَّحْنِ خَمْسَةَ مَنَاهِجَ، وَفِي قِبْلَتِهِ أَرْبَعَةُ مَنَاهِجَ، وَفِي شَرْقِيِّهِ ثَلاثَةُ مَنَاهِجَ، وَفِي غَرْبِيِّهِ ثَلاثَةُ مَنَاهِجَ، وَعَلَمُهَا، فَأَنْزَلَ فِي وَدَعَةِ الصَّحْنِ سَلِيمًا وَثَقِيفًا مِمَّا يَلِي الصَّحْنَ عَلَى طَرِيقَيْنِ، وَهَمْدَانُ عَلَى طَرِيقٍ، وَبَجِيلَةَ عَلَى طَرِيقٍ آخَرَ، وَتَيْمِ اللاتِ عَلَى آخِرِهِمْ وَتَغْلِبَ، وَأَنْزَلَ فِي قِبْلَةِ الصَّحْنِ بَنِي أَسَدٍ عَلَى طَرِيقٍ، وَبَيْنَ بَنِي أَسَدٍ وَالنَّخْعِ طَرِيقٌ، وَبَيْنَ النَّخْعِ وَكِنْدَةَ طَرِيقٌ، وَبَيْنَ كِنْدَةَ وَالأَزْدِ طَرِيقٌ، وَأَنْزَلَ فِي شَرْقِيِّ الصَّحْنِ الأَنْصَارَ، وَمُزَيْنَةَ عَلَى طَرِيقٍ، وَتَمِيمًا وَمُحَارِبًا عَلَى طَرِيقٍ، وَأَسَدًا وَعَامِرًا عَلَى طَرِيقٍ، وَأَنْزَلَ فِي غَرْبِيِّ الصَّحْنِ بِجَالَةَ وَبَجَلَةَ عَلَى طَرِيقٍ، وَجديلَةَ وَأَخْلاطًا عَلَى طَرِيقٍ، وَجُهَيْنَةَ واخلاطا عَلَى طَرِيقٍ، فَكَانَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَلُونَ الصَّحْنَ وَسَائِرُ النَّاسِ بَيْنَ ذَلِكَ وَمِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ وَاقْتَسَمَتْ عَلَى السّهمان، فَهَذِهِ مَنَاهِجُهَا الْعُظْمَى وَبَنَوْا مَنَاهِجَ دُونَهَا تُحَاذِي هَذِهِ ثُمَّ تُلاقِيهَا، وَأُخَرَ تَتْبَعُهَا، وَهِيَ دُونَهَا فِي الذَّرْعِ، وَالْمَحَال من ورائها، وفيما بينها، جعل هذه الطرقات من وراء الصحن، ونزل فيها الأعشار من أهل الأيام والقوادس، وحمى لأهل الثغور والموصل أماكن حتى يوافوا إليها، فلما ردفتهم الروادف، البدء والثناء، وكثروا عليهم، ضيق الناس المحال فمن كانت رادفته كثيرة شخص إليهم وترك محلته، ومن كانت رادفته قليلة أنزلوهم منازل من شخص إلى رادفته لقلته إذا كانوا جيرانهم، وإلا وسعوا على روادفهم وضيقوا على أنفسهم، فكان الصحن على حاله زمان عمر كله، لا تطمع فيه القبائل، ليس فيه إلا المسجد والقصر، والأسواق في غير بنيان ولا أعلام وقال عمر: الأسواق على سنة المساجد، من سبق
стр. 1937
إلى مقعد فهو له، حتى يقوم منه إلى بيته أو يفرغ من بيعه، وقد كانوا أعدوا مناخا لكل رادف، فكان كل من يجيء سواء فيه- وذلك المناخ اليوم دور بنى البكاء- حتى يأتوا بالهياج، فيقوم في أمرهم حتى يقطع لهم حيث أحبوا وقد بنى سعد في الذين خطوا للقصر قصرا بحيال محراب مسجد الكوفة اليوم، فشيده، وجعل فيه بيت المال، وسكن ناحيته ثم إن بيت المال نقب عليه نقبا، وأخذ من المال، وكتب سعد بذلك إلى عمر، ووصف له موضع الدار وبيوت المال من الصحن مما يلي ودعة الدار.
فكتب إليه عمر: أن انقل المسجد حتى تضعه إلى جنب الدار، واجعل الدار قبلته، فإن للمسجد أهلا بالنهار وبالليل، وفيهم حصن لمالهم، فنقل المسجد وأراغ بنيانه، فقال له دهقان من أهل همذان، يقال له روزبه بْن بزرجمهر: أنا أبنيه لك، وأبني لك قصرا فأصلهما، ويكون بنيانا واحدا فخط قصر الكوفة على ما خط عليه، ثم أنشأه من نقض آجر قصر كان للأكاسرة في ضواحي الحيرة على مساحته اليوم، ولم يسمح به، ووضع المسجد بحيال بيوت الأموال منه إلى منتهى القصر، يمنة على القبلة، ثم مد به عن يمين ذلك إلى منقطع رحبة على بن ابى طالب ع، والرحبة قبلته، ثم مد به فكانت قبلة المسجد إلى الرحبة وميمنة القصر، وكان بنيانه على أساطين من رخام كانت لكسرى بكنائس بغير مجنبات، فلم يزل على ذلك حتى بني أزمان معاوية بْن أبي سفيان بنيانه اليوم، على يدي زياد.
ولما أراد زياد بنيانه دعا ببنائين من بنائي الجاهلية، فوصف لهم موضع المسجد وقدره وما يشتهي من طوله في السماء، وقال: أشتهي من ذلك شيئا لا أقع على صفته، فقال له بناء قد كان بناء لكسرى: لا يجيء هذا إلا بأساطين من جبال أهواز، تنقر ثم تثقب، ثم تحشى بالرصاص وبسفافيد الحديد، فترفعه ثلاثين ذراعا في السماء، ثم تسقفه، وتجعل له مجنبات ومواخير، فيكون أثبت له فقال: هذه الصفة التي كانت نفسي تنازعني
стр. 1938
إليها ولم تعبرها وغلق باب القصر، وكانت الأسواق تكون في موضعه بين يديه، فكانت غوغاؤهم تمنع سعدا الحديث، فلما بنى ادعى الناس عليه ما لم يقل، وقالوا: قال سعد: سكن عني الصويت وبلغ عمر ذلك، وأن الناس يسمونه قصر سعد، فدعا مُحَمَّد بْن مسلمة، فسرحه إلى الكوفة، وقال: اعمد إلى القصر حتى تحرق بابه، ثم ارجع عودك على بدئك، فخرج حتى قدم الكوفة، فاشترى حطبا، ثم أتى به القصر، فأحرق الباب، وأتي سعد فأخبر الخبر، فقال: هذا رسول أرسل لهذا من الشأن، وبعث لينظر من هو؟ فإذا هو مُحَمَّد بْن مسلمة، فأرسل إليه رسولا بأن أدخل، فأبى فخرج إليه سعد، فأراده على الدخول والنزول، فأبى، وعرض عليه نفقة فلم يأخذ، ودفع كتاب عمر إلى سعد: بلغني أنك بنيت قصرا اتخذته حصنا، ويسمى قصر سعد، وجعلت بينك وبين الناس بابا، فليس بقصرك، ولكنه قصر الخبال، انزل منه منزلا مما يلي بيوت الأموال وأغلقه، ولا تجعل على القصر بابا تمنع الناس من دخوله وتنفيهم به عن حقوقهم، ليوافقوا مجلسك ومخرجك من دارك إذا خرجت، فحلف له سعد ما قال الذي قالوا ورجع مُحَمَّد بْن مسلمة من فوره، حتى إذا دنا من المدينة فنى زاده، فتبلغ بلحاء من لحاء الشجر، فقدم على عمر، وقد سنق فأخبره خبره كله، فقال: فهلا قبلت من سعد! فقال: لو أردت ذلك كتبت لي به، أو أذنت لي فيه، فقال عمر: إن أكمل الرجال رأيا من إذا لم يكن عنده عهد من صاحبه عمل بالحزم، أو قال به، ولم ينكل، وأخبره بيمين سعد وقوله، فصدق سعدا وقال: هو أصدق ممن روى عليه ومن أبلغني.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن عطاء أبي مُحَمَّد، مولى إسحاق بْن طلحة، قال: كنت أجلس في المسجد الأعظم قبل أن يبنيه زياد، وليست له مجنبات ولا مواخير، فأرى منه دير هند وباب الجسر.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن ابن شبرمة، عن
стр. 1939
الشعبي، قال: كان الرجل يجلس في المسجد فيرى منه باب الجسر كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن عمر بْن عياش أخي أبي بكر بْن عياش، عن أبي كثير، أن روزبه بْن بزرجمهر بْن ساسان كان همذانيا، وكان على فرج من فروج الروم، فأدخل عليهم سلاحا، فأخافه الأكاسرة، فلحق بالروم، فلم يأمن حتى قدم سعد بْن مالك، فبنى له القصر والمسجد ثم كتب معه إلى عمر، وأخبره بحاله، فأسلم، وفرض له عمر وأعطاه، وصرفه إلى سعد مع أكريائه- والأكرياء يومئذ هم العباد- حتى إذا كان بالمكان الذي يقال له قبر العبادي مات، فحفروا له، ثم انتظروا به من يمر بهم ممن يشهدونه موته، فمر قوم من الأعراب، وقد حفروا له على الطريق، فأروهموه ليبرءوا من دمه، وأشهدوهم ذلك، فقالوا: قبر العبادي- وقيل قبر العبادي لمكان الأكرياء- قال أبو كثير: فهو والله أبي، قال: فقلت: أفلا تخبر الناس بحاله! قال: لا كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو وسعيد وزياد، قالوا: ورجح الأعشار بعضهم بعضا رجحانا كثيرا، فكتب سعد الى عمر في تعديلهم، فكتب اليه: ان عد لهم، فأرسل إلى قوم من نساب العرب وذوي رأيهم وعقلائهم منهم سعيد بن نمران ومشعله ابن نعيم، فعدلوهم عن الأسباع، فجعلوهم أسباعا، فصارت كنانة وحلفاؤها من الأحابيش وغيرهم، وجديلة- وهم بنو عمرو بْن قيس عيلان- سبعا، وصارت قضاعة- ومنهم يومئذ غسان بْن شبام- وبجيلة وخثعم وكندة وحضرموت، والأزد سبعا، وصارت مذحج وحمير وهمدان وحلفاؤهم سبعا، وصارت تميم وسائر الرباب وهوازن سبعا، وصارت أسد وغطفان ومحارب والنمر وضبيعة وتغلب سبعا، وصارت إياد وعك وعبد القيس وأهل هجر والحمراء سبعا، فلم يزالوا بذلك زمان عمر وعثمان وعلي، وعامة إمارة معاوية، حتى ربعهم زياد
стр. 1940
إعادة تعريف الناس
وعرفوهم على مائة ألف درهم، فكانت كل عرافة من القادسية خاصة ثلاثة وأربعين رجلا وثلاثا وأربعين امرأة وخمسين من العيال، لهم مائة ألف درهم، وكل عرافة من أهل الأيام عشرين رجلا على ثلاثة آلاف وعشرين امرأة، وكل عيل على مائة، على مائة ألف درهم، وكل عرافة من الرادفة الأولى ستين رجلا وستين امرأة وأربعين من العيال ممن كان رجالهم ألحقوا على الف وخمسمائة على مائه الف درهم، ثم على هذا من الحساب.
وقال عطية بْن الحارث: قد أدركت مائة عريف، وعلى مثل ذلك كان أهل البصرة، كان العطاء يدفع إلى أمراء الأسباع وأصحاب الرايات، والرايات على أيادي العرب، فيدفعونه إلى العرفاء والنقباء والأمناء، فيدفعونه إلى أهله في دورهم
. فتوح المدائن قبل الْكُوفَة
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَالْمُهَلَّبِ وَعَمْرٍو وَسَعِيدٍ، قالوا: فتوح المدائن السواد وحلوان وماسبذان وقرقيسيا، فكانت الثغور ثغور الكوفة أربعة: حلوان عليها القعقاع بْن عمرو، وماسبذان عليها ضرار بْن الخطاب الفهري، وقرقيسياء عليها عمر بْن مالك أو عمرو بْن عتبة بْن نوفل بْن عبد مناف، والموصل عليها عبد اللَّه بْن المعتم، فكانوا بذلك، والناس مقيمون بالمدائن بعد ما تحول سعد إلى تمصير الكوفة، وانضمام هؤلاء النفر إلى الكوفة واستخلافهم على الثغور من يمسك بها ويقوم عليها، فكان خليفة القعقاع على حلوان قباذ بْن عبد اللَّه، وخليفة عبد اللَّه على الموصل مسلم بْن عبد اللَّه، وخليفة ضرار رافع بْن عبد اللَّه، وخليفة عمر عشنق بْن عبد اللَّه، وكتب إليهم عمر أن يستعينوا بمن احتاجوا إليه من الأساورة، ويرفعوا عنهم الجزاء، ففعلوا فلما اختطت الكوفة وأذن للناس بالبناء، نقل الناس أبوابهم من المدائن إلى الكوفة فعلقوها على
стр. 1941
ما بنوا وأوطنوا الكوفة وهذه ثغورهم، وليس في أيديهم من الريف إلا ذلك.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مجالد عن عامر، قال: كانت الكوفة وسوادها والفروج: حلوان، والموصل، وماسبذان وقرقيسياء ثم وافقهم في الحديث عمرو بْن الريان، عن موسى بْن عيسى الهمداني بمثل حديثهم، ونهاهم عما وراء ذلك، ولم يأذن لهم في الانسياح.
وقالوا جميعا: ولي سعد بْن مالك على الكوفه بعد ما اختطت ثلاث سنين ونصفا سوى ما كان بالمدائن قبلها، وعماله ما بين الكوفه وحلوان والموصل وماسبذان وقرقيسياء إلى البصرة، ومات عتبة بْن غزوان وهو على البصرة فظع بعمله، وسعد على الكوفة فولى عمر أبا سبرة مكان عتبة بْن غزوان، ثم عزل أبا سبرة عن البصرة، واستعمل المغيرة، ثم عزل المغيرة، واستعمل أبا موسى الأشعري
. ذكر خبر حمص حين قصد من فيها من المسلمين صاحب الروم
وفي هذه السنة قصدت الروم أبا عبيدة بْن الجراح ومن معه من جند المسلمين بحمص لحربهم، فكان من أمرهم وأمر المسلمين ما ذكر أبو عبيدة، وهو فيما كتب به إلي السري عن شعيب، عن سيف عن مُحَمَّد وطلحة وعمرو وسعيد- قالوا أول ما اذن عمر للجند بالانسياج، أن الروم خرجوا، وقد تكاتبوا هم وأهل الجزيرة يريدون أبا عبيدة والمسلمين بحمص، فضم أبو عبيدة إليه مسالحه، وعسكروا بفناء مدينة حمص، وأقبل خالد من قنسرين حتى انضم إليهم فيمن انضم من أمراء المسالح، فاستشارهم أبو عبيدة في المناجزة أو التحصن إلى مجيء الغياث، فكان خالد يأمره أن يناجزهم، وكان سائرهم يأمرونه بأن يتحصن، ويكتب إلى عمر، فأطاعهم وعصى خالدا، وكتب إلى عمر يخبره بخروجهم عليه،
стр. 1942
وشغلهم أجناد أهل الشام عنه، وقد كان عمر اتخذ في كل مصر على قدره خيولا من فضول أموال المسلمين عدة لكون إن كان، فكان بالكوفة من ذلك أربعة آلاف فرس فلما وقع الخبر لعمر كتب الى سعد ابن مالك: أن اندب الناس مع القعقاع بْن عمرو وسرحهم من يومهم الذي يأتيك فيه كتابي إلى حمص، فإن أبا عبيدة قد أحيط به، وتقدم إليهم في الجد والحث.
وكتب أيضا إليه أن سرح سهيل بْن عدي إلى الجزيرة في الجند وليأت الرقة فإن أهل الجزيرة هم الذين استثاروا الروم على أهل حمص، وإن أهل قرقيسياء لهم سلف وسرح عبد اللَّه بْن عبد اللَّه بْن عتبان إلى نصيبين، فإن أهل قرقيسياء لهم سلف، ثم لينفضا حران والرهاء وسرح الوليد بْن عقبة على عرب الجزيرة من ربيعة وتنوخ وسرح عياضا، فإن كان قتال فقد جعلت أمرهم جميعا إلى عياض بْن غنم- وكان عياض من أهل العراق الذين خرجوا مع خالد بْن الوليد ممدين لأهل الشام، وممن انصرف ايام انصرف أهل العراق ممدين لأهل القادسية، وكان يرافد أبا عبيدة- فمضى القعقاع في أربعة آلاف من يومهم الذي أتاهم فيه الكتاب نحو حمص، وخرج عياض بْن غنم وأمراء الجزيرة فأخذوا طريق الجزيرة على الفراض وغير الفراض، وتوجه كل أمير إلى الكورة التي أمر عليها فاتى الرقة، وخرج عمر من المدينة مغيثا لأبي عبيدة يريد حمص حتى نزل الجابية ولما بلغ أهل الجزيرة الذين أعانوا الروم على أهل حمص واستثاروهم وهم معهم مقيمون عن حديث من بالجزيرة منهم بأن الجنود قد ضربت من الكوفة، ولم يدروا: الجزيرة يريدون أم حمص! فتفرقوا إلى بلدانهم
стр. 1943
وإخوانهم، وخلوا الروم ورأى أبو عبيدة أمرا لما انفضوا غير الأول، فاستشار خالدا في الخروج، فأمره بالخروج، ففتح اللَّه عليهم وقدم القعقاع بْن عمرو في أهل الكوفة في ثلاث من يوم الوقعة، وقدم عمر فنزل الجابية، فكتبوا إلى عمر بالفتح وبقدوم المدد عليهم في ثلاث، وبالحكم في ذلك فكتب إليهم أن أشركوهم، وقال: جزى اللَّه أهل الكوفة خيرا! يكفون حوزتهم ويمدون أهل الأمصار.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ سِيَاهٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: اسْتَمَدَّ أَبُو عُبَيْدَةَ عُمَرَ، وَخَرَجَتْ عَلَيْهِ الرُّومُ، وَتَابَعَهُمُ النَّصَارَى فَحَصَرُوهُ، فَخَرَجَ وَكَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَنَفَرَ إِلَيْهِمْ فِي غَدَاةٍ أَرْبَعَةُ آلافٍ عَلَى الْبِغَالِ يُجَنِّبُونَ الْخَيْلَ، فَقَدِمُوا عَلَى أَبِي عُبَيْدَةَ فِي ثَلاثٍ بَعْدَ الْوَقْعَةِ، فَكَتَبَ فِيهِمْ إِلَى عُمَرَ، وَقَدِ انْتَهَى إِلَى الْجَابِيَةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ:
أَنْ أَشْرِكْهُمْ، فَإِنَّهُمْ قَدْ نَفَرُوا إِلَيْكُمْ، وَتَفَرَّقَ لَهُمْ عَدُوُّكُمْ كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن طلحة، عن ماهان، قال: كان لعمر أربعة آلاف فرس عدة لكون إن كان، يشتيها في قبلة قصر الكوفة وميسرته، ومن أجل ذلك يسمى ذلك المكان الآري إلى اليوم، ويربعها فيما بين الفرات والأبيات من الكوفة مما يلي العاقول، فسمته الأعاجم آخر الشاهجان، يعنون معلف الأمراء، وكان قيمه عليها سلمان ابن ربيعة الباهلي في نفر من أهل الكوفة، يصنع سوابقها، ويجريها في كل عام، وبالبصرة نحو منها، وقيمه عليها جزء بْن معاوية، وفي كل مصر من الأمصار الثمانية على قدرها، فإن نابتهم نائبة ركب قوم وتقدموا إلى أن يستعد النَّاسِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن حلام، عن شهر ابن مالك بنحو منه فلما فرغوا رجعوا
стр. 1944
ذكر فتح الجزيرة
وفي هذه السنة- أعني سنة سبع عشرة- افتتحت الجزيرة في رواية سيف وأما ابن إسحاق، فإنه ذكر أنها افتتحت في سنة تسع عشرة من الهجرة، وذكر من سبب فتحها ما حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمة عنه، أن عمر كتب إلى سعد بْن أبي وقاص: إن اللَّه قد فتح على المسلمين الشام والعراق، فابعث من عندك جندا إلى الجزيرة، وأمر عليهم أحد الثلاثة: خالد بْن عرفطة، أو هاشم بْن عتبة، أو عياض بْن غنم.
فلما انتهى إلى سعد كتاب عمر، قال: ما أخر أمير المؤمنين عياض بْن غنم آخر القوم إلا انه له فيه هوى ان أوليه، وأنا موليه فبعثه وبعث معه جيشا، وبعث أبا موسى الأشعري، وابنه عمر بْن سعد- وهو غلام حدث السن ليس إليه من الأمر شيء- وعثمان بْن أبي العاص بْن بشر الثقفي، وذلك في سنة تسع عشرة فخرج عياض إلى الجزيرة، فنزل بجنده على الرهاء فصالحه أهلها على الجزية، وصالحت حران حين صالحت الرهاء، فصالحه أهلها على الجزية ثم بعث أبا موسى الأشعري إلى نصيبين، ووجه عمر بْن سعد إلى رأس العين في خيل رداء للمسلمين، وسار بنفسه في بقية الناس إلى دارا، فنزل عليها حتى افتتحها، فافتتح أبو موسى نصيبين، وذلك في سنه تسع عشره ثم وجه عثمان بْن أبي العاص إلى أرمينية الرابعة فكان عندها شيء من قتال، أصيب فيه صفوان بْن المعطل السلمي شهيدا.
ثم صالح أهلها عثمان بْن أبي العاص على الجزية، على كل أهل بيت دينار ثم كان فتح قيسارية من فلسطين وهرب هرقل.
وأما في رواية سيف، فإن الخبر في ذلك، فيما كتب به إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد والمهلب وطلحة وعمرو وسعيد، قالوا:
خرج عياض بْن غنم في أثر القعقاع، وخرج القواد- يعني حين كتب عمر إلى سعد بتوجيه القعقاع في أربعة آلاف من جنده مددا لأبي عبيدة حين قصدته الروم وهو بحمص- فسلكوا طريق الجزيرة على الفراض وغيرها،
стр. 1945
فسلك سهيل بْن عدي وجنده طريق الفراض حتى انتهى إلى الرقة، وقد ارفض أهل الجزيرة عن حمص إلى كورهم حين سمعوا بمقبل أهل الكوفة، فنزل عليهم، فأقام محاصرهم حتى صالحوه، وذلك أنهم قالوا فيما بينهم: أنتم بين أهل العراق وأهل الشام، فما بقاؤكم على حرب هؤلاء وهؤلاء! فبعثوا في ذلك إلى عياض وهو في منزل واسط من الجزيرة، فرأى أن يقبل منهم، فبايعوه وقبل منهم، وكان الذي عقد لهم سهيل بْن عدي عن أمر عياض، لأنه أمير القتال وأجروا ما أخذوا عنوة، ثم أجابوا مجرى أهل الذمة، وخرج عبد اللَّه بْن عبد اللَّه بْن عتبان، فسلك على دجلة حتى انتهى إلى الموصل، فعبر إلى بلد حتى أتى نصيبين، فلقوه بالصلح، وصنعوا كما صنع أهل الرقة، وخافوا مثل الذي خافوا، فكتبوا إلى عياض، فرأى أن يقبل منهم، فعقد لهم عبد اللَّه بْن عبد اللَّه، وأجروا ما أخذوا عنوة، ثم أجابوا مجرى أهل الذمة، وخرج الوليد بْن عقبة حتى قدم على بني تغلب وعرب الجزيرة، فنهض معه مسلمهم وكافرهم الا اياد ابن نزار، فإنهم ارتحلوا بقليتهم، فاقتحموا أرض الروم، فكتب بذلك الوليد إلى عمر بْن الخطاب ولما أعطى أهل الرقة ونصيبين الطاعة ضم عياض سهيلا وعبد اللَّه إليه فسار بالناس إلى حران، فأخذ ما دونها فلما انتهى إليهم اتقوه بالإجابة إلى الجزية فقبل منهم، وأجرى من أجاب بعد غلبه مجرى أهل الذمة ثم إن عياضا سرح سهيلا وعبد اللَّه إلى الرهاء، فاتقوهما بالإجابة إلى الجزية، وأجرى من دونهم مجراهم، فكانت الجزيرة أسهل البلدان أمرا، وأيسره فتحا، فكانت تلك السهولة مهجنة عليهم وعلى من أقام فيهم من المسلمين، وقال عياض بْن غنم:
من مبلغ الأقوام أن جموعنا ... حوت الجزيرة يوم ذات زحام
جمعوا الجزيرة والغياث فنفسوا ... عمن بحمص غيابه القدام
стр. 1946
إن الأعزة والأكارم معشر ... فضوا الجزيرة عن فراخ الهام
غلبوا الملوك على الجزيرة فانتهوا ... عن غزو من يأوي بلاد الشام
ولما نزل عمر الجابية، وفرغ أهل حمص أمد عياض بْن غنم بحبيب ابن مسلمة، فقدم على عياض مددا، وكتب أبو عبيدة إلى عمر بعد انصرافه من الجابية يسأله أن يضم إليه عياض بْن غنم إذ ضم خالدا إلى المدينة، فصرفه إليه، وصرف سهيل بْن عدي وعبد اللَّه بْن عبد اللَّه إلى الكوفة ليصرفهما إلى المشرق، واستعمل حبيب بْن مسلمة على عجم الجزيرة وحربها، والوليد بْن عقبة على عرب الجزيرة، فأقاما بالجزيرة على أعمالهما.
قالوا: ولما قدم الكتاب من الوليد على عمر كتب عمر إلى ملك الروم:
إنه بلغني أن حيا من أحياء العرب ترك دارنا وأتى دارك، فو الله لتخرجنه أو لننبذن إلى النصارى، ثم لنخرجنهم إليك فأخرجهم ملك الروم، فخرجوا فتم منهم على الخروج أربعة آلاف مع أبي عدي بْن زياد، وخنس بقيتهم، فتفرقوا فيما يلي الشام والجزيرة من بلاد الروم، فكل إيادي في أرض العرب من أولئك الأربعة الآلاف، وأبى الوليد بْن عقبة أن يقبل من بني تغلب إلا الإسلام، فقالوا له: أما من نقب على قومه في صلح سعد ومن كان قبله فأنتم وذاك، وأما من لم ينقب عليه أحد ولم يجر ذلك لمن نقب فما سبيلك عليه! فكتب فيهم إلى عمر، فأجابه عمر: إنما ذلك لجزيرة العرب لا يقبل منهم فيها إلا الإسلام، فدعهم على ألا ينصروا وليدا، وأقبل منهم إذا أسلموا فقبل منهم على ألا ينصروا وليدا، ولا يمنعوا أحدا منهم من الإسلام، فأعطى بعضهم ذلك فأخذوا به، وأبى بعضهم إلا الجزاء، فرضي منهم بما رضي من العباد وتنوخ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَيْفٍ التغلبى، قال: كان رسول الله ص قَدْ عَاهَدَ وَفْدَهُمْ
стр. 1947
عَلَى أَلا يُنَصِّرُوا وَلِيدًا، فَكَانَ ذَلِكَ الشَّرْطُ عَلَى الْوَفْدِ وَعَلَى مَنْ وَفَدهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى غَيْرِهِمْ، فَلَمَّا كَانَ زَمَانُ عُمَرَ قَالَ مُسْلِمُوهُمْ: لا تَنْفُرُوهُمْ بِالْخَرَاجِ فَيَذْهَبُوا، وَلَكِنْ أَضْعِفُوا عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةَ الَّتِي تَأْخُذُونَهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَيَكُونَ جَزَاءً، فَإِنَّهُمْ يَغْضَبُونَ مِنْ ذِكْرِ الْجَزَاءِ عَلَى أَلا يُنَصِّرُوا مَوْلُودًا إِذَا أَسْلَمَ آبَاؤُهُمْ.
فَخَرَجَ وَفْدُهُمْ فِي ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ، فَلَمَّا بَعَثَ الوليد اليه برءوس النصارى وبديانيهم، قَالَ لَهُمْ عُمَرُ: أَدُّوا الْجِزْيَةَ، فَقَالُوا: لِعُمَرَ: أَبْلِغْنَا مَأْمَنَنَا، وَاللَّهِ لَئِنْ وَضَعْتَ عَلَيْنَا الْجَزَاءَ لَنَدْخُلَنَّ أَرْضَ الرُّومِ، وَاللَّهِ لَتَفْضَحَنَّا مِنْ بَيْنِ الْعَرَبِ، فَقَالَ لَهُمْ: أَنْتُمْ فَضَحْتُمْ أَنْفُسَكُمْ، وَخَالَفْتُمْ أُمَّتَكُمْ فِيمَنْ خَالَفَ وَافْتَضَحَ مِنْ عَرَبِ الضَّاحِيَةِ، وَتَاللَّهِ لتؤدُّنَّه وَأَنْتُمْ صَغَرَةٌ قَمَأَةٌ، وَلَئِنْ هَرَبْتُمْ إِلَى الرُّومِ لأَكْتُبَنَّ فِيكُمْ، ثُمَّ لأُسْبِيَنَّكُمْ قَالُوا: فَخُذْ مِنَّا شَيْئًا وَلا تُسَمِّهِ جَزَاءً، فَقَالَ: أَمَّا نَحْنُ فَنُسَمِّيهِ جَزَاءً، وَسَمُّوهُ أَنْتُمْ مَا شِئْتُمْ [فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ:
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَلَمْ يُضْعِفْ عَلَيْهِمْ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ الصَّدَقَةَ؟] قَالَ: بَلَى، وَأَصْغَى إِلَيْهِ، فَرَضِيَ بِهِ مِنْهُمْ جَزَاءً، فَرَجَعُوا عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ فِي بَنِي تَغْلِبَ عِزٌّ وَامْتِنَاعٌ، وَلا يَزَالُونَ يُنَازِعُونَ الْوَلِيدَ، فَهَمَّ بِهِمُ الْوَلِيدُ، وَقَالَ فِي ذَلِكَ:
إِذَا مَا عَصَبْتُ الرَّأْسَ مِنِّي بِمِشْوَذٍ ... فَغَيّكَ مِنِّي تَغْلِبَ ابْنَةَ وَائِلِ
وَبَلَغَتْ عَنْهُ عُمَرَ، فَخَافَ أَنْ يَحْرِجُوهُ وَأَنْ يَضْعُفَ صَبْرُهُ فَيَسْطُو عَلَيْهِمْ، فَعَزَلَهُ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ فُرَاتَ بْنَ حَيَّانَ وَهِنْدَ بْنَ عَمْرٍو الْجَمَلِيَّ، وَخَرَجَ الْوَلِيدُ وَاسْتَوْدَعَ إِبِلا لَهُ حُرَيْثَ بْنَ النُّعْمَانِ، أَحَدُ بَنِي كِنَانَةَ بْنِ تَيْمٍ مِنْ بَنِي تغلب، وكانت مائه من الإبل فاختانها بعد ما خَرَجَ الْوَلِيدُ.
وَكَانَ فَتْحُ الْجَزِيرَةِ فِي سَنَةِ سبع عشره في ذي الحجه
. خروج عمر بن الخطاب الى الشام
وفي هذه السنة- أعني سنة سبع عشرة- خَرَجَ عُمَرُ مِنَ الْمَدِينَةِ يُرِيدُ
стр. 1948
الشَّامَ حَتَّى بَلَغَ سَرْغَ، فِي قَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا بِذَلِكَ ابْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ عَنْهُ، وَفِي قَوْلِ الْوَاقِدِيِّ.
ذكر الخبر عن خروجه إليها:
حَدَّثَنَا ابن حميد، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، عن مُحَمَّد بْن إسحاق، قال:
خرج عمر إلى الشام غازيا في سنة سبع عشرة، حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد، فأخبروه أن الأرض سقيمة، فرجع بالناس إلى المدينة.
وقد كان عمر- كما حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد ابن إسحاق، عن ابن شهاب الزهري، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلِ، عن عبد الله ابن عَبَّاسٍ- خَرَجَ غَازِيًا، وَخَرَجَ مَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ وَأَوْعَبَ النَّاسَ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا نَزَلَ بِسَرْغَ، لقيه أمراء الأجناد: ابو عبيده ابن الْجَرَّاحِ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَشُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الأَرْضَ سَقِيمَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ: اجْمَعْ إِلَيَّ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ، قَالَ:
فَجَمَعْتُهُمْ لَهُ، فَاسْتَشَارَهُمْ، فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ، فَمِنْهُمُ الْقَائِلُ: خَرَجْتَ لِوَجْهٍ تُرِيدُ فِيهِ اللَّهَ وَمَا عِنْدَهُ، وَلا نَرَى أَنْ يَصُدَّكَ عَنْهُ بَلاءٌ عَرَضَ لَكَ وَمِنْهُمُ الْقَائِلُ: إِنَّهُ لَبَلاءٌ وَفَنَاءٌ مَا نَرَى أَنْ تَقْدَمَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ قَالَ:
قُومُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: اجْمَعْ لِي مُهَاجِرَةَ الأَنْصَارِ، فَجَمَعْتُهُمْ لَهُ، فَاسْتَشَارَهُمْ فَسَلَكُوا طَرِيقَ الْمُهَاجِرِينَ، فَكَأَنَّمَا سَمِعُوا مَا قَالُوا فَقَالُوا مِثْلَهُ فَلَمَّا اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ قَالَ: قُومُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: اجْمَعْ لِي مُهَاجِرَةَ الْفَتْحِ مِنْ قُرَيْشٍ، فَجَمَعْتُهُمْ لَهُ، فاستشارهم فلم يختلف عليه مِنْهُمُ اثْنَانِ، وَقَالُوا: ارْجِعْ بِالنَّاسِ، فَإِنَّهُ بَلاءٌ وفناء قال: فقال لي عمر: يا بن عَبَّاسٍ، اصْرُخْ فِي النَّاسِ فَقُلْ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مُصْبِحٌ عَلَى ظُهْرٍ، فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ قَالَ: فَأَصَبْحَ عُمَرُ عَلَى ظُهْرٍ، وَأَصْبَحَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي رَاجِعٌ فَارْجِعُوا، فَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ: أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ! قَالَ: نَعَمْ فِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ
стр. 1949
رَجُلا هَبَطَ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ: إِحْدَاهُمَا خَصْبَةٌ وَالأُخْرَى جَدْبَةٌ، أَلَيْسَ يَرْعَى مَنْ رَعَى الْجَدْبَةَ بِقَدَرِ اللَّهِ، وَيَرْعَى مَنْ رَعَى الْخَصْبَةِ بِقَدَرِ اللَّهِ! ثُمَّ قَالَ: لَوْ غَيْرُكَ يَقُولُ هَذَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ! ثُمَّ خَلا بِهِ بِنَاحِيَةٍ دُونَ النَّاسِ، فَبَيْنَا النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ إِذْ أَتَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ- وَكَانَ مُتَخَلِّفًا عَنِ النَّاسِ لَمْ يَشْهَدْهُمْ بِالأَمْسِ- فَقَالَ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ فَأُخْبِرَ الْخَبَرَ، فَقَالَ: عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمٌ، فَقَالَ: عُمَرُ: فَأَنْتَ عِنْدَنَا الأَمِينُ الْمُصَدَّقُ، فَمَاذَا عِنْدَكَ؟
[قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ: إِذَا سَمِعْتُمْ بِهَذَا الْوَبَاءِ بِبَلَدٍ فَلا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ وَأَنْتُمْ بِهِ فَلا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ،] وَلا يُخْرِجَنَّكُمْ إِلا ذَلِكَ، فَقَالَ عُمَرُ: فَلِلَّهِ الْحَمْدُ! انْصَرِفُوا أَيُّهَا النَّاسُ، فَانْصَرَفَ بِهِمْ.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة عن محمد بن إسحاق، عن ابن شهاب الزهري، عن عبد اللَّه بْن عامر بْن ربيعة وسالم بْن عبد اللَّه بْن عمر، أنهما حدثاه أن عمر إنما رجع بالناس عن حديث عبد الرحمن بْن عوف، فلما رجع عمر رجع عمال الأجناد إلى أعمالهم وَأَمَّا سَيْفٌ، فَإِنَّهُ رَوَى فِي ذَلِكَ مَا كتب بِهِ إِلَى السري، عن شعيب، عن سيف، عن أبي حارثة وأبي عثمان وَالرَّبِيعِ، قَالُوا: وَقَعَ الطَّاعُونُ بِالشَّامِ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقِ، وَاسْتَقَرَّ بِالشَّامِ، وَمَاتَ فِيهِ النَّاسُ الَّذِينَ هُمْ فِي كُلِّ الأَمْصَارِ فِي الْمُحَرَّمِ وَصَفَرٍ، وَارْتَفَعَ عَنِ النَّاسِ وَكَتَبُوا بِذَلِكَ إِلَى عُمَرَ مَا خَلا الشَّامِ، فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْهَا قَرِيبًا بَلَغَهُ أَنَّهُ أَشَدُّ مَا كَانَ، فَقَالَ وقال الصحابه:
[قال رسول الله ص: إِذَا كَانَ بِأَرْضٍ وَبَاءٌ فَلا تَدْخُلُوهَا، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا تَخْرُجُوا مِنْهَا،] فَرَجَعَ حَتَّى ارْتَفَعَ عَنْهَا، وَكَتَبُوا بِذَلِكَ إِلَيْهِ وَبِمَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ الْمَوَارِيثِ، فَجَمَعَ النَّاسَ فِي جُمَادَى الأُولَى سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، فَاسْتَشَارَهُمْ فِي الْبُلْدَانِ، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ بَدَا لِي أَنْ أَطُوفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي بِلْدَانِهِمْ لأَنْظُرَ فِي آثَارِهِمْ، فَأَشِيرُوا عَلَيَّ- وَكَعْبُ الأَحْبَارِ
стр. 1950
فِي الْقَوْمِ، وَفِي تِلْكَ السَّنَةِ مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ أَسْلَمَ- فَقَالَ كَعْبٌ: بِأَيِّهَا تُرِيدُ أَنْ تَبْدَأَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: بِالْعِرَاقِ، قَالَ: فَلا تَفْعَلْ، فَإِنَّ الشَّرَّ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ وَالْخَيْرُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ، فَجُزْءٌ مِنَ الْخَيْرِ بِالْمَشْرِقِ وَتِسْعَةٌ بِالْمَغْرِبِ، وَإِنَّ جُزْءًا مِنَ الشَّرِّ بِالْمَغْرِبِ وَتِسْعَةً بِالْمَشْرِقِ، وَبِهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ، وَكُلُّ دَاءٍ عُضَالٌ.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ الأَصْبَغِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَامَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ، فَقَالَ: [يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَاللَّهِ إِنَّ الْكُوفَةَ لِلْهِجْرَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَإِنَّهَا لَقُبَّةُ الإِسْلامِ، وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهَا يَوْمٌ لا يَبْقَى مُؤْمِنٌ إِلا أَتَاهَا وَحَنَّ إِلَيْهَا، وَاللَّهِ لَيُنْصَرَنَّ بِأَهْلِهَا كَمَا انْتُصِرَ بِالْحِجَارَةِ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ] .
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنِ الْمطرحِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: وَقَالَ عُثْمَانُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الْمَغْرِبَ أَرْضُ الشَّرِّ، وَإِنَّ الشَّرَّ قُسِّمَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَجُزْءٌ فِي النَّاسِ وَسَائِرُ الأَجْزَاءِ بِهَا.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن ابى يَحْيَى التَّمِيمِيِّ، عَنْ أَبِي مَاجِدٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: الْكُوفَةُ رُمْحُ اللَّهِ، وَقُبَّةُ الإِسْلامِ، وَجُمْجُمَةُ الْعَرَبِ، يَكُفُّونَ ثُغُورَهُمْ، وَيَمُدُّونَ الأَمْصَارَ، فَقَدْ ضَاعَتْ مَوَارِيثُ أَهْلِ عِمْوَاسَ، فَأَبْدَأُ بِها.
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن أبي عُثْمَانَ وَأَبِي حَارِثَةَ وَالرَّبِيعِ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالُوا: قَالَ عُمَرُ: ضَاعَتْ مَوَارِيثُ النَّاسِ بِالشَّامِ، أَبْدَأُ بِهَا فَأُقَسِّمُ الْمَوَارِيثَ، وَأُقِيمُ لَهُمْ مَا فِي نَفْسِي، ثُمَّ أَرْجِعُ فَأَتَقَلَّبُ فِي الْبِلادِ، وَأَنْبِذُ إِلَيْهِمْ أَمْرِي فَأَتَى عُمَرُ الشَّامَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، مَرَّتَيْنِ فِي سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ، وَمَرَّتَيْنِ فِي سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ، لَمْ يَدْخُلْهَا فِي الأُولَى مِنَ الآخِرَتَيْنِ.
كَتَبَ إِلَى السَّرِيِّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: [قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص: قُسِّمَ الْحِفْظُ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ، فَتِسْعَةٌ فِي التُّرْكِ وَجُزْءٌ فِي سَائِرِ النَّاسِ، وَقُسِّمَ الْبُخْلُ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ، فَتِسْعَةٌ فِي فَارِسَ، وَجُزْءٌ فِي سَائِرِ النَّاسِ، وَقُسِّمَ السَّخَاءُ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ،
стр. 1951
فَتِسْعَةٌ فِي السُّودَانِ، وَجُزْءٌ فِي سَائِرِ النَّاسِ، وَقُسِّمَ الشَّبَقُ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ، فَتِسْعَةٌ فِي الْهِنْدِ، وَجُزْءٌ فِي سَائِرِ النَّاسِ، وَقُسِّمَ الْحَيَاءُ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ، فَتِسْعَةٌ فِي النِّسَاءِ، وَجُزْءٌ فِي سَائِرِ النَّاسِ، وَقُسِّمَ الْحَسَدُ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ، فَتِسْعَةٌ فِي الْعَرَبِ وَجُزْءٌ فِي سَائِرِ النَّاسِ، وَقُسِّمَ الْكِبْرُ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ، فَتِسْعَةٌ فِي الرُّومِ وَجُزْءٌ فِي سَائِرِ النَّاسِ] .
واختلف في خبر طاعون عمواس وفي أي سنة كان، فقال ابن إسحاق ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عنه، قال: ثم دخلت سنة ثماني عشرة، ففيها كان طاعون عمواس، فتفانى فيها الناس، فتوفى ابو عبيده ابن الجراح، وهو أمير الناس، ومعاذ بْن جبل، ويزيد بن ابى سفيان، والحارث ابن هشام، وسهيل بْن عمرو، وعتبة بْن سهيل، وأشراف الناس.
وحدثني أحمد بْن ثابت الرازي، قال: حَدَّثَنَا عن إسحاق بْن عيسى، عن أبي معشر، قال: كان طاعون عمواس والجابية في سنة ثماني عشرة.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عَنْ شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنِ الْمُخَارِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ الْبَجَلِيِّ، قَالَ: أَتَيْنَا أَبَا مُوسَى وَهُوَ فِي دَارِهِ بِالْكُوفَةِ لِنَتَحَدَّثَ عِنْدَهُ، فَلَمَّا جَلَسْنَا قَالَ: لا عَلَيْكُمْ أَنْ تخفوا، فقد أصيب في الدار إنسان بهذا السقم، ولا عليكم أن تنزهوا عن هذه القرية، فتخرجوا في فسيح بلادكم ونزهها حتى يرفع هذا الوباء، سأخبركم بما يكره مما يتقى، من ذلك أن يظن من خرج أنه لو أقام مات، ويظن من اقام فاصابه ذلك لو أنه لو خرج لم يصبه، فإذا لم يظن هذا المرء المسلم فلا عليه أن يخرج، وأن يتنزه عنه، إني كنت مع أبي عبيدة بْن الجراح بالشام عام طاعون عمواس، فلما اشتعل الوجع، وبلغ
стр. 1952
ذلك عمر، كتب إلى أبي عبيدة ليستخرجه منه: أن سلام عليك، أما بعد، فإنه قد عرضت لي إليك حاجة أريد أن أشافهك فيها، فعزمت عليك إذا نظرت في كتابي هذا ألا تضعه من يدك حتى تقبل إلي قال: فعرف أبو عبيدة أنه إنما أراد أن يستخرجه من الوباء، قال: يغفر اللَّه لأمير المؤمنين! ثم كتب إليه: يا أمير المؤمنين، إني قد عرفت حاجتك إلي، وإني في جند من المسلمين لا أجد بنفسي رغبة عنهم، فلست أريد فراقهم حتى يقضي اللَّه في وفيهم أمره وقضاءه، فحللني من عزمتك يا أمير المؤمنين، ودعني في جندي فلما قرأ عمر الكتاب بكى، فقال الناس: يا أمير المؤمنين، أمات أبو عبيدة؟ قال: لا، وكأن قد قال: ثم كتب إليه: سلام عليك، أما بعد، فإنك أنزلت الناس أرضا غمقه، فارفعهم إلى أرض مرتفعة نزهة فلما أتاه كتابه دعاني فقال: يا أبا موسى، إن كتاب أمير المؤمنين قد جاءني بما ترى، فاخرج فارتد للناس منزلا حتى أتبعك بهم، فرجعت إلى منزلي لأرتحل، فوجدت صاحبتي قد أصيبت، فرجعت إليه، فقلت له: والله لقد كان في أهلي حدث، فقال: لعل صاحبتك أصيبت! قلت: نعم، قال: فأمر ببعيره فرحل له، فلما وضع رجله في غرزة طعن، فقال: والله لقد أصبت ثم سار بالناس حتى نزل الجابية، ورفع عن الناس الوباء.
حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ الأَشْعَرِيِّ، عَنْ رَابةَ- رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، وَكَانَ قَدْ خَلَفَ عَلَى أُمِّهِ بَعْدَ أَبِيهِ، كَانَ شَهِدَ طَاعُونَ عِمْوَاسَ- قَالَ: لَمَّا اشْتَعَلَ الْوَجَعُ قَامَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هذا الوجع رحمه بكم ودعوه نبيكم محمد ص، وَمَوْتُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ يَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَقْسِمَ لَهُ مِنْهُ حَظَّهُ فَطُعِنَ فمات،
стр. 1953
وَاسْتُخْلِفَ عَلَى النَّاسِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ قَالَ: فَقَامَ خَطِيبًا بَعْدَهُ، فَقَالَ:
أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذَا الْوَجَعَ رَحْمَةُ رَبِّكُمْ، وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ وَمَوْتُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّ مُعَاذًا يَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَقْسِمَ لآلِ مُعَاذٍ مِنْهُ حَظَّهُمْ، فَطُعِنَ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاذٍ، فَمَاتَ ثُمَّ قَامَ فَدَعَا بِهِ لِنَفْسِهِ، فَطُعِنَ فِي رَاحَتِهِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا ثُمَّ يُقَبِّلُ ظَهْرَ كَفِّهِ، ثُمَّ يَقُولُ: مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِمَا فِيكِ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا، فَلَمَّا مَاتَ اسْتُخْلِفَ عَلَى النَّاسِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَقَامَ خَطِيبًا فِي النَّاسِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذَا الْوَجَعَ إِذَا وَقَعَ فَإِنَّمَا يَشْتَعِلُ اشْتِعَالَ النَّارِ، فتجبلوا منه في الجبال فقال ابو وائله الْهُذَلِيُّ: كَذَبْتَ، وَاللَّهِ لَقَدْ صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص وَأَنْتَ شَرٌّ مِنْ حِمَارِي هَذَا! قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرُدُّ عَلَيْكَ مَا تَقُولُ، وَايْمِ اللَّهِ لا نُقِيمُ عَلَيْهِ ثُمَّ خَرَجَ وَخَرَجَ النَّاسُ فَتَفَرَّقُوا، وَرَفَعَهُ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْ رَأَيِ عَمْرَو بْنِ العاص، فو الله مَا كَرِهَهُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْجِرْمِيِّ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: بَلَغَنِي هَذَا مِنْ قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَقَوْلِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: إِنَّ هذا الوجع رحمه بكم وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ، وَمَوْتُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، فَكُنْتُ أَقُولُ: كيف دعا به رسول الله ص لأُمَّتِهِ، حَتَّى حَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ لا أَتَّهِمُ عن رسول الله انه سمعه منه، وجاءه جبريل ع فَقَالَ: إِنَّ فَنَاءَ أُمَّتِكَ يَكُونُ بِالطَّعْنِ أَوِ الطاعون، [فجعل رسول الله ص يَقُولُ: اللَّهُمَّ فَنَاءَ الطَّاعُونِ!] فَعَرَفْتُ أَنَّهَا الَّتِي كَانَ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَمُعَاذٌ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إِسْحَاقَ، قال: وَلَمَّا انْتَهَى إِلَى عُمَرَ مُصَابُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، أَمَّرَ معاويه ابن أَبِي سُفْيَانَ عَلَى جُنْدِ دِمَشْقَ وَخَرَاجِهَا، وَأَمَّرَ شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ عَلَى جُنْدِ الأُرْدُنِّ وَخَرَاجِهَا.
وَأَمَّا سَيْفٌ، فَإِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ طَاعُونَ عَمْوَاسَ كَانَ فِي سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ
стр. 1954
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان وأبي حارثة والربيع بإسنادهم، قالوا: كان ذلك الطاعون- يعنون طاعون عمواس- موتانا لم ير مثله، طمع له العدو في المسلمين، وتخوفت له قلوب المسلمين، كثر موته، وطال مكثه، مكث أشهرا حتى تكلم في ذلك النَّاسِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: أَصَابَ الْبَصْرَةَ مِنْ ذَلِكَ مَوْتٌ ذَرِيعٌ، فَأَمَرَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ غُلامًا لَهُ أَعْجَمِيًّا أَنْ يَحْمِلَ ابْنًا لَهُ صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ غَيْرَهُ عَلَى حِمَارٍ، ثُمَّ يَسُوقَ بِهِ إِلَى سَفَوَانَ، حَتَّى يَلْحَقَهُ فَخَرَجَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ ثُمَّ اتَّبَعَهُ، وَقَدْ أَشْرَفَ عَلَى سَفَوَانَ، وَدَنَا مِنَ ابْنِهِ وَغُلامِهِ، فَرَفَعَ الْغُلامُ عَقِيرَتَهُ يَقُولُ:
لَنْ يعجزوا اللَّه على حمار ... ولا على ذي غرة مطار
قد يصبح الموت أمام الساري
فسكت حتى انتهى إليهم، فإذا هم هم، قال: ويحك، ما قلت! قال:
ما أدري، قال: ارجع، فرجع بابنه، وعلم أنه قد أسمع آية وأريها.
قال: وعزم رجل على الخروج الى ارض بها الطاعون فتردد بعد ما طعن، فإذا غلام له أعجمي يحدو به:
يا ايها المشعر هما لا تهم ... إنك إن تكتب لك الحمى تحم
وفي هذه السنة- أعني سنة سبع عشرة- كان خروج عمر إلى الشام الخرجة الأخيرة فلم يعد إليها بعد ذلك في قول سيف، وأما ابن إسحاق فقد مضى ذكره
. ذكر الخبر عَنْ سَيْفٍ في ذلك، والخبر عما ذكره عن عمر في خرجته تلك أنه أحدث في مصالح المسلمين:
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن أبي عثمان وأبي حارثة والربيع، قالوا: وخرج عمر وخلف عليا على المدينة، وخرج معه بالصحابة
стр. 1955
وأغذوا السير واتخذ أيلة طريقا، حتى إذا دنا منها تنحى عن الطريق، واتبعه غلامه، فنزل فبال، ثم عاد فركب بعير غلامه، وعلى رحله فرو مقلوب، وأعطى غلامه مركبه، فلما تلقاه أوائل الناس، قالوا: أين أمير المؤمنين؟ قال: أمامكم- يعني نفسه- وذهبوا هم إلى أمامهم، فجازوه حتى انتهى هو إلي أيلة فنزلها وقيل للمتلقين: قد دخل أمير المؤمنين أيلة ونزلها.
فرجعوا إليه كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَيْلَةَ، وَمَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ دَفَعَ قَمِيصًا لَهُ كَرَابِيسُ قَدِ انْجَابَ مُؤَخِّرُهُ عَنْ قَعْدَتِهِ مِنْ طُولِ السَّيْرِ إِلَى الأُسْقُفِّ، وقال: اغسل هذا وارقعه، فَانْطَلَقَ الأُسْقُفُّ بِالْقَمِيصِ، وَرَقَّعَهُ، وَخَاطَ لَهُ آخَرُ مِثْلَهُ، فَرَاحَ بِهِ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ الأُسْقُفُّ: أَمَّا هَذَا فَقَمِيصُكَ قَدْ غَسَلْتُهُ وَرَقَّعْتُهُ، وَأَمَّا هَذَا فَكِسْوَةٌ لَكَ مِنِّي.
فَنَظَرَ إِلَيْهِ عُمَرُ وَمَسَحَهُ، ثُمَّ لَبِسَ قَمِيصَهُ، وَرَدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْقَمِيصَ، وَقَالَ:
هَذَا أَنْشَفُهُمَا لِلْعَرَقِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ عَطِيَّةَ وَهِلالٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ بِالْجَابِيَةِ يَقُولُ لِعُمَرَ: أَرْبَعٌ مَنْ عَمِلَ بِهِنَّ اسْتَوْجَبَ الْعَدْلَ: الأَمَانَةُ فِي الْمَالِ، وَالتَّسْوِيَّةُ فِي الْقَسْمِ، وَالْوَفَاءُ بالعدة، وَالْخُرُوجُ مِنَ الْعُيُوبِ، نَظِّفْ نَفْسَكَ وَأَهْلَكَ.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن أَبِي عُثْمَانَ وَالرَّبِيعِ وَأَبِي حَارِثَةَ بِإِسْنَادِهِمْ، قَالُوا: قَسَّمَ عُمَرُ الأَرْزَاقَ، وَسَمَّى الشَّوَاتِيَ وَالصَّوَائِفَ، وَسَدَّ فُرُوجَ الشَّامِ وَمَسَالِحَهَا، وَأَخَذَ يَدُورُ بِهَا، وَسَمَّى ذَلِكَ فِي كُلِّ كَوْرَةٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ عَلَى السَّوَاحِلِ مِنْ كُلِّ كَوْرَةٍ، وَعَزَلَ شُرَحْبِيلَ، وَاسْتَعْمَلَ مُعَاوِيَةَ، وَأَمَّرَ أَبَا عُبَيْدَةَ وَخَالِدًا تَحْتَهُ، فَقَالَ لَهُ شُرَحْبِيلُ: أَعَنْ
стр. 1956
سَخْطَةٍ عَزَلْتَنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: لا، إِنَّكَ لَكَمَا أُحِبُّ، وَلَكِنِّي أُرِيدُ رَجُلا أَقْوَى مِنْ رَجُلٍ، قَالَ: نَعَمْ، فَاعْذُرْنِي فِي النَّاسِ لا تُدْرِكْنِي هُجْنَةٌ، فَقَامَ فِي النَّاسِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسِ، إِنِّي وَاللَّهِ مَا عَزَلْتُ شُرَحْبِيلَ عَنْ سَخْطَةٍ، وَلَكِنِّي أَرَدْتُ رَجُلا أَقْوَى مِنْ رَجُلٍ وَأَمَّرَ عَمْرَو بْنَ عَبْسَةَ عَلَى الأَهْرَاءِ، وَسَمَّى كُلَّ شَيْءٍ، ثُمَّ قَامَ فِي النَّاسِ بِالْوَدَاعِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن أبي ضمرة وأبي عمرو، عن المستورد، عن عدي بْن سهيل، قال: لما فرغ عمر من فروجه وأموره قسم المواريث، فورث بعض الورثة من بعض، ثم أخرجها إلى الأحياء من ورثة كل امرئ منهم.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبي:
وخرج الحارث بْن هشام في سبعين من أهل بيته، فلم يرجع منهم إلا أربعة، فقال المهاجر بْن خالد بْن الوليد:
من يسكن الشام يعرس به ... والشام إن لم يفننا كارب
أفنى بنى ريطة فرسانهم ... عشرون لم يقصص لهم شارب
ومن بني أعمامهم مثلهم ... لمثل هذا أعجب العاجب
طعنا وطاعونا مناياهم ... ذلك ما خط لنا الكاتب
قال: وقفل عمر من الشام إلى المدينة في ذي الحجة، وخطب حين أراد القفول، فحمد اللَّه وأثنى عليه، وقال: ألا إني قد وليت عليكم وقضيت الذي علي في الذي ولاني اللَّه من امركم، ان شاء الله قسطنا بينكم فيئكم ومنازلكم ومغازيكم، وأبلغنا ما لديكم، فجندنا لكم الجنود، وهيأنا لكم الفروج، وبوأناكم ووسعنا عليكم ما بلغ فيئكم وما قاتلتم عليه من شامكم، وسمينا لكم اطماعكم، وامرنا لكم باعطياتكم، وأرزاقكم ومغانمكم
стр. 1957
فمن علم علم شيء ينبغي العمل به فبلغنا نعمل به إن شاء اللَّه، ولا قوة إلا بالله وحضرت الصلاة، وقال الناس: لو أمرت بلالا فأذن! فأمره فأذن، فما بقي احد كان ادرك رسول الله ص وبلال يؤذن له إلا بكى حتى بل لحيته، وعمر أشدهم بكاء، وبكى من لم يدركه ببكائهم، ولذكره ص
. ذكر خبر عزل خالد بن الْوَلِيد
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن أبي عثمان وأبي حارثة، قالا: فما زال خالد على قنسرين حتى غزا غزوته التي أصاب فيها، وقسم فيها ما أصاب لنفسه.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن أبي المجالد مثله.
قالوا: وبلغ عمر أن خالدا دخل الحمام فتدلك بعد النورة بثخين عصفر معجون بخمر، فكتب إليه: بلغني أنك تدلكت بخمر، وإن اللَّه قد حرم ظاهر الخمر وباطنه، كما حرم ظاهر الإثم وباطنه، وقد حرم مس الخمر إلا أن تغسل كما حرم شربها، فلا تمسوها أجسادكم فإنها نجس، وإن فعلتم فلا تعودوا.
فكتب إليه خالد: إنا قتلناها فعادت غسولا غير خمر فكتب إليه عمر: إني أظن آل المغيرة قد ابتلوا بالجفاء، فلا أماتكم اللَّه عليه! فانتهى إليه ذلك.
وفي هذه السنة- أعني سنة سبع عشرة- أدرب خالد بن الوليد وعياض ابن غنم في رواية سيف عن شيوخه
стр. 1958
ذكر من قال ذلك:
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان وأبي حارثة والمهلب، قالوا: وأدرب سنة سبع عشرة خالد وعياض، فسارا فأصابا أموالا عظيمة، وكانا توجها من الجابية، مرجع عمر إلى المدينة، وعلى حمص أبو عبيدة وخالد تحت يديه على قنسرين، وعلى دمشق يزيد بْن أبي سفيان، وعلى الأردن معاوية، وعلى فلسطين علقمة بْن مجزز، وعلى الأهراء عمرو ابن عبسة، وعلى السواحل عبد اللَّه بْن قيس، وعلى كل عمل عامل.
فقامت مسالح الشام ومصر والعراق على ذلك إلى اليوم لم تجز أمة إلى أخرى عملها بعد، إلا أن يقتحموا عليهم بعد كفر منهم، فيقدموا مسالحهم بعد ذلك، فاعتدل ذلك سنة سبع عشرة.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سَيْفٍ، عن أبي المجالد وأبي عثمان والربيع وأبي حارثة، قالوا: ولما قفل خالد وبلغ الناس ما أصابت تلك الصائفة انتجعه رجال، فانتجع خالدا رجال من أهل الآفاق، فكان الأشعث بْن قيس ممن انتجع خالدا بقنسرين، فأجازه بعشرة آلاف.
وكان عمر لا يخفى عليه شيء في عمله، كتب إليه من العراق بخروج من خرج، ومن الشام بجائزة من أجيز فيها- فدعا البريد، وكتب معه إلى أبي عبيدة أن يقيم خالدا ويعقله بعمامته، وينزع عنه قلنسوته حتى يعلمهم من أين إجازة الأشعث، أمن ماله أم من إصابة أصابها؟ فإن زعم أنها من إصابة أصابها فقد أقر بخيانة، وإن زعم أنها من ماله فقد أسرف.
واعزله على كل حال، واضمم إليك عمله فكتب أبو عبيدة إلى خالد، فقدم عليه، ثم جمع الناس وجلس لهم على المنبر، فقام البريد فقال: يا خالد، أمن مالك أجزت بعشرة آلاف أم من إصابة؟ فلم يجبه حتى أكثر عليه، وأبو عبيدة ساكت لا يقول شيئا، فقام بلال إليه، فقال: إن أمير المؤمنين أمر فيك بكذا وكذا، ثم تناول قلنسوته فعقله بعمامته وقال: ما تقول! أمن مالك أم من إصابة؟ قال: لا بل من مالي، فأطلقه وأعاد قلنسوته ثم عممه بيده، ثم قال: نسمع ونطيع لولاتنا، ونفخم ونخدم موالينا قالوا: وأقام خالد متحيرا لا يدري امعزول
стр. 1959
أم غير معزول؟ وجعل أبو عبيدة لا يخبره حتى إذا طال على عمر أن يقدم ظن الذي قد كان، فكتب إليه بالإقبال، فأتى خالد أبا عبيدة، فقال:
رحمك اللَّه، ما أردت إلى ما صنعت! كتمتني أمرا كنت أحب أن أعلمه قبل اليوم! فقال أبو عبيدة: إني والله ما كنت لأروعك ما وجدت لذلك بدا، وقد علمت أن ذلك يروعك قال: فرجع خالد إلى قنسرين، فخطب أهل عمله وودعهم وتحمل، ثم أقبل إلى حمص فخطبهم وودعهم، ثم خرج نحو المدينة حتى قدم على عمر، فشكاه وقال: لقد شكوتك إلى المسلمين، وبالله إنك في أمري غير مجمل يا عمر، فقال عمر: من اين هذا الثراء؟
قال: من الأنفال والسهمان، ما زاد على الستين ألفا فلك فقوم عمر عروضه فخرجت إليه عشرون ألفا، فأدخلها بيت المال ثم قال: يا خالد، والله إنك علي لكريم، وإنك إلي لحبيب، ولن تعاتبني بعد اليوم على شيء.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُسْتَوْرِدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ سُهَيْلٍ، قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ إِلَى الأَمْصَارِ: إِنِّي لَمْ أَعْزِلْ خَالِدًا عَنْ سَخْطَةٍ وَلا خِيَانَةٍ، وَلَكِنَّ النَّاسَ فُتِنُوا بِهِ، فَخِفْتُ أَنْ يوكلوا إِلَيْهِ وَيُبْتُلُوا بِهِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ الصَّانِعُ، وَأَلا يَكُونُوا بِعَرَضِ فِتْنَةٍ.
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن مبشر، عَنْ سَالِمٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ خَالِدٍ عَلَى عُمَرَ قَالَ عُمَرُ مُتَمَثِّلا:
صَنَعْتَ فَلَمْ يَصْنَعْ كَصُنْعِكَ صَانِعٌ ... وَمَا يَصْنَعُ الأَقْوَامُ فَاللَّهُ يَصْنَعُ
فَأَغْرَمَهُ شَيْئًا، ثُمَّ عَوَّضَهُ، وَكَتَبَ فِيهِ إِلَى الناس بهذا الكتاب ليعذره عندهم وليبصرهم
. ذكر تجديد المسجد الحرام والتوسعه فيه
وفي هذه السنة- أعني سنة سبع عشرة- اعْتَمَرَ عُمَرُ، وَبَنَى الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ- فِيمَا زَعَمَ الْوَاقِدِيُّ- وَوَسَّعَ فِيهِ، وَأَقَامَ بِمَكَّةَ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَهَدَمَ عَلَى أَقْوَامٍ أَبَوْا أَنْ يَبِيعُوا، وَوَضَعَ أَثْمَانَ دُورِهِمْ فِي بَيْتِ الْمَالِ حَتَّى أَخَذُوهَا
стр. 1960
قَالَ: وَكَانَ ذَلِكَ الشَّهْرُ الَّذِي اعْتَمَرَ فِيهِ رَجَبَ، وَخَلَّفَ عَلَى الْمَدِينَةِ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَفِي عُمْرَتِهِ هَذِهِ أَمَرَ بِتَجْدِيدِ أَنْصَابِ الْحَرَمِ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ مَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ وَالأَزْهَرَ بْنَ عَبْدِ عَوْفٍ وَحُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى وَسَعِيدَ بْنَ يَرْبُوعٍ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ:
قَدِمْنَا مَعَ عُمَرَ مَكَّةَ فِي عُمْرَتِهِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، فَمَرَّ بِالطَّرِيقِ فَكَلَّمَهُ أَهْلُ الْمِيَاهِ أَنْ يَبْتَنُوا مَنَازِلَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ- وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ بِنَاءٌ- فَأَذِنَ لَهُمْ، وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنَّ ابْنَ السَّبِيلِ أَحَقُّ بِالظِّلِّ وَالْمَاءِ.
قَالَ: وَفِيهَا تَزَوَّجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أُمَّ كُلْثُومٍ ابْنَةَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَهِيَ ابْنَةُ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ص، ودخل بها في ذي القعده
. ذكر خبر عزل المغيره عن البصره وولايه ابى موسى
قَالَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلَّى عُمَرُ أَبَا مُوسَى الْبَصْرَةَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُشْخِصَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةَ فِي رَبِيعٍ الأَوَّلِ- فَشَهِدَ عَلَيْهِ- فيما حَدَّثَنِي معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب- أبو بكرة، وشبل بْن معبد البجلي، ونافع بْن كلدة، وزياد.
قال: وحدثني مُحَمَّد بْن يعقوب بْن عتبة، عن أبيه، قال: كان يختلف إلى أم جميل، امرأة من بني هلال، وكان لها زوج هلك قبل ذلك من ثقيف، يقال له الحجاج بْن عبيد، فكان يدخل عليها، فبلغ ذلك أهل البصرة، فأعظموه، فخرج المغيرة يوما من الأيام حتى دخل عليها، وقد وضعوا عليها الرصد، فانطلق القوم الذين شهدوا جميعا، فكشفوا الستر، وقد واقعها فوفد أبو بكرة إلى عمر، فسمع صوته وبينه وبينه حجاب، فقال: أبو بكرة؟ قال: نعم، قال: لقد جئت لشر، قال: إنما جاء بي المغيرة، ثم قص عليه القصة، فبعث عمر أبا موسى الأشعري عاملا، وأمره
стр. 1961
أن يبعث إليه المغيرة، فأهدى المغيرة لأبي موسى عقيلة، وقال: انى رضيتها لك، فبعث أبو موسى بالمغيرة إلى عمر.
قال الواقدي: وحدثني عبد الرحمن بْن محمد بن ابى بكر بن محمد ابن عمرو بْن حزم، عَنْ أَبِيهِ، عن مالك بْن أوس بْن الحدثان، قال:
حضرت عمر حين قدم بالمغيرة، وقد تزوج امرأة من بني مرة، فقال له:
إنك لفارغ القلب، طويل الشبق، فسمعت عمر يسأل عن المرأة فقال:
يقال لها الرقطاء، وزوجها من ثقيف، وهو من بني هلال قال أبو جعفر: وكان سبب ما كان بين أبي بكرة والشهادة عليه- فيما كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن مُحَمَّد والمهلب وطلحة وعمرو بإسنادهم، قالوا: كان الذي حدث بين أبي بكرة والمغيرة بْن شعبة أن المغيرة كان يناغيه، وكان أبو بكرة ينافره عند كل ما يكون منه، وكانا بالبصرة، وكانا متجاورين بينهما طريق، وكانا في مشربتين متقابلتين لهما في داريهما في كل واحدة منهما كوة مقابلة الأخرى، فاجتمع إلى أبي بكرة نفر يتحدثون في مشربته، فهبت ريح، ففتحت باب الكوة، فقام أبو بكرة ليصفقه، فبصر بالمغيرة، وقد فتحت الريح باب كوة مشربته، وهو بين رجلي امرأة، فقال للنفر: قوموا فانظروا، فقاموا فنظروا، ثم قال: اشهدوا، قالوا: من هذه؟ قال: أم جميل ابنة الأفقم- وكانت أم جميل إحدى بني عامر بْن صعصعة، وكانت غاشية للمغيرة، وتغشى الأمراء والأشراف- وكان بعض النساء يفعلن ذلك في زمانها- فقالوا: إنما رأينا أعجازا، ولا ندري ما الوجه؟ ثم إنهم صمموا حين قامت، فلما خرج المغيرة إلى الصلاة حال أبو بكرة بينه وبين الصلاة وقال: لا تصل بنا فكتبوا إلى عمر بذلك، وتكاتبوا، فبعث عمر إِلَى أَبِي مُوسَى، فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى، إني مستعملك، إني أبعثك إلى أرض قد باض بها الشيطان وفرخ، فالزم ما تعرف، ولا تستبدل فيستبدل اللَّه بك فقال: يا أمير المؤمنين،
стр. 1962
أعني بعدة من أصحاب رسول اللَّه من المهاجرين والأنصار، فإني وجدتهم في هذه الأمة وهذه الأعمال كالملح لا يصلح الطعام إلا به فاستعن بمن أحببت فاستعان بتسعة وعشرين رجلا، منهم أنس بْن مالك وعمران بْن حصين وهشام بْن عامر ثم خرج أبو موسى فيهم حتى أناخ بالمربد، وبلغ المغيرة أن أبا موسى قد أناخ بالمربد فقال: والله ما جاء أبو موسى زائرا، ولا تاجرا، ولكنه جاء أميرا فإنهم لفي ذلك، إذ جاء أبو موسى حتى دخل عليهم، فدفع إليه أبو موسى كتابا من عمر، وإنه لأوجز كتاب كتب به أحد من الناس، أربع كلم عزل فيها، وعاتب، واستحث، وأمر:
أما بعد، فإنه بلغني نبأ عظيم، فبعثت أبا موسى أميرا، فسلم إليه ما في يدك، والعجل وكتب إلى أهل البصرة: أما بعد، فإني قد بعثت أبا موسى أميرا عليكم، ليأخذ لضعيفكم من قويكم، وليقاتل بكم عدوكم، وليدفع عن ذمتكم، وليحصى لكم فيئكم ثم ليقسمه بينكم، ولينقى لكم طرقكم.
وأهدى له المغيرة وليدة من مولدات الطائف تدعى عقيلة، وقال:
إني قد رضيتها لك- وكانت فارهة- وارتحل: المغيرة وأبو بكرة ونافع بْن كلدة وزياد وشبل بْن معبد البجلي حتى قدموا على عمر، فجمع بينهم وبين المغيرة، فقال المغيرة: سل هؤلاء الأعبد كيف رأوني، مستقبلهم أو مستدبرهم؟ وكيف رأوا المرأة او عرفوها؟ فإن كانوا مستقبلي فكيف لم أستتر، أو مستدبري فبأي شيء استحلوا النظر إلي في منزلي على امرأتي! والله ما أتيت إلا امرأتي- وكانت شبهها- فبدأ بأبي بكرة، فشهد عليه أنه رآه بين رجلي أم جميل وهو يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة، قال:
كيف رأيتهما؟ قال مستدبرهما، قال: فكيف استثبت رأسها؟ قال: تحاملت.
ثم دعا بشبل بْن معبد، فشهد بمثل ذلك، فقال: استدبرتهما أو استقبلتهما؟
стр. 1963
قال: استقبلتهما وشهد نافع بمثل شهادة أبي بكرة، ولم يشهد زياد بمثل شهادتهم، قال: رأيته جالسا بين رجلي امرأة، فرأيت قدمين مخضوبتين تخفقان، واستين مكشوفتين، وسمعت حفزانا شديدا قال: هل رأيت كالميل في المكحلة؟ قال: لا، قال: فهل تعرف المرأة؟ قال: لا، ولكن أشبهها، قال: فتنح، وأمر بالثلاثة فجلدوا الحد، وقرأ: فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ، فقال المغيرة:
اشفني من الأعبد، فقال: اسكت اسكت الله نامتك! اما والله لو تمت الشهاده لرجمتك باحجارك
. فتح سوق الاهواز ومناذر ونهر تيرى
وفي هذه السنة- أعني سنة سبع عشرة- فتحت سوق الأهواز ومناذر ونهر تيرى في قول بعضهم، وفي قول آخرين: كان ذلك في سنة ست عشرة من الهجرة.
ذكر الخبر عن سبب فتح ذلك وعلى يدي من جرى:
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، يَذْكُرُ أَنَّ شُعَيْبًا حَدَّثَهُ عَنْ سَيْف بْن عمر، عن مُحَمَّد وطلحة والمهلب وعمرو، قالوا: كان الهرمزان أحد البيوتات السبعة في أهل فارس، وكانت امته مهرجانقذق وكور الأهواز، فهؤلاء بيوتات دون سائر أهل فارس، فلما انهزم يوم القادسية كان وجهه إلى أمته، فملكهم وقاتل بهم من أرادهم، فكان الهرمزان يغير على أهل ميسان ودستميسان من وجهين، من مناذر ونهر تيرى، فاستمد عتبة بْن غزوان سعدا، فأمده سعد بنعيم بْن مقرن ونعيم بْن مسعود، وأمرهما أن يأتيا أعلى ميسان ودستميسان حتى يكونا بينهم وبين نهر تيرى ووجه عتبة ابن غزوان سلمى بْن القين وحرملة بْن مريطة- وكانا من المهاجرين مع رسول الله ص، وهما من بني العدوية من بني حنظلة- فنزلا على حدود أرض ميسان ودستميسان، بينهم وبين مناذر، ودعوا
стр. 1964
بنى العم، فخرج إليهم غالب الوائلي وكليب بْن وائل الكلينى، فتركا نعيما ونعيما ونكبا عنهما، وأتيا سلمى وحرملة، وقالا: أنتما من العشيرة، وليس لكما مترك، فإذا كان يوم كذا وكذا فانهدا للهرمزان، فإن أحدنا يثور بمناذر والآخر بنهر تيرى، فنقتل المقاتلة، ثم يكون وجهنا إليكم، فليس دون الهرمزان شيء إن شاء اللَّه ورجعا وقد استجابا واستجاب قومهما بنو العم بْن مالك.
قال: وكان من حديث العمي، والعمي مرة بْن مالك بْن حنظلة بْن مالك بْن زيد مناة بْن تميم- أنه تنخت عليه وعلى العصية بن امرئ القيس أفناء معد فعماه عن الرشد من لم ير نصره فارس على آل اردوان، فقال في ذلك كعب بْن مالك أخوه- ويقال: صدي بْن مالك:
لقد عم عنها مرة الخير فانصمى ... وصم فلم يسمع دعاء العشائر
ليتنخ عنا رغبة عن بلاده ... ويطلب ملكا عاليا في الأساور
فبهذا البيت سمي العم، فقيل بنو العم، عموه عن الصواب بنصره أهل فارس كقول اللَّه ﵎: عَمُوا وَصَمُّوا، وقال يربوع بْن مالك:
لقد علمت عليا معد بأننا ... غداة التباهي غر ذاك التبادر
تنخنا على رغم العداه ولم ننخ ... بحي تميم والعديد الجماهر
نفينا عن الفرس النبيط فلم يزل ... لنا فيهم إحدى الهنات البهاتر
إذا العرب العلياء جاشت بحورها ... فخرنا على كل البحور الزواخر
وقال أيوب بْن العصية بْن امرئ القيس:
لنحن سبقنا بالتنوخ القبائلا ... وعمدا تنخنا حيث جاءوا قنابلا
وكنا ملوكا قد عززنا الأوائلا ... وفي كل قرن قد ملكنا الحلائلا
стр. 1965
فلما كانت تلك الليلة ليلة الموعد من سلمى وحرملة وغالب وكليب، والهرمزان يومئذ بين نهر تيرى بين دلث، خرج سلمى وحرمله صبيحتها في تعبئة، وأنهضا نعيما ونعيما فالتقوا هم والهرمزان بين دلث ونهر تيرى، وسلمى ابن القين على أهل البصرة، ونعيم بْن مقرن على اهل الكوفه فاقتتلوا فبيناهم في ذلك أقبل المدد من قبل غالب وكليب، وأتى الهرمزان الخبر بأن مناذر ونهر تيرى قد أخذتا، فكسر اللَّه في ذرعه وذرع جنده، وهزمه وإياهم، فقتلوا منهم ما شاءوا، وأصابوا منهم ما شاءوا، وأتبعوهم حتى وقفوا على شاطئ دجيل، وأخذوا ما دونه، وعسكروا بحيال سوق الأهواز، وقد عبر الهرمزان جسر سوق الأهواز، وأقام بها، وصار دجيل بين الهرمزان وحرملة وسلمى ونعيم ونعيم وغالب وكليب.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن عبد اللَّه بْن المغيرة العبدي، عن رجل من عبد القيس يدعى صحارا، قال: قدمت على هرم ابن حيان- فيما بين الدلوث ودجيل- بجلال من تمر، وكان لا يصبر عنه، وكان جل زاده إذا تزود التمر، فإذا فني انتخب له مزاود من جلال وهم ينفرون فيحملها فيأكلها ويطعمها حيثما كان من سهل أو جبل.
قالوا: ولما دهم القوم الهرمزان ونزلوا بحياله من الأهواز رأى ما لا طاقة له به، فطلب الصلح، فكتبوا إلى عتبة بذلك يستأمرونه فيه، وكاتبه الهرمزان، فأجاب عتبة الى ذلك على الاهواز كلها ومهرجانقذق، ما خلا نهر تيرى ومناذر، وما غلبوا عليه من سوق الأهواز، فإنه لا يرد عليهم ما تنقذنا.
وجعل سلمى بْن القين على مناذر مسلحة وأمرها إلى غالب، وحرملة على نهر تيرى وأمرها إلى كليب، فكانا على مسالح البصرة وقد هاجرت طوائف بني العم، فنزلوا منازلهم من البصرة، وجعلوا يتتابعون على ذلك، وقد كتب بذلك عتبة إلى عمر، ووفد وفدا منهم سلمى، وأمره أن يستخلف على عمله، وحرملة- وكانا من الصحابة- وغالب وكليب، ووفد وفود من البصرة
следующие страницы →