Полный текст (6 431 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
بها، ووفد وفدا، وقد كانت البشراء والوفود يجازون وتقضى لهم حوائجهم، لسنة جرت بذلك من رسول الله ص كتب إلي السري عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن سوقة، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، قال: خرجنا مع مجاشع بن مسعود غازين توج، فحاصرناها، وقاتلناهم ما شاء اللَّه، فلما افتتحناها وحوينا نهبها نهبا كثيرا، وقتلنا قتلى عظيمة، وكان علي قميص قد تخرق، فأخذت إبرة وسلكا وجعلت أخيط قميصي بها ثم إني نظرت إلى رجل في القتلى عليه قميص فنزعته، فأتيت به الماء، فجعلت أضربه بين حجرين حتى ذهب ما فيه، فلبسته، فلما جمعت الرثة، قام مجاشع خطيبا، فحمد اللَّه، وأثنى عليه، فقال: أيها الناس لا تغلوا، فإنه من غل جاء بما غل يوم القيامة ردوا ولو المخيط فلما سمعت ذلك نزعت القميص فألقيته في الأخماس
فتح إصطخر
قال: وقصد عثمان بْن أبي العاص لإصطخر، فالتقى هو وأهل إصطخر بجور فاقتتلوا ما شاء اللَّه ثم إن اللَّه فتح لهم جور، وفتح المسلمون إصطخر، فقتلوا ما شاء اللَّه، وأصابوا ما شاءوا، وفر من فر ثم إن عثمان دعا الناس إلى الجزاء والذمة، فراسلوه وراسلهم، فأجابه الهربذ وكل من هرب أو تنحى، فتراجعوا وباحوا بالجزاء، وقد كان عثمان لما هزم القوم جمع إليه ما أفاء اللَّه عليهم، فخمسه، وبعث بالخمس إلى عمر، وقسم أربعة أخماس المغنم في الناس، وعفت الجند عن النهاب، وأدوا الأمانة، واستدقوا الدنيا فجمعهم عثمان، ثم قام فيهم، وقال: إن هذا الأمر لا يزال مقبلا، ولا يزال أهله معافين مما يكرهون، ما لم يغلوا، فإذا غلوا رأوا ما ينكرون ولم يسد الكثير مسد القليل اليوم
стр. 2067
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ يَوْمَ إِصْطَخْرَ: إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ بِقَوْمٍ خَيْرًا كَفَّهُمْ، وَوَفَّرَ أَمَانَتَهُمْ، فَاحْفَظُوهَا، فَإِنَّ أَوَّلُ مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمُ الأَمَانَةَ، فَإِذَا فَقَدْتُمُوهَا جُدِّدَ لَكُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ فُقْدَانُ شَيْءٍ مِنْ أُمُورِكُمْ.
ثُمَّ إِنَّ شَهْرَكَ خُلِعَ فِي آخِرِ إِمَارَةِ عُمَرَ وَأَوَّلِ إِمَارَةِ عُثْمَانَ، وَنَشَطَ أَهْلُ فَارِسَ، وَدَعَاهُمْ إِلَى النَّقْضِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي العاص ثانيه، وبعث معه جنود أَمَدَّ بِهِمْ، عَلَيْهِمْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْمَرٍ، وَشِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ الْبَجَلِيُّ، فَالْتَقَوْا بِفَارِسَ، فَقَالَ شَهْرَكُ لابْنِهِ وَهُوَ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ قَرْيَةٍ تُدْعَى رِيشَهْرَ ثَلاثَةُ فَرَاسِخَ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ قَرَارِهِمُ اثْنَا عَشَرَ فَرْسَخًا:
يَا بُنَيَّ، اين يكون غداؤنا؟ هاهنا أَوْ رِيشَهْرَ؟ فَقَالَ: يَا أَبَتِ إِنْ تَرَكُونَا فلا يكون غداؤنا هاهنا وَلا رِيشَهْرَ، وَلا يَكُونَنَّ إِلا فِي الْمَنْزِلِ، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا أَرَاهُمْ يَتْرُكُونَنَا فَمَا فَرَغَا مِنْ كَلامِهِمَا حَتَّى أَنْشَبَ الْمُسْلِمُونَ الْقِتَالَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالا شَدِيدًا، قُتِلَ فِيهِ شَهْرَكُ وَابْنُهُ، وَقَتَلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً وَوَلِيَ قَتْلَ شَهْرَكَ الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ بِشْرِ بْنِ دُهْمَانَ، أَخُو عُثْمَانَ.
وَأَمَّا أَبُو مَعْشَرٍ فَإِنَّهُ قَالَ: كَانَتْ فَارِسُ الأُولَى وَإِصْطَخْرُ الآخِرَةَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ قَالَ: وَكَانَتْ فَارِسُ الآخِرَةَ وَجُورُ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ، حَدَّثَنِي بذلك أحمد بْن ثابت الرازي، قال: حَدَّثَنِي من سمع إسحاق بْن عيسى، يذكر ذلك عن أبي معشر وحدثني عبد اللَّه بْن أحمد بْن شبويه المروزي، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حدثنا سليمان بن صالح، قال: حدثني عبيد اللَّه، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: كان عثمان بْن أبي العاص أرسل إلى البحرين، فأرسل أخاه الحكم بْن أبي العاص في ألفين إلى توج، وكان كسرى قد فر عن المدائن، ولحق بجور من فارس.
قال: فحدثني زياد مولى الحكم بْن أبي العاص، عن الحكم بْن أبي العاص، قال: قصد إلي شهرك- قال عبيد: وكان كسرى أرسله- قال الحكم: فصعد إلي في الجنود فهبطوا من عقبه، عليهم الحديد، فخشيت
стр. 2068
ان تعشوا أبصار الناس، فأمرت مناديا، فنادى أن من كان عليه عمامة فليلفها على عينيه، ومن لم يكن عليه عمامة فليغمض بصره، وناديت أن حطوا عن دوابكم فلما رأى شهرك ذلك حط أيضا ثم ناديت: أن اركبوا، فصففنا لهم وركبوا، فجعلت الجارود العبدي على الميمنة وأبا صفرة على الميسرة- يعني أبا المهلب- فحملوا على المسلمين فهزموهم، حتى ما أسمع لهم صوتا، فقال لي الجارود: أيها الأمير، ذهب الجند، فقلت: إنك سترى أمرك، فما لبثنا أن رجعت خيلهم، ليس عليها فرسانها، والمسلمون يتبعونهم يقتلونهم، فنثرت الرءوس بين يدي، ومعي بعض ملوكهم- يقال له المكعبر، فارق كسرى ولحق بي- فأتيت برأس ضخم، فقال المكعبر: هذا رأس الأزدهاق- يعني شهرك- فحوصروا في مدينة سابور، فصالحهم- وملكهم أذربيان- فاستعان الحكم بأذربيان على قتال أهل إصطخر، ومات عمر ﵁، فبعث عثمان عبيد اللَّه بْن معمر مكانه، فبلغ عبيد اللَّه أن أذربيان يريد أن يغدر بهم، فقال له: إني أحب أن تتخذ لأصحابي طعاما، وتذبح لهم بقرة، وتجعل عظامها في الجفنة التي تليني، فإني أحب أن أتمشش العظام ففعل، فجعل يأخذ العظم الذي لا يكسر الا بالفئوس، فكسره بيده، فيتمخخه- وكان من أشد الناس- فقام الملك، فأخذ برجله، وقال: هذا مقام العائذ فأعطاه عهدا، فاصابت عبيد الله منجنيفه، فأوصاهم، فقال: إنكم ستفتحون هذه المدينة إن شاء اللَّه فاقتلوهم بي فيها ساعة ففعلوا فقتلوا منهم بشرا كثيرا.
وكان عثمان بْن أبي العاص لحق الحكم، وقد هزم شهرك، فكتب إلى عمر:
أن بيني وبين الكوفة فرجة أخاف أن يأتيني العدو منها وكتب صاحب الكوفة بمثل ذلك: إن بيني وبين كذا فرجة فاتفق عنده الكتابان، فبعث أبا موسى في سبعمائة، فانزلهم البصره
стр. 2069
ذكر فتح فسا ودارابجرد
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مُحَمَّد وطلحة والمهلب وعمرو، قالوا: وقصد ساريه بن زنيم، فسا ودارابجرد، حتى انتهى إلى عسكرهم، فنزل عليهم وحاصرهم ما شاء اللَّه ثم إنهم استمدوا، فتجمعوا وتجمعت إليهم أكراد فارس، فدهم المسلمين أمر عظيم، وجمع كثير، فرأى عمر في تلك الليلة فيما يرى النائم معركتهم وعددهم في ساعة من النهار، فنادى من الغد: الصلاة جامعة! حتى إذا كان في الساعة التي رأى فيها ما رأى خرج إليهم، وكان أريهم والمسلمون بصحراء، إن أقاموا فيها أحيط بهم، وإن أرزوا إلى جبل من خلفهم لم يؤتوا إلا من وجه واحد ثم قام فقال:
يأيها الناس، إني رأيت هذين الجمعين- وأخبر بحالهما- ثم قال: يا سارية، الجبل، الجبل! ثم أقبل عليهم، وقال: إن لله جنودا، ولعل بعضها أن يبلغهم، ولما كانت تلك الساعة من ذلك اليوم أجمع سارية والمسلمون على الإسناد إلى الجبل، ففعلوا وقاتلوا القوم من وجه واحد، فهزمهم اللَّه لهم، وكتبوا بذلك إلى عمر واستيلائهم على البلد ودعاء أهله وتسكينهم.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ أَبِي عُمَرَ دِثَارِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ وَأَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلاءِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بنى مازن، قال: كَانَ عُمَرُ قَدْ بَعَثَ سَارِيَةَ بْنَ زُنَيْمٍ الدؤلى إِلَى فَسَا وَدَارَابَجِرْدَ، فَحَاصَرَهُمْ ثُمَّ إِنَّهُمْ تَدَاعَوْا فَأَصْحَرُوا لَهُ، وَكَثَرُوهُ فَأَتَوْهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَقَالَ عُمَرُ وَهُوَ يَخْطُبُ فِي يَوْمِ جُمُعَةَ: يَا سَارِيَةُ بْنَ زُنَيْمٍ، الْجَبَلَ، الْجَبَلَ! وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ وَإِلَى جَنْبِ الْمُسْلِمِينَ جَبَلٌ، إِنْ لَجَئُوا إِلَيْهِ لَمْ يُؤْتَوْا إِلا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، فَلَجَئُوا إِلَى الْجَبَلِ، ثُمَّ قَاتَلُوهُمْ فَهَزَمُوهُمْ، فَأَصَابَ مَغَانِمَهُمْ، وَأَصَابَ فِي الْمَغَانِمِ سَفَطًا فِيهِ جَوْهَرٌ، فَاسْتَوْهَبَهُ الْمُسْلِمِينَ لِعُمَرَ، فَوَهَبُوهُ لَهُ،
стр. 2070
فَبَعَثَ بِهِ مَعَ رَجُلٍ، وَبِالْفَتْحِ وَكَانَ الرُّسُلُ وَالْوَفْدُ يُجَازُونَ وَتُقْضَى لَهُمْ حَوَائِجُهُمْ، فَقَالَ لَهُ سَارِيَةُ: اسْتَقْرِضْ مَا تَبْلُغُ بِهِ وَمَا تُخْلِفُهَ لأَهْلِكَ عَلَى جَائِزَتِكَ فَقَدِمَ الرَّجُلُ الْبَصْرَةَ، فَفَعَلَ، ثُمَّ خَرَجَ فَقَدِمَ عَلَى عُمَرَ، فَوَجَدَهُ يُطْعِمُ النَّاسَ، وَمَعَهُ عَصَاهُ الَّتِي يَزْجَرُ بِهَا بَعِيرَهُ، فَقَصَدَ لَهُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ بِهَا، فَقَالَ: اجْلِسْ، فَجَلَسَ حَتَّى إِذَا أَكَلَ الْقَوْمُ انْصَرَفَ عُمَرُ، وَقَامَ فَأَتْبَعَهُ، فَظَنَّ عُمَرُ أَنَّهُ رَجُلٌ لَمْ يَشْبَعْ، فَقَالَ حِينَ انْتَهَى إِلَى بَابِ دَارِهِ: ادْخُلْ- وَقَدْ أَمَرَ الْخَبَّازَ أَنْ يَذْهَبَ بِالْخُوَانِ إِلَى مَطْبَخِ الْمُسْلِمِينَ- فَلَمَّا جَلَسَ فِي الْبَيْتِ أُتِيَ بِغَدَائِهِ خُبْزٍ وَزَيْتٍ وَمِلْحِ جَرِيشٍ، فَوُضِعَ وَقَالَ:
أَلا تَخْرُجِينَ يَا هَذِهِ فَتَأْكُلِينَ؟ قَالَتْ: إِنِّي لأَسْمَعُ حِسَّ رَجُلٍ، فَقَالَ: أَجَلْ، فَقَالَتْ: لَوْ أَرَدْتَ أَنْ أَبْرُزَ لِلرِّجَالِ اشْتَرَيْتَ لِي غَيْرَ هَذِهِ الْكِسْوَةِ، فَقَالَ:
أَوَمَا تَرْضِينَ أَنْ يُقَالَ: أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عَلِيٍّ وَامْرَأَةُ عُمَرَ! فَقَالَتْ: مَا أَقَلَّ غِنَاءَ ذَلِكَ عَنِّي! ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ: ادْنُ فَكُلْ، فَلَوْ كَانَتْ رَاضِيَةً لَكَانَ أَطْيَبَ مِمَّا تَرَى، فَأَكَلا حَتَّى إِذَا فَرَغَ قَالَ: رَسُولُ سَارِيَةَ بْنِ زُنَيْمٍ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَالَ: مَرْحَبًا وَأَهْلا، ثُمَّ أَدْنَاهُ حَتَّى مَسَّتْ رُكْبَتُهُ رُكْبَتَهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ سَارِيَةَ بْنِ زُنَيْمٍ، فاخبره، ثم اخبره بقصة الدرج، فنظر إِلَيْهِ ثُمَّ صَاحَ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: لا وَلا كَرَامَةَ حَتَّى تَقْدَمَ عَلَى ذَلِكَ الْجُنْدِ فَتُقَسِّمَهُ بَيْنَهُمْ فَطَرَدَهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي قَدْ أَنْضَيْتُ إِبِلِي وَاسْتُقْرِضْتُ فِي جَائِزَتِي، فَأَعْطِنِي مَا أَتَبَلَّغُ بِهِ، فَمَا زَالَ عَنْهُ حَتَّى أَبْدَلَهُ بَعِيرًا بِبَعِيرِهِ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَأَخَذَ بَعِيرَهُ فَأَدْخَلَهُ فِي إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَرَجَعَ الرَّسُولُ مَغْضُوبًا عَلَيْهِ مَحْرُومًا حَتَّى قَدِمَ الْبَصْرَةَ، فَنَفَذَ لأَمْرِ عُمَرَ، وَقَدْ كَانَ سَأَلَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَنْ سَارِيَةَ، وَعَنِ الْفَتْحِ وَهَلْ سَمِعُوا شَيْئًا يَوْمَ الْوَقْعَةِ؟ فَقَالَ:
نَعَمْ، سَمِعْنَا: يَا سَارِيَةُ، الْجَبَلَ، وَقَدْ كِدْنَا نَهْلَكُ، فَلَجَأْنَا إِلَيْهِ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ عَنْ سَيْفٍ، عَنِ الْمُجَالِدِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، مِثْلَ حَدِيثِ عَمْرٍو
стр. 2071
ذكر فتح كرمان
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو، قالوا: وقصد سهيل بْن عدي إلى كرمان، ولحقه عبد اللَّه بْن عبد اللَّه بْن عتبان، وعلى مقدمة سهيل بْن عدي النسير بْن عمرو العجلي، وقد حشد له أهل كرمان، واستعانوا بالقفس، فاقتتلوا في أدنى أرضهم، ففضهم اللَّه، فأخذوا عليهم بالطريق، وقتل النسير مرزبانها، فدخل سهيل من قبل طريق القرى اليوم إلى جيرفت، وعبد اللَّه بْن عبد اللَّه من مفازة شير، فأصابوا ما شاءوا من بعير أو شاء، فقوموا الإبل والغنم فتحاصوها بالأثمان لعظم البخت على العراب، وكرهوا أن يزيدوا، وكتبوا إلى عمر، فكتب إليهم: إن البعير العربي إنما قوم بتعيير اللحم، وذلك مثله، فإذا رأيتم أن في البخت فضلا فزيدوا فإنما هي من قيمه.
وأما المدائني، فإنه ذكر أن علي بْن مجاهد أخبره عن حنبل بْن أبي حريدة- وكان قاضي قهستان- عن مرزبان قهستان، قال: فتح كرمان عبد اللَّه بْن بديل بْن ورقاء الخزاعي في خلافة عمر بْن الخطاب، ثم أتى الطبسين من كرمان، ثم قدم على عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، إني افتتحت الطبسين فأقطعنيهما، فأراد أن يفعل، فقيل لعمر: إنهما رستاقان عظيمان، فلم يقطعه إياهما، وهما بابا خراسان.
ذكر فتح سجستان
قالوا: وقصد عاصم بْن عمرو لسجستان، ولحقه عبد اللَّه بْن عمير، فاستقبلوهم فالتقوا هم وأهل سجستان في أدنى أرضهم، فهزموهم ثم أتبعوهم، حتى حصروهم بزرنج، ومخروا أرض سجستان ما شاءوا ثم إنهم طلبوا الصلح على زرنج وما احتازوا من الأرضين، فأعطوه، وكانوا قد اشترطوا في صلحهم ان فدا فدها حمى، فكان المسلمون إذا خرجوا تناذروا خشية
стр. 2072
أن يصيبوا منها شيئا، فيخفروا فتم أهل سجستان على الخراج والمسلمون على الإعطاء، فكانت سجستان أعظم من خراسان، وأبعد فروجا، يقاتلون القندهار والترك وأمما كثيرة، وكانت فيما بين السند إلى نهر بلخ بحياله، فلم تزل أعظم البلدين، وأصعب الفرجين، وأكثرهما عددا وجندا، حتى زمان معاوية، فهرب الشاه من أخيه- واسم أخي الشاه يومئذ رتبيل- إلى بلد فيها يدعى آمل، ودانوا لسلم بْن زياد، وهو يومئذ على سجستان، ففرح بذلك وعقد لهم، وأنزلهم بتلك البلاد، وكتب إلى معاوية بذلك يري أنه قد فتح عليه فقال معاوية: إن ابن أخي ليفرح بأمر إنه ليحزنني وينبغي له أن يحزنه، قالوا: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: لأن آمل بلدة بينها وبين زرنج صعوبة وتضايق، وهؤلاء قوم نكر غدر، فيضطرب الحبل غدا، فأهون ما يجيء منهم أن يغلبوا على بلاد آمل بأسرها وتم لهم على عهد ابن زياد، فلما وقعت الفتنة بعد معاوية كفر الشاه، وغلب على آمل، وخاف رتبيل الشاه فاعتصم منه بمكانه الذي هو به اليوم، ولم يرضه ذلك حين تشاغل الناس عنه حتى طمع في زرنج، فغزاها فحصرهم حتى أتتهم الأمداد من البصرة، فصار رتبيل والذين جاءوا معه، فنزلوا تلك البلاد شجا لم ينتزع إلى اليوم، وقد كانت تلك البلاد مذللة إلى أن مات معاوية
فتح مكران
قالوا: وقصد الحكم بْن عمرو التغلبي لمكران، حتى انتهى إليها، ولحق به شهاب بْن المخارق بْن شهاب، فانضم إليه، وأمده سهيل بْن عدي، وعبد اللَّه بْن عبد اللَّه بْن عتبان بأنفسهما، فانتهوا إلى دوين النهر، وقد انفض أهل مكران إليه حتى نزلوا على شاطئه، فعسكروا، وعبر إليهم راسل ملكهم ملك السند، فازدلف بهم مستقبل المسلمين.
فالتقوا فاقتتلوا بمكان من مكران من النهر على أيام، بعد ما كان
стр. 2073
قد انتهى إليه أوائلهم، وعسكروا به ليلحق أخراهم، فهزم اللَّه راسل وسلبه، وأباح المسلمين عسكره، وقتلوا في المعركة مقتلة عظيمة، وأتبعوهم يقتلونهم أياما، حتى انتهوا إلى النهر ثم رجعوا فأقاموا بمكران.
وكتب الحكم إلى عمر بالفتح، وبعث بالأخماس مع صحار العبدي، واستأمره في الفيلة، فقدم صحار على عمر بالخبر والمغانم، فسأله عمر عن مكران- وكان لا يأتيه أحد إلا سأله عن الوجه الذي يجيء منه- فقال: يا أمير المؤمنين، أرض سهلها جبل، وماؤها وشل، وتمرها دقل، وعدوها بطل، وخيرها قليل، وشرها طويل، والكثير بها قليل، والقليل بها ضائع، وما وراءها شر منها فقال: أسجاع أنت أم مخبر؟
قال: لا بل مخبر، قال: لا، والله لا يغزوها جيش لي ما أطعت، وكتب إلى الحكم بْن عمرو وإلى سهيل ألا يجوزن مكران أحد من جنودكما، واقتصرا على ما دون النهر، وأمره ببيع الفيلة بأرض الإسلام، وقسم أثمانها على من أفاءها اللَّه عليه.
وقال الحكم بْن عمرو في ذلك:
لقد شبع الأرامل غير فخر ... بفيء جاءهم من مكران
أتاهم بعد مسغبة وجهد ... وقد صفر الشتاء من الدخان
فإني لا يذم الجيش فعلي ... ولا سيفي يذم ولا سناني
стр. 2074
غداة أدفع الأوباش دفعا ... إلى السند العريضة والمداني
ومهران لنا فيما أردنا ... مطيع غير مسترخي العنان
فلولا ما نهى عنه أميري ... قطعناه إلى البدد الزواني
خبر بيروذ من الأهواز
قالوا: ولما فصلت الخيول إلى الكور اجتمع ببيروذ جمع عظيم من الأكراد وغيرهم، وكان عمر قد عهد إلى أبي موسى حين سارت الجنود إلى الكور أن يسير حتى ينتهي إلى ذمة البصرة، كي لا يؤتى المسلمون من خلفهم، وخشي أن يستلحم بعض جنوده أو ينقطع منهم طرف، أو يخلفوا في أعقابهم، فكان الذي حذر من اجتماع أهل بيروذ، وقد أبطأ أبو موسى حتى تجمعوا، فخرج أبو موسى حتى ينزل ببيروذ على الجمع الذي تجمعوا بها في رمضان، فالتقوا بين نهر تيرى ومناذر، وقد توافى إليها أهل النجدات من أهل فارس والأكراد، ليكيدوا المسلمين، وليصيبوا منهم عورة، ولم يشكوا في واحده من اثنتين فقام المهاجرين زياد وقد تحنط واستقتل، فقال لأبي موسى: أقم على كل صائم لما رجع فأفطر فرجع أخوه فيمن رجع لإبرار القسم، وإنما أراد بذلك توجيه أخيه عنه لئلا يمنعه من الاستقتال، وتقدم فقاتل حتى قتل، ووهن اللَّه المشركين حتى تحصنوا في قلة وذلة، وأقبل اخوه الربيع، فقال: هيئ يا والع الدنيا، واشتد جزعه عليه، فرق أبو موسى للربيع للذي رآه دخله من مصاب أخيه، فخلفه عليهم في جند، وخرج أبو موسى حتى بلغ إصبهان، فلقي بها جنود أهل الكوفة محاصري جي، ثم انصرف إلى البصرة، بعد
стр. 2075
ظفر الجنود، وقد فتح اللَّه على الربيع بْن زياد أهل بيروذ من نهر تيرى، وأخذ ما كان معهم من السبي، فتنقى أبو موسى رجالا منهم ممن كان لهم فداء- وقد كان الفداء أرد على المسلمين من أعيانهم وقيمتهم فيما بينهم- ووفد الوفود والأخماس، فقام رجل من عنزة فاستوفده، فأبى، فخرج فسعى به فاستجلبه عمر، وجمع بينهما فوجد أبا موسى أعذر إلا في أمر خادمه، فضعفه فرده إلى عمله، وفجر الآخر، وتقدم إليه في ألا يعود لمثلها.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مُحَمَّد، وطلحة والمهلب وعمرو، قالوا: لما رجع أبو موسى عن إصبهان بعد دخول الجنود الكور، وقد هزم الربيع اهل بيروذ، وجمع السبي والأموال، فغدا على ستين غلاما من أبناء الدهاقين تنقاهم وعزلهم، وبعث بالفتح إلى عمر، ووفد وفدا فجاءه رجل من عنزة، فقال: اكتبني في الوفد، فقال: قد كتبنا من هو أحق منك، فانطلق مغاضبا مراغما، وكتب أبو موسى إلى عمر: إن رجلا من عنزة يقال له ضبة بْن محصن، كان من أمره وقص قصته.
فلما قدم الكتاب والوفد والفتح على عمر قدم العنزي فأتى عمر فسلم عليه، فقال: من أنت؟ فأخبره، فقال: لا مرحبا ولا أهلا! فقال:
أما المرحب فمن اللَّه، وأما الأهل فلا أهل، فاختلف إليه ثلاثا، يقول له هذا ويرد عليه هذا، حتى إذا كان في اليوم الرابع، دخل عليه، فقال: ماذا نقمت على أميرك؟ قال: تنقى ستين غلاما من أبناء الدهاقين لنفسه، وله جارية تدعى عقيلة، تغدى جفنة وتعشى جفنة، وليس منا رجل يقدر على ذلك، وله قفيزان، وله خاتمان، وفوض الى زياد ابن أبي سفيان- وكان زياد يلي أمور البصرة- وأجاز الحطيئة بألف.
فكتب عمر كل ما قال
стр. 2076
فبعث إلى أبي موسى، فلما قدم حجبه أياما، ثم دعا به، ودعا ضبة بْن محصن، ودفع إليه الكتاب، فقال: اقرأ ما كتبت، فقرأ: أخذ ستين غلاما لنفسه فقال أبو موسى: دللت عليهم وكان لهم فداء ففديتهم، فأخذته فقسمته بين المسلمين، فقال ضبة: والله ما كذب ولا كذبت، وقال: له قفيزان، فقال أبو موسى: قفيز لأهلي أقوتهم، وقفيز للمسلمين في أيديهم، يأخذون به أرزاقهم، فقال ضبة: والله ما كذب ولا كذبت، فلما ذكر عقيلة سكت أبو موسى ولم يعتذر، وعلم أن ضبة قد صدقه قال: وزياد يلي أمور الناس ولا يعرف هذا ما يلي، قال: وجدت له نبلا ورأيا، فأسندت إليه عملي.
قال: وأجاز الحطيئه بألف، قال: سددت قمه بمالي أن يشتمني، فقال: قد فعلت ما فعلت فرده عمر وقال: إذا قدمت فأرسل إلي زيادا وعقيلة، ففعل، فقدمت عقيلة قبل زياد، وقدم زياد فقام بالباب، فخرج عمر وزياد بالباب قائم، وعليه ثياب بياض كتان، فقال له: ما هذه الثياب؟ فأخبره، فقال: كم أثمانها؟ فأخبره بشيء يسير، وصدقه، فقال له: كم عطاؤك؟ قال ألفان، قال: ما صنعت في أول عطاء خرج لك؟ قال: اشتريت والدتي فأعتقتها، واشتريت في الثاني ربيبي عبيدا فأعتقته، فقال: وفقت، وسأله عن الفرائض والسنن والقرآن، فوجده فقيها فرده، وأمر أمراء البصرة أن يشربوا برأيه، وحبس عقيلة بالمدينة وقال عمر: ألا إن ضبة العنزي غضب على أبي موسى في الحق أن أصابه، وفارقه مراغما أن فاته أمر من أمور الدنيا، فصدق عليه وكذب، فأفسد كذبه صدقه، فإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى النار وكان الحطيئة قد لقيه فأجازه في غزاة بيروذ، وكان أبو موسى قد ابتدأ حصارهم وغزاتهم حتى فلهم، ثم جازهم ووكل بهم الربيع، ثم
стр. 2077
رجع إليهم بعد الفتح فولي القسم.
كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن أبي عمرو، عن الحسن، عن أسيد بْن المتشمس بن أخي الأحنف بْن قيس، قال: شهدت مع أبي موسى يوم إصبهان فتح القرى، وعليها عبد اللَّه بْن ورقاء الرياحي وعبد اللَّه بْن ورقاء الأسدي ثم إن أبا موسى صرف إلى الكوفة، واستعمل على البصرة عمر بْن سراقة المخزومي، بدوي.
ثم إن أبا موسى رد على البصرة، فمات عمر وأبو موسى على البصرة على صلاتها، وكان عملها مفترقا غير مجموع، وكان عمر ربما بعث إليه فأمد به بعض الجنود، فيكون مددا لبعض الجيوش
ذكر خبر سلمة بْن قيس الأشجعي والأكراد
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَنَابٍ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُحَجَّلِ الرُّدَيْنِيُّ، عَنْ مَخْلَدٍ الْبَكْرِيِّ وَعَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَانَ إِذَا اجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَيْشٌ مِنْ أَهْلِ الإِيمَانِ أَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَيْشٌ، فَبَعَثَ عَلَيْهِمْ سَلَمَةَ بْنَ قَيْسٍ الأَشْجَعِيَّ فَقَالَ: سِرْ بِاسْمِ اللَّهِ، قَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، فَإِذَا لَقِيتُمْ عَدُوَّكُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُوهُمْ إِلَى ثَلاثِ خِصَالٍ: ادْعُوهُمْ إِلَى الإِسْلامِ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَاخْتَارُوا دَارَهُمْ فَعَلَيْهِمْ فِي أَمْوَالِهِمُ الزَّكَاةُ، وَلَيْسَ لهم في فيء المسلمين نَصِيبٌ، وَإِنِ اخْتَارُوا أَنْ يَكُونُوا مَعَكُمْ فَلَهُمْ مِثْلُ الَّذِي لَكُمْ، وَعَلَيْهِمْ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْكُمْ، فَإِنْ أَبَوْا فَادْعُوهُمْ إِلَى الْخَرَاجِ، فَإِنْ أَقَرُّوا بِالْخَرَاجِ فَقَاتِلُوا عَدُوَّهُمْ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَفَرِّغُوهُمْ لِخَرَاجِهِمْ، وَلا تُكَلِّفُوهُمْ فَوْقَ طَاقَتِهِمْ، فَإِنْ
стр. 2078
أَبَوْا فَقَاتِلُوهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرُكُمْ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ تَحَصَّنُوا مِنْكُمْ فِي حِصْنٍ فَسَأَلُوكُمْ أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَحُكْمِ رَسُولِهِ، فَلا تُنْزِلُوهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، فَإِنَّكُمْ لا تَدْرُونَ مَا حُكْمُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِيهِمْ! وَإِنْ سَأَلُوكُمْ أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى ذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ فَلا تُعْطُوهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ، وَأَعْطُوهُمْ ذِمَمَ أَنْفُسِكُمْ، فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَلا تَغِلُّوا وَلا تَغْدِرُوا وَلا تُمَثِّلُوا، وَلا تَقْتُلُوا وَلِيدًا قَالَ سَلَمَةُ: فَسِرْنَا حَتَّى لَقِينَا عَدُوَّنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَدَعْوَنَاهُمْ إِلَى مَا أَمَرَ بِهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَأَبَوْا أَنْ يُسْلِمُوا، فَدَعْوَنَاهُمْ إِلَى الْخَرَاجِ فَأَبَوْا أَنْ يُقِرُّوا، فَقَاتَلْنَاهُمْ فَنَصَرَنَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَقَتَلْنَا الْمُقَاتِلَةَ، وَسَبَيْنَا الذُّرِّيَّةَ، وَجَمَعْنَا الرِّثَّةَ، فَرَأَى سَلَمَةُ بْنُ قَيْسٍ شَيْئًا مِنْ حِلْيَةٍ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لا يبلغ فيكم شيئا، فتطيب أنفسكم أن نَبْعَثَ بِهِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ لَهُ بُرْدًا وَمَئُونَةً؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَدْ طَابَتْ أَنْفُسُنَا قَالَ: فَجَعَلَ تِلْكَ الْحِلْيَةَ فِي سَفَطٍ، ثُمَّ بَعَثَ بِرَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالَ: ارْكَبْ بِهَا، فَإِذَا أَتَيْتَ الْبَصْرَةَ فَاشْتَرِ عَلَى جَوَائِزِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ رَاحِلَتَيْنِ، فَأَوْقِرْهُمَا زَادًا لَكَ وَلِغُلامِكَ، ثُمَّ سِرْ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ: فَفَعَلْتُ، فَأَتَيْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ يُغَدِّي النَّاسَ مُتِّكَئًا عَلَى عَصًا كَمَا يَصْنَعُ الرَّاعِي وَهُوَ يَدُورُ عَلَى الْقِصَاعِ، يَقُولُ: يَا يَرْفَأْ، زِدْ هَؤُلاءِ لَحْمًا، زِدْ هَؤُلاءِ خُبْزًا، زِدْ هَؤُلاءِ مَرَقَةً، فَلَمَّا دَفَعْتُ إِلَيْهِ، قَالَ: اجْلِسْ، فَجَلَسْتُ فِي أَدْنَى النَّاسِ، فَإِذَا طَعَامٌ فِيهِ خُشُونَةٌ طَعَامِي، الَّذِي مَعِي أَطْيَبُ مِنْهُ فَلَمَّا فَرَغَ النَّاسُ مِنْ قِصَاعِهِمْ قَالَ: يَا يَرْفأُ، ارْفَعْ قِصَاعَكَ ثُمَّ أَدْبِرْ، فَاتَّبَعْتُهُ فَدَخَل دَارًا، ثُمَّ دَخَلَ حُجْرَةً، فَاسْتَأْذَنْتُ وَسَلَّمْتُ، فَأَذِنَ لِي، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى مَسْحٍ مُتَّكِئٍ عَلَى وِسَادَتَيْنِ مِنْ أَدَمٍ مَحْشُوَّتَيْنِ لِيفًا، فَنَبَذَ إِلَيَّ بِإِحْدَاهُمَا، فَجَلَسْتُ عَلَيْهَا، وَإِذَا بَهْوٌ فِي صُفَّةٍ فِيهَا بَيْتٌ عَلَيْهِ سَتِيرٌ، فَقَالَ: يَا أُمَّ كُلْثُومٍ، غَدَاءَنَا! فَأَخْرَجَتْ إِلَيْهِ خُبْزَةً بِزَيْتٍ فِي عَرَضِهَا مِلْحٌ لَمْ يُدَقَّ، فَقَالَ: يَا أُمَّ كُلْثُومٍ، أَلا تَخْرُجِينَ إِلَيْنَا تَأْكُلِينَ مَعَنَا مِنْ هَذَا؟ قَالَتْ: إِنِّي أَسْمَعُ عِنْدَكَ حِسَّ رَجُلٍ،
стр. 2079
قَالَ: نَعَمْ وَلا أَرَاهُ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ- قَالَ: فَذَلِكَ حِينَ عَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْنِي- قَالَتْ: لَوْ أَرَدْتَ أَنْ أَخْرُجَ إِلَى الرِّجَالِ لَكَسْوَتَنِي كَمَا كَسَا ابْنُ جَعْفَرٍ امْرَأَتَهُ، وَكَمَا كَسَا الزُّبَيْرُ امْرَأَتَهُ، وَكَمَا كَسَا طَلْحَةُ امْرَأَتَهُ! قال: او ما يَكْفِيكِ أَنْ يُقَالَ: أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَامْرَأَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ! فَقَالَ:
كُلْ، فَلَوْ كَانَتْ رَاضِيَةً لأَطْعَمَتْكَ أَطْيَبَ مِنْ هَذَا قَالَ: فَأَكَلْتُ قَلِيلا- وَطَعَامِي الَّذِي مَعِي أَطْيَبُ مِنْهُ- وَأَكَلَ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ أَكْلا مِنْهُ مَا يَتَلَبَّسُ طَعَامُهُ بِيَدِهِ وَلا فَمِهِ، ثُمَّ قَالَ: اسْقُونَا، فَجَاءُوا بِعُسٍّ مِنْ سُلْتٍ فَقَالَ: أَعْطِ الرَّجُلَ، قَالَ: فَشَرِبْتُ قَلِيلا، سُوَيْقِي الَّذِي مَعِي أَطْيَبُ مِنْهُ، ثُمَّ أَخَذَهُ فَشَرِبَهُ حَتَّى قَرَعَ الْقَدَحُ جَبْهَتَهُ، وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا فَأَشْبَعَنَا، وَسَقَانَا فَأَرْوَانَا قَالَ: قُلْتُ: قَدْ أَكَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَشَبِعَ، وشرب فروى، حَاجَتِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! قَالَ: وَمَا حَاجَتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَنَا رَسُولُ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: مَرْحَبًا بِسَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ وَرَسُولِهِ، حَدِّثْنِي عَنِ الْمُهَاجِرِينَ كَيْفَ هُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: هُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا تُحِبُّ مِنَ السَّلامَةِ وَالظَّفَرِ عَلَى عَدُوِّهِمْ قَالَ: كَيْفَ أَسْعَارُهُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ:
أَرْخَصُ أَسْعَارٍ قَالَ: كَيْفَ اللَّحْمُ فِيهِمْ فَإِنَّهَا شَجَرَةُ الْعَرَبِ وَلا تَصْلُحُ الْعَرَبُ إِلا بِشَجَرَتِهَا؟ قَالَ: قُلْتُ: الْبَقَرَةُ فِيهِمْ بِكَذَا، وَالشَّاةُ فِيهِمْ بِكَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، سِرْنَا حَتَّى لقينا عدونا من المشركين فدعوناهم إلى ما أَمَرْتَنَا بِهِ مِنَ الإِسْلامِ فَأَبَوْا، فَدَعَوْنَاهُمْ إِلَى الْخَرَاجِ فَأَبَوْا، فَقَاتَلْنَاهُمْ فَنَصَرَنَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَقَتَلْنَا المقاتلة، وسبينا الذرية، وجمعنا الرثة، فرأى سلمة فِي الرِّثَّةِ حِلْيَةً، فَقَالَ لِلنَّاسِ: إِنَّ هَذَا لا يبلغ فيكم شيئا، فتطيب أنفسكم أن أَبْعَثَ بِهِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ فَاسْتَخْرَجْتُ سَفَطِي، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى تِلْكَ الْفُصُوصِ مِنْ بَيْنِ أَحْمَرَ وَأَصْفَرَ وَأَخْضَرَ، وَثَبَ ثُمَّ جَعَلَ يَدَهُ فِي خَاصِرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: لا أَشْبَعَ اللَّهُ إِذًا بَطْنَ عُمَرُ! قَالَ: فَظَنَّ النِّسَاءُ أَنِّي أُرِيدُ أَنْ أَغْتَالَهُ، فَجِئْنَ إِلَى السِّتْرِ، فَقَالَ: كُفَّ مَا جِئْتَ بِهِ، يَا يَرْفَأُ، جَأْ عُنُقَهُ قَالَ: فَأَنَا
стр. 2080
أُصْلِحُ سَفَطِي وَهُوَ يَجَأُ عُنُقِي! قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أبدع بِي فَاحْمِلْنِي، قَالَ: يَا يرفا أعطه راحلتين مِنَ الصَّدَقَةِ، فَإِذَا لَقِيتَ أَفْقَرَ إِلَيْهِمَا مِنْكَ فَادْفَعْهُمَا إِلَيْهِ قُلْتُ: أَفْعَلُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ تُفَرَّقِ الْمُسْلِمُونَ فِي مَشَاتِيهِمْ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ هَذَا فِيهِمْ لأَفْعَلَنَّ بِكَ وَبِصَاحِبَكَ الْفَاقِرَةَ.
قَالَ: فَارْتَحَلْتُ حَتَّى أَتَيْتَ سَلَمَةَ، فَقُلْتُ: مَا بَارَكَ اللَّهُ لِي فِيمَا اخْتَصَصْتَنِي بِهِ، اقْسِمْ هَذَا فِي النَّاسِ قَبْلَ ان تصيبني وَإِيَّاكَ فَاقِرَةٌ، فَقَسَّمَهُ فِيهِمْ، وَالْفَصُّ يُبَاعُ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ وَسِتَّةِ دَرَاهِمَ، وَهُوَ خَيْرٌ مِنْ عِشْرِينَ أَلْفًا.
وَأَمَّا السَّرِيُّ فَإِنَّهُ ذَكَرَ- فِيمَا كَتَبَ بِهِ إِلَيَّ يَذْكُرُ عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ أَبِي جَنَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ- قال: لقيت رسول سلمه ابن قَيْسٍ الأَشْجَعِيُّ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا اجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَيْشٌ مِنَ الْعَرَبِ ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِهِ عَنْ شُعَيْبٍ عَنْ سَيْفٍ: وَأَعْطُوهُمْ ذِمَمَ أَنْفُسِكُمْ قَالَ:
فَلَقِينَا عَدُوَّنَا مِنَ الأَكْرَادِ، فَدَعَوْنَاهُمْ.
وَقَالَ أَيْضًا: وَجَمَعْنَا الرِّثَّةَ، فَوَجَدَ فِيهَا سَلَمَةُ حُقَّتَيْنِ جَوْهَرًا، فَجَعَلَهَا فِي سَفَطٍ.
وَقَالَ أيضا: او ما كَفَاكَ أَنْ يُقَالَ: أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ امْرَأَةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ! قَالَتْ: إِنَّ ذَلِكَ عَنِّي لَقَلِيلُ الْغَنَاءِ، قَالَ: كُلْ.
وَقَالَ أَيْضًا: فَجَاءُوا بِعُسٍّ مِنْ سُلْتٍ، كُلَّمَا حَرَّكُوهُ فَارَ فَوْقَهُ مِمَّا فِيهِ، وَإِذَا تَرَكُوهُ سَكَنَ ثُمَّ قَالَ: اشْرَبْ، فَشَرِبْتُ قَلِيلا، شَرَابِي الَّذِي مَعِي أَطْيَبُ مِنْهُ، فَأَخَذَ الْقَدَحَ فَضَرَبَ بِهِ جَبْهَتَهُ ثُمَّ قَالَ: إِنَّكَ لَضَعِيفُ الأَكْلِ، ضَعِيفُ الشُّرْبِ.
وَقَالَ أَيْضًا: قُلْتُ: رَسُولُ سَلَمَةَ، قَالَ: مَرْحَبًا بِسَلَمَةَ وَبِرَسُولِهِ، وَكَأَنَّمَا خَرَجْتُ مِنْ صُلْبِهِ، حَدِّثْنِي عَنِ الْمُهَاجِرِينَ
стр. 2081
وَقَالَ أَيْضًا: ثُمَّ قَالَ: لا أَشْبَعَ اللَّهُ إِذًا بَطْنَ عُمَرُ! قَالَ: وَظَنَّ النِّسَاءُ أَنِّي قَدِ اغْتَلْتُهُ، فَكَشَفْنَ السِّتْرَ، وَقَالَ: يَا يَرْفَأُ، جَأْ عُنُقَهُ، فَوَجَأَ عُنُقِي وَأَنَا أَصِيحُ، وَقَالَ: النَّجَاءَ، وَأَظُنُّكَ سَتُبْطِئُ وَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ غَيْرُهُ لَئِنْ تُفَرَّقِ النَّاسُ إِلَى مَشَاتِيهِمْ وَسَائِرُ الْحَدِيثِ نَحْوُ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ.
وَحَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ خِرَاشٍ الْحَوْشَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ دينار، عن منصور ابن الْمُعْتَمِرِ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ الأَسْدِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الَّذِي جَرَى بَيْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَسَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: نَدَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ إِلَى سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ الأَشْجَعِيِّ بِالْحِيرَةِ، فَقَالَ: انْطَلِقُوا بِاسْمِ اللَّهِ ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ جَعْفَرٍ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَحَجَّ عُمَرُ بِأَزْوَاجِ رسول الله ص فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَهِيَ آخِرُ حَجَّةٍ حَجَّهَا بِالنَّاسِ، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، عن الواقدى
. ذكر الخبر عن وفاه عمر
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ وَفَاتُهُ.
ذكر الخبر عن مقتله:
حَدَّثَنِي سَلْمُ بْنُ جُنَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن المسور بن مخرمة.
- وكانت أمه عاتكة بِنْتُ عَوْفٍ- قَالَ: خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَوْمًا يَطُوفُ فِي السُّوقِ، فَلَقِيَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ غُلامُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا، فَقَالَ:
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَعِدْنِي عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، فَإِنَّ عَلَيَّ خَرَاجًا كَثِيرًا،
стр. 2082
قَالَ: وَكَمْ خَرَاجُكَ؟ قَالَ: دِرْهَمَانِ فِي كُلِّ يَوْمٍ، قَالَ: وَأَيْشِ صِنَاعَتُكَ؟
قَالَ: نَجَّارٌ، نَقَّاشٌ، حَدَّادٌ، قَالَ: فَمَا أَرَى خَرَاجَكَ بِكَثِيرٍ عَلَى مَا تَصْنَعُ مِنَ الأَعْمَالِ، قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ تقول: لو اردت ان اعمل رحا تَطْحَنُ بِالرِّيحِ فَعَلْتُ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاعْمَلْ لي رحا، قال: لئن سلمت لاعملن لك رحا يَتَحَدَّثُ بِهَا مَنْ بِالْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: لَقَدْ تَوَعَّدَنِيَ الْعَبْدُ آنِفًا! قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفَ عُمَرُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جَاءَهُ كَعْبُ الأَحْبَارِ فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اعْهَدْ، فَإِنَّكَ مَيِّتٌ فِي ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، قَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ قَالَ:
أَجِدُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ التَّوْرَاةِ، قَالَ عُمَرُ: آللَّهِ انك لتجد عمر ابن الْخَطَّابِ فِي التَّوْرَاةِ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ لا، وَلَكِنِّي أَجِدُ صِفَتَكَ وَحِلْيَتَكَ، وَأَنَّهُ قَدْ فَنَى أَجَلُكَ- قَالَ: وَعُمَرُ لا يُحِسُّ وَجَعًا وَلا أَلَمًا- فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جَاءَهُ كَعْبٌ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، ذَهَبَ يَوْمٌ وَبَقِيَ يَوْمَانِ، قَالَ:
ثُمَّ جَاءَهُ مِنْ غَدِ الْغَدِ، فَقَالَ: ذَهَبَ يَوْمَانِ وَبَقِيَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَهِيَ لَكَ إِلَى صَبِيحَتِهَا قَالَ: فَلَمَّا كَانَ الصُّبْحُ خَرَجَ عُمَرُ إِلَى الصَّلاةِ، وَكَانَ يُوَكِّلُ بِالصُّفُوفِ رِجَالا، فَإِذَا اسْتَوَتْ جَاءَ هُوَ فَكَبَّرَ قَالَ: وَدَخَلَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ فِي النَّاسِ، فِي يَدِهِ خِنْجَرٌ لَهُ رَأْسَانِ نِصَابُهُ فِي وَسَطِهِ، فَضَرَبَ عُمَرَ سِتَّ ضَرَبَاتٍ، إِحْدَاهُنَّ تَحْتَ سُرَّتِهِ، وَهِيَ الَّتِي قتلته، وقتل معه كليب ابن أَبِي الْبُكَيْرِ اللَّيْثِيَّ- وَكَانَ خَلْفَهُ- فَلَمَّا وَجَدَ عُمَرَ حُرَّ السِّلاحِ سَقَطَ، وَقَالَ: أَفِي النَّاسِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هُوَ ذَا، قَالَ: تَقَدَّمْ فَصَلِّ بِالنَّاسِ، قَالَ: فَصَلَّى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَعُمَرُ طَرِيحٌ، ثُمَّ احْتُمِلَ فَأُدْخِلَ دَارَهُ، فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، فَقَالَ:
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْهَدَ إِلَيْكَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَعَمْ، إِنْ أَشَرْتَ عَلَيَّ قَبِلْتُ مِنْكَ، قَالَ: وَمَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ، أَتُشِيرُ عَلَيَّ بِذَلِكَ؟
قَالَ: اللَّهُمَّ لا، قَالَ: وَاللَّهِ لا أَدْخُلُ فِيهِ أَبَدًا، قَالَ: فَهَبْ لِي صَمْتًا
стр. 2083
حتى اعهد الى النفر الذين توفى رسول الله ص وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ ادْعُ لِي عَلِيًّا وَعُثْمَانَ وَالزُّبَيْرَ وَسَعْدًا قَالَ: وَانْتَظِرُوا أَخَاكُمْ طَلْحَةَ ثَلاثًا فَإِنْ جَاءَ وَإِلا فَاقْضُوا أَمْرَكُمْ، أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا عَلِيُّ إِنْ وَلِيتَ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ شَيْئًا أَنْ تَحْمِلَ بَنِي هَاشِمٍ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا عُثْمَانُ إِنْ وَلِيتَ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ شَيْئًا أَنْ تَحْمِلَ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا سَعْدُ إِنْ وَلِيتَ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ شَيْئًا أَنْ تَحْمِلَ أَقَارِبَكَ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، قُومُوا فَتَشَاوَرُوا ثُمَّ اقْضُوا أَمْرَكُمْ، وَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ صُهَيْبٌ ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الأَنْصَارِيَّ، فَقَالَ: قُمْ عَلَى بَابِهِمْ، فَلا تَدَعْ أَحَدًا يَدْخُلُ إِلَيْهِمْ، وَأُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالأَنْصَارِ الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ، أَنْ يُحْسِنَ إِلَى مُحْسِنِهِمْ، وَأَنْ يَعْفُوَ عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَأُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالْعَرَبِ، فَإِنَّهَا مَادَّةُ الإِسْلامِ، أَنْ يُؤْخَذَ من صدقاتهم حقها فيوضع فِي فُقَرَائِهِمْ، وَأُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِذِمَّةِ رسول الله ص أَنْ يُوَفِّيَ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ! تَرَكْتُ الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي عَلَى أَنْقَى مِنَ الرَّاحَةِ، يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ اخْرُجْ فَانْظُرْ مَنْ قَتَلَنِي؟ فَقَالَ:
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَتَلَكَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ غُلامُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ مَنِيَّتِي بِيَدِ رَجُلٍ سَجَدَ لِلَّهِ سَجْدَةً وَاحِدَةً، يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، اذْهَبْ إِلَى عَائِشَةَ فَسَلْهَا أَنْ تَأْذَنَ لِي أَنْ أُدْفَنَ مَعَ النبي ص وَأَبِي بَكْرٍ، يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، إِنِ اخْتَلَفَ الْقَوْمُ فَكُنْ مَعَ الأَكْثَرِ، وَإِنْ كَانُوا ثَلاثَةً وَثَلاثَةً فَاتْبَعِ الْحِزْبَ الَّذِي فِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، يَا عَبْدَ اللَّهِ ائْذَنْ لِلنَّاسِ، قَالَ:
فَجَعَلَ يُدْخِلُ عَلَيْهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارَ فَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ، وَيَقُولُ لَهُمْ: أَعَنْ مَلإٍ مِنْكُمْ كَانَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: مَعَاذَ اللَّهِ! قَالَ: وَدَخَلَ فِي النَّاسِ كَعْبٌ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ عُمَرُ أَنْشَأَ يَقُولُ:
فَأَوْعَدَنِي كَعْبٌ ثَلاثًا أُعِدُّهَا ... وَلا شَكَّ أَنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَ لِي كَعْبُ
стр. 2084
وَمَا بِي حِذَارُ الْمَوْتِ إِنِّي لَمَيِّتٌ ... وَلَكِنْ حِذَارُ الذَّنْبِ يَتْبَعُهُ الذَّنْبُ
قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ دَعَوْتَ الطَّبِيبَ! قَالَ: فَدُعِيَ طَبِيبٌ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، فَسَقَاهُ نَبِيذًا فَخَرَجَ النَّبِيذُ مُشْكَلا، قَالَ: فَاسْقُوهُ لبنا، قال: فخرج اللبن محضا، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اعْهَدْ، قَالَ: قَدْ فَرَغْتُ.
قَالَ: ثُمَّ تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الأَرْبِعَاءِ لثلاث ليال بقين من ذي الحجة سنة ثَلاثٍ وَعِشْرِينَ.
قَالَ: فَخَرَجُوا بِهِ بُكْرَةَ يَوْمِ الأَرْبِعَاءِ، فَدُفِنَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ مَعَ النَّبِيِّ ص وَأَبِي بَكْرٍ قَالَ: وَتَقَدَّمَ صُهَيْبٌ فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلانِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ص: عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ، قَالَ: فَتَقَدَّمَ وَاحِدٌ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ، وَالآخَرُ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ:
لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، مَا أَحْرَصَكُمَا عَلَى الإِمْرَةِ! أَمَا عَلِمْتُمَا أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ:
لِيُصَلِّ بِالنَّاسِ صُهَيْبٌ! فَتَقَدَّمَ صُهَيْبٌ فَصَلَّى عَلَيْهِ قَالَ: وَنَزَلَ فِي قَبْرِهِ الْخَمْسَةُ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ قِيلَ إِنَّ وَفَاتَهُ كَانَتْ فِي غُرَّةِ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ.
ذِكْرُ من قَالَ ذلك:
حدثني الحارث، قَالَ: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد ابن عمر، قال: حدثني أبو بكر بن إسماعيل بْن مُحَمَّد بْن سعد، عن أبيه قال: طعن عمر رضى الله تعالى عنه يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، ودفن يوم الأحد صباح هلال المحرم سنة أربع وعشرين، فكانت ولايته عشر سنين وخمسة أشهر وإحدى وعشرين ليلة، من متوفى أبي بكر، على رأس اثنتين وعشرين سنة وتسعة أشهر وثلاثة عشر يوما من الهجرة وبويع لعثمان بْن عفان يوم الاثنين لثلاث مضين من المحرم قال: فذكرت ذلك لعثمان الأخنسي، فقال: ما أراك إلا وهلت، توفي
стр. 2085
عمر رضي اللَّه تعالى عنه لأربع ليال بقين من ذي الحجة، وبويع لعثمان بْن عفان لليلة بقيت من ذي الحجة، فاستقبل بخلافته المحرم سنة أربع وعشرين.
وحدثني أحمد بْن ثابت الرازي، قال: حَدَّثَنَا محدث، عن إسحاق ابن عيسى، عن أبي معشر، قال: قتل عمر يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة تمام سنة ثلاث وعشرين، وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام، ثم بويع عثمان بْن عفان.
قال أبو جعفر: وأما المدائني، فإنه قال فيما حَدَّثَنِي عمر عنه، عن شريك، عن الأعمش- أو عن جابر الجعفي- عن عوف بْن مالك الأشجعي وعامر بْن أبي مُحَمَّد، عن أشياخ من قومه، وعثمان بْن عبد الرحمن، عن ابني شهاب الزهري، قالوا: طعن عمر يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي الحجة.
قال: وقال غيرهم: لست بقين من ذي الحجة.
وأما سيف، فإنه قال فيما كَتَبَ إِلَيَّ به السَّرِيُّ يَذْكُرُ أَنَّ شُعَيْبًا حَدَّثَهُ عَنْهُ، عَنِ خليد بن ذفره ومجالد، قال: استخلف عثمان لثلاث مضين من المحرم سنة أربع وعشرين، فخرج فصلى بالناس العصر، وزاد: ووفد فاستن به.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن عمرو، عن الشعبي، قال: اجتمع أهل الشورى على عثمان، لثلاث مضين من المحرم، وقد دخل وقت العصر، وقد أذن مؤذن صهيب، واجتمعوا بين الأذان والإقامة، فخرج فصلى بالناس، وزاد الناس مائة، ووفد أهل الأمصار، وصنع فيهم.
وهو أول من صنع ذلك.
وحدثت عن هشام بْن مُحَمَّد، قال: قتل عمر لثلاث ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام
стр. 2086
ذِكْرُ نَسَبِ عمر ﵁
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْن إسحاق.
وحدثني الحارث، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن سعد، عن محمد بن عمر وهشام ابن مُحَمَّد وحدثني عمر، قال: حَدَّثَنَا علي بْن مُحَمَّد، قالوا جميعا في نسب عمر: هو عمر بْن الْخَطَّاب بْن نفيل بْن عبد العزى بْن رياح بْن عبد اللَّه بْن قرط بْن رزاح بْن عدي بْن كعب بْن لؤي وكنيته أبو حفص، وأمه حنتمة بنت هاشم بْن المغيرة بْن عبد اللَّه بْن عمر بن مخزوم
. تسميته بالفاروق
قال أبو جعفر: وكان يقال له الفاروق.
وقد اختلف السلف فيمن سماه بذلك، فقال بعضهم: سماه بذلك رسول الله ص.
ذكر من قَالَ ذلك:
حدثني الحارث، قَالَ: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَزْرَةَ يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو ذَكْوَانَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: مَنْ سَمَّى عمر الفاروق؟ قالت:
النبي ص.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَوَّلُ مَنْ سَمَّاهُ بِهَذَا الاسْمِ أَهْلُ الْكِتَابِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنَا الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أخبرنا يعقوب بْن إبراهيم بْن سعد، عن أبيه، عن صالح بْن كيسان، قال: قال ابن شهاب:
بلغنا أن أهل الكتاب كانوا أول من قال لعمر: الفاروق، وكان المسلمون
стр. 2087
يأثرون ذلك من قولهم، ولم يبلغنا أن رسول الله ص ذكر من ذلك شيئا
. ذكر صفته
حَدَّثَنَا هناد بْن السري، قال: حَدَّثَنَا وكيع، عن سفيان، عن عاصم بْن أبي النجود، عن زر بْن حبيش، قال: خرج عمر في يوم عيد- أو في جنازة زينب- آدم طوالا أصلع أعسر يسرا، يمشي كأنه راكب.
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، قَالَ:
رَأَيْتُ عُمَرَ يَأْتِي الْعِيدَ ماشيا حافيا اعمر أَيْسَرَ مُتَلَبِّبًا بُرْدًا قَطَرِيًّا، مُشْرِفًا عَلَى النَّاسِ كَأَنَّهُ عَلَى دَابَّةٍ، وَهُوَ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، هاجروا وَلا تهجروا.
وحدثني الحارث، قال: حَدَّثَنَا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبي بكر، عن عاصم بن عُبَيْد اللَّهِ، عن عَبْد اللَّه بْن عامر بْن ربيعة، قال: رأيت عمر رجلا أبيض أمهق، تعلوه حمرة، طوالا أصلع.
وحدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَصِفُ عُمَرَ يَقُولُ: رَجُلٌ أَبْيَضُ، تَعْلُوهُ حُمْرَةٌ، طُوَّالٌ، اشيب، اصلع.
وحدثني الحارث، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سعد، قال: أخبرنا محمد ابن عُمَرَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ يُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ، وَيُرَجِّلُ رَأْسَهُ بالحناء
стр. 2088
ذكر مولده ومبلغ عمره
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حدثنا ابن سعد، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ:
سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، يَقُولُ: وُلِدْتُ قَبْلَ الْفِجَارِ الأَعْظَمِ الآخَرِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَاخْتَلَفُ السَّلَفُ فِي مَبْلَغِ سِنِي عُمَرَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ:
كَانَ يَوْمَ قُتِلَ ابْنَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً.
ذكر بعض من قال ذلك:
حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَخْزَمَ الطَّائِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قتيبة، عن جرير ابن حَازِمٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قُتِلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً.
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: حدثنا نعيم ابن حَمَّادٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: تُوُفِّيَ عُمَرُ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً.
وحدثت عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن ابن شهاب أن عمر توفي على رأس خمس وخمسين سنة.
وقال آخرون: كان يوم توفي ابن ثلاث وخمسين سنة وأشهر.
ذكر من قال ذلك:
حدثت بذلك عن هشام بْن مُحَمَّد بْن الكلبي.
وقال آخرون توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة
стр. 2089
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ دَاوُدَ، عن عامر، قال: مات عمر وهو ابن ثلاث وستين سنة.
وقال آخرون: توفي وهو ابن إحدى وستين سنة.
ذكر من قال ذلك:
حدثت بذلك، عن أبي سلمة التبوذكي، عن أبي هلال، عن قتادة.
وقال آخرون: توفي وهو ابن ستين سنة.
ذكر من قَالَ ذلك:
حدثني الحارث، قَالَ: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حَدَّثَنَا هشام بْن سعد، عن زيد بْن أسلم، عن أبيه، قال:
توفي عمر وهو ابن ستين سنة.
قال مُحَمَّد بْن عمر: وهذا أثبت الأقاويل عندنا، وذكر عن المدائني أنه قال: توفي عمر وهو ابن سبع وخمسين سنة
ذكر أسماء ولده ونسائه
حَدَّثَنِي ابو زيد عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ والحارث، عن مُحَمَّد بْن سعد، عن مُحَمَّد بْن عمر وحدثت عن هشام بْن مُحَمَّد- اجتمعت معاني أقوالهم، واختلفت الألفاظ بها- قالوا: تزوج عمر في الجاهلية زينب ابنة مظعون بْن حبيب بْن وهب بْن حذافة بْن جمح، فولدت له عبد اللَّه وعبد الرحمن الأكبر وحفصة.
وقال علي بْن مُحَمَّد: وتزوج مليكة ابنة جرول الخزاعي في الجاهلية، فولدت له عبيد اللَّه بْن عمر، ففارقها في الهدنة، فخلف عليها بعد عمر أبو الجهم بْن حذيفة
стр. 2090
وأما مُحَمَّد بْن عمر، فإنه قال: زيد الأصغر وعبيد اللَّه الذي قتل يوم صفين مع معاوية، أمهما أم كلثوم بنت جرول بْن مالك بْن المسيب بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ أَصْرَمَ بْنِ ضُبَيْسِ بْنِ حرام بْن حبشية بن سلول بن كعب ابن عمرو بْن خزاعة، وكان الإسلام فرق بينها وبين عمر.
قال علي بْن مُحَمَّد: وتزوج قريبة ابنة أبي أمية المخزومي في الجاهلية، ففارقها أيضا في الهدنة، فتزوجها بعده عبد الرحمن بْن أبي بكر الصديق.
قالوا: وتزوج أم حَكِيمٍ بِنْتِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بن عبد الله ابن عمرو بْن مخزوم في الإسلام، فولدت له فاطمة فطلقها قال المدائني:
وقد قيل: لم يطلقها.
وتزوج جميلة أخت عاصم بْن ثابت بْن أبي الأقلح- واسمه قيس بْن عصمة بْن مالك بْن ضبيعة بْن زيد بْن الأوس من الأنصار في الإسلام- فولدت له عاصما، فطلقها وتزوج أم كلثوم بنت علي بْن أبي طالب، وأمها فاطمه بنت رسول الله ص، وأصدقها- فيما قيل- أربعين ألفا، فولدت له زيدا ورقية.
وتزوج لهية، امرأة من اليمن، فولدت له عبد الرحمن قال المدائني:
ولدت له عبد الرحمن الأصغر قال: ويقال كانت أم ولد قال الواقدي:
لهية هذه أم ولد وقال أيضا: ولدت له لهية عبد الرحمن الأوسط وقال:
عبد الرحمن الاصغر أمه أم ولد.
وكانت عنده فكيهة، وهي أم ولد وفي أقوالهم فولدت له زينب وقال الواقدي: هي أصغر ولد عمر.
وتزوج عاتكة ابنه زيد بْن عمرو بْن نفيل، وكانت قبله عند عبد الله ابن أبي بكر، فلما مات عمر تزوجها الزبير بْن العوام.
قال المدائني: وخطب أم كلثوم بنت أبي بكر وهي صغيرة، وأرسل فيها إلى عائشة، فقالت: الأمر إليك، فقالت أم كلثوم: لا حاجة لي
стр. 2091
فيه، فقالت لها عائشة: ترغبين عن أمير المؤمنين! قالت: نعم، إنه خشن العيش، شديد على النساء، فأرسلت عائشة إلى عمرو بْن العاص فأخبرته، فقال: أكفيك، فأتى عمر فقال: يا أمير المؤمنين، بلغني خبر أعيذك بالله منه، قال: وما هو؟ قال: خطبت أم كلثوم بنت أبي بكر! قال: نعم، أفرغبت بي عنها، أم رغبت بها عني؟ قال: لا واحدة، ولكنها حدثة نشأت تحت كنف أم المؤمنين في لين ورفق، وفيك غلظة، ونحن نهابك، وما نقدر أن نردك عن خلق من أخلاقك، فكيف بها إن خالفتك في شيء، فسطوت بها! كنت قد خلفت أبا بكر في ولده بغير ما يحق عليك.
قال: فكيف بعائشة وقد كلمتها؟ قال: أنا لك بها، وأدلك على خير منها، أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، تعلق منها بسبب من رسول الله ص.
قال المدائني: وخطب أم أبان بنت عتبة بْن ربيعة، فكرهته، وقالت:
يغلق بابه، ويمنع خيره، ويدخل عابسا، ويخرج عابسا
. ذكر وقت إسلامه
قال أبو جعفر: ذكر أنه أسلم بعد خمسة وأربعين رجلا وإحدى وعشرين امرأة.
ذكر من قَالَ ذلك:
حدثني الحارث، قَالَ: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: ذَكَرْتُ لَهُ حَدِيثَ عُمَرَ، فَقَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ، قَالَ: أَسْلَمَ عُمَرُ بَعْدَ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ رَجُلا وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ امْرَأَةً
. ذكر بعض سيره
حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ ضِرَارٍ، عَنْ
стр. 2092
حصين المري، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: إِنَّمَا مَثَلُ الْعَرَبِ مِثْلُ جَمَلٍ أَنِفٍ اتَّبَعَ قَائِدَهُ، فَلْيَنْظُرْ قَائِدُهُ حَيْثُ يقوده، فاما انا فو رب الْكَعْبَةِ لأَحْمِلَنَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ.
وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إبراهيم، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: إِذَا كُنْتُ فِي مَنْزِلَةٍ تَسَعُنِي وَتَعْجَزُ عَنِ النَّاسِ فو الله مَا تِلْكَ لِي بِمَنْزِلَةٍ حَتَّى أَكُونَ أُسْوَةً لِلنَّاسِ.
حَدَّثَنَا خَلادُ بْنُ أَسْلَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا قَطَنٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَزِيدَ الْمَدِينِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَوْلًى لعثمان ابن عَفَّانَ، قَالَ: كُنْتُ رَدِيفًا لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، حَتَّى أَتَى عَلَى حَظِيرَةِ الصَّدَقَةِ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ شَدِيدِ السَّمُومِ، فَإِذَا رَجُلٌ عَلَيْهِ إِزَارٌ وَرِدَاءٌ، قَدْ لَفَّ رَأْسَهُ بِرِدَاءٍ يَطْرُدُ الإِبِلَ يُدْخِلُهَا الْحَظِيرَةَ، حَظِيرَةَ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ عُثْمَانُ: مَنْ تُرَى هَذَا؟ قَالَ: فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: هَذَا وَاللَّهِ الْقَوِيُّ الأَمِينُ.
حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكُوفِيُّ وَعَبَّاسُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو زَكَرِيَّاءَ يَحْيَى بْنُ مُصْعَبٍ الْكَلْبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْعَبْسِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ حَيْرَ الصَّدَقَةِ مَعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: فَجَلَسَ عُثْمَانُ فِي الظِّلِّ يَكْتُبُ، وَقَامَ عَلِيٌّ راسه يمل عَلَيْهِ مَا يَقُولُ عُمَرُ، وَعُمَرُ فِي الشَّمْسِ قَائِمٌ فِي يَوْمٍ حَارٍّ شَدِيدِ الْحَرِّ، عَلَيْهِ بُرْدَانِ أَسْوَدَانِ، مُتَّزِرًا بِوَاحِدٍ، وَقَدْ لَفَّ عَلَى رَأْسِهِ آخَرَ، يَعُدُّ إِبِلَ الصَّدَقَةِ، يَكْتُبُ أَلْوَانَهَا وَأَسْنَانَهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ لِعُثْمَانَ- وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: نَعْتَ بِنْتِ شُعَيْبٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ، ثُمَّ أَشَارَ عَلِيٌّ بِيَدِهِ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ: [هَذَا الْقَوِيُّ الأَمِينُ!] حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: لَئِنْ عِشْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لأَسِيرَنَّ فِي الرَّعِيَّةِ حَوْلا، فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ لِلنَّاسِ حَوَائِجَ تُقْطَعُ دُونِي، أَمَّا عُمَّالُهُمْ فَلا يَرْفَعُونَهَا إِلَيَّ، وَأَمَّا هُمْ فَلا
стр. 2093
يَصِلُونَ إِلَيَّ، فَأَسِيرُ إِلَى الشَّامِ، فَأُقِيمُ بِهَا شَهْرَيْنِ، ثُمَّ أَسِيرُ إِلَى الْجَزِيرَةِ فَأُقِيمُ بِهَا شَهْرَيْنِ، ثُمَّ أَسِيرُ إِلَى مِصْرَ فَأُقِيمُ بِهَا شَهْرَيْنِ، ثُمَّ أَسِيرُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ فَأُقِيمُ بِهَا شَهْرَيْنِ، ثُمَّ أَسِيرُ إِلَى الْكُوفَةِ فَأُقِيمُ بِهَا شَهْرَيْنِ، ثُمَّ أَسِيرُ إِلَى الْبَصْرَةِ فَأُقِيمُ بِهَا شَهْرَيْنِ، وَاللَّهِ لَنِعْمَ الْحَوْلُ هَذَا! حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو المغيرة عبد القدوس بْن الحجاج، قال: حَدَّثَنَا صفوان بْن عمرو، قال: حدثنى ابو المخارق زهير ابن سالم، أن كعب الأحبار، قال: نزلت على رجل يقال له مالك- وكان جارا لعمر بْن الخطاب- فقلت له: كيف بالدخول على أمير المؤمنين؟
فقال: ليس عليه باب ولا حجاب، يصلي الصلاة ثم يقعد فيكلمه من شاء.
حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنْ أَسْلَمَ، قَالَ: بَعَثَنِي عُمَرُ بِإِبِلٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ إِلَى الْحِمَى، فَوَضَعْتُ جَهَازِي عَلَى نَاقَةٍ مِنْهَا، فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أُصْدِرَهَا، قَالَ:
اعْرِضْهَا عَلَيَّ، فَعَرَضْتُهَا عَلَيْهِ، فَرَأَى مَتَاعِي عَلَى نَاقَةٍ مِنْهَا حَسْنَاءَ، فَقَالَ:
لا أُمَّ لَكَ! عَمِدْتَ إِلَى نَاقَةٍ تُغْنِي أَهْلَ بَيْتِ الْمُسْلِمِينَ! فَهَلا ابْنَ لَبُونٍ بَوَّالا، أَوْ نَاقَةً شَصُوصًا! حدثنى عمر بن اسماعيل بن مجالد الهمذاني، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عَنْ أَبِي الزِّنْبَاعِ، عَنْ أَبِي الدِّهْقَانَةِ، قَالَ: قيل لعمر بن الخطاب: ان هاهنا رَجُلا مِنْ أَهْلِ الأَنْبَارِ لَهُ بَصَرٌ بِالدِّيوَانِ، لَوِ اتَّخَذْتَهُ كَاتِبًا! فَقَالَ عُمَرُ: لَقَدِ اتَّخَذْتَ إِذًا بِطَانَةً مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ! حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ خَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ، لَوْ أَنَّ جَمَلا هَلَكَ
стр. 2094
ضَيَاعًا بِشَطِّ الْفُرَاتِ خَشِيتُ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهُ عَنْهُ آلَ الْخَطَّابِ قَالَ أَبُو زَيْدٍ:
آلَ الخطاب يعنى نفسه، ما يعنى غيرها.
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عدي، عن شعبة، عن أبي عمران الجوني، قال: كتب عمر إلى أبي موسى: إنه لم يزل للناس وجوه يرفعون حوائجهم، فأكرم من قبلك من وجوه الناس، وبحسب المسلم الضعيف من العدل، أن ينصف في الحكم وفي القسم.
وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفًا، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: أَتَى أَعْرَابِيٌّ عُمَرَ، فَقَالَ: إِنَّ بِبَعِيرِي نُقَبًا وَدَبَرًا فَاحْمِلْنِي، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ، مَا بِبَعِيرِكَ نُقَبٌ وَلا دَبَرٌ، قَالَ: فَوَلَّى وَهُوَ يَقُولُ:
أَقْسَمَ بِاللَّهِ أَبُو حَفْصٍ عُمَرْ ... مَا مَسَّهَا مِنْ نُقَبٍ وَلا دَبَرْ
فَاغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ فَجَرْ.
فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي! ثُمَّ دَعَا الأَعْرَابِيَّ فَحَمَلَهُ.
وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: نُبِّئْتُ أَنَّ رَجُلا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عُمَرَ قَرَابَةٌ، فَسَأَلَهُ فَزَبَرَهُ، وَأَخْرَجَهُ فَكُلِّمَ فِيهِ، فَقِيلَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فُلانٌ سَأَلَكَ فَزَبَرْتَهُ وَأَخْرَجْتَهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ سَأَلَنِي مِنْ مَالِ اللَّهِ، فَمَا مَعْذِرَتِي إِنْ لَقِيتُهُ مَلِكًا خَائِنًا! فَلَوْلا سَأَلَنِي مِنْ مَالِي! قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِعَشَرَةِ آلافٍ.
وَكَانَ عُمَرُ ﵀ إِذَا بَعَثَ عَامِلا لَهُ عَلَى عَمَلٍ يَقُولُ- مَا حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: حدثنا شعبه، عن يحيى بن حضين، سَمِعَ طَارِقَ بْنَ شِهَابٍ يَقُولُ: قَالَ عُمَرُ فِي عُمَّالِهِ: اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَبْعَثْهُمْ لِيَأْخُذُوا أَمْوَالَهُمْ، وَلا لِيَضْرِبُوا أَبْشَارَهُمْ، مَنْ ظَلَمَهُ أَمِيرُهُ فَلا إِمْرَةَ عَلَيْهِ دُونِي.
وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عن شعبة، عن
стр. 2095
قَتَادَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ عَلَى أُمَرَاءِ الأَمْصَارِ أَنِّي إِنَّمَا بَعَثْتُهُمْ لِيُعَلِّمُوا النَّاسَ دِينَهُمْ وسنه نبيهم، وان يقسموا فيهم فيئهم، وَأَنْ يَعْدِلُوا، فَإِنْ أُشْكِلَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ رَفَعُوهُ إِلَيَّ.
وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حُصَيْنٍ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ إِذَا اسْتَعْمَلَ الْعُمَّالَ خَرَجَ مَعَهُمْ يُشَيِّعُهُمْ، فَيَقُولُ: إِنِّي لَمْ أَسْتَعْمِلْكُمْ عَلَى أمه محمد ص عَلَى أَشْعَارِهِمْ، وَلا عَلَى أَبْشَارِهِمْ، إِنَّمَا اسْتَعْمَلْتُكُمْ عَلَيْهِمْ لِتُقِيمُوا بِهِمُ الصَّلاةَ، وَتَقْضُوا بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ، وَتَقْسِمُوا بَيْنَهُمْ بِالْعَدْلِ، وَإِنِّي لَمْ أُسَلِّطْكُمْ عَلَى أَبْشَارِهِمْ وَلا عَلَى أَشْعَارِهِمْ، وَلا تَجْلِدُوا الْعَرَبَ فَتُذِلُّوهَا، وَلا تَجْمُرُوهَا فَتَفْتِنُوهَا، وَلا تَغْفَلُوا عَنْهَا فَتَحْرِمُوهَا، جَرِّدُوا الْقُرْآنَ، وَأَقِلُّوا الرِّوَايَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ ص، وانا شريككم وكان يقتص مِنْ عُمَّالِهِ، وَإِذَا شُكِيَ إِلَيْهِ عَامِلٌ لَهُ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ شَكَاهُ، فَإِنْ صَحَّ عَلَيْهِ أَمْرٌ يَجِبُ أَخْذُهُ بِهِ أَخَذَهُ بِهِ وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي فِرَاسٍ، قَالَ: خَطَبَ عمر ابن الخطاب، فقال: يا ايها النَّاسُ، إِنِّي وَاللَّهِ مَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ عُمَّالا لِيَضْرِبُوا أَبْشَارَكُمْ، وَلا لِيَأْخُذُوا أَمْوَالَكُمْ، وَلَكِنِّي أُرْسِلُهُمْ إِلَيْكُمْ لِيُعَلِّمُوكُمْ دِينَكُمْ وَسُنَّتَكُمْ، فَمَنْ فُعِلَ بِهِ شيء سوى ذلك فليرفعه الى، فو الذى نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ لأُقِصَّنَّهُ مِنْهُ فَوَثَبَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَرَأَيْتُكَ إِنْ كَانَ رَجُلٌ مِنْ أُمَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى رَعِيَّةٍ، فَأَدَّبَ بَعْضَ رَعِيَّتِهِ، إِنَّكَ لَتُقِصَّهُ مِنْهُ! قَالَ: إِي وَالَّذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ إِذًا لأُقِصَّنَّهُ مِنْهُ، وَكَيْفَ لا أُقِصَّهُ مِنْهُ وَقَدْ رايت رسول الله ص يُقِصُّ مِنْ نَفْسِهِ! أَلا لا تَضْرِبُوا الْمُسْلِمِينَ فَتُذِلُّوهُمْ، وَلا تَجْمُرُوهُمْ فَتَفْتِنُوهُمْ، وَلا تَمْنَعُوهُمْ حُقُوقَهُمْ فتكفروهم، وَلا تَنْزِلُوهُمُ الْغِيَاضَ فَتُضَيِّعُوهُمْ
стр. 2096
وَكَانَ عُمَرُ ﵁ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ- يَعُسُّ بِنَفْسِهِ، وَيَرْتَادُ مَنَازِلَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَتَفَقَّدُ أَحْوَالَهُمْ بِيَدَيْهِ.
ذِكْرُ الْخَبَرِ الْوَارِدِ عَنْهُ بِذَلِكَ:
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، قَالَ: جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى بَابِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَضَرَبَهُ، فَجَاءَتِ الْمَرْأَةُ فَفَتَحَتْهُ، ثُمَّ قَالَتْ لَهُ: لا تَدْخُلْ حَتَّى أَدْخُلَ الْبَيْتَ وَأَجْلِسَ مَجْلِسِي، فَلَمْ يَدْخُلْ حَتَّى جَلَسَتْ، ثُمَّ قَالَتِ:
ادْخُلْ، فَدَخَلَ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ مِنْ شَيْءٍ؟ فَأَتَتْهُ بِطَعَامٍ فَأَكَلَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَقَالَ لَهُ: تَجَوَّزْ أَيُّهَا الرَّجُلُ، فَسَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ حِينَئِذٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: رُفْقَةٌ نَزَلَتْ فِي نَاحِيَةِ السُّوقِ خَشِيتُ عَلَيْهِمْ سُرَّاقَ الْمَدِينَةِ، فَانْطَلِقْ فَلْنَحْرُسْهُمْ، فَانْطَلَقَا فَأَتَيَا السُّوقَ، فَقَعَدَا عَلَى نَشَزٍ مِنَ الأَرْضِ يَتَحَدَّثَانِ، فَرُفِعَ لَهُمَا مِصْبَاحٌ، فَقَالَ عُمَرُ: أَلَمْ أَنْهَ عَنِ الْمَصَابِيحِ بَعْدَ النَّوْمِ! فَانْطَلَقَا، فَإِذَا هُمْ قَوْمٌ عَلَى شَرَابٍ لَهُمْ، فَقَالَ: انْطَلِقْ فَقَدْ عَرَفْتُهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ:
يَا فُلانُ، كُنْتَ وَأَصْحَابُكَ الْبَارِحَةَ عَلَى شَرَابٍ؟ قَالَ: وَمَا عِلْمُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟
قَالَ: شيء شهدته، فقال: او لم يَنْهَكَ اللَّهُ عَنِ التَّجَسُّسِ! قَالَ:
فَتَجَاوَزَ عَنْهُ.
قَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ: وَإِنَّمَا نَهَى عُمَرُ عَنِ الْمَصَابِيحِ، لأَنَّ الْفَأْرَةَ تَأْخُذُ الْفَتِيلَةَ فَتَرْمِي بِهَا فِي سَقْفِ الْبَيْتِ فَيَحْتَرِقُ، وَكَانَ إِذْ ذَاكَ سَقْفُ الْبَيْتِ مِنَ الْجَرِيدِ.
وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵀ إِلَى حَرَّةِ وَاقِمٍ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِصِرَارٍ، إِذَا نَارٌ تُؤَرَّثُ، فَقَالَ: يَا أَسْلَمُ، إِنِّي أَرَى هَؤُلاءِ رُكْبًا قَصُرَ بِهِمُ اللَّيْلُ وَالْبَرْدُ، انْطَلِقْ بِنَا، فَخَرَجْنَا نُهَرْوِلُ حَتَّى دَنَوْنَا مِنْهُمْ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مَعَهَا
стр. 2097
صِبْيَانٌ لَهَا، وَقِدْرٌ مَنْصُوبَةٌ عَلَى النَّارِ، وَصِبْيَانُهَا يَتَضَاغَوْنَ، فَقَالَ عُمَرُ:
السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا أَصْحَابَ الضَّوْءِ- وَكَرِهَ أَنْ يَقُولَ: يَا أَصْحَابَ النَّارِ- قَالَتْ: وَعَلَيْكَ السَّلامُ، قَالَ: أَأَدْنُو؟ قَالَتِ: ادْنُ بِخَيْرٍ أَوْ دَعْ، فَدَنَا فَقَالَ: مَا بَالُكُمْ؟ قَالَتْ: قَصُرَ بِنَا اللَّيْلُ وَالْبَرْدُ، قَالَ: فَمَا بَالُ هَؤُلاءِ الصِّبْيَةِ يَتَضَاغَوْنَ؟ قَالَتِ: الْجُوعُ، قَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْقِدْرِ؟ قَالَتْ:
مَاءٌ أُسْكِتُهُمْ بِهِ حَتَّى يَنَامُوا، اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عُمَرَ! قَالَ: أَيْ رَحِمَكِ اللَّهُ، مَا يُدْرِي عُمَرَ بِكُمْ! قَالَتْ: يَتَوَلَّى أَمْرَنَا وَيَغْفَلُ عَنَّا! فَأَقْبَلَ عَلَيَّ، فَقَالَ:
انْطَلِقْ بِنَا، فَخَرَجْنَا نُهَرْوِلُ، حَتَّى أَتَيْنَا دَارَ الدَّقِيقِ، فَأَخْرَجَ عِدْلا فِيهِ كبه شحم، فقال: احمله على، فقلت: أَنَا أَحْمِلُهُ عَنْكَ، قَالَ: احْمِلْهُ عَلَيَّ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، كُلُّ ذَلِكَ أَقُولُ: أَنَا أَحْمِلُهُ عَنْكَ، فَقَالَ لِي فِي آخِرِ ذَلِكَ: أَنْتَ تَحْمِلُ عَنِّي وِزْرِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لا أُمَّ لَكَ! فَحَمَلْتُهُ عَلَيْهِ، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ مَعَهُ نُهَرْوِلُ، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا، فَأَلْقَى ذَلِكَ عِنْدَهَا، وَأَخْرَجَ مِنَ الدَّقِيقِ شَيْئًا، فَجَعَلَ يَقُولُ لَهَا: ذُرِّي عَلَيَّ، وَأَنَا أُحَرِّكُ لَكِ، وَجَعَلَ يَنْفُخُ تَحْتَ الْقِدْرِ- وَكَانَ ذَا لِحْيَةٍ عَظِيمَةٍ- فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الدُّخَانِ مِنْ خِلَلِ لِحْيَتِهِ حَتَّى أَنْضَجَ وَأَدِمَ الْقِدْرُ ثُمَّ أَنْزَلَهَا، وَقَالَ: ابْغِنِي شَيْئًا، فَأَتَتْهُ بِصَحْفَةٍ فَأَفْرَغَهَا فِيهَا، ثُمَّ جَعَلَ يَقُولُ: أَطْعِمِيهِمْ، وَأَنَا أَسْطَحُ لَكِ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَلَّى عِنْدَهَا فَضْلَ ذَلِكَ، وَقَامَ وَقُمْتُ مَعَهُ، فَجَعَلَتْ تَقُولُ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا! أَنْتَ أَوْلَى بِهَذَا الأَمْرِ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ! فَيَقُولُ:
قُولِي خَيْرًا، إِنَّكِ إِذَا جِئْتِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَجَدْتِنِي هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ تَنَحَّى نَاحِيَةً عَنْهَا، ثُمَّ اسْتَقْبَلَهَا وَرَبَضَ مَرْبَضَ السَّبُعِ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ لَهُ:
إِنَّ لَكَ شَأْنًا غَيْرَ هَذَا، وَهُوَ لا يُكَلِّمُنِي حَتَّى رَأَيْتُ الصِّبْيَةَ يَصْطَرِعُونَ وَيَضْحَكُونَ ثُمَّ نَامُوا وَهَدَءُوا، فَقَامَ وَهُوَ يَحْمَدُ اللَّهَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ: يَا أَسْلَمُ، إِنَّ الْجُوعَ أَسْهَرَهُمْ وَأَبْكَاهُمْ، فَأَحْبَبْتُ أَلا أَنْصَرِفَ حَتَّى أَرَى مَا رَأَيْتُ مِنْهُمْ.
وَكَانَ عُمَرُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْمُرَ الْمُسْلِمِينَ بِشَيْءٍ أَوْ يَنْهَاهُمْ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا فِيهِ صَلاحُهُمْ بَدَأَ بِأَهْلِهِ، وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ بِالْوَعْظِ لَهُمْ، وَالْوَعِيدِ عَلَى خِلافِهِمْ أَمْرَهُ
стр. 2098
كَالَّذِي حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بِالْمَدِينَةِ، عَنْ سَالِمٍ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَنَهَى النَّاسَ عَنْ شَيْءٍ جَمَعَ أَهْلَهُ، فَقَالَ: إِنِّي نَهَيْتُ النَّاسَ عَنْ كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ إِلَيْكُمْ نَظَرَ الطَّيْرِ- يَعْنِي إِلَى اللَّحْمِ- وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لا أَجِدُ أَحَدًا مِنْكُمْ فَعَلَهُ إِلا أَضْعَفْتُ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَكَانَ ﵁ شَدِيدًا عَلَى أَهْلِ الرَّيْبِ، وَفِي حَقِّ اللَّهِ صَلِيبًا حَتَّى يَسْتَخْرِجَهُ، وَلَيِّنًا سَهْلا فِيمَا يَلْزَمُهُ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ، وَبِالضَّعِيفِ رَحِيمًا رَءُوفًا حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سعيد الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ نَفَرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَلَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، فَقَالُوا: كَلِّمْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَإِنَّهُ قَدْ أَخْشَانَا حَتَّى وَاللَّهِ مَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُدِيمَ إِلَيْهِ أَبْصَارَنَا.
قَالَ: فَذَكَرَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ لِعُمَرَ، فَقَالَ: اوقد قالوا ذلك! فو الله لَقَدْ لِنْتُ لَهُمْ حَتَّى تَخَوَّفْتُ اللَّهَ فِي ذَلِكَ، وَلَقَدِ اشْتَدَدْتُ عَلَيْهِمْ حَتَّى خَشِيتُ اللَّهَ فِي ذَلِكَ، وَايْمُ اللَّهِ لأَنَا أَشَدُّ مِنْهُمْ فَرَقًا مِنْهُمْ مِنِّي! وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ عَاصِمٍ، قَالَ:
اسْتَعْمَلَ عُمَرُ رَجُلا عَلَى مِصْرٍ، فَبَيْنَا عُمَرُ يَوْمًا مَارٌّ فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ إِذْ سَمِعَ رَجُلا وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهَ يَا عُمَرُ! تَسْتَعْمِلُ مَنْ يَخُونُ وَتَقُولُ: لَيْسَ عَلَيَّ شَيْءٌ، وَعَامِلُكَ يَفْعَلُ كَذَا! قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا جَاءَهُ أَعْطَاهُ عَصًا وَجُبَّةَ صُوفٍ وَغَنَمًا، فَقَالَ: ارْعَهَا- وَاسْمُهُ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ- فَإِنَّ أَبَاكَ كَانَ رَاعِيًا، قَالَ: ثُمَّ دَعَاهُ، فَذَكَرَ كَلامًا، فَقَالَ: إِنْ أَنَا رَدَدْتُكَ! فَرُدَّهُ إِلَى عَمَلِهِ، وَقَالَ: لِي عَلَيْكَ أَلا تَلْبَسَ رَقِيقًا، وَلا تَرْكَبَ بِرْذَوْنًا! حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ إِذَا اسْتَعْمَلَ عَامِلا كَتَبَ لَهُ عَهْدًا، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ رَهْطًا مِنَ المهاجرين والانصار،
стр. 2099
وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَلا يَرْكَبَ بِرْذَوْنًا، وَلا يَأْكُلَ نَقِيًّا، وَلا يَلْبَسَ رَقِيقًا، وَلا يَتَّخِذَ بَابًا دُونَ حَاجَاتِ النَّاسِ.
وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَلامِ بْنِ مِسْكِينٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ إِذَا احْتَاجَ أَتَى صَاحِبَ بَيْتِ الْمَالِ، فَاسْتَقْرَضَهُ، قَالَ: فَرُبَّمَا أَعْسَرَ فَيَأْتِيَهُ صَاحِبُ بَيْتِ الْمَالِ يَتَقَاضَاهُ فَيَلْزَمُهُ، فَيَحْتَالُ لَهُ عُمَرُ، وَرُبَّمَا خَرَجَ عَطَاؤُهُ فَقَضَاهُ.
وَعَنْ أَبِي عَامِرٍ الْعَقَدِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَفْصٍ، قَالَ:
حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ أَنَّ عُمَرَ ﵁ خَرَجَ يَوْمًا حَتَّى أَتَى الْمِنْبَرَ، وَقَدْ كَانَ اشْتَكَى شَكْوَى لَهُ، فَنُعِتَ لَهُ الْعَسَلُ، وَفِي بَيْتِ الْمَالِ عُكَّةٌ، فَقَالَ: إِنْ أَذِنْتُمْ لِي فِيهَا أَخَذْتُهَا، وَإِلا فَهِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ
. تَسْمِيَةُ عُمَرَ ﵁ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: أَوَّلُ مَنْ دُعِيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، ثُمَّ جَرَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ، وَاسْتَعْمَلَهُ الْخُلَفَاءُ إِلَى الْيَوْمِ.
ذِكْرُ الْخَبَرِ بِذَلِكَ:
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عبد الصمد الأنصاري، قال: حدثنى أُمُّ عَمْرٍو بِنْتُ حَسَّانٍ الْكُوفِيَّةُ، عَنْ أَبِيهَا، قَالَ: لَمَّا وَلِيَ عُمَرُ قِيلَ: يَا خَلِيفَةَ خليفه رسول الله، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: هَذَا أَمْرٌ يَطُولُ، كُلَّمَا جَاءَ خَلِيفَةٌ قَالُوا: يَا خَلِيفَةَ خليفه خليفه رسول الله! بَلْ أَنْتُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَنَا أَمِيرُكُمْ، فَسُمِّيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ: سَأَلْتُهَا كَمْ أَتَى عَلَيْكِ مِنَ السَّنِينَ؟ قَالَتْ:
مِائَةٌ وَثَلاثٌ وَثَلاثُونَ سَنَةً.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
стр. 2100
أَبُو حَمْزَةَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: يَا خَلِيفَةَ اللَّهِ، قَالَ: خَالَفَ اللَّهُ بِكَ! فَقَالَ: جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ! قال: إذا يهينك اللَّهُ!
وضعه التأريخ
قَالَ أَبُو جَعْفَر: وَكَانَ أول من وضع التأريخ وكتبه- فِيمَا حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، عن محمد بن عمر- في سنة ست عشرة في شهر ربيع الأول منها، وَقَدْ مضى ذكري سبب كتابه ذلك، وكيف كان الأمر فِيهِ.
وعمر ﵁ أول من أرخ الكتب، وختم بالطين.
وهو أول من جمع الناس عَلَى إمام يصلي بهم التراويح في شهر رمضان، وكتب بِذَلِكَ إلى البلدان، وأمرهم به، وَذَلِكَ- فيما حَدَّثَنِي به الحارث، قَالَ:
حدثنا ابن سعد، عن محمد بن عمر- في سنة أربع عشرة، وجعل لِلنَّاسِ قارئين: قارئا يصلي بالرجال وقارئا يصلي بالنساء
حمله الدرة وتدوينه الدواوين
وهو أول من حمل الدرة، وضرب بِهَا، وهو أول من دون لِلنَّاسِ في الإِسْلام الدواوين، وكتب الناس عَلَى قبائلهم، وفرض لَهُمُ العطاء.
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنا محمد بن عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَائِذُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ بْنِ نُقَيْدٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ اسْتَشَارَ الْمُسْلِمِينَ فِي تَدْوِينِ الدَّوَاوِينِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: تَقْسِمُ كُلَّ سَنَةٍ مَا اجْتَمَعَ إِلَيْكَ مِنْ مَالٍ، فَلا تُمْسِكْ مِنْهُ شَيْئًا وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ: أَرَى مَالا كَثِيرًا يَسَعُ النَّاسَ، وَإِنْ لَمْ يُحْصَوْا حَتَّى تَعْرِفَ مَنْ أَخَذَ مِمَّنْ لَمْ يَأْخُذْ، خَشِيتُ أَنْ يَنْتَشِرَ الأَمْرُ فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ جِئْتُ الشَّامَ، فَرَأَيْتُ مُلُوكَهَا قَدْ دَوَّنُوا دِيوَانًا، وَجَنَّدُوا جُنْدًا، فَدَوِّنْ دِيوَانًا، وَجَنِّدْ جُنْدًا فَأَخَذَ بِقَوْلِهِ، فَدَعَا عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَمَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ
стр. 2101
وَجُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ، وَكَانُوا مِنْ نُسَّابِ قُرَيْشٍ- فَقَالَ: اكْتُبُوا النَّاسَ عَلَى مَنَازِلِهِمْ، فَكَتَبُوا فَبَدَءُوا بِبَنِي هَاشِمٍ، ثُمَّ أَتْبَعُوهُمْ أَبَا بَكْرٍ وَقَوْمَهُ، ثُمَّ عُمَرَ وَقَوْمَهُ عَلَى الْخِلافَةِ، فَلَمَّا نَظَرَ فِيهِ عُمَرُ قَالَ: لَوَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنَّهُ هَكَذَا، ولكن ابدءوا بقرابه رسول الله ص، الأَقْرَبَ فَالأَقْرَبَ، حَتَّى تَضَعُوا عُمَرَ حَيْثُ وَضَعَهُ اللَّهُ حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ حِينَ عُرِضَ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، وَبَنُو تَيْمٍ عَلَى أَثَرِ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنُو عَدِيٍّ عَلَى أَثَرِ بَنِي تَيْمٍ، فَأَسْمَعُهُ يَقُولُ:
ضَعُوا عُمَرَ مَوْضِعَهُ، وَابْدَءُوا بِالأَقْرَبِ فَالأَقْرَبِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، فَجَاءَتْ بَنُو عَدِيٍّ إِلَى عُمَرَ، فَقَالُوا: أَنْتَ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ: أَوْ خَلِيفَةُ أَبِي بَكْرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ خَلِيفَةُ رَسُولِ الله، قَالُوا: وَذَاكَ، فَلَوْ جَعَلْتَ نَفْسَكَ حَيْثُ جَعَلَكَ هَؤُلاءِ الْقَوْمُ! قَالَ: بَخٍ بَخٍ بَنِي عَدِيٍّ! أَرَدْتُمُ الأَكْلَ عَلَى ظَهْرِي، وَأَنْ أُذْهِبَ حَسَنَاتِي لَكُمْ! لا وَاللَّهِ حَتَّى تَأْتِيَكُمُ الدَّعْوَةُ، وَأَنْ أُطْبِقَ عَلَيْكُمُ الدَّفْتَرَ وَلَوْ أَنْ تُكْتَبُوا فِي آخِرِ النَّاسِ، إِنَّ لِي صَاحِبَيْنِ سَلَكَا طَرِيقًا، فَإِنْ خَالَفْتُهُمَا خُولِفَ بِي، وَاللَّهِ مَا أَدْرَكْنَا الْفَضْلَ فِي الدُّنْيَا، وَلا نَرْجُو مَا نَرْجُو مِنَ الآخِرَةِ مِنْ ثَوَابِ اللَّهِ عَلَى مَا عملنا الا بمحمد ص، فَهُوَ شَرَفُنَا، وَقَوْمُهُ أَشْرَفُ الْعَرَبِ، ثُمَّ الأَقْرَبُ فالأقرب، ان العرب شرفت برسول الله، وَلَعَلَّ بَعْضُهَا يَلْقَاهُ إِلَى آبَاءٍ كَثِيرَةٍ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَنْ نَلْقَاهُ إِلَى نَسَبِهِ ثُمَّ لا نُفَارِقُهُ إِلَى آدَمَ إِلا آبَاءً يَسِيرَةً، مَعَ ذَلِكَ وَاللَّهِ لَئِنْ جَاءَتِ الأَعَاجِمُ بِالأَعْمَالِ، وَجِئْنَا بِغَيْرِ عَمَلٍ، فَهُمْ أَوْلَى بِمُحَمَّدٍ مِنَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلا يَنْظُرُ رَجُلٌ إِلَى قَرَابَةٍ، وَلْيَعْمَلْ لِمَا عِنْدَ اللَّهِ، فَإِنَّ مَنْ قَصَّرَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ.
حَدَّثَنِي الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي حِزَامُ بْنُ هِشَامٍ الْكَعْبِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ ابن الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يَحْمِلُ دِيوَانَ خُزَاعَةَ حَتَّى يَنْزِلَ قَدِيدًا،
стр. 2102
فَنَأْتِيَهُ بِقَدِيدٍ، فَلا يَغِيبُ عَنْهُ امْرَأَةٌ بِكْرٌ وَلا ثَيِّبٌ، فَيُعْطِيهِنَّ فِي أَيْدِيهِنَّ، ثُمَّ يَرُوحُ فَيَنْزِلُ عَسَفَانَ، فَيَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ أَيْضًا حَتَّى تُوُفِّيَ.
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، قال: أخبرنا مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الزُّهْرِيُّ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: سَمِعْتُ عمر ابن الْخَطَّابِ، يَقُولُ: وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ، ثَلاثًا، مَا مِنْ أَحَدٍ إِلا لَهُ فِي هَذَا الْمَالِ حَقٌّ أُعْطِيَهُ أَوْ مُنِعَهُ، وَمَا أَحَدٌ أَحَقُّ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، وَمَا أَنَا فِيهِ إِلا كَأَحَدِهِمْ، وَلَكِنَّا عَلَى مَنَازِلِنَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَقَسْمِنَا من رسول الله ص، وَالرَّجُلُ وَبَلاؤُهُ فِي الإِسْلامِ، وَالرَّجُلُ وَقِدَمُهُ فِي الإِسْلامِ، وَالرَّجُلُ وَغِنَاؤُهُ فِي الإِسْلامِ، وَالرَّجُلُ وَحَاجَتُهُ، وَاللَّهِ لَئِنْ بَقِيتُ لَيَأْتِيَنَّ الرَّاعِي بِجَبَلِ صَنْعَاءَ حَظَّهُ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَهُوَ مَكَانُهُ.
قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لأَبِي، فَعَرَفَ الْحَدِيثَ.
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: رَأَيْتُ خَيْلا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَوْسُومَةً فِي أَفْخَاذِهَا: حَبِيسٌ فِي سَبِيلِ اللَّهُ.
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنْ سَلْمَانَ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ لَهُ: أَمَلِكٌ أَنَا أَمْ خَلِيفَةٌ؟ فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنْ أَنْتَ جَبَيْتَ مِنْ أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ دِرْهَمًا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، ثُمَّ وَضَعْتَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ، فَأَنْتَ مَلِكٌ غَيْرُ خَلِيفَةٍ، فَاسْتَعْبَرَ عُمَرُ.
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حدثنا ابن سعد، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ حَنْتَمَةَ! لَقَدْ رَأَيْتُهُ عَامَ الرَّمَادَةِ، وَإِنَّهُ لَيَحْمِلُ عَلَى ظَهْرِهِ جِرَابَيْنِ وَعُكَّةَ زَيْتٍ فِي يَدِهِ، وَإِنَّهُ لَيَعْتَقِبُ هُوَ وَأَسْلَمُ،
стр. 2103
فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: مِنْ أَيْنَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قُلْتُ: قَرِيبًا، فَأَخَذْتُ أَعْقُبُهُ، فَحَمَلْنَاهُ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى صِرَارٍ، فَإِذَا صِرْمٌ نَحْوٌ مِنْ عِشْرِينَ بَيْتًا مِنْ مُحَارِبٍ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَقْدَمَكُمْ؟ قَالُوا: الْجَهْدُ، وَأَخْرَجُوا لَنَا جِلْدَ الْمَيْتَةِ مَشْوِيًّا كَانُوا يَأْكُلُونَهُ، وَرِمَّةَ الْعِظَامِ مَسْحُوقَةً كَانُوا يستفونها، فَرَأَيْتُ عُمَرَ طَرَحَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ اتَّزَرَ، فَمَا زَالَ يَطْبُخُ لَهُمْ حَتَّى شَبِعُوا، فَأَرْسَلَ أَسْلَمَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَجَاءَ بِأَبْعِرَةٍ فَحَمَلَهُمْ عَلَيْهَا حَتَّى أَنْزَلَهُمُ الْجَبَّانَةَ، ثُمَّ كَسَاهُمْ وَكَانَ يَخْتَلِفُ إِلَيْهِمْ وَإِلَى غَيْرِهِمْ حَتَّى رَفَعَ اللَّهُ ذَلِكَ.
حَدَّثَنِي الحارث، قَالَ: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْ عَمِّهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يَقُولُ: لا تذرن إِحْدَاكُنَّ الدَّقِيقَ حَتَّى يَسْخَنَ الْمَاءُ ثُمَّ تذره قَلِيلا قَلِيلا، وَتَسُوطُهُ بِمُسُوطِهَا، فَإِنَّهُ أَرْيَعُ لَهُ، وَأَحْرَى أَلا يَتَقَرَّدَ.
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ الْقَرْقَسَانِيُّ، قَالَ: حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أُتِيَ بِمَالٍ، فَجَعَلَ يَقْسِمُهُ بَيْنَ النَّاسِ، فَازْدَحَمُوا عَلَيْهِ، فَأَقْبَلَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ يُزَاحِمُ النَّاسَ، حَتَّى خَلَصَ إِلَيْهِ، فَعَلاهُ عُمَرُ بِالدِّرَّةِ، وَقَالَ: إِنَّكَ أَقْبَلْتَ لا تَهَابُ سُلْطَانَ اللَّهِ فِي الأَرْضِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعَلِّمَكَ أَنَّ سُلْطَانَ اللَّهِ لَنْ يَهَابَكَ.
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حثمه، عن ابيه، قال: قالت الشفا ابْنَةُ عَبْدِ اللَّهِ- وَرَأَيْتُ فِتْيَانًا يَقْصِدُونَ فِي الْمَشْيِ، وَيَتَكَلَّمُونَ رُوَيْدًا، فَقَالَتْ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: نُسَّاكٌ، فَقَالَتْ: كَانَ وَاللَّهِ عُمَرُ إِذَا تَكَلَّمَ أَسْمَعَ، وَإِذَا مَشَى أَسْرَعَ، وَإِذَا ضَرَبَ أَوْجَعَ، هُوَ وَاللَّهِ النَّاسِكُ حَقًّا.
حَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله
стр. 2104
ابن عَامِرٍ، قَالَ: أَعَانَ عُمَرُ رَجُلا عَلَى حَمْلِ شَيْءٍ، فَدَعَا لَهُ الرَّجُلُ، وَقَالَ: نَفَعَكَ بَنُوكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! فَقَالَ: بَلْ أَغْنَانِي اللَّهُ عَنْهُمْ.
حَدَّثَنِي عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ عُمَرَ بْنِ مُجَاشِعٍ.
قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: الْقُوَّةُ فِي الْعَمَلِ أَلا تُؤَخِّرَ عَمَلَ الْيَوْمِ لِغَدٍ، وَالأَمَانَةُ أَلا تُخَالِفَ سَرِيرَةٌ عَلانِيَةً، وَاتَّقُوا اللَّهَ ، فَإِنَّمَا التَّقْوَى بِالتَّوَقِّي، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَقِهْ.
حَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، عَنْ عَوَانَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ- وَغَيْرِ عَوَانَةَ زَادَ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ- أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كَانَ يَطُوفُ فِي الأَسْوَاقِ، وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ حَيْثُ أَدْرَكَهُ الْخُصُومُ.
حَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ، أَنَّهُ سَمِعَ مُوسَى بْنَ عُقْبَةَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَهْطًا أَتَوْا عُمَرَ، فَقَالُوا: كَثُرَ الْعِيَالُ، وَاشْتَدَّتِ الْمَئُونَةُ، فَزِدْنَا فِي أَعْطِيَاتِنَا، قَالَ: فَعَلْتُمُوهَا، جَمَعْتُمْ بَيْنَ الضَّرَائِرِ، وَاتَّخَذْتُمُ الْخَدَمَ فِي مَالِ اللَّهِ ! أَمَا وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي وَإِيَّاكُمْ فِي سَفِينَةٍ فِي لُجَّة الْبَحْرِ، تَذْهَبُ بِنَا شَرْقًا وَغَرْبًا، فَلَنْ يَعْجَزَ النَّاسُ أَنْ يُوَلُّوا رَجُلا مِنْهُمْ، فَإِنِ اسْتَقَامَ اتَّبَعُوهُ، وَإِنْ جَنَفَ قَتَلُوهُ، فَقَالَ طَلْحَةُ: وَمَا عَلَيْكَ لَوْ قُلْتَ: إِنْ تَعَوَّجَ عَزَلُوهُ! فَقَالَ: لا، الْقَتْلُ أَنْكَلُ لِمَنْ بَعْدَهُ، احْذَرُوا فَتَى قُرَيْشٍ وَابْنَ كَرِيمِهَا الَّذِي لا يَنَامُ إِلا عَلَى الرِّضَا، وَيَضْحَكُ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُ مَنْ فَوْقَهُ وَمَنْ تَحْتَهُ.
حَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُدَ الْوَاسِطِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: كُنَّا نَعُدُّ الْمُقْرِضَ بَخِيلا، إِنَّمَا كَانَتِ الْمُوَاسَاةُ.
حَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، عَنِ ابْنِ دَأْبٍ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ الأَسْلَمِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِنَاسٍ مِنْ قُرَيْشٍ: بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تَتَّخِذُونَ مَجَالِسَ، لا يَجْلِسُ اثْنَانِ مَعًا حَتَّى يُقَالُ: مِنْ صَحَابَةِ فُلانٍ؟ مِنْ
стр. 2105
جُلَسَاءِ فُلانٍ؟ حَتَّى تُحُومِيَتِ الْمَجَالِسُ، وَايْمُ اللَّهِ إِنَّ هَذَا لَسَرِيعٌ فِي دِينِكُمْ، سَرِيعٌ فِي شَرَفِكُمْ، سَرِيعٌ فِي ذَاتِ بَيْنِكُمْ، وَلَكَأَنِّي بِمَنْ يَأْتِي بَعْدَكُمْ يَقُولُ:
هَذَا رَأْيُ فُلانٍ، قَدْ قَسَمُّوا الإِسْلامَ أَقْسَامًا، أَفِيضُوا مَجَالِسَكُمْ بَيْنَكُمْ، وَتَجَالَسُوا مَعًا، فَإِنَّهُ أَدْوَمُ لأُلْفَتِكُمْ، وَأَهْيَبُ لَكُمْ فِي النَّاسِ اللَّهُمَّ مَلُّونِي وَمَلَلْتُهُمْ، وَأَحْسَسْتُ مِنْ نَفْسِي وَأَحَسُّوا مِنِّي، وَلا أَدْرِي بِأَيِّنَا يَكُونُ الْكَوْنُ، وَقَدْ أَعْلَمُ أَنَّ لَهُمْ قَبِيلا مِنْهُمْ، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ.
حَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: اتَّخَذَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ أَفْرَاسًا بِالْمَدِينَةِ، فَمَنَعَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَكَلَّمُوهُ فِي أَنْ يَأْذَنَ لَهُ، قَالَ: لا آذَنُ لَهُ، إِلا أَنْ يَجِيءَ بِعَلَفِهَا مِنْ غَيْرِ الْمَدِينَةِ فَارْتَبَطَ أَفْرَاسًا، وَكَانَ يَحْمِلُ إِلَيْهَا عَلَفًا مِنْ أَرْضٍ لَهُ بِالْيَمَنِ.
حَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْهَمْدَانِيُّ، عَنْ مُجَالِدٍ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ قَوْمًا ذَكَرُوا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَجُلا، فَقَالُوا:
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَاضِلٌ لا يَعْرِفُ مِنَ الشَّرِّ شَيْئًا، قَالَ: ذَاكَ أَوْقَعُ لَهُ فِيهِ!
ذِكْرُ بَعْضِ خُطَبِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ
حَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: حدثنا عَلِيٌّ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ وَغَيْرِهِ، وَأَبِي مُعَاذٍ الأَنْصَارِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَيَزِيدَ بن عياض عن عبد الله ابن أَبِي بَكْرٍ، وَعَلِيِّ بْنِ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عُمَرَ رضى الله تعالى عَنْهُ خَطَبَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ ذَكَّرَ النَّاسَ بِاللَّهِ واليوم الآخر، ثم قال: يا ايها النَّاسُ، إِنِّي قَدْ وُلِّيتُ عَلَيْكُمْ، وَلَوْلا رَجَاءُ أَنْ أَكُونَ خَيْرَكُمْ لَكُمْ، وَأَقْوَاكُمْ عَلَيْكُمْ، وَأَشَدَّكُمُ اسْتِضْلاعًا بِمَا يَنُوبُ مِنْ مُهِمِّ أُمُورِكُمْ، مَا تَوَلَّيْتُ ذَلِكَ مِنْكُمْ، وَلَكَفَى عُمَرَ
следующие страницы →