← История

История · id 9783

تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري

ابن جرير الطبري

Полный текст (6 431 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وكانوا يعرفون ويميزون بألقاب لقبوها، فكان يقال للواحد منهم: أثفيان صاحب البقر الحمر، وأثفيان صاحب البقر البلق، وأثفيان صاحب البقر الكدر وهو أفريدون بن أثفيان بوكاو- وتفسيره صاحب البقر الكثير- بن أثفيان نيككاو- وتفسيره صاحب البقر الجياد، بن أثفيان سيركاو- وتفسيره صاحب البقر السمان العظام- بن أثفيان بوركاو- وتفسيره صاحب البقر التي بلون حمير الوحش- بن أثفيان أخشين كاو- وتفسيره صاحب البقر الصفر- بن أثفيان سياه كاو- وتفسيره صاحب البقر السود- بن أثفيان اسبيذكاو- وتفسيره صاحب البقر البيض- بن أثفيان كيركاو- وتفسيره صاحب البقر الرمادية- بن أثفيان رمين- وتفسيره كل ضرب من الألوان والقطعان- بن أثفيان بنفروسن، بن جم الشاذ. وقيل: إن أفريدون أول من سمى بالكيية فقيل له: كي افريدون، وتفسير الكيية أنها بمعنى التنزيه، كما يقال: روحاني، يعنون به أن أمره أمر مخلص منزه يتصل بالروحانية وقيل إن معنى كي أي طالب الدخل، ويزعم بعضهم أن كي من البهاء، وأن البهاء تغشى أفريدون حين قتل الضحاك، وتذكر العجم من الفرس أنه كان رجلا جسيما وسيما بهيا مجربا، وأن أكثر قتاله كان بالجرز، وأن جرزه كان رأسه كرأس الثور، وأن ملك ابنه إيرج العراق ونواحيها كان في حياته، وأن أيام إيرج داخلة في ملك أفريدون، وأنه ملك الأقاليم كلها، وتنقل في البلدان، وأنه لما جلس على سريره يوم الملك قال: نحن القاهرون بعون الله وتأييده للضحاك، القامعون للشيطان وأحزابه، ثم وعظ الناس، فأمرهم بالتناصف وتعاطي الحق وبذل الخير بينهم، وحثهم على الشكر والتمسك به، ورتب سبعة من القوهياريين- وتفسير ذلك محولو الجبال سبع مراتب- وصير إلى كل واحد منهم ناحية من دنباوند وغيرها على شبيه بالتمليك قالوا: فلما ظفر بالضحاك قال له الضحاك: لا تقتلني بجدك

стр. 212

جم، فقال له أفريدون منكرا لقوله: لقد سمت بك همتك، وعظمت في نفسك حين قدرتها لهذا، وطمعت لها فيه! وأعلمه أن جده كان أعظم قدرا من أن يكون مثله كفئا له في القود، وأعلمه أنه يقتله بثور كان في دار جده. وقيل إن أفريدون أول من ذلل الفيلة وامتطاها، ونتج البغال، واتخذ الإوز والحمام، وعالج الدرياق، وقاتل الأعداء فقتلهم ونفاهم، وأنه قسم الأرض بين أولاده الثلاثة: طوج وسلم وإيرج، فملك طوجا ناحية الترك والخزر والصين، فكانوا يسمونها صين بغا، وجمع إليها النواحي التي اتصلت بها، وملك سلما ابنه الثاني الروم والصقالبة والبرجان وما في حدود ذلك، وجعل وسط الأرض وعامرها- وهو إقليم بابل، وكانوا يسمونها خنارث بعد أن جمع إلى ذلك ما اتصل به من السند والهند والحجاز وغيرها- لايرج وهو الاصغر من بينه الثلاثة، وكان أحبهم إليه وبهذا السبب سمي إقليم بابل إيرانشهر، وبه أيضا نشبت العداوة بين ولد أفريدون وأولادهم بعد، وصار ملوك خنارث والترك والروم إلى المحاربة ومطالبة بعضهم بعضا بالدماء والتراث. وقيل: إن طوجا وسلما لما علما أن أباهما قد خص إيرج وقدمه عليهما أظهرا له البغضاء، ولم يزل التحاسد ينمي بينهم إلى أن وثب طوج وسلم على أخيهما إيرج، فقتلاه متعاونين عليه، وأن طوجا رماه بوهق فخنقه، فمن أجل ذلك استعملت الترك الوهق، وكان لإيرج ابنان، يقال لهما وندان وأسطوبة، وابنة يقال لها خوزك، ويقال خوشك، فقتل سلم وطوج الابنين مع أبيهما، وبقيت الابنة. وقيل: إن اليوم الذي غلب فيه افريدون الضحاك كان روز مهر من مهر ماه، فاتخذ الناس ذلك اليوم عيدا لارتفاع بلية الضحاك عن الناس، وسماه المهرجان،

стр. 213

فقيل: إن أفريدون كان جبارا عادلا في ملكه، وكان طوله تسعة أرماح، كل رمح ثلاثة أبواع، وعرض حجرته ثلاثة أرماح، وعرض صدره أربعة أرماح، وأنه كان يتبع من كان بقي بالسودان من آل نمرود والنبط، وقصدهم حتى أتى على وجوههم، ومحا أعلامهم وآثارهم، وكان ملكه خمسمائة سنه

стр. 214

ذكر الأحداث التي كانت بين نوح وإبراهيم خليل الرحمن ع قد ذكرنا قبل ما كان من أمر نوح ع وأمر ولده واقتسامهم الأرض بعده، ومساكن كل فريق منهم، وأي ناحية سكن من البلاد وكان ممن طغا وعتا على الله بعد نوح، فأرسل الله إليهم رسولا فكذبوه وتمادوا في غيهم، فأهلكهم الله هذان الحيان من إرم بن سام بن نوح: أحدهما عاد ابن عوص بن ارم ابن سام بن نوح، وهي عاد الأولى، والثاني ثمود بن جاثر بن إرم بن سام بن نوح، وهم كانوا العرب العاربة. فأما عاد فإن الله أرسل إليهم هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود ابن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح ومن أهل الأنساب من يزعم أن هودا هو عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وكانوا أهل أوثان ثلاثة يعبدونها، يقال لإحداها: صداء، وللآخر صمود، وللثالث الهباء فدعاهم إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة دون غيره، وترك ظلم الناس، فكذبوه وقالوا: من أشد منا قوة! فلم يؤمن بهود منهم إلا قليل، فوعظهم هود إذ تمادوا في طغيانهم، فقال لهم: «أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ. وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ» فكان جوابهم له أن قالُوا:

стр. 215

«سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ» وقالوا له: «يَا هُودُ مَا جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ. إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ» ، فحبس الله عنهم- فيما ذكر- القطر سنين ثلاثا، حتى جهدوا، فأوفدوا وفدا ليستسقوا لهم. فكان من قصتهم مَا حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ حَسَّانٍ الْبَكْرِيِّ، قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ الله ص: فَمَرَرْتُ بِامْرَأَةٍ بِالرَّبَذَةِ، فَقَالَتْ: هَلْ أَنْتَ حَامِلِي الى رسول الله ص؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَحَمَلْتُهَا حَتَّى قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ، فَدَخَلَتِ المسجد، فإذا رسول الله ص عَلَى الْمِنْبَرِ، وَإِذَا بِلالٌ مُتَقَلِّدٌ السَّيْفَ، وَإِذَا رَايَاتٌ سُودٌ، قَالَ: قُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ قَدِمَ مِنْ غَزْوَتِهِ، فَلَمَّا نزل رسول الله ص عَنْ مِنْبَرِهِ أَتَيْتُهُ فَاسْتَأْذَنْتُهُ، فَأَذِنَ لِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ بِالْبَابِ امْرَأَةً مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، قَدْ سَأَلَتْنِي أَنْ أَحْمِلَهَا إِلَيْكَ، قَالَ: يَا بِلالُ، ائْذَنْ لَهَا، قَالَ: فَدَخَلَتْ، فلما جلست قال لي رسول الله ص: هَلْ كَانَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ تَمِيمٍ شَيْءٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَكَانَتِ الدَّبْرَةُ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَجْعَلَ الدَّهْنَاءَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَعَلْتُ، قَالَ: تَقُولُ الْمَرْأَةُ فَأَيْنَ تَضْطَرُّ مُضَرَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال: قلت: مثلي مثل معزى حملت حتفا، قال: قلت: او حملتك تَكُونِينَ عَلَيَّ خَصْمًا! أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ كوفد عاد قال رسول الله ص: وَمَا وَفْدُ عَادٍ؟ قَالَ: قُلْتُ: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ، إِنَّ عَادًا قَحَطَتْ، فَبَعَثَتْ مَنْ يَسْتَسْقِي لَهَا، فَمَرُّوا عَلَى بَكْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بِمَكَّةَ يَسْقِيهِمُ الْخَمْرَ، وَتُغَنِّيهِمِ الْجَرَادَتَانِ شَهْرًا، ثُمَّ بَعَثُوا رَجُلا مِنْ عِنْدِهِ، حَتَّى أَتَى جِبَالَ مَهَرَةَ، فَدَعَا، فَجَاءَتْ سَحَابَاتٌ، قَالَ: وَكُلَّمَا جَاءَتْ قَالَ:

стр. 216

اذْهَبِي إِلَى كَذَا، حَتَّى جَاءَتْ سَحَابَةٌ، فَنُودِيَ منها: خذها رمادا رمددا، لا تَدَعْ مَنْ عَادٍ أَحَدًا قَالَ: فَسَمِعَهُ وَكَتَمَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْعَذَابُ قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ ذَاكَ فِي حَدِيثِ عَادٍ، قَالَ: فَأَقْبَلَ الَّذِي أَتَاهُمْ، فَأَتَى جِبَالَ مَهَرَةَ فَصَعِدَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَجِئْكَ لأَسِيرٍ فَأُفَادِيهِ، وَلا لِمَرِيضٍ أَشْفِيهِ، فَاسْقِ عَادًا مَا كنت مسقيه! قال: فرفعت له سحابات. قَالَ: فَنُودِيَ مِنْهَا: اخْتَرْ، فَجَعَلَ يَقُولُ: اذْهَبِي إِلَى بَنِي فُلانٍ اذْهَبِي إِلَى بَنِي فُلانٍ قَالَ: فَمَرَّتْ آخِرَهَا سَحَابَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَ: اذْهَبِي إِلَى عَادٍ. قَالَ: فَنُودِيَ مِنْهَا: خُذْهَا رَمَادًا رمددا، لا تَدَعْ مِنْ عَادٍ أَحَدًا قَالَ: وَكَتَمَهُمْ وَالْقَوْمُ عِنْدَ بَكْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ يَشْرَبُونَ قَالَ: وَكَرِهَ بَكْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ عِنْدَهُ، وَأَنَّهُمْ فِي طَعَامِهِ قَالَ: فَأَخَذَ فِي الْغِنَاءِ وَذَكَّرَهُمْ. حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلامٌ أَبُو الْمُنْذِرِ النَّحْوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ الْبَكْرِيِّ، قَالَ: خَرَجْتُ لأَشْكُوَ الْعَلاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ الى رسول الله ص، فَمَرَرْتُ بِالرَّبَذَةِ، فَإِذَا عَجُوزٌ مُنْقَطِعٌ بِهَا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، إِنَّ لِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ حَاجَةً، فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغِي إِلَيْهِ؟ قَالَ: فَحَمَلْتُهَا، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ- قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: أَظُنُّهُ أَنَا قَالَ: فَإِذَا رَايَاتٌ سُودٌ- قَالَ: قُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ قَالُوا: يُرِيدُ أَنْ يَبْعَثَ بِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَجْهًا قَالَ: فَجَلَسْتُ حَتَّى فَرَغَ، قَالَ: فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ- أَوْ قَالَ رَحْلَهُ- فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لِي قَالَ: فَدَخَلْتُ فَقَعَدْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ص: هَلْ كَانَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ تَمِيمٍ شَيْءٌ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، وَكَانَتِ الدَّبْرَةُ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ مَرَرْتُ بِالرَّبَذَةِ، فَإِذَا عَجُوزٌ مِنْهُمْ مُنْقَطِعٌ بِهَا، فَسَأَلَتْنِي ان احملها إليك، وها هي بالباب، فاذن لها رسول الله ص فَدَخَلَتْ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ تَمِيمٍ الدَّهْنَاءَ حَاجِزًا، فَحَمِيَتِ الْعَجُوزُ وَاسْتَوْفَزَتْ، وَقَالَتْ: فَأَيْنَ تَضْطَرُّ مُضَرَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال:

стр. 217

قلت: انا كما قالوا: معزى حملت حتفا، حَمَلْتُ هَذِهِ وَلا أَشْعَرُ أَنَّهَا كَائِنَةٌ لِي خَصْمًا، أَعُوذُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْ أَكُونَ كَوَافِدِ عَادٍ! قَالَ: وَمَا وَافِدُ عَادٍ؟ قُلْتُ: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتُ، قَالَ: وَهُوَ يَسْتَطْعِمُنِي الْحَدِيثَ قُلْتُ: ان عادا قحطوا فَبَعَثُوا قَيْلا وَافِدًا، فَنَزَلَ عَلَى بْكَرٍ، فَسَقَاهُ الْخَمْرَ شَهْرًا، وَتُغَنِّيهِ جَارِيَتَانِ يُقَالُ لَهُمَا الْجَرَادَتَانِ، فَخَرَجَ إِلَى جِبَالِ مَهَرَةَ، فَنَادَى: إِنِّي لَمْ أجيء لِمَرِيضٍ فَأُدَاوِيهِ، وَلا لأَسِيرٍ فَأُفَادِيهِ، اللَّهُمَّ اسْقِ عَادًا مَا كُنْتَ تَسْقِيهِ! فَمَرَّتْ بِهِ سَحَابَاتٌ سُودٌ، فَنُودِيَ مِنْهَا: خُذْهَا رَمَادًا رِمْدَدًا، لا تُبْقِي مِنْ عَادٍ أَحَدًا. قَالَ: فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَقُولُ: لا تَكُنْ كَوَافِدِ عَادٍ، فَمَا بَلَغَنِي أَنَّهُ أُرْسِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّيحِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلا قَدْرَ مَا يَجْرِي فِي خَاتَمِي قَالَ أَبُو وَائِلٍ: وَكَذَلِكَ بَلَغَنِي. وَأَمَّا ابْنُ اسحق فَإِنَّهُ قَالَ كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة عنه: أن عادا لما أصابهم من القحط ما أصابهم قالوا: جهزوا منكم وفدا إلى مكة فيستسقوا لكم، فبعثوا قيل بن عتر ولقيم بن هزال بن هزيل بن عتيل ابن صد بن عاد الأكبر، ومرثد بن سعد بن عفير- وكان مسلما يكتم إسلامه- وجلهمة بن الخبيري، خال معاوية بن بكر أخا أمه، ثم بعثوا لقمان بن عاد بن فلان بن فلان بن صد بن عاد الأكبر، فانطلق كل رجل من هؤلاء القوم معه رهط من قومه، حتى بلغ عدة وفدهم سبعين رجلا، فلما قدموا مكة نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارجا من الحرم، فأنزلهم وأكرمهم، وكانوا أخواله وصهره وكانت هزيلة ابنة بكر أخت معاوية بن بكر لأبيه وأمه كلهدة ابنة الخيبري عند لقيم بن هزال بن عتيل بن صد ابن عاد الأكبر، فولدت له عبيد بن لقيم بن هزال وعمرو بن لقيم بن هزال وعامر بن لقيم بن هزال وعمير بن لقيم بن هزال، فكانوا في أخوالهم بمكة عند آل معاوية بن بكر، وهم عاد الأخيرة التي بقيت من عاد الأولى فلما نزل

стр. 218

وفد عاد على معاوية بن بكر أقاموا عنده شهرا يشربون الخمر، وتغنيهم الجرادتان- قينتان لمعاوية بن بكر- وكان مسيرهم شهرا، ومقامهم شهرا، فلما رأى معاوية بن بكر طول مقامهم، وقد بعثهم قومهم يتغوثون بهم من البلاء الذي أصابهم، شق ذلك عليه فقال: هلك أخوالي وأصهاري وهؤلاء مقيمون عندي، وهم ضيفي نازلون علي، والله ما أدري: كيف أصنع بهم! أستحي أن آمرهم بالخروج إلى ما بعثوا إليه، فيظنوا أنه ضيق مني بمقامهم عندي، وقد هلك من وراءهم من قومهم جهدا وعطشا، أو كما قال. فشكا ذلك من أمرهم إلى قينتيه الجرادتين، فقالتا: قل شعرا نغنيهم به لا يدرون من قاله، لعل ذلك أن يحركهم! فقال معاوية بن بكر حين أشارتا عليه بذلك: ألا يا قيل، ويحك قم فهينم ... لعل الله يسقينا غماما فيسقي أرض عاد، إن عادا ... قد امسوا لا يبينون الكلاما من العطش الشديد، فليس نرجو ... به الشيخ الكبير ولا الغلاما وقد كانت نساؤهم بخير ... فقد أمست نساؤهم عيامى وإن الوحش تأتيهم جهارا ... ولا تخشى لعادي سهاما وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم ... نهاركم وليلكم التماما فقبح وفدكم من وفد قوم ... ولا لقوا التحية والسلاما! فلما قال معاوية ذلك الشعر، غنتهم به الجرادتان. فلما سمع القوم ما غنتا به، قال بعضهم لبعض: يا قوم إنما بعثكم قومكم يتغوثون بكم من هذا البلاء الذي نزل بهم، وقد أبطأتم عليهم، فادخلوا هذا الحرم فاستسقوا لقومكم، فقال مرثد بن سعد بن عفير: إنكم والله لا تسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم

стр. 219

نبيكم، وأنبتم إليه سقيتم فأظهر إسلامه عند ذلك، فقال لهم لجلهمة بن الخيبري، خال معاوية بن بكر حين سمع قوله، وعرف أنه قد تبع دين هود وآمن به: أبا سعد فإنك من قبيل ... ذوي كرم وأمك من ثمود فإنا لن نطيعك ما بقينا ... ولسنا فاعلين لما تريد اتأمرنا لنترك آل رفد ... وزمل وآل صد والعبود ونترك دين آباء كرام ... ذوى راى ونتبع دين هود ورفد وزمل وصد قبائل من عاد، والعبود منهم ثم قال لمعاوية بن بكر وابيه بكر: احبسا عنا مرثد بن سعد فلا يقدمن معنا مكة، فإنه قد اتبع دين هود، وترك ديننا ثم خرجوا إلى مكة يستسقون بها لعاد، فلما ولو إلى مكة خرج مرثد بن سعد من منزل معاوية، حتى أدركهم بها قبل أن يدعوا الله بشيء مما خرجوا له فلما انتهى إليهم قام يدعو الله، وبها وفد عاد قد اجتمعوا يدعون. فقال: اللهم أعطني سؤلي وحدي، ولا تدخلني في شيء مما يدعوك به وفد عاد وكان قيل بن عتر رأس وفد عاد وقال وفد عاد: اللهم أعط قيلا ما سألك، واجعل سؤلنا مع سؤله وقد كان تخلف عن وفد عاد لقمان ابن عاد، وكان سيد عاد، حتى إذا فرغوا من دعوتهم قال: اللهم إني جئتك وحدي في حاجتي فأعطني سؤلي وقال قيل بن عتر حين دعا: يا إلهنا، إن كان هود صادقا فاسقنا فإنا قد هلكنا فأنشأ الله سحائب ثلاثا: بيضاء وحمراء، وسوداء، ثم ناداه مناد من السحاب: يا قيل، اختر لنفسك وقومك من هذا السحاب فقال: قد اخترت السحابة السوداء، فإنها أكثر السحاب ماء، فناداه مناد: اخترت رمادا رمددا، لا تبقي من عاد أحدا، لا والدا تترك ولا ولدا، إلا جعلته همدا، إلا بني اللوذية المهدى- وبنو اللوذية

стр. 220

بنو لقيم بن هزال بن هزيل بن هزيلة ابنة بكر، كانوا سكانا بمكة مع أخوالهم، لم يكونوا مع عاد بأرضهم، فهم عاد الآخرة، ومن كان من نسلهم الذين بقوا من عاد- وساق الله السحابة السوداء فيما يذكرون التي اختار قيل بن عتر بما فيها من النقمة إلى عاد، حتى خرجت عليهم من واد لهم يقال له المغيث ولما رأوها استبشروا بها، وقالوا: «هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا» ، يقول الله : «بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها» ، أي كل شيء أمرت به فكان أول من أبصر ما فيها أنها ريح- فيما يذكرون- امرأة من عاد يقال لها مهدد، لما تبينت ما فيها صاحت ثم صعقت، فلما أفاقت قالوا: ماذا رأيت يا مهدد؟ قالت: رأيت ريحا فيها كشهب النار، أمامها رجال يقودونها فسخرها الله عليهم «سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً» ، كما قال الله: والحسوم: الدائمة، فلم تدع من عاد أحدا إلا هلك. فاعتزل هود- فيما ذكر- ومن معه من المؤمنين في حظيرة، ما يصيبه ومن معه منها إلا ما تلين عليه الجلود، وتلتذ الأنفس، وانها لتمر من عاد بالظعن ما بين السماء والأرض، وتدمغهم بالحجارة وخرج وفد عاد من مكة حتى مروا بمعاوية بن بكر وابيه، فنزلوا عليه، فبيناهم عنده، إذ أقبل رجل على ناقة له في ليله مقمره مسى ثالثة من مصاب عاد، فأخبرهم الخبر، فقالوا: فأين فارقت هودا وأصحابه؟ قال: فارقتهم بساحل البحر، فكأنهم شكوا فيما حدثهم، فقالت هزيلة ابنة بكر: صدق ورب مكة ومثوب بن يعفر بن أخي معاوية بن بكر معهم وقد كان قيل- فيما يزعمون والله أعلم- لمرثد بن سعد ولقمان بن عاد، وقيل بن عتر حين دعوا بمكة: قد أعطيتم مناكم فاختاروا لأنفسكم، إلا أنه لا سبيل إلى الخلد، فإنه لا بد من الموت، فقال مرثد بن سعد: يا رب، أعطني برا وصدقا، فأعطي ذلك، وقال

стр. 221

لقمان بن عاد: أعطني عمرا، فقيل له: اختر لنفسك، إلا إنه لا سبيل إلى الخلد: بقاء ايعار ضأن عفر، في جبل وعر، لا يلقي به إلا القطر، أم سبعة أنسر إذا مضى نسر حلوت إلى نسر؟ فاختار لقمان لنفسه النسور، فعمر- فيما يزعمون- عمر سبعة أنسر، يأخذ الفرخ حين يخرج من بيضته، فيأخذ الذكر منها لقوته، حتى إذا مات أخذ غيره، فلم يزل يفعل ذلك، حتى أتى على السابع وكان كل نسر فيما زعموا يعيش ثمانين سنة، فلما لم يبق غير السابع قال ابن أخ للقمان: أي عم، ما بقي من عمرك إلا عمر هذا النسر، فقال له لقمان: أي ابن أخي: هذا لبد- ولبد بلسانهم الدهر- فلما أدرك نسر لقمان، وانقضى عمره، طارت النسور غداة من رأس الجبل، ولم ينهض فيها لبد، وكانت نسور لقمان تلك لا تغيب عنه، إنما هي بعينه فلما لم ير لقمان لبدا نهض مع النسور، نهض إلى الجبل لينظر ما فعل لبد، فوجد لقمان في نفسه وهنا لم يكن يجده قبل ذلك، فلما انتهى إلى الجبل رأى نسره لبدا واقعا من بين النسور، فناداه: انهض لبد، فذهب لبد لينهض فلم يستطع، عريت قوادمه وقد سقطت، فماتا جميعا. وقيل لقيل بن عتر حين سمع ما قيل له في السحاب: اختر لنفسك كما اختار صاحباك، فقال: أختار أن يصيبني ما أصاب قومي، فقيل: إنه الهلاك، قال: لا أبالي، لا حاجة لي في البقاء بعدهم فأصابه ما أصاب عادا من العذاب فهلك، فقال مرثد بن سعد بن عفير حين سمع من قول الراكب الذي أخبر عن عاد بما أخبر من الهلاك: عصت عاد رسولهم فأمسوا ... عطاشا ما تبلهم السماء وسير وفدهم شهرا ليسقوا ... فأردفهم مع العطش العماء بكفرهم بربهم جهارا ... على آثار عادهم العفاء ألا نزع الإله حلوم عاد ... فإن قلوبهم قفر هواء

стр. 222

من الخبر المبين أن يعوه ... وما تغني النصيحة والشفاء فنفسي وابنتاي وأم ولدي ... لنفس نبينا هود فداء أتانا والقلوب مصمدات ... على ظلم، وقد ذهب الضياء لنا صنم يقال له صمود ... يقابله صداء والهباء فأبصره الذين له أنابوا ... وأدرك من يكذبه الشقاء فإني سوف ألحق آل هود ... وإخوته إذا جن المساء وقيل: إن رئيسهم وكبيرهم في ذلك الزمان الخلجان. حَدَّثَنِي العباس بن الوليد، قال: حَدَّثَنَا أبي، عن إسماعيل بن عياش، عن محمد بن إسحاق، قال: لما خرجت الريح على عاد من الوادي، قال سبعة رهط منهم، أحدهم الخلجان: تعالوا حتى نقوم على شفير الوادي فنردها، فجعلت الريح تدخل تحت الواحد منهم فتحمله، ثم ترمي به فتندق عنقه، فتتركهم كما قال الله : «صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ» حتى لم يبق منهم إلا الخلجان، فمال إلى الجبل، فأخذ بجانب منه، فهزه فاهتز في يده، ثم أنشأ يقول: لم يبق الا الخلجان نفسه ... نالك من يوم دهاني أمسه بثابت الوطء شديد وطسه ... لو لم يجئني جئته أجسه فقال له هود: ويحك يا خلجان! أسلم تسلم، فقال له: وما لي عند ربك إن أسلمت؟ قال: الجنة، قال: فما هؤلاء الذين أراهم في هذا السحاب كأنهم البخت، قال هود: تلك ملائكة ربي، قال: فإن أسلمت أيعيذني ربك منهم؟ قال: ويلك! هل رأيت ملكا يعيذ من جنده! قال: لو فعل ما رضيت، قال: ثم جاءت الريح فألحقته بأصحابه، أو كلاما هذا معناه قال أبو جعفر: فأهلك الله الخلجان، وأفنى عادا خلا من بقي

стр. 223

منهم، ثم بادوا بعد، ونجى الله هودا ومن آمن به وقيل: كان عمر هود مائة سنة وخمسين سنة. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قال: «وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً. قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ» ، إن عادا أتاهم هود، فوعظهم وذكرهم بما قص الله في القرآن، فكذبوه وكفروا، وسألوه أن يأتيهم العذاب فقال لهم: «إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ» ، وإن عادا أصابهم حين كفروا قحط من المطر، حتى جهدوا لذلك جهدا شديدا، وذلك أن هودا دعا عليهم، فبعث الله عليهم الريح العقيم، وهي الريح التي لا تلقح الشجر، فلما نظروا إليها قالوا: هذا عارض ممطرنا، فلما دنت منهم نظروا إلى الإبل والرجال، تطير بهم الريح بين السماء والأرض، فلما راوها تبادروا الى البيوت، حتى دخلوا البيوت دخلت عليهم فأهلكتهم فيها، ثم أخرجتهم من البيوت، فأصابتهم «فِي يَوْمِ نَحْسٍ» ، والنحس هو الشؤم «مُسْتَمِرٍّ» استمر عليهم بالعذاب «سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً» ، حسمت كل شيء مرت به، حتى أخرجتهم من البيوت، قال الله ﵎: «تَنْزِعُ النَّاسَ» عن البيوت، «كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ» ، انقعر من أصوله «خاوِيَةٍ» خوت فسقطت، فلما أهلكهم الله أرسل عليهم طيرا سودا، فنقلتهم الى البحر،

стр. 224

فألقتهم فيه، فذلك قوله : «فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ» . ولم تخرج الريح قط إلا بمكيال إلا يومئذ، فإنها عتت على الخزنة فغلبتهم، فلم يعلموا كم كان مكيالها؟ فذلك قوله: «فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ» . والصرصر: ذات الصوت الشديد. حَدَّثَنِي محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد، أنه سمع وهبا يقول: إن عادا لما عذبهم الله بالريح التي عذبوا بها، كانت تقلع الشجرة العظيمة بعروقها وتهدم عليهم بيوتهم، فمن لم يكن في بيت هبت به الريح حتى تقطعه بالجبال، فهلكوا بذلك كلهم وأما ثمود فإنهم عتوا على ربهم، وكفروا به، وأفسدوا في الأرض، فبعث الله إليهم صالح بن عبيد بن أسف بن ماسخ بن عبيد بن خادر بن ثمود ابن جاثر بن إرم بن سام بن نوح، رسولا يدعوهم إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة. وقيل: صالح، هو صالح بن أسف بن كماشج بن إرم بن ثمود بن جاثر ابن إرم بن سام بن نوح. فكان من جوابهم له ان قالوا له: «يَا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ» وكان الله قد مدلهم في الأعمار، وكانوا يسكنون الحجر

стр. 225

إلى وادي القرى، بين الحجاز والشام، ولم يزل صالح يدعوهم إلى الله على تمردهم وطغيانهم، فلا يزيدهم دعاؤه إياهم إلى الله إلا مباعدة من الإجابة، فلما طال ذلك من أمرهم وأمر صالح قالوا له: إن كنت صادقا فأتنا بآية. فكان من أمرهم وأمره مَا حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: قَالَتْ ثَمُودُ لِصَالِحٍ: ائْتِنَا بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ صَالِحٌ: اخْرُجُوا إِلَى هَضَبَةٍ مِنَ الأَرْضِ، فَإِذَا هِيَ تَتَمَخَّضُ كَمَا تَتَمَخَّضُ الْحَامِلُ، ثُمَّ تَفَرَّجَتْ فَخَرَجَتْ من وسطها الناقه، فقال صالح ع: «هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» «لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ» فَلَمَّا مَلُّوهَا عَقَرُوهَا، فَقَالَ لَهُمْ: «تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ» قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: وَحَدَّثَنِي رَجُلٌ آخَرُ أَنَّ صَالِحًا قَالَ لَهُمْ: إِنَّ آيَةَ الْعَذَابِ أَنْ تُصْبِحُوا غَدًا حُمْرًا، وَالْيَوْمَ الثَّانِي صُفْرًا، وَالْيَوْمَ الثَّالِثَ سُودًا، فَصَبَّحَهُمُ الْعَذَابُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ تَحَنَّطُوا وَاسْتَعَدُّوا. حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، قال: حدثني حجاج، عن أبي بكر بن عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ، قَالَ: قُلْنَا لَهُ: حَدِّثْنَا حَدِيثَ ثَمُودَ، قَالَ: أُحَدِّثُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص عَنْ ثَمُودَ. كَانَتْ ثَمُودُ قَوْمَ صَالِحٍ عَمَّرَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا، فَأَطَالَ أَعْمَارَهُمْ حَتَّى جَعَلَ أَحَدُهُمْ يَبْنِي الْمَسْكَنَ مِنَ الْمَدَرِ فَيَتَهَدَّمَ وَالرَّجُلُ مِنْهُمْ حَيٌّ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ اتَّخَذُوا مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ، فَنَحَتُوهَا وَجَابُّوهَا وجوفوها،

стр. 226

وَكَانُوا فِي سَعَةٍ مِنْ مَعَايِشِهِمْ، فَقَالُوا: يَا صَالِحُ، ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا آيَةً نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ فَدَعَا صَالِحٌ رَبَّهُ، فَأَخْرَجَ لَهُمُ النَّاقَةَ فَكَانَ شِرْبُهَا يَوْمًا وَشِرْبُهُمْ يَوْمًا مَعْلُومًا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ شِرْبِهَا خَلَّوْا عنها وعن الماء، وحلبوها لبنا، ملئوا كُلَّ إِنَاءٍ وَوِعَاءٍ وَسِقَاءٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ شِرْبِهِمْ صَرَفُوهَا عَنِ الْمَاءِ وَلَمْ تَشْرَبْ مِنْهُ شَيْئًا، فَمَلَئُوا كُلَّ إِنَاءٍ وَوِعَاءٍ وَسِقَاءٍ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى صَالِحٍ إِنَّ قَوْمَكَ سَيَعْقِرُونَ نَاقَتَكَ، فَقَالَ لَهُمْ، فَقَالُوا: مَا كُنَّا لِنَفْعَلَ، قَالَ: إِلا تَعْقِرُوهَا أَنْتُمْ أَوْشَكَ أَنْ يُولَدَ فِيكُمْ مَوْلُودٌ يَعْقِرُهَا، قَالُوا: مَا عَلامَةُ ذلك المولود؟ فو الله لا نَجِدُهُ إِلا قَتَلْنَاهُ، قَالَ: فَإِنَّهُ غُلامٌ أَشْقَرُ أَزْرَقُ أَصْهَبُ أَحْمَرُ، قَالَ: فَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ شَيْخَانِ عَزِيزَانِ مَنِيعَانِ، لأَحَدِهِمَا ابْنٌ يَرْغَبُ لَهُ عَنِ الْمَنَاكِحِ، وَلِلآخَرِ ابْنَةٌ لا يَجِدُ لها كفئا، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا مَجْلِسٌ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُزَوِّجَ ابْنَكَ؟ قَالَ: لا أَجِدُ لَهُ كُفْئًا، قَالَ: فَإِنَّ ابْنَتِي كُفْءٌ لَهُ، وانا ازوجك، فزوجه فَوُلِدَ مِنْهُمَا ذَلِكَ الْمَوْلُودُ. وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ ثَمَانِيَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ، فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ صَالِحٌ: إِنَّمَا يَعْقِرُهَا مَوْلُودٌ فِيكُمْ، اخْتَارُوا ثَمَانِيَ نِسْوَةً قَوَابِلَ مِنَ الْقَرْيَةِ، وَجَعَلُوا مَعَهُنَّ شُرَطًا كَانُوا يَطُوفُونَ فِي الْقَرْيَةِ، فَإِذَا وَجَدُوا الْمَرْأَةَ تَمْخِضُ نَظَرُوا مَا وَلَدُهَا؟ فَإِنْ كَانَ غُلامًا قَتَلْنَهُ، وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً اعرضن عنها، فلما وجدوا ذلك المولود صرخ النِّسْوَةُ، وَقُلْنَ: هَذَا الَّذِي يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ صالح، فاراد الشرط ان يأخذوها، فَحَالَ جَدَّاهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ وَقَالُوا: إِنْ أَرَادَ صَالِحٌ هَذَا قَتَلْنَاهُ، وَكَانَ شَرَّ مَوْلُودٍ، وَكَانَ يَشِبُّ فِي الْيَوْمِ شَبَابَ غَيْرِهِ فِي الْجُمُعَةِ، ويشب

стр. 227

فِي الْجُمُعَةِ شَبَابَ غَيْرِهِ فِي الشَّهْرِ، وَيَشِبُّ فِي الشَّهْرِ شَبَابَ غَيْرِهِ فِي السَّنَةِ، فَاجْتَمَعَ الثَّمَانِيَةُ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ، وَفِيهِمُ الشَّيْخَانِ، فَقَالُوا: اسْتَعْمِلْ عَلَيْنَا هَذَا الْغُلامَ لِمَنْزِلَتِهِ وَشَرَفِ جَدَّيْهِ، فَصَارُوا تِسْعَةً، وَكَانَ صَالِحٌ ع لا يَنَامُ مَعَهُمْ فِي الْقَرْيَةِ، بَلْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ يُقَالُ لَهُ مَسْجِدُ صَالِحٍ، فِيهِ يَبِيتُ بِاللَّيْلِ، فَإِذَا أَصْبَحَ أَتَاهُمْ فَوَعَظَهُمْ وَذَكَّرَهُمْ، فَإِذَا أَمْسَى خَرَجَ إِلَى مَسْجِدِهِ فَبَاتَ فِيهِ. قَالَ حَجَّاجٌ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لَمَّا قَالَ لهم صالح ع: إِنَّهُ سَيُولَدُ غُلامٌ يَكُونُ هَلاكُهُمْ عَلَى يَدَيْهِ، قَالُوا: فَكَيْفَ تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: آمُرُكُمْ بِقَتْلِهِمْ، فَقَتَلُوهُمْ إِلا وَاحِدًا، قَالَ: فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمَوْلُودَ قَالُوا: لَوْ كُنَّا لَمْ نَقْتُلْ أَوْلادَنَا لَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا مِثْلُ هَذَا، هَذَا عَمَلُ صالح! فائتمروا بَيْنَهُمْ بِقَتْلِهِ، وَقَالُوا: نَخْرُجُ مُسَافِرِينَ وَالنَّاسُ يَرَوْنَنَا عَلانِيَةً، ثُمَّ نَرْجِعُ مِنْ لَيْلَةِ كَذَا وَكَذَا فَنَرْصُدُهُ عِنْدَ مُصَلاهُ فَنَقْتُلُهُ، فَلا يَحْسَبُ النَّاسُ إِلا أَنَّا مُسَافِرُونَ كَمَا نَحْنُ. فَأَقْبَلُوا حَتَّى دَخَلُوا تَحْتَ صَخْرَةٍ يَرْصُدُونَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الصَّخْرَةَ فَرَضَخَتْهُمْ فَأَصْبَحُوا رَضْخًا، فَانْطَلَقَ رِجَالٌ مِمَّنْ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَإِذَا هُمْ رَضْخٌ، فَرَجَعُوا يَصِيحُونَ فِي الْقَرْيَةِ: أَيْ عِبَادَ اللَّهِ، أَمَا رَضِيَ صَالِحٌ أَنْ أَمَرَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوا أَوْلادَهُمْ حَتَّى قَتَلَهُمْ! فَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ عَلَى عَقْرِ النَّاقَةِ أَجْمَعُونَ، فَأَحْجَمُوا عَنْهَا إِلا ذَلِكَ ابْنُ الْعَاشِرِ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: ثُمَّ رَجَعَ الْحَدِيثُ إِلَى حَدِيثِ رَسُولِ الله ص، قَالَ: فَأَرَادُوا أَنْ يَمْكُرُوا بِصَالِحٍ، فَمَشَوْا حَتَّى أَتَوْا عَلَى سَرَبٍ عَلَى طَرِيقِ صَالِحٍ، فَاخْتَبَأَ فيه ثمانية وقالوا: إِذَا خَرَجَ عَلَيْنَا قَتَلْنَاهُ وَأَتَيْنَا أَهْلَهُ فَبَيَّتْنَاهُمْ، فَأَمَرَ اللَّهُ الأَرْضَ فَاسْتَوَتْ عَلَيْهِمْ، قَالَ: فَاجْتَمَعُوا وَمَشَوْا إِلَى النَّاقَةِ، وَهِيَ عَلَى حَوْضِهَا قَائِمَةٌ، فَقَالَ الشَّقِيُّ لأَحَدِهِمُ: ائْتِهَا فَاعْقِرْهَا، فَأَتَاهَا، فَتَعَاظَمَهُ ذَلِكَ، فَأَضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ، فَبَعَثَ آخَرَ فَأَعْظَمَ ذَلِكَ، فَجَعَلَ لا يَبْعَثُ أَحَدًا إِلا تَعَاظَمَهُ أَمْرُهَا، حَتَّى مَشَى إِلَيْهَا وَتَطَاوَلَ

стр. 228

فَضَرَبَ عُرْقُوبَيْهَا، فَوَقَعَتْ تَرْكُضُ فَأَتَى رَجُلٌ مِنْهُمْ صَالِحًا فَقَالَ: أَدْرِكِ النَّاقَةَ فَقَدْ عُقِرَتْ فَأَقْبَلَ، فَخَرَجُوا يَتَلَقَّوْنَهُ وَيَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّمَا عَقَرَهَا فُلانٌ، إِنَّهُ لا ذَنْبَ لَنَا، قَالَ: انْظُرُوا هَلْ تُدْرِكُونَ فَصِيلَهَا! فَإِنْ أَدْرَكْتُمُوهُ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَ عَنْكُمُ الْعَذَابَ! فَخَرَجُوا يَطْلُبُونَهُ فَلَمَّا رَأَى الْفَصِيلُ أُمَّهُ تَضْطَرِبُ أَتَى جَبَلا- يُقَالُ لَهُ: الْقَارَةُ- قَصِيرًا فَصَعِدَهُ وَذَهَبُوا لِيَأْخُذُوهُ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْجَبَلِ، فَطَالَ فِي السَّمَاءِ حَتَّى مَا تَنَالُهُ الطَّيْرُ، قَالَ: وَدَخَلَ صَالِحٌ الْقَرْيَةَ، فَلَمَّا رَآهُ الْفَصِيلُ بَكَى حَتَّى سَالَتْ دُمُوعُهُ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ صَالِحًا، فَرَغَا رَغْوَةً، ثُمَّ رَغَا أُخْرَى، ثُمَّ رَغَا أُخْرَى فَقَالَ صَالِحٌ: لِكُلِّ رَغْوَةٍ أَجَلُ يَوْمٍ، تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ، إِلا أَنَّ آيَةَ الْعَذَابِ أَنَّ الْيَوْمَ الأَوَّلَ تُصْبِحُ وُجُوهُكُمْ مُصْفَرَّةً، وَالْيَوْمَ الثَّانِيَ مُحْمَرَّةً، وَالْيَوْمَ الثَّالِثَ مُسْوَدَّةً، فَلَمَّا أَصْبَحُوا إِذَا وُجُوهُهُمْ كَأَنَّمَا طُلِيَتْ بِالْخَلُوقِ، صَغِيرُهُمْ وَكَبِيرُهُمْ، ذَكَرُهُمْ وَأُنْثَاهُمْ، فَلَمَّا أَمْسَوْا صَاحُوا بِأَجْمَعِهِمْ: أَلا قَدْ مَضَى يَوْمٌ مِنَ الأَجَلِ وَحَضَرَكُمُ الْعَذَابُ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا الْيَوْمَ الثَّانِي إِذَا وُجُوهُهُمْ مُحْمَرَّةٌ، كَأَنَّمَا خُضِبَتْ بِالدِّمَاءِ، فَصَاحُوا وَضَجُّوا وَبَكَوْا وَعَرَفُوا أَنَّهُ الْعَذَابُ فَلَمَّا أَمْسَوْا صَاحُوا بِأَجْمَعِهِمْ: أَلا قَدْ مَضَى يَوْمَانِ مِنَ الأَجَلِ، وَحَضَرَكُمُ الْعَذَابُ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا الْيَوْمَ الثَّالِثَ فَإِذَا وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ كَأَنَّمَا طُلِيَتْ بِالْقَارِ، فَصَاحُوا جَمِيعًا: أَلا قَدْ حَضَرَكُمُ الْعَذَابُ، فَتَكَفَّنُوا وَتَحَنَّطُوا، وَكَانَ حُنُوطُهُمُ الصَّبْرَ وَالْمَقِرَ، وَكَانَتْ أَكْفَانُهُمُ الأَنْطَاعَ، ثُمَّ أَلْقَوْا أَنْفُسَهُمْ إِلَى الأَرْضِ، فَجَعَلُوا يُقَلِّبُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ مَرَّةً، وَإِلَى الأَرْضِ مَرَّةً، لا يَدْرُونَ مِنْ حَيْثُ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ، مِنْ فَوْقِهِمْ مِنَ السَّمَاءِ، أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنَ الأَرْضِ خُشُعًا وَفُرُقًا، فَلَمَّا أَصْبَحُوا الْيَوْمَ الرَّابِعَ أَتَتْهُمْ صَيْحَةٌ مِنَ السَّمَاءِ فِيهَا صَوْتُ كُلِّ صَاعِقَةٍ وَصَوْتُ كُلِّ شَيْءٍ لَهُ صَوْتٌ فِي الأَرْضِ، فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ

стр. 229

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّهُ لَمَّا أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ أَهْلَكَ اللَّهُ مَنْ بَيْنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ مِنْهُمْ، إِلا رَجُلا وَاحِدًا كَانَ فِي حَرَمِ اللَّهِ، مَنَعَهُ حَرَمُ اللَّهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ قِيلَ: وَمَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ:؟ قَالَ: أَبُو رِغَالٍ، [وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص حِينَ أَتَى عَلَى قَرْيَةِ ثَمُودَ لأَصْحَابِهِ: لا يَدْخُلَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْقَرْيَةَ، وَلا تَشْرَبُوا مِنْ مَائِهِمْ،] وَأَرَاهُمْ مُرْتَقَى الْفَصِيلِ، حِينَ ارْتَقَى فِي الْقَارَةِ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي موسى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابن عمران، [ان النبي ص حِينَ أَتَى عَلَى قَرْيَةِ ثَمُودَ قَالَ: لا تَدْخُلَنَّ عَلَى هَؤُلاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ] . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: [إِنَّ النبي ص لَمَّا أَتَى عَلَى الْحِجْرِ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَلا تَسْأَلُوا رَسُولَكُمُ الآيَاتِ، هَؤُلاءُ قَوْمُ صَالِحٍ سَأَلُوا رَسُولَهُمُ الآيَةَ، فَبَعَثَ اللَّهُ لَهُمُ النَّاقَةَ، فَكَانَتْ تَرِدُ مِنْ هَذَا الْفَجِّ وَتَصْدُرُ مِنْ هَذَا الْفَجِّ، فَتَشْرَبُ مَاءَهُمْ يَوْمَ وِرْدِهَا] . حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الأَشْجَعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ عبد الله بن عثمان بن خثيم، قال: حدثنا ابو الطفيل قال: [لما غزا رسول الله ص غَزَاةَ تَبُوكَ، نَزَلَ الْحِجْرَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ لا تَسْأَلُوا نَبِيَّكُمُ الآيَاتِ، هَؤُلاءِ قَوْمُ صَالِحٍ سَأَلُوا نَبِيَّهُمْ أَنْ يَبْعَثَ لَهُمْ آيَةً، فَبَعَثَ اللَّهُ تعالى ذِكْرُهُ لَهُمُ النَّاقَةَ آيَةً، فَكَانَتْ تَلِجُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ وِرْدِهَا مِنْ هَذَا الْفَجِّ فَتَشْرَبُ مَاءَهُمْ، وَيَوْمَ وِرْدِهِمْ كَانُوا يَتَزَوَّدُونَ مِنْهُ، ثُمَّ يَحْلِبُونَهَا مِثْلَ مَا كَانُوا يَتَزَوَّدُونَ مِنْ مَائِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ لَبَنًا، ثُمَّ تَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ الْفَجِّ فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَعَقَرُوهَا، فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ الْعَذَابَ بَعْدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ،

стр. 230

وَكَانَ وَعْدًا مِنَ اللَّهِ غَيْرَ مَكْذُوبٍ، فَأَهْلَكَ اللَّهُ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي مَشَارِقِ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا إِلا رَجُلا وَاحِدًا كَانَ فِي حَرَمِ اللَّهِ، فَمَنَعَهُ حَرَمُ اللَّهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، قَالُوا: وَمَنْ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَبُو رِغَالٍ] . فَأَمَّا أَهْلُ التَّوْرَاةِ فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لا ذِكْرَ لِعَادٍ وَلا ثَمُودَ وَلا لِهُودٍ وَصَالِحٍ فِي التَّوْرَاةِ، وَأَمْرُهُمْ عِنْدَ الْعَرَبِ فِي الشُّهْرَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالإِسْلامِ كَشُهْرَةِ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمِهِ. قَالَ: وَلَوْلا كَرَاهَةُ إِطَالَةِ الْكِتَابِ بِمَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ، لَذَكَرْتُ مِنْ شِعْرِ شُعَرَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ الَّذِي قِيلَ فِي عَادٍ وَثَمُودَ وَأُمُورِهِمْ بَعْضَ مَا قِيلَ مَا يَعْلَمُ بِهِ مَنْ ظَنَّ خِلافَ مَا قُلْنَا فِي شُهْرَةِ أَمْرِهِمْ فِي الْعَرَبِ صِحَّةَ ذَلِكَ وَمِنْ أَهْلِ العلم من يزعم ان صالحا ع تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَأَنَّهُ أَقَامَ فِي قَوْمِهِ عِشْرِينَ سَنَةً. قال أبو جعفر: نرجع الآن إلى:

стр. 231

ذكر ابراهيم خليل الرحمن ع وذكر من كان في عصره من ملوك العجم إذ كنا قد ذكرنا من بينه وبين نوح من الآباء وتأريخ السنين التي مضت قبل ذلك وهو ابراهيم بن تارخ بن ناحور بن ساروغ بن أرغوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن قينان بن ارفخشد بن سام بن نوح. واختلفوا في الموضع الذي كان منه، والموضع الذي ولد فيه، فقال بعضهم: كان مولده بالسوس من أرض الأهواز، وقال بعضهم: كان مولده ببابل من أرض السواد وقال بعضهم: كان بالسواد بناحية كوثى وقال بعضهم: كان مولده بالوركاء بناحية الزوابي وحدود كسكر، ثم نقله أبوه إلى الموضع الذي كان به نمرود من ناحية كوثى وقال بعضهم: كان مولده بحران، ولكن أباه تارخ نقله إلى أرض بابل وقال عامة السلف من أهل العلم: كان مولد ابراهيم ع في عهد نمرود بن كوش ويقول عامة أهل الأخبار: كان نمرود عاملا للإزدهاق الذي زعم بعض من زعم ان نوحا ع كان مبعوثا إليه على أرض بابل وما حولها وأما جماعة من سلف العلماء فإنهم يقولون: كان ملكا برأسه، واسمه الذي هو اسمه فيما قيل: زرهى بن طهماسلفان. وقد حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمة، قال: حَدَّثَنَا محمد بن إسحاق- فيما ذكر لنا والله أعلم- أن آزر كان رجلا من أهل كوثى، من قرية بالسواد سواد الكوفة، وكان إذ ذاك ملك المشرق لنمرود الخاطئ، وكان يقال له الهاصر، وكان ملكه- فيما يزعمون- قد أحاط بمشارق الأرض ومغاربها، وكان ببابل، قال: وكان ملكه وملك قومه بالمشرق قبل ملك فارس. قال: ويقال لم يجتمع ملك الأرض ولم يجتمع الناس على ملك واحد إلا

стр. 232

على ثلاثة ملوك: نمرود بن أرغوا، وذي القرنين، وسليمان بن داود. وقال بعضهم: نمرود هو الضحاك نفسه. حدثت عن هشام بن محمد، قال: بلغنا والله أعلم أن الضحاك هو نمرود، وأن إبراهيم خليل الرحمن ولد في زمانه، وأنه صاحبه الذي أراد إحراقه. حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ- وَعَنْ مُرَّةَ الهمداني عن ابن مسعود- وعن ناس من اصحاب النبي ص إِنَّ أَوَّلَ مَلِكٍ مَلَكَ فِي الأَرْضِ شَرْقَهَا وغربها نمرود بن كنعان ابن كُوشَ بْنِ سَامَ بْنِ نُوحٍ، وَكَانَتِ الْمُلُوكُ الَّذِينَ مَلَكُوا الأَرْضَ كُلَّهَا أَرْبَعَةً: نَمْرُودُ، وَسُلَيْمَانُ بن داود، وذو القرنين، وبختنصر: مُؤْمِنَانِ وَكَافِرَانِ. وقال ابن إسحاق فيما حَدَّثَنِي ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ ابن إسحاق: فلما أراد الله أن يبعث ابراهيم ع خليل الرحمن حجة على قومه ورسولا إلى عباده، ولم يكن فيما بين نوح وإبراهيم ع من نبي قبله إلا هود وصالح، فلما تقارب زمان إبراهيم الذي أراد الله تعالى ذكره ما أراد، أتى أصحاب النجوم نمرود، فقالوا له: تعلم أنا نجد في علمنا أن غلاما يولد في قريتك هذه يقال له إبراهيم، يفارق دينكم، ويكسر أوثانكم، في شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا فلما دخلت السنة التي وصف أصحاب النجوم لنمرود، بعث نمرود إلى كل امرأة حبلى بقريته، فحبسها عنده، إلا ما كان من أم إبراهيم امرأة آزر فإنه لم يعلم بحبلها، وذلك أنها كانت جارية- حدثه فيما يذكر- لم يعرف الحبل في بطنها، فجعل لا تلد امرأة غلاما في ذلك الشهر من تلك السنة إلا أمر به فذبح، فلما وجدت أم إبراهيم الطلق خرجت ليلا إلى مغارة كانت قريبا منها، فولدت فيها ابراهيم ع، وأصلحت من شأنه ما يصنع بالمولود، ثم سدت عليه المغارة، ثم رجعت إلى بيتها، ثم كانت تطالعه في المغارة لتنظر ما فعل، فتجده حيا

стр. 233

يمص إبهامه يزعمون- والله أعلم- أن الله جعل رزق ابراهيم ع فيها ما يجيئه من مصه، وكان آزر فيما يزعمون قد سأل أم إبراهيم عن حملها ما فعل، فقالت: ولدت غلاما فمات فصدقها فسكت عنها، وكان اليوم- فيما يذكرون- على إبراهيم في الشباب كالشهر، والشهر كالسنة، ولم يمكث ابراهيم ع في المغارة إلا خمسة عشر شهرا، حتى قال لأمه: أخرجيني أنظر، فأخرجته عشاء، فنظر وتفكر في خلق السموات والأرض، وقال: إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لربي، ما لي إله غيره ثم نظر في السماء ورأى كوكبا، فقال: «هذا رَبِّي» ، ثم اتبعه ينظر إليه ببصره حتى غاب «فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ» ، ثم اطلع للقمر فرآه بازغا فقال: «هذا رَبِّي» ثم أتبعه ببصره حتى غاب «فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ» فلما دخل عليه النهار وطلعت الشمس رأى عظم الشمس ورأى شيئا هو أعظم نورا من كل شيء رآه قبل ذلك، فقال: «هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ، فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» . ثم رجع إبراهيم إلى أبيه آزر وقد استقامت وجهته، وعرف ربه وبريء من دين قومه إلا أنه لم يبادهم بذلك، فأخبره أنه ابنه، فأخبرته أم إبراهيم ع أنه ابنه، فأخبرته بما كانت صنعت في شأنه، فسر بذلك آزر وفرح فرحا شديدا، وكان آزر يصنع أصنام قومه التي يعبدون، ثم يعطيها إبراهيم يبيعها، فيذهب بها إبراهيم ع فيما يذكرون فيقول: من يشتري ما يضره ولا ينفعه! فلا يشتريها منه أحد، فإذا بارت عليه ذهب بها إلى نهر فصوب فيه رءوسها، وقال: اشربي- استهزاء بقومه، وبما هم عليه من الضلالة- حتى فشا عيبه إياها، واستهزاؤه بها في قومه وأهل قريته،

стр. 234

من غير أن يكون ذلك بلغ نمرود الملك ثم إنه لما بدا لإبراهيم أن يبادي قومه بخلاف ما هم عليه وبأمر الله والدعاء إليه «نظر نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ» ، يقول الله : «فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ» ، وقوله: «إِنِّي سَقِيمٌ» اى طعين، او لسقم كانوا يهربون منه إذا سمعوا به، وإنما يريد إبراهيم أن يخرجوا عنه ليبلغ من أصنامهم الذي يريد فلما خرجوا عنه خالف إلى أصنامهم التي كانوا يعبدون من دون الله، فقرب لها طعاما، ثم قال: ألا تأكلون! ما لكم لا تنطقون! تعييرا في شأنها واستهزاء بها. وقال في ذلك غير ابن إسحاق، مَا حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أَبِي صَالِحٍ، وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ عباس- وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود- وعن اناس من اصحاب النبي ص: كان من شان ابراهيم ع أَنَّهُ طَلَعَ كَوْكَبٌ عَلَى نُمْرُودَ، فَذَهَبَ بِضَوْءِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، فَفَزِعَ مِنْ ذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا، فَدَعَا السَّحَرَةَ وَالْكَهَنَةَ وَالْقَافَّةَ وَالْحَازَّةَ، فَسَأَلَهُمْ عَنْهُ، فَقَالُوا: يَخْرُجُ مِنْ مُلْكِكَ رَجُلٌ يَكُونُ عَلَى وَجْهِهِ هَلاكُكَ وَهَلاكُ مُلْكِكَ- وَكَانَ مَسْكَنُهُ بِبَابِلَ الْكُوفَةَ- فَخَرَجَ مِنْ قَرْيَتِهِ إِلَى قَرْيَةٍ أُخْرَى، فاخرج الرجال وترك النساء، وامر الا يُولَدَ مَوْلُودٌ ذَكَرٌ إِلا ذَبَحَهُ، فَذَبَحَ أَوْلادَهُمْ ثُمَّ إِنَّهُ بَدَتْ لَهُ حَاجَةٌ فِي الْمَدِينَةِ لَمْ يَأْمَنْ عَلَيْهَا إِلا آزَرَ أَبَا إِبْرَاهِيمَ، فَدَعَاهُ فَأَرْسَلَهُ. فَقَالَ لَهُ انْظُرْ لا تُوَاقِعْ أَهْلَكَ، فَقَالَ لَهُ آزَرُ: أَنَا أَضِنُّ بِدِينِي مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا دَخَلَ الْقَرْيَةَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِهِ فَلَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ أَنْ وَقَعَ عَلَيْهَا، فَقَرَّبَهَا إِلَى قَرْيَةٍ بَيْنَ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ، يُقَالُ لَهَا أُورُ، فَجَعَلَهَا فِي سَرَبٍ، فَكَانَ يَتَعَاهَدَهَا بالطعام

стр. 235

وَالشَّرَابِ وَمَا يُصْلِحُهَا وَإِنَّ الْمَلِكَ لَمَّا طَالَ عَلَيْهِ الأَمْرُ قَالَ: قَوْلُ سَحَرَةٍ كَذَّابِينَ. ارْجِعُوا إِلَى بَلَدِكُمْ، فَرَجَعَوا وَوُلِدَ إِبْرَاهِيمُ فَكَانَ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَمُرُّ كَأَنَّهُ جُمُعَةٌ، وَالْجُمُعَةُ كَالشَّهْرِ، وَالشَّهْرُ كَالسَّنَةِ مِنْ سُرْعَةِ شَبَابِهِ، وَنَسِيَ الْمَلِكُ ذلك، وكبر ابراهيم ولا يَرَى أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْخَلْقِ غَيْرَهُ وَغَيْرَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَقَالَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ لأَصْحَابِهِ: إِنَّ لِي ابْنًا قَدْ خَبَّأْتُهُ، أَفَتَخَافُونَ عَلَيْهِ الْمَلِكَ إِنْ أَنَا جِئْتُ بِهِ؟ قَالُوا: لا، فَأْتِ بِهِ فَانْطَلَقَ فَأَخْرَجَهُ، فَلَمَّا خَرَجَ الْغُلامُ مِنَ السَّرَبِ نَظَرَ إِلَى الدَّوَابِّ وَالْبَهَائِمِ وَالْخَلْقِ، فَجَعَلَ يَسْأَلُ أَبَاهُ: مَا هَذَا؟ فَيُخْبِرُهُ عَنِ الْبَعِيرِ أَنَّهُ بَعِيرٌ، وَعَنِ الْبَقَرَةِ أَنَّهَا بَقَرَةٌ، وَعَنِ الْفَرَسِ أَنَّهُ فَرَسٌ، وَعَنِ الشَّاةِ أَنَّهَا شَاةٌ، فَقَالَ: مَا لِهَؤُلاءِ الْخَلْقِ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ رَبٌّ، وَكَانَ خُرُوجُهُ حِينَ خَرَجَ مِنَ السَّرَبِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا هُوَ بِالْكَوْكَبِ وَهُوَ الْمُشْتَرى، فَقَالَ: «هَذَا رَبِّي» ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ غَابَ، فَقَالَ «لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ» ، أَيْ لا أُحِبُّ رَبًّا يَغِيبُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَخَرَجَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَرَ الْقَمَرَ قَبْلَ الْكَوَاكِبِ، فَلَمَّا كَانَ آخِرُ اللَّيْلِ رَأَى الْقَمَرَ بِازِغًا قَدْ طَلَعَ، فَقَالَ: «هَذَا رَبِّي، فَلَمَّا أَفَلَ» يَقُولُ: غَابَ، «قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ» ، فَلَمَّا أَصْبَحَ وَرَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً، قالَ: «هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ» ، فَلَمَّا غَابَتْ قَالَ اللَّهُ لَهُ: أَسْلِمْ، قال: قد أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ثم اتى قَوْمَهُ فَدَعَاهُمْ فَقَالَ: «يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً» يَقُولُ مُخْلِصًا: فَجَعَلَ يَدْعُو قَوْمَهُ وَيُنْذِرُهُمْ. وَكَانَ أَبُوهُ يَصْنَعُ الأَصْنَامَ فَيُعْطِيهَا وَلَدَهُ فَيَبِيعُونَهَا، وَكَانَ يُعْطِيهِ فَيُنَادِي: مَنْ يَشْتَرِي مَا يَضُرُّهُ وَلا يَنْفَعُهُ؟ فَيَرْجِعُ إِخْوَتُهُ وَقَدْ بَاعُوا أَصْنَامَهُمْ، وَيَرْجِعُ إِبْرَاهِيمُ بِأَصْنَامِهِ كَمَا هِيَ، ثُمَّ دَعَا أَبَاهُ فَقَالَ: «يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً » قَالَ: «أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا» قال: ابدا ثم قَالَ لَهُ أَبُوهُ:

стр. 236

يَا إِبْرَاهِيمُ، إِنَّ لَنَا عِيدًا لَوْ قَدْ خَرَجْتَ مَعَنَا لأَعْجَبَكَ دِينُنَا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ الْعِيدِ، فَخَرَجُوا إِلَيْهِ خَرَجَ مَعَهُمْ إِبْرَاهِيمُ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ أَلْقَى نَفْسَهُ وَقَالَ: «إِنِّي سَقِيمٌ» ، يَقُولُ: أَشْتَكِي رِجْلِي، فَتَوَطَّئُوا رِجْلَيْهِ، وَهُوَ صَرِيعٌ، فَلَمَّا مَضَوْا نَادَى فِي آخِرِهِمْ وَقَدْ بقي ضعفى الناس: «تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ» فَسَمِعُوهَا مِنْهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى بَيْتِ الآلِهَةِ، فَإِذَا هُوَ فِي بَهْوٍ عَظِيمٍ، مُسْتَقْبِلٌ بَابَ الْبَهْوِ صَنَمٌ عَظِيمٌ إِلَى جَنْبِهِ أَصْغَرُ مِنْهُ، بَعْضُهَا إِلَى جَنْبِ بَعْضٍ، كُلُّ صَنَمٍ يَلِيهِ أَصْغَرُ مِنْهُ، حَتَّى بَلَغُوا بَابَ الْبَهْوِ وَإِذَا هُمْ قَدْ صَنَعُوا طَعَامًا، فَوَضَعُوهُ بَيْنَ يَدَيِ الآلِهَةِ، قَالُوا: إِذَا كَانَ حِينَ نَرْجِعُ رَجَعْنَا، وَقَدْ بَارَكَتِ الآلِهَةُ فِي طَعَامِنَا فَأَكَلْنَا فلما نظر اليهم ابراهيم ع، وَإِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مِنَ الطَّعَامِ قَالَ: أَلا تَأْكُلُونَ؟ فَلَمَّا لَمْ تُجِبْهُ قَالَ: مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ! فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ، فَأَخَذَ حَدِيدَةً فَبَقَرَ كُلَّ صَنَمٍ فِي حَافَّتَيْهِ، ثُمَّ عَلَّقَ الْفَأْسَ فِي عُنُقِ الصَّنَمِ الأَكْبَرِ، ثُمَّ خَرَجَ فَلَمَّا جَاءَ الْقَوْمُ إِلَى طَعَامِهِمْ، وَنَظَرُوا إِلَى آلِهَتِهِمْ، قَالُوا: «مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ» . قال أبو جعفر: رجع الحديث إلى حديث ابْنِ إِسْحَاقَ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ كَمَا قَالَ الله : «ضَرْباً بِالْيَمِينِ» ثُمَّ جَعَلَ يَكْسِرُهُنَّ بِفَأْسٍ فِي يَدِهِ، حَتَّى إِذَا بَقِيَ أَعْظَمُ صَنَمٍ مِنْهَا رَبَطَ الْفَأْسَ بِيَدِهِ، ثُمَّ تَرَكَهُنَّ، فَلَمَّا رَجَعَ قَوْمُهُ رَأَوْا ما صنع بأصنامهم، فراغهم ذَلِكَ، فَأَعْظَمُوهُ وَقَالُوا: مَنْ فَعَلَ بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لمن الظالمين ثم ذكروا فقالوا: «قد سَمِعْنا فَتًى

стр. 237

يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ» - يَعْنُونَ فَتًى يَسُبُّهَا وَيُعِيبُهَا وَيَسْتَهْزِئُ بِهَا، لَمْ نَسْمَعْ أَحَدًا يَقُولُ ذَلِكَ غَيْرَهُ، وَهُوَ الَّذِي نَظُنُّ صَنَعَ هَذَا بِهَا وَبَلَغَ ذَلِكَ نُمْرُودَ وَأَشْرَافَ قَوْمِهِ، فَقَالُوا: «فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ» ، اى ما يصنع بِهِ. فَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، مِنْهُمْ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ يَقُولُونَ فِي ذَلِكَ: لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ، وَقَالُوا: كَرِهُوا أَنْ يَأْخُذُوهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ رَجَعَ الْحَدِيثُ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ: قَالَ: فَلَمَّا أُتِي بِهِ فَاجْتَمَعَ لَهُ قَوْمُهُ عِنْدَ مَلِكِهِمْ نُمْرُودَ، قَالُوا: «أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنا يَا إِبْراهِيمُ قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ» ، غَضِبَ مِنْ أَنْ يَعْبُدُوا مَعَهُ هَذِهِ الصِّغَارُ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهَا، فَكَسَرَهُنَّ، فَارْعَوَوْا وَرَجَعُوا عَنْهُ فِيمَا ادَّعَوْا عَلَيْهِ مِنْ كَسْرِهِنَّ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَقَالُوا: لَقَدْ ظَلَمْنَاهُ وَمَا نَرَاهُ إِلا كَمَا قَالَ ثُمَّ قَالُوا وَعَرَفُوا أَنَّهَا لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ وَلا تَبْطُشُ: «لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ» ، أَيْ لا يَتَكَلَّمُونَ فَيُخْبِرُونَا: مَنْ صَنَعَ هَذَا بِهَا، وَمَا تَبْطُشُ بِالأَيْدِي فَنُصَدِّقُكَ، يَقُولُ اللَّهُ : «ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ» ، أَيْ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ فِي الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ لإِبْرَاهِيمَ حِينَ جَادَلَهُمْ، فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ حِينَ ظَهَرَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: «لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ» . قَالَ: وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ عِنْدَ ذَلِكَ فِي اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يَسْتَوْصِفُونَهُ إِيَّاهُ وَيُخْبِرُونَهُ

стр. 238

أَنَّ آلِهَتَهُمْ خَيْرٌ مِمَّا يَعْبُدُ، فَقَالَ: «أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ» ، إِلَى قَوْلِهِ: «فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» ، يَضْرِبُ لَهُمُ الأَمْثَالَ، وَيُصَرِّفُ لَهُمُ الْعِبَرَ، لِيَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ أَحَقُّ أَنْ يُخَافَ وَيُعْبَدَ مِمَّا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: ثُمَّ إِنَّ نُمْرُودَ- فِيمَا يَذْكُرُونَ- قَالَ لإِبْرَاهِيمَ: أَرَأَيْتَ إِلَهَكَ هَذَا الَّذِي تَعْبُدَ وَتَدْعُو إِلَى عبادته، وتذكره مِنْ قُدْرَتِهِ الَّتِي تُعَظِّمُهُ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ مَا هُوَ؟ «قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ» ، فَقَالَ نُمْرُودُ: فَأَنَا «أُحْيِي وَأُمِيتُ» ، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: كَيْفَ تُحْيِي وَتُمِيتُ؟ قَالَ: آخُذُ الرَّجُلَيْنِ قَدِ اسْتَوْجَبَا الْقَتْلَ فِي حُكْمِي، فَأَقْتُلُ أَحَدَهُمَا فَأَكُونُ قَدْ أَمَتُّهُ، وَأَعْفُو عَنِ الآخَرِ فَأَتْرُكُهُ فَأَكُونُ قَدْ أَحْيَيْتُهُ، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ عِنْدَ ذَلِكَ: «فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ» ، فَعَرَفَ أَنَّهُ كَمَا يَقُولُ، فَبُهِتَ عِنْدَ ذَلِكَ نُمْرُودُ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ شَيْئًا، وَعَرَفَ أَنَّهُ لا يُطِيقُ ذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ : «فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ» ، يَعْنِي وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ. قَالَ: ثُمَّ إِنَّ نُمْرُودَ وَقَوْمَهُ أَجْمَعُوا فِي إِبْرَاهِيمَ فَقَالُوا: «حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ» . حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن الحسن بن دِينَارٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: تَلَوْتُ هَذِهِ الآيَةَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالَ: أَتَدْرِي يَا مُجَاهِدُ، من الذى اشار بتحريق ابراهيم ع بِالنَّارِ؟ قَالَ: قُلْتُ: لا، قَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَعْرَابِ فَارِسٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهَلْ لِلْفُرْسِ أَعْرَابٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، الْكُرْدُ هُمْ أَعْرَابُ فَارِسَ، فَرَجُلٌ مِنْهُمْ هُوَ الَّذِي أَشَارَ بِتَحْرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بِالنَّارِ حَدَّثَنِي يعقوب، قال: حَدَّثَنَا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد في

стр. 239

قوله: «حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ» قال: قالها رجل من أعراب فارس- يعني الأكراد. وحدثنا القاسم، قال: حَدَّثَنَا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني وهب بن سليمان، عن شعيب الجبائي، قال: ان اسم الذى قال حرقوه هينون، فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ثم رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. قال: فامر نمرود، بجمع الحطب، فجمعوا له صلاب الحطب من أصناف الخشب، حتى إن كانت المرأة من قرية إبراهيم- فيما يذكر- لتنذر في بعض ما تطلب مما تحب ان تدرك: لئن أصابته لتحطبن في نار إبراهيم التي يحرق بها احتسابا في دينها، حتى إذا أرادوا أن يلقوه فيها قدموه وأشعلوا في كل ناحية من الحطب الذي جمعوا له، حتى إذا اشتعلت النار، واجتمعوا لقذفه فيها، صاحت السماء والأرض وما فيها من الخلق إلا الثقلين- فيما يذكرون- إلى الله صيحة واحدة: أي ربنا! إبراهيم ليس في أرضك أحد يعبدك غيره، يحرق بالنار فيك! فأذن لنا في نصرته، فيذكرون- والله أعلم- أن الله حين قالوا ذلك قال: إن استغاث بشيء منكم أو دعاه فلينصره، فقد أذنت له في ذلك، فإن لم يدع غيري فأنا وليه، فخلوا بيني وبينه، فأنا أمنعه، فلما ألقوه فيها قال: «يَا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ» ، فكانت كما قال الله . وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي قال «قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ» ،

стр. 240

قَالَ: فَحَبَسُوهُ فِي بَيْتٍ، وَجَمَعُوا لَهُ حَطَبًا حَتَّى أَنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ لَتَمْرَضُ فَتَقُولُ: لَئِنْ عَافَانِي اللَّهُ لأَجْمَعَنَّ حَطَبًا لإِبْرَاهِيمَ، فَلَمَّا جَمَعُوا لَهُ وَأَكْثَرُوا مِنَ الْحَطَبِ حَتَّى إِنْ كَانَ الطَّيْرُ لَيَمُرُّ بِهَا فَيَحْتَرِقُ مِنْ شِدَّةِ وَهَجِهَا وحرها، فعمدوا إِلَيْهِ فَرَفَعُوهُ عَلَى رَأْسِ الْبُنْيَانِ، فَرَفَعَ إِبْرَاهِيمُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَتِ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَالْمَلائِكَةُ: رَبَّنَا! إِبْرَاهِيمُ يُحْرَقُ فِيكَ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِهِ، فَإِنْ دَعَاكُمْ فَأَغِيثُوهُ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ الْوَاحِدُ فِي السَّمَاءِ وَأَنَا الْوَاحِدُ فِي الأَرْضِ، لَيْسَ فِي الأَرْضِ أَحَدٌ يَعْبُدُكَ غَيْرِي، حَسْبِي اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ! فَقَذَفُوهُ فِي النَّارِ، فَنَادَاهَا فَقَالَ: «يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى ابراهيم» وكان جبرئيل هُوَ الَّذِي نَادَاهَا وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ لَمْ يُتْبِعْ بَرْدَهَا سَلامًا لَمَاتَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ بَرْدِهَا، فَلَمْ تَبْقَ يَوْمَئِذٍ نَارٌ فِي الأَرْضِ الا طفئت وظنت أَنَّهَا تُعْنَى فَلَمَّا طُفِئَتِ النَّارُ نَظَرُوا إِلَى ابراهيم فإذا هو ورجل آخَرُ مَعَهُ، وَإِذَا رَأْسُ إِبْرَاهِيمَ فِي حِجْرِهِ يَمْسَحُ عَنْ وَجْهِهِ الْعَرَقَ، وَذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ الرجل مَلَكُ الظِّلِّ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ نَارًا وَانْتَفَعَ بِهَا بَنُو آدَمَ، فَأَخْرَجُوا إِبْرَاهِيمَ، فَأَدْخَلُوهُ عَلَى الْمَلِكِ، وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. قال: وَبَعَثَ اللَّهُ مَلَكَ الظِّلِّ فِي صُورَةِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَعَدَ فِيهَا إِلَى جَنْبِهِ يُؤْنِسُهُ، فَمَكَثَ نُمْرُودُ أَيَّامًا لا يَشُكُّ إِلا أَنَّ النَّارَ قَدْ أَكَلَتْ إِبْرَاهِيمَ وَفَرَغَتْ مِنْهُ، ثُمَّ رَكِبَ فَمَرَّ بِهَا وَهِيَ تَحْرِقُ مَا جَمَعُوا لَهَا مِنَ الْحَطَبِ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا، فَرَأَى إِبْرَاهِيمَ جَالِسًا فِيهَا إِلَى جَنْبِهِ رَجُلٌ مِثْلُهُ، فَرَجَعَ مِنْ مَرْكَبِهِ ذَلِكَ، فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لَقَدْ رَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ حَيًّا فِي النَّارِ، وَلَقَدْ شُبِّهَ عَلَيَّ، ابْنُوا لِي صَرْحًا يُشْرِفُ بِي عَلَى النَّارِ حَتَّى أَسْتَثْبِتُ، فَبَنَوْا لَهْ صَرْحًا، فَأَشْرَفَ عَلَيْهِ فَاطَّلَعَ مِنْهُ إِلَى النَّارِ، فَرَأَى إِبْرَاهِيمَ جَالِسًا فِيهَا، وَرَأَى الْمَلَكَ قَاعِدًا إِلَى جَنْبِهِ فِي مِثْلِ صُورَتِهِ، فَنَادَاهُ نُمْرُودُ: يَا إِبْرَاهِيمُ، كَبِيرٌ إِلَهُكَ الَّذِي بَلَغَتْ قُدْرَتُهُ وَعِزَّتُهُ أَنْ حَالَ بَيْنَ مَا أَرَى وَبَيْنَكَ، حَتَّى لَمْ تَضُرَّكَ يَا إِبْرَاهِيمُ، هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا؟

стр. 241

قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: هَلْ تَخْشَى إِنْ أَقَمْتَ فِيهَا أَنْ تَضُرَّكَ؟ قَالَ: لا، قَالَ: فَقُمْ وَاخْرُجْ مِنْهَا، فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ يَمْشِي فِيهَا حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا، فَلَمَّا خَرَجَ إِلَيْهِ قَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ، مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي رَأَيْتُ مَعَكَ فِي مِثْلِ صُورَتِكَ قَاعِدًا إِلَى جَنْبِكَ؟ قَالَ: ذَلِكَ مَلَكُ الظِّلِّ، أَرْسَلَهُ إِلَيَّ رَبِّي لِيَكُونَ مَعِي فِيهَا لِيُؤْنِسَنِي، وَجَعَلَهَا عَلَيَّ بَرْدًا وَسَلامًا فَقَالَ نُمْرُودُ- فِيمَا حُدِّثْتُ-: يَا إِبْرَاهِيمُ، إِنِّي مُقَرِّبٌ إِلَى إِلَهِكَ قُرْبَانًا لِمَا رَأَيْتُ مِنْ عِزَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَلِمَا صَنَعَ بِكَ حِينَ أَبَيْتَ إِلا عِبَادَتَهُ وَتَوْحِيدِهِ، إِنِّي ذَابِحٌ لَهُ أَرْبَعَةَ آلافِ بَقَرَةٍ فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: إِذًا لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْكَ مَا كُنْتَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ دِينِكَ هَذَا حَتَّى تُفَارِقَهُ إِلَى دِينِي! فَقَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ، لا أَسْتَطِيعُ تَرْكَ مُلْكِي، وَلَكِنِّي سَوْفَ أَذْبَحُهَا لَهُ، فَذَبَحَهَا نُمْرُودُ، ثُمَّ كَفَّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَمَنَعَهُ اللَّهُ مِنْهُ. حَدَّثَنَا ابن حميد، قَالَ: حَدَّثَنَا جرير، عن مُغِيرَةَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: إِنَّ أَحْسَنَ شَيْءٍ قَالَهُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ لَمَّا رُفِعَ عَنْهُ الطَّبَقُ وَهُوَ فِي النَّارِ وَحْدَهُ يَرْشَحُ جَبِينُهُ، فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: نِعْمَ الرَّبُّ رَبُّكَ يَا إِبْرَاهِيمُ. حَدَّثَنَا القاسم، قال: حَدَّثَنَا الحسين، قال: حَدَّثَنَا معتمر بن سليمان التيمي، عن بعض أصحابه قال: جاء جبرئيل الى ابراهيم ع وهو يوثق ويقمط ليلقى في النار، قال: يا إبراهيم، ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا. حَدَّثَنِي أحمد بن المقدام، قال: حَدَّثَنِي المعتمر، قال: سمعت أبي قال: حَدَّثَنَا قتادة، عن أبي سليمان، قال: ما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه. قال أبو جعفر: رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، قال: واستجاب لإبراهيم ع رجال من قومه حين رأوا ما صنع الله به على خوف من نمرود

стр. 242

وملئهم، فآمن له لوط- وكان ابن أخيه- وهو لوط بن هاران بن تارخ، وهاران هو أخو إبراهيم، وكان لهما أخ ثالث يقال له ناحور بن تارخ، فهاران أبو لوط، وناحور أبو بتويل، وبتويل أبو لابان، وربقا ابنة بتويل امرأة إسحاق بن إبراهيم أم يعقوب، وليا وراحيل زوجتا يعقوب ابنتا لابان وآمنت به سارة وهي ابنة عمه، وهي سارة بنت هاران الأكبر عم إبراهيم، وكانت لها أخت يقال لها ملكا امرأة ناحور. وقد قيل: إن سارة كانت ابنة ملك حران. ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قال: انطلق إبراهيم ولوط قبل الشام، فلقي إبراهيم سارة، وهي ابنة ملك حران، وقد طعنت على قومها في دينهم، فتزوجها على ألا يغيرها، ودعا إبراهيم أباه آزر إلى دينه، فقال له: يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا! فأبى أبوه الإجابة إلى ما دعاه إليه. ثم إن إبراهيم ومن كان معه من أصحابه الذين اتبعوا أمره أجمعوا لفراق قومهم، فقالوا: «إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ» ، أيها المعبودون من دون الله «وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً» ايها العابدون «حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ» ثم خرج إبراهيم مهاجرا إلى ربه وخرج معه لوط مهاجرا، وتزوج سارة ابنة عمه، فخرج بها معه يلتمس الفرار بدينه، والأمان على عبادة ربه حتى نزل حران، فمكث بها ما شاء الله أن يمكث، ثم خرج منها مهاجرا حتى قدم مصر، وبها فرعون من الفراعنة الأولى وكانت سارة من أحسن الناس فيما يقال، وكانت لا تعصي ابراهيم

стр. 243

شيئا، وبذلك أكرمها الله ، فلما وصفت لفرعون ووصف له حسنها وجمالها أرسل إلى إبراهيم، فقال: ما هذه المرأة التي معك؟ قال: هي أختي، وتخوف إبراهيم إن قال هي امرأتي أن يقتله عنها فقال لإبراهيم: زينها، ثم أرسلها إلي حتى أنظر إليها، فرجع إبراهيم إلى سارة وأمرها فتهيأت، ثم أرسلها إليه، فأقبلت حتى دخلت عليه، فلما قعدت إليه تناولها بيده، فيبست إلى صدره، فلما رأى ذلك فرعون أعظم أمرها، وقال: ادعى الله ان يطلق عنى، فو الله لا اريبك ولاحسنن إليك، فقالت: اللهم إن كان صادقا فأطلق يده، فأطلق الله يده، فردها إلى إبراهيم، ووهب لها هاجر، جارية كانت له قبطية. حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي هِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، [أَنَّ رسول الله ص: قال: لم يكذب ابراهيم ع غَيْرَ ثَلاثٍ: ثِنْتَيْنِ فِي ذَاتِ اللَّهِ، قَوْلُهُ: «إِنِّي سَقِيمٌ» ، وقوله: «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا» وَبَيْنَا هُوَ يَسِيرُ فِي أَرْضِ جَبَّارٍ مِنَ الْجَبَابِرَةِ، إِذْ نَزَلَ مَنْزِلا، فَأَتَى الْجَبَّارَ رَجُلٌ فقال: ان في أرضك- او قال: هاهنا- رَجُلا مَعَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَجَاءَ فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْمَرْأَةُ مِنْكَ؟ قَالَ: هِيَ أُخْتِي،] قَالَ: اذْهَبْ فَأَرْسِلْ بِهَا إِلَيَّ، فَانْطَلَقَ إِلَى سَارَّةَ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْجَبَّارَ قَدْ سَأَلَنِي عَنْكِ فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي فلا تكذبيني عنده، فإنك أختي في كتاب اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الأَرْضِ مُسْلِمٌ غَيْرِي وغيرك، قال: فانطلق بها وقام ابراهيم ع يُصَلِّي قَالَ: فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ فَرَآهَا أَهْوَى إليها وذهب يَتَنَاوَلُهَا، فَأُخِذَ أَخْذًا شَدِيدًا، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ ولا أَضُرُّكِ، فَدَعَتْ لَهُ فَأُرْسِلَ فَأَهْوَى إِلَيْهَا فَذَهَبَ يتناولها، فاخذ أخذ شديدا، فقال: ادعى الله ولا أَضُرُّكِ، فَدَعَتْ لَهُ فَأُرْسِلَ، ثُمَّ

стр. 244

فَعَلَ ذَلِكَ الثَّالِثَةَ، فَأُخِذَ، فَذَكَرَ مِثْلَ الْمَرَّتَيْنِ فأرسل قال: فَدَعَا أَدْنَى حُجَّابِهِ فَقَالَ: إِنَّكَ لَمْ تَأْتِنِي بِإِنْسَانٍ، وَلَكِنَّكَ أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ، أَخْرِجْهَا وَأَعْطِهَا هَاجَرَ، فَأُخْرِجَتْ وَأُعْطِيَتْ هَاجَرَ، فَأَقْبَلَتْ بِهَا، فَلَمَّا أَحَسَّ إِبْرَاهِيمُ بِمَجِيئِهَا انْفَتَلَ مِنْ صَلاتِهِ، فَقَالَ: مَهْيَمْ! فَقَالَتْ: كَفَى اللَّهُ كَيْدَ الْفَاجِرِ الْكَافِرِ! وَأَخْدَمَ هَاجَرَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِذَا حَدَّثَ هَذَا الْحَدِيثَ يَقُولُ: فَتِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ. حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: [سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ: لَمْ يَقُلْ إِبْرَاهِيمُ شَيْئًا قَطُّ لَمْ يكن الا ثلاثا: قوله «إِنِّي سَقِيمٌ» لم يَكُنْ بِهِ سَقَمٌ، وَقَوْلُهُ: «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ» ، وَقَوْلُهُ لِفِرْعَوْنَ حِينَ سَأَلَهُ عَنْ سَارَّةَ فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ مَعَكَ؟ قَالَ: أُخْتِي، قَالَ: فما قال ابراهيم ع شَيْئًا قَطُّ لَمْ يَكُنْ إِلا ذَلِكَ] . حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الأُمَوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابن إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: [قال رسول الله ص: لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلا فِي ثَلاثٍ،] ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ. حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي هِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، [أَنَّ رسول الله ص قَالَ: لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ غَيْرَ ثَلاثٍ: ثِنْتَيْنِ في ذات الله قوله: «إِنِّي سَقِيمٌ» ، وقوله: «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا» ، وَقَوْلُهُ فِي سَارَّةَ: هِيَ أُخْتِي]

стр. 245

حَدَّثَنِي ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هريرة قال: ما كذب ابراهيم ع غير ثلاث كذبات: قوله: «إِنِّي سَقِيمٌ» ، وقوله: «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا» ، وَإِنَّمَا قَالَهُ مَوْعِظَةً، وَقَوْلُهُ حِينَ سَأَلَهُ الْمَلِكُ فقال: أختي- لساره- وكانت امراته حدثنى يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَكْذِبْ إِلا ثَلاثَ كَذِبَاتٍ: ثِنْتَانِ فِي اللَّهِ، وَوَاحِدَةٌ فِي ذَاتِ نَفْسِهِ، وَأَمَّا الثِّنْتَانِ فَقَوْلُهُ: «إِنِّي سَقِيمٌ» ، وقوله: «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا» وَقِصَّتُهُ فِي سَارَّةَ وَذَكَرَ قِصَّتَهَا وَقِصَّةَ الْمَلِكِ قال أبو جعفر: رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. قال: وَكَانَتْ هَاجَرُ جَارِيَةً ذَاتَ هَيْئَةٍ، فَوَهَبَتْهَا سَارَّةُ لإِبْرَاهِيمَ، وَقَالَتْ: إِنِّي أَرَاهَا امْرَأَةً وَضِيئَةً فَخُذْهَا، لَعَلَّ اللَّهَ يَرْزُقُكَ مِنْهَا وَلَدًا، وَكَانَتْ سَارَّةُ قَدْ مُنِعَتِ الْوَلَدَ فَلا تَلِدُ لإِبْرَاهِيمَ حَتَّى أَسَنَّتْ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ قَدْ دَعَا اللَّهَ أَنْ يَهَبَ لَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَأُخِّرَتِ الدَّعْوَةُ حَتَّى كَبُرَ إِبْرَاهِيمُ وَعَقِمَتْ سَارَّةُ، ثُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وقع على هاجر، فولدت له اسماعيل ع. حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حَدَّثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالك الأنصاري، قال: [قال رسول الله ص: إِذَا فَتَحْتُمْ مِصْرَ فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا] . حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: سألت الزهري: ما الرحم التي ذكر رسول الله ص لهم؟ قال: كانت هاجر أم إسماعيل منهم فيزعمون- والله أعلم- أن سارة حزنت عند ذلك على ما فاتها من الولد حزنا شديدا، وقد كان إبراهيم خرج من مصر إلى الشام، وهاب ذلك الملك الذي كان بها، وأشفق من شره حتى قدمها، فنزل السبع من أرض فلسطين، وهي برية الشام، ونزل لوط بالمؤتفكة، وهي من

стр. 246

السبع على مسيرة يوم وليلة وأقرب من ذلك، فبعثه الله نبيا، وأقام إبراهيم فيما ذكر لي بالسبع، فاحتفر به بئرا واتخذ به مسجدا، فكان ماء تلك البئر معينا طاهرا، فكانت غنمه تردها ثم إن أهلها آذوه فيها ببعض الأذى، فخرج منها حتى نزل بناحية من أرض فلسطين بين الرملة وإيليا، ببلد يقال له قَط- أو قِط- فلما خرج من بين أظهرهم نضب الماء فذهب. واتبعه أهل السبع، حتى أدركوه وندموا على ما صنعوا، وقالوا: أخرجنا من بين أظهرنا رجلا صالحا، فسألوه أن يرجع إليهم، فقال: ما أنا براجع إلى بلد أخرجت منه، قالوا له: فإن الماء الذي كنت تشرب منه ونشرب معك منه قد نضب فذهب، فأعطاهم سبع أعنز من غنمه، فقال: اذهبوا بها معكم، فإنكم لو قد أوردتموها البئر، قد ظهر الماء، حتى يكون معينا طاهرا كما كان، فاشربوا منها، فلا تغترفن منها امرأة حائض، فخرجوا بالأعنز، فلما وقفت على البئر ظهر إليها الماء، فكانوا يشربون منها وهي على ذلك، حتى أتت امرأة طامث، فاغترفت منها، فنكص ماؤها إلى الذي هو عليه اليوم، ثم ثبت. قال: وكان إبراهيم يضيف من نزل به، وكان الله قد أوسع عليه، وبسط له في الرزق والمال والخدم، فلما أراد الله هلاك قوم لوط، بعث إليه رسله يأمرونه بالخروج من بين أظهرهم، وكانوا قد عملوا من الفاحشة ما لم يسبقهم به أحد من العالمين، مع تكذيبهم نبيهم، وردهم عليه ما جاءهم به من النصيحة من ربهم، وأمرت الرسل أن ينزلوا على إبراهيم، وأن يبشروه وسارة بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، فلما نزلوا على إبراهيم وكان الضيف قد حبس عنه خمس عشرة ليلة حتى شق ذلك عليه- فيما يذكرون- لا يضيفه أحد، ولا يأتيه، فلما رآهم سر بهم رأى ضيفا لم يضفه مثلهم حسنا وجمالا، فقال: لا يخدم هؤلاء القوم أحد إلا أنا بيدي، فخرج إلى أهله، فجاء كما قال الله : «بِعِجْلٍ سَمِينٍ» قد حنذه- والحناذ: الإنضاج يقول الله جل ثناؤه: «جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ» فقربه إليهم، فأمسكوا أيديهم

стр. 247

عنه، «فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً» حين لم يأكلوا من طعامه، «قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ وَامْرَأَتُهُ» ساره «قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ» لما عرفت من أمر الله ، ولما تعلم من قوم لوط، فبشروها «بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ» بابن، وبابن ابن، فقالت- وصكت وجهها، يقال: ضربت على جبينها: «يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ» إلى قوله: «إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» وكانت سارة يومئذ- فيما ذكر لي بعض أهل العلم- ابنة تسعين سنة، وإبراهيم ابن عشرين ومائة سنة، فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى بإسحاق ويعقوب ولد من صلب إسحاق وأمن ما كان يخاف، قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ» . حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني وهب بن سليمان، عن شعيب الجبائي، قال: ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة، وذبح إسحاق وهو ابن سبع سنين، وولدته سارة وهي ابنة تسعين سنة، وكان مذبحه من بيت إيليا على ميلين، فلما علمت سارة بما أراد بإسحاق مرضت يومين، وماتت اليوم الثالث، وقيل: ماتت سارة وهي ابنة مائة وسبع وعشرين سنة. حَدَّثَنِي موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا

стр. 248

أسباط، عن السدي، قال: بعث الله الملائكة لتهلك قوم لوط، فأقبلت تمشي في صورة رجال شباب، حتى نزلوا على إبراهيم، فتضيفوه، فلما رآهم إبراهيم أجلهم، فراغ إلى أهله، فجاء بعجل سمين فذبحه، ثم شواه في الرضف وهو الحنيذ حين شواه، وأتاهم فقعد معهم، وقامت سارة تخدمهم، فذلك حين يقول جل ثناؤه: «وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ وَهُوَ جَالِسٌ» في قراءة ابن مسعود، فلما قربه إليهم قال: ألا تأكلون! قالوا: يا إبراهيم، إنا لا نأكل طعاما إلا بثمن، قال: فإن لهذا ثمنا، قالوا: وما ثمنه؟ قال: تذكرون اسم الله على أوله وتحمدونه على آخره، فنظر جبرئيل إلى ميكائيل، فقال: حق لهذا أن يتخذه ربه خليلا، «فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ» يقول: لا يأكلون، «نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً» ، فلما نظرت إليه سارة أنه قد أكرمهم وقامت هي تخدمهم ضحكت وقالت: عجبا لأضيافنا! هؤلاء إنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم، وهم لا يأكلون طعامنا!

стр. 249

ذكر أمر بناء البيت . قال: ثم إن الله أمر إبراهيم بعد ما ولد له إسماعيل وإسحاق- فيما ذكر- ببناء بيت له يعبد فيه، ويذكر فلم يدر إبراهيم في أي موضع يبني، إذ لم يكن بين له ذلك، فضاق بذلك ذرعا، فقال بعض أهل العلم: بعث الله إليه السكينة لتدله على موضع البيت، فمضت به السكينة، ومع إبراهيم هاجر زوجته وابنه إسماعيل، وهو طفل صغير. وقال بعضهم: بل بعث الله اليه جبرئيل ع، حتى دله على موضعه، وبين له ما ينبغي أن يعمل. ذكر من قال: الذي بعثه الله إليه لذلك السكينة: حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ: [أَنَّ رَجُلا قَامَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: أَلا تُخْبِرُنِي عَنِ الْبَيْتِ، أَهُوَ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ؟ فَقَالَ: لا، وَلَكِنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ فِي الْبركَةِ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ، وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا، وَإِنْ شِئْتَ أَنْبَأْتُكَ كَيْفَ بُنِيَ إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى إِبْرَاهِيمَ أَنِ ابْنِ لِي بَيْتًا فِي الأَرْضِ، فَضَاقَ إِبْرَاهِيمُ بِذَلِكَ ذَرْعًا، فَأَرْسَلَ السَّكِينَةَ، وَهِيَ رِيحٌ خَجُوجٌ وَلَهَا رَأْسَانِ، فَاتَّبَعَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَى مَكَّةَ فَتَطَوَّتْ عَلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ كَتَطَوِّي الْحَيَّةِ، وَأَمَرَ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَبْنِي حَيْثُ تَسْتَقِرُّ السَّكِينَةُ، فَبَنَى إِبْرَاهِيمُ وَبَقِيَ حَجَرٌ، فَذَهَبَ الْغُلامُ يَبْنِي شيئا، فقال ابراهيم: أَبْغِنِي حَجَرًا كَمَا آمُرُكَ، فَانْطَلَقَ الْغُلامُ يَلْتَمِسُ لَهُ حَجَرًا، فَأَتَاهُ بِهِ، فَوَجَدَهُ قَدْ رَكَّبَ الْحَجَرَ الأَسْوَدَ فِي مَكَانِهِ، فَقَالَ: يَا أَبَتِ، مَنْ أَتَاكَ بِهَذَا الْحَجَرِ؟ فَقَالَ: أَتَانِي بِهِ مَنْ لَمْ يَتَّكِلْ عَلَى بِنَائِكَ، أَتَانِي بِهِ جبرئيل مِنَ السَّمَاءِ فَأَتَمَّاهُ]

стр. 250

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ وَابْنُ الْمُثَنَّى، قَالا: حَدَّثَنَا مؤمل، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، [عن على ع قَالَ: لَمَّا أُمِرَ إِبْرَاهِيمُ بِبِنَاءِ الْبَيْتِ خَرَجَ مَعَهُ إِسْمَاعِيلُ وَهَاجَرُ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ رَأَى عَلَى رَأْسِهِ فِي مَوْضِعِ الْبَيْتِ مِثْلَ الْغَمَامَةِ فِيهِ مِثْلُ الرَّأْسِ، فَكَلَّمَهُ، وَقَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ، ابْنِ عَلَى ظِلِّي- أَوْ عَلَى قَدْرِي- وَلا تَزِدْ وَلا تَنْقُصْ، فَلَمَّا بَنَى خَرَجَ وَخَلَفَ إِسْمَاعِيلَ وَهَاجَرَ، فَقَالَتْ هَاجَرُ: يَا إِبْرَاهِيمُ، إِلَى مَنْ تَكِلُنَا؟ قَالَ: إِلَى اللَّهِ، قَالَتِ: انْطَلِقْ فَإِنَّهُ لا يُضَيِّعُنَا، قَالَ: فَعَطِشَ إِسْمَاعِيلُ عَطَشًا شديدا، فصعدت هاجر الصَّفَا، فَنَظَرَتْ فَلَمْ تَرَ شَيْئًا، ثُمَّ أَتَتِ الْمَرْوَةَ فَنَظَرَتْ فَلَمْ تَرَ شَيْئًا، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى الصَّفَا، فَنَظَرَتْ فَلَمْ تَرَ شَيْئًا، حَتَّى فَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَقَالَتْ: يَا إِسْمَاعِيلُ، مُتْ حَيْثُ لا أَرَاكَ فَأَتَتْهُ وَهُوَ يَفْحَصُ بِرِجْلِهِ مِنَ الْعَطَشِ، فَنَادَاهَا جَبْرَائِيلُ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتِ؟ قَالَتْ: أَنَا هَاجَرُ، أُمُّ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: إِلَى مَنْ وَكَلَكُمَا؟ قَالَتْ: وَكَلَنَا إِلَى اللَّهِ، قَالَ: وَكَلَكُمَا إِلَى كَافٍ، قَالَ: فَفَحَصَ الْغُلامُ الأَرْضَ بِإِصْبَعِهِ، فَنَبَعَتْ زَمْزَمُ، فَجَعَلَتْ تَحْبِسُ الْمَاءَ، فَقَالَ: دَعِيهِ، فَإِنَّهَا رِوَاءٌ] . حَدَّثَنِي مُوسَى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: لَمَّا عهد الله إلى إبراهيم وإسماعيل: أن طهرا بيتي للطائفين، انطلق إبراهيم حتى أتى مكة، فقام هو واسماعيل، وأخذ المعاول لا يدريان أين البيت، فبعث الله ريحا يقال لها ريح الخجوج لها جناحان ورأس في صورة حية، فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول، واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس، فذلك حين يقول : «وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ»
следующие страницы →