Полный текст (6 431 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الأَعَاجِمِ كُتُبًا يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ لا يَقْبَلُونَ كِتَابًا الا مختوما، فامر رسول الله ص أَنْ يُعْمَلَ لَهُ خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ، فَجَعَلَهُ فِي إِصْبَعِهِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ لَهُ: انْبِذْهُ من إصبعك، فنبذه رسول الله ص مِنْ أُصْبُعِهِ، وَأَمَرَ بِخَاتَمٍ آخَرَ يُعْمَلُ لَهُ، فَعُمِلَ لَهُ خَاتَمٌ مِنْ نُحَاسٍ، فَجَعَلَهُ فِي اصبعه، فقال له جبريل ع: انبذه من إصبعك، فنبذه رسول الله ص من اصبعه، وامر رسول الله ص بِخَاتَمٍ مِنْ وَرِقٍ، فَصُنِعَ لَهُ خَاتَمٌ مِنْ وَرِقٍ فَجَعَلَهُ فِي أُصْبُعِهِ، فَأَقَرَّهُ جِبْرِيلُ، وَأَمَرَ ان ينقش عليه: محمد رسول الله، فَجَعَلَ يَتَخَتَّمُ بِهِ، وَيَكْتُبُ إِلَى مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهِ مِنَ الأَعَاجِمِ، وَكَانَ نَقْشُ الْخَاتَمِ ثَلاثَةَ أَسْطُرٍ فَكَتَبَ كِتَابًا إِلَى كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، فَبَعَثَهُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَتَى بِهِ عُمَرُ كِسْرَى فَقُرِئَ الْكِتَابُ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى كِتَابِهِ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ! أَنْتَ عَلَى سَرِيرٍ مَرْمُولٍ بِاللِّيفِ، وَكِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَعَلَيْهِ الدِّيبَاجُ! [فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص: أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ!] فَقَالَ: جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ! قَدْ رَضِيتُ.
وَكَتَبَ كِتَابًا آخَرَ، فَبَعَثَ بِهِ مَعَ دَحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيِّ إِلَى هِرَقْلَ مَلِكِ الرُّومِ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلامِ، فَقَرَأَهُ وَضَمَّهُ إِلَيْهِ، وَوَضَعَهُ عِنْدَهُ، فَكَانَ الْخَاتَمُ فِي أُصْبُعِ رَسُولِ اللَّهِ ص يَتَخَتَّمُ بِهِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ ، ثُمَّ اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ فَتَخَتَّمَ بِهِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ ، ثُمَّ وُلِّيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَعْدُ فَجَعَلَ يَتَخَتَّمُ بِهِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، ثُمَّ وُلِّيَ مِنْ بَعْدِهِ عُثْمَانُ ابن عَفَّانَ، فَتَخَتَّمَ بِهِ سِتَّ سِنِينَ، فَحَفَرَ بِئْرًا بِالْمَدِينَةِ شُرْبًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَقَعَدَ عَلَى رَأْسِ الْبِئْرِ، فَجَعَلَ يَعْبَثُ بِالْخَاتَمِ، وَيُدِيرُهُ بِأُصْبُعِهِ، فَانْسَلَّ الْخَاتَمُ مِنْ أُصْبُعِهِ فَوَقَعَ فِي الْبِئْرِ، فَطَلَبُوهُ فِي الْبِئْرِ، وَنَزَحُوا مَا فِيهَا مِنَ الْمَاءِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، فَجَعَلَ فِيهِ مَالا عَظِيمًا لِمَنْ جَاءَ بِهِ، وَاغْتَمَّ لِذَلِكَ غَمًّا شَدِيدًا، فَلَمَّا يَئِسَ مِنَ الْخَاتَمِ أَمَرَ فَصُنِعَ لَهُ خَاتَمٌ آخر مثله، خلقه مِنْ فِضَّةٍ، عَلَى مِثَالِهِ
стр. 2172
وَشِبْهِهِ، وَنُقِشَ عَلَيْهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَجَعَلَهُ فِي أُصْبُعِهِ حَتَّى هَلَكَ، فَلَمَّا قُتِلَ ذَهَبَ الْخَاتَمُ مِنْ يَدِهِ فَلَمْ يُدْرَ مَنْ أَخَذَهُ
أخبار أبي ذر رحمه اللَّه تعالى
وفي هَذِهِ السنة- أعني سنة ثَلاثِينَ- كَانَ مَا ذكر من أمر أبي ذر ومعاوية، وإشخاص مُعَاوِيَة إِيَّاهُ من الشام إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَدْ ذكر فِي سبب إشخاصه إِيَّاهُ منها إِلَيْهَا أمور كثيرة، كرهت ذكر أكثرها.
فأما العاذرون مُعَاوِيَة فِي ذَلِكَ، فإنهم ذكروا فِي ذَلِكَ قصة كَتَبَ إِلَيَّ بِهَا السَّرِيُّ، يَذْكُرُ أَنَّ شُعَيْبًا حَدَّثَهُ عَنْ سَيْف، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ يَزِيدَ الْفَقْعَسِيِّ، قَالَ: لَمَّا وَرَدَ ابْنُ السَّوْدَاءِ الشَّامَ لَقِيَ أَبَا ذَرٍّ، فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، أَلا تَعْجَبُ إِلَى مُعَاوِيَةَ، يَقُولُ: الْمَالُ مَالُ اللَّهِ! أَلا إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ لِلَّهِ كأنه يريد ان يحتجنه دُونَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَمْحُوَ اسْمَ الْمُسْلِمِينَ فَأَتَاهُ أَبُو ذَرٍّ، فَقَالَ: مَا يَدْعُوكَ إِلَى أَنْ تُسَمِّيَ مَالَ الْمُسْلِمِينَ مَالَ اللَّهِ! قَالَ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ يَا أَبَا ذَرٍّ، أَلَسْنَا عِبَادَ اللَّهِ، وَالْمَالُ مَالُهُ، وَالْخَلْقُ خَلْقُهُ، وَالأَمْرُ أَمْرُهُ! قَالَ: فَلا تَقُلْهُ، قَالَ: فَإِنِّي لا أَقُولُ: إِنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ، وَلَكِنْ سَأَقُولُ: مَالُ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ: وَأَتَى ابْنُ السَّوْدَاءِ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَقَالَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ أَظُنُّكَ وَاللَّهِ يَهُودِيًّا! فَأَتَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَتَعَلَقَّ بِهِ، فَأَتَى بِهِ مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ: هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي بَعَثَ عَلَيْكَ أَبَا ذَرٍّ، وَقَامَ أَبُو ذَرٍّ بِالشَّامِ وَجَعَلَ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الأَغْنِيَاءِ، وَاسُوا الْفُقَرَاءَ بَشِّرِ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ بمكاو من نار تكوى بها جباهم وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ فَمَا زَالَ حَتَّى وَلِعَ الْفُقَرَاءُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَأَوْجَبُوهُ عَلَى الأَغْنِيَاءِ، وَحَتَّى شَكَا الأَغْنِيَاءُ مَا يَلْقَوْنَ مِنَ النَّاسِ.
فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عُثْمَانَ: أَنَّ أَبَا ذَرٍّ قَدْ أَعْضَلَ بِي، وَقَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ كَيْتَ وَكَيْتَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ: أَنَّ الْفِتْنَةَ قَدْ أَخْرَجَتْ خطمها وعينيها،
стр. 2173
فَلَمْ يَبْقَ إِلا أَنْ تَثِبَ، فَلا تَنْكَأ الْقَرْحَ، وَجَهِّزْ أَبَا ذَرٍّ إِلَيَّ، وَابْعَثْ مَعَهُ دَلِيلا وَزَوِّدْهُ، وَارْفُقْ بِهِ، وَكَفْكَفِ النَّاسَ وَنَفْسَكَ ما استطعت، فإنما تُمْسَكُ مَا اسْتَمْسَكْتَ فَبَعَثَ بِأَبِي ذَرٍّ وَمَعَهُ دَلِيلٌ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَرَأَى الْمَجَالِسَ فِي أَصْلِ سَلْعٍ، قَالَ: بَشِّرْ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِغَارَةٍ شَعْوَاءَ وَحَرْبٍ مِذْكَارٍ.
وَدَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، مَا لأَهْلِ الشَّامِ يَشْكُونَ ذَرَبَكَ! فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ لا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: مَالُ اللَّهِ، وَلا يَنْبَغِي لِلأَغْنِيَاءِ أَنْ يَقْتَنُوا مَالا.
فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، عَلَيَّ أَنْ أَقْضِيَ مَا عَلَيَّ، وَآخُذَ مَا عَلَى الرَّعِيَّةِ، وَلا أُجْبِرُهُمْ عَلَى الزُّهْدِ، وَأَنْ أَدْعُوهُمْ إِلَى الاجْتِهَادِ وَالاقْتِصَادِ.
قَالَ: فَتَأْذَنْ لِي فِي الْخُرُوجِ، فان المدينة ليست لي بدار؟ فقال:
او تستبدل بِهَا إِلا شَرًّا مِنْهَا! قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ الله ص أَنْ أَخْرُجَ مِنْهَا إِذَا بَلَغَ الْبِنَاءُ سَلْعًا، قَالَ: فَانْفِذْ لِمَا أَمَرَكَ بِهِ قَالَ: فَخَرَجَ حَتَّى نَزَلَ الرَّبَذَةَ، فَخَطَّ بِهَا مَسْجِدًا، وَأَقْطَعَهُ عُثْمَانُ صِرْمَةً مِنَ الإِبِلِ وَأَعْطَاهُ مَمْلُوكَيْنِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: أَنْ تَعَاهَدَ الْمَدِينَةَ حَتَّى لا تَرْتَدَّ أَعْرَابِيًّا، فَفَعَلَ.
وَكَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عن سيف، عن محمد بن عون، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يَخْتَلِفُ مِنَ الرَّبَذَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ مَخَافَةَ الأَعْرَابِيَّةِ، وَكَانَ يُحِبُّ الْوَحْدَةَ وَالْخَلْوَةَ فَدَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ، وَعِنْدَهُ كَعْبُ الأَحْبَارِ، فَقَالَ لِعُثْمَانَ: لا تَرْضَوْا مِنَ النَّاسِ بِكَفِّ الأَذَى حَتَّى يَبْذِلُوا الْمَعْرُوفَ، وَقَدْ يَنْبَغِي لِلْمُؤَدِّي الزَّكَاةَ أَلا يَقْتَصِرَ عَلَيْهَا حَتَّى يُحْسِنَ إِلَى الْجِيرَانِ وَالإِخْوَانِ، وَيَصِلَ الْقَرَابَاتِ فَقَالَ كَعْبٌ: مَنْ أَدَّى الْفَرِيضَةَ فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ فَرَفَعَ أَبُو ذَرٍّ مِحْجَنَهُ فَضَرَبَهُ فَشَجَّهُ، فَاسْتَوْهَبَهُ عُثْمَانُ، فَوَهَبَهُ لَهُ، وَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، اتَّقِ اللَّهَ وَاكْفُفْ يَدَكَ وَلِسَانَكَ، وَقَدْ كَانَ قَالَ لَهُ: يَا بن اليهودية، ما أنت وما هاهنا! وَاللَّهِ لَتَسْمَعَنَّ مِنِّي أَوْ لأَدْخُلَ عَلَيْكَ.
وَكَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن الأَشْعَثِ بْنِ سَوَّارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: خَرَجَ أَبُو ذَرٍّ إِلَى الرَّبَذَةِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ لَمَّا رَأَى
стр. 2174
عُثْمَانَ لا يَنْزِعُ لَهُ، وَأَخْرَجَ مُعَاوِيَةُ أَهْلَهُ مِنْ بَعْدِهِ، فَخَرَجُوا إِلَيْهِ وَمَعَهُمْ جِرَابٌ يُثَقِّلُ يَدَ الرَّجُلِ، فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الَّذِي يَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا مَا عِنْدَهُ! فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: أَمَا وَاللَّهِ مَا فِيهِ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ، ولكنها فلوس كان إذا خرج عطاؤه ابْتَاعَ مِنْهُ فُلُوسًا لِحَوَائِجِنَا.
وَلَمَّا نَزَلَ أَبُو ذَرٍّ الرَّبَذَةَ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، وَعَلَيْهَا رَجُلٌ يَلِي الصَّدَقَةَ، فَقَالَ:
تَقَدَّمْ يَا أَبَا ذَرٍّ، فَقَالَ: لا، تقدم أنت، [فان رسول الله ص قَالَ لِي: اسْمَعْ وَأَطِعْ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْكَ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ،] فَأَنْتَ عَبْدٌ وَلَسْتَ بِأَجْدَعَ- وَكَانَ مِنْ رَقِيقِ الصَّدَقَةِ، وَكَانَ أَسْوَدَ يُقَالُ لَهُ مُجَاشِعٌ.
وَكَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن مبشر بن الفضيل، عن جابر، قَالَ: أجرى عُثْمَان عَلَى أبي ذر كل يوم عظما، وعلى رافع ابن خديج مثله، وكانا قَدْ تنحيا عن الْمَدِينَةِ لشيء سمعاه لم يفسر لهما، وأبصرا وَقَدْ اخطئا.
وكتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن سوقة، عن عاصم بن كُلَيْبٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَاتَةَ، قَالَ: خَرَجْنَا مُعْتَمِرِينَ، فَأَتَيْنَا الرَّبَذَةَ، فَطَلَبْنَا أَبَا ذَرٍّ فِي مَنْزِلِهِ، فَلَمْ نَجِدْهُ، وَقَالُوا: ذَهَبَ إِلَى الْمَاءِ.
فَتَنَحَّيْنَا، وَنَزَلْنَا قَرِيبًا مِنْ مَنْزِلِهِ، فَمَرَّ وَمَعَهُ عَظْمُ جَزُورٍ يَحْمِلُهُ مَعَهُ غُلامٌ، فَسَلَّمَ ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى مَنْزِلَهُ، فَلَمْ يَمْكُثْ إِلا قَلِيلا حَتَّى جَاءَ، فَجَلَسَ إِلَيْنَا وَقَالَ: [إِنَّ رسول الله ص قَالَ لِي: اسْمَعْ وَأَطِعْ وَإِنْ كَانَ عَلَيْكَ حَبَشِيٌّ مُجْدَعٌ،] فَنَزَلْتُ هَذَا الْمَاءَ وَعَلَيْهِ رَقِيقٌ مِنْ رَقِيقِ مَالِ اللَّهِ، وَعَلَيْهِمْ حَبَشِيٌّ- وَلَيْسَ بِأَجْدَعَ، وَهُوَ مَا عَلِمْتُ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ- وَلَهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ جَزُورٌ، وَلِي مِنْهَا عَظْمٌ آكُلُهُ أَنَا وَعِيَالِي قُلْتُ: مَا لَكَ مِنَ الْمَالِ؟
قَالَ: صِرْمَةٌ مِنَ الْغَنَمِ وَقَطِيعٌ مِنَ الإِبِلِ، فِي أَحَدِهِمَا غُلامِي وَفِي الآخَرِ أَمَتِي، وَغُلامِي حُرٌّ إِلَى رَأْسِ السَّنَةِ قَالَ: قُلْتُ: إِنَّ أَصْحَابَكَ قَبْلَنَا أَكْثَرُ النَّاسِ مَالا، قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ فِي مَالِ اللَّهِ حَقٌّ إِلا وَلِي مِثْلُهُ
стр. 2175
وَأَمَّا الآخَرُونَ، فَإِنَّهُمْ رَوَوْا فِي سَبَبِ ذَلِكَ أشياء كثيره، وأمورا شنيعة، كرهت ذكرها
. ذكر هرب يزدجرد الى خراسان
وفي هَذِهِ السنة، هرب يزدجرد بن شهريار فِي قول بعضهم من فارس إِلَى خُرَاسَان.
ذكر من قَالَ ذَلِكَ وما قَالَ فِيهِ:
ذكر عَلِيّ بن مُحَمَّدٍ أن مسلمة أخبره عن دَاوُد، قَالَ: قدم ابن عَامِر الْبَصْرَةَ، ثُمَّ خرج إِلَى فارس فافتتحها، وهرب يزدجرد من جوز- وَهِيَ أردشير خرة- فِي سنة ثَلاثِينَ فوجه ابن عَامِر فِي أثره مجاشع بن مسعود السلمي، فأتبعه إِلَى كَرْمَان، فنزل مجاشع السيرجان بالعسكر، وهرب يزدجرد إِلَى خُرَاسَان قَالَ: وعبد القيس تقول: وجه ابن عامر هرم ابن حيان العبدي، وبكر بن وائل تقول: وجه ابن حسان اليشكري قَالَ:
وأصحه عندنا مجاشع.
قَالَ علي: وأخبرنا سلمة بن عُثْمَانَ- وَكَانَ فاضلا- عن شيخ من أهل كَرْمَان والفضل الكرماني، عن أَبِيهِ، قَالَ: اتبع مجاشع يزدجرد فخرج من السيرجان، فلما كَانَ عِنْدَ القصر فِي بيمند- وَهُوَ الَّذِي يقال لَهُ قصر مجاشع- أصابهم الثلج والدمق، فوقع الثلج، واشتد البرد، وصار الثلج قامة رمح، فهلك الجند، وسلم مجاشع ورجل كَانَتْ مَعَهُ جارية، فشق
стр. 2176
بطن بعير، فأدخلها فِيهِ وهرب، فلما كَانَ من الغد، جَاءَ فوجدها حية فحملها، فسمي ذَلِكَ القصر قصر مجاشع، لأن جيشه هلكوا فِيهِ، وَهُوَ عَلَى خمسة فراسخ أو ستة من السيرجان.
قَالَ علي: أَخْبَرَنَا أَبُو المقدام، عن بعض مشيخته، قَالَ: خرج مجاشع عَلَى وفد أهل الْبَصْرَةِ من تستر- وفيهم الأحنف- وأخذ فِي غداة واحدة عَلَى لجام واحد خمسين ألفا، سبق عَلَى الصفراء ابنة الغراء ابنة الغبراء، فأخذها مِنْهُ عمر حين قاسم عماله الأموال.
قَالَ علي: فقلت للنضر بن إِسْحَاق: أن أبا المقدام ذكر هَذَا الحديث! فَقَالَ: صدق، سمعته من عدة من الحي وغيرهم، وفرسه الصفراء ابنة الغراء ابنة الغبراء وَهُوَ مجاشع بن مسعود بن ثعلبة بن عائذ بن وهب بْن رَبِيعَةَ بْن يربوع بْن سمال بْن عوف بن امرئ القيس بن بهثه بن سلم.
ويكنى أبا سُلَيْمَان.
قَالَ: وفي هَذِهِ السنة زاد عُثْمَان النداء الثالث عَلَى الزوراء، وصلى بمنى أربعا.
وحج بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السنة عثمان رضى الله عنه
стр. 2177
إحدى وثلاثين
(ذكر مَا كَانَ فِيهَا من الأحداث المشهورة) فمما كَانَ فِيهَا من ذَلِكَ غزوة الْمُسْلِمِينَ الروم الَّتِي يقال لها:
غزوة الصواري
فِي قول الْوَاقِدِيّ فأما أَبُو معشر فإنه قال فيما حَدَّثَنِي أحمد بْن ثابت الرازي، عمن ذكره، عن إِسْحَاق بن عِيسَى، عنه: كَانَتْ غزوة الصواري سنة أربع وثلاثين، وَقَالَ: كَانَتْ فِي سنة إحدى وثلاثين الأساودة فِي البحر ووقائع كسرى.
وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: غزوة الصواري والأساودة كلتاهما كانتا فِي سنة إحدى وثلاثين.
(ذكر الخبر عن هاتين الغزوتين:) ذكر الْوَاقِدِيّ أن مُحَمَّد بن صالح حدثه، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، أَنَّ أهل الشام خرجوا، عَلَيْهِم مُعَاوِيَة بن أَبِي سُفْيَانَ، وكانت الشام قَدْ جمع جمعها لمعاوية بن أَبِي سُفْيَانَ.
(ذكر السبب فِي جمعها لَهُ:) كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ وَالرَّبِيعِ وَأَبِي مُجَالِدٍ وَأَبِي عُثْمَانَ وَأَبِي حَارِثَةَ، قَالُوا: لَمَّا حَضَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ اسْتَخْلَفَ عَلَى عَمَلِهِ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ- وَهُوَ خَالُهُ وَابْنُ عَمِّهِ- وَقَدْ كَانَ وَلِيَ بِالْجَزِيرَةِ عَمَلا، فَعَزَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، فَلَحِقَ بِأَبِي عُبَيْدَةَ بِالشَّامِ،
стр. 2178
وَكَانَ مَعَهُ، وَكَانَ جَوَادًا مَشْهُورًا بِالْجُودِ، لا يَلِيقُ شَيْئًا، وَلا يَمْنَعُ أَحَدًا.
فَكُلِّمَ عُمَرُ فِي ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ: عَزَلْتَ خَالِدًا وَعَتَبْتَ عَلَيْهِ الْعَطَاءَ، وَعِيَاضٌ أَجْوَدُ الْعَرَبِ وَأَعْطَاهُمْ، لا يَمْنَعُ شَيْئًا يُسْأَلُهُ، فَقَالَ عُمَرُ: مَتَى سيمه عياض في ماله حتى يخلص الى ما لنا! وَإِنِّي مَعَ ذَلِكَ لَمْ أَكُنْ مُغَيِّرًا أَمْرًا قَضَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَمَاتَ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ بَعْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَأَمَّرَ عُمَرُ عَلَى عَمَلِهِ سَعِيدَ بْنَ حُذَيْمٍ الْجُمَحِيَّ، وَمَاتَ سَعِيدٌ بَعْدُ، فَأَمَّرَ عُمَرُ مَكَانَهُ عُمَيْرَ بْنَ سَعْدٍ الأَنْصَارِيَّ، وَمَاتَ عُمَرُ وَمُعَاوِيَةُ عَلَى دِمَشْقَ وَالأُرْدُنِّ، وَعُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ عَلَى حِمْصَ وَقِنَّسْرِينَ، وَإِنَّمَا مَصَّرَ قِنَّسْرِينَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ لِمَنْ لَحِقَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقَيْنِ وَمَاتَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، فَجَعَلَ عُمَرُ مَكَانَهُ مُعَاوِيَةَ وَنَعَاهُ لأَبِي سُفْيَانَ، فَقَالَ: مَنْ جَعَلْتَ عَلَى عَمَلِهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ:
مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: وَصَلَتْكَ رَحِمٌ، فَاجْتَمَعَتْ لِمُعَاوِيَةَ الأُرْدُنُّ وَدِمَشْقُ، وَمَاتَ عُمَرُ وَمُعَاوِيَةُ عَلَى دِمَشْقَ وَالأُرْدُنِّ وَعُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ على حمص وقنسرين، وعلقمه ابن مُجَزَّزٍ عَلَى فِلَسْطِينَ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلَى مِصْرَ.
وَكَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُبَشَّرٍ، عَنْ سَالِمٍ، قَالَ: كَانَ أَوَّلَ عَامِلٍ اسْتَعْمَلَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ وَصِيَّةِ عُمَرَ ثُمَّ إِنَّ عُمَيْرَ بْنَ سَعْدٍ طُعِنَ فَأَضْنَى مِنْهَا، فَاسْتَعْفَى عُثْمَانَ وَاسْتَأْذَنَهُ فِي الرُّجُوعِ إِلَى أَهْلِهِ، فَأَذِنَ لَهُ، وَضَمَّ حِمْصَ وَقِنَّسْرِينَ إِلَى مُعَاوِيَةَ.
وكتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ أَبِي حَارِثَةَ وَأَبِي عُثْمَانَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، قَالَ: لَمَّا وَلِيَ عُثْمَانُ أَقَرَّ عُمَّالَ عُمَرَ عَلَى الشَّامِ، فَلَمَّا مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلْقَمَةَ الْكِنَانِيُّ- وَكَانَ عَلَى فِلَسْطِينَ- ضَمَّ عَمَلَهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ، وَمَرِضَ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ فِي إِمَارَةِ عُثْمَانَ مَرَضًا طَالَ بِهِ، فاستعفاه واستاذنه فَأَذِنَ لَهُ، وَضَمَّ عَمَلَهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَاجْتَمَعَ الشَّامُ عَلَى مُعَاوِيَةَ لِسَنَتَيْنِ
стр. 2179
مِنْ إِمَارَةِ عُثْمَانَ وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلَى مِصْرَ زَمَانَ عُمَرَ، مُجْتَمِعَةً لَهُ، فَأَقَرَّهُ عُثْمَانُ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ.
رجع الحديث إِلَى حديث الْوَاقِدِيّ عن خبر الغزوتين اللتين ذكرتهما:
أن أهل الشام خرجوا، عليهم معاوية بن أَبِي سُفْيَانَ، وعلى أهل البحر عَبْد اللَّهِ بن سَعْدِ بْنِ أبي سرح وَقَالَ: وخرج عامئذ قسطنطين بن هرقل لما أصاب الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ بإفريقية، فخرجوا فِي جمع لم يجتمع للروم مثله قط منذ كَانَ الإِسْلام، فخرجوا في خمسمائة مركب، فالتقوا هم وعبد اللَّه بن سَعْدٍ، فأمن بعضهم بعضا حَتَّى قرنوا بين سفن الْمُسْلِمِينَ وأهل الشرك بين صواريها.
قَالَ ابن عمر: حَدَّثَنِي عِيسَى بن عَلْقَمَةَ، عن عَبْد اللَّهِ بن أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عن مالك بْن أوس بْن الحدثان، قَالَ: كنت معهم، فالتقينا فِي البحر، فنظرنا إِلَى مراكب مَا رأينا مثلها قط، وكانت الريح علينا، فأرسينا ساعة، وأرسوا قريبا منا، وسكنت الريح عنا، فقلنا: الأمن بيننا وبينكم قَالُوا: ذَلِكَ لكم ولنا مِنْكُمْ، ثُمَّ قلنا: إن أحببتم فالساحل حَتَّى يموت الأعجل منا ومنكم، وإن شئتم فالبحر قَالَ: فنخروا نخرة واحدة، وَقَالُوا: الماء، فدنونا مِنْهُمْ، فربطنا السفن بعضها إِلَى بعض حَتَّى كنا يضرب بعضنا بعضا عَلَى سفننا وسفنهم، فقاتلنا أشد القتال، ووثبت الرجال على الرجال يضطربون بالسيوف عَلَى السفن، ويتواجئون بالخناجر، حَتَّى رجعت الدماء إِلَى الساحل تضربها الأمواج، وطرحت الأمواج جثث الرجال ركاما.
قَالَ ابن عمر: فَحَدَّثَنِي هِشَام بن سَعْدٍ، عن زَيْد بن أسلم، عَنْ أَبِيهِ، عمن حضر ذَلِكَ الْيَوْم، قَالَ: رأيت الساحل حَيْثُ تضرب الريح الموج، وإن عَلَيْهِ لمثل الظرب العظيم من جثث الرجال، وإن الدم لغالب عَلَى
стр. 2180
الماء، وَلَقَدْ قتل يَوْمَئِذٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بشر كثير، وقتل من الكفار مَا لا يحصى، وصبروا يَوْمَئِذٍ صبرا لم يصبروا فِي موطن قط مثله ثُمَّ أنزل اللَّه نصره عَلَى أهل الإِسْلام، وانهزم القسطنطين مدبرا، فما انكشف إلا لما أصابه من القتل والجراح، وَلَقَدْ أصابه يَوْمَئِذٍ جراحات مكث منها حينا جريحا.
قال ابن عمر: حدثنى سالم مولى أم مُحَمَّد، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ حَنَشٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الصنعاني، قَالَ: كَانَ أول مَا سمع من مُحَمَّد بن أبي حُذَيْفَة حين ركب الناس البحر سنة إحدى وثلاثين، لما صلى عَبْد اللَّهِ بن سَعْدِ بْنِ أبي سرح بِالنَّاسِ العصر، كبر مُحَمَّد بن أبي حُذَيْفَة تكبيرا ورفع صوته حَتَّى فرغ الإمام عَبْد اللَّهِ بن سَعْدِ بْنِ أبي سرح، فلما انصرف سأل:
مَا هَذَا؟ فقيل لَهُ: هَذَا مُحَمَّد بن أبي حُذَيْفَة يكبر، فدعاه عَبْد اللَّهِ بن سَعْدٍ، فَقَالَ لَهُ: مَا هَذِهِ البدعة والحدث؟ فَقَالَ لَهُ: مَا هَذِهِ بدعة وَلا حدث، وما بالتكبير بأس، قَالَ: لا تعودن قَالَ: فأسكت مُحَمَّد بن أبي حُذَيْفَة، فلما صلى المغرب عَبْد اللَّهِ بن سَعْدٍ كبر مُحَمَّد بن أبي حُذَيْفَة تكبيرا أرفع من الأول، فأرسل إِلَيْهِ: إنك غلام أحمق، أما وَاللَّهِ لولا أني لا أدري مَا يوافق أَمِير الْمُؤْمِنِينَ لقاربت بين خطوك فَقَالَ مُحَمَّد بن أبي حُذَيْفَة: وَاللَّهِ مالك إِلَى ذَلِكَ سبيل، ولو هممت بِهِ مَا قدرت عَلَيْهِ قَالَ: فكف خير لك، وَاللَّهِ لا تركب معنا، قَالَ:
فأركب مع الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: اركب حَيْثُ شئت قَالَ: فركب فِي مركب وحده مَا مَعَهُ إلا القبط، حَتَّى بلغوا ذات الصواري، فلقوا جموع الروم في خمسمائة مركب او ستمائه فِيهَا القسطنطين بن هرقل، فَقَالَ: أشيروا علي، قَالُوا: ننظر الليلة، فباتوا يضربون بالنواقيس، وبات الْمُسْلِمُونَ يصلون ويدعون اللَّه.
ثُمَّ أصبحوا وَقَدْ أجمع القسطنطين أن يقاتل، فقربوا سفنهم، وقرب الْمُسْلِمُونَ فربطوا بعضها إِلَى بعض، وصف عَبْد اللَّهِ بن سَعْد الْمُسْلِمِينَ عَلَى
стр. 2181
نواحي السفن، وجعل يأمرهم بقراءة القرآن، ويأمرهم بالصبر، ووثبت الروم فِي سفن الْمُسْلِمِينَ عَلَى صفوفهم حَتَّى نقضوها، فكانوا يقاتلون عَلَى غير صفوف.
قَالَ: فاقتتلوا قتالا شديدا ثُمَّ إن اللَّه نصر الْمُؤْمِنِينَ، فقتلوا مِنْهُمْ مقتلة عظيمة لم ينج من الروم إلا الشريد.
قَالَ: وأقام عَبْد اللَّهِ بذات الصواري أياما بعد هزيمة القوم، ثُمَّ أقبل راجعا، وجعل مُحَمَّد بن أبي حُذَيْفَة يقول للرجل: أما وَاللَّهِ لقد تركنا خلفنا الجهاد حقا، فيقول الرجل: وأي جهاد؟ فيقول: عُثْمَان بن عَفَّانَ فعل كذا وكذا، وفعل كذا وكذا حَتَّى أفسد الناس فقدموا بلدهم وَقَدْ أفسدهم، وأظهروا من القول مَا لم يكونوا ينطقون بِهِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: فَحَدَّثَنِي معمر بن راشد، عن الزُّهْرِيّ، قَالَ:
خرج مُحَمَّد بن أبي حُذَيْفَة ومحمد بن أبي بكر عام خرج عَبْد اللَّهِ بن سَعْدٍ، فأظهرا عيب عُثْمَان وما غير وما خالف بِهِ أبا بكر وعمر، وإن دم عُثْمَان حلال.
ويقولان: استعمل عَبْد اللَّهِ بن سَعْد، رجلا كَانَ رَسُول الله ص أباح دمه ونزل القرآن بكفره، وأخرج رَسُول الله ص قوما وادخلهم، ونزع اصحاب رسول الله ص وَاسْتَعْمَلَ سَعِيد بن الْعَاصِ وعبد اللَّه بن عَامِر فبلغ ذَلِكَ عَبْد اللَّهِ بن سَعْدٍ، فَقَالَ:
لا تركبا معنا، فركبا فِي مركب مَا فِيهِ أحد مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ولقوا العدو، وكانا اكل الْمُسْلِمِينَ قتالا، فقيل لهما فِي ذَلِكَ، فقالا: كيف نقاتل مع رجل لا ينبغي لنا أن نحكمه! عَبْد اللَّهِ بن سَعْد استعمله عُثْمَان، وعثمان فعل وفعل، فأفسدا أهل تِلْكَ الغزاة، وعابا عُثْمَان أشد العيب فأرسل عَبْد اللَّهِ بن سَعْد إليهما ينهاهما أشد النهي، وَقَالَ: وَاللَّهِ لولا أني لا أدري مَا يوافق أَمِير الْمُؤْمِنِينَ لعاقبتكما وحبستكما.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وفي هَذِهِ السنة توفي أَبُو سُفْيَان بن حرب وَهُوَ ابن ثمان وثمانين سنة.
وفي هَذِهِ السنة- أعني سنة إحدى وثلاثين- فتحت فِي قول الْوَاقِدِيّ أرمينية عَلَى يدي حبيب بن مسلمه الفهري
стр. 2182
ذكر الخبر عن مقتل يزدجرد ملك فارس
وفي هَذِهِ السنة قتل يزدجرد ملك فارس.
ذكر الخبر عن سبب مقتله:
اختلف فِي سبب مقتله، وكيف كَانَ ذَلِكَ، فَقَالَ عَلِيّ بن مُحَمَّد:
أَخْبَرَنَا غياث بن إِبْرَاهِيمَ، عن ابن إِسْحَاق، قَالَ: هرب يزدجرد من كَرْمَان فِي جماعة يسيرة إِلَى مرو، فسأل مرزبانها مالا فمنعه، فخافوا عَلَى أنفسهم، فأرسلوا إِلَى الترك يستنصرونهم عَلَيْهِ، فأتوه فبيتوه، فقتلوا أَصْحَابه، وهرب يزدجرد حَتَّى أتى منزل رجل ينقر الأرحاء عَلَى شط المرغاب، فأوى إِلَيْهِ ليلا، فلما نام قتله.
قَالَ علي: وأخبرنا الْهُذَلِيّ، قَالَ: أتى يزدجرد مرو هاربا من كَرْمَان، فسأل مرزبانها وأهلها مالا، فمنعوه وخافوه، فبيتوه ولم يستجيشوا عَلَيْهِ الترك، فقتلوا أَصْحَابه، وخرج هاربا عَلَى رجليه، مَعَهُ منطقته وسيفه وتاجه، حَتَّى انتهى إِلَى منزل نقار عَلَى شط المرغاب، فلما غفل يزدجرد قتله النقار، وأخذ متاعه وألقى جسده فِي المرغاب، وأصبح أهل مرو فاتبعوا أثره، حَتَّى خفي عَلَيْهِم عِنْدَ منزل النقار، فأخذوه، فأقر لَهُمْ بقتله وأخرج متاعه، فقتلوا النقار وأهل بيته، وأخذوا متاعه ومتاع يزدجرد، وأخرجوه من المرغاب فجعلوه فِي تابوت من خشب.
قَالَ: فزعم بعضهم أَنَّهُمْ حملوه إِلَى إصطخر فدفن بِهَا فِي أول سنة إحدى وثلاثين، وسميت مرو خذاه دشمن، وقد كان يزدجرد وطيء امرأة بِهَا فولدت لَهُ غلاما ذاهب الشق- وذلك بعد ما قتل يزدجرد- فسمى المخدج، فولد لَهُ أولاد بخراسان، فوجد قُتَيْبَة حين افتتح الصغد أو غيرها جاريتين فقيل لَهُ: إنهما من ولد المخدج، فبعث بهما- أو بإحداهما- إِلَى الحجاج بن يُوسُفَ، فبعث بِهَا إِلَى الْوَلِيدِ بن عَبْد الْمَلِكِ، فولدت للوليد يَزِيد بن الْوَلِيد الناقص.
قَالَ علي: وأخبرنا روح بن عَبْدِ اللَّهِ، عن خرداذبة الرازي، أن
стр. 2183
يزدجرد أتى خُرَاسَان وَمَعَهُ خرزاذمهر، أخو رستم، فَقَالَ لماهوية مرزبان مرو: إني قَدْ سلمت إليك الملك ثُمَّ انصرف إِلَى العراق وأقام يزدجرد بمرو، وهم بعزل ماهوية، فكتب ماهويه إِلَى الترك يخبرهم بانهزام يزدجرد وبقدومه عَلَيْهِ، وعاهدهم عَلَى مؤازرتهم عَلَيْهِ، وخلى لَهُمُ الطريق.
قَالَ: وأقبل الترك إِلَى مرو، وخرج إِلَيْهِم يزدجرد فيمن مَعَهُ من أَصْحَابه، فقاتلهم وَمَعَهُ مَاهويه فِي أساورة مرو، فأثخن يزدجرد فِي الترك، فخشي ماهويه أن ينهزم الترك، فتحول إِلَيْهِم فِي أساورة مرو، فانهزم جند يزدجرد وقتلوا، وعقر فرس يزدجرد عِنْدَ المساء، فمضى ماشيا هاربا حَتَّى انتهى إِلَى بيت فِيهِ رحا عَلَى شط المرغاب، فمكث فِيهِ ليلتين، فطلبه ماهويه فلم يقدر عَلَيْهِ، فلما أصبح اليوم الثانى دخل صاحب الرحا بيته، فلما رَأَى هيئة يزدجرد قَالَ: مَا أنت؟ إنسي أو جني! قَالَ: إنسي، فهل عندك طعام؟ قَالَ: نعم، فأتاه بِهِ، فَقَالَ: إني مزمزم فأتني بِمَا أزمزم بِهِ، فذهب الطحان إِلَى إسوار من الأساورة، فطلب مِنْهُ مَا يزمزم بِهِ، قَالَ: وما تصنع بِهِ؟ قَالَ: عندي رجل لم أر مثله قط، وَقَدْ طلب هَذَا مني فأدخله عَلَى ماهويه، فَقَالَ: هَذَا يزدجرد، اذهبوا فجيئوني برأسه، فَقَالَ لَهُ الموبذ: ليس ذَلِكَ لك، قَدْ علمت أن الدين والملك مقترنان لا يستقيم أحدهما إلا بالآخر، ومتى فعلت انتهكت الحرمة الَّتِي لا بعدها وتكلم الناس وأعظموا ذَلِكَ، فشتمهم ماهويه، وَقَالَ للأساورة:
من تكلم فاقتلوه وأمر عدة فذهبوا مع الطحان، وأمرهم أن يقتلوا يزدجرد، فانطلقوا فلما رأوه كرهوا قتله، وتدافعوا ذَلِكَ وَقَالُوا للطحان: ادخل فاقتله، فدخل عَلَيْهِ وَهُوَ نائم وَمَعَهُ حجر فشدخ بِهِ رأسه، ثُمَّ احتز رأسه، فدفعه إِلَيْهِم، وألقى جسده فِي المرغاب فخرج قوم من أهل مرو، فقتلوا الطحان، وهدموا رحاه، وخرج أسقف مرو، فأخرج جسد يزدجرد من المرغاب، فجعله فِي تابوت، وحمله إِلَى إصطخر، فوضعه في ناووس
стр. 2184
وَقَالَ آخرون فِي ذَلِكَ مَا ذكر هِشَام بن مُحَمَّدٍ، أنه ذكر لَهُ أن يزدجرد هرب بعد وقعة نهاوند، وكانت آخر وقعاتهم حَتَّى سقط إِلَى أرض إصبهان، وبها رجل يقال لَهُ مطيار من دهاقينها- وَهُوَ المنتدب كَانَ لقتال العرب حين نكلت الأعاجم عنها- فدعاهم إِلَى نفسه، فَقَالَ: إن وليت أموركم وسرت بكم إِلَيْهِم مَا تجعلون لي؟ فَقَالُوا: نقر لك بفضلك فسار بهم، فأصاب من العرب شَيْئًا يسيرا، فحظي بِهِ عندهم، ونال بِهِ أفضل الدرجات فِيهِمْ.
فلما رَأَى يزدجرد أمر إصبهان ونزلها، أتاه مطيار ذات يوم زائرا، فحجبه بوابه، وَقَالَ لَهُ: قف حَتَّى أستأذن لك عَلَيْهِ، فوثب عَلَيْهِ فشجه أنفة وحمية لحجبه إِيَّاهُ، ودخل البواب عَلَى يزدجرد مدمى، فلما نظر إِلَيْهِ أفظعه ذَلِكَ، وركب من ساعته مرتحلا عن إصبهان، وأشير عَلَيْهِ أن يأتي أقصى مملكته فيكون بِهَا، لاشتغال العرب عنه بِمَا هم فِيهِ إِلَى يوم فسار متوجها إِلَى ناحية الري، فلما قدمها خرج إِلَيْهِ صاحب طبرستان، وعرض عَلَيْهِ بلاده، وأخبره بحصانتها، وَقَالَ لَهُ: إن أنت لم تجبني يومك هَذَا ثُمَّ أتيتني بعد ذَلِكَ لم أقبلك ولم آوك، فأبى عَلَيْهِ يزدجرد، وكتب لَهُ بالأصبهبذية، وَكَانَ لَهُ فِيمَا خلا عَلَيْهِ درجة أوضع منها.
وَقَالَ بعضهم: إن يزدجرد مضى من فوره ذَلِكَ إِلَى سجستان، ثُمَّ سار منها إِلَى مرو فِي ألف رجل من الأساورة.
وَقَالَ بعضهم: إن يزدجرد وقع إِلَى أرض فارس، فأقام بِهَا أربع سنين، ثُمَّ أتى أرض كَرْمَان، فأقام بِهَا سنتين أو ثلاث سنين، فطلب إِلَيْهِ دهقان كَرْمَان أن يقيم عنده، فلم يفعل، وطلب من الدهقان أن يعطيه رهينة، فلم يعطه دهقان كَرْمَان شَيْئًا، فلم يعطه مَا طلب، فأخذ برجله فسحبه وطرده عن بلاده، فوقع منها إِلَى سجستان، فأقام بِهَا نحوا من خمس سنين.
ثُمَّ أجمع أن ينزل خُرَاسَان فيجمع الجموع فِيهَا ويسير بهم إِلَى من غلبه عَلَى مملكته، فسار بمن مَعَهُ إِلَى مرو، وَمَعَهُ الرهن من أولاد الدهاقين، وَمَعَهُ من رؤسائهم فرخزاذ، فلما قدم مرو استغاث مِنْهُمْ بالملوك، وكتب إِلَيْهِم يستمدهم، وإلى صاحب الصين وملك فرغانة وملك كابل وملك الخزر
стр. 2185
والدهقان يَوْمَئِذٍ بمرو ماهويه بن مافناه بن فيد أَبُو براز ووكل ماهوية ابنه براز مدينة مرو- وكانت إِلَيْهِ- وأراد يزدجرد دخول الْمَدِينَةِ لينظر إِلَيْهَا وإلى قهندزها- وَكَانَ ماهويه قَدْ تقدم إِلَى ابنه أَلا يفتحها لَهُ إن رام دخولها تخوفا لمكره وغدره- فركب يزدجرد فِي الْيَوْم الَّذِي أراد دخولها، فأطاف بِالْمَدِينَةِ، فلما انتهى إِلَى باب من أبوابها، وأراد دخولها مِنْهُ صاح أَبُو براز ببراز: أن افتح- وَهُوَ فِي ذَلِكَ يشد منطقته، ويومىء إِلَيْهِ أَلا يفعل- وفطن لذلك رجل من أَصْحَاب يزدجرد، فأعلمه ذَلِكَ، واستأذنه فِي ضرب عنق ماهويه، وَقَالَ: إن فعلت صفت لك الأمور بهذه الناحية، فأبى عَلَيْهِ.
وَقَالَ بعضهم: بل كَانَ يزدجرد ولى مرو فرخزاذ، وأمر براز أن يدفع القهندز والمدينة إِلَيْهِ، فأبى أهل الْمَدِينَةِ ذَلِكَ، لأن ماهويه أبا براز تقدم إِلَيْهِم بِذَلِكَ، وَقَالَ لَهُمْ: ليس هَذَا لكم بملك، فقد جاءكم مفلولا مجروحا، ومرو لا تحتمل مَا يحتمل غيرها من الكور، فإذا جئتكم غدا فلا تفتحوا الباب فلما أتاهم فعلوا ذَلِكَ، وانصرف فرخزاذ، فجثا بين يدي يزدجرد، وَقَالَ: استصعبت عَلَيْك مرو، وهذه العرب قَدْ أتتك قَالَ:
فما الرأي؟ قَالَ: الرأي أن نلحق ببلاد الترك ونقيم بِهَا، حَتَّى يتبين لنا أمر العرب، فإنهم لا يدعون بلدة إلا دخلوها قَالَ: لست أفعل، ولكنى أرجع عودي عَلَى بدئي، فعصاه ولم يقبل رأيه، وسار يزدجرد، فأتى براز دهقان مرو، وأجمع عَلَى صرف الدهقنة إِلَى سنجان ابن أخيه، فبلغ ذَلِكَ ماهوية أبا براز، فعمل فِي هلاك يزدجرد وكتب إِلَى نيزك طرخان يخبره أن يزدجرد وقع إِلَيْهِ مفلولا، ودعاه إِلَى القدوم عَلَيْهِ لتكون أيديهما معا فِي أخذه، والاستيثاق مِنْهُ، فيقتلوه أو يصالحوا عَلَيْهِ العرب، وجعل لَهُ إن هُوَ أراحه مِنْهُ أن يفي لَهُ كل يوم بألف درهم، وسأله أن يكتب إِلَى يزدجرد مماكرا لَهُ لينحي عنه عامة جنده، ويحصل فِي طائفة من عسكره وخواصه، فيكون أضعف لركنه، وأهون لشوكته، وَقَالَ: تعلمه فِي كتابك إِلَيْهِ الَّذِي عزمت عَلَيْهِ، من مناصحته ومعونته عَلَى عدوه من العرب، حتى
стр. 2186
بقهرهم، وتطلب إِلَيْهِ أن يشتق لك اسما من أسماء أهل الدرجات بكتاب مختوم بالذهب، وتعلمه أنك لست قادما عَلَيْهِ حَتَّى ينحي عنه فرخزاذ.
فكتب نيزك بِذَلِكَ إِلَى يزدجرد، فلما ورد عَلَيْهِ كتابه بعث إِلَى عظماء مرو فاستشارهم، فَقَالَ لَهُ سنجان: لست أَرَى أن تنحي عنك جندك وفرخزاذ لشيء، وَقَالَ أَبُو براز: بل أَرَى أن تتألف نيزك وتجيبه إِلَى مَا سأل فقبل رأيه، وفرق عنه جنده، وامر فرخزاذ ان ياتى اجمه سرخس، فصاح فرخزاذ، وشق جيبه، وتناول عمودا بين يديه يريد ضرب أبي براز بِهِ، وَقَالَ: يَا قتلة الملوك، قتلتم ملكين، وأظنكم قاتلي هَذَا! ولم يبرح فرخزاذ حَتَّى كتب لَهُ يزدجرد بخط يده كتابا: هَذَا كتاب لفرخزاذ، إنك قَدْ سلمت يزدجرد وأهله وولده وحاشيته وما مَعَهُ إِلَى ماهويه دهقان مرو وأشهد عَلَيْهِ بِذَلِكَ.
فأقبل نيزك إِلَى موضع بين المروين، يقال له حلسدان، فلما أجمع يزدجرد عَلَى لقائه والمسير إِلَيْهِ، أشار عَلَيْهِ أَبُو براز أَلا يلقاه فِي السلاح فيرتاب بِهِ، وينفر عنه، ولكن يلقاه بالمزامير والملاهي، ففعل فسار فيمن أشار عَلَيْهِ ماهويه، وسمى لَهُ، وتقاعس عنه أَبُو براز، وكردس نيزك أَصْحَابه كراديس.
فلما تدانيا استقبله نيزك ماشيا، ويزدجرد عَلَى فرس لَهُ، فأمر لنيزك بجنيبة من جنائبه فركبها، فلما توسط عسكره تواقفا، فَقَالَ لَهُ نيزك فِيمَا يقول: زوجني إحدى بناتك وأناصحك، وأقاتل معك عدوك فَقَالَ لَهُ يزدجرد: وعلي تجترئ أيها الكلب! فعلاه نيزك بمخفقته، وصاح يزدجرد: غدر الغادر! وركض منهزما، ووضع أَصْحَاب نيزك سيوفهم فِيهِمْ، فأكثروا فِيهِمُ القتل وانتهى يزدجرد من هزيمته إِلَى مكان من أرض مرو، فنزل عن فرسه، ودخل بيت طحان فمكث فِيهِ ثلاثة أيام، فَقَالَ لَهُ الطحان: أيها الشقي، اخرج فاطعم شَيْئًا، فإنك قَدْ جعت منذ ثلاث، قال: لست
стр. 2187
أصل إِلَى ذَلِكَ إلا بزمزمة وَكَانَ رجل من زمازمة مرو أخرج حنطة لَهُ ليطحنها، فكلمه الطحان أن يزمزم عنده ليأكل، ففعل ذَلِكَ، فلما انصرف سمع أبا براز يذكر يزدجرد، فسألهم عن حليته، فوصفوه لَهُ، فأخبرهم أنه رآه فِي بيت طحان، وَهُوَ رجل جعد مقرون حسن الثنايا، مقرط مسور.
فوجه إِلَيْهِ عِنْدَ ذَلِكَ رجلا من الأساورة، وأمره إن هُوَ ظفر بِهِ أن يخنقه بوتر، ثُمَّ يطرحه فِي نهر مرو، فلقوا الطحان، فضربوه ليدل عَلَيْهِ فلم يفعل، وجحدهم أن يكون يعرف أين توجه فلما أرادوا الانصراف عنه قَالَ لَهُمْ رجل مِنْهُمْ: إني أجد ريح المسك، ونظر إِلَى طرف ثوبه من ديباج فِي الماء، فاجتذبه إِلَيْهِ، فإذا هُوَ يزدجرد، فسأله أَلا يقتله وَلا يدل عَلَيْهِ، ويجعل لَهُ خاتمه وسواره ومنطقته، قَالَ الآخر: أعطني أربعة دراهم وأخلي عنك، قَالَ يزدجرد: ويحك خاتمي لك، وثمنه لا يحصى! فأبى عَلَيْهِ، قَالَ يزدجرد: قَدْ كنت أخبر أني سأحتاج إِلَى أربعة دراهم، وأضطر إِلَى أن يكون أكلي أكل الهر، فقد عاينت، وجاءني بحقيقته، وانتزع أحد قرطيه فأعطاه الطحان مكافأة لَهُ لكتمانه عَلَيْهِ، ودنا مِنْهُ كأنه يكلمه بشيء، فوصف لَهُ موضعه، وأنذر الرجل أَصْحَابه، فأتوه، فطلب إِلَيْهِم يزدجرد أَلا يقتلوه وَقَالَ: ويحكم! إنا نجد فِي كتبنا أن من اجترأ عَلَى قتل الملوك عاقبه اللَّه بالحريق فِي الدُّنْيَا، مع مَا هُوَ قادم عَلَيْهِ، فلا تقتلوني وآتوني الدهقان أو سرحوني إِلَى العرب، فإنهم يستحيون مثلي من الملوك، فأخذوا مَا كَانَ عَلَيْهِ من الحلي، فجعلوه فِي جراب، وختموا عَلَيْهِ، ثُمَّ خنقوه بوتر، وطرحوه فِي نهر مرو، فجرى بِهِ الماء حَتَّى انتهى إِلَى فوهة الرزيق، فتعلق بعود، فأتاه أسقف مرو، فحمله ولفه فِي طيلسان ممسك، وجعله في تابوت، وحمله الى بائى بابان أسفل ماجان، فوضعه فِي عقد كَانَ يكون مجلس الأسقف فِيهِ وردمه، وسأل أَبُو براز عن أحد القرطين حين افتقده، فأخذ الَّذِي دل عَلَيْهِ فضربه حَتَّى أتى عَلَى نفسه، وبعث بِمَا أصيب لَهُ إِلَى الخليفة يَوْمَئِذٍ، فأغرم الخليفة الدهقان قيمة القرط المفقود
стр. 2188
وَقَالَ آخرون: بل سار يزدجرد من كَرْمَان قبل ورود العرب إياها، فأخذ عَلَى طريق الطبسين وقهستان، حَتَّى شارف مرو فِي زهاء أربعة آلاف رجل، ليجمع من أهل خُرَاسَان جموعا، ويكر إِلَى العرب ويقاتلهم، فتلقاه قائدان متباغضان متحاسدان كانا بمرو، يقال لأحدهما براز والآخر سنجان، ومنحاه الطاعة، وأقام بمرو، وخص براز فحسده ذَلِكَ سنجان، وجعل براز يبغي سنجان الغوائل، ويوغل صدر يزدجرد عَلَيْهِ، وسعى بسنجان حَتَّى عزم عَلَى قتله، وأفشى مَا كَانَ عزم عَلَيْهِ من ذَلِكَ إِلَى امرأة من نسائه كَانَ براز واطأها، فأرسلت إِلَى براز بنسوة زعمت بإجماع يزدجرد عَلَى قتل سنجان، وفشا مَا كَانَ عزم عَلَيْهِ يزدجرد من ذَلِكَ فنذر سنجان، وأخذ حذره، وجمع جمعا كنحو أَصْحَاب براز، ومن كَانَ مع يزدجرد من الجند، وتوجه نحو القصر الَّذِي كَانَ يزدجرد نازله وبلغ ذَلِكَ براز، فنكص عن سنجان لكثرة جموعه، ورعب جمع سنجان يزدجرد وأخافه، فخرج من قصره متنكرا، ومضى عَلَى وجهه راجلا لينجو بنفسه، فمشى نحوا من فرسخين حَتَّى وقع إِلَى رحا مَا، فدخل بيت الرحا، فجلس فِيهِ كالا لغبا، فرآه صاحب الرحا ذا هيئة وطرة وبزة كريمة، ففرش لَهُ، فجلس وأتاه بطعام فطعم، ومكث عنده يَوْمًا وليلة، فسأله صاحب الرحا أن يأمر لَهُ بشيء، فبذل لَهُ منطقة مكللة بجوهر كَانَتْ عَلَيْهِ، فأبى صاحب الرحا أن يقبلها، وَقَالَ: إنما كَانَ يرضيني من هَذِهِ المنطقة أربعة دراهم كنت أطعم بِهَا وأشرب، فأخبره أنه لا ورق مَعَهُ، فتملقه صاحب الرحا، حَتَّى إذا غفا قام إِلَيْهِ بفأس لَهُ فضرب بِهَا هامته فقتله، واحتز رأسه، وأخذ مَا كَانَ عَلَيْهِ من ثياب ومنطقة، وألقى جيفته فِي النهر الَّذِي كَانَ تدور بمائه رحاه، وبقر بطنه، وأدخل فِيهِ أصولا من أصول طرفاء كَانَتْ نابتة فِي ذَلِكَ النهر لتحبس جثته فِي الموضع الَّذِي ألقاه فِيهِ، فلا يسفل فيعرف ويطلب قاتله وما أخذ من سلبه، وهرب عَلَى وجهه.
وبلغ قتل يزدجرد رجلا من أهل الأهواز كَانَ مطرانا عَلَى مرو،
стр. 2189
يقال لَهُ إيلياء، فجمع من كَانَ قبله من النصارى، وَقَالَ لَهُمْ: إن ملك الفرس قَدْ قتل، وَهُوَ ابن شهريار بن كسرى، وإنما شهريار ولد شيرين المؤمنة الَّتِي قَدْ عرفتم حقها وإحسانها إِلَى أهل ملتها مِنْ غَيْرِ وجه، ولهذا الملك عنصر فِي النصرانية مع مَا نال النصارى فِي ملك جده كسرى من الشرف، وقبل ذَلِكَ فِي مملكة ملوك من أسلافه من الخير، حَتَّى بنى لَهُمْ بعض البيع، وسدد لَهُمْ بعض ملتهم، فينبغي لنا أن نحزن لقتل هَذَا الملك من كرامته بقدر إحسان أسلافه وجدته شيرين، كَانَ إِلَى النصارى، وَقَدْ رأيت أن أبني لَهُ ناووسا، وأحمل جثته فِي كرامة حَتَّى أواريها فِيهِ.
فَقَالَ النصارى: أمرنا لأمرك أيها المطران تبع، ونحن لك عَلَى رأيك هَذَا مواطئون فأمر المطران فبنى فِي جوف بستان المطارنة بمرو ناووسا، ومضى بنفسه وَمَعَهُ نصارى مرو حَتَّى استخرج جثة يزدجرد من النهر وكفنها، وجعلها فِي تابوت، وحمله من كَانَ مَعَهُ من النصارى على عواتقهم حتى أتوا به الناووس الَّذِي أمر ببنائه لَهُ وواروه فِيهِ، وردموا بابه، فكان ملك يزدجرد عشرين سنة، منها أربع سنين فِي دعة وست عشرة سنة فِي تعب من محاربة العرب إِيَّاهُ وغلظتهم عَلَيْهِ.
وَكَانَ آخر ملك ملك من آل أردشير بن بابك، وصفا الملك بعده للعرب
. شخوص عبد الله بن عامر الى خراسان وما قام به من فتوح
وفي هَذِهِ السنة- أعني سنة إحدى وثلاثين- شخص عَبْد اللَّهِ بن عَامِر إِلَى خُرَاسَان ففتح ابرشهر وطوس وبيورد ونسا حَتَّى بلغ سرخس، وصالح فِيهَا أهل مرو.
ذكر الخبر عن ذَلِكَ:
ذكر أن ابن عَامِر لما فتح فارس قام إِلَيْهِ أوس بن حبيب التميمي، فَقَالَ:
أصلح اللَّه الأمير! إن الأرض بين يديك، ولم تفتتح من ذَلِكَ إلا القليل، فسر فإن اللَّه ناصرك، قال: او لم نأمر بالمسير! وكره أن يظهر أنه قبل
стр. 2190
رأيه، فذكر عَلِيّ بن مُحَمَّدٍ أن مسلمة بن محارب أخبره عن السكن بن قَتَادَة العريني، قَالَ: فتح ابن عَامِر فارس ورجع إِلَى الْبَصْرَة، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى إصطخر شريك بن الأعور الحارثي، فبنى شريك مسجد إصطخر، فدخل عَلَى ابن عَامِر رجل من بني تميم، قَالَ: كنا نقول: إنه الأحنف- ويقال:
أوس بن جابر الجشمي جشم تميم- فَقَالَ لَهُ: إن عدوك مِنْكَ هارب، وَهُوَ لك هائب، والبلاد واسعة، فسر فإن اللَّه ناصرك، ومعز دينه.
فتجهز ابن عَامِر، وأمر الناس بالجهاز للمسير، واستخلف عَلَى الْبَصْرَةِ زيادا، وسار إِلَى كَرْمَان، ثُمَّ أخذ إِلَى خُرَاسَان، فقوم يقولون: أخذ طريق إصبهان، ثُمَّ سار إِلَى خُرَاسَان.
قَالَ علي: أَخْبَرَنَا المفضل الكرماني، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ أشياخ كَرْمَان يذكرون أن ابن عَامِر نزل المعسكر بالسيرجان، ثُمَّ سار إِلَى خُرَاسَان، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى كَرْمَان مجاشع بن مسعود السلمى، وأخذ ابن عامر على مفازة رابر، وَهِيَ ثمانون فرسخا، ثُمَّ سار إِلَى الطبسين يريد أَبْرَشَهْر، وَهِيَ مدينة نيسابور، وعلى مقدمته الأحنف بن قيس، فأخذ إِلَى قهستان، وخرج إِلَى أَبْرَشَهْر فلقيه الهياطلة، وهم أهل هراة، فقاتلهم الأحنف فهزمهم، ثُمَّ أتى ابن عَامِر نيسابور قَالَ علي: وأخبرنا أَبُو مخنف، عن نمير بن وعلة، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ:
أخذ ابن عَامِر عَلَى مفازة خبيص، ثُمَّ عَلَى خواست- ويقال: عَلَى يزد- ثُمَّ عَلَى قهستان، فقدم الأحنف فلقيه الهياطلة، فقاتلهم فهزمهم، ثُمَّ أتى أَبْرَشَهْر، فنزلها ابن عَامِر، وَكَانَ سَعِيد بن الْعَاصِ فِي جند أهل الْكُوفَة، فأتى جُرْجَان وَهُوَ يريد خُرَاسَان، فلما بلغه نزول ابن عَامِر أَبْرَشَهْر، رجع إِلَى الْكُوفَةِ.
قَالَ علي: أَخْبَرَنَا عَلِيّ بن مُجَاهِدٍ، قَالَ: نزل ابن عَامِر عَلَى أَبْرَشَهْر فغلب عَلَى نصفها عنوة، وَكَانَ النصف الآخر فِي يد كنارى، ونصف نسا وطوس، فلم يقدر ابن عَامِر أن يجوز إِلَى مرو، فصالح كنارى، فأعطاه ابنه أبا الصلت ابن كنارى وابن أخيه سليما رهنا، ووجه عَبْد اللَّهِ بن خازم إِلَى هراة
стр. 2191
وحاتم بن النُّعْمَانِ إِلَى مرو، فأخذ ابن عامر ابنى كنارى، فصارا الى النعمان ابن الأفقم النَّصْرِيّ فأعتقهما.
قَالَ علي: وأخبرنا أَبُو حفص الأَزْدِيّ، عن إدريس بن حنظلة العمي، قَالَ: فتح ابن عَامِر مدينة أَبْرَشَهْر عنوة، وفتح مَا حولها طوس وبيورد ونسا وحمران، وَذَلِكَ سنة إحدى وثلاثين.
قَالَ علي: أَخْبَرَنَا أَبُو السري المروزي، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سمعت مُوسَى بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خازم يقول: أبي صالح أهل سرخس، بعثه إِلَيْهِم عَبْد اللَّهِ بن عَامِر من أبرشهر وصالح ابن عَامِر أهل أَبْرَشَهْر صلحا، فأعطوه جاريتين من آل كسرى بابونج وطهميج- او طهميج- فاقبل بهما معه، وبعث أمين ابن أحمر اليشكري، ففتح مَا حول أَبْرَشَهْر: طوس وبيورد ونسا وحمران، حَتَّى انتهى إِلَى سرخس.
قَالَ علي: وأخبرنا الصلت بن دينار، عن ابن سيرين، قَالَ:
بعث ابن عَامِر عَبْد اللَّهِ بن خازم إِلَى سرخس، ففتحها وأصاب ابن عَامِر جاريتين من آل كسرى، فأعطى إحداهما النوشجان، وماتت بابونج.
قَالَ علي: وأخبرنا أَبُو الذيال زهير بن هنيد العدوي، عن أشياخ من أهل خُرَاسَان، أن ابن عَامِر سرح الأسود بن كلثوم العدوي- عدي الرباب- إِلَى بيهق، وَهُوَ من أَبْرَشَهْر، بينها وبين مدينة أَبْرَشَهْر ستة عشر فرسخا، ففتحها وقتل الأسود بن كلثوم قَالَ: وَكَانَ فاضلا فِي دينه، كَانَ من أَصْحَاب عَامِر بن عَبْدِ اللَّهِ العنبري وَكَانَ عَامِر يقول بعد مَا أخرج مِنَ الْبَصْرَةِ: مَا آسى من العراق على شيء الا على مماء الهواجر، وتجاوب المؤذنين، وإخوان مثل الأسود بن كلثوم.
قَالَ علي: وأخبرنا زهير بن هنيد، عن بعض عمومته، قَالَ: غلب ابن عَامِر عَلَى نيسابور، وخرج إِلَى سرخس، فأرسل إِلَى أهل مرو يطلب
стр. 2192
الصلح، فبعث إِلَيْهِم ابن عَامِر حاتم بن النُّعْمَانِ الباهلي، فصالح براز مرزبان مرو عَلَى ألفي ألف ومائتي ألف.
قَالَ: فأخبرنا مُصْعَب بن حيان عن أخيه مقاتل بن حيان، قال:
صالحهم على سته آلاف الف ومائتي ألف.
وحج بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السنة عُثْمَان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
стр. 2193
ثُمَّ دخلت
سنة اثنتين وثلاثين
(ذكر مَا كَانَ فِيهَا من الأحداث المذكورة) فمن ذَلِكَ غزوة مُعَاوِيَة بن أَبِي سُفْيَانَ المضيق، مضيق القسطنطينية، وَمَعَهُ زوجته عاتكة ابنة قرطة بن عبد عَمْرو بن نوفل بن عبد مناف.
وقيل: فاختة، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَحْمَد بْن ثَابِت، عمن ذكره، عن إِسْحَاق، عن أبي معشر، وَهُوَ قول الْوَاقِدِيّ.
وفي هَذِهِ السنة استعمل سَعِيد بن الْعَاصِ سلمان بن رَبِيعَةَ عَلَى فرج بلنجر، وأمد الجيش الَّذِي كَانَ بِهِ مقيما مع حُذَيْفَة بأهل الشام، عَلَيْهِم حبيب بن مسلمة الفهري- فِي قول سيف- فوقع فيها الاختلاف بين سلمان وحبيب فِي الأمر، وتنازع فِي ذَلِكَ أهل الشام وأهل الْكُوفَة.
ذكر الخبر بِذَلِكَ:
فَمِمَّا كَتَبَ بِهِ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة قَالا: كَتَبَ عُثْمَانُ إِلَى سَعِيدٍ: أَنْ أَغْزِ سلمان الباب، وكتب الى عبد الرحمن ابن رَبِيعَةَ وَهُوَ عَلَى الْبَابِ: أَنَّ الرَّعِيَّةَ قَدْ أَبْطَرَ كَثِيرًا مِنْهُمُ الْبِطْنَةُ، فَقَصِّرْ، وَلا تَقْتَحِمْ بِالْمُسْلِمِينَ، فَإِنِّي خَاشٍ أَنْ يُبْتَلَوْا، فَلَمْ يَزْجُرْ ذَلِكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ عَنْ غَايَتِهِ، وَكَانَ لا يُقَصِّرُ عَنْ بَلَنْجَرَ، فَغَزَا سَنَةَ تِسْعٍ مِنْ إِمَارَةِ عُثْمَانَ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَلَنْجَرَ، حَصَرُوهَا ونَصَبُوا عَلَيْهَا الْمَجَانِيقَ وَالْعَرَادَاتِ، فَجَعَلَ لا يَدْنُو مِنْهَا أَحَدٌ إِلا أَعْنَتُوهُ أَوْ قَتَلُوهُ، فَأَسْرَعُوا فِي النَّاسِ، وَقُتِلَ مِعْضَدٌ فِي تِلَكَ الأَيَّامِ.
إِنَّ التُّرْكَ اتَّعَدُوا يَوْمًا، فَخَرَجَ أَهْلُ بَلَنْجَرَ، وَتَوَافَتْ إِلَيْهِمُ التُّرْكُ فَاقْتَتَلُوا، فَأُصِيبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَبِيعَةَ- وَكَانَ يُقَالُ لَهُ ذُو النُّورِ- وَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ فَتَفَرَّقُوا، فَأَمَّا مَنْ أَخَذَ طَرِيقَ سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ فَحَمَاهُ حَتَّى خَرَجَ
стр. 2194
مِنَ الْبَابِ، وَأَمَّا مَنْ أَخَذَ طَرِيقَ الْخَزَرِ وَبِلادِهَا، فَإِنَّهُ خَرَجَ عَلَى جَيْلانَ وَجَرْجَانَ وَفِيهِمْ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَخَذَ الْقَوْمُ جَسَدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَجَعَلُوهُ فِي سَفَطٍ، فَبَقِيَ فِي أَيْدِيهِمْ، فَهُمْ يَسْتَسْقُونَ بِهِ إِلَى الْيَوْمِ وَيَسْتَنْصِرُونَ به.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن دَاوُد بن يَزِيدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: وَاللَّهِ لسلمان بن رَبِيعَة كَانَ أبصر بالمضارب من الجازر بمفاصل الجزور.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنِ الْغُصْنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بني كنانة، قال: لما تتابعت الغزوات على الخزر، وتذامروا وتعايروا وَقَالُوا: كنا أمة لا يقرن لنا أحد حَتَّى جاءت هَذِهِ الأمة القليلة، فصرنا لا نقوم لها فَقَالَ بعضهم لبعض: إن هَؤُلاءِ لا يموتون، ولو كَانُوا يموتون لما اقتحموا علينا وما أصيب فِي غزواتها أحد إلا فِي آخر غزوة عبد الرَّحْمَن، فَقَالُوا: أفلا تجربون! فكمنوا فِي الغياض، فمر بأولئك الكمين مرار من الجند، فرموهم منها، فقتلوهم، فواعدوا رءوسهم، ثُمَّ تداعوا إِلَى حربهم، ثُمَّ اتعدوا يَوْمًا، فاقتتلوا، فقتل عبد الرَّحْمَن، وأسرع فِي الناس فافترقوا فرقين، فرق نحو الباب فحماهم سلمان حَتَّى أخرجهم، وفرق أخذوا نحو الخزر، فطلعوا عَلَى جيلان وجرجان، فِيهِمْ سلمان الفارسي وأبو هُرَيْرَة.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن المستنير بن يَزِيدَ، عن أخيه قيس، عَنْ أَبِيهِ: قَالَ كَانَ يَزِيد بن مُعَاوِيَة وعلقمة بن قيس ومعضد الشيباني وأبو مفزر التميمي فِي خباء، وعمرو بن عتبة وخالد بن رَبِيعَة والحلحال بن ذري والقرثع فِي خباء، وكانوا متجاورين فِي عسكر بلنجر، وَكَانَ القرثع يقول: مَا أحسن لمع الدماء عَلَى الثياب! وَكَانَ عَمْرو بن عتبة يقول لقباء عَلَيْهِ أبيض: مَا أحسن حمرة الدماء فِي بياضك! وغزا أهل الْكُوفَة بلنجر سنين من إمارة عُثْمَان لم تئم فيهن امرأة، ولم ييتم فيهن صبي من قتل، حَتَّى كَانَ سنة تسع، فلما كَانَ سنة تسع قبل
стр. 2195
المزاحفة بيومين رَأَى يَزِيد بن مُعَاوِيَة أن غزالا جيء بِهِ إِلَى خبائه، لم ير غزالا أحسن مِنْهُ حَتَّى لف فِي ملحفته، ثُمَّ أتى بِهِ قبر عَلَيْهِ أربعة نفر لم ير قبرا أشد استواء مِنْهُ وَلا أحسن مِنْهُ، حَتَّى دفن فِيهِ، فلما تغادى الناس عَلَى الترك رمي يَزِيد بحجر، فهشم رأسه، فكأنما زين ثوبه بالدماء زينة، وليس يتلطخ، فكان ذَلِكَ الغزال الَّذِي رَأَى، وَكَانَ بذلك الدم على ذلك القباء الْحسن، فلما كَانَ قبل المزاحفة بيوم تغادوا، فَقَالَ معضد لعلقمة: أعرني بردك أعصب بِهِ رأسي، ففعل، فأتى البرج الَّذِي أصيب فِيهِ يَزِيد، فرماهم فقتل مِنْهُمْ، ورمي بحجر فِي عرادة، ففضخ هامته، واجتره أَصْحَابه فدفنوه إِلَى جنب يَزِيد، وأصاب عَمْرو بن عتبة جراحة، فرأى قباءه كما اشتهى.
وقتل، فلما كَانَ يوم المزاحفة قاتل القرثع حَتَّى خرق بالحراب، فكأنما كَانَ قباؤه ثوبا أرضه بيضاء ووشيه أحمر، وما زال الناس ثبوتا حَتَّى أصيب، وكانت هزيمة الناس مع مقتله.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن دَاوُد بن يَزِيدَ، قَالَ: كَانَ يَزِيد بن مُعَاوِيَة النخعي ﵁ وعمرو بن عتبة ومعضد أصيبوا يوم بلنجر، فأما معضد فإنه اعتجر ببرد لعلقمة، فأتاه شظية من حجر منجنيق فأمه، فاستصغره، ووضع يده عَلَيْهِ فمات فغسل دمه عَلْقَمَة، فلم يخرج، وَكَانَ يحضر فِيهِ الجمعة، وَقَالَ يحرضني عَلَيْهِ: إن فِيهِ دم معضد فأما عَمْرو فلبس قباء أبيض، وَقَالَ: مَا أحسن الدم عَلَى هَذَا! فأتاه حجر فقتله، وملأه دما، وأما يَزِيد فدلي عليه شيء فقتله، وَقَدْ كَانُوا حفروا قبرا فأعدوه، فنظر إِلَيْهِ يَزِيد، فَقَالَ: مَا أحسنه! وأرى فِيمَا يرى النائم أن غزالا لم ير غزال أحسن مِنْهُ، جيء بِهِ حَتَّى دفن فِيهِ، فكان هُوَ ذَلِكَ الغزال وَكَانَ يَزِيد رقيقا جميلا ﵀، وبلغ ذَلِكَ عُثْمَان، فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! انتكث أهل الْكُوفَة اللَّهُمَّ تب عَلَيْهِم وأقبل بهم.
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وَطَلْحَةَ، قَالا: استعمل سَعِيد عَلَى ذَلِكَ الفرج سلمان بن رَبِيعَة، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الغزو
стр. 2196
بأهل الْكُوفَة حُذَيْفَة بن الْيَمَانِ، وَكَانَ عَلَى ذلك الفرج قبل ذلك عبد الرحمن ابن رَبِيعَة، وأمدهم عُثْمَان فِي سنة عشر بأهل الشام، عَلَيْهِم حبيب بن مسلمة القرشي، فتأمر عَلَيْهِ سلمان، وأبى عَلَيْهِ حبيب، حَتَّى قَالَ أهل الشام: لقد هممنا بضرب سلمان، فَقَالَ فِي ذَلِكَ الناس: إذا وَاللَّهِ نضرب حبيبا ونحبسه، وإن أبيتم كثرت القتلى فيكم وفينا.
وَقَالَ أوس بن مغراء فِي ذَلِكَ:
إن تضربوا سلمان نضرب حبيبكم ... وإن ترحلوا نحو ابن عفان نرحل
وإن تقسطوا فالثغر ثغر أميرنا ... وهذا أَمِير فِي الكتائب مقبل
ونحن ولاة الثغر كنا حماته ... ليالي نرمي كل ثغر وننكل
فأراد حبيب أن يتأمر عَلَى صاحب الباب كما كَانَ يتأمر أَمِير الجيش إذا جَاءَ من الْكُوفَة، فلما أحس حُذَيْفَة اقر وأقروا، فغزاها حذيفة ابن الْيَمَانِ ثلاث غزوات، فقتل عُثْمَان فِي الثالثة، ولقيهم مقتل عُثْمَان، فَقَالَ:
اللَّهُمَّ العن قتلة عُثْمَان وغزاة عُثْمَان وشناة عُثْمَان اللَّهُمَّ إنا كنا نعاتبه ويعاتبنا، متى مَا كَانَ من قبله يعاتبنا ونعاتبه! فاتخذوا ذَلِكَ سلما إِلَى الفتنة، اللَّهُمَّ لا تمتهم إلا بالسيوف وفي هَذِهِ السنة مات عبد الرَّحْمَن بن عوف ﵁، زعم الْوَاقِدِيّ أن عَبْد اللَّهِ بن جَعْفَر حدثه بِذَلِكَ عن يَعْقُوب بن عتبة، وأنه يوم مات كَانَ ابن خمس وسبعين سنة.
قَالَ: وفيها مات العباس بن عبد المطلب، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ ابن ثمان وثمانين سنة، وَكَانَ أسن مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص بثلاث سنين.
قَالَ: وفيها مات عَبْد اللَّهِ بن زَيْد بن عبد ربه ﵀، الَّذِي أري الأذان
стр. 2197
قَالَ: وفيها توفي عَبْد اللَّهِ بن مسعود بِالْمَدِينَةِ، فدفن بالبقيع ﵀ فَقَالَ قائل: صلى عَلَيْهِ عمار، وَقَالَ قائل: صلى عَلَيْهِ عثمان.
وفيها مات ابو طلحه ﵀.
ذكر الخبر عن وفاه ابى ذر
قال: وفيها مات أَبُو ذر ﵁ فِي رواية سيف ذكر الخبر عن وفاته:
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن عطية عن يزيد الفقعسي، قال: لما حَضَرَتْ أَبَا ذَرٍّ الْوَفَاةُ، وَذَلِكَ فِي سَنَةَ ثَمَانٍ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ إِمَارَةِ عُثْمَانَ، نُزِلَ بِأَبِي ذَرٍّ، فَلَمَّا أَشْرَفَ قَالَ لابْنَتِهِ: اسْتَشْرِفِي يَا بُنَيَّةُ فَانْظُرِي هَلْ تَرِينَ أَحَدًا! قَالَتْ: لا، قَالَ: فَمَا جَاءَتْ سَاعَتِي بَعْدُ، ثُمَّ أَمَرَهَا فَذَبَحَتْ شَاةً، ثُمَّ طَبَخَتْهَا، ثُمَّ قال: إذا جاءك الذين يدفنون فَقُولِي لَهُمْ: إِنَّ أَبَا ذَرٍّ يُقْسِمُ عَلَيْكُمْ أَلا تَرْكَبُوا حَتَّى تَأْكُلُوا، فَلَمَّا نَضَجَتْ قَدْرُهَا قَالَ لَهَا: انْظُرِي هَلْ تَرَيْنَ أَحَدًا؟ قَالَتْ: نَعَمْ، هَؤُلاءِ رَكْبٌ مُقْبِلُونَ، قَالَ:
اسْتَقْبِلِي بِي الْكَعْبَةَ فَفَعَلَتْ، وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، وَبِاللَّهِ، وَعَلَى مله رسول الله ص ثُمَّ خَرَجَتِ ابْنَتُهُ فَتَلَقَّتْهُمْ وَقَالَتْ: رَحِمَكُمُ اللَّهُ! اشْهَدُوا أَبَا ذَرٍّ- قَالُوا: وَأَيْنَ هُوَ؟ فَأَشَارَتْ لَهُمْ إِلَيْهِ وَقَدْ مَاتَ- فَادْفِنُوهُ، قَالُوا:
نَعَمْ وَنِعْمَةُ عَيْنٍ! لَقَدْ أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِذَلِكَ، وَإِذَا رَكْبٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ فِيهِمُ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَمَالُوا إِلَيْهِ وَابْنُ مَسْعُودٍ يَبْكِي وَيَقُولُ: [صَدَقَ رسول الله ص: يَمُوتُ وَحْدَهُ، وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ،] فَغَسَّلُوهُ وَكَفَّنُوهُ وَصَلَّوْا عَلَيْهِ وَدَفَنُوهُ، فَلَمَّا أَرَادُوا أَنْ يَرْتَحِلُوا قَالَتْ لَهُمْ: إِنَّ أَبَا ذَرٍّ يَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلامَ، وَأَقْسَمَ عَلَيْكُمْ أَلا تَرْكَبُوا حَتَّى تَأْكُلُوا، فَفَعَلُوا، وَحَمَلُوهُمْ حَتَّى أَقْدَمُوهُمْ مَكَّةَ، وَنَعَوْهُ إِلَى عُثْمَانَ، فَضَمَّ ابْنَتَهُ إِلَى عِيَالِهِ، وَقَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أبا ذر، ويغفر لرافع ابن خَدِيجٍ سُكُونَهُ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ الصَّلْتِ،
стр. 2198
عَنْ رَجُلٍ، عَنْ كُلَيْبِ بْنِ الْحَلْحَالِ، عَنِ الْحَلْحَالِ بْنِ ذُرَيٍّ، قَالَ:
خَرَجْنَا مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلاثِينَ وَنَحْنُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَاكِبًا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى الرَّبَذَةِ فَإِذَا امْرَأَةٌ قَدْ تَلَقَّتْنَا، فَقَالَتْ: اشْهَدُوا أَبَا ذَرٍّ- وَمَا شَعَرْنَا بِأَمْرِهِ وَلا بَلَغَنَا- فَقُلْنَا: وَأَيْنَ أَبُو ذر؟ فأشارت الى خباء، فَقُلْنَا: مَا لَهُ؟ قَالَتْ:
فَارَقَ الْمَدِينَةَ لأَمْرٍ قَدْ بَلَغَهُ فِيهَا، فَفَارَقَهَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا دَعَاهُ إِلَى الأَعْرَابِ؟ فَقَالَتْ: أَمَا إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ كَرِهَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَقُولُ:
هِيَ بعد، وَهِيَ مَدِينَةٌ فَمَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ إِلَيْهِ وَهُوَ يَبْكِي، فَغَسَّلْنَاهُ وَكَفَّنَّاهُ، وَإِذَا خِبَاءٌ مَنْضُوخٌ بِمِسْكٍ، فَقُلْنَا لِلْمَرْأَةِ: مَا هَذَا؟ فَقَالَتْ: كَانَتْ مِسْكَةً، فَلَمَّا حُضِرَ قَالَ: إِنَّ الْمَيِّتَ يَحْضُرُهُ شُهُودٌ يَجِدُونَ الرِّيحَ، وَلا يَأْكُلُونَ، فدوفى تِلَكَ الْمِسْكَةِ بِمَاءٍ، ثُمَّ رُشِّي بِهَا الْخِبَاءَ فَاقْرِيهِمْ رِيحَهَا، وَاطْبُخِي هَذَا اللَّحْمَ، فَإِنَّهُ سَيَشْهَدُنِي قَوْمٌ صَالِحُونَ يَلُونَ دَفْنِي، فَاقْرِيهِمْ، فَلَمَّا دَفَنَّاهُ دَعَتْنَا إِلَى الطَّعَامِ فَأَكَلْنَا، وَأَرَدْنَا احْتِمَالَهَا، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَرِيبٌ، نَسْتَأْمِرْهُ، فَقَدِمْنَا مَكَّةَ فَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ، وَيَغْفِرُ لَهُ نُزُولَهُ الرَّبْذَةَ! وَلَمَّا صَدَرَ خَرَجَ فَأَخَذَ طَرِيقَ الرَّبَذَةَ، فَضَمَّ عِيَالَهُ إِلَى عِيَالِهِ، وَتَوَجَّهَ نَحْوَ الْمَدِينَةِ، وَتَوَجَّهْنَا نَحْوَ الْعِرَاقِ، وَعُدَّتُنَا: ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو مِفْزَرٍ التَّمِيمِيُّ، وَبَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ، وَالأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ النخعى وعلقمه بن قيس النخعى، والحلحال ابن ذُرَيٍّ الضَّبِّيُّ وَالْحَارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ التَّمِيمِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ السُّلَمِيُّ، وَابْنُ رَبِيعَةَ السُّلَمِيُّ، وَأَبُو رَافِعٍ الْمُزَنِيُّ، وَسُوَيْدُ بْنُ مَثْعَبَةَ التَّمِيمِيُّ، وَزِيَادُ بْنُ مُعَاوِيَةَ النَّخَعِيُّ، وَأَخُو الْقَرْثَعِ الضبي، وأخو معضد الشيبانى
. فتح مرو روذ والطالقان والفارياب والجوزجان وطخارستان
وَفِي سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلاثِينَ فَتَحَ ابْنُ عَامِرٍ مرو روذ وَالطَّالَقَانَ وَالْفَارِيَابَ وَالْجَوْزِجَانَ وَطَخَارِسْتَانَ.
ذكر الخبر عن ذَلِكَ:
قَالَ علي: أَخْبَرَنَا سلمة بن عُثْمَانَ وغيره، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بن مسلم، عن
стр. 2199
ابن سيرين، قَالَ: بعث ابن عَامِر الأحنف بن قيس الى مرو روذ، فحصر أهلها، فخرجوا إِلَيْهِم فقاتلوهم، فهزمهم الْمُسْلِمُونَ حَتَّى اضطروهم إِلَى حصنهم، فأشرفوا عَلَيْهِم، فَقَالُوا: يَا معشر العرب، مَا كنتم عندنا كما نرى، ولو علمنا أنكم كما نرى لكانت لنا ولكم حال غير هَذِهِ، فأمهلونا ننظر يومنا، وارجعوا إِلَى عسكركم فرجع الأحنف، فلما أصبح غاداهم وَقَدْ أعدوا لَهُ الحرب، فخرج رجل من العجم مَعَهُ كتاب مِنَ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: إني رسول فآمنوني، فآمنوه، فإذا رسول من مرزبان مرو ابن أخيه وترجمانه، وإذا كتاب المرزبان إِلَى الأحنف، فقرأ الكتاب، قَالَ: فإذا هُوَ: إِلَى أَمِير الجيش، إنا نحمد اللَّه الَّذِي بيده الدول، يغير مَا شاء من الملك، ويرفع من شاء بعد الذلة، ويضع من شاء بعد الرفعة.
إنه دعاني إِلَى مصالحتك وموادعتك مَا كَانَ من إسلام جدي، وما كَانَ رأي من صاحبكم من الكرامة والمنزلة، فمرحبا بكم وأبشروا، وأنا أدعوكم إِلَى الصلح فِيمَا بينكم وبيننا، عَلَى أن أؤدي إليكم خراجا ستين ألف درهم، وأن تقروا بيدي مَا كَانَ ملك الملوك كسرى أقطع جد أبي حَيْثُ قتل الحية الَّتِي أكلت الناس، وقطعت السبل من الأرضين والقرى بِمَا فِيهَا من الرجال، وَلا تأخذوا من أحد من أهل بيتي شَيْئًا من الخراج، ولا تخرج المرزبه من اهل بيتى الى غيركم، فإن جعلت ذَلِكَ لي خرجت إليك، وَقَدْ بعثت إليك ابن أخي ماهك ليستوثق مِنْكَ بِمَا سألت.
قَالَ: فكتب إِلَيْهِ الأحنف: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من صخر بن قيس امير الجيش الى باذان مرزبان مرو روذ ومن مَعَهُ من الأساورة والأعاجم.
سلام عَلَى من اتبع الهدى، وآمن واتقى أَمَّا بَعْدُ، فإن ابن أخيك ماهك
стр. 2200
قدم علي، فنصح لك جهده، وأبلغ عنك، وَقَدْ عرضت ذَلِكَ عَلَى من معي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وأنا وهم فِيمَا عَلَيْك سواء، وَقَدْ أجبناك إِلَى مَا سألت وعرضت عَلَى أن تؤدي عن أكرتك وفلاحيك والأرضين ستين ألف درهم إلي وإلى الوالي من بعدي من أمراء الْمُسْلِمِينَ، إلا مَا كَانَ من الأرضين الَّتِي ذكرت أن كسرى الظالم لنفسه أقطع جد أبيك لما كَانَ من قتله الحية الَّتِي أفسدت الأرض وقطعت السبل والأرض لِلَّهِ ولرسوله يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ، وإن عَلَيْك نصرة الْمُسْلِمِينَ وقتال عدوهم بمن معك من الأساورة، إن أحب الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ وأرادوه، وإن لك عَلَى ذَلِكَ نصرة الْمُسْلِمِينَ عَلَى من يقاتل من وراءك من أهل ملتك، جار لك بِذَلِكَ مني كتاب يكون لك بعدي، وَلا خراج عَلَيْك وَلا عَلَى أحد من أهل بيتك من ذوي الأرحام، وإن أنت أسلمت واتبعت الرسول كَانَ لك مِنَ الْمُسْلِمِينَ العطاء والمنزلة والرزق وأنت أخوهم، ولك بِذَلِكَ ذمتي وذمة أبي وذمم الْمُسْلِمِينَ وذمم آبائهم شهد عَلَى مَا فِي هَذَا الكتاب جزء ابن مُعَاوِيَة- أو مُعَاوِيَة بن جزء السعدي- وحمزة بن الهرماس وحميد بن الخيار المازنيان، وعياض بن ورقاء الأسيدي وكتب كيسان مولى بني ثعلبة يوم الأحد من شهر اللَّه المحرم وختم أَمِير الجيش الأحنف بن قيس ونقش خاتم الأحنف: نعبد اللَّه.
قَالَ علي: أَخْبَرَنَا مصعب بن حيان، عن أخيه مقاتل بن حيان، قَالَ:
صالح ابن عَامِر أهل مرو، وبعث الأحنف فِي أربعة آلاف إِلَى طخارستان فأقبل حَتَّى نزل موضع قصر الأحنف من مرو روذ، وجمع لَهُ أهل طخارستان، وأهل الجوزجان والطالقان والفارياب، فكانوا ثلاثة زحوف، ثَلاثِينَ ألفا.
وأتى الأحنف خبرهم وما جمعوا لَهُ، فاستشار الناس فاختلفوا، فبين قائل: نرجع إِلَى مرو، وقائل: نرجع الى ابرشهر، وقائل: نقيم نستمد، وقائل: نلقاهم فنناجزهم.
قَالَ: فلما أمسى الأحنف خرج يمشي فِي العسكر، ويستمع حديث الناس، فمر بأهل خباء ورجل يوقد تحت خزيرة أو يعجن، وهم يتحدثون ويذكرون العدو، فَقَالَ بعضهم: الرأي للأمير أن يسير إذا أصبح، حتى
стр. 2201
يلقى القوم حَيْثُ لقيهم- فإنه أرعب لَهُمْ- فيناجزهم فَقَالَ صاحب الخزيرة أو العجين: إن فعل ذَلِكَ فقد أخطأ وأخطأتم، أتأمرونه أن يلقى حد العدو مصحرا فِي بلادهم، فيلقى جمعا كثيرا بعدد قليل، فإن جالوا جولة اصطلمونا! ولكن الرأي لَهُ أن ينزل بين المرغاب والجبل، فيجعل المرغاب عن يمينه والجبل عن يساره، فلا يلقاه من عدوه وإن كثروا إلا عدد أَصْحَابه فرجع الأحنف وَقَدِ اعتقد مَا قَالَ، فضرب عسكره، وأقام فأرسل اليه اهل مرو يعرضون عليه ان يقاتلو مَعَهُ، فَقَالَ إني أكره أن أستنصر بالمشركين، فأقيموا عَلَى مَا أعطيناكم، وجعلنا بيننا وبينكم، فإن ظفرنا فنحن عَلَى مَا جعلنا لكم، وإن ظفروا بنا وقاتلوكم فقاتلوا عن أنفسكم.
قَالَ: فوافق الْمُسْلِمِينَ صلاة العصر، فعاجلهم المشركون فناهضوهم فقاتلوهم، وصبر الفريقان حَتَّى أمسوا والأحنف يتمثل بشعر ابن جؤية الأعرجي:
أحق من لم يكره المنيه ... حزور ليست لَهُ ذريه
قَالَ علي: أَخْبَرَنَا أَبُو الأشهب السعدي، عَنْ ابيه، قال: لقى الأحنف اهل مرو روذ والطالقان والفارياب والجوزجان فِي الْمُسْلِمِينَ ليلا، فقاتلهم حَتَّى ذهب عامة الليل، ثُمَّ هزمهم اللَّه، فقتلهم الْمُسْلِمُونَ حَتَّى انتهوا إِلَى رسكن- وَهِيَ على اثنى عشر فرسخا من قصر الأحنف- وَكَانَ مرزبان مرو روذ، قَدْ تربص بحمل مَا كَانُوا صالحوه عَلَيْهِ، لينظر مَا يكون من أمرهم.
قَالَ: فلما ظفر الأحنف سرح رجلين إِلَى المرزبان، وأمرهما أَلا يكلماه حَتَّى يقبضاه ففعلا فعلم أَنَّهُمْ لم يصنعوا ذاك بِهِ إلا وَقَدْ ظفروا، فحمل مَا كَانَ عَلَيْهِ.
قَالَ علي: وأخبرنا المفضل الضبي، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سار الأقرع بن حابس إِلَى الجوزجان، بعثه الأحنف فِي جريدة خيل إِلَى بقية كَانَتْ بقيت
стр. 2202
من الزحوف الَّذِينَ هزمهم الأحنف، فقاتلهم، فجال الْمُسْلِمُونَ جولة، فقتل فرسان من فرسانهم، ثُمَّ أظفر اللَّه الْمُسْلِمِينَ بهم فهزموهم وقتلوهم، فَقَالَ كثير النهشلي:
سقى مزن السحاب إذا استهلت ... مصارع فتية بالجوزجان
إِلَى القصرين من رستاق خوط ... اقادهم هناك الاقرعان
وهي طويله
ذكر صلح الأحنف مع اهل بلخ
وفي هَذِهِ السنة، جرى صلح بين الأحنف وبين أهل بلخ.
ذكر الخبر بِذَلِكَ:
قَالَ علي: أَخْبَرَنَا زهير بن الهنيد، عن إياس بن المهلب، قَالَ:
سار الأحنف من مرو الروذ إِلَى بلخ فحاصرهم، فصالحه أهلها عَلَى أربعمائة ألف، فرضي مِنْهُمْ بِذَلِكَ، وَاسْتَعْمَلَ ابن عمه، وَهُوَ أسيد بن المتشمس ليأخذ مِنْهُمْ مَا صالحوه عَلَيْهِ، ومضى إِلَى خارزم، فأقام حَتَّى هجم عَلَيْهِ الشتاء، فَقَالَ لأَصْحَابه: مَا ترون؟ قَالَ لَهُ حصين: قَدْ قَالَ لك عَمْرو بن معديكرب، قَالَ: وما قَالَ؟ قَالَ: قَالَ:
إذا لم تستطع أمرا فدعه ... وجاوزه إِلَى مَا تستطيع
قَالَ: فأمر الأحنف بالرحيل، ثُمَّ انصرف إِلَى بلخ، وَقَدْ قبض ابن عمه مَا صالحهم عَلَيْهِ، وَكَانَ وافق وَهُوَ يجيبهم المهرجان، فأهدوا إِلَيْهِ هدايا من آنية الذهب والفضة ودنانير ودراهم ومتاع وثياب، فَقَالَ ابن عم الأحنف:
هَذَا مَا صالحناكم عَلَيْهِ؟ قَالُوا: لا، ولكن هَذَا شَيْء نصنعه فِي هَذَا الْيَوْم بمن ولينا نستعطفه بِهِ، قَالَ: وما هَذَا الْيَوْم؟ قَالُوا: المهرجان، قَالَ: مَا أدري مَا هَذَا؟ وإني لأكره أن أرده، ولعله من حقي، ولكن أقبضه وأعزله
стр. 2203
حتى انظر فيه، فقبضه، وقدم الأحنف فأخبره، فسألهم عنه، فَقَالُوا لَهُ مثل مَا قَالُوا لابن عمه، فَقَالَ: آتي بِهِ الأمير، فحمله إِلَى ابن عَامِر، فأخبره عنه، فَقَالَ: اقبضه يَا أَبَا بحر، فهو لك؟ قَالَ: لا حاجة لي فِيهِ، فَقَالَ ابن عَامِر: ضمه إليك يَا مسمار، قَالَ: قَالَ الْحَسَن: فضمه القرشي وَكَانَ مضما.
قَالَ علي: وأخبرنا عَمْرو بن مُحَمَّد المري، عن أشياخ من بني مرة، أن الأحنف استعمل عَلَى بلخ بشر بن المتشمس.
قَالَ علي: وأخبرنا صدقة بن حميد، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بعث ابن عَامِر- حين صالح أهل مرو، وصالح الأحنف أهل بلخ- خليد بن عَبْدِ اللَّهِ الحنفي إِلَى هراة وباذغيس، فافتتحهما، ثُمَّ كفروا بعد فكانوا مع قارن.
قَالَ على: وأخبرنا مسلمه، عن داود، قال: ولما رجع الأحنف إِلَى ابن عَامِر قَالَ الناس لابن عَامِر: مَا فتح عَلَى أحد مَا قَدْ فتح عَلَيْك، فارس وكرمان وسجستان وعامة خُرَاسَان! قَالَ: لا جرم، لأجعلن شكري لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ أن أخرج محرما معتمرا من موقفي هَذَا فأحرم بعمرة من نيسابور، فلما قدم عَلَى عُثْمَانَ لامه عَلَى إحرامه من خُرَاسَان، وَقَالَ: ليتك تضبط ذَلِكَ من الوقت الَّذِي يحرم مِنْهُ الناس! قَالَ علي: أَخْبَرَنَا مسلمة، عن السكن بن قَتَادَة العريني، قَالَ: استخلف ابن عَامِر عَلَى خُرَاسَان قيس بن الهيثم، وخرج ابن عَامِر منها فِي سنة اثنتين وثلاثين قَالَ: فجمع قارن جمعا كثيرا من ناحية الطبسين وأهل باذغيس وهراة وقهستان، فأقبل فِي أربعين ألفا، فَقَالَ لعبد اللَّه بن خازم: مَا ترى؟
قَالَ: أَرَى أن تخلي البلاد فإني أميرها، ومعي عهد من ابن عَامِر، إذا كَانَتْ حرب بخراسان فأنا أميرها- وأخرج كتابا قَدِ افتعله عمدا- فكره قيس مشاغبته، وخلاه والبلاد، وأقبل إِلَى ابن عَامِر، فلامه ابن عَامِر،
стр. 2204
وَقَالَ: تركت البلاد حربا وأقبلت! قَالَ: جاءني بعهد مِنْكَ فَقَالَتْ لَهُ أمه: قَدْ نهيتك أن تدعهما فِي بلد، فإنه يشغب عَلَيْهِ.
قَالَ: فسار ابن خازم إِلَى قارن فِي أربعة آلاف، وأمر الناس فحملوا الودك، فلما قرب من عسكره أمر الناس، فَقَالَ: ليدرج كل رجل مِنْكُمْ عَلَى زج رمحه مَا كَانَ مَعَهُ من خرقة أو قطن أو صوف، ثُمَّ أوسعوه من الودك من سمن أو دهن أو زيت أو إهالة ثُمَّ سار حتى إذا امسى قدم مقدمته ستمائه، ثُمَّ أتبعهم، وأمر الناس فأشعلوا النيران فِي أطراف الرماح، وجعل يقتبس بعضهم من بعض قَالَ: وانتهت مقدمته إِلَى عسكر قارن، فأتوهم نصف الليل، ولهم حرس، فناوشوهم، وهاج الناس عَلَى دهش، وكانوا آمنين فِي أنفسهم من البيات، ودنا ابن خازم مِنْهُمْ، فرأوا النيران يمنة ويسرة، وتتقدم وتتأخر، وتتخفض وترتفع، فلا يرون أحدا فهالهم ذَلِكَ، ومقدمة ابن خازم يقاتلونهم، ثُمَّ غشيهم ابن خازم بالمسلمين، فقتل قارن، وانهزم العدو فأتبعوهم يقتلونهم كيف شاءوا، وأصابوا سبيا كثيرا، فزعم شيخ من بني تميم، قَالَ: كَانَتْ أم الصلت بن حريث من سبي قارن، وأم زياد بن الربيع مِنْهُمْ، وأم عون أبي عَبْد اللَّهِ بن عون الفقيه مِنْهُمْ.
قَالَ علي: حَدَّثَنَا مسلمة، قَالَ: أخذ ابن خازم عسكر قارن بِمَا كَانَ فِيهِ، وكتب بالفتح إِلَى ابن عَامِر، فرضي وأقره عَلَى خُرَاسَان، فلبث عَلَيْهَا حَتَّى انقضى أمر الجمل، فأقبل إِلَى الْبَصْرَة، فشهد وقعة ابن الحضرمي، وَكَانَ مَعَهُ فِي دار سبيل.
قَالَ علي: وأخبرنا الْحَسَن بن رشيد، عن سُلَيْمَان بن كثير العمي الخزاعي، قَالَ: جمع قارن لِلْمُسْلِمِينَ جمعا كثيرا، فضاق المسلمون بامرهم، فقال قيس
стр. 2205
ابن الهيثم لعبد اللَّه بن خازم: مَا ترى؟ قَالَ: أَرَى أنك لا تطيق كثرة من قَدْ أتانا، فاخرج بنفسك إِلَى ابن عَامِر فتخبره بكثرة من قَدْ جمعوا لنا، ونقيم نحن فِي هَذِهِ الحصون ونطاولهم حَتَّى تقدم ويأتينا مددكم.
قَالَ: فخرج قيس بن الهيثم، فلما أمعن أظهر ابن خازم عهدا، وَقَالَ: قَدْ ولاني ابن عَامِر خُرَاسَان، فسار إِلَى قارن، فظفر بِهِ، وكتب بالفتح إِلَى ابن عَامِر، فأقره ابن عَامِر عَلَى خُرَاسَان، فلم يزل أهل الْبَصْرَةِ يغزون من لَمْ يَكُنْ صالح من أهل خُرَاسَان، فإذا رجعوا خلفوا أربعة آلاف للعقبة، فكانوا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى كانت الفتنة
стр. 2206
ثُمَّ دخلت
سنة ثلاث وثلاثين
ففيها كَانَتْ غزوة مُعَاوِيَة حصن المرأة من أرض الروم من ناحية ملطية فِي قول الْوَاقِدِيّ.
وفيها كَانَتْ غزوة عَبْد اللَّهِ بن سَعْدِ بْنِ أبي سرح إفريقية الثانية حين نقض أهلها العهد.
وفيها قدم عَبْد اللَّهِ بن عَامِر الأحنف بن قيس إِلَى خُرَاسَان وَقَدِ انتقض أهلها، ففتح المروين: مرو الشاهجان صلحا، ومرو الروذ بعد قتال شديد، وتبعه عَبْد اللَّهِ بن عَامِر، فنزل أَبْرَشَهْر، ففتحها صلحا فِي قول الْوَاقِدِيّ.
وأما أَبُو معشر فإنه قَالَ- فيما حَدَّثَنِي أحمد بْن ثابت الرازي، عمن حدثه، عن إِسْحَاق بْن عِيسَى، عنه، قَالَ: كَانَتْ قبرس سنة ثلاث وثلاثين، وَقَدْ ذكرنا قول من خالفه فِي ذَلِكَ، والخبر عن قبرس.
وفيها: كَانَ تسيير عُثْمَان بن عَفَّانَ من سير من أهل العراق إِلَى الشام
ذكر تسيير من سير من أهل الْكُوفَة إِلَيْهَا
اختلف أهل السير فِي ذَلِكَ، فأما سَيْفٌ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيمَا كَتَبَ بِهِ إِلَيَّ السَّرِيُّ عَنْ شُعَيْبٍ عَنْهُ، عَنْ مُحَمَّد وَطَلْحَةَ، قَالا: كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ لا يَغْشَاهُ إِلا نَازِلَةُ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَوُجُوهُ أَهْلِ الأَيَّامِ وَأَهْلِ الْقَادِسِيَّةِ وَقُرَّاءُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَالْمُتَسَمِّتُونَ، وَكَانَ هَؤُلاءِ دخلته إِذَا خَلا، فَأَمَّا إِذَا جَلَسَ للناس
стр. 2207
فَإِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ، فَجَلَسَ لِلنَّاسِ يوما، فدخلوا عليه، فبيناهم جُلُوسٌ يَتَحَدَّثُونَ قَالَ خُنَيْسُ بْنُ فُلانٍ: مَا أَجْوَدَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ! فَقَالَ سَعِيدُ ابن الْعَاصِ: إِنَّ مَنْ لَهُ مِثْلُ النَّشَاسْتَجَ لَحَقِيقٌ أَنْ يَكُونَ جَوَادًا، وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ لِي مِثْلَهُ لأَعَاشَكُمُ اللَّهُ عَيْشًا رَغْدًا فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خُنَيْسٍ- وَهُوَ حَدَثٌ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ هَذَا الْمِلْطَاطَ لَكَ- يَعْنِي مَا كَانَ لآلِ كِسْرَى عَلَى جَانِبِ الْفُرَاتِ الَّذِي يَلِي الْكُوفَةَ- قَالُوا: فَضَّ اللَّهُ فَاكَ! وَاللَّهِ لَقَدْ هَمَمْنَا بِكَ، فَقَالَ: خُنَيْسٌ غُلامٌ فَلا تُجَازُوهُ، فَقَالُوا: يَتَمَنَّى لَهُ مِنْ سَوَادِنَا! قَالَ:
وَيَتَمَنَّى لَكُمْ أَضْعَافَهُ، قَالُوا: لا يَتَمَنَّى لَنَا وَلا لَهُ، قَالَ: مَا هَذَا بِكُمْ! قَالُوا:
أَنْتَ وَاللَّهِ أَمَرْتَهُ بِهَا، فَثَارَ إِلَيْهِ الأَشْتَرُ وَابْنُ ذِي الْحُبْكَةِ وَجُنْدُبٌ وَصَعْصَعَةُ وَابْنُ الْكَوَّاءِ وَكُمَيْلُ بن زياد وعمير بن ضائى، فَأَخَذُوهُ فَذَهَبَ أَبُوهُ لِيَمْنَعَ مِنْهُ فَضَرَبُوهُمَا حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِمَا، وَجَعَلَ سَعِيدٌ يُنَاشِدُهُمْ وَيَأْبَوْنَ، حَتَّى قَضَوْا مِنْهُمَا وَطَرًا، فَسَمِعَتْ بِذَلِكَ بَنُو أَسَدٍ، فجاءوا وفيهم طُلَيْحَةُ فَأَحَاطُوا بِالْقَصْرِ، وَرَكِبَتِ الْقَبَائِلُ، فَعَاذُوا بِسَعِيدٍ، وقالوا: افلتنا وخلصنا.
فَخَرَجَ سَعِيدٌ إِلَى النَّاسِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، قَوْمٌ تَنَازَعُوا وَتَهَاوَوْا، وَقَدْ رَزَقَ اللَّهُ الْعَافِيَةَ ثم قعدوا وعادوا في حديثهم، وتراجعوا فساءهم وِرْدَهُمْ، وَأَفَاقَ الرَّجُلانِ، فَقَالَ: أَبِكُمَا حَيَاةٌ؟ قَالا: قَتَلَتْنَا غَاشِيَتُكَ، قَالَ: لا يَغْشُونِي وَاللَّهِ أَبَدًا، فَاحْفَظَا عَلَيَّ أَلْسِنَتَكُمَا وَلا تُجَرِّئَا عَلَيَّ النَّاسَ فَفَعَلا وَلَمَّا انْقَطَعَ رَجَاءُ أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنْ ذَلِكَ قَعَدُوا فِي بُيُوتِهِمْ، وَأَقْبَلُوا عَلَى الإِذَاعَةِ حَتَّى لامَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي أَمْرِهِمْ، فَقَالَ: هَذَا أَمِيرُكُمْ وَقَدْ نَهَانِي أَنْ أُحَرِّكُ شَيْئًا، فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُحَرِّكَ شَيْئًا فَلْيُحَرِّكْهُ.
فَكَتَبَ أَشْرَافُ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَصُلَحَاؤُهُمْ إِلَى عُثْمَانَ فِي إِخْرَاجِهِمْ، فَكَتَبَ:
إِذَا اجْتَمَعَ مَلَؤُكُمْ عَلَى ذَلِكَ فَأَلْحِقُوهُمْ بِمُعَاوِيَةَ فَأَخْرِجُوهُمْ، فَذُلُّوا وَانْقَادُوا حَتَّى أَتَوْهُ- وَهُمْ بِضْعَةَ عَشَرَ- فَكَتَبُوا بِذَلِكَ إِلَى عُثْمَانَ، وَكَتَبَ عُثْمَانُ إِلَى مُعَاوِيَةَ:
إِنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ قَدْ أَخْرَجُوا إِلَيْكَ نَفَرًا خُلِقُوا لِلْفِتْنَةِ، فَرَعْهُمْ وَقُمْ عَلَيْهِمْ،
стр. 2208
فَإِنْ آنَسْتَ مِنْهُمْ رُشْدًا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَإِنْ أَعْيَوْكَ فَارْدُدْهُمْ عَلَيْهِمْ فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى مُعَاوِيَةَ رَحَّبَ بِهِمْ وَأَنْزَلَهُمْ كَنِيسَةً تُسَمَّى مَرْيَمَ، وَأَجْرَى عَلَيْهِمْ بِأَمْرِ عُثْمَانَ مَا كَانَ يُجْرَى عَلَيْهِمْ بِالْعِرَاقِ، وَجَعَلَ لا يَزَالُ يَتَغَدَّى وَيَتَعَشَّى مَعَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ يَوْمًا: إِنَّكُمْ قَوْمٌ مِنَ الْعَرَبِ لَكُمْ أَسْنَانٌ وَأَلْسِنَةٌ، وَقَدْ أَدْرَكْتُمْ بِالإِسْلامِ شَرَفًا وَغَلَبْتُمُ الأُمَمَ وَحَوَيْتُمْ مَرَاتِبَهُمْ وَمَوَارِيثَهُمْ، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ نَقِمْتُمْ قُرَيْشًا، وَأَنَّ قُرَيْشًا لَوْ لَمْ تَكُنْ عُدْتُمْ أَذِلَّةً كَمَا كُنْتُمْ، إِنَّ أَئِمَّتَكُمْ لكم الى اليوم جنه فلا تشذوا عَنْ جُنَّتِكُمْ، وَإِنَّ أَئِمَّتَكُمُ الْيَوْمَ يَصْبِرُونَ لَكُمْ عَلَى الْجَوْرِ، وَيَحْتَمِلُونَ مِنْكُمُ الْمَئُونَةَ، وَاللَّهِ لَتَنْتَهُنَّ أَوْ لَيَبْتَلِيَنَّكُمُ اللَّهُ بِمَنْ يَسُومُكُمْ، ثُمَّ لا يحمدكم على الصبر، ثم تكونون شركاء لهم فِيمَا جَرَرْتُمْ عَلَى الرَّعِيَّةِ فِي حَيَاتِكُمْ وَبَعْدَ مَوْتِكُمْ.
فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ قُرَيْشٍ فَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ أَكْثَرَ الْعَرَبِ وَلا أَمْنَعَهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَتُخَوِّفُنَا، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنَ الْجُنَّةِ فَإِنَّ الْجُنَّةَ إِذَا اخْتُرِقَتْ خَلَصَ إِلَيْنَا.
فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: عَرَفْتُكُمُ الآنَ، عَلِمْتُ أَنَّ الَّذِي أَغْرَاكُمْ عَلَى هَذَا قِلَّةُ الْعُقُولِ، وَأَنْتَ خَطِيبُ الْقَوْمِ، وَلا أَرَى لَكَ عَقْلا، أُعَظِّمُ عَلَيْكَ أَمْرَ الإِسْلامِ، وَأُذَكِّرُكَ بِهِ، وَتُذَكِّرُنِي الْجَاهِلِيَّةَ! وَقَدْ وَعَظْتُكَ وَتَزْعُمُ لِمَا يَجِنُّكَ أَنَّهُ يُخْتَرَقُ، وَلا يُنْسَبُ مَا يُخْتَرَقُ إِلَى الْجُنَّةِ، أَخْزَى اللَّهُ أَقْوَامًا أَعْظَمُوا أَمْرَكُمْ، وَرَفَعُوا إِلَى خَلِيفَتِكُمْ! افْقَهُوا- وَلا أَظُنُّكُمْ تَفْقَهُونَ- أَنَّ قُرَيْشًا لَمْ تَعِزَّ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلا إِسْلامٍ إِلا بِاللَّهِ ، لَمْ تَكُنْ بِأَكْثَرِ الْعَرَبِ وَلا أَشَدَّهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا أَكْرَمَهُمْ أَحْسَابًا، وَأَمْحَضَهُمْ أَنْسَابًا، وَأَعْظَمَهُمْ أَخْطَارًا، وَأَكْمَلَهُمْ مُرُوءَةً، وَلَمْ يَمْتَنِعُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالنَّاسُ يَأْكُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلا بِاللَّهِ الَّذِي لا يُسْتَذَلُّ مَنْ أَعَزَّ، وَلا يُوضَعُ مَنْ رَفَعَ، فَبَوَّأَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُتَخَطَّفُ النَّاسَ مِنْ حَوْلِهِمْ! هَلْ تَعْرِفُونَ عُرْبًا أَوْ عُجْمًا أَوْ سُودًا أَوْ حُمْرًا إِلا قَدْ أَصَابَهُ الدَّهْرُ فِي بَلَدِهِ وَحُرْمَتِهِ بِدَوْلَةٍ، إِلا مَا كَانَ مِنْ قُرَيْشٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْهُمْ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ بِكَيْدٍ إِلا جَعَلَ الله
стр. 2209
خَدَّهُ الأَسْفَلَ، حَتَّى أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَنَقَّذَ مَنْ أَكْرَمَ وَاتَّبَعَ دِينَهُ مِنْ هَوَانِ الدُّنْيَا وَسُوءِ مَرَدِّ الآخِرَةِ، فَارْتَضَى لِذَلِكَ خَيْرَ خَلْقِهِ، ثُمَّ ارْتَضَى لَهُ أَصْحَابًا فَكَانَ خِيَارُهُمْ قُرَيْشًا، ثُمَّ بَنَى هَذَا الْمُلْكَ عَلَيْهِمْ، وَجَعَلَ هَذِهِ الْخِلافَةَ فِيهِمْ، وَلا يَصْلُحُ ذَلِكَ إِلا عَلَيْهِمْ، فَكَانَ اللَّهُ يَحُوطُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ، أَفَتَرَاهُ لا يَحُوطُهُمْ وَهُمْ عَلَى دِينِهِ وَقَدْ حَاطَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْمُلُوكِ الَّذِينَ كَانُوا يَدِينُونَكُمْ! أُفٍّ لَكَ وَلأَصْحَابِكَ! وَلَوْ أَنَّ مُتَكَلِّمًا غَيْرَكَ تَكَلَّمَ، وَلَكِنَّكَ ابْتَدَأْتَ فَأَمَّا أَنْتَ يَا صَعْصَعَةُ فَإِنَّ قَرْيَتَكَ شَرُّ قُرَى عَرَبِيَّةً، أَنْتَنُهَا نَبْتًا، وَأَعْمَقُهَا وَادِيًا، وَأَعْرَفُهَا بِالشَّرِّ، وَأَلأَمُهَا جِيرَانًا، لَمْ يَسْكُنْهَا شَرِيفٌ قَطُّ وَلا وَضِيعٌ إِلا سُبَّ بِهَا، وَكَانَتْ عَلَيْهِ هُجْنَةً، ثُمَّ كَانُوا أَقْبَحَ الْعَرَبِ أَلْقَابًا، وَأَلأَمَهُ أَصْهَارًا، نُزَّاعَ الأُمَمِ، وَأَنْتُمْ جِيرَانُ الْخَطِّ وَفَعَلَةُ فَارِسٍ، حتى أصابتكم دعوه النبي ص وَنَكَبَتْكَ دَعْوَتُهُ، وَأَنْتَ نَزِيعُ شَطِيرٍ فِي عُمَانَ، لَمْ تَسْكُنِ الْبَحْرَيْنَ فَتُشْرِكَهُمْ فِي دَعْوَةِ النَّبِيِّ ص، فَأَنْتَ شَرُّ قَوْمِكَ، حَتَّى إِذَا أَبْرَزَكَ الإِسْلامُ، وَخَلَطَكَ بِالنَّاسِ، وَحَمَلَكَ عَلَى الأُمَمِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْكَ، أَقْبَلْتَ تَبْغِي دِينَ اللَّهِ عِوَجًا، وَتَنْزَعُ إِلَى اللآمة وَالذِّلَّةِ وَلا يَضَعُ ذَلِكَ قُرَيْشًا، وَلَنْ يَضُرَّهُمْ، وَلَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ تَأْدِيَةِ مَا عَلَيْهِمْ، إِنَّ الشَّيْطَانَ عَنْكُمْ غَيْرُ غَافِلٍ، قَدْ عَرَفَكُمْ بِالشَّرِّ مِنْ بَيْنِ أُمَّتِكُمْ، فَأَغْرَى بِكُمُ النَّاسَ، وَهُوَ صَارِعُكُمْ لَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرُدَّ بِكُمْ قَضَاءً قَضَاهُ اللَّهُ، وَلا أَمْرًا أَرَادَهُ اللَّهُ، وَلا تُدْرِكُونَ بِالشَّرِّ أَمْرًا أَبَدًا إِلا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ شَرًّا مِنْهُ وَأَخْزَى.
ثُمَّ قَامَ وَتَرَكَهُمْ، فَتَذَامَرُوا فَتَقَاصَرَتْ إِلَيْهِمْ أَنْفُسَهُمْ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُمْ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ أَذِنْتُ لَكُمْ فَاذْهَبُوا حَيْثُ شئتم، لا والله لا ينفع الله بِكُمْ أَحَدًا وَلا يَضُرُّهُ، وَلا أَنْتُمْ بِرِجَالِ مَنْفَعَةٍ وَلا مَضَرَّةٍ، وَلَكِنَّكُمْ رِجَالُ نَكِيرٍ.
وَبُعْدٍ، فَإِنْ أَرَدْتُمُ النَّجَاةَ فَالْزَمُوا جَمَاعَتَكُمْ، وَلِيَسَعَكُمْ مَا وَسِعَ الدَّهْمَاءَ، وَلا يَبْطِرَنَّكُمُ الأَنْعَامُ، فَإِنَّ الْبَطَرَ لا يَعْتَرِي الْخِيَارَ، اذْهَبُوا حَيْثُ شِئْتُمْ، فَإِنِّي كَاتِبٌ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِيكُمْ
стр. 2210
فَلَمَّا خَرَجُوا دَعَاهُمْ فَقَالَ: إِنِّي مُعِيدٌ عَلَيْكُمْ ان رسول الله ص كَانَ مَعْصُومًا فَوَلانِي، وَأَدْخَلَنِي فِي أَمْرِهِ، ثُمَّ اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَوَلانِي، ثُمَّ اسْتُخْلِفَ عُمَرُ فَوَلانِي، ثُمَّ اسْتُخْلِفَ عُثْمَانُ فَوَلانِي، فَلَمْ أَلِ لأَحَدٍ مِنْهُمْ وَلَمْ يُوَلِّنِي إِلا وَهُوَ رَاضٍ عَنِّي، وَإِنَّمَا طَلَبَ رَسُولُ الله ص لِلأَعْمَالِ أَهْلَ الْجَزَاءِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ وَالْغِنَاءِ، وَلَمْ يَطْلُبْ لَهَا أَهْلَ الاجْتِهَادِ وَالْجَهْلِ بِهَا وَالضَّعْفِ عَنْهَا، وَإِنَّ اللَّهَ ذُو سَطَوَاتٍ وَنَقَمَاتٍ يَمْكُرُ بِمَنْ مَكَرَ بِهِ، فَلا تَعْرِضُوا لأَمْرٍ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ غَيْرَ مَا تُظْهِرُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ غَيْرُ تَارِكُكُمْ حَتَّى يَخْتَبِرَكُمْ وَيُبْدِي لِلنَّاسِ سَرَائِرَكُمْ، وَقَدْ قَالَ :
«الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ» .
وَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عُثْمَانَ: إِنَّهُ قَدِمَ عَلَيَّ أَقْوَامٌ لَيْسَتْ لَهُمْ عُقُولٌ وَلا أَدْيَانٌ، أَثْقَلَهُمُ الإِسْلامُ، وَأَضْجَرَهُمُ الْعَدْلُ، لا يُرِيدُونَ اللَّهَ بِشَيْءٍ، وَلا يَتَكَلَّمُونَ بِحُجَّةٍ، إِنَّمَا هَمَّهُمُ الْفِتْنَةُ وَأَمْوَالُ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَاللَّهُ مُبْتَلِيهِمْ وَمُخْتَبِرُهُمْ، ثُمَّ فَاضِحُهُمْ وَمُخْزِيهِمْ، وَلَيْسُوا بِالَّذِينَ يَنْكُونَ أَحَدًا إِلا مَعَ غَيْرِهِمْ، فَانْهَ سَعِيدًا وَمَنْ قِبَلَهُ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ ليسوا لاكثر مِنْ شَغْبٍ أَوْ نَكِيرٍ.
وَخَرَجَ الْقَوْمُ مِنْ دِمَشْقَ فَقَالُوا: لا تَرْجِعُوا إِلَى الْكُوفَةِ، فَإِنَّهُمْ يَشْمَتُونَ بِكُمْ، وَمِيلُوا بِنَا إِلَى الْجَزِيرَةِ، وَدَعُوا الْعِرَاقَ وَالشَّامَ فَأَوَوْا إِلَى الْجَزِيرَةِ، وَسَمِعَ بِهِمْ عبد الرحمن بن خالد بن الوليد- وكان مُعَاوِيَةُ قَدْ وَلاهُ حِمْصَ وَوَلَّى عَامِلَ الْجَزِيرَةِ حَرَّانَ وَالرُّقَّةَ- فَدَعَا بِهِمْ، فَقَالَ:
يَا آلَةَ الشَّيْطَانِ، لا مَرْحَبًا بِكُمْ وَلا أَهْلا! قَدْ رَجَعَ الشَّيْطَانُ مَحْسُورًا وَأَنْتُمْ بَعْدُ نِشَاطٌ، خَسَّرَ الله عبد الرحمن ان لم يؤد بكم حَتَّى يُحَسِّرْكُمْ يَا مَعْشَرَ مَنْ لا أَدْرِي أَعُرْبٌ أَمْ عُجْمٌ، لِكَيْ لا تَقُولُوا لِي مَا يَبْلُغُنِي أَنَّكُمْ تَقُولُونَ لِمُعَاوِيَةَ، أَنَا ابْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، أَنَا ابْنُ مَنْ قَدْ عَجِمَتْهُ الْعَاجِمَاتُ، أَنَا ابْنُ فَاقِئِ الرِّدَّةِ، وَاللَّهِ لئن بلغنى يا صعصعة ابن ذُلٍّ أَنَّ أَحَدًا مِمَّنْ مَعِي دَقَّ أَنْفَكَ ثم امصك
следующие страницы →