Полный текст (6 431 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
وَالزُّبَيْر مَا لقي علي وأم حبيبة، فلزموا بيوتهم، وبقي عُثْمَان يسقيه آل حزم فِي الغفلات، عَلَيْهِم الرقباء، فأشرف عُثْمَان عَلَى الناس، فقال: يا عبد الله ابن عباس- فدعى لَهُ- فَقَالَ: اذهب فأنت عَلَى الموسم- وَكَانَ ممن لزم الباب- فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لجهاد هَؤُلاءِ أحب إلي من الحج، فأقسم عَلَيْهِ لينطلقن فانطلق ابن عَبَّاس عَلَى الموسم تِلَكَ السنة، ورمى عُثْمَان إِلَى الزُّبَيْر بوصيته، فانصرف بِهَا- وفي الزُّبَيْر اختلاف: أأدرك مقتله أو خرج قبله- وَقَالَ عثمان: «يا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ» الآية، اللَّهُمَّ حل بين الأحزاب وبين مَا يأملون كما فعل بأشياعهم من قبل.
وَكَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن عَمْرو بن مُحَمَّدٍ، قَالَ: بعثت لَيْلَى ابنة عميس إِلَى مُحَمَّد بن أبي بكر ومحمد بن جَعْفَر، فَقَالَتْ:
إن المصباح يأكل نفسه، ويضيء لِلنَّاسِ، فلا تأثما فِي أمر تسوقانه إِلَى من لا يأثم فيكما، فإن هَذَا الأمر الَّذِي تحاولون الْيَوْم لغيركم غدا، فاتقوا أن يكون عملكم الْيَوْم حسرة عَلَيْكُمْ، فلجا وخرجا مغضبين يقولان: لا ننسى مَا صنع بنا عُثْمَان، وتقول: مَا صنع بكما! أَلا الزمكما الله! فلقيهما سعيد ابن الْعَاصِ، وَقَدْ كَانَ بين مُحَمَّد بن أبي بكر وبينه شَيْء، فأنكره حين لقيه خارجا من عِنْدَ لَيْلَى، فتمثل لَهُ فِي تِلَكَ الحال بيتا:
استبق ودك للصديق وَلا تكن ... فيئا يعض بخاذل ملجاجا
فأجابه سَعِيد متمثلا:
ترون إذا ضربا صميما من الَّذِي ... لَهُ جانب ناء عن الجرم معور
كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وَطَلْحَةَ وَأَبِي حَارِثَةَ وَأَبِي عُثْمَانَ، قَالُوا: فَلَمَّا بُويِعَ النَّاسُ جَاءَ السَّابِقُ فَقَدِمَ بِالسَّلامَةِ، فَأَخْبَرَهُمْ مِنَ الْمَوْسِمِ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ جَمِيعًا الْمِصْرِيِّينَ وَأَشْيَاعَهُمْ، وَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْمَعُوا ذَلِكَ إِلَى حَجِّهِمْ، فَلَمَّا أَتَاهُمْ ذَلِكَ مَعَ مَا بَلَغَهُمْ مِنْ نُفُورِ أَهْلِ الأَمْصَارِ،
стр. 2277
أَعْلَقَهُمُ الشَّيْطَانُ، وَقَالُوا: لا يُخْرِجَنَّا مِمَّا وَقَعْنَا فِيهِ إِلا قَتْلُ هَذَا الرَّجُلِ، فَيَشْتَغِلُ بِذَلِكَ النَّاسُ عَنَّا، وَلَمْ يُبْقَ خَصْلَةٌ يَرْجُونَ بِهَا النَّجَاةَ إِلا قَتْلُهُ فَرَامُوا الْبَابَ، فَمَنَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْحَسَنُ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَمُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ ومروان بن الحكم وسعيد ابن الْعَاصِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَبْنَاءِ الصَّحَابَةِ أَقَامَ مَعَهُمْ، وَاجْتَلَدُوا، فَنَادَاهُمْ عُثْمَانُ:
اللَّهَ اللَّهَ! أَنْتُمْ فِي حِلٍّ مِنْ نُصْرَتِي فَأَبَوْا، فَفَتَحَ الْبَابَ، وَخَرَجَ وَمَعَهُ التُّرْسُ وَالسَّيْفُ لِيُنَهْنِهَهُمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُ أَدْبَرَ الْمِصْرِيُّونَ، وَرَكْبُهُمْ هَؤُلاءِ، وَنَهْنَهَهُمْ فَتَرَاجَعُوا وَعَظُمَ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ، وَأَقْسَمَ عَلَى الصَّحَابَةِ لَيَدْخُلُنَّ، فَأَبَوْا أَنْ يَنْصَرِفُوا، فَدَخَلُوا فَأَغْلَقَ الْبَابَ دُونَ الْمِصْرِيِّينَ- وَقَدْ كَانَ الْمُغِيرَةُ بْنُ الأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ فِيمَنْ حَجَّ، ثُمَّ تَعَجَّلَ فِي نَفَرٍ حَجُّوا مَعَهُ، فَأَدْرَكَ عُثْمَانَ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ وَشَهِدَ الْمُنَاوَشَةَ، وَدَخَلَ الدَّارَ فِيمَنْ دَخَلَ وَجَلَسَ عَلَى الْبَابِ مِنْ دَاخِلٍ، وَقَالَ: مَا عُذْرُنَا عِنْدَ اللَّهِ إِنْ تَرَكْنَاكَ وَنَحْنُ نَسْتَطِيعُ أَلا نَدَعْهُمْ حَتَّى نَمُوتَ! فَاتَّخَذَ عُثْمَانُ تِلَكَ الأَيَّامَ الْقُرْآنَ نَحْبًا، يُصَلِّي وَعِنْدَهُ الْمُصْحَفُ، فَإِذَا أَعْيَا جَلَسَ فَقَرَأَ فِيهِ- وَكَانُوا يَرَوْنَ الْقِرَاءَةَ فِي الْمُصْحَفِ مِنَ الْعِبَادَةِ- وَكَانَ الْقَوْمُ الَّذِينَ كَفْكَفَهُمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَابِ، فَلَمَّا بَقِيَ الْمِصْرِيُّونَ لا يَمْنَعُهُمْ أَحَدٌ مِنَ الْبَابِ وَلا يَقْدِرُونَ عَلَى الدُّخُولِ جَاءُوا بِنَارٍ، فَأَحْرَقُوا الْبَابَ وَالسَّقِيفَةَ، فَتَأَجَّجَ الْبَابُ وَالسَّقِيفَةُ، حَتَّى إِذَا احْتَرَقَ الْخَشَبُ خَرَّتِ السَّقِيفَةُ عَلَى الْبَابِ، فَثَارَ أَهْلُ الدَّارِ وَعُثْمَانُ يُصَلِّي، حَتَّى مَنَعُوهُمُ الدُّخُولَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَرَزَ لَهُمُ الْمُغِيرَةُ بْنُ الأَخْنَسِ، وَهُوَ يَرْتَجِزُ:
قَدْ عَلِمَتْ جَارِيَةٌ عُطْبُول ذَاتُ وِشَاحٍ وَلَهَا جَدِيل أَنِّي بِنَصْلِ السَّيْفِ خَنْشَلِيل لأَمْنَعَنَّ مِنْكُمْ خَلِيلِي بِصَارِمٍ لَيْسَ بِذِي فُلُولِ.
وَخَرَجَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَهُوَ يَقُولُ:
لا دِينُهُمْ دِينِي وَلا أَنَا مِنْهُمُ ... حَتَّى أَسِيرُ إِلَى طَمَارِ شَمَّامٍ
وَخَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ وَهُوَ يَقُولُ:
أَنَا ابْنُ مَنْ حَامَى عَلَيْهِ بِأُحُد ... وَرَدَّ أَحْزَابًا عَلَى رَغْمِ مَعَد
стр. 2278
وَخَرَجَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ وَهُوَ يَقُولُ:
صَبَرْنَا غَدَاةَ الدَّارِ وَالْمَوْتُ وَاقِبُ ... بِأَسْيَافِنَا دُونَ ابْنِ أَرْوَى نُضَارِبُ
وَكُنَّا غَدَاةَ الرَّوْعِ فِي الدَّارِ نُصْرَةً ... نُشَافِهُهُمْ بِالضَّرْبِ وَالْمَوْتُ ثَاقِبُ
فَكَانَ آخِرَ من خرج عبد الله بن الزبير، وامره عُثْمَانُ أَنْ يَصِيرَ إِلَى أَبِيهِ فِي وَصِيَّةٍ بِمَا أَرَادَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَ الدَّارِ فَيَأْمُرُهُمْ بِالانْصِرَافِ إِلَى مَنَازِلِهْمِ، فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ آخِرَهُمْ، فَمَا زَالَ يَدَّعِي بِهَا، وَيُحَدِّثُ النَّاسَ عَنْ عُثْمَانَ بِآخِرِ مَا مَاتَ عَلَيْهِ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عُثْمَانَ، قَالُوا: وَأَحْرَقُوا الْبَابَ وَعُثْمَانُ فِي الصَّلاةِ، وقد افتتح «طه. ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى» - وَكَانَ سَرِيعَ الْقِرَاءَةِ، فَمَا كَرَثَهُ مَا سَمِعَ، وَمَا يُخْطِئُ وَمَا يَتَتَعْتَعُ حَتَّى أَتَى عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يَصِلُوا إِلَيْهِ- ثُمَّ عَادَ فَجَلَسَ إِلَى عِنْدِ الْمُصْحَفِ وَقَرَأَ: «الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» .
وَارْتَجَزَ الْمُغِيرَةُ بْنُ الأَخْنَسِ وَهُوَ دُونَ الدَّارِ فِي أَصْحَابِهِ:
قَدْ عَلِمَتْ ذَاتُ الْقُرُونِ الْمِيلِ ... وَالْحُلِيِّ وَالأَنَامِلِ الطَّفُولِ
لَتَصْدُقَنَّ بَيْعَتِي خَلِيلِي ... بِصَارِمٍ ذِي رَوْنَقٍ مَصْقُولِ
لا أَسْتَقِيلُ إِنْ أُقِلْتُ قَيْلِي.
وَأَقْبَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَالنَّاسُ مُحْجِمُونَ عَنِ الدَّارِ إِلا أُولَئِكَ الْعُصْبَةَ، فَدَسَرُوا فَاسْتَقْتَلُوا، فَقَامَ مَعَهُمْ، وَقَالَ: أَنَا أُسْوَتُكُمْ، وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ طَابَ امْضَرْبُ- يَعْنِي أَنَّهُ حَلَّ الْقِتَالُ، وَطَابَ وهذه لغة حمير- ونادى: يا قَوْمِ، مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي الى النار! وَبَادَرَ مَرْوَانُ يَوْمَئِذٍ وَنَادَى:
رَجُلٌ رَجُلٌ، فَبَرَزَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ يُدْعَى النَّبَّاعَ، فاختلفا، فضربه
стр. 2279
مَرْوَانُ أَسْفَلَ رِجْلَيْهِ، وَضَرَبَهُ الآخَرُ عَلَى أَصْلِ الْعُنُقِ فَقَلَبَهُ، فَانْكَبَّ مَرْوَانُ، وَاسْتَلْقَى، فَاجْتَرَّ هَذَا أَصْحَابَهُ، وَاجْتَرَّ الآخَرُ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ الْمِصْرِيُّونَ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْلا أَنْ تَكُونُوا حُجَّةً عَلَيْنَا فِي الأُمَّةِ لَقَدْ قَتَلْنَاكُمْ بَعْدَ تَحْذِيرٍ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ:
مَنْ يُبَارِزُ؟ فَبَرَزَ لَهُ رَجُلٌ فَاجْتَلَدَ، وَهُوَ يَقُولُ:
أَضْرِبُهُمْ بِالْيَابِسِ ... ضَرْبَ غُلامٍ بَائِسِ
مِنَ الْحَيَاةِ آيِسِ.
فَأَجَابَهُ صَاحِبُهُ وَقَالَ النَّاسُ: قُتِلَ الْمُغِيرَةُ بْنُ الأَخْنَسِ، فَقَالَ الَّذِي قَتَلَهُ: إِنَّا لِلَّهِ! فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُدَيْسٍ: مَا لَكَ؟ قَالَ: إِنِّي أُتِيتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، فَقِيلَ لِي: بَشِّرْ قَاتِلَ الْمُغِيرَةِ بْنِ الأَخْنَسِ بِالنَّارِ، فَابْتُلِيتُ بِهِ، وَقَتَلَ قُبَاثٌ الْكِنَانِيُّ نِيَارَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَسْلَمِيَّ، وَاقْتَحَمَ النَّاسُ الدَّارَ مِنَ الدُّورِ الَّتِي حَوْلَهَا حَتَّى مَلَئُوهَا وَلا يَشْعُرُ الَّذِينَ بِالْبَابِ، وَأَقْبَلَتِ الْقَبَائِلُ عَلَى أَبْنَائِهِمْ، فَذَهَبُوا بِهِمْ إِذْ غُلِبُوا عَلَى أَمِيرِهِمْ، وَنَدَبُوا رَجُلا لِقَتْلِهِ، فَانْتُدِبَ لَهُ رَجُلٌ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ الْبَيْتَ، فَقَالَ: اخْلَعْهَا وَنَدَعَكَ، فَقَالَ: وَيْحَكَ! وَاللَّهِ مَا كَشَفْتُ امْرَأَةً فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلا إِسْلامٍ، وَلا تَغَنَّيْتُ وَلا تَمَنَّيْتُ، وَلا وَضَعْتُ يَمِينِي عَلَى عَوْرَتِي مُنْذُ بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص، وَلَسْتُ خَالِعًا قَمِيصًا كَسَانِيهِ اللَّهُ ، وَأَنَا عَلَى مَكَانِي حَتَّى يُكْرِمَ اللَّهُ أَهْلَ السَّعَادَةِ، وَيُهِينَ أَهْلَ الشَّقَاءِ فَخَرَجَ وَقَالُوا: مَا صَنَعْتَ؟ فَقَالَ: علقنا وَاللَّهِ، وَاللَّهِ مَا يُنْجِينَا مِنَ النَّاسِ إِلا قَتْلُهُ، وَمَا يَحِلُّ لَنَا قَتْلُهُ، فَأَدْخَلُوا عَلَيْهِ رَجُلا مِنْ بَنِي لَيْثٍ، فَقَالَ:
مِمَّنِ الرَّجُلُ؟ فَقَالَ: لَيْثِيٌّ، فَقَالَ: لَسْتَ بِصَاحِبِي، قَالَ: وَكَيْفَ؟ فَقَالَ:
أَلَسْتَ الَّذِي دَعَا لك النبي ص فِي نَفَرٍ أَنْ تَحْفَظُوا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَلَنْ تُضَيِّعَ، فَرَجَعَ وَفَارَقَ الْقَوْمَ، فَأَدْخَلُوا عَلَيْهِ رَجُلا مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ: يَا عُثْمَانُ، إِنِّي قَاتِلُكَ، قَالَ: كَلا يَا فُلانُ، لا تَقْتُلْنِي، قَالَ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: إِنَّ رسول الله ص اسْتَغْفَرَ لَكَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَلَنْ تُقَارِفَ دَمًا حَرَامًا فَاسْتَغْفَرَ وَرَجَعَ، وَفَارَقَ أَصْحَابَهُ
стр. 2280
فَأَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ حَتَّى قَامَ عَلَى بَابِ الدَّارِ يَنْهَاهُمْ عَنْ قَتْلِهِ، وَقَالَ: يَا قَوْمِ لا تَسُلُّوا سَيْفَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، فو الله إِنْ سَلَلْتُمُوهُ لا تَغْمِدُوهُ، وَيْلَكُمْ! إِنَّ سُلْطَانَكُمُ اليوم يقوم بالدرة، فان قتلتموه لا يقوم إِلا بِالسَّيْفِ.
وَيْلَكُمْ! إِنَّ مَدِينَتَكُمْ مَحْفُوفَةٌ بِمَلائِكَةِ الله، والله لئن قتلتموه لتتركنها، فقالوا:
يا بن الْيَهُودِيَّةِ، وَمَا أَنْتَ وَهَذَا! فَرَجَعَ عَنْهُمْ.
قَالُوا: وَكَانَ آخِرَ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ مِمَّنْ رَجَعَ إِلَى الْقَوْمِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: وَيْلَكَ! أَعَلَى اللَّهِ تَغْضَبُ! هَلْ لي إليك جرم الا حقه أَخَذْتَهُ مِنْكَ! فَنَكَلَ وَرَجَعَ.
قَالُوا: فَلَمَّا خَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَعَرَفُوا انْكِسَارَهُ، ثَارَ قتيرة وسودان ابن حُمْرَانَ السَّكُونِيَّانِ وَالْغَافِقِيُّ، فَضَرَبَهُ الْغَافِقِيُّ بِحَدِيدَةٍ مَعَهُ، وَضَرَبَ الْمُصْحَفَ بِرِجْلِهِ فَاسْتَدَارَ الْمُصْحَفُ، فَاسْتَقَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَسَالَتْ عَلَيْهِ الدِّمَاءُ، وَجَاءَ سُودَانُ بْنُ حُمْرَانَ لِيَضْرِبَهُ، فَانْكَبَّتْ عَلَيْهِ نَائِلَةُ ابْنَةُ الْفُرَافِصَةِ، وَاتَّقَتِ السَّيْفَ بِيَدِهَا، فَتَعَمَّدَهَا، وَنَفَحَ أَصَابِعَهَا، فَأَطَنَّ أَصَابِعَ يَدِهَا وَوَلَّتْ، فَغَمَزَ أَوْرَاكَهَا، وَقَالَ: إِنَّهَا لَكَبِيرَةُ الْعَجِيزَةِ، وَضَرَبَ عُثْمَانَ فَقَتَلَهُ، وَدَخَلَ غُلْمَةٌ لِعُثْمَانَ مَعَ الْقَوْمِ لِيَنْصُرُوهُ- وَقَدْ كَانَ عُثْمَانُ أَعْتَقَ مَنْ كَفَّ مِنْهُمْ- فَلَمَّا رَأَوْا سُودَانَ قَدْ ضَرَبَهُ، أَهْوَى لَهُ بَعْضُهُمْ فَضَرَبَ عُنُقَهُ فَقَتَلَهُ، وَوَثَبَ قُتَيْرَةُ عَلَى الْغُلامِ فَقَتَلَهُ، وَانْتَهَبُوا مَا فِي الْبَيْتِ، وَأَخْرَجُوا مَنْ فِيهِ، ثُمَّ أَغْلَقُوهُ عَلَى ثَلاثَةِ قَتْلَى فَلَمَّا خَرَجُوا إِلَى الدَّارِ، وَثَبَ غُلامٌ لِعُثْمَانَ آخَرُ عَلَى قُتَيْرَةَ فَقَتَلَهُ، وَدَارَ الْقَوْمُ فَأَخَذُوا مَا وَجَدُوا، حَتَّى تَنَاوَلُوا مَا عَلَى النِّسَاءِ، وَأَخَذَ رَجُلٌ مُلاءَةَ نَائِلَةَ- وَالرَّجُلُ يُدْعَى كُلْثُومَ بْنَ تُجِيبَ- فَتَنَحَّتْ نَائِلَةُ، فَقَالَ: وَيْحَ أُمُّكِ مِنْ عَجِيزَةٍ مَا اتمك! وَبَصَرَ بِهِ غُلامٌ لِعُثْمَانَ فَقَتَلَهُ وَقُتِلَ، وَتَنَادَى الْقَوْمُ:
أَبْصَرَ رَجُلٌ مَنْ صَاحِبُهُ، وَتَنَادَوْا فِي الدَّارِ: أَدْرِكُوا بَيْتَ الْمَالِ لا تُسْبَقُوا إِلَيْهِ، وَسَمِعَ أَصْحَابُ بَيْتِ الْمَالِ أَصْوَاتَهُمْ، وَلَيْسَ فِيهِ إِلا غِرَارَتَانِ، فَقَالُوا:
النَّجَاءَ، فَإِنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا يُحَاوِلُونَ الدُّنْيَا، فَهَرَبُوا وَأَتَوْا بَيْتَ الْمَالِ فَانْتَهَبُوهُ، وماج
стр. 2281
النَّاسُ فِيهِ، فَالتَّانِئُ يَسْتَرْجِعُ وَيَبْكِي، وَالطَّارِئُ يَفْرَحُ وَنَدِمَ الْقَوْمُ، وَكَانَ الزُّبَيْرُ قَدْ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأَقَامَ عَلَى طَرِيقِ مَكَّةَ لِئَلا يَشْهَدَ مَقْتَلَهُ، فَلَمَّا أَتَاهُ الْخَبَرُ بِمَقْتَلِ عُثْمَانَ وَهُوَ بِحَيْثُ هُوَ، قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! رَحِمَ اللَّهُ عُثْمَانَ وَانْتَصَرَ لَهُ، وَقِيلَ: إِنَّ الْقَوْمَ نَادِمُونَ، فَقَالَ: دَبِّرُوا دَبِّرُوا، «وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ» الآيَةَ وَأَتَى الْخَبَرُ طَلْحَةَ، فَقَالَ: رَحِمَ اللَّهُ عُثْمَانَ! وَانْتَصَرَ لَهُ وَلِلإِسْلامِ، وَقِيلَ لَهُ:
إِنَّ الْقَوْمَ نَادِمُونَ، فَقَالَ تَبًّا لَهُمْ! وَقَرَأَ: «فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ» وَأَتَى عَلِيٌّ فَقِيلَ: قُتِلَ عُثْمَانُ، فَقَالَ رَحِمَ الله عثمان، وخلف علينا بخير! وقيل: ندم الْقَوْمِ، فَقَرَأَ: «كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ» ، الآيَةَ وَطُلِبَ سَعْدٌ، فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطِهِ، وَقَدْ قَالَ: لا أَشْهَدُ قَتْلَهُ، فَلَمَّا جَاءَهُ قتله قال: فررنا الى المدينة تدنينا، وَقَرَأَ: «الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً» اللَّهُمَّ أَنْدِمْهُمْ ثُمَّ خُذْهُمْ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنِ الْمُجَالِدِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ مَقْتُولٌ، وَإِنَّهُ إِنْ قُتِلَ وَأَنْتَ بِالْمَدِينَةِ اتَّخَذُوا فِيكَ، فَاخْرُجْ فَكُنْ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ وَكُنْتَ فِي غَارٍ بِالْيَمَنِ طَلَبَكَ النَّاسُ، فَأَبَى وَحُصِرَ عثمان اثنين وَعِشْرِينَ يَوْمًا، ثُمَّ أَحْرَقُوا الْبَابَ، وَفِي الدَّارِ أُنَاسٌ كَثِيرٌ، فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَمَرْوَانُ، فَقَالُوا: ائْذَنْ لَنَا، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله ص عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا، فَأَنَا صَابِرٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَحْرِقُوا بَابَ الدَّارِ إِلا وَهُمْ يَطْلُبُونَ مَا هُوَ أَعْظَمَ مِنْهُ، فَأُحَرِّجُ عَلَى رجل يستقتل وَيُقَاتِلُ، وَخَرَجَ النَّاسُ كُلُّهُمْ، وَدَعَا بِالْمُصْحَفِ يَقْرَأُ فِيهِ وَالْحَسَنُ عِنْدَهُ، فَقَالَ: إِنَّ أَبَاكَ الآنَ لَفِي أَمْرٍ عَظِيمٍ، فَأَقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَمَا خَرَجْتَ! وَأَمَرَ عُثْمَانُ أَبَا كَرِبٍ- رَجُلا مِنْ هَمْدَانَ-
стр. 2282
وَآخَرَ مِنَ الأَنْصَارِ أَنْ يَقُومَا عَلَى بَابِ بَيْتِ الْمَالِ، وَلَيْسَ فِيهِ إِلا غِرَارَتَانِ مِنْ وَرَقٍ، فَلَمَّا أُطْفِئَتِ النَّارُ بَعْدَ مَا نَاوَشَهُمُ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَمَرْوَانُ، وَتَوَعَّدَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَمَرْوَانَ، فَلَمَّا دُخِلَ عَلَى عُثْمَانَ هَرَبَا وَدَخَلَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى عُثْمَانَ، فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، فَقَالَ: أَرْسِلْ لِحْيَتِي، فَلَمْ يَكُنْ أَبُوكَ لِيَتَنَاوَلَهَا فَأَرْسَلَهَا، وَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَجَؤُهُ بِنَعْلِ سَيْفِهِ، وَآخَرُ يَلْكِزُهُ، وَجَاءَهُ رَجُلٌ بِمَشَاقِصَ مَعَهُ، فَوَجَأَهُ فِي تُرقُوَتِهِ، فَسَالَ الدَّمُ عَلَى الْمُصْحَفِ وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَهَابُونَ فِي قَتْلِهِ، وَكَانَ كَبِيرًا، وَغُشِيَ عَلَيْهِ وَدَخَلَ آخَرُونَ فَلَمَّا رَأَوْهُ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ جَرُّوا بِرِجْلِهِ، فَصَاحَتْ نَائِلَةُ وَبَنَاتُهُ، وَجَاءَ التُّجِيبِيُّ مُخْتَرِطًا سَيْفَهُ لِيَضَعَهُ فِي بَطْنِهِ، فَوَقَتْهُ نَائِلَةُ، فَقَطَعَ يَدَهَا، وَاتَّكَأَ بِالسَّيْفِ عَلَيْهِ فِي صَدْرِهِ وَقُتِلَ عُثْمَانُ ﵁ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَنَادَى مُنَادٍ: مَا يَحِلُّ دَمُهُ وَيُحَرَّجُ مَالُهُ، فَانْتَهَبُوا كُلَّ شَيْءٍ، ثُمَّ تَبَادَرُوا بَيْتَ الْمَالِ، فَأَلْقَى الرَّجُلانِ الْمَفَاتِيحَ وَنَجَوْا، وَقَالُوا: الْهَرَبَ الْهَرَبَ! هَذَا مَا طَلَبَ الْقَوْمُ.
وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ حدثه عن عبد الرحمن ابن مُحَمَّدٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ تَسَوَّرَ عَلَى عُثْمَانَ مِنْ دَارِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَمَعَهُ كِنَانَةُ بْنُ بِشْرِ بْنِ عَتَّابٍ، وَسُودَانُ بْنُ حُمْرَانَ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَمِقِ، فَوَجَدُوا عُثْمَانَ عِنْدَ امْرَأَتِهِ نَائِلَةَ وَهُوَ يَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَتَقَدَّمَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَأَخَذَ بِلِحْيَةِ عُثْمَانَ، فَقَالَ: قَدْ أَخْزَاكَ اللَّهُ يَا نَعْثَلُ! فَقَالَ عُثْمَانُ: لَسْتُ بِنَعْثَلٍ، وَلَكِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ مُحَمَّدٌ:
مَا أَغْنَى عَنْكَ مُعَاوِيَةُ وَفُلانُ وَفُلانُ! فَقَالَ عثمان: يا بن أَخِي، دَعْ عَنْكَ لِحْيَتِي، فَمَا كَانَ أَبُوكَ لِيَقْبِضَ عَلَى مَا قَبَضْتَ عَلَيْهِ فَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَوْ رَآكَ أَبِي تَعْمَلُ هَذِهِ الأَعْمَالَ أَنْكَرَهَا عَلَيْكَ، وَمَا أُرِيدُ بِكَ أَشَدَّ مِنْ قَبْضِي عَلَى لِحْيَتِكَ، قَالَ عُثْمَانُ: أَسْتَنْصِرُ اللَّهَ عَلَيْكَ وَأَسْتَعِينُ بِهِ ثُمَّ طَعَنَ جَبِينَهُ بِمِشْقَصٍ فِي يَدِهِ وَرَفَعَ كِنَانَةُ بْنُ بِشْرٍ مَشَاقِصَ كَانَتْ فِي يَدِهِ، فَوَجَأَ بِهَا فِي أَصْلِ أُذُنِ عُثْمَانَ، فَمَضَتْ حَتَّى دَخَلَتْ فِي حَلْقِهِ، ثُمَّ عَلاهُ بِالسَّيْفِ حَتَّى قَتَلَهُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: سَمِعْتُ أَبَا عَوْنٍ يَقُولُ: ضَرَبَ كِنَانَةُ بْنُ بشر جبينه
стр. 2283
وَمُقَدَّمِ رَأْسِهِ بِعَمُودِ حَدِيدٍ، فَخَرَّ لِجَبِينِهِ، فَضَرَبَهُ سُودَانُ بْنُ حُمْرَانَ الْمُرَادِيُّ بَعْدَ مَا خَرَّ لِجَبِينِهِ فَقَتَلَهُ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرحمن ابن الْحَارِثِ، قَالَ: الَّذِي قَتَلَهُ كِنَانَةُ بْنُ بِشْرِ بْنِ عَتَّابٍ التُّجِيبِيُّ وَكَانَتِ امْرَأَةُ مَنْظُورِ بْنِ سَيَّارٍ الْفَزَارِيِّ تَقُولُ: خَرَجْنَا إِلَى الْحَجِّ، وَمَا عَلِمْنَا لِعُثْمَانَ بِقَتْلٍ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْعَرْجِ سَمِعْنَا رَجُلا يَتَغَنَّى تَحْتَ اللَّيْلِ:
أَلا إِنَّ خير الناس بعد ثلاثة ... قتيل التجيبي الذي جَاءَ مِنْ مِصْرَ
قَالَ: وَأَمَّا عَمْرُو بْنُ الْحَمِقِ فَوَثَبَ عَلَى عُثْمَانَ، فَجَلَسَ عَلَى صَدْرِهِ وَبِهِ رَمَقٌ، فَطَعَنَهُ تِسْعَ طَعْنَاتٍ قَالَ عَمْرٌو: فاما ثلاث منهن فانى طعنتهن اياه الله، وَأَمَّا سِتٌّ فَإِنِّي طَعَنْتُهُنَّ إِيَّاهُ لِمَا كَانَ فِي صَدْرِي عَلَيْهِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بن يحيى، عن موسى بن طلحة، قال: رَأَيْتُ عُرْوَةَ بْنَ شُيَيْمٍ ضَرَبَ مَرْوَانَ يَوْمَ الدَّارِ بِالسَّيْفِ عَلَى رَقَبَتِهِ، فَقَطَعَ إِحْدَى عِلْبَاوَيْهِ، فَعَاشَ مَرْوَانُ أَوْقَصَ، وَمَرْوَانُ الَّذِي يَقُولُ:
مَا قُلْتُ يَوْمَ الدَّارِ لِلْقَوْمِ حَاجِزُوا ... رُوَيْدًا وَلا اسْتَبْقُوا الْحَيَاةَ عَلَى الْقَتْلِ
وَلَكِنَّنِي قَدْ قُلْتُ لِلْقَوْمِ مَاصِعُوا ... بِأَسْيَافِكُمْ كَيْمَا يَصِلْنَ إِلَى الْكَهْلِ
قَالَ مُحَمَّد الْوَاقِدِيّ: وَحَدَّثَنِي يُوسُف بن يَعْقُوب، عن عُثْمَان بن مُحَمَّد الأخنسي، قَالَ: كَانَ حصر عُثْمَان قبل قدوم أهل مصر، فقدم أهل مصر يوم الجمعة، وقتلوه فِي الجمعة الأخرى.
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: حدثني أبي، قال:
حدثني سُلَيْمَان، قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ، عن حرملة بن عِمْرَان، قَالَ:
حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، قَالَ: ولي قتل عُثْمَان نهران الأصبحي، وَكَانَ قاتل عَبْد اللَّهِ بن بسرة، وَهُوَ رجل من بني عبد الدار.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: وَحَدَّثَنِي الحكم بن الْقَاسِم، عن أبي عون مولى
стр. 2284
المسور بن مخرمة، قَالَ: مَا زال الْمِصْرِيُّونَ كافين عن دمه وعن القتال، حَتَّى قدمت أمداد العراق مِنَ الْبَصْرَةِ ومن الْكُوفَة ومن الشام، فلما جاءوا شجعوا القوم، وبلغهم أن البعوث قَدْ فصلت من العراق ومن مصر من عِنْدَ ابن سعد، ولم يكن ابن سعد بمصر قبل ذَلِكَ، كَانَ هاربا قَدْ خرج إِلَى الشام، فَقَالُوا:
نعاجله قبل أن تقدم الأمداد قَالَ مُحَمَّدٌ: وَحَدَّثَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، قَالَ: أَشْرَفَ عُثْمَانُ عَلَيْهِمْ وَهُوَ مَحْصُورٌ، وَقَدْ أَحَاطُوا بِالدَّارِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ دَعَوْتُمُ اللَّهَ عِنْدَ مُصَابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنْ يُخَيِّرَ لَكُمْ، وَأَنْ يَجْمَعَكُمْ عَلَى خَيْرِكُمْ! فَمَا ظَنُّكُمْ بِاللَّهِ! أَتَقُولُونَهُ: لَمْ يَسْتَجِبْ لَكُمْ، وَهُنْتُمْ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَأَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ أَهْلُ حَقِّهِ مِنْ خَلْقِهِ، وَجَمِيعُ أُمُورِكُمْ لَمْ تَتَفَرَّقْ! أَمْ تَقُولُونَ: هَانَ عَلَى اللَّهِ دِينُهُ فَلَمْ يُبَالِ مَنْ وَلاهُ، وَالدِّينُ يَوْمَئِذٍ يُعْبَدُ بِهِ اللَّهُ وَلَمْ يَتَفَرَّقْ أَهْلُهُ، فَتَوَكَّلُوا أَوْ تُخْذَلُوا، وَتُعَاقَبُوا! أَمْ تَقُولُونَ: لَمْ يَكُنْ أُخِذَ عَنْ مَشُورَةٍ، وَإِنَّمَا كَابَرْتُمْ مُكَابَرَةً، فَوَكَّلَ اللَّهُ الأُمَّةَ إِذَا عَصَتْهُ لَمْ تُشَاوِرُوا فِي الإِمَامِ، وَلَمْ تَجْتَهِدُوا فِي مَوْضِعِ كَرَاهَتِهِ! أَمْ تَقُولُونَ: لَمْ يَدْرِ اللَّهُ مَا عَاقِبَةُ أَمْرِي، فَكُنْتُ فِي بَعْضِ أَمْرِي مُحْسِنًا، وَلأَهْلِ الدِّينِ رِضًا، فَمَا أَحْدَثْتُ بَعْدُ فِي أَمْرِي مَا يُسْخِطُ اللَّهَ، وَتَسْخَطُونَ مِمَّا لَمْ يَعْلِمِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ يَوْمَ اخْتَارَنِي وَسَرْبَلَنِي سِرْبَالَ كَرَامَتِهِ! وَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ، هَلْ تَعْلَمُونَ لِي مِنْ سَابِقَةِ خَيْرٍ وَسَلَفِ خَيْرٍ قَدَّمَهُ اللَّهُ لِي، وَأَشْهَدَنِيهِ مِنْ حَقِّهِ! وَجِهَادِ عَدُوِّهِ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مَنْ جَاءَ بَعْدِي أَنْ يَعْرِفُوا لِي فَضْلَهَا فَمَهْلا، لا تَقْتُلُونِي، فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ إِلا قَتْلُ ثَلاثَةٍ: رَجُلٍ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانِهِ، أَوْ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلامِهِ، أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ فَيُقْتَلُ بِهَا، فَإِنَّكُمْ إِنْ قَتَلْتُمُونِي وَضَعْتُمُ السَّيْفَ عَلَى رِقَابِكُمْ، ثُمَّ لَمْ يَرْفَعْهُ اللَّهُ عَنْكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلا تَقْتُلُونِي فَإِنَّكُمْ إِنْ قَتَلْتُمُونِي لَمْ تصلوا مِنْ بَعْدِي جَمِيعًا أَبَدًا، وَلَمْ تَقْتَسِمُوا بَعْدِي فَيْئًا جَمِيعًا أَبَدًا، وَلَنْ يَرْفَعَ اللَّهُ عَنْكُمُ الاخْتِلافَ أَبَدًا.
قَالُوا لَهُ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنَ اسْتِخَارَةِ اللَّهِ النَّاس بَعْدَ عُمَرَ رَضِيَ
стр. 2285
اللَّهُ عَنْهُ فِيمَنْ يُوَلُّونَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ وَلُّوكَ بَعْدَ اسْتِخَارَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ كُلَّ مَا صَنَعَ اللَّهُ الْخِيَرَةُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ أَمْرَكَ بَلِيَّةً ابْتَلَى بِهَا عِبَادَهُ وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ من قدمك وسبقك مع رسول الله ص، فَإِنَّكَ قَدْ كُنْتَ ذَا قَدَمٍ وَسَلَفٍ، وَكُنْتَ أَهْلا لِلْوِلايَةِ، وَلَكِنْ بَدَّلْتَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَحْدَثْتَ مَا قَدْ عَلِمْتَ وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِمَّا يُصِيبُنَا إِنْ نَحْنُ قَتَلْنَاكَ مِنَ الْبَلاءِ، فَإِنَّهُ لا يَنْبَغِي تَرْكُ إِقَامَةِ الْحَقِّ عَلَيْكَ مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ عَامًا قَابِلا وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّهُ لا يَحِلُّ إِلا قَتْلَ ثَلاثَةٍ، فَإِنَّا نَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَتْلُ غَيْرِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ سَمَّيْتَ، قَتْلُ مَنْ سَعَى فِي الأَرْضِ فَسَادًا، وَقَتْلُ مَنْ بَغَى ثُمَّ قَاتَلَ عَلَى بَغْيِهِ، وَقَتْلُ مَنْ حَالَ دُونَ شَيْءٍ مِنَ الْحَقِّ وَمَنَعَهُ ثُمَّ قَاتَلَ دُونَهُ وَكَابَرَ عَلَيْهِ، وَقَدْ بَغَيْتَ، وَمَنَعْتَ الْحَقَّ، وَحِلْتَ دُونَهُ، وَكَابَرْتَ عَلَيْهِ، تَأْبَى أَنْ تُقِيدَ مِنْ نَفْسِكَ مَنْ ظَلَمْتَ عَمْدًا، وَتَمَسَّكْتَ بِالإِمَارَةِ عَلَيْنَا وَقَدْ جُرْتَ فِي حُكْمِكَ وَقَسْمِكَ! فَإِنْ زَعَمْتَ أَنَّكَ لَمْ تُكَابِرْنَا عَلَيْهِ، وَأَنَّ الَّذِينَ قَامُوا دُونَكَ وَمَنَعُوكَ مِنَّا إِنَّمَا يُقَاتِلُونَ بِغَيْرِ أَمْرِكَ، فَإِنَّمَا يُقَاتِلُونَ لِتَمَسُّكِكَ بِالإِمَارَةِ، فَلَوْ أَنَّكَ خَلَعْتَ نَفْسَكَ لانْصَرَفُوا عَنِ الْقِتَالِ دُونَكَ
. ذِكْرُ بَعْضِ سِيَرِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁
حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قال: زعم أبو المقدام، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: دخلت الْمَسْجِدَ، فَإِذَا أَنَا بِعُثْمَانَ بن عَفَّانَ مُتَّكِئًا عَلَى رِدَائِهِ، فَأَتَاهُ سَقَّاءَانِ يَخْتَصِمَانِ، فَقَضَى بَيْنَهُمَا.
وفيما كتب إلي السري، عن شعيب، عن سَيْفٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَدْ حَجَرَ عَلَى أَعْلامِ قُرَيْشٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْخُرُوجَ فِي الْبِلْدَانِ إِلا بِإِذْنٍ وَأَجَلٍ، فَشَكَوْهُ فَبَلَغَهُ، فَقَامَ فَقَالَ: أَلا إِنِّي قَدْ سَنَنْتُ الإِسْلامَ سَنَّ الْبَعِيرِ، يَبْدَأُ فَيَكُونُ جَذَعًا، ثُمَّ ثَنِيًّا، ثُمَّ رُبَاعِيًّا، ثُمَّ سَدِيسًا، ثُمَّ بَازِلا، أَلا فهل ينتظر بالبازل
стр. 2286
إِلا النُّقْصَانَ! أَلا فَإِنَّ الإِسْلامَ قَدْ بَزَلَ أَلا وَإِنَّ قُرَيْشًا يُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا مَالَ اللَّهِ مَعُونَاتٍ دُونَ عِبَادَةٍ، أَلا فَأَمَّا وَابْنُ الْخَطَّابِ حَيٌّ فَلا، إِنِّي قَائِمٌ دُونَ شِعْبِ الْحَرَّةِ، آخِذٌ بِحَلاقِيمِ قُرَيْشٍ وَحُجُزِهَا أَنْ يَتَهَافَتُوا فِي النَّارِ.
وَكَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ، قَالا: فلما ولي عُثْمَان لم يأخذهم بِالَّذِي كَانَ يأخذهم بِهِ عمر، فانساحوا فِي البلاد، فلما رأوها ورأوا الدُّنْيَا، ورآهم الناس، انقطع إليهم من لَمْ يَكُنْ لَهُ طول وَلا مزية فِي الإِسْلام، فكان مغموما فِي الناس، وصاروا أوزاعا إِلَيْهِم وأملوهم، وتقدموا فِي ذَلِكَ فَقَالُوا: يملكون فنكون قَدْ عرفناهم، وتقدمنا فِي التقرب والانقطاع إِلَيْهِم، فكان ذَلِكَ أول وهن دخل عَلَى الإِسْلام، وأول فتنة كَانَتْ فِي العامة، ليس إلا ذَلِكَ.
وَكَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن عمرو، عن الشعبي قال: لم يمت عمر ﵁ حَتَّى ملته قريش، وَقَدْ كَانَ حصرهم بِالْمَدِينَةِ، فامتنع عَلَيْهِم، وَقَالَ: إن أخوف مَا أخاف عَلَى هَذِهِ الأمة انتشاركم فِي البلاد، فإن كَانَ الرجل ليستأذنه فِي الغزو- وَهُوَ ممن حبس بِالْمَدِينَةِ من الْمُهَاجِرِينَ، ولم يكن فعل ذَلِكَ بغيرهم من أهل مكة- فيقول: قَدْ كَانَ في غزوك مع رسول الله ص مَا يبلغك، وخير لك من الغزو الْيَوْم أَلا ترى الدُّنْيَا وَلا تراك، فلما ولي عُثْمَان خلى عَنْهُمْ، فاضطربوا فِي البلاد، وانقطع إِلَيْهِم الناس، فكان أحب إِلَيْهِم من عمر.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُبَشِّرِ بْنِ الْفُضَيْلِ، عَنْ سَالِمِ بن عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لما ولي عُثْمَان حج سنواته كلها إلا آخر حجة، وحج بأزواج رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا كان يصنع عمر، فكان عبد الرحمن ابن عوف فِي موضعه، وجعل فِي موضع نفسه سَعِيد بن زَيْدٍ، هَذَا فِي مؤخر القطار، وهذا فِي مقدمه، وأمن الناس، وكتب فِي الأمصار أن يوافيه العمال فِي كل موسم ومن يشكونهم وكتب إِلَى النَّاسِ إِلَى الأمصار، أن ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، وَلا يذل المؤمن نفسه، فإني مع الضعيف عَلَى القوي مَا دام مظلوما إِنْ شَاءَ اللَّهُ فكان الناس بِذَلِكَ، فجرى ذَلِكَ إِلَى
стр. 2287
ان اتخذه اقوام وسيلة إِلَى تفريق الأمة.
وَكَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قَالا:
لم تمض سنة من إمارة عُثْمَان حَتَّى اتخذ رجال من قريش أموالا فِي الأمصار، وانقطع إِلَيْهِم الناس، وثبتوا سبع سنين، كل قوم يحبون أن يلي صاحبهم.
ثُمَّ إن ابن السوداء أسلم، وتكلم وَقَدْ فاضت الدُّنْيَا، وطلعت الأحداث عَلَى يديه، فاستطالوا عمر عُثْمَان ﵁.
وَكَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن عُثْمَان بن حكيم ابن عباد بن حنيف، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أول منكر ظهر بِالْمَدِينَةِ حين فاضت الدُّنْيَا، وانتهى وسع الناس طيران الحمام والرمي عَلَى الجلاهقات، فاستعمل عَلَيْهَا عُثْمَان رجلا من بني ليث سنة ثمان، فقصها وكسر الجلاهقات وَكَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد اللَّهِ، عن عَمْرو بن شعيب، قَالَ أول من منع الحمام الطيارة والجلاهقات عُثْمَان، ظهرت بِالْمَدِينَةِ فأمر عَلَيْهَا رجلا، فمنعهم منها.
وَكَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن سَهْلِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ نحوا مِنْهُ، وزاد: وحدث بين الناس النشو.
قَالَ: فأرسل عُثْمَان طائفا يطوف عَلَيْهِم بالعصا، فمنعهم من ذَلِكَ، ثُمَّ اشتد ذَلِكَ فأفشى الحدود، ونبأ ذَلِكَ عُثْمَان، وشكاه إِلَى النَّاسِ، فاجتمعوا عَلَى أن يجلدوا فِي النبيذ، فأخذ نفر مِنْهُمْ فجلدوا.
وَكَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ مُبَشِّرِ بْنِ الْفُضَيْلِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لما حدثت الأحداث بِالْمَدِينَةِ خرج منها رجال إِلَى الأمصار مجاهدين، وليدنوا من العرب، فمنهم من أتى الْبَصْرَةَ، ومنهم من أتى الكوفه، ومنهم من أتى الشام، فهجموا جميعا من أبناء الْمُهَاجِرِينَ بالأمصار عَلَى مثل مَا حدث فِي أبناء الْمَدِينَةِ إلا مَا كَانَ من أبناء الشام، فرجعوا جميعا إِلَى الْمَدِينَةِ إلا من كَانَ بِالشَّامِ، فأخبروا عُثْمَان بخبرهم، فقام
стр. 2288
عُثْمَان فِي الناس خطيبا، فَقَالَ: يَا أهل الْمَدِينَةِ، أنتم أصل الإِسْلام، وإنما يفسد الناس بفسادكم، ويصلحون بصلاحكم، وَاللَّهِ وَاللَّهِ وَاللَّهِ لا يبلغني عن أحد مِنْكم حدث أحدثه إلا سيرته، أَلا فلا أعرفن أحدا عرض دون أُولَئِكَ بكلام وَلا طلب، فإن من كَانَ قبلكم كَانَتْ تقطع أعضاؤهم دون أن يتكلم أحد مِنْهُمْ بِمَا عَلَيْهِ وَلا لَهُ وجعل عُثْمَان لا يأخذ أحدا مِنْهُمْ عَلَى شر أو شهر سلاح: عصا فما فوقها إلا سيره، فضج آباؤهم من ذَلِكَ حَتَّى بلغه أَنَّهُمْ يقولون: مَا أحدث التسيير إلا أَنَّ رسول الله ص سير الحكم بن أبي العاص، فَقَالَ: إن الحكم كان مكيا، فسيره رسول الله ص منها إِلَى الطائف، ثُمَّ رده إِلَى بلده، فرسول الله ص سيره بذنبه، ورسول الله ص رده بعفوه وَقَدْ سير الخليفة من بعده، وعمر ﵁ من بعد الخليفة، وايم اللَّه لأخذن العفو من أخلاقكم، ولأبذلنه لكم من خلقي، وَقَدْ دنت أمور، وَلا أحب أن تحل بنا وبكم، وأنا عَلَى وجل وحذر، فاحذروا واعتبروا كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد ابن ثَابِت ويحيى بن سَعِيدٍ، قَالا: سأل سائل سَعِيد بْنُ الْمُسَيِّبِ عن مُحَمَّد بن أبي حُذَيْفَة: مَا دعاه إِلَى الخروج عَلَى عُثْمَانَ؟ فَقَالَ: كَانَ يتيما فِي حجر عُثْمَان، فكان عُثْمَان والي أيتام أهل بيته، ومحتمل كلهم، فسأل عُثْمَان العمل حين ولي، فَقَالَ: يَا بني، لو كنت رضا ثُمَّ سألتني العمل لاستعملتك، ولكن لست هُنَاكَ! قَالَ: فأذن لي فلأخرج فلأطلب مَا يقوتني، قَالَ: اذهب حَيْثُ شئت، وجهزه من عنده، وحمله وأعطاه، فلما وقع إِلَى مصر كَانَ فيمن تغير عَلَيْهِ أن منعه الولاية قيل: فعمار بن ياسر؟ قَالَ: كَانَ بينه وبين عباس بن عتبة بن أبي لهب كلام، فضربهما عُثْمَان، فأورث ذاك بين آل عمار وآل عتبة شرا حَتَّى اليوم، وكنى عما ضربا عَلَيْهِ وفيه.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد ابن ثَابِت، قَالَ: فسألت ابن سُلَيْمَان بن أبي حثمة، فأخبرني أنه تقاذف كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن مبشر، قَالَ: سالت
стр. 2289
سَالم بن عَبْدِ اللَّهِ عن مُحَمَّد بن أبي بكر: مَا دعاه إِلَى ركوب عُثْمَان؟ فَقَالَ:
الغضب والطمع، قلت: مَا الغضب والطمع؟ قَالَ: كَانَ من الإِسْلام بالمكان الَّذِي هُوَ بِهِ، وغره أقوام فطمع وكانت لَهُ دالة فلزمه حق، فأخذه عُثْمَان من ظهره، ولم يدهن، فاجتمع هَذَا إِلَى هَذَا، فصار مذمما بعد أن كَانَ محمدا.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن مبشر، عن سالم ابن عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لما ولي عُثْمَان لان لَهُمْ، فانتزع الحقوق انتزاعا، ولم يعطل حقا، فأحبوه عَلَى لينه، فأسلمهم ذَلِكَ إِلَى أمر اللَّه .
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن سهل، عَنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: كَانَ مما أحدث عُثْمَان فرضي بِهِ مِنْهُ أنه ضرب رجلا فِي منازعة استخف فِيهَا بالعباس بن عبد المطلب، فقيل لَهُ، فقال: نعم، ايفخم رسول الله ص عمه، وأرخص فِي الاستخفاف بِهِ! لقد خالف رسول الله ص من فعل ذَلِكَ، ومن رضي بِهِ مِنْهُ.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عَنْ رُزَيْقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ حُمْرَانَ بْنِ أَبَانٍ، قَالَ: أَرْسَلَنِي عُثْمَانُ إِلَى الْعَبَّاسِ بَعْدَ مَا بُويِعَ، فَدَعَوْتُهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا لَكَ تَعَبَّدْتَنِي! قَالَ:
لَمْ أَكُن قَطُّ أَحْوَجَ إِلَيْكَ مِنِّي الْيَوْمَ، قَالَ: الْزَمْ خَمْسًا، لا تُنَازِعُكَ الأُمَّةُ خَزَائِمَهَا مَا لَزِمْتَهَا، قَالَ: وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الصَّبْرُ عَنِ الْقَتْلِ، وَالتَّحُبُّبُ، وَالصَّفْحُ، وَالْمُدَارَاةُ، وَكِتْمَانُ السِّرِّ.
وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْن عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، قَالَ: إِنَّ قُرَيْشًا كَانَ مَنْ أَسَنَّ مِنْهُمْ مُولَعًا بِأَكْلِ الْخَزِيرَةِ، وَإِنِّي كُنْتُ أَتَعَشَّى مَعَ عُثْمَانَ خَزِيرًا مِنْ طَبْخٍ مِنْ أَجْوَدِ مَا رَأَيْتُ قَطُّ، فِيهَا بُطُونُ الْغَنَمِ، وَأُدْمُهَا اللَّبَنُ وَالسَّمْنُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: كَيْفَ تَرَى هَذَا الطَّعَامَ؟
فَقُلْتُ: هَذَا أَطْيَبُ مَا أَكَلْتُ قَطُّ، فَقَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ الْخَطَّابِ! أَكَلْتَ
стр. 2290
مَعَهُ هَذِهِ الْخَزِيرَةَ قَطُّ؟ قُلتُ: نَعَمْ، فَكَادَتِ اللُّقْمَةُ تَفْرُثُ فِي يَدِي حِينَ أَهْوِي بِهَا إِلَى فَمِي، وَلَيْسَ فِيهَا لَحْمٌ، وَكَانَ أُدْمَهَا السَّمْنُ وَلا لَبَنَ فِيهَا.
فَقَالَ عُثْمَانُ: صَدَقْتَ، إِنَّ عُمَرَ ﵁ أَتْعَبَ وَاللَّهِ مَنْ تَبِعَ أَثَرَهُ، وَإِنَّهُ كَانَ يَطْلُبُ بِثَنْيِهِ عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ ظَلَفًا أَمَا وَاللَّهِ مَا آكُلُهُ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنِّي آكُلُهُ مِنْ مَالِي، أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أَكْثَرَ قُرَيْشٍ مَالا، وَأَجَدَّهُمْ فِي التِّجَارَةِ، وَلَمْ أَزَلْ آكُلُ مِنَ الطَّعَامِ مَا لانَ مِنْهُ، وَقَدْ بَلَغْتُ سِنًّا فَأَحَبُّ الطَّعَامِ إِلَيَّ أَلْيَنُهُ، وَلا أَعْلَمُ لأَحَدٍ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ تِبْعَةً.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَحَدَّثَنِي ابن أبي سبرة، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله ابن عَامِر، قَالَ: كنت أفطر مع عُثْمَان فِي شهر رمضان، فكان يأتينا بطعام هُوَ ألين من طعام عمر، قَدْ رأيت عَلَى مائدة عُثْمَان الدرمك الجيد وصغار الضأن كل ليلة، وما رأيت عمر قط أكل من الدقيق منخولا، وَلا أكل من الغنم إلا مسانها، فقلت لِعُثْمَانَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: يرحم اللَّه عمر! ومن يطيق مَا كَانَ عمر يطيق! قَالَ مُحَمَّدٌ: وَحَدَّثَنِي عَبْد الْمَلِكِ بن يَزِيدَ بن السَّائِب، عن عَبْد اللَّهِ بن السَّائِب، قَالَ: أَخْبَرَنِي أبي، قَالَ: أول فسطاط رأيته بمنى فسطاط لِعُثْمَانَ، وآخر لعبد اللَّه بن عَامِر بن كريز، وأول من زاد النداء الثالث يوم الجمعة عَلَى الزوراء عُثْمَان، وأول من نخل لَهُ الدقيق من الولاة عُثْمَان ﵁ كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ، قَالا:
بلغ عُثْمَان أن ابن ذي الحبكة النهدي يعالج نيرنجا- قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سلمة: إنما هُوَ نيرج- فأرسل إِلَى الْوَلِيدِ بن عُقْبَةَ ليسأله عن ذَلِكَ، فإن أقر بِهِ فأوجعه، فدعا بِهِ فسأله، فَقَالَ: إنما هُوَ رفق وأمر يعجب مِنْهُ، فأمر بِهِ فعزر، وأخبر الناس خبره، وقرأ عَلَيْهِم كتاب عُثْمَان: إنه قَدْ جد بكم، فعَلَيْكُمْ بالجد، وإياكم والهزال، فكان الناس عَلَيْهِ، وتعجبوا من وقوف عُثْمَان
стр. 2291
عَلَى مثل خبره، فغضب، فنفر فِي الَّذِينَ نفروا، فضرب معهم، فكتب إِلَى عُثْمَانَ فِيهِ، فلما سير إِلَى الشام من سير، سير كعب بن ذي الحبكه ومالك ابن عَبْدِ اللَّهِ- وَكَانَ دينه كدينه- إِلَى دنباوند، لأنها أرض سحرة، فَقَالَ فِي ذَلِكَ كعب بن ذي الحبكة للوليد:
لعمري لَئِنْ طردتني مَا إِلَى الَّتِي ... طمعت بِهَا من سقطتي لسبيل
رجوت رجوعى يا بن أروى ورجعتي ... إِلَى الحق دهرا غال ذَلِكَ غول
وإن اغترابي فِي البلاد وجفوتي ... وشتمي فِي ذات الإله قليل
وإن دعائي كل يوم وليله ... عليك بدنباوند كم لطويل
فلما ولي سَعِيد أقفله، وأحسن إِلَيْهِ واستصلحه، فكفره، فلم يزدد إلا فسادا واستعار ضابئ بن الْحَارِث البرجمي فِي زمان الْوَلِيد بن عُقْبَةَ من قوم من الأنصار كلبا يدعى قرحان، يصيد الظباء، فحبسه عَنْهُمْ، فنافره الأنصاريون، واستغاثوا عَلَيْهِ بقومه فكاثروه، فانتزعوه مِنْهُ وردوه عَلَى الأنصار، فهجاهم وَقَالَ فِي ذَلِكَ:
تحشم دوني وفد قرحان خطة ... تضل لها الوجناء وَهِيَ حسير
فباتوا شباعا ناعمين كأنما ... حباهم ببيت المرزبان أَمِير
فكلبكم لا تتركوا فهو أمكم ... فإن عقوق الأمهات كبير
فاستعدوا عَلَيْهِ عُثْمَان، فأرسل إِلَيْهِ، فعزره وحبسه كما كَانَ يصنع بالمسلمين، فاستثقل ذَلِكَ، فما زال فِي الحبس حَتَّى مات فِيهِ وَقَالَ فِي الفتك يعتذر إِلَى أَصْحَابه:
هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... فعلت ووليت البكاء حلائله
وقائلة قَدْ مات فِي السجن ضابئ ... أَلا من لخصم لم يجد من يجادله!
стр. 2292
وقائلة لا يبعد اللَّه ضابئا ... فنعم الفتى تخلو بِهِ وتحاوله
فلذلك صار عمير بن ضابئ سبئيا.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن المستنير، عن أخيه، قَالَ: وَاللَّهِ مَا علمت وَلا سمعت بأحد غزا عُثْمَان ﵁، وَلا ركب إِلَيْهِ إلا قتل، لقد اجتمع بالكوفة نفر، فِيهِمُ الأَشْتَر وزَيْد بن صوحان وكعب ابن ذي الحبكه وابو زينب وأبو مورع وكميل بن زياد وعمير بن ضابئ، فَقَالُوا: لا وَاللَّهِ لا يرفع رأس مَا دام عُثْمَان عَلَى الناس، فَقَالَ عمير بن ضابئ وكميل بن زياد: نحن نقتله فركبا إِلَى الْمَدِينَةِ، فأما عمير فإنه نكل عنه، وأما كميل بن زياد فإنه جسر وثاوره، وَكَانَ جالسا يرصده حَتَّى أتى عَلَيْهِ عُثْمَان، فوجأ عُثْمَان وجهه، فوقع عَلَى استه، وَقَالَ: أوجعتني يا امير المؤمنين! قال: او لست بفاتك! قَالَ: لا وَاللَّهِ الَّذِي لا إله إلا هُوَ، فحلف وَقَدِ اجتمع عَلَيْهِ الناس، فَقَالُوا: نفتشه يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: لا، قَدْ رزق اللَّه العافية، وَلا أشتهي أن أطلع مِنْهُ عَلَى غير مَا قَالَ وَقَالَ: إن كَانَ كما قلت يَا كميل فاقتد منى- وجثا- فو الله مَا حسبتك إلا تريدني، وَقَالَ: إن كنت صادقا فأجزل اللَّه، وإن كنت كاذبا فأذل اللَّه وقعد لَهُ عَلَى قدميه وَقَالَ:
دونك! قال: قد تركت فبقيا حَتَّى أكثر الناس فِي نجائهما، فلما قدم الحجاج قَالَ: من كَانَ من بعث المهلب فليواف مكتبه، وَلا يجعل عَلَى نفسه سبيلا.
فقام إِلَيْهِ عمير، وَقَالَ: إني شيخ ضعيف، ولي ابنان قويان، فأخرج أحدهما مكاني أو كليهما، فَقَالَ: من أنت؟ قَالَ: أنا عمير بن ضابئ، فَقَالَ:
وَاللَّهِ لقد عصيت اللَّه منذ اربعين سنه، وو الله لأنكلن بك الْمُسْلِمِينَ، غضبت لسارق الكلب ظالما، إن أباك إذ غل لَهُمْ، وإنك هممت ونكلت، وإني أهم ثُمَّ لا أنكل فضربت عنقه.
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا رجل من بني أسد، قَالَ: كَانَ من حديثه أنه كَانَ قَدْ غزا عُثْمَان ﵁ فيمن غزاه، فلما قدم الحجاج ونادى بِمَا نادى بِهِ، عرض رجل عَلَيْهِ مَا عوض
стр. 2293
نفسه، فقبل منه، فلما ولى قَالَ أسماء بن خارجة: لقد كَانَ شأن عمير مما يهمني، قَالَ: ومن عمير؟ قَالَ: هَذَا الشيخ، قَالَ:
ذكرتني الطعن وكنت ناسيا
أليس فيمن خرج إِلَى عُثْمَانَ؟ قَالَ: بلى، قَالَ: فهل بالكوفة أحد غيره؟ قَالَ: نعم، كميل، قَالَ: علي بعمير، فضرب عنقه، ودعا بكميل فهرب، فأخذ النخع بِهِ، فَقَالَ لَهُ الأسود بن الهيثم: مَا تريد من شيخ قَدْ كفاكه الكبر! فَقَالَ: أما وَاللَّهِ لتحبسن عني لسانك أو لأحسن رأسك بالسيف قَالَ: افعل فلما رَأَى كميل مَا لقي قومه من الخوف وهم ألفا مقاتل، قَالَ: الموت خير من الخوف إذا أخيف ألفان من سببي وحرموا.
فخرج حَتَّى أتى الحجاج، فَقَالَ لَهُ الحجاج: أنت الَّذِي أردت ثُمَّ لم يكشفك امير المؤمنين، ولم ترض حتى اقعدته للقصاص إذ دفعك عن نفسه؟ فَقَالَ:
عَلَى أي ذَلِكَ تقتلني! تقتلني عَلَى عفوه أو عَلَى عافيتي؟ قَالَ: يَا أدهم بن المحرز، اقتله، قَالَ: والأجر بيني وبينك؟ قَالَ: نعم، قَالَ أدهم: بل الأجر لك، وما كَانَ من إثم فعلي وَقَالَ مالك بن عَبْدِ اللَّهِ- وَكَانَ من المسيرين:
مضت لابن أروى فِي كميل ظلامة ... عفاها لَهُ والمستقيد يلام
وَقَالَ لَهُ لا أقبح الْيَوْم مثلة ... عَلَيْك أبا عَمْرو وأنت إمام
رويدك رأسي والذي نسكت لَهُ ... قريش بنا عَلَى الكبير حرام
وللعفو أمن يعرف الناس فضله ... وليس علينا فِي القصاص أثام
ولو علم الفاروق مَا أنت صانع ... نهى عنك نهيا ليس فِيهِ كلام
حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عن سحيم بن حفص، قَالَ: كَانَ رَبِيعَةُ بن الْحَارِث بن عبد المطلب شريك عُثْمَان فِي الْجَاهِلِيَّة، فَقَالَ العباس بن رَبِيعَةَ لِعُثْمَانَ: اكتب لي إِلَى ابن عَامِر يسلفني مائة ألف، فكتب، فأعطاه مائة ألف وصله بِهَا، وأقطعه داره، دار العباس ابن رَبِيعَةَ الْيَوْم.
وَحَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، عن إسحاق بن يحيى، عن موسى
стр. 2294
ابن طَلْحَةَ، قَالَ: كَانَ لِعُثْمَانَ عَلَى طَلْحَةَ خَمْسُونَ أَلْفًا، فَخَرَجَ عُثْمَانُ يَوْمًا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقَالَ لَهُ طَلْحَةُ: قَدْ تَهَيَّأَ مَالُكَ فَاقْبِضْهُ، قَالَ: هُوَ لَكَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ مَعُونَةً لَكَ عَلَى مُرُوءَتِكَ.
وَحَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابن أَبِي خَالِدٍ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ لِطَلْحَةَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَلا رَدَدْتَ النَّاسَ عَنْ عُثْمَانَ! قَالَ: لا وَاللَّهِ حَتَّى تُعْطِيَ بَنُو أُمَيَّةَ الْحَقَّ مِنْ أَنْفُسِهَا.
وَحَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْبَكْرِيُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ، عَنِ الْحَسَنِ، أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بَاعَ أرضا له من عثمان بسبعمائة أَلْفٍ، فَحَمَلَهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ طَلْحَةُ: إِنَّ رَجُلا تَتَّسِقُ هَذِهِ عِنْدَهُ وَفِي بَيْتِهِ لا يَدْرِي مَا يَطْرُقُهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ لَغَرِيرٌ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ! فَبَاتَ وَرَسُولُهُ يَخْتَلِفُ بِهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ يَقْسِمُهَا حَتَّى أَصْبَحَ، فَأَصْبَحَ وَمَا عِنْدَهُ مِنْهَا دِرْهَمٌ قَالَ الْحَسَنُ: وَجَاءَ هَاهُنَا يَطْلُبُ الدِّينَارَ وَالدِّرْهَمَ- أَوْ قَالَ: الصَّفْرَاءَ وَالْبَيْضَاءَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ- أَعْنِي سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلاثِينَ- عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ بِأَمْرِ عُثْمَانَ إِيَّاهُ بِذَلِكَ، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَحْمَدُ بْن ثابت الرازي، عمن حدثه، عن إسحاق بْن عِيسَى، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ
. ذِكْرُ الْخَبَرِ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أَمَرَ عُثْمَانُ رضى الله عنه عبد الله ابن عَبَّاسٍ ﵁ أَنْ يَحُجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ
ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حَدَّثَهُ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا حُصِرَ عُثْمَانُ الْحَصْرَ الآخِرَ قال
стр. 2295
عكرمه: فقلت لابن عباس: او كانا حَصْرَيْنِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَعَمْ، الْحَصْرُ الأَوَّلُ، حَصْرُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ- وَقَدِمَ الْمِصْرِيُّونَ فَلَقِيَهُمْ عَلِيٌّ بِذِي خَشَبٍ، فَرَدَّهُمْ عَنْهُ، وَقَدْ كَانَ وَاللَّهِ عَلِيٌّ لَهُ صَاحِبُ صِدْقٍ، حَتَّى أَوْغَرَ نَفْسَ عَلِيٍّ عَلَيْهِ، جَعَلَ مَرْوَانُ وَسَعِيدٌ وَذَوُوهُمَا يَحْمِلُونَهُ عَلَى عَلِيٍّ فَيَتَحَمَّلُ، وَيَقُولُونَ: لَوْ شَاءَ مَا كَلَّمَكَ أَحَدٌ، وَذَلِكَ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يُكَلِّمُهُ وَيَنْصَحُهُ وَيَغْلُظُ عَلَيْهِ فِي الْمَنْطِقِ فِي مَرْوَانَ وَذَوِيهِ، فَيَقُولُونَ لِعُثْمَانَ: هَكَذَا يَسْتَقْبِلُكَ وَأَنْتَ إِمَامُهُ وَسَلَفُهُ وَابْنُ عَمِّهِ وَابْنُ عَمَّتِهِ، فَمَا ظَنُّكَ بِمَا غَابَ عَنْكَ مِنْهُ! فَلَمْ يَزَالُوا بِعَلِيٍّ حَتَّى أَجْمَعَ أَلا يَقُومَ دُونَهُ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ الْيَوْم الَّذِي خَرَجْتُ فِيهِ إِلَى مَكَّةَ، فَذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ عُثْمَانَ دَعَانِي إِلَى الْخُرُوجِ فَقَالَ لِي: مَا يُرِيدُ عُثْمَانُ أَنْ يَنْصَحَهُ أَحَدٌ، اتَّخَذَ بِطَانَةَ أَهْلِ غِشٍّ لَيْسَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلا قَدْ تَسَبَّبَ بِطَائِفَةٍ مِنَ الأَرْضِ يَأْكُلُ خَرَاجَهَا وَيَسْتَذِلُّ أَهْلَهَا، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ لَهُ رَحِمًا وَحَقًّا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَقُومَ دُونَهُ فَعَلْتَ، فَإِنَّكَ لا تُعْذَرُ إِلا بِذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي رَأَيْتُ فِيهِ الانْكِسَارَ وَالرِّقَّةَ لِعُثْمَانَ، ثُمَّ إِنِّي لأَرَاهُ يُؤْتَى إِلَيْهِ عَظِيمٌ ثُمَّ قَالَ عِكْرِمَةُ: وَسَمِعْتُ ابْنَ عباس يقول: قال لي عثمان: يا بن عَبَّاسٍ، اذْهَبْ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ بِمَكَّةَ، فَقُلْ لَهُ:
يَقْرَأُ عَلَيْكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ السَّلامُ، وَيَقُولُ لَكَ: إِنِّي مَحْصُورٌ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا يَوْمًا، لا أَشْرَبُ إِلا مِنَ الأُجَاجِ مِنْ دَارِي، وَقَدْ مُنِعْتُ بِئْرًا اشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي، رُومَةَ، فَإِنَّمَا يَشْرَبُهَا النَّاسُ وَلا أَشْرَبُ مِنْهَا شَيْئًا، وَلا آكُلُ إِلا مِمَّا فِي بَيْتِي، مُنِعْتُ أَنْ آكُلَ مِمَّا فِي السُّوقِ شَيْئًا وَأَنَا مَحْصُورٌ كَمَا تَرَى، فَآمِرْهُ وقل له:
فليحج بالناس، وليس بفاعل، فَإِنْ أَبَى فَاحْجُجْ أَنْتَ بِالنَّاسِ.
فَقَدِمْتُ الْحَجَّ فِي الْعَشْرِ، فَجِئْتُ خَالِدَ بْنَ الْعَاصِ، فَقُلْتُ لَهُ مَا قَالَ لِي عُثْمَانُ، فَقَالَ لِي: هَلْ طَاقَةٌ بِعَدَاوَةِ مَنْ تَرَى؟ فَأَبَى أَنْ يَحُجَّ وَقَالَ: فَحُجَّ أَنْتَ بِالنَّاسِ: فَأَنْتَ ابْنُ عَمِّ الرَّجُلِ، وَهَذَا الأَمْرُ لا يُفْضِي إِلا إِلَيْهِ- يَعْنِي عَلِيًّا- وَأَنْتَ أَحَقُّ أَنْ تَحْمِلَ لَهُ ذَلِكَ، فَحَجَجْتُ بِالنَّاسِ، ثُمَّ قَفَلْتُ فِي آخِرِ الشَّهْرِ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَإِذَا عُثْمَانُ قَدْ قُتِلَ، وَإِذَا النَّاسُ يَتَوَاثَبُونَ
стр. 2296
عَلَى رَقَبَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَلَمَّا رَآنِي عَلِيٌّ تَرَكَ النَّاسَ، وَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَانْتَجَانِي، فَقَالَ: مَا تَرَى فِيمَا وَقَعَ؟ فَإِنَّهُ قَدْ وَقَعَ أَمْرٌ عَظِيمٌ كَمَا تَرَى لا طَاقَةَ لأَحَدٍ بِهِ، فَقُلْتُ: أَرَى أَنَّهُ لا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْكَ الْيَوْمَ، فَأَرَى أَنَّهُ لا يُبَايَعُ الْيَوْمَ أَحَدٌ إِلا اتُّهِمَ بِدَمِ هَذَا الرَّجُلِ، فَأَبَى إِلا أَنْ يُبَايَعَ فَاتُّهِمَ بِدَمِهِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: فَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ لِي عُثْمَانُ ﵁: إِنِّي قَدِ اسْتَعْمَلْتُ خَالِدَ بْنَ الْعَاصِ بْنِ هِشَامٍ عَلَى مَكَّةَ، وَقَدْ بَلَغَ أَهْلُ مَكَّةَ مَا صَنَعَ النَّاسُ، فَأَنَا خَائِفٌ أَنْ يَمْنَعُوهُ الْمَوْقِفَ فَيَأْبَى، فَيُقَاتِلْهُمْ فِي حَرَمِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ وَأَمْنِهِ وَإِنَّ قَوْمًا جَاءُوا مِنْ كل فج عميق، ليشهدوا منافع لهم، فَرَأَيْتُ أَنْ أُوَلِّيَكَ أَمْرَ الْمَوْسِمِ وَكَتَبَ مَعَهُ إِلَى أَهْلِ الْمَوْسِمِ بِكِتَابٍ يَسْأَلُهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا لَهُ بِالْحَقِّ مِمَّنْ حَصَرَهُ فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فمر بعائشة في الصلصل، فقالت: يا بن عَبَّاسٍ، أَنْشُدُكَ اللَّهَ- فَإِنَّكَ قَدْ أُعْطِيتَ لِسَانًا إِزْعِيلا- أَنْ تُخَذِّلَ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، وَأَنْ تُشَكِّكَ فِيهِ النَّاسَ، فَقَدْ بَانَتْ لَهُمْ بَصَائِرُهُمْ وَأَنْهَجَتْ، وَرَفَعَتْ لَهُمُ الْمَنَارَ، وَتَحَلَّبُوا مِنَ الْبِلْدَانِ لامر قد حم، وَقَدْ رَأَيْتُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ قَدِ اتَّخَذَ عَلَى بُيُوتِ الأَمْوَالِ وَالْخَزَائِنِ مَفَاتِيحَ، فَإِنْ يَلِ يَسِرْ بِسِيرَةِ ابْنِ عَمِّهِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: قُلْتُ يَا أُمَّهْ لَوْ حَدَثَ بِالرَّجُلِ حَدَثٌ مَا فَزِعَ النَّاسُ إِلا إِلَى صَاحِبِنَا.
فَقَالَتْ: إِيهًا عَنْكَ! إِنِّي لَسْتُ أُرِيدُ مُكَابَرَتَكَ وَلا مُجَادَلَتَكَ.
قَالَ ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ: فَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ سُهَيْلٍ، أَنَّهُ انْتَسَخَ رِسَالَةَ عُثْمَانَ الَّتِي كَتَبَ بِهَا مِنْ عِكْرِمَةَ، فَإِذَا فِيهَا:
بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ عَبْدِ اللَّه عُثْمَانَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، سلام عليكم، فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإني أُذَكِّرُكُمْ بِاللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ وَعَلَّمَكُمُ الإِسْلامَ، وَهَدَاكُمْ مِنَ الضَّلالَةِ، وَأَنْقَذَكُمْ مِنَ الْكُفْرِ، وَأَرَاكُمُ الْبَيِّنَاتِ، وَأَوْسَعَ عَلَيْكُمْ مِنَ
стр. 2297
الرزق، ونصركم على العدو، واسبغ عليكم نعمته، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ وَقَوْلُهُ الْحَقُّ: «وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ» وقال : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ» «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً» الى قوله: «لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ» وقال وقوله الحق: «وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا» وقال وقوله الحق: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ» إِلَى قَوْلِهِ:
«فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» وَقَوْلُهُ :
«إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا» إِلَى «وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» وَقَالَ وَقَوْلُهُ الْحَقُّ: «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» الى «فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» وَقَالَ وَقَوْلُهُ الْحَقُّ: «وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها» إِلَى قَوْلِهِ: «وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» وَقَالَ وَقَوْلُهُ الْحَقُّ: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» الى «وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا» وَقَالَ وَقَوْلُهُ الْحَقُّ:
«وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» إِلَى قَوْلِهِ: «وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ» وَقَالَ وَقَوْلُهُ الْحَقُّ: «إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ» الى «فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً»
стр. 2298
اما بعد، فان الله رَضِيَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ وَالْجَمَاعَةَ، وَحَذَّرَكُمُ الْمَعْصِيَةَ وَالْفُرْقَةَ وَالاخْتِلافَ، وَنَبَّأَكُمْ مَا قَدْ فَعَلَهُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، وَتَقَدَّمَ إِلَيْكُمْ فِيهِ لِيَكُونَ لَهُ الْحُجَّةُ عَلَيْكُمْ إِنْ عَصَيْتُمُوهُ، فَاقْبَلُوا نَصِيحَةَ اللَّهِ وَاحْذَرُوا عَذَابَهُ، فَإِنَّكُمْ لَنْ تَجِدُوا أُمَّةً هَلَكَتْ إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ تَخْتَلِفَ، إِلا أَنْ يَكُونَ لَهَا رَأْسٌ يَجْمَعُهَا، وَمَتَى مَا تَفْعَلُوا ذَلِكَ لا تُقِيمُوا الصَّلاةَ جَمِيعًا، وَسَلَّطَ عَلَيْكُمْ عَدُوَّكُمْ، وَيَسْتَحِلُّ بَعْضُكُمْ حُرُمَ بَعْضٍ، وَمَتَى يُفْعَلُ ذَلِكَ لا يَقُمْ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ دِينٌ، وَتَكُونُوا شِيَعًا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ لِرَسُولِهِ ص:
«إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ» وَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِمَا أَوْصَاكُمُ اللَّهُ، وَأُحُذِّرُكُمْ عَذَابَهُ، فان شعيبا ص قَالَ لِقَوْمِهِ: «وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ» الى قوله:
«رَحِيمٌ وَدُودٌ» .
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَقْوَامًا مِمَّنْ كَانَ يَقُولُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، أَظْهَرُوا لِلنَّاسِ أَنَّمَا يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَالْحَقِّ، وَلا يُرِيدُونَ الدُّنْيَا وَلا مُنَازَعَةً فِيهَا، فَلَمَّا عُرِضَ عَلَيْهِمُ الْحَقُّ إِذَا النَّاسُ فِي ذَلِكَ شَتَّى، مِنْهُمْ آخِذٌ لِلْحَقِّ، وَنَازِعُ عَنْهُ حِينَ يُعْطَاهُ، وَمِنْهُمْ تَارِكٌ لِلْحَقِّ وَنَازِلٌ عَنْهُ فِي الأَمْرِ، يُرِيدُ أَنْ يَبْتَزَّهُ بِغَيْرِ الْحَقِّ، طَالَ عَلَيْهِمْ عُمُرِي، وَرَاثَ عَلَيْهِمْ أَمَلُهُمُ الإِمْرَة، فَاسْتَعْجَلُوا الْقَدَرَ، وَقَدْ كَتَبُوا إِلَيْكُمْ أَنَّهُمْ قَدْ رَجَعُوا بِالَّذِي أَعْطَيْتُهُمْ، وَلا أَعْلَمُ أَنِّي تَرَكْتُ مِنَ الَّذِي عَاهَدْتُهُمْ عَلَيْهِ شَيْئًا، كَانُوا زَعَمُوا أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ الْحُدُودَ، فَقُلْتُ: أَقِيمُوهَا عَلَى مَنْ عَلِمْتُمْ تَعَدَّاهَا في احد، أَقِيمُوهَا عَلَى مَنْ ظَلَمَكُمْ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ.
قَالُوا: كِتَابَ اللَّهِ يُتْلَى، فَقُلْتُ: فَلْيَتْلُهُ مِنْ تَلاهُ غَيْرُ غَالٍّ فِيهِ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْكِتَابِ وَقَالُوا: الْمَحْرُومُ يُرْزَقُ، وَالْمَالُ يُوفَى لِيُسْتَنَّ فِيهِ السُّنَّةَ الْحَسَنَةَ، وَلا يُعْتَدَى فِي الْخُمُسِ وَلا فِي الصَّدَقَةِ، وَيُؤَمَّرُ ذُو الْقُوَّةِ وَالأَمَانَةِ،
стр. 2299
وَتُرَدُّ مَظَالِمُ النَّاسِ إِلَى أَهْلِهَا، فَرَضِيتُ بِذَلِكَ واصطبرت له، وجئت نسوه النبي ص حَتَّى كَلَّمْتُهُنَّ، فَقُلْتُ: مَا تَأْمُرْنَنِي؟ فَقُلْنَ:
تُؤَمِّرُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ وَتَدَعُ مُعَاوِيَةَ، فَإِنَّمَا أَمَّرَهُ أَمِيرٌ قَبْلَكَ، فَإِنَّهُ مُصْلِحٌ لأَرْضِهِ، رَاضٍ بِهِ جُنْدَهُ، وَارْدُدْ عَمْرًا، فَإِنَّ جُنْدَهُ رَاضُونَ بِهِ، وَأَمِّرْهُ فَلْيُصْلِحْ أَرْضَهُ، فَكُلُّ ذَلِكَ فَعَلْتُ وَإِنَّهُ اعْتُدِيَ عَلَيَّ بَعْدَ ذلك، وعدى عَلَى الْحَقِّ.
كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ وَأَصْحَابِي الَّذِينَ زَعَمُوا فِي الأَمْرِ، اسْتَعْجَلُوا الْقَدَرَ، وَمَنَعُوا مِنِّي الصَّلاةَ، وَحَالُوا بَيْنِي وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ، وَابْتَزُّوا مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ.
كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ كِتَابِي هَذَا، وَهُمْ يُخَيِّرُونَنِي إِحْدَى ثَلاثٍ: إِمَّا يُقِيدُونَنِي بِكُلِّ رَجُلٍ أَصَبْتُهُ خَطَأً أَوْ صَوَابًا، غَيْرَ مَتْرُوكٍ مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِمَّا أَعْتَزِلُ الأَمْرَ فَيُؤَمِّرُونَ آخَرَ غَيْرِي، وَإِمَّا يُرْسِلُونَ إِلَى مَنْ أَطَاعَهُمْ مِنَ الأَجْنَادِ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ فَيَتَبَرَّءُونَ مِنَ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِي عَلَيْهِم مِنَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فَقُلْتُ لَهُمْ:
أَمَّا إِقَادَتِي مِنْ نَفْسِي فَقَدْ كَانَ مِنْ قَبْلِي خُلَفَاءُ تُخْطِئُ وَتُصِيبُ، فَلَمْ يُسْتَقَدْ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّمَا يُرِيدُونَ نَفْسِي، وَأَمَّا أَنْ أَتَبَرَّأَ مِنَ الإِمَارَةِ فَأَنْ يُكَلِّبُونِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَبَرَّأَ مِنْ عَمَلِ اللَّهِ وَخِلافَتِهِ وَأَمَّا قَوْلُكُمْ:
يُرْسِلُونَ إِلَى الأَجْنَادِ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ فَيَتَبَرَّءُونَ مِنْ طَاعَتِي، فَلَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ، وَلَمْ أَكُنِ اسْتَكْرَهْتُهُمْ مَنْ قَبْلُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَلَكِنْ أَتَوْهَا طَائِعِينَ، يَبْتَغُونَ مَرْضَاةَ اللَّهِ وَإِصْلاحَ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَمَنْ يَكُنْ مِنْكُمْ إِنَّمَا يَبْتَغِي الدُّنْيَا فَلَيْسَ بِنَائِلٍ مِنْهَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، وَمَنْ يَكُنْ إِنَّمَا يُرِيدُ وَجْهَ اللَّهِ وَالدَّارَ الآخِرَةَ وَصَلاحَ الأُمَّةِ وَابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَالسُّنَّةَ الْحَسَنَةَ التي استن بها رسول الله ص وَالْخَلِيفَتَانِ مِنْ بَعْدِهِ ﵄، فَإِنَّمَا يُجْزِي بِذَلِكُمُ اللَّهُ، وَلَيْسَ بِيَدِي جَزَاؤُكُمْ، وَلَوْ أَعْطَيْتُكُمُ الدُّنْيَا كُلَّهَا
стр. 2300
لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ ثَمَنٌ لِدِينِكُمْ، وَلَمْ يُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاحْتَسِبُوا مَا عِنْدَهُ، فَمَنْ يَرْضَ بِالنُّكْثِ مِنْكُمْ فَإِنِّي لا أَرْضَاهُ لَهُ، وَلا يَرْضَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنْ تنكثوا عهده واما الذى يخيروننى فَإِنَّمَا كُلَّهُ النَّزْعُ وَالتَّأْمِيرُ فَمَلَكْتُ نَفْسِي وَمَنْ مَعِي، وَنَظَرْتُ حُكْمَ اللَّهِ وَتَغْيِيرَ النِّعْمَةِ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَكَرِهْتُ سُنَّةَ السُّوءِ وَشِقَاقَ الأُمَّةِ وَسَفْكَ الدِّمَاءِ، فَإِنِّي أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ وَالإِسْلامِ أَلا تَأْخُذُوا إِلا الْحَقَّ وَتُعْطَوْهُ مِنِّي وَتَرْكَ الْبَغْيِ عَلَى أَهْلِهِ، وَخُذُوا بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ ، فَإِنِّي أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ الذى جعل عليكم العهد والموازره فِي أَمْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ وَقَوْلُهُ الْحَقُّ: «وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا» ، فَإِنَّ هَذِهِ مَعْذِرَةٌ إِلَى اللَّهِ وَلَعَلَّكُمْ تَذْكُرُونَ.
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي لا أُبَرِّئُ نَفْسِي، «إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ» ، وَإِنْ عَاقَبْتُ أَقْوَامًا فَمَا أَبْتَغِي بِذَلِكَ إِلا الْخَيْرَ، وَإِنِّي أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ من كُلَّ عَمَلٍ عَمِلْتُهُ، وَأَسْتَغْفِرُهُ إِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا هُوَ، إِنَّ رَحْمَةَ رَبِّي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ*، إِنَّهُ لا يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمَ الضَّالُّونَ، وَإِنَّهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ مَا يَفْعَلُونَ وَأَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَغْفِرَ لِي وَلَكُمْ، وَأَنْ يُؤَلِّفَ قُلُوبَ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى الْخَيْرِ، وَيُكَرِّهَ إِلَيْهَا الْفِسْقَ، وَالسَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُسْلِمُونَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَرَأْتُ هَذَا الْكِتَابَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِمَكَّةَ بِيَوْمٍ قَالَ: وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: دَعَانِي عُثْمَانُ، فَاسْتَعْمَلَنِي عَلَى الْحَجِّ قَالَ: فَخَرَجْتُ إِلَى مَكَّةَ، فَأَقَمْتُ لِلنَّاسِ الْحَجَّ، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِمْ كِتَابَ عُثْمَانَ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَقَدْ بُويِعَ لِعَلِيٍّ
стр. 2301
ذكر الخبر عن الموضع الَّذِي دفن فِيهِ عُثْمَان ﵁ ومن صلى عَلَيْهِ وولي أمره بعد مَا قتل إِلَى أن فرغ من أمره ودفنه
حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عبد الله المحمدي، قال: حدثنا عمرو بن حماد وعلى ابن حُسَيْن، قَالا: حَدَّثَنَا حُسَيْن بن عِيسَى، عَنْ أبيه، عن أبي ميمونة، عن أبي بشير العابدي، قَالَ: نبذ عُثْمَان ﵁ ثلاثة أيام لا يدفن، ثُمَّ إن حكيم بن حزام القرشي ثُمَّ أحد بني أسد بن عبد العزى، وجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، كلما عَلِيًّا فِي دفنه، وطلبا إِلَيْهِ أن يأذن لأهله فِي ذَلِكَ، ففعل، وأذن لَهُمْ علي، فلما سمع بِذَلِكَ قعدوا لَهُ فِي الطريق بالحجارة، وخرج بِهِ ناس يسير من أهله، وهم يريدون بِهِ حائطا بِالْمَدِينَةِ، يقال لَهُ: حش كوكب، كَانَتِ اليهود تدفن فِيهِ موتاهم، فلما خرج بِهِ عَلَى الناس رجموا سريره، وهموا بطرحه، فبلغ ذَلِكَ عَلِيًّا، فأرسل إِلَيْهِم يعزم عَلَيْهِم ليكفن عنه، ففعلوا، فانطلق حَتَّى دفن ﵁ فِي حش كوكب، فلما ظهر مُعَاوِيَة بن أَبِي سُفْيَانَ عَلَى الناس أمر بهدم ذَلِكَ الحائط حَتَّى أفضى بِهِ إِلَى البقيع، فأمر الناس أن يدفنوا موتاهم حول قبره حَتَّى اتصل ذَلِكَ بمقابر الْمُسْلِمِينَ.
وَحَدَّثَنِي جَعْفَر، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو وَعَلِيٌّ قَالا: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ أَبِيهِ، عن الْمُجَالِد بن سَعِيد الهمداني، عن يسار بن أبي كرب، عَنْ أَبِيهِ.
- وَكَانَ أَبُو كرب عاملا عَلَى بيت مال عُثْمَان- قَالَ: دفن عُثْمَان ﵁ بين المغرب والعتمة، ولم يشهد جنازته إلا مَرْوَان بن الحكم وثلاثة من مواليه وابنته الخامسة، فناحت ابنته ورفعت صوتها تندبه، وأخذ الناس الحجارة وَقَالُوا: [نعثل نعثل!] وكادت ترجم، فَقَالُوا: الحائط الحائط، فدفن فِي حائط خارجا
стр. 2302
وأما الْوَاقِدِيّ فإنه ذكر أن سعد بن راشد حدثه عن صالح بن كيسان، أنه قال: لما قتل عثمان ﵁ قَالَ رجل: يدفن بدير سلع مقبرة اليهود، فَقَالَ حكيم بن حزام: وَاللَّهِ لا يكون هَذَا أبدا وأحد من ولد قصي حي، حَتَّى كاد الشر يلتحم، فَقَالَ ابن عديس البلوي: أيها الشيخ، وما يضرك أين يدفن! فَقَالَ حكيم بن حزام: لا يدفن إلا ببقيع الغرقد حَيْثُ دفن سلفه وفرطه، فخرج بِهِ حكيم بن حزام فِي اثني عشر رجلا، وفيهم الزُّبَيْر، فصلى عَلَيْهِ حكيم بن حزام قَالَ الْوَاقِدِيُّ: الثبت عندنا أنه صلى عَلَيْهِ جبير بن مطعم قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: وَحَدَّثَنِي الضحاك بن عُثْمَانَ، عن مخرمة بن سُلَيْمَانَ الوالبي، قَالَ: قتل عُثْمَان ﵁ يوم الجمعة ضحوة، فلم يقدروا عَلَى دفنه، وأرسلت نائلة ابنة الْفُرَافِصَة إِلَى حويطب بن عبد العزى وجبير بن مطعم وأبي جهم بن حُذَيْفَة وحكيم بن حزام ونيار الأسلمي، فَقَالُوا: إنا لا نقدر أن نخرج بِهِ نهارا، وهؤلاء الْمِصْرِيُّونَ عَلَى الباب، فأمهلوا حَتَّى كَانَ بين المغرب والعشاء، فدخل القوم، فحيل بينهم وبينه، فَقَالَ أَبُو جهم:
وَاللَّهِ لا يحول بيني وبينه أحد إلا مت دونه، احملوه، فحمل إِلَى البقيع، قَالَ:
وتبعتهم نائلة بسراج استسرجته بالبقيع وغلام لِعُثْمَانَ، حَتَّى انتهوا إِلَى نخلات عَلَيْهَا حائط، فدقوا الجدار، ثُمَّ قبروه فِي تِلَكَ النخلات، وصلى عَلَيْهِ جبير ابن مطعم، فذهبت نائلة تريد أن تتكلم، فزبرها القوم، وَقَالُوا: إنا نخاف عَلَيْهِ من هَؤُلاءِ الغوغاء أن ينبشوه، فرجعت نائلة إِلَى منزلها.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْهُذَلِيّ، عن عَبْد اللَّهِ بن ساعدة، قَالَ: لبث عُثْمَان بعد مَا قتل ليلتين لا يستطيعون دفنه، ثُمَّ حمله أربعة:
حكيم بن حزام، وجبير بن مطعم، ونيار بن مكرم، وأبو جهم بن حُذَيْفَة، فلما وضع ليصلى عَلَيْهِ، جَاءَ نفر من الأنصار يمنعونهم الصَّلاة عَلَيْهِ، فِيهِمْ أسلم بن أوس بن بجرة الساعدي، وأبو حية المازني، فِي عدة، ومنعوهم أن يدفن بالبقيع، فَقَالَ أَبُو جهم: ادفنوه، فقد صلى اللَّه عَلَيْهِ وملائكته، فَقَالُوا:
لا وَاللَّهِ، لا يدفن فِي مقابر الْمُسْلِمِينَ أبدا، فدفنوه فِي حش كوكب فلما ملكت بنو أُمَيَّة أدخلوا ذَلِكَ الحش فِي البقيع، فهو الْيَوْم مقبرة بني أُمَيَّة
стр. 2303
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى المخزومي، قَالَ: لما قتل عُثْمَان ﵁ أرادوا حز رأسه، فوقعت عَلَيْهِ نائلة وأم البنين، فمنعنهم، وصحن وضربن الوجوه، وخرقن ثيابهن، فَقَالَ ابن عديس: اتركوه، فأخرج عُثْمَان ولم يغسل إِلَى البقيع، وأرادوا أن يصلوا عَلَيْهِ فِي موضع الجنائز، فأبت الأنصار، وأقبل عمير بن ضابئ وعثمان موضوع عَلَى باب، فنزا عَلَيْهِ، فكسر ضلعا من أضلاعه، وَقَالَ: سجنت ضابئا حَتَّى مات فِي السجن.
وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي أويس، قَالَ: حَدَّثَنِي عم جدي الربيع بن مالك بن أبي عَامِر، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كنت أحد حملة عُثْمَان ﵁ حين قتل: حملناه عَلَى باب، وإن رأسه لتقرع الباب لإسراعنا بِهِ، وإن بنا من الخوف لأمرا عظيما حَتَّى واريناه فِي قبره فِي حش كوكب.
وأما سيف، فإنه روى فِيمَا كتب بِهِ إلي السري، عَنْ شُعَيْبٍ، عنه، عَنْ أَبِي حَارِثَةَ وَأَبِي عُثْمَانَ ومحمد وَطَلْحَة، أن عُثْمَان لما قتل أرسلت نائلة إِلَى عبد الرَّحْمَن ابن عديس، فَقَالَتْ لَهُ: إنك أمس القوم رحما، وأولاهم بأن تقوم بأمري، أغرب عني هَؤُلاءِ الأموات قَالَ: فشتمها وزجرها، حَتَّى إذا كَانَ فِي جوف الليل خرج مَرْوَان حَتَّى أتى دار عُثْمَان، فأتاه زَيْد بن ثَابِت وَطَلْحَة بن عُبَيْد اللَّهِ وعلي والحسن وكعب بن مَالِكٍ وعامة من ثُمَّ من صحابه، فتوافى إِلَى موضع الجنائز صبيان ونساء، فأخرجوا عُثْمَان فصلى عَلَيْهِ مَرْوَان، ثُمَّ خرجوا بِهِ حَتَّى انتهوا إِلَى البقيع، فدفنوه فِيهِ مما يلي حش كوكب، حَتَّى إذا أصبحوا أتوا أعبد عُثْمَان الَّذِينَ قتلوا مَعَهُ فأخرجوهم فرأوهم فمنعوهم من ان يدفنوا، فأدخلوهم حش كوكب، فلما أمسوا خرجوا بعبدين مِنْهُمْ فدفنوهما إِلَى جنب عُثْمَان، ومع كل واحد منهما خمسة نفر وامرأة، فاطمة أم إِبْرَاهِيم بن عدي، ثُمَّ رجعوا فأتوا كنانة بن بشر، فَقَالُوا: إنك أمس القوم بنا رحما، فأمر بهاتين الجيفتين اللتين فِي الدار أن تخرجا، فكلمهم فِي ذَلِكَ، فأبوا، فَقَالَ: أنا جار لآل عُثْمَان من أهل مصر ومن لف لفهم، فاخرجوهما فارموا بهما، فجرا بأرجلهما
стр. 2304
فرمى بهما على البلاط، فأكلتهما الكلاب، وَكَانَ العبدان اللذان قتلا يوم الدار يقال لهما نجيح وصبيح، فكان اسماهما الغالب عَلَى الرقيق لفضلهما وبلائهما، ولم يحفظ الناس اسم الثالث، ولم يغسل عُثْمَان، وكفن فِي ثيابه ودمائه وَلا غسل غلاماه.
وَكَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مُجَالِد، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: دفن عُثْمَان ﵁ من الليل، وصلى عَلَيْهِ مَرْوَان بن الحكم، وخرجت ابنته تبكي فِي أثره، ونائلة ابنة الْفُرَافِصَة، ﵏
. ذكر الخبر عن الوقت الَّذِي قتل فِيهِ عُثْمَان ﵁
اختلف فِي ذَلِكَ بعد إجماع جميعهم عَلَى أنه قتل فِي ذي الحجة، فَقَالَ بعضهم: قتل لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين من الهجرة، فَقَالَ الجمهور مِنْهُمْ: قتل لثماني عشرة ليلة مضت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين.
ذكر الرواية بِذَلِكَ عن بعض من قَالَ إنه قتل فِي سنة ست وثلاثين:
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سعد، قال: أخبرنا محمد ابن عمر، قال: حدثني أبو بكر بن إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وقاص، عن عُثْمَان بن مُحَمَّد الأخنسي، قَالَ الْحَارِث: وَحَدَّثَنَا ابن سعد، قَالَ:
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْر بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي سبرة، عن يَعْقُوب بن زَيْد، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قتل عُثْمَان ﵁ يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين بعد العصر، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة غير اثني عشر يَوْمًا، وَهُوَ ابن اثنتين وثمانين سنة.
وَقَالَ أَبُو بَكْر: أَخْبَرَنَا مُصْعَب بن عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قتل عُثْمَان ﵁ يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين بعد العصر
стр. 2305
وَقَالَ آخرون: قتل فِي ذي الحجة سنة خمس وثلاثين لثماني عشرة ليلة خلت مِنْهُ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرو بن حماد وعلي، قالا:
حدثنا حسين، عن أبيه، عن الْمُجَالِد بن سَعِيد الهمداني، عن عَامِر الشَّعْبِيّ، أنه قَالَ: حصر عُثْمَان بن عَفَّانَ ﵁ فِي الدار اثنتين وعشرين ليلة، وقتل صبحه ثماني عشرة ليلة مضت من ذي الحجة سنة خمس وعشرين من وفاة رَسُول اللَّهِ ص.
وَحَدَّثَنِي أَحْمَد بْن ثَابِت الرازي، عمن حدثه، عن إسحاق بْن عيسى، عن أبي معشر، قَالَ: قتل عُثْمَان ﵁ يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة مضت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يَوْمًا.
وَكَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان، قالوا: قتل عُثْمَان ﵁ يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة مضت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين عَلَى رأس إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرا واثنين وعشرين يَوْمًا من مقتل عمر ﵁.
وحدثت عن زكرياء بن عدي، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ ابن عقيل، قَالَ: قتل عُثْمَان ﵁ سنة خمس وثلاثين.
وَكَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عن سيف، عن أبي حارثة وأبي عثمان ومحمد وَطَلْحَة، قَالُوا: قتل عُثْمَان ﵁ لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة يوم الجمعة فِي آخر ساعة.
وَقَالَ آخرون: قتل يوم الجمعة ضحوة
стр. 2306
ذكر من قَالَ ذَلِكَ:
ذكر عن هِشَام بن الكلبي، أنه قَالَ: قتل عُثْمَان ﵁ صبيحة الجمعة لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، فكانت خلافته اثنتي عشرة سنة إلا ثمانية أيام.
حَدَّثَنَا الْحَارِثُ، عَنِ ابْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الضحاك بن عُثْمَانَ، عن مخرمة بن سُلَيْمَانَ الوالبي، قَالَ: قتل عُثْمَان ﵁ يوم الجمعة ضحوة لثماني عشرة ليلة مضت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين.
وَقَالَ آخرون: قتل فِي أيام التشريق ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنِي أحمد بْن زهير، قال: حدثنا أبي أبو خيثمة، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: سمعت أبي قال: سمعت يونس بن يَزِيدَ الأيلي، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: قتل عُثْمَان ﵁، فزعم بعض الناس أنه قتل فِي أيام التشريق.
وَقَالَ بعضهم: قتل يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة
. ذكر الخبر عن قدر مدة حياته
اختلف السلف قبلنا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بعضهم: كَانَتْ مدة ذَلِكَ اثنتين وثمانين سنة.
ذكر من قَالَ ذلك:
حدثني الحارث، قَالَ: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عُمَرَ، أن عُثْمَان ﵁ قتل وَهُوَ ابن اثنتين وثمانين سنة.
قَالَ مُحَمَّد بن عمر: وحدثني الضحاك بن عثمان، عن مخرمة بن سُلَيْمَانَ الوالبي، قَالَ: قتل عُثْمَان ﵁ وَهُوَ ابن اثنتين وثمانين سنه
стр. 2307
قَالَ مُحَمَّد: وَحَدَّثَنِي سعد بن راشد عن صالح بن كيسان، قَالَ: قتل عُثْمَان ﵁ وَهُوَ ابن اثنتين وثمانين سنة وأشهر.
وَقَالَ آخرون: قتل وَهُوَ ابن تسعين أو ثمان وثمانين.
ذكر من قَالَ ذَلِكَ:
حدثت عن الْحَسَن بن مُوسَى الأشيب، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هلال، عن قَتَادَة: أن عُثْمَان ﵁ قتل وَهُوَ ابن تسعين أو ثمان وثمانين سنة.
وَقَالَ آخرون: قتل وَهُوَ ابن خمس وسبعين سنة، وَذَلِكَ قول ذكر عن هِشَام بن مُحَمَّد.
وَقَالَ بعضهم: قتل وَهُوَ ابن ثلاث وستين، وهذا قول نسبه سيف بن عُمَرَ إِلَى جماعة كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عن سيف، أن أبا حَارِثَةَ وأبا عُثْمَان ومحمدا وَطَلْحَة، قَالُوا: قتل عُثْمَان ﵁ وَهُوَ ابن ثلاث وستين سنة.
وَقَالَ آخرون: قتل وَهُوَ ابن ست وثمانين.
ذكر من قَالَ ذَلِكَ:
حدثني محمد بن موسى الحرشي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ:
حَدَّثَنِي أبي، عن قَتَادَة، قَالَ: قتل عُثْمَان ﵁ وَهُوَ ابن ست وثمانين
ذكر الخبر عن صفة عُثْمَان
حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قال: زعم أبو المقدام، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: دخلت المسجد، فإذا أنا بعثمان ﵁ متكئا عَلَى ردائه، فنظرت إِلَيْهِ، فإذا رجل حسن الوجه، وإذا بوجهه نكتات من جدري، وإذا شعره قَدْ كسا ذراعيه
стр. 2308
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عُمَرَ، قَالَ: سألت عَمْرو بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عنبسة وعروة بن خالد بن عبد الله ابن عَمْرو بن عُثْمَانَ وعبد الرَّحْمَن بن أبي الزناد عن صفة عُثْمَان، فلم أر بينهم اختلافا، قَالُوا: كَانَ رجلا ليس بالقصير وَلا بالطويل، حسن الوجه، رقيق البشره، كث اللحية عظيمها، أسمر اللون، عظيم الكراديس، عظيم مَا بين المنكبين، كثير شعر الرأس، يصفر لحيته.
وَحَدَّثَنِي أَحْمَد بن زهير، قَالَ: حَدَّثَنَا أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا وهب بن جرير بن حازم، قَالَ: سمعت أبي يقول: سمعت يونس بن يزيد الأيلي، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: كَانَ عُثْمَان رجلا مربوعا، حسن الشعر، حسن الوجه، أصلع، أروح الرجلين
. ذكر الخبر عن وقت إسلامه وهجرته
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ إسلام عثمان قديما قبل دخول رسول الله ص دار الأرقم قَالَ: وَكَانَ ممن هاجر مِنْ مَكَّةَ إِلَى أرض الحبشة الهجرة الأولى والهجرة الثانية، وَمَعَهُ فيهما جميعا امرأته رقية بنت رسول الله ص
. ذكر الخبر عما كَانَ يكنى بِهِ عُثْمَان بن عَفَّانَ ﵁
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أخبرنا محمد ابن عُمَرَ أن عُثْمَان بن عَفَّانَ ﵁ كَانَ يكنى فِي الْجَاهِلِيَّة أبا عَمْرو، فلما كَانَ فِي الإِسْلام ولد لَهُ من رقيه بنت رسول الله ص غلام فسماه عَبْد اللَّهِ، واكتنى بِهِ، فكناه الْمُسْلِمُونَ أبا عَبْد اللَّهِ، فبلغ عَبْد اللَّهِ ست سنين، فنقره ديك عَلَى عينه، فمرض فمات فِي جمادى الأولى سنة أربع من
стр. 2309
الهجره، فصلى عليه رسول الله ص، ونزل فِي حفرته عُثْمَان ﵁.
وَقَالَ هِشَام بن مُحَمَّد: كَانَ يكنى أبا عَمْرو
. ذكر نسبه
هُوَ عُثْمَان بن عَفَّانَ بْن العاص بْن أُمَيَّة بْن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي وأمه أروى ابنة كريز بن رَبِيعَة بن حبيب بن عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ، وأمها أم حكيم بنت عبد المطلب
. ذكر أولاده وأزواجه
رقيه وأم كلثوم ابنتا رسول الله ص، ولدت لَهُ رقية عَبْد اللَّهِ.
وفاختة ابنة غزوان بن جابر بن نسيب بن وهيب بن زيد بن مالك ابن عبد بن عوف بن الْحَارِث بن مازن بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر ولدت لَهُ ابنا فسماه عَبْد اللَّهِ، وَهُوَ عَبْد اللَّهِ الأصغر، هلك.
وأم عَمْرو بنت جندب بن عَمْرو بن حممة بن الْحَارِث بن رفاعة بن سَعْدِ بْنِ ثعلبة بن لؤي بن عَامِر بن غنم بن دهمان بن منهب بن دوس، من الأزد، ولدت لَهُ عمرا وخالدا وأبانا وعمر ومريم.
وفاطمة ابنة الْوَلِيد بن عبد شمس بْن الْمُغِيرَةِ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ بن مخزوم، ولدت لَهُ الْوَلِيد وسعيدا وأم سَعِيد، بني عُثْمَان.
وأم البنين بنت عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ الفزاري، ولدت لَهُ عَبْد الْمَلِكِ بن عُثْمَانَ، هلك.
ورملة ابنة شيبة بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مناف بن قصي، ولدت لَهُ عَائِشَةَ وأم أبان وأم عَمْرو، بنات عُثْمَان.
ونائلة ابنة الْفُرَافِصَة بن الأحوص بن عَمْرو بن ثعلبة بن الْحَارِث بن
стр. 2310
حصن بن ضمضم بن عدي بن جناب بن كلب، ولدت لَهُ مريم ابنة عُثْمَان.
وَقَالَ هِشَام بن الكلبي: ولدت أم البنين بنت عيينة بن حصن لِعُثْمَانَ عَبْد الْمَلِكِ وعتبة وَقَالَ أَيْضًا: ولدت نائلة عنبسة.
وزعم الْوَاقِدِيّ أن لِعُثْمَانَ ابنة تدعى أم البنين بنت عُثْمَان من نائلة، قَالَ:
وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ بن أَبِي سُفْيَانَ.
وقتل عُثْمَان ﵁ وعنده رملة ابنة شيبة ونائلة وأم البنين بنت عيينة وفاختة ابنة غزوان، غير أنه- فِيمَا زعم عَلِيّ بن مُحَمَّدٍ- طلق أم البنين وَهُوَ محصور.
فهؤلاء أزواجه اللواتي كن لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّة والإسلام، وأولاده: رجالهم ونساؤهم
. ذكر أسماء عمال عُثْمَان ﵁ فِي هَذِهِ السنة عَلَى البلدان
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: قتل عُثْمَان ﵁ وعماله عَلَى الأمصار- فِيمَا حَدَّثَنِي عبد الرَّحْمَن بن أبي الزناد- عَلَى مكة عَبْد اللَّهِ بن الحضرمي، وعلى الطائف الْقَاسِم بن رَبِيعَةَ الثقفى، وعلى صنعاء يعلى بن منية، وعلى الجند عَبْد اللَّهِ بن أَبِي رَبِيعَةَ، وعلى الْبَصْرَةِ عَبْد اللَّهِ بن عَامِر بن كريز- خرج منها فلم يول عَلَيْهَا عُثْمَان أحدا- وعلى الْكُوفَة سَعِيد بن الْعَاصِ- أخرج منها فلم يترك يدخلها- وعلى مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح- قدم عَلَى عُثْمَانَ، وغلب مُحَمَّد بن أبي حُذَيْفَة عَلَيْهَا وَكَانَ عَبْد اللَّهِ بن سَعْد استخلف على مصر السائب ابن هِشَام بن عَمْرو العامري، فأخرجه مُحَمَّد بن ابى حذيفة- وعلى الشام معاويه ابن أَبِي سُفْيَانَ.
وفيما كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن أبي حارثة وأبي عُثْمَانَ، قَالا: مات عُثْمَان ﵁ وعلى الشام مُعَاوِيَة، وعامل مُعَاوِيَة عَلَى حمص عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن الْوَلِيد، وعلى قنسرين حبيب بن مسلمة، وعلى الأردن أَبُو الأعور بن سُفْيَان، وعلى فلسطين عَلْقَمَةُ بن حكيم الكناني، وعلى البحر عَبْد اللَّهِ بن قيس الفزاري وعلى القضاء أَبُو الدرداء
стр. 2311
وكتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ عَطِيَّةَ، قَالَ: مات عُثْمَان ﵁ وعلى الْكُوفَة، عَلَى صلاتها أَبُو مُوسَى، وعلى خراج السواد جابر بن عمرو المزني- وَهُوَ صاحب المسناة إِلَى جانب الْكُوفَة- وسماك الأَنْصَارِيّ.
وعلى حربها القعقاع بن عَمْرو، وعلى قرقيسياء جرير بن عَبْدِ اللَّهِ، وعلى أذربيجان الأشعث بن قيس، وعلى حلوان عتيبة بن النهاس، وعلى ماه مالك بن حبيب، وعلى همذان النسير، وعلى الري سَعِيد بن قيس، وعلى إصبهان السَّائِب بن الأقرع، وعلى ماسبذان حبيش، وعلى بيت المال عقبه ابن عَمْرو وَكَانَ عَلَى قضاء عُثْمَان يَوْمَئِذٍ زَيْد بن ثَابِت
. ذكر بعض خطب عُثْمَان ﵁
كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: خَطَبَ عُثْمَانُ النَّاسَ بَعْدَ مَا بُويِعَ، فَقَالَ:
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدْ حُمِّلْتُ وَقَدْ قَبِلْتُ، أَلا وَإِنِّي مُتَّبِعٌ وَلَسْتُ بِمُبْتَدِعٍ، أَلا وَإِنَّ لَكُمْ عَلَيَّ بَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ وسنه نبيه ص ثَلاثًا:
اتِّبَاعُ مَنْ كَانَ قَبْلِي فِيمَا اجْتَمَعْتُمْ عَلَيْهِ وَسَنَنْتُمْ، وَسَنُّ سُنَّةَ أَهْلِ الْخَيْرِ فِيمَا لَمْ تَسِنُّوا عَنْ مَلإٍ، وَالْكَفُّ عَنْكُمْ إِلا فِيمَا اسْتَوْجَبْتُمْ أَلا وَإِنَّ الدُّنْيَا خَضِرَةٌ قَدْ شُهِّيَتْ إِلَى النَّاسِ، وَمَالَ إِلَيْهَا كَثِيرٌ مِنْهُمْ، فَلا تَرْكَنُوا إِلَى الدُّنْيَا وَلا تَثِقُوا بِهَا، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِثَقَةٍ، وَاعْلَمُوا أَنَّهَا غَيْرُ تَارِكَةٍ إِلا مَنْ تَرَكَهَا.
وَكَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ بَدْرِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: آخِرُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا عُثْمَانُ ﵁ فِي جَمَاعَةٍ:
إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أَعْطَاكُمُ الدُّنْيَا لِتَطْلُبُوا بِهَا الآخِرَةَ، وَلَمْ يُعْطِكُمُوهَا لِتَرْكَنُوا إِلَيْهَا، إِنَّ الدُّنْيَا تفنى والآخرة تبقى، فلا تبطرنكم الفانية، ولا تَشْغَلَنَّكُمْ عَنِ الْبَاقِيَةِ، فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى، فَإِنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ، وَإِنَّ الْمَصِيرَ إِلَى اللَّهِ اتَّقُوا اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ، فَإِنَّ تَقْوَاهُ جُنَّةٌ مِنْ بَأْسِهِ، وَوَسِيلَةٌ عِنْدَهُ، وَاحْذَرُوا
стр. 2312
مِنَ اللَّهِ الْغِيَرَ، وَالْزَمُوا جَمَاعَتَكُمْ لا تَصِيرُوا أَحْزَابًا، «وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً» .
إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ
. ذِكْرُ الْخَبَرِ عَمَّنْ كَانَ يصلى بالناس في مسجد رسول الله ص حِينَ حُصِرَ عُثْمَانُ
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ عُثْمَانَ: جَاءَ الْمُؤَذِّنُ، سَعْدٌ الْقَرَظُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَقَالَ: مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: نَادِ خَالِدَ بْنَ زَيْدٍ، فَنَادَى خَالِدَ بْنَ زَيْدٍ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ- فَإِنَّهُ لأَوَّلُ يَوْمٍ عَرَفَ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ- فَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ أَيَّامًا، ثُمَّ صَلَّى عَلِيٌّ بَعْدَ ذَلِكَ بِالنَّاسِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، قَالَ: جَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى عُثْمَانَ فَآذَنَهُ بِالصَّلاةِ، فَقَالَ: لا أَنْزِلُ أُصَلِّي، اذْهَبْ إِلَى مَنْ يُصَلِّي فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى عَلِيٍّ، فَأَمَرَ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ، فَصَلَّى الْيَوْمَ الَّذِي حُصِرَ فِيهِ عُثْمَانُ الْحَصْرَ الآخر، وهو ليله رئى هِلالِ ذِي الْحِجَّةِ، فَصَلَّى بِهِمْ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الْعِيدُ صَلَّى عَلِيٌّ الْعِيدَ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ حَتَّى قُتِلَ ﵁.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن ابن عمر، قَالَ: لما حصر عُثْمَان صلى بِالنَّاسِ أَبُو أيوب أياما، ثُمَّ صلى بهم علي الجمعة والعيد، حَتَّى قتل ﵁
ذكر مَا رثي بِهِ من الأشعار
وتقاول الشعراء بعد مقتله فِيهِ، فمن مادح وهاج، ومن نائح باك، ومن سار فرح، فكان ممن يمدحه حسان بن ثَابِت وكعب بن مالك الأنصاريان
стр. 2313
وتميم بن أبي بن مقبل فِي آخرين غيرهم مما مدحه بِهِ وبكاه حسان وهجا بِهِ قاتله:
أتركتم غزو الدروب وراءكم ... وغزوتمونا عِنْدَ قبر مُحَمَّد!
فلبئس هدي الْمُسْلِمِينَ هديتم ... ولبئس أمر الفاجر المتعمد!
إن تقدموا نجعل قرى سرواتكم ... حول الْمَدِينَةِ كل لين مذود
أو تدبروا فلبئس مَا سافرتم ... ولمثل أمر أميركم لم يرشد
وكأن أَصْحَاب النَّبِيّ عشية ... بدن تذبح عِنْدَ باب المسجد
أبكي أبا عَمْرو لحسن بلائه ... أمسى مقيما فِي بقيع الغرقد.
وَقَالَ أَيْضًا:
إن تمس دار ابن أروى مِنْهُ خاوية ... باب صريع وباب محرق خرب
فقد يصادف باغي الخير حاجته ... فِيهَا ويهوى إليها الذكر والحسب
يا ايها الناس أبدوا ذات أنفسكم ... لا يستوي الصدق عِنْدَ اللَّه والكذب
قوموا بحق مليك الناس تعترفوا ... بغارة عصب من خلفها عصب
فِيهِمْ حبيب شهاب الموت يقدمهم ... مستلئما قَدْ بدا فِي وجهه الغضب
وله فِيهِ أشعار كثيرة ... وَقَالَ كعب بن مالك الأَنْصَارِيّ:
يَا للرجال للبك المخطوف ... ولدمعك المترقرق المنزوف
ويح لأمر قَدْ أتاني رائع ... هد الجبال فأنقضت برجوف
قتل الخليفة كَانَ أمرا مفظعا ... قامت لذاك بلية التخويف
قتل الإمام لَهُ النجوم خواضع ... والشمس بازغة لَهُ بكسوف
يَا لهف نفسي إذ تولوا غدوة ... بالنعش فوق عواتق وكتوف!
стр. 2314
ولوا ودلوا فِي الضريح أخاهم ... ماذا أجن ضريحه المسقوف!
من نائل او سودد وحمالة ... سبقت لَهُ فِي الناس أو معروف
كم من يتيم كَانَ يجبر عظمه ... أمسى بمنزله الضياع يطوف
مَا زال يقبلهم ويرأب ظلمهم ... حَتَّى سمعت برنة التلهيف
أمسى مقيما بالبقيع وأصبحوا ... متفرقين قَدْ أجمعوا بخفوف
النار موعدهم بقتل امامهم ... عثمان ظهرا في البلاد، عفيف
جمع الحمالة بعد حلم راجح ... والخير فِيهِ مبين معروف
يَا كعب لا تنفك تبكي مالكا ... مَا دمت حيا فِي البلاد تطوف
فابكي أبا عَمْرو عتيقا واصلا ... ولواءهم إذ كَانَ غير سخيف
وليبكه عِنْدَ الحفاظ لمعظم ... والخيل بين مقانب وصفوف
قتلوك يَا عُثْمَانُ غير مدنس ... قتلا لعمرك واقفا بسقيف
وَقَالَ حسان:
من سره الموت صرفا لا مزاج لَهُ ... فليأت مأسدة فِي دار عثمانا
مستشعري حلق الماذي قَدْ شفعت ... قبل المخاطم بيض زان أبدانا
صبرا فدى لكم أمي وما ولدت ... قَدْ ينفع الصبر فِي المكروه أحيانا
فقد رضينا بأهل الشام نافرة ... وبالأمير وبالإخوان إخوانا
إني لمنهم وإن غابوا وإن شهدوا ... مَا دمت حيا وما سميت حسانا
لتسمعن وشيكا فِي ديارهم ... اللَّه أكبر يَا ثأرات عثمانا
يَا ليت شعري وليت الطير تخبرني ... مَا كَانَ شأن علي وابن عفانا!
وَقَالَ الْوَلِيد بن عُقْبَةَ بن أبي معيط يحرض عمارة بن عُقْبَةَ:
стр. 2315
ألا إن خير الناس بعد ثلاثة ... قتيل التُّجِيبِيّ الَّذِي جَاءَ من مصر
فإن يك ظني بابن أمي صادقا ... عمارة لا يطلب بذحل وَلا وتر
يبيت وأوتار ابن عفان عنده ... مخيمة بين الخورنق والقصر
فأجابه الفضل بن عباس:
أتطلب ثأرا لست مِنْهُ وَلا لَهُ ... وأين ابن ذكوان الصفوري من عَمْرو!
كما اتصلت بنت الحمار بأمها ... وتنسى أباها إذ تُسامي أولي الفخر
أَلا إن خير الناس بعد مُحَمَّد ... وصي النَّبِيّ المصطفى عِنْدَ ذي الذكر
وأول من صلى وصنو نبيه ... وأول من أردى الغواة لدى بدر
فلو رأت الأنصار ظلم ابن عمكم ... لكانوا لَهُ من ظلمه حاضري النصر
كفى ذاك عيبا أن يشيروا بقتله ... وأن يسلموه للأحابيش من مصر
وَقَالَ الحباب بن يَزِيدَ المجاشعي، عم الفرزدق:
لعمر أبيك فلا تجزعن ... لقد ذهب الخير إلا قليلا
لقد سفه الناس فِي دينهم ... وخلى ابن عفان شرا طويلا
أعاذل كل امرئ هالك ... فسيري إِلَى اللَّهِ سيرا جميلا
следующие страницы →