← История

История · id 9783

تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري

ابن جرير الطبري

Полный текст (6 431 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

وقام القعقاع يرتجز ويقول: إذا وردنا آجنا جهرناه ... وَلا يطاق ورد مَا منعناه تمثلها تمثلا. كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ، قَالا: كَانَ من آخر من قاتل ذَلِكَ الْيَوْم زفر بن الْحَارِث، فزحف إِلَيْهِ القعقاع، فلم يبق حول الجمل عامري مكتهل إلا أصيب، يتسرعون إِلَى الموت، وقال القعقاع: يا بحير بن دلجة، صح بقومك فليعقروا الجمل قبل ان يصابوا وتصاب أم المؤمنين، فقال: يال ضبة، يَا عَمْرو بن دلجة، ادع بي إليك، فدعا بِهِ، فَقَالَ: أنا آمن حَتَّى أرجع؟ قَالَ: نعم قَالَ: فاجتث ساق البعير، فرمى بنفسه عَلَى شقه وجرجر البعير وَقَالَ القعقاع لمن يليه: أنتم آمنون واجتمع هُوَ وزفر عَلَى قطع بطان البعير، وحملا الهودج فوضعاه، ثم اطافا به، وتفار من وراء ذَلِكَ مِنَ النَّاسِ. كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن الصعب بن عطية، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لما أمسى الناس وتقدم علي وأحيط بالجمل ومن حوله، وعقره بجير بن دلجة، وَقَالَ: إنكم آمنون، كف بعض الناس عن بعض وَقَالَ علي فِي ذَلِكَ حين أمسى وانخنس عَنْهُمُ القتال: إليك أشكو عجري وبجري ... ومعشرا غشوا علي بصري قتلت مِنْهُمْ مضرا بمضري ... شفيت نفسي وقتلت معشري كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ طَلْحَةُ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ أَعْطِ عُثْمَانَ مِنِّي حَتَّى يَرْضَى، فَجَاءَ سَهْمُ غَرْبٍ وَهُوَ وَاقِفٌ، فَخَلَّ رُكْبَتَهُ بِالسَّرْجِ، وَثَبُتَ حَتَّى امْتَلأَ مَوْزَجُهُ دَمًا، فَلَمَّا ثَقُلَ قَالَ لِمَوْلاهُ: أَرْدِفْنِي وَابْغِنِي مَكَانًا

стр. 2417

لا أُعْرَفُ فِيهِ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ شَيْخًا أَضْيَعَ دَمًا مِنِّي فَرَكِبَ مَوْلاهُ وَأَمْسَكَهُ وَجَعَلَ يَقُولُ: قَدْ لَحِقْنَا الْقَوْمَ، حَتَّى انْتَهَى بِهِ إِلَى دَارٍ مِنْ دُورِ الْبَصْرَةِ خَرِبَةٍ، وَأَنْزَلَهُ فِي فَيْئِهَا، فَمَاتَ فِي تِلَكَ الْخَرِبَةِ، وَدُفِنَ ﵁ فِي بَنِي سَعْدٍ. كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن الْبَخْتَرِيّ العبدي، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَتْ رَبِيعَة مع علي يوم الجمل ثلث أهل الْكُوفَة، ونصف الناس يوم الوقعة، وكانت تعبيتهم مضر ومضر، وربيعة وربيعة، واليمن واليمن، فَقَالَ بنو صوحان: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، ائذن لنا نقف عن مضر، ففعل، فأتى زَيْد فقيل لَهُ: مَا يوقفك حيال الجمل وبحيال مضر! الموت معك وبإزائك، فاعتزل إلينا، فَقَالَ: الْمَوْتَ نُرِيدُ فأصيبوا يَوْمَئِذٍ، وأفلت صعصعة من بَيْنَهُمْ. كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن الصعب بن عطية، قَالَ: كَانَ رجل منا يدعى الحارث، فقال يومئذ: يال مضر، علام يقتل بعضكم بعضا! تبادرون لا ندري إلا أنا إِلَى قضاء، وما تكفون فِي ذَلِكَ. حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَان، قَالَ: حدثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المبارك، عن جرير، قَالَ: حدثنى الزبير بن الخريت، قَالَ: حَدَّثَنِي شيخ من الحرامين يقال لَهُ أَبُو جبير، قَالَ: مررت بكعب بن سور وَهُوَ آخذ بخطام جمل عَائِشَة ﵂ يوم الجمل، فَقَالَ: يَا أَبَا جبير، انا والله كما قالت القائله: بني لا تبن وَلا تقاتل. فَحَدَّثَنِي الزُّبَيْر بن الخريت، [قَالَ: مَرَّ بِهِ علي وَهُوَ قتيل، فقام عَلَيْهِ فَقَالَ: وَاللَّهِ إنك- مَا علمت- كنت لصليبا فِي الحق، قاضيا بالعدل، وكيت وكيت، فاثنى عليه]

стр. 2418

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن ابن صعصعة المزني- أو عن صعصعة- عن عَمْرو بن جاوان، عن جرير بن أشرس، قَالَ: كَانَ القتال يَوْمَئِذٍ فِي صدر النهار مع طَلْحَة وَالزُّبَيْر، فانهزم الناس وعائشة توقع الصلح، فلم يفجأها إلا الناس، فأحاطت بِهَا مضر، ووقف الناس للقتال، فكان القتال نصف النهار مع عائشة وعلى كعب بن سور أخذ مصحف عائشة وعلى فبدر بين الصفين يناشدهم اللَّه فِي دمائهم، وأعطي درعه فرمى بِهَا تحته، وأتى بترسه فتنكبه، فرشقوه رشقا واحدا، فقتلوه ﵁، ولم يمهلوهم أن شدوا عَلَيْهِم، والتحم القتال، فكان أول مقتول بين يدي عائشة من أهل الْكُوفَة. كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن مخلد بن كثير، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أرسلنا مسلم بن عَبْدِ اللَّهِ يدعو بني أبينا، فرشقوه- كما صنع القلب بكعب- رشقا واحدا، فقتلوه، فكان أول من قتل بين يدي أَمِير الْمُؤْمِنِينَ وعائشة ﵂، فَقَالَتْ أم مسلم ترثيه: لا هم إن مسلما أتاهم مستسلما للموت إذ دعاهم إِلَى كتاب اللَّه لا يخشاهم فرملوه من دم إذ جاهم وأمهم قائمة تراهم يأتمرون الغي لا تنهاهم كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عن شعيب، عن سيف، عن الصعب بن حكيم ابن شَرِيكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: لَمَّا انْهَزَمَتْ مُجَنَّبَتَا الْكُوفَةِ عَشِيَّةَ الْجَمَلِ، صَارُوا إِلَى الْقَلْبِ- وَكَانَ ابْنُ يَثْرِبِيٍّ قَاضِي الْبَصْرَةِ قَبِلَ كَعْبَ بْنَ سُورٍ، فَشَهِدَهُمْ هُوَ وَأَخُوهُ يَوْمَ الْجَمَلِ، وَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ وَعَمْرٌو، فَكَانَ وَاقِفًا أَمَامَ الْجَمَلِ عَلَى فَرَسٍ- فَقَالَ عَلِيٌّ: مَنْ رَجُلٌ يَحْمِلُ عَلَى الْجَمَلِ؟ فَانْتُدِبَ لَهُ هِنْدُ بْنُ عَمْرٍو الْمُرَادِيُّ، فَاعْتَرَضَهُ ابْنُ يَثْرِبِيٍّ، فَاخْتَلَفَا ضربتين، فقتله ابن يثربى،

стр. 2419

ثم حمل سيحان بن صوحان، فَاعْتَرَضَهُ ابْنُ يَثْرِبِيٍّ، فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ فَقَتَلَهُ ابْنُ يَثْرِبِيٍّ، ثُمَّ حَمَلَ عِلْبَاءُ بْنُ الْهَيْثَمِ، فَاعْتَرَضَهُ ابْنُ يَثْرِبِيٍّ، فَقَتَلَهُ، ثُمَّ حَمَلَ صَعْصَعَةُ فَضَرَبَهُ، فَقُتِلَ ثَلاثَةٌ أُجْهِزَ عَلَيْهِمْ فِي الْمَعْرَكَةِ: عِلْبَاءُ، وَهِنْدٌ، وَسَيْحَانُ، وَارْتَثَّ صَعْصَعَةُ وَزَيْدٌ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا، وَبَقِيَ الآخَرُ. كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن الشَّعْبِيِّ، قَالَ: أخذ الخطام يوم الجمل سبعون رجلا من قريش، كلهم يقتل وَهُوَ آخذ بالخطام، وحمل الأَشْتَر فاعترضه عَبْد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ، فاختلفا ضربتين، ضربه الأَشْتَر فأمه، وواثبه عَبْد اللَّهِ، فاعتنقه فخر بِهِ، وجعل يقول: اقتلوني ومالكا- وَكَانَ الناس لا يعرفونه بمالك، ولو قال: والاشتر، وكانت له ألف نفس مَا نجا منها شَيْء- وما زال يضطرب فِي يدي عَبْد اللَّهِ حَتَّى أفلت، وَكَانَ الرجل إذا حمل عَلَى الجمل ثُمَّ نجا لم يعد. وجرح يَوْمَئِذٍ مَرْوَان وعبد اللَّه بن الزُّبَيْرِ. حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَان، قال: حدثني عبد الله، عن جرير بن حازم، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أبي يَعْقُوب وابن عون، عن أبي رجاء، قَالَ: قَالَ يَوْمَئِذٍ عَمْرو بن يثربي الضبي، وَهُوَ أخو عميرة القاضى. نحن بنى ضبة أَصْحَاب الجمل ننزل بالموت إذا الموت نزل وزاد ابن عون- وليس فِي حديث ابن أبي يَعْقُوب: القتل أحلى عندنا من العسل ننعى ابن عفان بأطراف الأسل ردوا علينا شيخنا ثُمَّ بجل. كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن دَاوُد بن أبي هند، عن شيخ من بني ضبة، قَالَ: ارتجز يَوْمَئِذٍ ابن يثربي: أنا لمن أنكرني ابن يثربي قاتل علباء وهند الْجَمَلِيّ

стр. 2420

وابن لصوحان عَلَى دين علي. وَقَالَ: من يبارز؟ فبرز لَهُ رجل، فقتله، ثُمَّ برز له آخر فقتله، وارتجز وَقَالَ: أقتلهم وَقَدْ أَرَى عَلِيًّا ... ولو أشأ أوجرته عمريا فبرز لَهُ عمار بن ياسر، وإنه لأضعف من بارزه، وإن الناس ليسترجعون حين قام عمار، وأنا أقول لعمار من ضعفه: هَذَا وَاللَّهِ لاحق بأَصْحَابه، وَكَانَ قضيفا، حمش الساقين، وعليه سيف حمائله تشف عنه قريب من إبطه، فيضربه ابن يثربي بسيفه، فنشب في حجفته، وضربه عمار واوهطه، ورمى اصحاب على ابن يثربي بالحجارة حَتَّى أثخنوه وارتثوه. كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عن حماد البرجمي، عن خارجة بن الصلت، قَالَ: لما قال الضبي يوم الجمل: نحن بنى ضبة أصحاب الجمل ... ننعى ابن عفان بأطراف الأسل ردوا علينا شيخنا ثُمَّ بجل. قَالَ عمير بن أبي الْحَارِث: كيف نرد شيخكم وَقَدْ قحل ... نحن ضربنا صدره حَتَّى انجفل! كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن الصعب بن حكيم، عَنْ أَبِيهِ، عن جده، قَالَ: عقر الْجَمَلَ رَجُلٌ من بني ضبة يقال لَهُ: ابن دلجة- عَمْرو أو بجير- وَقَالَ فِي ذَلِكَ الْحَارِث بن قيس- وَكَانَ من أَصْحَاب عَائِشَة:

стр. 2421

نحن ضربنا ساقه فانجدلا ... من ضربة بالنفر كَانَتْ فيصلا لو لم نكون للرسول ثقلا ... وحرمة لاقتسمونا عجلا وَقَدْ نحل ذَلِكَ المثنى بن مخرمة من أَصْحَاب علي . شدة القتال يوم الجمل وخبر أعين بن ضبيعة واطلاعه فِي الهودج كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّد بْن نويرة، عن أبي عُثْمَان، قَالَ: قَالَ القعقاع: مَا رأيت شَيْئًا أشبه بشيء من قتال القلب يوم الجمل بقتال صفين، لقد رأيتنا ندافعهم بأسنتنا ونتكئ عَلَى أزجتنا، وهم مثل ذَلِكَ حَتَّى لو أن الرجال مشت عَلَيْهَا لاستقلت بهم. حدثني عيسى بن عبد الرحمن المروزي، قال: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْعُرَنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَعْلَى الأَسْلَمِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنَ قَرْمٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ الْكَاهِلِيِّ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجَمَلِ تَرَامَيْنَا بِالنَّبْلِ حَتَّى فَنِيَتْ، وَتَطَاعَنَّا بِالرِّمَاحِ حَتَّى تَشَبَّكَتْ فِي صُدُورِنَا وَصُدُورِهِمْ، حَتَّى لَوْ سُيِّرَتْ عَلَيْهَا الْخَيْلُ لَسَارَتْ، ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ: السُّيُوفَ يَا أَبْنَاءَ الْمُهَاجِرِينَ. قَالَ الشَّيْخُ: فَمَا دَخَلْتُ دَارَ الْوَلِيدِ إِلا ذَكَرْتُ ذَلِكَ الْيَوْمِ. حَدَّثَنِي عبد الأعلى بن واصل، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو فقيم، قَالَ: حَدَّثَنَا فطر، قَالَ: سمعت أبا بشير قَالَ: كنت مع مولاي زمن الجمل، فما مررت بدار الْوَلِيد قط، فسمعت أصوات القصارين يضربون إلا ذكرت قتالهم. حَدَّثَنِي عِيسَى بن عبد الرحمن المروزي، قال: حدثنا الحسن بن الْحُسَيْن، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بن يعلى، عن عَبْد الْمَلِكِ بن مسلم، عن عِيسَى ابن حطان قَالَ: حاص الناس حيصة، ثُمَّ رجعنا وعائشة عَلَى جمل

стр. 2422

أحمر، فِي هودج أحمر، مَا شبهته إلا بالقنفذ من النبل. حَدَّثَنِي عَبْد اللَّهِ بن أحمد، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَان، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن عون، عن أبي رجاء، قَالَ: ذكروا يوم الجمل فقلت: كأني أنظر إِلَى خدر عَائِشَة كأنه قنفذ مما رمي فِيهِ من النبل، فقلت لأبي رجاء: أقاتلت يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: وَاللَّهِ لقد رميت بأسهم فما أدري مَا صنعن. كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بْنِ رَاشِدٍ السُّلَمِيِّ، عَنْ مَيْسَرَةَ أَبِي جَمِيلَةَ، إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ أَتَيَا عَائِشَةَ وَقَدْ عُقِرَ الْجَمَلُ، فَقَطَعَا غَرَضَةَ الرَّحْلِ، وَاحْتَمَلا الْهَوْدَجَ، فَنَحَّيَاهُ حَتَّى أَمَرَهُمَا عَلِيٌّ فِيهِ أَمْرَهُ بَعْدُ، قَالَ: أَدْخِلاهَا الْبَصْرَةَ، فَأَدْخَلاهَا دَارَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ الْخُزَاعِيِّ. كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ، قَالا: أَمَرَ عَلِيٌّ نَفَرًا بِحَمْلِ الْهَوْدَجِ مِنْ بَيْنِ الْقَتْلَى، وَقَدْ كَانَ الْقَعْقَاعُ وَزُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ أَنْزَلاهُ عَنْ ظَهْرِ الْبَعِيرِ، فَوَضَعَاهُ إِلَى جَنْبِ الْبَعِيرِ، فَأَقْبَلَ مُحَمَّدُ ابن أَبِي بَكْرٍ إِلَيْهِ وَمَعَهُ نَفَرٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ، فَقَالَتْ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَخُوكِ الْبَرُّ، قَالَتْ: عُقُوقٌ قَالَ: عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ: كَيْفَ رَأَيْتِ ضَرْبَ بَنِيكِ الْيَوْمَ يَا أُمَّهْ؟ قَالَتْ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا ابْنُكِ الْبَارُّ عَمَّارٌ، قَالَتْ: لَسْتَ لَكَ بِأُمٍّ، قَالَ: بَلَى، وَإِنْ كَرِهْتِ قَالَتْ: فَخَرْتُمْ أَنْ ظَفَرْتُمْ، وَأَتَيْتُمْ مِثْلَ مَا نَقِمْتُمْ، هَيْهَاتَ، وَاللَّهِ لَنْ يَظْفَرَ مَنْ كَانَ هَذَا دَأْبَهُ وَأَبْرَزُوهَا بِهَوْدَجِهَا مِنَ الْقَتْلَى، وَوَضَعُوهَا لَيْسَ قُرْبَهَا أَحَدٌ، وَكَأَنَّ هَوْدَجَهَا فَرْخٌ مقصب مِمَّا فِيهِ مِنَ النَّبْلِ، وَجَاءَ أَعْيَنُ بْنُ ضُبَيْعَةَ الْمُجَاشِعِيُّ حَتَّى اطَّلَعَ فِي الْهَوْدَجِ، فَقَالَتْ: إِلَيْكَ لَعْنَكَ اللَّهُ! فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَى الا حميراء، قَالَتْ: هَتَكَ اللَّهُ سِتْرَكَ، وَقَطَعَ يَدَكَ، وَأَبْدَى عَوْرَتَكَ! فَقُتِلَ بِالْبَصْرَةِ

стр. 2423

وَسُلِبَ، وَقُطِعَتْ يَدَهُ، وَرُمِيَ بِهِ عُرْيَانًا فِي خَرِبَةٍ مِنْ خَرِبَاتِ الأَزْدِ، فَانْتَهَى إِلَيْهَا عَلِيٌّ، فَقَالَ: إِي أُمَّهْ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ، قَالَتْ: غَفَرَ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ. كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن الصعب بن حكيم ابن شَرِيكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: انْتَهَى مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَمَعَهُ عَمَّارٌ، فَقَطَعَ الأَنْسَاعَ عَنِ الْهَوْدَجِ، وَاحْتَمَلاهُ، فَلَمَّا وَضَعَاهُ أَدْخَلَ مُحَمَّدٌ يَدَهُ وَقَالَ: أَخُوكِ مُحَمَّدٌ، فَقَالَتْ: مُذَمَّمٌ، قَالَ: يَا أُخَيَّةُ، هَلْ أَصَابَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: مَا أَنْتَ مِنْ ذَاكَ؟ قَالَ: فَمَنْ إِذًا! الضُّلالُ؟ قَالَتْ: بَلِ الْهُدَاةُ، وَانْتَهَى إِلَيْهَا عَلِيٌّ، فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا أُمَّهْ؟ قَالَتْ: بِخَيْرٍ، قَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكِ قَالَتْ: وَلَكَ. كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مُحَمَّد وَطَلْحَة، قَالا: ولما كَانَ من آخر الليل خرج مُحَمَّد بعائشة حَتَّى أدخلها الْبَصْرَة، فأنزلها فِي دار عَبْد اللَّهِ بن خلف الخزاعي عَلَى صفية ابنة الْحَارِث بن طَلْحَة بن ابى طلحه ابن عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ، وَهِيَ أم طَلْحَة الطلحات بن عَبْدِ اللَّهِ ابن خلف. وكانت الوقعة يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، فِي قول الْوَاقِدِيّ مقتل الزُّبَيْر بن العوام ﵁ كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا انْهَزَمَ النَّاسُ يَوْمَ الجمل عن طلحه والزبير، ومضى الزُّبَيْرُ ﵁ حَتَّى مَرَّ بِعَسْكَرِ الأَحْنَفِ، فَلَمَّا رَآهُ وَأَخْبَرَ بِهِ قَالَ: وَاللَّهِ مَا هَذَا بِخِيَارٍ، وَقَالَ لِلنَّاسِ: مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِهِ؟ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ جُرْمُوزٍ لأَصْحَابِهِ:

стр. 2424

أَنَا، فَأَتْبَعَهُ، فَلَمَّا لَحِقَهُ نَظَرَ إِلَيْهِ الزُّبَيْرُ- وَكَانَ شَدِيدَ الْغَضَبِ- قَالَ: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَكَ، فَقَالَ غُلامٌ لِلزُّبَيْرِ يُدْعَى عَطِيَّةَ كَانَ مَعَهُ: إِنَّهُ مُعْدٍ، فَقَالَ: مَا يَهُولُكَ مِنْ رَجُلٍ! وَحَضُرَتِ الصَّلاةُ، فَقَالَ ابْنُ جُرْمُوزٍ: الصَّلاةَ، فَقَالَ: الزُّبَيْرُ: الصَّلاةَ، فَنَزَلا، وَاسْتَدْبَرَهُ ابْنُ جُرْمُوزٍ فَطَعَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ فِي جُرْبَانِ دِرْعِهِ، فَقَتَلَهُ، وَأَخَذَ فَرَسَهُ وَخَاتَمَهُ وَسِلاحَهُ، وَخَلَّى عَنِ الْغُلامِ، فَدَفَنَهُ بِوَادِي السِّبَاعِ، وَرَجَعَ إِلَى النَّاسِ بِالْخَبَرِ. فَأَمَّا الأَحْنَفُ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَحْسَنْتَ أَمْ أَسَأْتَ! ثُمَّ انْحَدَرَ إِلَى عَلِيٍّ وَابْنُ جُرْمُوزٍ مَعَهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَأَخْبَرَهُ، [فَدَعَا بِالسَّيْفِ، فَقَالَ: سَيْفٌ طَالَمَا جَلَّى الكرب عن وجه رسول الله ص! وَبَعَثَ بِذَلِكَ] إِلَى عَائِشَةَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الأَحْنَفِ فَقَالَ: تَرَبَّصْتَ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ أَرَانِي إِلا قَدْ أَحْسَنْتُ، وَبِأَمْرِكَ كَانَ مَا كَانَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَارْفُقْ فَإِنَّ طَرِيقَكَ الَّذِي سَلَكْتَ بَعِيدٌ، وَأَنْتَ إِلَيَّ غَدًا أَحْوَجُ مِنْكَ أَمْسِ، فَاعْرِفْ إِحْسَانِي، وَاسْتَصِفْ مَوَدَّتِي لِغَدٍ، وَلا تَقُولَنَّ مِثْلَ هَذَا، فَإِنِّي لَمْ أَزَلْ لَكَ نَاصِحًا . من انهزم يوم الجمل فاختفى ومضى فِي البلاد كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: ومضى الزُّبَيْر فِي صدر يوم الهزيمة راجلا نحو الْمَدِينَة، فقتله ابن جرموز، قَالا: وخرج عتبة بن أَبِي سُفْيَانَ وعبد الرَّحْمَن ويحيى ابنا الحكم يوم الهزيمة، قد شججوا فِي البلاد، فلقوا عصمة بن أبير التيمي، فَقَالَ: هل لكم فِي الجوار؟ قَالُوا: من أنت؟ قَالَ: عصمة بن أبير قَالُوا: نعم، قَالَ: فأنتم فِي جواري إِلَى الحول، فمضى بهم، ثم حماهم واقام عليهم حتى برءوا، ثُمَّ قَالَ: اختاروا أحب بلد إليكم أبلغكموه، قالوا: الشام، فخرج بهم في أربعمائة راكب من تيم الرباب، حَتَّى إذا وغلوا فِي بلاد كلب بدومة

стр. 2425

قَالُوا: قَدْ وفيت ذمتك وذممهم، وقضيت الَّذِي عَلَيْك فارجع، فرجع. وفي ذَلِكَ يقول الشاعر: وفى ابن أبير والرماح شوارع ... بآل أبي العاصي وفاء مذكرا وأما ابن عَامِر فإنه خرج أَيْضًا مشججا، فتلقاه رجل من بني حُرْقُوص يدعى مريا، فدعاه للجوار، فَقَالَ: نعم، فأجاره وأقام عَلَيْهِ، وَقَالَ: أي البلدان أحب إليك؟ قَالَ: دمشق، فخرج بِهِ فِي ركب من بني حُرْقُوص حَتَّى بلغوا بِهِ دمشق وَقَالَ حَارِثَة بن بدر- وَكَانَ مع عَائِشَة، وأصيب فِي الوقعة ابنه أو أخوه زراع: أتاني من الأنباء أن ابن عَامِرٍ ... أناخ وألقى فِي دمشق المراسيا وأوى مَرْوَان بن الحكم إِلَى أهل بيت من عنزة يوم الهزيمة، فَقَالَ لَهُمْ: أعلموا مالك بن مسمع بمكاني، فأتوا مالكا فأخبروه بمكانه، فَقَالَ لأخيه مقاتل: كيف نصنع بهذا الرجل الَّذِي قَدْ بعث إلينا يعلمنا بمكانه؟ قَالَ: ابعث ابن أخي فأجره، والتمسوا لَهُ الأمان من علي، فإن آمنه فذاك الَّذِي نحب وإن لم يؤمنه خرجنا بِهِ وبأسيافنا، فإن عرض لَهُ جالدنا دونه بأسيافنا، فإما إن نسلم، وإما أن نهلك كراما وَقَدِ استشار غيره من أهله من قبل فِي الَّذِي استشار فِيهِ مقاتلا، فنهاه، فأخذ برأي أخيه، وترك رأيهم، فأرسل إِلَيْهِ فأنزله داره، وعزم عَلَى منعه إن اضطر إِلَى ذَلِكَ، وَقَالَ: الموت دون الجوار وفاء، وحفظ لَهُمْ بنو مَرْوَان ذَلِكَ بعد، وانتفعوا بِهِ عندهم، وشرفوهم بِذَلِكَ، وأوى عَبْد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ إِلَى دار رجل من الأزد يدعى وزيرا، وَقَالَ: ائت أم الْمُؤْمِنِينَ فأعلمها بمكاني، وإياك أن يطلع عَلَى هَذَا مُحَمَّد بن أبي بكر، فأتى عَائِشَة ﵂ فأخبرها، فَقَالَتْ: علي بمحمد، فَقَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، إنه قَدْ نهاني أن يعلم بِهِ مُحَمَّد، فأرسلت إِلَيْهِ فَقَالَتِ: اذهب مع هَذَا الرجل حَتَّى تجيئني بابن أختك، فانطلق مَعَهُ فدخل بالأزدي

стр. 2426

عَلَى ابن الزُّبَيْر، قَالَ: جئتك وَاللَّهِ بِمَا كرهت، وأبت أم الْمُؤْمِنِينَ إلا ذَلِكَ، فخرج عَبْد اللَّهِ ومحمد وهما يتشاتمان، فذكر مُحَمَّد عُثْمَان فشتمه وشتم عَبْد اللَّهِ محمدا حَتَّى انتهى إِلَى عَائِشَة فِي دار عَبْد اللَّهِ بن خلف- وكان عبد الله ابن خلف قبل يوم الجمل مع عَائِشَة، وقتل عُثْمَان أخوه مع علي- وأرسلت عَائِشَة فِي طلب من كَانَ جريحا فضمت مِنْهُمْ ناسا، وضمت مَرْوَان فيمن ضمت، فكانوا فِي بيوت الدار. كتب إلي السري، عن شعيب، عن سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ، قَالا: وَغَشِيَ الْوُجُوهُ عَائِشَةَ وَعَلِيٌّ فِي عَسْكَرِهِ، وَدَخَلَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو عَلَى عَائِشَةَ فِي أَوَّلِ مَنْ دَخَلَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: إِنِّي رَأَيْتُ رَجُلَيْنِ بِالأَمْسِ اجْتَلَدَا بَيْنَ يَدَيْ وَارْتَجَزَا بِكَذَا، فَهَلْ تَعْرِفُ كُوفِيَّكَ مِنْهُمَا؟ قَالَ: نَعَمْ، ذَاكَ الَّذِي قَالَ: أَعَقَّ أُمٍّ نَعْلَمُ، وَكَذَبَ وَاللَّهِ، إِنَّكِ لأَبَرُّ أُمٍّ نَعْلَمُ، وَلَكِنْ لَمْ تُطَاعِي فَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَوَدَدْتُ أَنِّي مِتُّ قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ بِعِشْرِينَ سنه وخرج فاتى عليا فَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ سَأَلَتْهُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ! مَنِ الرَّجُلانِ؟ قَالَ: ذَلِكَ أَبُو هَالَةَ الَّذِي يَقُولُ: كَيْمَا أَرَى صَاحِبُهُ عَلِيًّا. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوَدَدْتُ أَنِّي مِتُّ قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ بِعِشْرِينَ سَنَةً، فَكَانَ قَوْلُهُمَا وَاحِدًا. كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: وَتَسَلَّلَ الْجَرْحَى فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَدَخَلَ الْبَصْرَةُ مَنْ كَانَ يُطِيقُ الانْبِعَاثَ مِنْهُمْ، وَسَأَلَتْ عَائِشَةُ يَوْمَئِذٍ عَنْ عِدَّةٍ مِنَ النَّاسِ، مِنْهُمْ مَنْ كَانَ مَعَهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ عَلَيْهَا، وَقَدْ غَشِيَهَا النَّاسُ، وَهِيَ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ، فَكُلَّمَا نُعِيَ لَهَا مِنْهُمْ وَاحِدٌ قَالَتْ: يَرْحَمُهُ اللَّهُ، فَقَالَ لَهَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهَا: كَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: كَذَلِكَ قَالَ رَسُولُ الله ص: فُلانٌ فِي الْجَنَّةِ، وَفُلانٌ فِي الْجَنَّةِ [وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَوْمَئِذٍ: إِنِّي لأَرْجُو أَلا يَكُونَ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلاءِ نَقَّى قَلْبَهُ إِلا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ] كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ [أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: مَا نَزَلَ على النبي ص آيَةً أَفْرَحُ لَهُ مِنْ

стр. 2427

قَوْلِ اللَّهِ : «وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ] » ، [فقال ص: مَا أَصَابَ الْمُسْلِمَ فِي الدُّنْيَا مِنْ مُصِيبَةٍ فِي نَفْسِهِ فَبِذَنْبٍ، وَمَا يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أَكْثَرُ، وَمَا أَصَابَهُ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَعَفْوٌ مِنْهُ لا يُعْتَدُّ عَلَيْهِ فِيهِ عُقَوبَةَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا فَقَدْ عَفَا عَنْهُ، وَاللَّهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَعُودَ فِي عَفْوِهِ] . تَوَجُّعُ عَلِيٍّ عَلَى قَتْلَى الْجَمَلِ وَدَفْنِهِمْ وَجَمْعُهُ مَا كَانَ فِي الْعَسْكَرِ وَالْبَعْثُ بِهِ إِلَى الْبَصْرَةِ كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن محمد وطلحة، قالا: وَأَقَامَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي عَسْكَرِهِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ لا يَدْخُلُ الْبَصْرَةَ، وَنَدَبَ النَّاسَ إِلَى مَوْتَاهُمْ، فَخَرَجُوا إِلَيْهِمْ فَدَفَنُوهُمْ، [فَطَافَ عَلِيٌّ مَعَهُمْ فِي الْقَتْلَى، فَلَمَّا أُتِيَ بِكَعْبِ بْنِ سُورٍ قَالَ: زَعَمْتُمْ أَنَّمَا خَرَجَ مَعَهُمُ السُّفَهَاءُ، وَهَذَا الْحِبْرُ قَدْ تَرَوْنَ] [وَأَتَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتَّابٍ فَقَالَ: هَذَا يَعْسُوبُ الْقَوْمِ- يَقُولُ الَّذِي كَانُوا يُطِيفُونَ بِهِ- يَعْنِي أَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَرَضَوْا بِهِ لِصَلاتِهِمْ] وَجَعَلَ عَلِيٌّ كُلَّمَا مَرَّ بِرَجُلٍ فِيهِ خَيْرٌ قَالَ: زَعَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْنَا إِلا الْغَوْغَاءُ، هَذَا الْعَابِدُ الْمُجْتَهِدُ وَصَلَّى عَلَى قَتْلاهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَعَلَى قَتْلاهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَصَلَّى عَلَى قُرَيْشٍ مِنْ هؤلاء وهؤلاء، فكانوا مَدَنِيِّينَ وَمَكِّيِّينَ، وَدَفَنَ عَلِيٌّ الأَطْرَافَ فِي قَبْرٍ عظيم، وجمع ما كان في العسكر من شَيْءٍ، ثُمَّ بَعَثَ بِهِ إِلَى مَسْجِدِ الْبَصْرَةِ، أَنَّ مَنْ عَرَفَ شَيْئًا فَلْيَأْخُذْهُ، إِلا سِلاحًا كَانَ فِي الْخَزَائِنِ عَلَيْهِ سِمَةُ السُّلْطَانِ، فَإِنَّهُ لما بَقِيَ لَمْ يُعْرَفْ، خُذُوا مَا أَجْلَبُوا بِهِ عَلَيْكُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ ، لا يحل لمسلم

стр. 2428

مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِ الْمُتَوَفَّى شَيْءٍ، وَإِنَّمَا كَانَ ذلك السلاح في ايديهم من غير تنفيل مِنَ السُّلْطَانِ . عدد قتلى الجمل كَتَبَ إِلَيَّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وَطَلْحَةَ، قَالا: كَانَ قتلى الجمل حول الجمل عشرة آلاف، نصفهم من أَصْحَاب علي، ونصفهم من أَصْحَاب عَائِشَة، من الأزد ألفان، ومن سائر اليمن خمسمائة، ومن مضر الفان، وخمسمائة من قيس، وخمسمائة من تميم، والف من بنى ضبة، وخمسمائة من بكر بن وائل وقيل: قتل من أهل الْبَصْرَة فِي المعركة الأولى خمسة آلاف، وقتل من أهل الْبَصْرَة فِي المعركة الثانية خمسة آلاف، فذلك عشرة آلاف قتيل من أهل الْبَصْرَة، ومن أهل الْكُوفَة خمسة آلاف. قَالا: وقتل من بني عدي يَوْمَئِذٍ سبعون شيخا، كلهم قَدْ قرأ القرآن، سوى الشباب ومن لم يقرأ القرآن. وقالت عَائِشَة ﵂: مَا زلت أرجو النصر حَتَّى خفيت أصوات بني عدي . دخول علي عَلَى عَائِشَة وما أمر بِهِ من العقوبة فيمن تناولها كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ، قَالا: وَدَخَلَ عَلِيٌّ الْبَصْرَةَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، فَانْتَهَى إِلَى الْمَسْجِدِ، فَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ دَخَلَ الْبَصْرَةَ، فَأَتَاهُ النَّاسُ، ثُمَّ رَاحَ إِلَى عَائِشَةَ عَلَى بَغْلَتِهِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ وَهِيَ أَعْظَمُ دَارٍ بِالْبَصْرَةِ، وَجَدَ النِّسَاءَ يَبْكِينَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَعُثْمَانَ ابْنَيْ خَلَفٍ مَعَ عَائِشَةَ، وَصَفِيَّةُ ابْنَةُ الْحَارِثِ مُخْتَمِرَةٌ تَبْكِي، فَلَمَّا

стр. 2429

رَأَتْهُ قَالَتْ: يَا عَلِيُّ، يَا قَاتِلَ الأَحِبَّةِ، يَا مُفَرِّقَ الْجَمْعِ، أَيْتَمَ اللَّهُ بَنِيكَ مِنْكَ كَمَا أَيْتَمْتَ وَلَدَ عَبْدِ اللَّهِ مِنْهُ! فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا، وَلَمْ يَزَلْ عَلَى حَالِهِ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهَا، وَقَعَدَ عِنْدَهَا، وَقَالَ لَهَا: جَبَهَتْنَا صَفِيَّةُ، أَمَا إِنِّي لَمْ أَرَهَا مُنْذُ كَانَتْ جَارِيَةً حَتَّى الْيَوْمَ، فَلَمَّا خَرَجَ عَلِيٌّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِ فَأَعَادَتْ عَلَيْهِ الْكَلامَ، فَكَفَّ بَغْلَتَهُ وَقَالَ: أَمَا لَهَمَمْتُ- وَأَشَارَ إِلَى الأَبْوَابِ مِنَ الدَّارِ- أَنْ أَفْتَحَ هَذَا الْبَابَ وَأَقْتُلَ مَنْ فِيهِ، ثُمَّ هَذَا فَأَقْتُلَ مَنْ فِيهِ، ثُمَّ هَذَا فَأَقْتُلَ مَنْ فِيهِ- وَكَانَ أُنَاسٌ مِنَ الْجَرْحَى قَدْ لَجَئُوا إِلَى عَائِشَةَ، فَأُخْبِرَ عَلِيٌّ بِمَكَانِهِمْ عِنْدَهَا، فَتَغَافَلَ عَنْهُمْ- فَسَكَتَتْ [فَخَرَجَ عَلِيٌّ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَزْدِ: وَاللَّهِ لا تَفْلِتَنَا هَذِهِ الْمَرْأَةُ فَغَضِبَ وَقَالَ: صَه! لا تَهْتِكَنَّ سِتْرًا، وَلا تَدْخُلَنَّ دَارًا، وَلا تُهَيِّجَنَّ امْرَأَةً بِأَذًى، وَإِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ، وسفهن أمراءكم وصلحاءكم، فإنهن ضِعَافٌ، وَلَقَدْ كُنَّا نُؤْمَرُ بِالْكَفِّ عَنْهُنَّ، وَإِنَّهُنَّ لَمُشْرِكَاتٌ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُكَافِئَ الْمَرْأَةَ وَيَتَنَاوَلَهَا بِالضَّرْبِ فَيُعَيَّرَ بِهَا عَقِبُهُ مِنْ بَعْدِهِ، فَلا يَبْلُغَنِّي عَنْ أَحَدٍ عَرَضَ لامْرَأَةٍ فَأُنَكِّلَ بِهِ شِرَارَ النَّاسِ] وَمَضَى عَلِيٌّ، فَلَحِقَ بِهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَامَ رَجُلانِ مِمَّنْ لَقِيتَ عَلَى الْبَابِ، فَتَنَاوَلا مَنْ هُوَ أَمض لَكَ شَتِيمَةً مِنْ صَفِيَّةَ قَالَ: وَيْحَكَ! لَعَلَّهَا عَائِشَةُ قَالَ: نَعَمْ، قَامَ رَجُلانِ مِنْهُمْ عَلَى بَابِ الدار فقال أحدهما: جزيت عنا أمنا عَقُوقًا. وَقَالَ الآخَرُ: يَا أُمَّنَا تُوبِي فَقَدْ خَطِيتِ. فَبَعَثَ الْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو إِلَى الْبَابِ، فَأَقْبَلَ بِمَنْ كَانَ عَلَيْهِ، فَأَحَالُوا عَلَى رَجُلَيْنِ، فَقَالَ: أَضْرِبُ أَعْنَاقَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: لأُنْهِكَنَّهُمَا عُقُوبَةً فَضَرَبَهُمَا مِائَةً مِائَةً، وَأَخْرَجَهُمَا مِنْ ثِيَابِهِمَا. كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن الحارث بن حصيره، عن ابى الكنود، قال: هما رجلان من أزد الْكُوفَة يقال لهما عجل وسعد ابنا عَبْد اللَّهِ

стр. 2430

بيعة أهل الْبَصْرَة عَلِيًّا وقسمه مَا فِي بيت المال عَلَيْهِم كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: بايع الأحنف من العشي لأنه كَانَ خارجا هُوَ وبنو سعد، ثُمَّ دخلوا جميعا الْبَصْرَة، فبايع أهل الْبَصْرَة عَلَى راياتهم، وبايع علي أهل الْبَصْرَة حَتَّى الجرحى والمستأمنة، فلما رجع مَرْوَان لحق بمعاوية وَقَالَ قائلون: لم يبرح الْمَدِينَة حَتَّى فرغ من صفين. قَالا: [ولما فرغ علي من بيعة أهل الْبَصْرَة نظر في بيت المال فإذا فيه ستمائه ألف وزيادة، فقسمها عَلَى من شهد مَعَهُ الوقعه، فأصاب كل رجل منهم خمسمائة خمسمائة، وَقَالَ: لكم إن أظفركم اللَّه بِالشَّامِ مثلها إِلَى أعطياتكم] وخاض فِي ذَلِكَ السبئية، وطعنوا عَلَى علي من وراء وراء . سيرة علي فيمن قاتل يوم الجمل كَتَبَ إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مُحَمَّدِ بْنِ راشد، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ من سيرة علي أَلا يقتل مدبرا وَلا يذفف عَلَى جريح، وَلا يكشف سترا، وَلا يأخذ مالا، [فَقَالَ قوم يَوْمَئِذٍ: مَا يحل لنا دماءهم، ويحرم علينا أموالهم؟ فَقَالَ علي: القوم أمثالكم، من صفح عنا فهو منا، ونحن مِنْهُ، ومن لج حَتَّى يصاب فقتاله مني عَلَى الصدر والنحر، وإن لكم فِي خمسه لغنى،] فيومئذ تكلمت الخوارج . بعثة الأَشْتَر إِلَى عَائِشَة بجمل اشتراه لها وخروجها مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى مكة حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا فَرَغُوا يوم

стр. 2431

الْجَمَلِ أَمَرَنِي الأَشْتَرُ فَانْطَلَقْتُ فَاشْتَرَيْتُ لَهُ جَمَلا بسبعمائة دِرْهَمٍ مِنْ رَجُلٍ مِنْ مِهْرَةَ، فَقَالَ: انْطَلِقْ بِهِ إِلَى عَائِشَةَ فَقُلْ لَهَا: بَعَثَ بِهِ إليك الاشتر مالك ابن الْحَارِثِ، وَقَالَ: هَذَا عِوَضٌ مِنْ بَعِيرِكِ، فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَيْهَا، فَقُلْتُ: مَالِكٌ يُقْرِئُكِ السَّلامَ وَيَقُولُ: ان هذا البعير مكان بعيرك، قالت: لاسلم اللَّهُ عَلَيْهِ، إِذْ قَتَلَ يَعْسُوبَ الْعَرَبِ- تَعْنِي ابْنَ طَلْحَةَ- وَصَنَعَ بِابْنِ أُخْتِي مَا صَنَعَ! قَالَ: فَرَدْدَتْهُ إِلَى الأَشْتَرِ، وَأَعْلَمَتْهُ، قَالَ: فَأَخْرَجَ ذِرَاعَيْنِ شَعْرَاوَيْنِ، وَقَالَ: أَرَادُوا قَتْلِي فَمَا أَصْنَعُ! كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ، قَالا: قَصَدَتْ عَائِشَةُ مَكَّةَ فَكَانَ وَجْهَهَا مِنَ الْبَصْرَةِ، وَانْصَرَفَ مَرْوَانُ وَالأَسْوَدُ بْنُ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنَ الطَّرِيقِ، وَأَقَامَتْ عَائِشَةُ بِمَكَّةَ إِلَى الْحَجِّ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ . مَا كَتَبَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الْفَتْحِ إِلَى عَامِلِهِ بِالْكُوفَةِ كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ، قَالا: وَكَتَبَ عَلِيٌّ بِالْفَتْحِ إِلَى عَامِلِهِ بِالْكُوفَةِ حِينَ كَتَبَ فِي أَمْرِهَا وَهُوَ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّا الْتَقَيْنَا فِي النِّصْفِ مِنْ جُمَادَى الآخِرَةِ بِالْخُرَيْبَةِ- فِنَاءٌ مِنْ أَفْنِيَةِ الْبَصْرَةِ- فَأَعْطَاهُمُ اللَّهُ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَتَلَ مِنَّا وَمِنْهُمْ قَتْلَى كَثِيرَةً، وَأُصِيبَ مِمَّنْ أُصِيبَ مِنَّا ثُمَامَةُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَهِنْدُ بْنُ عَمْرٍو، وَعِلْبَاءُ بْنُ الْهَيْثَمِ، وَسَيْحَانُ وَزَيْدٌ ابْنَا صُوحَانَ، وَمَحْدُوجٌ. وَكَتَبَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ رَافِعٍ وَكَانَ الرَّسُولَ زُفَرُ بْنُ قَيْسٍ إِلَى الْكُوفَةِ بِالْبِشَارَةِ فِي جُمَادَى الآخِرَةِ

стр. 2432

أخذ علي البيعة عَلَى الناس وخبر زياد بن أَبِي سُفْيَانَ وعبد الرَّحْمَن بن أبي بكرة وَكَانَ فِي البيعة: عَلَيْك عهد اللَّه وميثاقه بالوفاء لتكونن لسلمنا سلما، ولحربنا حربا، ولتكفن عنا لسانك ويدك وَكَانَ زياد بن أَبِي سُفْيَانَ ممن اعتزل ولم يشهد المعركة، قعد وَكَانَ فِي بيت نافع بن الْحَارِث، وجاء عبد الرحمن ابن ابى بكره في المستأمنين مسلما بعد ما فرغ علي من البيعة، فَقَالَ لَهُ علي: وعمك المتربص المقاعد بي! فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنه لك لواد، وإنه عَلَى مسرتك لحريص، ولكنه بلغني أنه يشتكي، فأعلم لك علمه ثُمَّ آتيك. وكتم عَلِيًّا مكانه حَتَّى استأمره، فأمره أن يعلمه فأعلمه، فَقَالَ علي: امش أمامي فاهدني إِلَيْهِ، ففعل، فلما دخل عَلَيْهِ قَالَ: تقاعدت عني، وتربصت- ووضع يده عَلَى صدره، وَقَالَ: هَذَا وجع بين- فاعتذر إِلَيْهِ زياد، فقبل عذره واستشاره وأراده علي عَلَى الْبَصْرَة، فَقَالَ: رجل من أهل بيتك يسكن إِلَيْهِ الناس، فإنه أجدر أن يطمئنوا أو ينقادوا، وسأكفيكه وأشير عَلَيْهِ. فافترقا عَلَى ابن عَبَّاس، ورجع علي إِلَى منزله . تَأْمِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى الْبَصْرَةِ وتَوْلِيَةِ زِيَادٍ الْخَرَاجَ وأمر ابن عَبَّاس عَلَى الْبَصْرَة، وولى زياد الخراج وبيت المال، وأمر ابن عَبَّاس أن يسمع مِنْهُ، فكان ابن عَبَّاس يقول: استشرته عِنْدَ هنة كَانَتْ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ: إن كنت تعلم أنك عَلَى الحق، وأن من خالفك عَلَى الباطل، أشرت عَلَيْك بِمَا ينبغي، وإن كنت لا تدري، أشرت عَلَيْك بِمَا ينبغي كذلك. فقلت: إني عَلَى الحق، وإنهم عَلَى الباطل، فَقَالَ: اضرب بمن أطاعك من عصاك ومن ترك أمرك، فإن كَانَ أعز للإسلام وأصلح لَهُ أن يضرب عنقه فاضرب عنقه فاستكتبته، فلما ولى رأيت مَا صنع، وعلمت أنه قَدِ اجتهد لي رأيه، وأعجلت السبئية عَلِيًّا عن المقام، وارتحلوا بغير إذنه،

стр. 2433

فارتحل فِي آثارهم ليقطع عَلَيْهِم أمرا إن كَانُوا أرادوه، وَقَدْ كَانَ لَهُ فِيهَا مقام. كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ، قَالا: علم أهل الْمَدِينَة بيوم الجمل يوم الخميس قبل أن تغرب الشمس من نسر مر بِمَا حول الْمَدِينَة، مَعَهُ شَيْء متعلقه، فتأمله الناس فوقع، فإذا كف فِيهَا خاتم، نقشه عبد الرَّحْمَن بن عتاب، وجفل من بين مكة والمدينة من أهل الْبَصْرَة، من قرب مِنَ الْبَصْرَةِ أو بعد، وَقَدْ علموا بالوقعة مما ينقل إِلَيْهِم النسور من الأيدي والاقدام تجهيز على ع عَائِشَة ﵂ مِنَ الْبَصْرَةِ كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سيف، عن محمد وطلحه، قالا: وجهز على عائشة بِكُلِّ شَيْءٍ يَنْبَغِي لَهَا مِنْ مَرْكَبٍ أَوْ زَادٍ أَوْ مَتَاعٍ، وَأَخْرَجَ مَعَهَا كُلَّ مَنْ نَجَا مِمَّنْ خَرَجَ مَعَهَا إِلا مَنْ أَحَبَّ الْمُقَامَ، وَاخْتَارَ لَهَا أَرْبَعِينَ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ الْمَعْرُوفَاتِ، وَقَالَ: تَجَهَّزْ يَا مُحَمَّدُ، فَبَلِّغْهَا، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي تَرْتَحِلُ فِيهِ، جَاءَهَا حَتَّى وَقَفَ لَهَا، وَحَضَرَ النَّاسُ، فَخَرَجَتْ عَلَى النَّاسِ وَوَدَّعُوهَا وَوَدَّعَتْهُمْ، وَقَالَتْ: يَا بَنِيَّ، تَعْتِبُ بَعْضنا عَلَى بَعْضٍ اسْتِبْطَاءً وَاسْتِزَادَةً، فَلا يعتدن أَحَدٌ مِنْكُمْ عَلَى أَحَدٍ بِشَيْءٍ بَلَغَهُ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا كَانَ بَيْنِي وبين على في القديم إِلا مَا يَكُونُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَأَحْمَائِهَا، وَإِنَّهُ عندي على معتبى من الاخيار [وقال على: يا ايها النَّاسُ، صَدَقَتْ وَاللَّهِ وَبَرَّتْ، مَا كَانَ بَيْنِي وبينها الا ذلك، وانها لزوجه نبيكم ص فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ] . وَخَرَجَتْ يَوْمَ السَّبْتِ لِغُرَّةِ رَجَبَ سَنَةً سِتٍّ وَثَلاثِينَ، وَشَيَّعَهَا عَلِيٌّ أَمْيَالا، وَسَرَّحَ بَنِيهِ مَعَهَا يَوْمًا

стр. 2434

مَا روي من كثرة القتلى يوم الجمل حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الحسن، قال: حدثنا محمد ابن الفضل بن عطية الخراساني، عن سَعِيد القطعي، قَالَ: كنا نتحدث أن قتلى الجمل يزيدون عَلَى ستة آلاف. حَدَّثَنِي عَبْد اللَّهِ بن أحمد بن شبويه، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا سليمان بن صالح، قال: حدثني عبد اللَّهِ، عن جرير بن حازم، قَالَ: حَدَّثَنِي الزبير بن الخريت، عن أبي لبيد لمازة بن زياد، قَالَ: قلت لَهُ: لم تسب عَلِيًّا؟ قَالَ: أَلا أسب رجلا قتل منا الفين وخمسمائة، والشمس هاهنا! قَالَ جرير بن حازم: وسمعت ابن أبي يَعْقُوب يقول: قتل عَلِيّ بن أبي طالب يوم الجمل الفين وخمسمائة، الف وثلاثمائة وخمسون من الأزد وثمانمائه من بنى ضبة، وثلاثمائة وخمسون من سائر الناس. وَحَدَّثَنِي أبي، عن سُلَيْمَان، عن عَبْد اللَّهِ، عن جرير، قَالَ: قتل المعرض بن علاط يوم الجمل، فَقَالَ أخوه الحجاج: لم أر يَوْمًا كَانَ أكثر ساعيا ... بكف شمال فارقتها يمينها قَالَ معاذ: وَحَدَّثَنِي عَبْد اللَّهِ، قَالَ: قَالَ جرير: قتل المعرض بن علاط يوم الجمل، فَقَالَ أخوه الحجاج: لم أر يَوْمًا كَانَ أكثر ساعيا ... بكف شمال فارقتها يمينها مَا قَالَ عمار بن ياسر لعائشة حين فرغ من الجمل حدثني عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أَبِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا يَزِيدَ الْمَدِينِيَّ يَقُولُ: قَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ لِعَائِشَةَ- ﵂ حِينَ فَرَغَ الْقَوْمُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، مَا أَبْعَدَ هَذَا الْمَسِيرُ مِنَ الْعَهْدِ الَّذِي عُهِدَ إِلَيْكِ! قَالَتْ: أَبُو اليقظان! قال:

стр. 2435

نَعَمْ، قَالَتْ: وَاللَّهِ إِنَّكَ- مَا عَلِمْتُ- قَوَّالٌ بِالْحَقِّ، قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَضَى لِي عَلَى لِسَانِكِ . آخر حديث الجمل بعثة عَلِيّ بن أبي طالب قيس بن سَعْدِ بْنِ عبادة أميرا عَلَى مصر وفي هَذِهِ السنة- أعني سنة ست وثلاثين- قتل مُحَمَّد بن أبي حُذَيْفَة، وَكَانَ سبب قتله أنه لما خرج الْمِصْرِيُّونَ إِلَى عُثْمَانَ مع مُحَمَّد بن أبي بكر، أقام بمصر، وأخرج عنها عَبْد اللَّهِ بن سَعْدِ بْنِ أبي سرح، وضبطها، فلم يزل بِهَا مقيما حَتَّى قتل عُثْمَان ﵁، وبويع لعلي، وأظهر مُعَاوِيَة الخلاف، وبايعه عَلَى ذَلِكَ عَمْرو بن الْعَاصِ، فسار مُعَاوِيَة وعمرو إِلَى مُحَمَّد بن أبي حُذَيْفَة قبل قدوم قيس بن سَعْد مصر، فعالجا دخول مصر، فلم يقدرا عَلَى ذَلِكَ، فلم يزالا يخدعان مُحَمَّد بن أبي حُذَيْفَة حَتَّى خرج إِلَى عريش مصر فِي ألف رجل، فتحصن بِهَا، وجاءه عَمْرو فنصب المنجنيق عَلَيْهِ حَتَّى نزل فِي ثَلاثِينَ من أَصْحَابه وأخذوا وقتلوا ﵏. وأما هِشَام بن مُحَمَّد فإنه ذكر أن أبا مخنف لوط بن يحيى بن سعيد ابن مخنف بن سليم، حدثه عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُف الأَنْصَارِيّ من بني الْحَارِث بن الخزرج، عن عباس بن سهل الساعدي أن مُحَمَّد بن أبي حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شمس بن عبد مناف هُوَ الَّذِي كَانَ سرب المصريين إِلَى عُثْمَانَ بن عَفَّانَ، وإنهم لما ساروا إِلَى عُثْمَانَ فحصروه وثب هُوَ بمصر عَلَى عَبْد اللَّهِ بن سَعْدِ بْنِ أبي سرح أحد بني عَامِر بن لؤي القرشي، وَهُوَ عامل عُثْمَان يَوْمَئِذٍ عَلَى مصر، فطرده منها، وصلى بِالنَّاسِ، فخرج عبد الله ابن سَعْد من مصر فنزل عَلَى تخوم أرض مصر مما يلي فلسطين، فانتظر مَا يكون من أمر عُثْمَان، فطلع راكب فَقَالَ: يَا عَبْد اللَّهِ، مَا وراءك؟ خبرنا بخبر الناس خلفك، قَالَ: أفعل، قتل الْمُسْلِمُونَ عُثْمَان ﵁، فَقَالَ عَبْد اللَّهِ بن سَعْد: «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» !، يَا عَبْد اللَّهِ، ثُمَّ صنعوا

стр. 2436

ماذا؟ قَالَ: ثُمَّ بايعوا ابن عم رَسُول الله ص عَلِيّ بن أبي طالب، قَالَ عَبْد اللَّهِ بن سَعْد: «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» ، قَالَ لَهُ الرجل: كأن ولاية عَلِيّ بن أَبِي طَالِبٍ عدلت عندك قتل عُثْمَان! قَالَ: أجل قَالَ: فنظر إِلَيْهِ الرجل، فتأمله فعرفه وَقَالَ: كأنك عَبْد اللَّهِ بن أبي سرح أَمِير مصر! قَالَ: أجل، قَالَ لَهُ الرجل: فإن كَانَ لك فِي نفسك حاجة فالنجاء النجاء، فإن رأي أَمِير الْمُؤْمِنِينَ فيك وفي أَصْحَابك سيئ، إن ظفر بكم قتلكم أو نفاكم عن بلاد الْمُسْلِمِينَ، وهذا بعدي أَمِير يقدم عَلَيْك قَالَ لَهُ عَبْد اللَّهِ: ومن هَذَا الأمير؟ قَالَ: قيس بن سَعْدِ بْنِ عبادة الأَنْصَارِيّ، قَالَ عَبْد اللَّهِ بن سَعْد: أبعد اللَّه مُحَمَّد بن أبي حُذَيْفَة! فإنه بغي عَلَى ابن عمه، وسعى عَلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ كفله ورباه وأحسن إِلَيْهِ، فأساء جواره، ووثب عَلَى عماله، وجهز الرجال إِلَيْهِ حَتَّى قتل، ثُمَّ ولى عَلَيْهِ من هُوَ أبعد مِنْهُ ومن عُثْمَان، لم يمتعه بسلطان بلاده حولا وَلا شهرا، ولم يره لذلك أهلا، فَقَالَ لَهُ الرجل: انج بنفسك، لا تقتل فخرج عَبْد اللَّهِ بن سَعْد هاربا حَتَّى قدم على معاويه ابن أَبِي سُفْيَانَ دمشق. قَالَ أَبُو جَعْفَر: فخبر هِشَام هَذَا يدل عَلَى أن قيس بن سعد ولى مصر ومحمد بن أبي حُذَيْفَة حي. وفي هَذِهِ السنة بعث عَلِيّ بن أبي طالب عَلَى مصر قيس بن سَعْدِ بْنِ عبادة الأَنْصَارِيّ، فكان من أمره مَا ذكر هِشَام بن مُحَمَّد الكلبي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مخنف، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُف بن ثَابِت، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: [لما قتل عُثْمَان ﵁ وولي عَلِيّ بن أبي طالب الأمر، دعا قيس ابن سَعْد الأَنْصَارِيّ فَقَالَ لَهُ: سر إِلَى مصر فقد وليتكها، واخرج إِلَى

стр. 2437

رحلك، واجمع إليك ثقاتك ومن أحببت أن يصحبك حَتَّى تأتيها ومعك جند، فإن ذَلِكَ أرعب لعدوك وأعز لوليك، فإذا أنت قدمتها إِنْ شَاءَ اللَّهُ فأحسن إِلَى المحسن، واشتد عَلَى المريب، وارفق بالعامة والخاصة، فإن الرفق يمن] . فَقَالَ لَهُ قيس بن سَعْد: رحمك اللَّه يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! فقد فهمت مَا قلت، اما قولك: اخرج إليها بجند، فو الله لَئِنْ لم أدخلها إلا بجند آتيها بِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ لا أدخلها أبدا، فأنا أدع ذَلِكَ الجند لك، فإن أنت احتجت إِلَيْهِم كَانُوا مِنْكَ قريبا، وإن أردت أن تبعثهم إِلَى وجه من وجوهك كَانُوا عدة لك، وأنا أصير إِلَيْهَا بنفسي وأهل بيتي وأما مَا أوصيتني بِهِ من الرفق والإحسان، فإن اللَّه هُوَ المستعان عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: فخرج قيس بن سَعْد فِي سبعة نفر من أَصْحَابه حَتَّى دخل مصر، فصعد الْمِنْبَر، فجلس عَلَيْهِ، وأمر بكتاب مَعَهُ من أَمِير الْمُؤْمِنِينَ فقرئ عَلَى أهل مصر: بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من عَبْد اللَّه علي أَمِير الْمُؤْمِنِينَ إِلَى من بلغه كتابي هَذَا من الْمُؤْمِنِينَ والمسلمين سلام عَلَيْكُمْ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمُ اللَّهَ الَّذِي لا إِلَهَ إلا هُوَ أَمَّا بَعْدُ، فإن اللَّه بحسن صنعه وتقديره وتدبيره، اختار الإِسْلام دينا لنفسه وملائكته ورسله، وبعث به الرسل ع إِلَى عباده، وخص بِهِ من انتخب من خلقه، فكان مما أكرم اللَّه بِهِ هَذِهِ الأمة، وخصهم بِهِ من الفضيلة أن بعث إِلَيْهِم محمدا ﷺ ، فعلمهم الكتاب والحكمة والفرائض والسنة، لكيما يهتدوا، وجمعهم لكيما لا يتفرقوا، وزكاهم لكيما يتطهروا، ورفههم لكيما لا يجوروا، فلما قضى من ذَلِكَ مَا عَلَيْهِ قبضه اللَّه صلوات اللَّه عَلَيْهِ ورحمته وبركاته ثُمَّ إن الْمُسْلِمِينَ استخلفوا بِهِ أميرين صالحين، عملا بالكتاب والسنة، وأحسنا السيرة، ولم يعدوا السنة، ثُمَّ توفاهما اللَّه ، ﵄ ثُمَّ ولى

стр. 2438

بعدهما وال فأحدث أحداثا، فوجدت الأمة عَلَيْهِ مقالا فَقَالُوا، ثُمَّ نقموا عَلَيْهِ فغيروا، ثُمَّ جاءوني فبايعوني، فأستهدي اللَّه بالهدى، واستعينه على التقوى أَلا وإن لكم علينا العمل بكتاب اللَّه وسنه رسوله ص، والقيام عَلَيْكُمْ بحقه والتنفيذ لسنته، والنصح لكم بالغيب، وَاللَّه المستعان، وحسبنا اللَّه ونعم الوكيل وَقَدْ بعثت إليكم قيس بن سَعْدِ بْنِ عبادة أميرا، فوازروه وكانفوه، وأعينوه عَلَى الحق، وَقَدْ أمرته بالإحسان إِلَى محسنكم، والشدة عَلَى مريبكم، والرفق بعوامكم وخواصكم، وَهُوَ ممن أرضى هديه، وأرجو صلاحه ونصيحته أسأل اللَّه لنا ولكم عملا زاكيا، وثوابا جزيلا، ورحمة واسعة، والسلام عَلَيْكُمْ ورحمة اللَّه وبركاته. وكتب عبيد اللَّهِ بن أبي رافع فِي صفر سنة ست وثلاثين. قَالَ: ثُمَّ إن قيس بن سَعْد قام خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى محمد ص، وَقَالَ: الحمد لِلَّهِ الَّذِي جَاءَ بالحق، وأمات الباطل، وكبت الظالمين أَيُّهَا النَّاسُ، إنا قَدْ بايعنا خير من نعلم بعد مُحَمَّد نبينا ص، فقوموا أَيُّهَا النَّاسُ فبايعوا عَلَى كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ ، فإن نحن لم نعمل لكم بِذَلِكَ فلا بيعة لنا عَلَيْكُمْ. فقام الناس فبايعوا، واستقامت لَهُ مصر، وبعث عَلَيْهَا عماله، إلا أن قرية منها يقال لها: خربتا فِيهَا أناس قَدْ أعظموا قتل عُثْمَان بْن عَفَّانَ ﵁، وبها رجل من كنانة ثُمَّ من بني مدلج يقال لَهُ يَزِيد بن الْحَارِث من بني الْحَارِث بن مدلج فبعث هَؤُلاءِ إِلَى قيس بن سَعْد: إنا لا نقاتلك فابعث عمالك، فالأرض أرضك، ولكن أقرنا عَلَى حالنا حَتَّى ننظر إِلَى مَا يصير أمر الناس. قَالَ: ووثب مسلمة بن مخلد الأَنْصَارِيّ، ثُمَّ من ساعده من رهط قيس ابن سَعْدٍ، فنعى عُثْمَان بن عَفَّانَ ﵁، ودعا إِلَى الطلب بدمه، فأرسل

стр. 2439

إِلَيْهِ قيس بن سَعْد: ويحك، علي تثب! فو الله مَا أحب أن لي ملك الشام إِلَى مصر وأني قتلتك فبعث إِلَيْهِ مسلمة: إني كاف عنك مَا دمت أنت والي مصر. قَالَ: وَكَانَ قيس بن سَعْد لَهُ حزم ورأي، فبعث إِلَى الَّذِينَ بخربتا: إني لا أكرهكم عَلَى البيعة، وأنا أدعكم وأكف عنكم فهادنهم وهادن مسلمه بن مخلد، وجبى الخراج، ليس أحد مِنَ النَّاسِ ينازعه. قَالَ: وخرج أَمِير الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أهل الجمل وَهُوَ عَلَى مصر، ورجع إِلَى الْكُوفَةِ مِنَ الْبَصْرَةِ وَهُوَ بمكانه، فكان أثقل خلق اللَّه عَلَى مُعَاوِيَة بن أَبِي سُفْيَانَ لقربه من الشام، مخافة أن يقبل إِلَيْهِ علي فِي أهل العراق، ويقبل إِلَيْهِ قيس بن سَعْد فِي أهل مصر، فيقع مُعَاوِيَة بينهما. وكتب مُعَاوِيَة بن أَبِي سُفْيَانَ إِلَى قيس بن سَعْدٍ- وعلي بن أبي طالب يَوْمَئِذٍ بالكوفة قبل أن يسير إِلَى صفين: من مُعَاوِيَة بن أَبِي سُفْيَانَ إِلَى قيس بن سَعْدٍ سلام عَلَيْك، أَمَّا بَعْدُ، فإنكم إن كنتم نقمتم على عثمان بن عفان ﵁ فِي أثرة رأيتموها، أو ضربة سوط ضربها، أو شتيمة رجل، أو فِي تسييره آخر، أو فِي استعماله الفتى، فإنكم قَدْ علمتم- إن كنتم تعلمون- أن دمه لَمْ يَكُنْ يحل لكم، فقد ركبتم عظيما من الأمر، وجئتم شَيْئًا إدا، فتب إِلَى اللَّهِ يا قيس ابن سَعْدٍ فإنك كنت فِي المجلبين عَلَى عُثْمَانَ بن عفان- إن كَانَتِ التوبة من قتل المؤمن تغني شَيْئًا- فأما صاحبك فإنا استيقنا أنه الَّذِي أغرى بِهِ الناس، وحملهم عَلَى قتله حَتَّى قتلوه، وأنه لم يسلم من دمه عظم قومك، فإن استطعت يَا قيس أن تكون ممن يطلب بدم عُثْمَان فافعل تابعنا عَلَى أمرنا، ولك سلطان العراقين إذا ظهرت مَا بقيت، ولمن أحببت من أهل بيتك سلطان الحجاز مَا دام لي سلطان، وسلني غير هَذَا مما تحب، فإنك لا تسألني

стр. 2440

شَيْئًا إلا أوتيته، واكتب إلي برأيك فِيمَا كتبت بِهِ إليك والسلام. فلما جاءه كتاب مُعَاوِيَة أحب أن يدافعه وَلا يبدي لَهُ أمره، وَلا يتعجل لَهُ حربه، فكتب إِلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ، فقد بلغني كتابك، وفهمت مَا ذكرت فيه من قتل عثمان، وذلك امر لم اقارفه، ولم أطف بِهِ وذكرت أن صاحبي هُوَ أغرى الناس بعثمان، ودسهم إِلَيْهِ حَتَّى قتلوه، وهذا مَا لم أطلع عَلَيْهِ، وذكرت أن عظم عشيرتي لم تسلم من دم عُثْمَان، فأول الناس كَانَ فِيهِ قياما عشيرتي وأما مَا سألتني من متابعتك، وعرضت علي من الجزاء بِهِ، فقد فهمته، وهذا أمر لي فِيهِ نظر وفكرة، وليس هَذَا مما يسرع إِلَيْهِ، وأنا كاف عنك، ولن يأتيك من قبلي شَيْء تكرهه حَتَّى ترى ونرى إِنْ شَاءَ اللَّهُ، والمستجار اللَّه ، والسلام عَلَيْك ورحمة اللَّه وبركاته. قَالَ: فلما قرأ مُعَاوِيَة كتابه، لم يره إلا مقاربا مباعدا، ولم يأمن أن يكون لَهُ فِي ذَلِكَ مباعدا مكايدا، فكتب إِلَيْهِ مُعَاوِيَة أَيْضًا: أَمَّا بَعْدُ، فقد قرأت كتابك، فلم أرك تدنو فأعدك سلما، ولم أرك تباعد فأعدك حربا، أنت فِيمَا هاهنا كحنك الجزور، وليس مثلي يصانع المخادع، وَلا ينتزع للمكايد، وَمَعَهُ عدد الرجال، وبيده أعنة الخيل، والسلام عَلَيْك. فلما قرأ قيس بن سَعْد كتاب مُعَاوِيَة، ورأى أنه لا يقبل مَعَهُ المدافعة والمماطلة، أظهر لَهُ ذات نفسه، فكتب إِلَيْهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من قيس بن سَعْد، إِلَى مُعَاوِيَةَ بن أَبِي سُفْيَانَ. أَمَّا بَعْدُ، فإن العجب من اغترارك بي، وطمعك فِي، واستسقاطك رأيي. أتسومني الخروج من طاعة أولى الناس بالإمرة، وأقولهم للحق، وأهداهم سبيلا، وأقربهم مِنْ رسول الله ص وسيلة، وتأمرني بالدخول فِي طاعتك، طاعة أبعد الناس من هَذَا الأمر، وأقولهم للزور، وأضلهم سبيلا، وأبعدهم من اللَّه ورسوله ص وسيلة، ولد ضالين مضلين، طاغوت من طواغيت إبليس! وأما قولك إني مالئ عَلَيْك مصر خيلا ورجلا

стр. 2441

فو الله إن لم أشغلك بنفسك حَتَّى تكون نفسك أهم إليك، إنك لذو جد، والسلام فلما بلغ مُعَاوِيَة كتاب قيس أيس مِنْهُ، وثقل عَلَيْهِ مكانه. حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ المروزي، قَالَ: حدثني أبي قال: حدثني سُلَيْمَان، قال: حدثني عبد الله، عن يونس، عن الزُّهْرِيّ، قَالَ: كَانَتْ مصر من حين علي، عَلَيْهَا قيس بن سَعْدِ بْنِ عبادة، وَكَانَ صاحب رايه الانصار مع رسول الله ص، وَكَانَ من ذوي الرأي والبأس، وَكَانَ مُعَاوِيَة بن أَبِي سُفْيَانَ وعمرو بن الْعَاصِ جاهدين عَلَى أن يخرجاه من مصر ليغلبا عَلَيْهَا، فكان قَدِ امتنع فِيهَا بالدهاء والمكايدة، فلم يقدرا عَلَيْهِ، وَلا عَلَى أن يفتتحا مصر، حَتَّى كاد مُعَاوِيَة قيس بن سَعْد من قبل علي، وَكَانَ مُعَاوِيَة يحدث رجالا من ذوي الرأي من قريش يقول: مَا ابتدعت مكايدة قط كَانَتْ أعجب عندي من مكايدة كدت بِهَا قيسا من قبل علي وَهُوَ بِالْعِرَاقِ حين امتنع مني قيس. قلت لأهل الشام لا: تسبوا قيس بن سَعْدٍ، وَلا تدعوا إِلَى غزوه، فإنه لنا شيعة، يأتينا كيس نصيحته سرا أَلا ترون مَا يفعل بإخوانكم الَّذِينَ عنده من أهل خربتا يجري عَلَيْهِم أعطياتهم وأرزاقهم، ويؤمن سربهم، ويحسن إِلَى كل راكب قدم عَلَيْهِ مِنْكُمْ، لا يستنكرونه فِي شَيْءٍ! قَالَ مُعَاوِيَة: وهممت أن أكتب بِذَلِكَ إِلَى شيعتي من أهل العراق، فيسمع بِذَلِكَ جواسيس علي عندي وبالعراق فبلغ ذَلِكَ عَلِيًّا، ونماه إِلَيْهِ مُحَمَّد بن أبي بكر ومحمد بن جَعْفَر بن أَبِي طَالِبٍ فلما بلغ ذَلِكَ عَلِيًّا اتهم قيسا، وكتب إِلَيْهِ يأمره بقتال أهل خربتا- وأهل خربتا يَوْمَئِذٍ عشرة آلاف- فأبى قيس بن سَعْد أن يقاتلهم، وكتب إِلَى علي: إِنَّهُمْ وجوه أهل مصر وأشرافهم، وأهل الحفاظ مِنْهُمْ، وَقَدْ رضوا مني أن أؤمن سربهم، وأجري عَلَيْهِم أعطياتهم وأرزاقهم، وَقَدْ علمت أن هواهم مع مُعَاوِيَة، فلست مكايدهم بأمر أهون علي وعليك من الَّذِي أفعل بهم، ولو أني غزوتهم

стр. 2442

كَانُوا لي قرنا، وهم أسود العرب، ومنهم بسر بن أبي أرطأة، ومسلمة بن مخلد، ومعاويه بن خديج، فذرني فأنا أعلم بِمَا أداري مِنْهُمْ فأبى علي إلا قتالهم، وأبى قيس أن يقاتلهم. فكتب قيس إِلَى علي: إن كنت تتهمني فاعزلني عن عملك، وابعث إِلَيْهِ غيري فبعث علي الأَشْتَر أميرا إِلَى مصر، حَتَّى إذا صار بالقلزم شرب شربة عسل كَانَ فِيهَا حتفه فبلغ حديثهم مُعَاوِيَة وعمرا، فَقَالَ عَمْرو: إن لِلَّهِ جندا من عسل. فلما بلغ عَلِيًّا وفاة الأَشْتَر بالقلزم بعث مُحَمَّد بن أبي بكر أميرا عَلَى مصر فالزهري يذكر أن عَلِيًّا بعث مُحَمَّد بن أبي بكر أميرا عَلَى مصر بعد مهلك الأَشْتَر بقلزم، واما هشام بن محمد، فانه ذكر فِي خبره أن عَلِيًّا بعث بالأشتر أميرا عَلَى مصر بعد مهلك مُحَمَّد بن أبي بكر رجع الحديث إِلَى حديث هِشَام عن أبي مخنف: ولما أيس مُعَاوِيَة من قيس أن يتابعه عَلَى أمره، شق عَلَيْهِ ذَلِكَ، لما يعرف من حزمه وبأسه، وأظهر لِلنَّاسِ قبله، أن قيس بن سَعْد قَدْ تابعكم، فادعوا اللَّه لَهُ، وقرأ عَلَيْهِم كتابه الَّذِي لان لَهُ فِيهِ وقاربه قَالَ: واختلق مُعَاوِيَة كتابا من قيس بن سَعْدٍ، فقرأه عَلَى أهل الشام. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، للأمير مُعَاوِيَة بن أَبِي سُفْيَانَ من قيس بن سَعْدٍ، سلام عَلَيْك، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمُ اللَّهَ الَّذِي لا إِلَهَ إلا هو، أما بعد، فإني لما نظرت رأيت أنه لا يسعني مظاهره قوم قتلوا امامهم مسلما محرما برا تقيا، فنستغفر اللَّه لذنوبنا، ونسأله العصمة لديننا أَلا وإني قَدْ ألقيت إليكم بالسلم، وإني أجبتك إِلَى قتال قتله عثمان، إمام الهدى المظلوم، فعول علي فِيمَا أحببت من الأموال والرجال أعجل عَلَيْك، والسلام. فشاع فِي أهل الشام أن قيس بن سَعْد قَدْ بايع مُعَاوِيَة بن أَبِي سُفْيَانَ، فسرحت عيون عَلِيّ بن أبي طالب إِلَيْهِ بِذَلِكَ، فلما أتاه ذَلِكَ أعظمه وأكبره،

стр. 2443

وتعجب لَهُ، ودعا بنيه، ودعا عَبْد اللَّهِ بن جَعْفَر فأعلمهم ذَلِكَ، فَقَالَ: مَا رأيكم؟ فَقَالَ عَبْد اللَّهِ بن جَعْفَر: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، دع مَا يريبك إِلَى مَا لا يريبك، اعزل قيسا عن مصر قَالَ لَهُمْ علي: إني وَاللَّهِ مَا أصدق بهذا عَلَى قيس، فَقَالَ عَبْد اللَّهِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اعزله، فو الله لَئِنْ كَانَ هَذَا حقا لا يعتزل لك إن عزلته. فإنهم كذلك إذ جَاءَ كتاب من قيس بن سَعْد فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَمَّا بَعْدُ، فإني أخبر أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أكرمه اللَّه أن قبلي رجالا معتزلين قَدْ سألوني أن أكف عَنْهُمْ، وأن أدعهم عَلَى حالهم حَتَّى يستقيم أمر الناس، فنرى ويروا رأيهم، فقد رأيت أن أكف عَنْهُمْ، وألا أتعجل حربهم، وأن أتألفهم فِيمَا بين ذَلِكَ لعل اللَّه أن يقبل بقلوبهم، ويفرقهم عن ضلالتهم، إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَقَالَ عَبْد اللَّهِ بن جَعْفَر: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا أخوفني أن يكون هَذَا ممالأة لَهُمْ مِنْهُ، فمره يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بقتالهم، فكتب إِلَيْهِ علي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَمَّا بَعْدُ، فسر إِلَى القوم الَّذِينَ ذكرت، فإن دخلوا فِيمَا دخل فِيهِ الْمُسْلِمُونَ وإلا فناجزهم إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فلما أتى قيس بن سَعْد الكتاب فقرأه، لم يتمالك أن كتب إِلَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ: أَمَّا بَعْدُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فقد عجبت لأمرك، أتأمرني بقتال قوم كافين عنك، مفرغيك لقتال عدوك! وإنك متى حاربتهم ساعدوا عَلَيْك عدوك، فأطعني يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، واكفف عَنْهُمْ، فإن الرأي تركهم، والسلام. فلما أتاه هَذَا الكتاب قَالَ لَهُ عَبْد اللَّهِ بن جَعْفَر: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، ابعث مُحَمَّد بن أبي بكر عَلَى مصر يكفك أمرها، واعزل قيسا، وَاللَّهِ لقد بلغني أن قيسا يقول: وَاللَّهِ إن سلطانا لا يتم إلا بقتل مسلمة بن مخلد لسلطان سوء، وَاللَّهِ مَا أحب أن لي ملك الشام إِلَى مصر وأني قتلت ابن المخلد قال:

стр. 2444

وَكَانَ عَبْد اللَّهِ بن جَعْفَر أخا مُحَمَّد بن أبي بكر لأمه، فبعث علي مُحَمَّد بن أبي بكر عَلَى مصر، وعزل عنها قيسا . ولاية مُحَمَّد بن أبي بكر مصر قَالَ هِشَام، عن ابن مخنف: فَحَدَّثَنِي الْحَارِث بن كعب الوالبي- من والبة الأزد- عَنْ أَبِيهِ، أن عَلِيًّا كتب مَعَهُ إِلَى أهل مصر كتابا، فلما قدم بِهِ عَلَى قيس قَالَ لَهُ قيس: مَا بال أَمِير الْمُؤْمِنِينَ! مَا غيره؟ أدخل أحد بيني وبينه؟ قَالَ لَهُ: لا، وهذا السلطان سلطانك؟! قَالَ: لا، وَاللَّهِ لا أقيم معك ساعة واحدة وغضب حين عزله، فخرج منها مقبلا إِلَى الْمَدِينَة، فقدمها، فجاءه حسان بن ثَابِت شامتا بِهِ- وَكَانَ حسان عثمانيا- فَقَالَ لَهُ: نزعك عَلِيّ بن أَبِي طَالِبٍ، وَقَدْ قتلت عُثْمَان فبقي عَلَيْك الإثم، ولم يحسن لك الشكر! فَقَالَ لَهُ قيس بن سَعْد: يَا أعمى القلب والبصر، وَاللَّهِ لولا أن ألقي بين رهطي ورهطك حربا لضربت عنقك، اخرج عني. ثُمَّ إن قيسا خرج هُوَ وسهل بن حنيف حَتَّى قدما عَلَى علي، فخبره قيس، فصدقه علي ثُمَّ إن قيسا وسهلا شهدا مع علي صفين. وأما الزُّهْرِيّ، فإنه قَالَ فِيمَا حَدَّثَنِي بِهِ عَبْد اللَّهِ بن أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَان، قَالَ: حدثني عَبْدُ اللَّهِ، عن يونس، عن الزُّهْرِيّ، أن مُحَمَّد بن أبي بكر قدم مصر وخرج قيس فلحق بِالْمَدِينَةِ، فأخافه مَرْوَان والأسود بن أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، حَتَّى إذا خاف أن يؤخذ أو يقتل، ركب راحلته، فظهر إِلَى علي فبعث مُعَاوِيَة إِلَى مَرْوَان والأسود يتغيظ عليهما، ويقول: أمددتما عليا بقيس بن سعد ورأيه ومكانه، فو الله لو أنكما أمددتماه بمائة ألف مقاتل مَا كَانَ ذَلِكَ بأغيظ لي من إخراجكما قيس بن سَعْد إِلَى علي فقدم قيس بن سَعْد عَلَى علي، فلما باثه الحديث وجاءهم قتل محمد ابن أبي بكر، عرف أن قيس بن سَعْد كَانَ يقاسي أمورا عظاما من المكايدة، وأن من كَانَ يهزه عَلَى عزل قيس بن سَعْدٍ لم ينصح لَهُ، فأطاع علي قيس ابن سَعْد فِي الأمر كله

стр. 2445

قَالَ هِشَامٌ: عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بن كعب الوالبي، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كنت مع مُحَمَّد بن أبي بكر حين قدم مصر، فلما قدم قرأ عَلَيْهِم عهده: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا عَهِدَ عَبْد اللَّهِ علي أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، إِلَى مُحَمَّد بن أبي بكر حين ولاه مصر، وأمره بتقوى اللَّه والطاعة فِي السر والعلانية، وخوف اللَّه فِي الغيب والمشهد، وباللين عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وبالغلظة عَلَى الفاجر، وبالعدل عَلَى أهل الذمة، وبإنصاف المظلوم، وبالشدة عَلَى الظالم، وبالعفو عن الناس، وبالإحسان مَا استطاع، وَاللَّهِ يجزي المحسنين، ويعذب المجرمين وأمره أن يدعو من قبله إِلَى الطاعة والجماعة، فإن لَهُمْ في ذلك من العاقبه وعظيم المثوبه ما لا يقدرون قدره، وَلا يعرفون كنهه، وأمره أن يجبي خراج الأرض عَلَى مَا كَانَتْ تجبى عَلَيْهِ من قبل، لا ينتقص مِنْهُ وَلا يبتدع فِيهِ، ثُمَّ يقسمه بين أهله عَلَى مَا كَانُوا يقسمون عَلَيْهِ من قبل، وأن يلين لَهُمْ جناحه، وأن يواسي بينهم فِي مجلسه ووجهه، وليكن القريب والبعيد فِي الحق سواء وأمره أن يحكم بين الناس بالحق، وأن يقوم بالقسط، وَلا يتبع الهوى، وَلا يخف فِي اللَّه لومة لائم، فإن اللَّه جل ثناؤه مع من اتقى وآثر طاعته وأمره عَلَى مَا سواه وكتب عبيد اللَّهِ بن أبي رافع مولى رَسُول اللَّهِ ص لغرة شهر رمضان. قَالَ: ثُمَّ إن مُحَمَّد بن أبي بكر قام خطيبا، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثنى عليه، ثم قال: الحمد لله الَّذِي هدانا وإياكم لما اختلف فِيهِ من الحق، وبصرنا وإياكم كثيرا مما عمي عنه الجاهلون أَلا إن أَمِير الْمُؤْمِنِينَ ولاني أموركم، وعهد إلي مَا قَدْ سمعتم، وأوصاني بكثير مِنْهُ مشافهة، ولن آلوكم خيرا مَا استطعت، «وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ» ، فإن يكن مَا ترون من إمارتي وأعمالي طاعة لِلَّهِ وتقوى، فاحمدوا اللَّه عَلَى مَا كَانَ

стр. 2446

من ذَلِكَ، فإنه هُوَ الهادي، وإن رأيتم عاملا عمل غير الحق زائغا، فارفعوه إلي، وعاتبوني فِيهِ، فإني بِذَلِكَ أسعد، وَأَنْتُمْ بِذَلِكَ جديرون وفقنا اللَّه وإياكم لصالح الأعمال برحمته، ثُمَّ نزل. وذكر هِشَام، عن أبي مخنف، قَالَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيد بن ظبيان الهمداني، أن مُحَمَّد بن أبي بكر كتب إِلَى مُعَاوِيَةَ بن أَبِي سُفْيَانَ لما ولي، فذكر مكاتبات جرت بينهما كرهت ذكرها لما فِيهِ مما لا يحتمل سماعها العامة قَالَ: ولم يلبث مُحَمَّد بن أبي بكر شهرا كاملا حَتَّى بعث إِلَى أُولَئِكَ القوم المعتزلين الَّذِينَ كَانَ قيس وادعهم فَقَالَ: يَا هَؤُلاءِ، إما أن تدخلوا فِي طاعتنا، وإما أن تخرجوا من بلادنا، فبعثوا إِلَيْهِ: إنا لا نفعل، دعنا حَتَّى ننظر إِلَى مَا تصير إِلَيْهِ أمورنا، وَلا تعجل بحربنا فأبى عَلَيْهِم، فامتنعوا مِنْهُ، وأخذوا حذرهم، فكانت وقعة صفين، وهم لمحمد هائبون، فلما أتاهم صبر مُعَاوِيَة وأهل الشام لعلي، وأن عَلِيًّا وأهل العراق قَدْ رجعوا عن مُعَاوِيَة وأهل الشام، وصار أمرهم إِلَى الحكومة، اجترءوا عَلَى مُحَمَّد بن أبي بكر، وأظهروا لَهُ المبارزة، فلما رَأَى ذَلِكَ مُحَمَّد بعث الْحَارِث بن جمهان الجعفي إِلَى أهل خربتا، وفيها يَزِيد بن الْحَارِث من بني كنانة، فقاتلهم، فقتلوه ثُمَّ بعث إِلَيْهِم رجلا من كلب يدعى ابن مضاهم، فقتلوه. قَالَ أَبُو جَعْفَر: وفي هَذِهِ السنة فِيمَا قيل: قدم ماهويه مرزبان مرو مقرا بالصلح الَّذِي كَانَ جرى بينه وبين ابن عَامِر عَلَى علي. ذكر من قَالَ ذَلِكَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ أَبِي زَكَرِيَّاءَ الْعِجْلانِيِّ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَشْيَاخِهِ، قَالَ: قَدِمَ مَاهُوَيْهِ أَبْرَازَ مَرْزُبَانُ مَرْوَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بَعْدَ الْجَمَلِ مُقِرًّا بِالْصُلْحِ، فَكَتَبَ لَهُ عَلِيٌّ كِتَابًا إِلَى دَهَاقِينِ مَرْوَ وَالأَسَاوِرَةِ وَالْجُنْدِ سلارين وَمَنْ كَانَ فِي مَرْوَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ مَاهُوَيْهِ أَبْرَازَ مَرْزُبَانَ مَرْوَ جَاءَنِي، وَإِنِّي رَضِيتُ

стр. 2447

عَنْهُ وَكَتَبَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلاثِينَ ثُمَّ إِنَّهُمْ كَفَرُوا وَأَغْلَقُوا أَبْرَشَهْرَ . توجيه علي خليد بن طريف إِلَى خُرَاسَان قَالَ عَلِيّ بن مُحَمَّد المدائني: أَخْبَرَنَا أَبُو مخنف، عن حنظلة بن الأعلم، عن ماهان الحنفي، عن الأصبغ بن نباتة المجاشعي، قَالَ: بعث علي خليد بن قرة اليربوعي- ويقال خليد بن طريف- إِلَى خُرَاسَان . ذكر خبر عَمْرو بن الْعَاصِ ومبايعته مُعَاوِيَة وفي هَذِهِ السنة- أعني سنة ست وثلاثين- بايع عَمْرو بن الْعَاصِ مُعَاوِيَة، ووافقه عَلَى محاربة علي، وَكَانَ السبب فِي ذَلِكَ مَا كَتَبَ بِهِ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عن سيف، عن محمد وطلحة وأبي حارثة وَأَبِي عُثْمَانَ، قَالُوا: لما أحيط بعثمان- ﵁ خرج عَمْرو بن الْعَاصِ مِنَ الْمَدِينَةِ متوجها نحو الشام، وَقَالَ: وَاللَّهِ يَا أهل الْمَدِينَة، مَا يقيم بِهَا أحد فيدركه قتل هَذَا الرجل إلا ضربه اللَّه بذل، من لم يستطع نصره فليهرب فسار وسار مَعَهُ ابناه عَبْد اللَّهِ ومحمد، وخرج بعده حسان بن ثَابِت، وتتابع عَلَى ذَلِكَ مَا شاء اللَّه. قَالَ سَيْفٍ، عَنْ أَبِي حَارِثَةَ وَأَبِي عُثْمَانَ، قَالا: بينا عَمْرو بن الْعَاصِ جالس بعجلان وَمَعَهُ ابناه، إذ مر بهم راكب فَقَالُوا: من أين؟ قَالَ: مِنَ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ عَمْرو: مَا اسمك؟ قَالَ: حصيرة قَالَ عَمْرو: حصر الرجل، قَالَ: فما الخبر؟ قَالَ: تركت الرجل محصورا، قَالَ عَمْرو: يقتل ثُمَّ مكثوا أياما، فمر بهم راكب، فَقَالُوا: من أين؟ قَالَ: مِنَ الْمَدِينَةِ، قَالَ عَمْرو: مَا اسمك؟ قَالَ: قتال، قَالَ عَمْرو: قتل الرجل، فما الخبر؟ قَالَ: قتل الرجل قَالَ: ثُمَّ لَمْ يَكُنْ إلا ذَلِكَ إِلَى أن خرجت، ثُمَّ مكثوا أياما، فمر بهم راكب، فَقَالُوا: من أين؟ قَالَ: مِنَ الْمَدِينَةِ، قال عمرو: ما اسمك؟ قال: حرب، قال عمرو: يكون حرب، فما الخبر؟ قَالَ: قتل

стр. 2448

عُثْمَان بن عَفَّانَ ﵁، وبويع لعلي بن أبي طالب، قَالَ عَمْرو: أنا أَبُو عَبْد اللَّهِ، تكون حرب من حك فِيهَا قرحة نكأها، رحم اللَّه عُثْمَان ورضي اللَّه عنه، وغفر لَهُ! فَقَالَ سلامة بن زنباع الجذامي: يَا معشر قريش، إنه وَاللَّهِ قَدْ كَانَ بينكم وبين العرب باب، فاتخذوا بابا إذ كسر الباب. فَقَالَ عَمْرو: وذاك الَّذِي نريد وَلا يصلح الباب إلا أشاف تخرج الحق من حافرة البأس، ويكون الناس فِي العدل سواء، ثُمَّ تمثل عَمْرو فِي بعض ذَلِكَ: يَا لهف نفسي عَلَى مالك ... وهل يصرف اللهف حفظ القدر! أنزع من الحر أودى بهم ... فأعذرهم أم بقومي سكر! ثُمَّ ارتحل راجلا يبكي كما تبكي المرأة، ويقول: وا عثماناه! أنعى الحياء والدين! حَتَّى قدم دمشق، وَقَدْ كَانَ سقط إِلَيْهِ من الَّذِي يكون علم، فعمل عَلَيْهِ. كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن ابى عثمان، قال: كان النبي ص قَدْ بعث عمرا إِلَى عمان، فسمع هنالك من حبر شَيْئًا، فلما رَأَى مصداقه وَهُوَ هُنَاكَ أرسل إِلَى ذَلِكَ الحبر، فَقَالَ: حَدِّثْنِي بوفاه رسول الله ص، وأخبرني من يكون بعده؟ قَالَ: الَّذِي كتب إليك يكون بعده، ومدته قصيرة، قَالَ: ثُمَّ من؟ قَالَ: رجل من قومه مثله فِي المنزلة، قَالَ: فما مدته؟ قَالَ: طويلة، ثُمَّ يقتل قال: غيله أم عن ملا؟ قَالَ: غيلة، قَالَ: فمن يلي بعده؟ قَالَ: رجل من قومه مثله فِي المنزلة، قَالَ: فما مدته؟ قَالَ: طويلة، ثُمَّ يقتل، قَالَ: أغيلة أم عن ملإ؟ قَالَ: عن ملإ قَالَ: ذَلِكَ أشد، فمن يلي بعده؟ قَالَ: رجل من قومه ينتشر عليه الناس، وتكون عَلَى رأسه حرب شديدة بين الناس، ثُمَّ يقتل قبل أن يجتمعوا عَلَيْهِ، قَالَ: أغيلة أم عن ملا؟ قَالَ: غيلة، ثُمَّ لا يرون مثله قَالَ: فمن يلي بعده؟ قَالَ:

стр. 2449

أَمِير الأرض المقدسة، فيطول ملكه، فيجتمع أهل تِلَكَ الفرقة وَذَلِكَ الانتشار عَلَيْهِ، ثُمَّ يموت. وأما الْوَاقِدِيّ، فإنه فِيمَا حَدَّثَنِي مُوسَى بن يَعْقُوب، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: لما بلغ عمرا قتل عُثْمَان ﵁، قَالَ: أنا عَبْد اللَّهِ، قتلته وأنا بوادي السباع، من يلي هَذَا الأمر من بعده! إن يله طَلْحَة فهو فتى العرب سيبا، وإن يله ابن أبي طالب فلا أراه إلا سيستنظف الحق، وَهُوَ أكره من يليه إلي قَالَ: فبلغه أن عَلِيًّا قَدْ بويع لَهُ، فاشتد عَلَيْهِ، وتربص أياما ينظر مَا يصنع الناس، فبلغه مسير طَلْحَة وَالزُّبَيْر وعائشة وَقَالَ: استأني وأنظر مَا يصنعون، فأتاه الخبر أن طَلْحَة وَالزُّبَيْر قَدْ قتلا، فأرتج عَلَيْهِ أمره، فَقَالَ لَهُ قائل: إن مُعَاوِيَة بِالشَّامِ لا يريد ان يبايع لعلى، فلو قاربت مُعَاوِيَة! فكان مُعَاوِيَة أحب إِلَيْهِ من عَلِيّ بن أَبِي طَالِبٍ وقيل لَهُ: إن مُعَاوِيَة يعظم شأن قتل عُثْمَان بن عَفَّانَ، ويحرض عَلَى الطلب بدمه، فَقَالَ عَمْرو: ادعوا لي محمدا وعبد اللَّه، فدعيا لَهُ، فَقَالَ: قَدْ كَانَ مَا قَدْ بلغكما من قتل عُثْمَان ﵁، وبيعة الناس لعلي، وما يرصد مُعَاوِيَة من مخالفة علي، وَقَالَ: مَا تريان؟ أما علي فلا خير عنده، وَهُوَ رجل يدل بسابقته، وَهُوَ غير مشركي فِي شَيْءٍ من أمره فَقَالَ عَبْد اللَّهِ بن عمرو: توفى النبي ص وَهُوَ عنك راض، وتوفي أَبُو بَكْر ﵁ وَهُوَ عنك راض، وتوفي عمر ﵁ وَهُوَ عنك راض، أَرَى أن تكف يدك، وتجلس فِي بيتك، حَتَّى يجتمع الناس عَلَى إمام فتبايعه وَقَالَ مُحَمَّد بن عَمْرو: أنت ناب من أنياب العرب، فلا أَرَى أن يجتمع هَذَا الأمر وليس لك فِيهِ صوت وَلا ذكر قَالَ عَمْرو: أما أنت يَا عَبْد اللَّهِ فأمرتني بِالَّذِي هو خير لي في آخرتي، وأسلم فِي ديني، وأما أنت يَا مُحَمَّد فأمرتني بِالَّذِي أنبه لي فِي دنياي، وشر لي فِي آخرتي ثُمَّ خرج عَمْرو بن الْعَاصِ وَمَعَهُ ابناه حَتَّى قدم عَلَى مُعَاوِيَة، فوجد أهل الشام يحضون مُعَاوِيَة عَلَى الطلب بدم عُثْمَان، فَقَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ: أنتم عَلَى الحق، اطلبوا بدم الخليفة المظلوم- ومعاويه

стр. 2450

لا يلتفت إِلَى قول عَمْرو- فَقَالَ ابنا عَمْرو لعمرو: أَلا ترى إِلَى مُعَاوِيَةَ لا يلتفت إِلَى قولك! انصرف إِلَى غيره فدخل عَمْرو عَلَى مُعَاوِيَة فَقَالَ: وَاللَّهِ لعجب لك! إني أرفدك بِمَا أرفدك وأنت معرض عني! أما وَاللَّهِ إن قاتلنا معك نطلب بدم الخليفة إن فِي النفس من ذَلِكَ مَا فِيهَا، حَيْثُ نقاتل من تعلم سابقته وفضله وقرابته، ولكنا إنما أردنا هَذِهِ الدُّنْيَا فصالحه مُعَاوِيَة وعطف عَلَيْهِ . توجيه عَلِيّ بن أبي طالب جرير بن عَبْدِ اللَّهِ البجلي إِلَى مُعَاوِيَةَ يدعوه إِلَى الدخول فِي طاعته وفي هَذِهِ السنة وجه علي عِنْدَ منصرفه مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى الْكُوفَةِ وفراغه من الجمل جرير بن عَبْدِ اللَّهِ البجلي إِلَى مُعَاوِيَةَ يدعوه إِلَى بيعته، وَكَانَ جرير حين خرج علي إِلَى الْبَصْرَة لقتال من قاتله بِهَا بهمذان عاملا عَلَيْهَا، كَانَ عُثْمَان استعمله عَلَيْهَا، وَكَانَ الأشعث بن قيس عَلَى أذربيجان عاملا عَلَيْهَا، كَانَ عُثْمَان استعمله عَلَيْهَا، فلما قدم علي الْكُوفَة منصرفا إِلَيْهَا مِنَ الْبَصْرَةِ، كتب إليهما يأمرهما بأخذ البيعة لَهُ عَلَى من قبلهما مِنَ النَّاسِ، والانصراف إِلَيْهِ ففعلا ذَلِكَ، وانصرفا إِلَيْهِ. فلما أراد علي توجيه الرسول إِلَى مُعَاوِيَةَ، قَالَ جرير بن عَبْدِ اللَّهِ- فِيمَا حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ، عن عوانة-: ابعثني إِلَيْهِ، فإنه لي ود حَتَّى آتيه فأدعوه إِلَى الدخول فِي طاعتك، فقال الاشتر لعلى: لا تبعثه، فو الله إني لأظن هواه مَعَهُ، فَقَالَ علي: دعه حَتَّى ننظر مَا الَّذِي يرجع بِهِ إلينا، فبعثه إِلَيْهِ، وكتب مَعَهُ كتابا يعلمه فِيهِ باجتماع الْمُهَاجِرِينَ والأنصار عَلَى بيعته، ونكث طَلْحَة وَالزُّبَيْر، وما كَانَ من حربه إياهما، ويدعوه إِلَى الدخول فِيمَا دخل فِيهِ الْمُهَاجِرُونَ والأنصار من طاعته، فشخص إِلَيْهِ جرير، فلما قدم عَلَيْهِ ماطله واستنظره، ودعا عمرا فاستشاره فِيمَا كتب بِهِ إِلَيْهِ، فأشار عَلَيْهِ أن يرسل إِلَى وجوه الشام، ويلزم عَلِيًّا دم عُثْمَان، ويقاتله

стр. 2451

بهم، ففعل ذَلِكَ مُعَاوِيَة، وَكَانَ أهل الشام- فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ يَذْكُرُ أَنَّ شُعَيْبًا حَدَّثَهُ عَنْ سَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ- لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمُ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ بِقَمِيصِ عُثْمَانَ ﵁ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ مُخَضَّبًا بِدَمِهِ وَبِأَصَابِعِ نَائِلَةَ زَوْجَتِهِ مَقْطُوعَةً بِالْبَرَاجِمِ، إِصْبَعَانِ مِنْهَا وَشَيْءٌ مِنَ الْكَفِّ، وَإِصْبَعَانِ مَقْطُوعَتَانِ مِنْ أُصُولِهِمَا وَنَصْفُ الإِبْهَامِ- وَضَعَ مُعَاوِيَةُ الْقَمِيصُ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَكَتَبَ بِالْخَبَرِ إِلَى الأَجْنَادِ، وَثَابَ إِلَيْهِ النَّاسُ، وَبَكَوْا سَنَةً وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالأَصَابِعِ مُعَلَّقَةً فِيهِ، وَآلَى الرِّجَالُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَلا يَأْتُوا النِّسَاءَ، وَلا يَمَسَّهُمُ الْمَاءَ لِلْغُسْلِ إِلا مِنَ احْتِلامٍ، وَلا يَنَامُوا عَلَى الْفُرُشِ حَتَّى يَقْتُلُوا قَتَلَةَ عُثْمَانَ، وَمَنْ عَرَضَ دُونَهُمْ بِشَيْءٍ أَوْ تَفْنَى أَرْوَاحُهُمْ فَمَكَثُوا حَوْلَ الْقَمِيصِ سَنَةً، وَالْقَمِيصُ يُوضَعُ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى الْمِنْبَرِ وَيُجَلِّلُهُ أَحْيَانًا فَيَلْبَسُهُ وَعَلَّقَ فِي أَرْدَانِهِ أَصَابِعَ نَائِلَةَ ﵂ فلما قدم جرير بن عَبْدِ اللَّهِ عَلَى علي- فِيمَا حَدَّثَنِي عمر بن شبة، قال: حدثنا أبو الحسن، عن عوانة- فأخبره خبر مُعَاوِيَة واجتماع أهل الشام مَعَهُ عَلَى قتاله، وأنهم يبكون عَلَى عُثْمَانَ، ويقولون: إن عَلِيًّا قتله، وآوى قتلته، وانهم لا ينتهون عنه حَتَّى يقتلهم أو يقتلوه فَقَالَ الأَشْتَر لعلي: قَدْ كنت نهيتك أن تبعث جريرا، وأخبرتك بعداوته وغشه، ولو كنت بعثتني كَانَ خيرا من هَذَا الَّذِي أقام عنده حَتَّى لم يدع بابا يرجو فتحه إلا فتحه، وَلا بابا يخاف مِنْهُ إلا أغلقه فَقَالَ جرير: لو كنت ثمّ لقتلوك، لقد ذكروا أنك من قتلة عُثْمَان ﵁، فَقَالَ الأَشْتَر: لو أتيتهم وَاللَّهِ يَا جرير لم يعيني جوابهم، ولحملت مُعَاوِيَة عَلَى خطة أعجله فِيهَا عن الفكر، ولو أطاعني فيك أَمِير الْمُؤْمِنِينَ لحبسك وأشباهك فِي محبس لا تخرجون مِنْهُ حَتَّى تستقيم هَذِهِ الأمور. فخرج جرير بن عَبْدِ اللَّهِ إِلَى قرقيسياء، وكتب إِلَى مُعَاوِيَةَ، فكتب إِلَيْهِ يأمره بالقدوم عَلَيْهِ وخرج أَمِير الْمُؤْمِنِينَ فعسكر بالنخيلة، وقدم عَلَيْهِ عَبْد اللَّهِ بن عَبَّاسٍ بمن نهض مَعَهُ من أهل الْبَصْرَةِ

стр. 2452

خروج عَلِيّ بن أبي طالب إِلَى صفين حَدَّثَنِي عبد الله بن أحمد المروزي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ، أَنَّ عَلِيًّا لَمَّا اسْتَخْلَفَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَلَى الْبَصْرَةِ سَارَ مِنْهَا إِلَى الْكُوفَةِ، فَتَهَيَّأَ فِيهَا إِلَى صِفِّينَ، فَاسْتَشَارَ النَّاسَ فِي ذَلِكَ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ قَوْمٌ أَنْ يَبْعَثَ الْجُنُودَ وَيُقِيمُ، وَأَشَارَ آخَرُونَ بِالْمَسِيرِ فَأَبَى إِلا الْمُبَاشَرَةَ، فَجَهَّزَ النَّاسَ فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ، فَدَعَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فَاسْتَشَارَهُ فَقَالَ: أَمَا إذ بلغك أَنَّهُ يَسِيرُ فَسِرْ بِنَفْسِكَ، وَلا تَغِبْ عَنْهُ بِرَأْيِكَ وَمَكِيدَتِكَ قَالَ: أَمَا إِذًا يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَجَهِّزِ النَّاسَ فَجَاءَ عَمْرٌو فَحَضَّضَ النَّاسَ، وَضَعَّفَ عَلِيًّا وأَصْحَابَهُ، وَقَالَ: إِنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ قَدْ فَرَّقُوا جَمْعَهُمْ، وَأَوْهَنُوا شَوْكَتَهُمْ، وَفَلُّوا حَدَّهُمْ. ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ مُخَالِفُونَ لِعَلِيٍّ، قد وَتَرَهُمْ وَقَتَلَهُمْ، وَقَدْ تَفَانَتْ صَنَادِيدُهُمْ وَصَنَادِيدُ أَهْلِ الْكُوفَةِ يَوْمَ الْجَمَلِ، وَإِنَّمَا سَارَ فِي شِرْذِمَةٍ قليله، ومنهم من قد قَتَلَ خَلِيفَتُكُمْ، فَاللَّهَ اللَّهَ فِي حَقِّكُمْ أَنْ تُضَيِّعُوهُ، وَفِي دَمِّكُمْ أَنْ تُبْطِلُوهُ! وَكَتَبَ فِي أَجْنَادِ أَهْلِ الشَّامِ، وَعَقَدَ لِوَاءَهُ لِعَمْرٍو، فَعَقَدَ لِوَرْدَانَ غُلامِهِ فِيمَنْ عَقَدَ، وَلابْنَيْهِ عَبْدِ اللَّهِ وَمُحَمَّدٍ، وَعَقَدَ عَلِيٌّ لِغُلامِهِ قَنْبَرٍ، ثُمَّ قَالَ عَمْرٌو: هَلْ يُغْنِيَنَّ وَرْدَانُ عَنِّي قَنْبَرًا ... وَتُغْنِي السَّكُونُ عَنِّي حَمْيَرَا إِذَا الْكُمَاةُ لَبِسُوا السِّنَّوْرَا. فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ: لأُصَبِّحَنَّ الْعَاصِي ابْنَ الْعَاصِي ... سَبْعِينَ أَلْفًا عَاقِدِي النَّوَاصِي مُجَنِّبِينَ الْخَيْلَ بِالْقِلاصِ ... مُسْتَحْقِبِينَ حَلْقَ الدِّلاصِ فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةُ قَالَ: مَا أَرَى ابْنَ أَبِي طَالِبٍ إِلا قَدْ وَفَّى لَكَ، فَجَاءَ مُعَاوِيَةُ يَتَأَنَّى فِي مَسِيرِهِ وَكَتَبَ إِلَى كُلِّ مَنْ كَانَ يَرَى أَنَّهُ يَخَافُ عَلِيًّا

стр. 2453

أَوْ طَعَنَ عَلَيْهِ وَمَنْ أَعْظَمَ دَمَ عُثْمَانَ وَاسْتَعْوَاهُمْ إِلَيْهِ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْوَلِيدُ بَعَثَ إِلَيْهِ يَقُولُ: أَلا أَبْلِغْ مُعَاوِيَةَ بْنَ حَرْبٍ ... فَإِنَّكَ مِنْ أَخِي ثِقَةِ مُلِيمُ قَطَعْتَ الدَّهْرَ كَالسَّدَمِ الْمُعَنَّى ... تَهَدَّرْ فِي دِمَشْقَ فَمَا تُرِيمُ وَإِنَّكَ وَالْكِتَابُ إِلَى عَلِيٍّ ... كَدَابِغَةٍ وَقَدْ حَلُمَ الأَدِيمُ يُمَنِّيكَ الإِمَارَةَ كُلُّ رَكْبٍ ... لأَنْقَاضِ الْعِرَاقِ بِهَا رَسِيمُ وَلَيْسَ أَخُو التِّرَاتِ بِمَنْ تَوَانَى ... وَلَكِنْ طَالِبَ التِّرَةِ الْغَشُومُ وَلَوْ كُنْتُ الْقَتِيلَ وَكَانَ حَيًّا ... لَجَرَّدَ، لا أَلِفُّ وَلا سَئُومُ وَلا نَكِلٌ عَنِ الأَوْتَارِ حَتَّى ... يَبِيءَ بِهَا، وَلا بَرِمٌ جَثُومُ وَقَوْمُكَ بِالْمَدِينَةِ قَدْ أُبِيرُوا ... فَهُمْ صَرْعَى كَأَنَّهُمُ الْهَشِيمُ وَقَالَ غَيْرُ أَبِي بَكْرٍ: فَدَعَا مُعَاوِيَةُ شَدَّادَ بْنَ قَيْسٍ كَاتِبَهُ وَقَالَ: ابْغِنِي طُومَارًا، فَأَتَاهُ بِطُومَارٍ، فَأَخَذَ الْقَلَمَ فَكَتَبَ، فَقَالَ: لا تَعْجَلْ، اكْتُبْ: وَمُسْتَعْجِبٍ مِمَّا يَرَى مِنْ أَنَّاتِنَا ... وَلَوْ زَبِنَتْهُ الْحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ ثُمَّ قَالَ: اطْوِ الطُّومَارَ، فَأَرْسَلَ بِهِ إِلَى الْوَلِيدِ، فَلَمَّا فَتَحَهُ لَمْ يَجِدْ فِيهِ غَيْرَ هَذَا الْبَيْتِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ: وَكَتَبَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ حَيْثُ سَارَ على بن

стр. 2454

أَبِي طَالِبٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ بَيْتَيْنِ: أَبْلِغْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ... أَخَا الْعِرَاقِ إِذَا أَتَيْتَا أَنَّ الْعِرَاقَ وَأَهْلَهَا ... عُنُقٌ إِلَيْكَ فَهَيْتَ هَيْتَا عَاد الحديث إِلَى حديث عوانة فبعث علي زياد بن النضر الحارثي طليعة فِي ثمانية آلاف، وبعث معه شريح بن هاني فِي أربعة آلاف، وخرج علي من النخيلة بمن مَعَهُ، فلما دخل المدائن شخص مَعَهُ من فِيهَا من المقاتلة، وولى عَلَى المدائن سعد بن مسعود الثقفي عم المختار بن أبي عبيد، ووجه علي من المدائن معقل بن قيس فِي ثلاثة آلاف، وأمره أن يأخذ عَلَى الموصل حَتَّى يوافيه . مَا أمر بِهِ عَلِيّ بن أبي طالب من عمل الجسر عَلَى الفرات فلما انتهى علي إِلَى الرقة قَالَ فِيمَا حُدِّثْتُ عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي مخنف، قَالَ: حَدَّثَنِي الحجاج بن علي، عن عَبْد اللَّهِ بن عمار بن عَبْدِ يَغُوثَ البارقي- لأهل الرقة: اجسروا لي جسرا حَتَّى أعبر من هَذَا المكان إِلَى الشام، فأبوا وَقَدْ كَانُوا ضموا إِلَيْهِم السفن، فنهض من عندهم ليعبر من جسر منبج، وخلف عَلَيْهِم الأَشْتَر، وذهب ليمضي بِالنَّاسِ كيما يعبر بهم عَلَى جسر منبج، فناداهم الأَشْتَر، فَقَالَ: يَا أهل هَذَا الحصن، أَلا إني أقسم لكم بِاللَّهِ ، لَئِنْ مضى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ ولم تجسروا لَهُ عِنْدَ مدينتكم جسرا حَتَّى يعبر لأجردن فيكم السيف، ثُمَّ لأقتلن الرجال ولأخربن الأرض، ولآخذن الأموال قَالَ: فلقي بعضهم بعضا، فَقَالُوا: أليس الأَشْتَر يفي بِمَا حلف عَلَيْهِ، أو يأتي بشر مِنْهُ؟ قَالُوا: نعم، فبعثوا إِلَيْهِ: إنا ناصبون لكم جسرا، فأقبلوا، وجاء علي فنصبوا لَهُ الجسر، فعبر عَلَيْهِ بالأثقال والرجال ثُمَّ أمر علي الأَشْتَر فوقف فِي ثلاثة آلاف فارس، حتى

стр. 2455

لم يبق مِنَ النَّاسِ أحد إلا عبر، ثُمَّ إنه عبر آخر الناس رجلا. قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي الحجاج بن علي، عن عَبْد اللَّهِ بن عمار بن عَبْدِ يَغُوثَ، أن الخيل حين عبرت زحم بعضها بعضا، فسقطت قلنسوة عَبْد اللَّهِ بن أبي الحصين الأَزْدِيّ، فنزل فأخذها ثُمَّ ركب، وسقطت قلنسوة عَبْد اللَّهِ بن الحجاج الأَزْدِيّ، فنزل فأخذها، ثُمَّ ركب، وَقَالَ لصاحبه: فإن يك ظن الزاجري الطير صادقا ... كما زعموا أقتل وشيكا وتقتل فَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّهِ بن أبي الحصين: مَا شَيْء أوتاه أحب إلي مما ذكرت، فقتلا جميعا يوم صفين. قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي خَالِد بن قطن الحارثي، أن عَلِيًّا لما قطع الفرات دعا زياد بن النضر، وشريح بن هانئ، فسرحهما أمامه نحو مُعَاوِيَة عَلَى حالهما الَّتِي كانا خرجا عَلَيْهَا من الْكُوفَة قَالَ: وَقَدْ كانا حَيْثُ سرحهما من الْكُوفَة أخذا عَلَى شاطئ الفرات من قبل البر مما يلي الْكُوفَة حَتَّى بلغا عانات، فبلغهما أخذ علي عَلَى طريق الجزيرة، وبلغهما أن مُعَاوِيَة قَدْ أقبل من دمشق فِي جنود أهل الشام لاستقبال علي، فقالا: لا وَاللَّهِ مَا هَذَا لنا برأي، أن نسير وبيننا وبين الْمُسْلِمِينَ وأمير الْمُؤْمِنِينَ هَذَا البحر! وما لنا خير فِي أن نلقى جنود أهل الشام بقلة من معنا منقطعين من العدد والمدد فذهبوا ليعبروا من عانات، فمنعهم أهل عانات، وحبسوا عَنْهُمُ السفن، فأقبلوا راجعين حَتَّى عبروا من هيت، ثُمَّ لحقوا عَلِيًّا بقرية دون قرقيسياء، وَقَدْ أرادوا أهل عانات، فتحصنوا وفروا، ولما لحقت المقدمة عَلِيًّا قَالَ: مقدمتي تأتيني من ورائي فتقدم إِلَيْهِ زياد بن النضر الحارثي وشريح بن هانئ، فأخبراه بِالَّذِي رأيا حين بلغهما من الأمر مَا بلغهما، فَقَالَ: سددتما ثُمَّ مضى علي، فلما عبر الفرات قدمهما أمامه نحو مُعَاوِيَة، فلما انتهيا إِلَى سور الروم لقيهما أَبُو الأعور السلمي عَمْرو بن سُفْيَان فِي جند من أهل الشام، فأرسلا إِلَى علي: إنا قد لقينا أبا الأعور السلمي فِي جند من
следующие страницы →