Полный текст (6 431 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
الطريق عَلَى الحاج ويخيفون السبيل، فلو أخرجتهم معك! قَالَ: فأخرج قوما من بني تميم، مِنْهُمْ مالك بن الريب المازني فِي فتيان كَانُوا مَعَهُ، وفيهم يقول الراجز:
ألله أنجاك من القصيم ... ومن أبي حردبة الأثيم
ومن غويث فاتح العكوم ... ومالك وسيفه المسموم
قَالَ علي: قَالَ مسلمة: قدم سَعِيد بن عُثْمَانَ، فقطع النهر إِلَى سمرقند، فخرج إِلَيْهِ أهل الصغد، فتواقفوا يَوْمًا إِلَى الليل ثُمَّ انصرفوا مِنْ غَيْرِ قتال، فَقَالَ مالك بن الريب يذم سعيدا:
ما زلت يوم الصغد ترعد واقفا ... من الجبن حَتَّى خفت أن تتنصرا
وما كَانَ فِي عُثْمَان شَيْء علمته ... سوى نسله فِي رهطه حين أدبرا
ولولا بنو حرب لظلت دماؤكم ... بطون العظايا من كسير وأعورا
قَالَ: فلما كَانَ الغد خرج إِلَيْهِم سَعِيد بن عُثْمَانَ، وناهضه الصغد، فقاتلهم فهزمهم وحصرهم فِي مدينتهم، فصالحوه وأعطوه رهنا مِنْهُمْ خمسين غلاما يكونون فِي يده من أبناء عظمائهم، وعبر فأقام بالترمذ، ولم يف لَهُمْ، وجاء بالغلمان الرهن مَعَهُ إِلَى الْمَدِينَة.
قَالَ: وقدم سَعِيد بن عُثْمَانَ خُرَاسَان وأسلم بن زرعة الكلابي بِهَا من قبل عُبَيْد اللَّهِ بن زياد، فلم يزل أسلم بن زرعة بِهَا مقيما حَتَّى كتب إِلَيْهِ عُبَيْد اللَّهِ بن زياد بعهده عَلَى خُرَاسَان الثانية، فلما قدم كتاب عُبَيْد اللَّهِ عَلَى أسلم طرق سَعِيد بن عُثْمَانَ ليلا، فأسقطت جارية لَهُ غلاما، فكان سَعِيد
стр. 2767
يقول: لأقتلن بِهِ رجلا من بني حرب، وقدم عَلَى مُعَاوِيَة فشكا أسلم إِلَيْهِ، وغضبت القيسية، قَالَ: فدخل همام بن قبيصة النمري فنظر إِلَيْهِ مُعَاوِيَة محمر العينين، فَقَالَ: يَا همام، إن عينيك لمحمرتان، قَالَ همام: كانتا يوم صفين أشد حمرة، فغم مُعَاوِيَة ذَلِكَ، فلما رَأَى ذَلِكَ سَعِيد كف عن أسلم، فأقام أسلم بن زرعة عَلَى خُرَاسَان واليا لعبيد اللَّه بن زياد سنتين
стр. 2768
ثُمَّ دخلت
سنة سبع وخمسين
وَكَانَ فِيهَا مشتى عَبْد اللَّهِ بن قيس بأرض الروم.
وفيها صرف مَرْوَان عن الْمَدِينَة فِي ذي القعدة فِي قول الْوَاقِدِيّ، وَقَالَ غيره: كَانَ مروان اليه الْمَدِينَة فِي هَذِهِ السنة.
وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: استعمل مُعَاوِيَة عَلَى الْمَدِينَة حين صرف عنها مَرْوَان الْوَلِيد بن عتبة بن أَبِي سُفْيَانَ.
وكالذي قَالَ الْوَاقِدِيُّ قَالَ أَبُو معشر، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أحمد بْن ثابت الرازي، عمن حدثه، عن إِسْحَاق بْن عِيسَى، عنه.
وَكَانَ العامل عَلَى الْكُوفَة فِي هَذِهِ السنة الضحاك بن قيس، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد، وعلى خُرَاسَان سَعِيد بن عُثْمَانَ بن عَفَّانَ.
стр. 2769
ثُمَّ دخلت
سنة ثمان وخمسين
(ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث) ففيها نزع مُعَاوِيَة مَرْوَان عن الْمَدِينَة فِي ذي القعدة فِي قول أبي معشر، وأمر الْوَلِيد بن عتبة بن أَبِي سُفْيَانَ عَلَيْهَا، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَحْمَد بْن ثَابِت عمن ذكره، عن إِسْحَاق بن عِيسَى، عنه.
وفيها غزا مالك بن عَبْدِ اللَّهِ الخثعمي أرض الروم.
وفيها قتل يَزِيد بن شجرة فِي البحر فِي السفن فِي قول الْوَاقِدِيّ قَالَ:
ويقال عَمْرو بن يَزِيدَ الجهني، وَكَانَ الَّذِي شتا بأرض الروم، وقد قيل:
ان الَّذِي غزا فِي البحر فِي هَذِهِ السنة جُنَادَة بن أَبِي أُمَيَّةَ.
وحج بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السنة الْوَلِيد بن عتبة بن أَبِي سُفْيَانَ، كذلك حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْن ثَابِت عمن ذكره، عن إِسْحَاق بْن عِيسَى، عن أبي معشر، وكذلك قَالَ الواقدى وغيره.
عزل الضحاك عن الكوفه واستعمال عبد الرحمن بن أم الحكم
وفي هَذِهِ السنة ولى مُعَاوِيَة الْكُوفَة عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُثْمَانَ بن رَبِيعَة الثقفي، وَهُوَ ابن أم الحكم أخت مُعَاوِيَة بن أَبِي سُفْيَانَ، وعزل عنها الضحاك بن قيس، ففي عمله فِي هَذِهِ السنة خرجت الطائفة الَّذِينَ كَانَ الْمُغِيرَة بن شُعْبَةَ حبسهم فِي السجن من الخوارج الَّذِينَ كَانُوا بايعوا المستورد بن علفة، فظفر بهم فاستودعهم السجن، فلما مات الْمُغِيرَة خرجوا من السجن.
فذكر هِشَام بن مُحَمَّدٍ أن أبا مخنف، حدثه عن عبد الرَّحْمَن بن جندب، عن عَبْد اللَّهِ بن عُقْبَةَ الغنوي أن حيان بن ظبيان السلمي جمع إِلَيْهِ أَصْحَابه، ثُمَّ إنه حمد اللَّه وأثنى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَمَّا بَعْدُ، فإن الله عز
стр. 2770
وَجَلَّ كتب علينا الجهاد، فمنا مَنْ قَضى نَحْبَهُ، ومنا مَنْ يَنْتَظِرُ، وأولئك الأبرار الفائزون بفضلهم، ومن يكن منا من ينتظر فهو من سلفنا القاضين نحبهم، السابقين بإحسان، فمن كَانَ مِنْكُمْ يريد اللَّه وثوابه فليسلك سبيل أَصْحَابه وإخوانه يؤته اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ مع الْمُحْسِنِينَ.
قَالَ معاذ بن جوين الطَّائِيّ: يَا أهل الإِسْلام، إنا وَاللَّهِ لو علمنا أنا إذا تركنا جهاد الظلمة وإنكار الجور، كَانَ لنا بِهِ عِنْدَ اللَّه عذر، لكان تركه أيسر علينا، وأخف من ركوبه، ولكنا قَدْ علمنا واستيقنا أنه لا عذر لنا، وَقَدْ جعل لنا القلوب والأسماع حَتَّى ننكر الظلم، ونغير الجور، ونجاهد الظالمين، ثُمَّ قَالَ: ابسط يدك نبايعك، فبايعه وبايعه القوم، فضربوا عَلَى يد حيان بن ظبيان، فبايعوه، وَذَلِكَ فِي إمارة عبد الرَّحْمَن بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ الثقفي، وَهُوَ ابن أم الحكم، وَكَانَ عَلَى شرطته زائدة بن قدامة الثقفي.
ثُمَّ إن القوم اجتمعوا بعد ذَلِكَ بأيام إِلَى منزل معاذ بن جوين بن حصين الطَّائِيّ فَقَالَ لَهُمْ حيان بن ظبيان: عباد اللَّه، أشيروا برأيكم، أين تأمروني أن أخرج؟ فَقَالَ لَهُ معاذ: إني أَرَى أن تسير بنا إِلَى حلوان حَتَّى ننزلها، فإنها كورة بين السهل والجبل، وبين المصر والثغر- يعني بالثغر الري- فمن كَانَ يرى رأينا من أهل المصر والثغر والجبال والسواد لحق بنا فَقَالَ لَهُ حيان: عدوك معاجلك قبل اجتماع الناس إليك، لعمري لا يتركونكم حَتَّى يجتمعوا إليكم، ولكن قَدْ رأيت أن أخرج معكم فِي جانب الْكُوفَة والسبخة أو زرارة والحيرة، ثُمَّ نقاتلهم حَتَّى نلحق بربنا، فإني وَاللَّهِ لقد علمت أنكم لا تقدرون وَأَنْتُمْ دون المائة رجل أن تهزموا عدوكم، ولا ان تشتد نكايتكم فِيهِمْ، ولكن متى علم اللَّه أنكم قَدْ أجهدتم أنفسكم فِي جهاد عدوه وعدوكم كَانَ لكم بِهِ العذر، وخرجتم من الإثم قالوا: رأينا رأيك، فقال لهم عتريس ابن عرقوب أَبُو سُلَيْمَان الشيباني: ولكن لا أَرَى راى جماعتكم، فانظروا في راى لكم، إني لا إخالكم تجهلون معرفتي بالحرب، وتجربتي بالأمور، فَقَالُوا لَهُ: أجل، أنت كما ذكرت، فما رأيك؟ قَالَ: مَا أَرَى أن تخرجوا عَلَى الناس بالمصر، إنكم قليل فِي كثير، وَاللَّهِ مَا تزَيْدون عَلَى أن تجزروهم أنفسكم، وتقروا أعينهم بقتلكم، وليس هكذا تكون المكايدة إذ آثرتم أن
стр. 2771
تخرجوا عَلَى قومكم، فكيدوا عدوكم مَا يضرهم، قَالُوا: فما الرأي؟ قَالَ:
تسيرون إِلَى الكورة الَّتِي أشار بنزولها معاذ بن جوين بن حصين- يعني حلوان- أو تسيرون بنا إِلَى عين التمر فنقيم بِهَا، فإذا سمع بنا إخواننا أتونا من كل جانب وأوب، فَقَالَ لَهُ حيان بن ظبيان: إنك وَاللَّهِ لو سرت بنا أنت وجميع أَصْحَابك نحو أحد هَذَيْنِ الوجهين مَا اطمأننتم بِهِ حَتَّى يلحق بكم خيول أهل المصر، فأنى تشفون أنفسكم! فو الله مَا عدتكم بالكثيرة الَّتِي ينبغي أن تطمعوا معها بالنصر فِي الدُّنْيَا عَلَى الظالمين المعتدين، فاخرجوا بجانب من مصركم هَذَا فقاتلوا عن أمر اللَّه من خالف طاعة اللَّه، وَلا تربصوا وَلا تنتظروا فإنكم إنما تبادرون بِذَلِكَ إِلَى الجنة، وتخرجون أنفسكم بِذَلِكَ من الْفِتْنَة قَالُوا: أما إذا كَانَ لا بد لنا فإنا لن نخالفك، فاخرج حَيْثُ أحببت.
فمكث حَتَّى إذا كَانَ آخر سنة من سني ابن أم الحكم فِي أول السنة- وَهُوَ أول يوم من شهر ربيع الآخر- اجتمع أَصْحَاب حيان بن ظبيان إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ: يَا قوم، إن اللَّه قَدْ جمعكم لخير وعلى خير، وَاللَّهِ الَّذِي لا إله غيره مَا سررت بشيء قط فِي الدُّنْيَا بعد ما أسلمت سروري لمخرجي هَذَا عَلَى الظلمة الاثمه، فو الله مَا أحب أن الدُّنْيَا بحذافيرها لي وأن اللَّه حرمني فِي مخرجي هَذَا الشهادة وأني قَدْ رأيت أن نخرج حَتَّى ننزل جانب دار جرير، فإذا خرج إليكم الأحزاب ناجزتموهم فَقَالَ عتريس بن عرقوب البكري: أما إن نقاتلهم فِي جوف المصر فإنه يقاتلنا الرجال، وتصعد النساء والصبيان والإماء فيرموننا بالحجارة، فَقَالَ لَهُمْ رجل مِنْهُمُ: انزلوا بنا إذا من وراء المصر الجسر- وَهُوَ موضع زرارة، وإنما بنيت زرارة بعد ذَلِكَ إلا أبياتا يسيرة كَانَتْ منها قبل ذَلِكَ- فَقَالَ لَهُمْ معاذ بن جوين بن حصين الطَّائِيّ: لا، بل سيروا بنا فلننزل بانقيا فما أسرع مَا يأتيكم عدوكم، فإذا كَانَ ذَلِكَ استقبلنا القوم بوجوهنا، وجعلنا البيوت فِي ظهورنا، فقاتلناهم من وجه واحد فخرجوا، فبعث إِلَيْهِم جيش، فقتلوا جميعا
стр. 2772
ثم ان عبد الرحمن بن أم الحكم طرده أهل الْكُوفَة، فحدثت عن هشام ابن مُحَمَّدٍ، قَالَ: استعمل مُعَاوِيَة ابن أم الحكم عَلَى الْكُوفَة فأساء السيرة فِيهِمْ، فطردوه، فلحق بمعاوية وَهُوَ خاله، فَقَالَ لَهُ: أوليك خيرا منها، مصر، قَالَ: فولاه، فتوجه إِلَيْهَا، وبلغ مُعَاوِيَة بن حديج السكوني الخبر، فخرج فاستقبله عَلَى مرحلتين من مصر، فَقَالَ: ارجع إِلَى خالك فلعمري لا تسير فينا سيرتك فِي إخواننا من أهل الْكُوفَة.
قَالَ: فرجع إِلَى معاويه، واقبل معاويه بن حديج وافدا، قال: وَكَانَ إذا جَاءَ قلست لَهُ الطريق- يعني ضربت لَهُ قباب الريحان- قَالَ: فدخل عَلَى مُعَاوِيَة وعنده أم الحكم، فَقَالَتْ: من هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ:
بخ! هَذَا مُعَاوِيَة بن حديج، قالت: لا مرحبا بِهِ! تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، فَقَالَ: عَلَى رسلك يَا أم الحكم! أما وَاللَّهِ لقد تزوجت فما أكرمت، وولدت فما أنجبت، أردت أن يلي ابنك الفاسق علينا فيسير فينا كما سار فِي إخواننا من أهل الْكُوفَة، مَا كَانَ اللَّه ليريه ذَلِكَ، ولو فعل ذَلِكَ لضربناه ضربا يطأطئ مِنْهُ، وإن كره ذَلِكَ الجالس فالتفت إِلَيْهَا مُعَاوِيَة، فَقَالَ: كفي
. ذكر قتل عروه بن اديه وغيره من الخوارج
. وفي هَذِهِ السنة اشتد عُبَيْد اللَّهِ بن زياد عَلَى الخوارج، فقتل مِنْهُمْ صبرا جماعة كثيرة، وفي الحرب جماعة أخرى، وممن قتل مِنْهُمْ صبرا عروة بن أدية، أخو أبي بلال مِرْدَاس بن أدية.
(ذكر سبب قتله إياهم:) حَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حرب، قَالَ: حَدَّثَنَا وهب بن جرير، قال: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ عَاصِمٍ الأَسَدِيُّ، أَنَّ ابْنَ زِيَادٍ خَرَجَ فِي رِهَانٍ لَهُ، فَلَمَّا جَلَسَ يَنْتَظِرُ الْخَيْلَ اجْتَمَعَ النَّاسُ وَفِيهِمْ عُرْوَةُ بْنُ أُدَيَّةَ أَخُو أَبِي بِلالٍ، فَأَقْبَلَ عَلَى ابْنِ زِيَادٍ فَقَالَ: خَمْسٌ كُنَّ
стр. 2773
فِي الأُمَمِ قَبْلَنَا، فَقَدْ صِرْنَ فِينَا: «أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ» وَخَصْلَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ لَمْ يَحْفَظْهُمَا جَرِيرٌ فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ ظَنَّ ابْنُ زِيَادٍ أَنَّهُ لَمْ يَجْتَرِئْ عَلَى ذَلِكَ إِلا وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَامَ وَرَكِبَ وَتَرَكَ رِهَانَهُ، فَقِيلَ لِعُرْوَةَ:
مَا صَنَعْتَ! تَعْلَمَنَّ وَاللَّهِ لَيَقْتُلَنَّكَ قَالَ: فَتَوَارَى، فَطَلَبَهُ ابْنُ زِيَادٍ، فَأَتَى الْكُوفَةَ، فَأَخَذَ بِهَا، فَقَدِمَ بِهِ عَلَى ابْنِ زِيَادٍ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلاهُ، ثُمَّ دَعَا بِهِ فَقَالَ: كَيْفَ تَرَى؟ قَالَ: أَرَى أَنَّكَ أَفْسَدْتَ دُنْيَايَ وَأَفْسَدْتَ آخِرَتَكَ، فَقَتَلَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى ابْنَتِهِ فَقَتَلَهَا.
وَأَمَّا مِرْدَاسُ بْنُ أُدَيَّةَ فَإِنَّهُ خَرَجَ بِالأَهْوَازِ وَقَدْ كَانَ ابْنُ زِيَادٍ قَبْلَ ذَلِكَ حَبَسَهُ- فِيمَا حَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنِي خَلادُ بْنُ يَزِيدَ الْبَاهِلِيُّ، قَالَ-:
حَبَسَ ابْنُ زِيَادٍ- فِيمَنْ حَبَسَ- مِرْدَاسَ بْنَ أُدَيَّةَ، فَكَانَ السَّجَّانُ يَرَى عِبَادَتَهُ وَاجْتِهَادَهُ، وَكَانَ يَأْذَنُ لَهُ فِي اللَّيْلِ، فَيَنْصَرِفُ، فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ أَتَاهُ حَتَّى يَدْخُلَ السِّجْنَ، وَكَانَ صَدِيقٌ لِمِرْدَاسٍ يُسَامِرُ ابْنَ زِيَادٍ، فَذَكَرَ ابْنُ زِيَادٍ الْخَوَارِجَ لَيْلَةً فَعَزَمَ عَلَى قَتْلِهِمْ إِذَا أَصْبَحَ، فَانْطَلَقَ صَدِيقُ مِرْدَاسٍ إِلَى مَنْزِلِ مِرْدَاسٍ فَأَخْبَرَهُمْ، وَقَالَ: أَرْسِلُوا إِلَى أَبِي بِلالٍ فِي السِّجْنِ فَلْيَعْهَدْ فَإِنَّهُ مَقْتُولٌ، فَسَمِعَ ذَلِكَ مِرْدَاسٌ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ صَاحِبَ السِّجْنِ، فَبَاتَ بِلَيْلَةِ سُوءٍ إِشْفَاقًا مِنْ أَنْ يَعْلَمَ الْخَبَرَ مِرْدَاسٌ فَلا يَرْجِعُ، فَلَمَّا كَانَ الْوَقْتُ الَّذِي كَانَ يَرْجِعُ فِيهِ إِذَا بِهِ قَدْ طَلَعَ، فَقَالَ لَهُ السَّجَّانُ: هَلْ بَلَغَكَ مَا عَزَمَ عَلَيْهِ الأَمِيرُ؟ قَالَ:
نَعَمْ، قَالَ: ثُمَّ غَدَوْتَ! قَالَ: نَعَمْ، وَلَمْ يَكُنْ جَزَاؤُكَ مَعَ إِحْسَانِكَ أَنْ تعاقب بسبي، وَأَصْبَحَ عُبَيْدُ اللَّهِ فَجَعَلَ يَقْتُلُ الْخَوَارِجَ، ثُمَّ دَعَا بِمِرْدَاسٍ، فَلَمَّا حَضَرَ وَثَبَ السَّجَّانُ- وَكَانَ ظِئْرًا لِعُبَيْدِ اللَّهِ- فَأَخَذَ بِقَدَمِهِ، ثُمَّ قَالَ: هب هَذَا، وَقَصَّ عَلَيْهِ قِصَّتَهُ، فَوَهَبَهُ لَهُ وَأَطْلَقَهُ.
حدثني عمر، قَالَ: حَدَّثَنَا زهير بن حرب، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: خرج
стр. 2774
مِرْدَاسٌ أَبُو بِلالٍ- وَهُوَ مِنْ بَنِي رَبِيعَةَ بْنِ حَنْظَلَةَ- فِي أَرْبَعِينَ رَجُلا إِلَى الأَهْوَازِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمُ ابْنُ زِيَادٍ جَيْشًا عَلَيْهِمُ ابْنُ حِصْنٍ التَّمِيمِيُّ، فَقَتَلُوا فِي أَصْحَابِهِ وَهَزَمُوهُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ:
أَأَلْفَا مُؤْمِنٍ مِنْكُمْ زَعَمْتُمْ ... وَيَقْتُلُهُمْ بِآسِكَ أَرْبَعُونَا
كَذَبْتُمْ لَيْسَ ذَاكَ كَمَا زَعَمْتُمْ ... وَلَكِنَّ الْخَوَارِجَ مُؤْمِنُونَا
هِيَ الْفِئَةُ الْقَلِيلَةُ قَدْ عَلِمْتُمْ ... عَلَى الْفِئَةِ الْكَثِيرَةِ يُنْصَرُونَا
قَالَ عُمَرُ: الْبَيْتُ الأَخِيرُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ، أَنْشَدَنِيهِ خَلادُ بْنُ يَزِيدَ الْبَاهِلِيُّ.
وَقِيلَ: مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُمَيْرَةُ بْنُ يَثْرِبِيٍّ قَاضِي الْبَصْرَةِ، وَاسْتُقْضِيَ مَكَانَهُ عَلَيْهَا هِشَامُ بْنُ هُبَيْرَةَ.
وَكَانَ عَلَى الْكُوفَةِ فِي هذه السنه عبد الرحمن بن أُمِّ الْحَكَمِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
كَانَ عَلَيْهَا الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ الْفِهْرِيُّ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ، وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ شُرَيْحٌ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، كَذَلِكَ قَالَ أَبُو مَعْشَرٍ وَالْوَاقِدِيُّ
стр. 2775
ثُمَّ دخلت
سنة تسع وخمسين
(ذكر مَا كَانَ فِيهَا من الأحداث) ففيها كَانَ مشتى عَمْرو بن مُرَّةَ الجهني أرض الروم فِي البر، قَالَ الْوَاقِدِيّ:
لَمْ يَكُنْ عامئذ غزو فِي البحر وَقَالَ غيره: بل غزا فِي البحر جُنَادَة بن أبي أمية.
وفيها عزل عبد الرحمن بن أم الحكم عن الْكُوفَة، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا النُّعْمَان بن بشير الأَنْصَارِيّ، وَقَدْ ذكرنا قبل سبب عزل ابن أم الحكم عن الكوفه.
ذكر ولايه عبد الرحمن بن زياد خراسان
وفي هَذِهِ السنة ولى مُعَاوِيَة عبد الرَّحْمَن بن زياد بن سمية خُرَاسَان.
ذكر سبب استعمال مُعَاوِيَة إِيَّاهُ عَلَى خُرَاسَان:
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو، قَالَ: سَمِعْتُ أَشْيَاخَنَا يَقُولُونَ: قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ وَافِدًا عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَمَا لَنَا حَقٌّ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ:
فَمَاذَا تُوَلِّيَنِي؟ قَالَ: بِالْكُوفَةِ النُّعْمَانُ رشيد، وهو رجل من اصحاب النبي ص، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ عَلَى الْبَصْرَةِ وَخُرَاسَانَ، وَعَبَّادُ بْنُ زِيَادٍ عَلَى سِجِسْتَانَ، وَلَسْتُ أَرَى عَمَلا يُشْبِهُكَ إِلا أَنْ أُشْرِكَكَ فِي عَمَلِ أَخِيكَ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ أَشْرِكْنِي، فَإِنَّ عَمَلَهُ وَاسِعٌ يَحْتَمِلُ الشِّرْكَةَ، فَوَلاهُ خُرَاسَانَ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَذَكَرَ أَبُو حَفْصٍ الأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا قَيْسُ بْنُ الْهَيْثَمِ السُّلَمِيُّ، وَقَدْ وَجَّهَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ، فَأَخَذَ اسلم بن
стр. 2776
زُرْعَةَ فَحَبَسَهُ، ثُمَّ قَدِمَ عَبْدُ الرَّحَمْنِ، فَأَغْرَمَ اسلم بن زرعه ثلاثمائة أَلْفِ دِرْهَمٍ.
قَالَ: وَذَكَرَ مُصْعَبُ بْنُ حَيَّانَ، عَنْ أَخِيهِ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، قَالَ:
قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ خُرَاسَانَ، فَقَدِمَ رَجُلٌ سَخِيٌّ حَرِيصٌ ضَعِيفٌ لَمْ يَغْزُ غَزْوَةً وَاحِدَةً، وَقَدْ أَقَامَ بِخُرَاسَانَ سَنَتَيْنِ.
قَالَ عَلِيٌّ: قَالَ عَوَانَةَ: قَدِمَ عَبْدُ الرَّحَمْنِ بْنُ زِيَادٍ عَلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ مِنْ خُرَاسَانَ بَعْدَ قَتْلِ الحسين ع، واستخلف على خراسان قيس ابن الهيثم.
قال: وحدثنى مسلمه بْنُ مُحَارِبٍ وَأَبُو حَفْصٍ، قَالا: قَالَ يَزِيدُ لعبد الرحمن ابن زِيَادٍ: كَمْ قَدِمْتُ بِهِ مَعَكَ مِنَ الْمَالِ مِنْ خُرَاسَانَ؟ قَالَ: عِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، قَالَ: إِنْ شِئْتَ حَاسَبْنَاكَ وَقَبَضْنَاهَا مِنْكَ، وَرَدَدْنَاكَ عَلَى عَمَلِكَ، وَإِنْ شِئْتَ سَوَّغْنَاكَ وَعَزَلْنَاكَ، وَتُعْطِي عبد الله بن جعفر خمسمائة أَلْفِ دِرْهَمٍ، قَالَ: بَلْ تُسَوِّغُنِي مَا قُلْتَ، وَيُسْتَعْمَلُ عَلَيْهَا غَيْرِي وَبَعَثَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ بِأَلْفِ الف درهم، وقال: خمسمائة الف من قبل امير المؤمنين، وخمسمائة الف من قبلي
. ذكر وفود عبيد الله بن زياد على معاويه
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَفَدَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ فِي أَشْرَافِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَعَزَلَهُ عَنِ الْبَصْرَةِ، ثُمَّ رَدَّهُ عَلَيْهَا وَجَدَّدَ له الولاية.
ذكر من قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: وفد عُبَيْد اللَّهِ بن زياد فِي أهل العراق إِلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ لَهُ: ائذن لوفدك عَلَى منازلهم وشرفهم، فأذن لهم،
стр. 2777
ودخل الأحنف فِي آخرهم، وَكَانَ سيئ المنزلة من عُبَيْد اللَّهِ، فلما نظر إِلَيْهِ مُعَاوِيَة رحب بِهِ، وأجلسه مَعَهُ عَلَى سريرة، ثُمَّ تكلم القوم فأحسنوا الثناء عَلَى عُبَيْد اللَّهِ، والأحنف ساكت، فَقَالَ: ما لك يَا أَبَا بحر لا تتكلم! قَالَ: إن تكلمت خالفت القوم فَقَالَ: انهضوا فقد عزلته عنكم، واطلبوا واليا ترضونه، فلم يبق فِي القوم أحد إلا أتى رجلا من بني أُمَيَّة أو من أشراف أهل الشام، كلهم يطلب، وقعد الأحنف فِي منزله، فلم يأت أحدا، فلبثوا أياما، ثُمَّ بعث إِلَيْهِم مُعَاوِيَة فجمعهم، فلما دخلوا عَلَيْهِ قَالَ: من اخترتم؟
فاختلفت كلمتهم، وسمى كل فريق مِنْهُمْ رجلا والأحنف ساكت، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة: ما لك يَا أَبَا بحر لا تتكلم! قَالَ: إن وليت علينا أحدا من أهل بيتك لم نعدل بعبيد اللَّه أحدا، وإن وليت من غيرهم فانظر فِي ذَلِكَ، قَالَ مُعَاوِيَة: فإني قَدْ أعدته عَلَيْكُمْ، ثُمَّ أوصاه بالأحنف، وقبح رأيه فِي مباعدته، فلما هاجت الْفِتْنَة لم يف لعبيد الله غير الأحنف.
ذكر هجاء يزيد بن مفرغ الحميرى بنى زياد
وفي هَذِهِ السنة كَانَ مَا كَانَ من أمر يَزِيد بن مفرغ الحميري وعباد بن زياد وهجاء يزيد بنى زياد.
ذكر سبب ذَلِكَ:
حدثت عن أبي عبيدة معمر بْن المثنى أن يَزِيد بن رَبِيعَة بن مفرغ الحميري كَانَ مع عباد بن زياد بسجستان، فاشتغل عنه بحرب الترك، فاستبطأه، فأصاب الجند مع عباد ضيق فِي إعلاف دوابهم، فَقَالَ ابن مفرغ:
أَلا ليت اللحى عادت حشيشا ... فنعلفها خيول المسلمينا!
وَكَانَ عباد بن زياد عظيم اللحية، فأنهي شعره إِلَى عباد، وقيل:
مَا أراد غيرك، فطلبه عباد، فهرب مِنْهُ، وهجاه بقصائد كثيرة، فكان مما هجاه بِهِ قوله:
стр. 2778
إذا أودى مُعَاوِيَة بن حرب ... فبشر شعب قعبك بانصداع
فأشهد أن أمك لم تباشر ... أبا سُفْيَان واضعة القناع
ولكن كَانَ أمرا فِيهِ لبس ... عَلَى وجل شديد وارتياع
وقوله:
أَلا أبلغ مُعَاوِيَة بن حرب ... مغلغلة من الرجل اليماني
أتغضب أن يقال أبوك عف ... وترضى ان يقال ابوك زان!
فأشهد أن رحمك من زياد ... كرحم الفيل من ولد الأتان
فَحَدَّثَنِي أَبُو زَيْد، قَالَ: لما هجا ابن المفرغ عبادا فارقه مقبلا إِلَى الْبَصْرَة، وعبيد اللَّه يَوْمَئِذٍ وافد عَلَى مُعَاوِيَة، فكتب عباد إِلَى عُبَيْد اللَّهِ ببعض مَا هجاه بِهِ، فلما قرأ عُبَيْد اللَّهِ الشعر دخل عَلَى مُعَاوِيَة فأنشده إِيَّاهُ، واستأذنه فِي قتل ابن مفرغ، فأبى عَلَيْهِ أن يقتله، وَقَالَ: أدبه وَلا تبلغ بِهِ القتل، وقدم ابن مفرغ الْبَصْرَة، فاستجار بالأحنف بن قيس، فَقَالَ: إنا لا نجير عَلَى ابن سمية، فإن شئت كفيتك شعراء بني تميم، قَالَ: ذاك مَا لا أبالي أن أكفاه، فأتى خَالِد بن عَبْدِ اللَّهِ فوعده، وأتى أُمَيَّة فوعده، ثُمَّ أتى عُمَر بن عُبَيْد اللَّهِ بن معمر فوعده، ثُمَّ أتى المنذر بن الجارود فأجاره، وأدخله داره، وكانت بحرية بنت المنذر عِنْدَ عُبَيْد اللَّهِ، فلما قدم عُبَيْد اللَّهِ الْبَصْرَة أخبر بمكان ابن مفرغ عِنْدَ المنذر، وأتى المنذر عُبَيْد اللَّهِ مسلما، فأرسل عُبَيْد اللَّهِ الشرط إِلَى دار المنذر، فأخذوا ابن مفرغ، فلم يشعر المنذر وَهُوَ عِنْدَ عُبَيْد اللَّهِ إلا بابن مفرغ قَدْ أقيم عَلَى رأسه، فقام إِلَى عُبَيْد اللَّهِ وَقَالَ: أيها الأمير، إني قَدْ أجرته، قَالَ: وَاللَّهِ يَا منذر ليمدحنك وأباك ويهجوني أنا وأبي، ثُمَّ تجيره علي! فأمر بِهِ فسقي دواء، ثُمَّ حمل عَلَى حمار عَلَيْهِ إكاف فجعل يطاف بِهِ وَهُوَ يسلح
стр. 2779
فِي ثيابه، فيمر بِهِ فِي الأسواق، فمر بِهِ فارسي فرآه، فسأل عنه، فَقَالَ: اين جيست؟ ففهمها ابن مفرغ، فقال:
آب است نبيذ است ... عصارات زبيب است
سميه رو سپيد است
ثم هجا المنذر بن الجارود:
تركت قريشا أن أجاور فِيهِمُ ... وجاورت عبد القيس أهل المشقر
أناس أجارونا فكان جوارهم ... أعاصير من فسو العراق المبذر
فأصبح جاري من جذيمة نائما ... وَلا يمنع الجيران غير المشمر
وَقَالَ لعبيد اللَّه:
يغسل الماء مَا صنعت وقولي ... راسخ مِنْكَ فِي العظام البوالي
ثُمَّ حمله عُبَيْد اللَّهِ إِلَى عباد بسجستان، فكلمت اليمانية فِيهِ بِالشَّامِ مُعَاوِيَة، فأرسل رسولا إِلَى عباد، فحمل ابن مفرغ من عنده حَتَّى قدم عَلَى مُعَاوِيَة، فَقَالَ فِي طريقه:
عدسْ مَا لعبّاد عَلَيْك إمارة ... نجوت وهذا تحملين طليق
لعمري لقد نجاك من هوة الردى ... إمام وحبل للأنام وثيق
стр. 2780
سأشكر مَا أوليت من حسن نعمة ... ومثلي بشكر المنعمين حقيق
فلما دخل عَلَى مُعَاوِيَة بكى، وَقَالَ: ركب مني مَا لم يركب من مسلم عَلَى غير حدث وَلا جريرة! قَالَ: أولست القائل:
أَلا أبلغ مُعَاوِيَة بن حرب ... مغلغلة من الرجل اليماني!
القصيدة- قَالَ: لا والذي عظم حق أَمِير الْمُؤْمِنِينَ مَا قلت هَذَا، قَالَ:
أفلم تقل:
فأشهد أن أمك لم تباشر ... أبا سُفْيَان واضعة القناع
فِي أشعار كثيرة هجوت بِهَا ابن زياد! اذهب فقد عفونا لك عن جرمك، أما لو إيانا تعامل لَمْ يَكُنْ مما كَانَ شَيْء، فانطلق، وفي أي أرض شئت فانزل.
فنزل الموصل، ثُمَّ إنه ارتاح إِلَى الْبَصْرَة، فقدمها، ودخل عَلَى عُبَيْد اللَّهِ فآمنه.
وأما أَبُو عبيدة فإنه قَالَ فِي نزول ابن مفرغ الموصل عن الَّذِي أَخْبَرَنِي بِهِ أَبُو زَيْد، قَالَ: ذكر أن مُعَاوِيَة لما قَالَ لَهُ: ألست القائل:
أَلا أبلغ مُعَاوِيَة بن حرب ... مغلغلة من الرجل اليماني
الأبيات، حلف ابن مفرغ أنه لم يقله، وأنه إنما قاله عبد الرحمن بن أم الحكم أخو مَرْوَان، واتخذني ذريعة إِلَى هجاء زياد، وَكَانَ عتب عَلَيْهِ قبل ذَلِكَ، فغضب معاويه على عبد الرحمن بن أم الحكم وحرمه عطاءه، حتى اضربه، فكلم فِيهِ، فَقَالَ: لا أرضى عنه حَتَّى يرضى عُبَيْد اللَّهِ، فقدم العراق عَلَى عُبَيْد اللَّهِ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لَهُ:
لأنت زيادة فِي آل حرب ... أحب إلي من إحدى بناني
أراك أخا وعما وابن عم ... وَلا أدري بغيب مَا تراني
стр. 2781
فَقَالَ: أراك وَاللَّهِ شاعر سوء! فرضي عنه، فَقَالَ مُعَاوِيَة لابن مفرغ:
ألست القائل:
فأشهد أن أمك لم تباشر ... أبا سُفْيَان واضعة القناع
الأبيات! لا تعودن إِلَى مثلها، عفونا عنك فأقبل حَتَّى نزل الموصل، فتزوج امرأة، فلما كَانَ فِي ليلة بنائها خرج حين أصبح إِلَى الصيد، فلقي دهانا أو عطارا عَلَى حمار لَهُ، فَقَالَ لَهُ ابن مفرغ: من أين أقبلت؟ قَالَ:
من الأهواز، قَالَ: وما فعل ماء مسرقان؟ قَالَ: عَلَى حاله، قَالَ: فخرج ابن مفرغ فتوجه قبل الْبَصْرَة، ولم يعلم أهله بمسيره، ومضى حَتَّى قدم عَلَى عُبَيْد اللَّهِ بن زياد بِالْبَصْرَةِ، فدخل عَلَيْهِ فآمنه، ومكث عنده حَتَّى استأذنه فِي الخروج إِلَى كَرْمَان، فأذن لَهُ فِي ذَلِكَ، وكتب الى عامله هنالك بالوصاية والإكرام لَهُ، فخرج إِلَيْهَا وَكَانَ عامل عُبَيْد الله يومئذ على كرمان شريك ابن الأعور الحارثي.
وحج بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السنة عُثْمَان بن مُحَمَّدِ بْن أَبِي سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَحْمَد بْن ثَابِت، عمن حدثه، عن إِسْحَاق بْن عِيسَى، عن أبي معشر، وكذلك قَالَ الْوَاقِدِيُّ وغيره.
وَكَانَ الوالي عَلَى الْمَدِينَة الْوَلِيد بن عتبة بن أَبِي سُفْيَانَ، وعلى الْكُوفَة النُّعْمَان بن بشير، وعلى قضائها شريح، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد، وعلى قضائها هشام بن هبيرة، وعلى خراسان عبد الرحمن بن زياد، وعلى سجستان عباياد بن زياد، وعلى كَرْمَان شريك بن الأعور من قبل عُبَيْد اللَّهِ بن زياد
стр. 2782
ثُمَّ دخلت
سنة ستين
(ذكر مَا كَانَ فِيهَا من الأحداث) ففي هَذِهِ السنة كَانَتْ غزوة مالك بن عَبْدِ اللَّهِ سورية ودخول جناده ابن ابى اميه رودس، وهدمه مدينتها، في قول الواقدى.
ذكر عهد معاويه لابنه يزيد
وفيها كَانَ أخذ مُعَاوِيَة عَلَى الوفد الَّذِينَ وفدوا إِلَيْهِ مع عُبَيْد اللَّهِ بن زياد البيعة لابنه يَزِيد، وعهد إِلَى ابنه يَزِيد حين مرض فِيهَا مَا عهد إِلَيْهِ فِي النفر الَّذِينَ امتنعوا من البيعة ليزيد حين دعاهم إِلَى البيعة.
وَكَانَ عهده الَّذِي عهد، مَا ذكر هِشَام بن مُحَمَّدٍ، عن أبي مخنف، قَالَ:
حَدَّثَنِي عَبْد الْمَلِكِ بن نوفل بن مساحق بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مخرمة، أن مُعَاوِيَة لما مرض مرضته الَّتِي هلك فِيهَا دعا يَزِيد ابنه، فَقَالَ: يَا بني، إني قَدْ كفيتك الرحلة والترحال، ووطأت لك الأشياء، وذللت لك الأعداء، وأخضعت لك أعناق العرب، وجمعت لك من جمع واحد، وإني لا أتخوف أن ينازعك هَذَا الأمر الَّذِي استتب لك إلا أربعة نفر من قريش:
الْحُسَيْن بن علي، وعبد اللَّه بن عُمَرَ، وعبد اللَّه بن الزُّبَيْرِ، وعبد الرَّحْمَن بن أبي بكر، فأما عَبْد اللَّهِ بن عُمَرَ فرجل قَدْ وقذته العبادة، وإذا لم يبق أحد غيره بايعك، وأما الْحُسَيْن بن علي فإن أهل العراق لن يدعوه حَتَّى يخرجوه، فإن خرج عَلَيْك فظفرت بِهِ فاصفح عنه فإن لَهُ رحما ماسة وحقا عظيما، وأما ابن أبي بكر فرجل إن رَأَى أَصْحَابه صنعوا شَيْئًا صنع مثلهم، ليس لَهُ همة إلا فِي النساء واللهو، وأما الَّذِي يجثم لك جثوم الأسد، ويراوغك مراوغة
стр. 2783
الثعلب، فإذا أمكنته فرصة وثب، فذاك ابن الزُّبَيْر، فإن هُوَ فعلها بك فقدرت عَلَيْهِ فقطعه إربا إربا.
قَالَ هِشَام: قَالَ عوانة: قَدْ سمعنا فِي حديث آخر أن مُعَاوِيَة لما حضره الموت- وَذَلِكَ فِي سنة ستين- وَكَانَ يَزِيد غائبا، فدعا بالضحاك بن قيس الفهري- وَكَانَ صاحب شرطته- ومسلم بن عُقْبَةَ المري، فأوصى إليهما فَقَالَ: بلغا يَزِيد وصيتي، أنظر أهل الحجاز فإنهم أصلك، فأكرم من قدم عَلَيْك مِنْهُمْ، وتعاهد من غاب، وأنظر أهل العراق، فإن سألوك أن تعزل عَنْهُمْ كل يوم عاملا فافعل، فإن عزل عامل أحب إلي من أن تشهر عَلَيْك مائة ألف سيف، وأنظر أهل الشام فليكونوا بطانتك وعيبتك، فإن نابك شَيْء من عدوك فانتصر بهم، فإذا أصبتهم فاردد أهل الشام إِلَى بلادهم، فإنهم إن أقاموا بغير بلادهم أخذوا بغير أخلاقهم، وإني لست أخاف من قريش إلا ثلاثة: حُسَيْن بن علي، وعبد اللَّه بن عمر، وعبد الله ابن الزُّبَيْرِ، فأما ابن عمر فرجل قَدْ وقذه الدين، فليس ملتمسا شَيْئًا قبلك، وأما الْحُسَيْن بن علي فإنه رجل خفيف، وأرجو أن يكفيكه اللَّه بمن قتل أباه، وخذل أخاه، وإن لَهُ رحما ماسة، وحقا عظيما، وقرابة من محمد ص، وَلا أظن أهل العراق تاركيه حَتَّى يخرجوه، فإن قدرت عَلَيْهِ فاصفح عنه، فإني لو أني صاحبه عفوت عنه، وأما ابن الزُّبَيْر فإنه خب ضب، فإذا شخص لك فألبد لَهُ، إلا أن يلتمس مِنْكَ صلحا، فإن فعل فاقبل، واحقن دماء قومك مَا استطعت
. ذكر وفاه مُعَاوِيَة بن أَبِي سُفْيَانَ
وفي هَذِهِ السنة هلك مُعَاوِيَة بن أَبِي سُفْيَانَ بدمشق، فاختلف فِي وقت وفاته بعد إجماع جميعهم عَلَى أن هلاكه كَانَ فِي سنة ستين من الهجره،
стр. 2784
وفي رجب منها، فَقَالَ هِشَام بن مُحَمَّد: مات مُعَاوِيَة لهلال رجب من سنة ستين.
وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: مات مُعَاوِيَة للنصف من رجب.
وَقَالَ عَلِيّ بن مُحَمَّد: مات مُعَاوِيَة بدمشق سنة ستين يوم الخميس لثمان بقين من رجب، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْحَارِث عنه
. ذكر الخبر عن مدة ملكه
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ ثَابِت الرازي، قال: حدثني من سمع إسحاق بن عِيسَى يذكر عن أبي معشر، قَالَ: بويع لمعاوية بأذرح، بايعه الْحَسَن بن علي فِي جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين، وتوفي مُعَاوِيَة فِي رجب سنة ستين، وكانت خلافته تسع عشره سنه وثلاثة اشهر.
وحدثني الحارث، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سعد، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ دِينَارٍ السَّعْدِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالُوا:
تُوُفِّيَ مُعَاوِيَةُ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ لِلنِّصْفِ مِنْ رجب سنة ستين، وكانت خلافته تسع عشرة سَنَةً وَثَلاثَةَ أَشْهُرٍ وَسَبْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا.
وَحَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، قَالَ: بايع أهل الشام مُعَاوِيَة بالخلافة فِي سنة سبع وثلاثين فِي ذي القعدة حين تفرق الحكمان، وكانوا قبل بايعوه عَلَى الطلب بدم عُثْمَان، ثُمَّ صالحه الْحَسَن بن علي، وَسَلَّمَ لَهُ الأمر سنة إحدى وأربعين، لخمس بقين من شهر ربيع الأول، فبايع الناس جميعا مُعَاوِيَة، فقيل: عام الجماعة، ومات بدمشق سنة ستين، يوم الخميس لثمان بقين من رجب وكانت ولايته تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وسبعة وعشرين يَوْمًا.
قَالَ: ويقال: كَانَ بين موت علي ع وموت مُعَاوِيَة تسع عشرة سنة وعشرة أشهر وثلاث ليال
стр. 2785
وَقَالَ هِشَام بن مُحَمَّد: بويع لمعاوية بالخلافة فِي جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين، فولى تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر إلا أياما، ثُمَّ مات لهلال رجب من سنة ستين
ذكر مده عمره
واختلفوا فِي مدة عمره، وكم عاش؟ فَقَالَ بعضهم: مات يوم مات وَهُوَ ابن خمس وسبعين سنة.
ذكر من قال ذلك:
حدثني عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ: سَأَلَنِي الْوَلِيدُ عَنْ أَعْمَارِ الْخُلَفَاءِ، فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ مَاتَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، فَقَالَ: بَخٍ بَخٍ! إِنَّ هَذَا لَعُمْرٌ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَلاثٍ وسبعين سنة.
ذكر من قال ذلك:
حدثني عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زهير قَالَ: قَالَ عَلِيّ بن مُحَمَّد:
مات مُعَاوِيَة وَهُوَ ابن ثلاث وسبعين، قَالَ: ويقال ابن ثمانين سنة.
وَقَالَ آخرون: توفي وَهُوَ ابن ثمان وسبعين سنة.
ذكر من قَالَ ذلك:
حدثني الحارث، قَالَ: حدثنا محمد بن سعد، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بن سعيد بن دينار، عن أبيه، قال: تُوُفِّيَ مُعَاوِيَةُ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً.
وَقَالَ آخَرُونَ: تُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، حُدِّثْتُ بِذَلِكَ عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُهُ عَنْ أَبِيهِ
стр. 2786
ذكر العلة الَّتِي كَانَتْ فِيهَا وفاته
حَدَّثَنِي الحارث، قال: حدثنا مُحَمَّد بن سعد، قال: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي يَعْقُوبَ الثَّقَفِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ مُعَاوِيَةُ وَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّهُ الْمَوْتُ، قَالَ لأَهْلِهِ: احْشُوا عَيْنِي إِثْمِدًا، وَأَوْسِعُوا رَأْسِي دُهْنًا، فَفَعَلُوا، وَبَرَّقُوا وَجْهَهُ بِالدُّهْنِ، ثُمَّ مُهِّدَ لَهُ، فَجَلَسَ وَقَالَ:
أَسْنِدُونِي، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنُوا لِلنَّاسِ فَلْيُسَلِّمُوا قِيَامًا، وَلا يَجْلِسْ أَحَدٌ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَدْخُلُ فَيُسَلِّمُ قَائِمًا فَيَرَاهُ مُكْتَحِلا مُدَّهِنًا فَيَقُولُ: يَقُولُ النَّاسُ: هُوَ لِمَآبِهِ، وَهُوَ أَصَحُّ النَّاسِ، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ قَالَ مُعَاوِيَةُ:
وَتَجَلُّدِي لِلشَّامِتِينَ أُريهم ... أَنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لا أَتَضَعْضَعُ
وَإِذَا الْمَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا ... أَلْفَيْتَ كُلَّ تَمِيمَةٍ لا تَنْفَعُ
قَالَ: وَكَانَ بِهِ النُّفَاثَاتُ، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ.
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زهير، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، عن إِسْحَاق بن أيوب، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بن ميناس الكلبي، قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَة، لابنتيه فِي مرضه الَّذِي مات فِيهِ وهما تقلبانه: تقلبان حولا قلبا، جمع المال من شب إِلَى دب إن لم يدخل النار، ثُمَّ تمثل:
لقد سعيت لكم من سعي ذي نصب ... وَقَدْ كفيتكم التطواف والرحلا
ويقال: من جمع ذي حسب.
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَيُّوبَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ وَعَلِيِّ بْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ فِي
стр. 2787
مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص كَسَانِي قَمِيصًا فَرَفَعْتُهُ.
وَقَلَّمَ أَظْفَارَهُ يَوْمًا، فَأَخَذْتُ قُلامَتَهُ فَجَعَلْتُهَا فِي قَارُورَةٍ، فَإِذَا مِتُّ فَأَلْبِسُونِي ذَلِكَ الْقَمِيصَ، وَقَطِّعُوا تِلَكَ الْقُلامَةَ، وَاسْحَقُوهَا وَذَرُوهَا فِي عَيْنِي، وَفِي فِيَّ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْحَمَنِي بِبَرَكَتِهَا! ثُمَّ قَالَ مُتَمَثِّلا بِشِعْرِ الأَشْهَبِ بْنِ رُمَيْلَةَ النَّهْشَلِيِّ يَمْدَحُ بِهِ الْقُبَاعَ:
إِذَا مِتَّ مَاتَ الْجُودُ وَانْقَطَعَ النَّدَى ... مِنَ النَّاسِ إِلا مِنْ قَلِيلٍ مُصَرَّدِ
وَرُدَّتْ أَكُفُّ السَّائِلِينَ وَأَمْسَكُوا ... مِنَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا بِخَلَفٍ مُجَدَّدِ
فَقَالَتْ إِحْدَى بَنَاتِهِ- أَوْ غَيْرُهَا: كَلا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بَلْ يَدْفَعُ اللَّهُ عَنْكَ، فَقَالَ مُتَمَثِّلا:
وَإِذَا الْمَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا ... أَلْفَيْتَ كُلَّ تَمِيمَةٍ لا تَنْفَعُ
ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: لِمَنْ حَضَرَهُ مِنْ أَهْلِهِ: اتَّقُوا اللَّهَ ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقِي مَنِ اتَّقَاهُ، وَلا وَاقِيَ لِمَنْ لا يَتَّقِي اللَّهَ، ثم قضى.
حدثنا أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا حُضِرَ أَوْصَى بِنِصْفِ مَالِهِ أَنْ يُرَدَّ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ، كَانَ أَرَادَ أَنْ يَطِيبَ لَهُ الْبَاقِي، لأَنَّ عُمَرَ قَاسَمَ عُمَّالَهُ
. ذكر الخبر عمن صلى عَلَى مُعَاوِيَة حين مات
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زهير، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: صلى عَلَى مُعَاوِيَة الضحاك بن قيس الفهري، وَكَانَ يَزِيد غائبا حين مات مُعَاوِيَة.
وحدثت عن هشام بْن مُحَمَّد، عن أبي مخنف، قال: حدثنى عبد الملك ابن نوفل بن مساحق بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مخرمة، قَالَ: لما مات مُعَاوِيَة خرج
стр. 2788
الضحاك بن قيس حَتَّى صعد الْمِنْبَر وأكفان مُعَاوِيَة عَلَى يديه تلوح، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إن مُعَاوِيَة كَانَ عود العرب، وحد العرب، قطع اللَّه بِهِ الْفِتْنَة، وملكه عَلَى العباد، وفتح بِهِ البلاد أَلا إنه قَدْ مات، فهذه أكفانه، فنحن مدرجوه فِيهَا، ومدخلوه قبره، ومخلون بينه وبين عمله، ثُمَّ هُوَ البرزخ إِلَى يوم الْقِيَامَة، فمن كَانَ مِنْكُمْ يريد أن يشهده فليحضر عِنْدَ الأولى وبعث البريد إِلَى يَزِيد بوجع مُعَاوِيَة، فَقَالَ يَزِيد فِي ذَلِكَ:
جَاءَ البريد بقرطاس يخب بِهِ ... فأوجس القلب من قرطاسه فزعا
قلنا: لك الويل ماذا فِي كتابكمُ؟ ... قَالُوا: الخليفة أمسى مثبتا وجعا
فمادت الأرض أو كادت تميد بنا ... كأن أغبر من أركانها انقطعا
من لا تزل نفسه توفي عَلَى شرف ... توشك مقاليد تِلَكَ النفس أن تقعا
لما انتهينا وباب الدار منصفق ... وصوت رملة ريع القلب فانصدعا
حَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، عن إِسْحَاق بن خليد، عن خليد ابن عجلان مولى عباد، قَالَ: مات مُعَاوِيَة ويزيد بحوارين، وكانوا كتبوا إِلَيْهِ حين مرض، فأقبل وَقَدْ دفن، فأتى قبره فصلى عَلَيْهِ، ودعا لَهُ، ثُمَّ أتى منزله، فَقَالَ: جَاءَ البريد بقرطاس الأبيات
. ذكر الخبر عن نسبه وكنيته
أما نسبه فإنه ابن أبي سُفْيَان، واسم أبي سُفْيَان صخر بن حرب بن أُمَيَّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، وأمه هند بنت عتبة ابن رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ بن قصي، وكنيته أَبُو عبد الرَّحْمَن
стр. 2789
ذكر نسائه وولده
من نسائه ميسون بنت بحدل بن أنيف بن ولجة بن قنافة بن عدى ابن زهير بن حَارِثَة بن جناب الكلبي، ولدت لَهُ يَزِيد بن مُعَاوِيَة قَالَ علي:
ولدت ميسون لمعاوية مع يَزِيد أمة- رب المشارق- فماتت صغيرة، ولم يذكرها هِشَام فِي أولاد مُعَاوِيَة.
ومنهن فاختة ابنة قرظة بن عبد عَمْرو بن نوفل بن عبد مناف ولدت له عبد الرحمن وعبد الله بنى مُعَاوِيَة، وَكَانَ عَبْد اللَّهِ محمقا ضعيفا، وَكَانَ يكنى أبا الخير حَدَّثَنِي أحمد، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: مر عَبْد اللَّهِ بن مُعَاوِيَة يَوْمًا بطحان قَدْ شد بغله فِي الرحا للطحن، وجعل فِي عنقه جلاجل، فَقَالَ لَهُ:
لم جعلت فِي عنق بغلك هَذِهِ الجلاجل؟ فَقَالَ الطحان: جعلتها فِي عنقه لأعلم إن قد قام فلم تدر الرحا، فَقَالَ لَهُ: أرأيت إن هُوَ قام وحرك راسه كيف تعلم انه لا يدير الرحا؟ فَقَالَ لَهُ الطحان: إن بغلي هَذَا- أصلح اللَّه الأمير- ليس لَهُ عقل مثل عقل الأمير! وأما عبد الرَّحْمَن فإنه مات صغيرا.
ومنهن نائلة بنت عمارة الكلبية، تزوجها، فَحَدَّثَنِي أحمد، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: لما تزوج مُعَاوِيَة نائلة قَالَ لميسون: انطلقي فانظري إِلَى ابنة عمك، فنظرت إِلَيْهَا، فَقَالَ: كيف رأيتها؟ فَقَالَتْ: جميلة كاملة، ولكن رأيت تحت سرتها خالا ليوضعن رأس زوجها فِي حجرها، فطلقها مُعَاوِيَة، فتزوجها حبيب بن مسلمة الفهري، ثُمَّ خلف عَلَيْهَا بعد حبيب النُّعْمَان بن بشير الأَنْصَارِيّ، فقتل، ووضع رأسه فِي حجرها.
ومنهن كتوة بنت قرظه اخت فاخته، فغزا قبرس وَهِيَ مَعَهُ، فماتت هنالك
ذكر بعض مَا حضرنا من ذكر أخباره وسيره
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زهير، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: لما بويع لمعاوية بالخلافة صير
стр. 2790
عَلَى شرطته قيس بن حمزة الهمداني، ثُمَّ عزله، وَاسْتَعْمَلَ زميل بن عَمْرو العذري- ويقال السكسكى وكان كاتبه وصاحب امره سر جون بن مَنْصُور الرومي، وعلى حرسه رجل من الموالي يقال لَهُ المختار، وقيل: رجل يقال لَهُ مالك، ويكنى أبا المخارق، مولى لحمير وَكَانَ أول من اتخذ الحرس وَكَانَ عَلَى حجابه سعد مولاه، وعلى القضاء فضالة بن عبيد الأَنْصَارِيّ، فمات فاستقضى أبا إدريس عائذ الله بن عبد الله الخولاني الى هاهنا حديث أحمد، عَنْ عَلِيٍّ.
وَقَالَ غير علي: وَكَانَ عَلَى ديوان الخاتم عَبْد اللَّهِ بن محصن الحميري، وَكَانَ أول من اتخذ ديوان الخاتم قَالَ: وَكَانَ سبب ذَلِكَ أن مُعَاوِيَة أمر لعمرو بن الزُّبَيْرِ فِي معونته وقضاء دينه بمائة ألف درهم، وكتب بِذَلِكَ إِلَى زياد بن سمية وَهُوَ عَلَى العراق، ففض عَمْرو الكتاب وصير المائة مائتين، فلما رفع زياد حسابه أنكرها مُعَاوِيَة، فأخذ عمرا بردها وحبسه، فأداها عنه أخوه عَبْد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ، فأحدث معاويه عند ذلك ديوان الخاتم وخزم الكتب، ولم تكن تخزم.
حدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَان، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: تَذْكُرُونَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَدَهَاءَهُمَا وَعِنْدَكُمْ مُعَاوِيَةُ! حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدَّثَنِي سليمان، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ فُلَيْحٍ، قَالَ: اخبرت ان عمرو ابن الْعَاصِ وَفَدَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَمَعَهُ أَهْلُ مِصْرَ، فَقَالَ لَهُمْ عَمْرٌو: انْظُرُوا، إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى ابْنِ هِنْدٍ فَلا تُسَلِّمُوا عَلَيْهِ بِالْخِلافَةِ، فَإِنَّهُ اعظم لكم في عينه، وصغروه وَقَدْ صَغَّرَ أَمْرِي عِنْدَ الْقَوْمِ، فَانْظُرُوا إِذَا دَخَلَ الْوَفْدُ فَتَعْتِعُوهُمْ أَشَدَّ تَعْتَعَةً
стр. 2791
تَقْدِرُونَ عَلَيْهَا، فَلا يَبْلُغُنِي رَجُلٌ مِنْهُمْ إِلا وَقَدْ هَمَّتْهُ نَفْسُهُ بِالتَّلَفِ فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ يُقَالُ لَهُ ابْنَ الْخَيَّاطِ، فَدَخَلَ وَقَدْ تُعْتِعَ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَتَتَابَعَ الْقَوْمُ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا خَرَجُوا قَالَ لَهُمْ عَمْرٌو: لَعَنَكُمُ اللَّهُ! نَهَيْتُكُمْ أَنْ تُسَلِّمُوا عَلَيْهِ بِالإِمَارَةِ، فَسَلَّمْتُمْ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ! قَالَ: وَلَبِسَ مُعَاوِيَةُ يَوْمًا عِمَامَتَهُ الْحُرْقَانِيَّةَ وَاكْتَحَلَ، وَكَانَ مِنْ أَجْمَلِ النَّاسِ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ شَكَّ عَبْدُ اللَّهِ فِيهِ سَمِعَهُ أَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ.
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الأُمَوِيُّ، قَالَ: خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى الشَّامِ، فَرَأَى مُعَاوِيَةَ فِي مَوْكِبٍ يَتَلَقَّاهُ، وَرَاحَ إِلَيْهِ فِي مَوْكِبٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا مُعَاوِيَةُ، تَرُوحُ فِي مَوْكِبٍ وَتَغْدُو فِي مِثْلِهِ، وَبَلَغَنِي أَنَّكَ تُصْبِحُ فِي مَنْزِلِكَ وَذَوُو الْحَاجَاتِ بِبَابِكَ! قَالَ:
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الْعَدُوَّ بِهَا قَرِيبٌ مِنَّا، وَلَهُمْ عُيُونٌ وَجَوَاسِيسُ، فَأَرَدْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَرَوْا لِلإِسْلامِ عِزًّا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنَّ هَذَا لَكَيْدُ رَجُلٍ لَبِيبٍ، أَوْ خُدْعَةُ رَجُلٍ أَرِيبٍ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مُرْنِي بِمَا شِئْتَ أَصِرْ إِلَيْهِ، قَالَ: وَيْحَكَ! مَا نَاظَرْتُكَ فِي أَمْرٍ أَعِيبُ عَلَيْكَ فِيهِ إِلا تَرَكْتَنِي مَا أَدْرِي آمُرُكَ أَمْ أَنْهَاكَ! حَدَّثَنِي عَبْدُ الله بن أحمد، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَان، قَالَ: حدثني عبد الله، عن مَعْمَرٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، أَنَّ الْمُغِيرَةَ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَدَقَّ عَظْمِي، وَشَنِفَتْ لِي قُرَيْشٌ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَعْزِلَنِي فَاعْزِلْنِي.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ: جَاءَنِي كِتَابَكَ تَذْكُرُ فِيهِ أَنَّهُ كَبِرَتْ سِنُّكَ، فَلَعَمْرِي مَا أَكَلَ عُمُرُكَ غَيْرَكَ، وَتَذْكُرُ أَنَّ قُرَيْشًا شَنِفَتْ لَكَ، وَلَعَمْرِي مَا أَصَبْتَ خَيْرًا إِلا مِنْهُمْ وَتَسْأَلُنِي أَنْ أَعْزِلَكَ، فَقَدْ فَعَلْتُ، فَإِنْ تَكُ صَادِقًا فَقَدْ شَفَعْتُكَ، وَإِنْ تَكُ مُخَادِعًا فَقَدْ خَدَعْتُكَ
стр. 2792
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: إِذَا لم يكن الاموى مصلحا لما له، حَلِيمًا، لَمْ يُشْبِهْ مَنْ هُوَ مِنْهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْهَاشِمِيُّ سَخِيًّا جَوَادًا لَمْ يُشْبِهْ مَنْ هُوَ مِنْهُ، وَلا يَقْدُمُكَ مِنَ الْهَاشِمِيِّ اللِّسَانُ وَالسَّخَاءُ وَالشَّجَاعَةُ.
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ عَوَانَةَ وَخَلادِ بْنِ عُبَيْدَةَ، قَالَ: تَغَدَّى مُعَاوِيَةُ يَوْمًا وَعِنْدَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، وَمَعَهُ ابْنُهُ بَشِيرٌ- وَيُقَالُ: غَيْرُ بَشِيرٍ- فَأَكْثَرَ مِنَ الأَكْلِ، فَلَحَظَهُ مُعَاوِيَةُ، وَفَطِنَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، فَأَرَادَ أَنْ يَغْمِزَ ابْنَهُ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ، وَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ حَتَّى فَرَغَ، فَلَمَّا خَرَجَ لامَهُ عَلَى مَا صَنَعَ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ وَلَيْسَ مَعَهُ ابْنُهُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: مَا فَعَلَ ابْنُكَ التِّلِقَّامَةُ؟ قَالَ: اشْتَكَى، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنْ أَكْلَهُ سَيُورِثُهُ دَاءً حَدَّثَنِي أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ، قَالَ: قَدِمَ أَبُو مُوسَى عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ فِي بُرْنُسٍ أَسْوَدَ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا أَمِينَ اللَّهِ، قَالَ: وَعَلَيْكَ السَّلامُ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ مُعَاوِيَةُ: قَدِمَ الشَّيْخُ لأُوَلِّيهِ، وَلا وَاللَّهِ لا أُوَلِّيهِ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بن أحمد، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ سُلَيْمَانُ بْنُ صَالِحٍ قال: حدثني عبد الله بن المبارك، عن سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلالٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى مُعَاوِيَةَ حيث اصابته قرحته، فقال: هلم يا بن أَخِي، نَحْوِي فَانْظُرْ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا هِيَ قَدْ سُبِرَتْ، فَقُلْتُ:
لَيْسَ عَلَيْكَ بَأْسٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَدَخَلَ يَزِيدُ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إِنْ وَلِيتَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئًا فَاسْتَوْصِ بِهَذَا، فَإِنَّ أَبَاهُ كَانَ لِي خَلِيلا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْقَوْلِ غَيْرَ أَنِّي رَأَيْتُ فِي الْقِتَالِ مَا لَمْ يَرَهُ.
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ شِهَابِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: أَذِنَ مُعَاوِيَةُ لِلأَحْنَفِ وَكَانَ يَبْدَأُ بِإِذْنِهِ، ثُمَّ دَخَلَ مُحَمَّدُ بْنُ الأَشْعَثِ فَجَلَسَ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ وَالأَحْنَفِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إِنَّا لَمْ نَأْذَنْ لَهُ قَبْلَكَ فَتَكُونَ دُونَهُ، وَقَدْ فعلت فعال من احس مِنْ نَفْسِهِ ذُلا، إِنَّا كَمَا نَمْلِكُ أُمُورَكُمْ
стр. 2793
نَمْلِكُ إِذْنَكُمْ، فَأَرِيدُوا مِنَّا مَا نُرِيدُ مِنْكُمْ، فَإِنَّهُ أَبْقَى لَكُمْ.
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ سُحَيْمِ بْنِ حَفْصٍ، قَالَ: خَطَبَ رَبِيعَةُ بْنُ عِسْلٍ الْيَرْبُوعِيُّ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: اسْقُوهُ سَوِيقًا، وَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: يَا رَبِيعَةُ، كَيْفَ النَّاسُ عِنْدَكُمْ؟ قَالَ: مُخْتَلِفُونَ عَلَى كَذَا وَكَذَا فِرْقَةٍ، قَالَ: فَمِنْ أَيِّهِمْ أَنْتَ؟ قَالَ: مَا أَنَا عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِمْ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أَرَاهُمْ أَكْثَرَ مِمَّا قُلْتَ، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَعِنِّي فِي بِنَاءِ دَارِي بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفِ جَذَعٍ، قَالَ مُعَاوِيَةُ: أَيْنَ دَارَكَ؟ قَالَ بِالْبَصْرَةِ، وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ فَرْسَخَيْنِ فِي فَرْسَخَيْنِ، قَالَ: فَدَارُكَ فِي الْبَصْرَةِ، أَوِ الْبَصْرَةُ فِي دَارِكَ! فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِهِ عَلَى ابْنِ هُبَيْرَةَ فَقَالَ: أَصْلَحَ اللَّهُ الأَمِيرَ! أَنَا ابْنُ سَيِّدِ قَوْمِهِ، خَطَبَ أَبِي إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ لِسَلْمِ بْنِ قُتَيْبَةَ: مَا يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا ابْنُ أَحْمَقِ قَوْمِهِ، قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: هَلْ زَوَّجَ أَبَاكَ مُعَاوِيَةُ؟
قَالَ: لا، قَالَ: فَلا أَرَى أَبَاكَ صَنَعَ شَيْئًا.
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ ذَكْوَانَ الْقُرَشِيِّ، قَالَ:
تَنَازَعَ عُتْبَةُ وَعَنْبَسَةُ ابْنَا أَبِي سُفْيَانَ- وَأُمُّ عُتْبَةَ هِنْدٌ وَأُمُّ عَنْبَسَةَ ابْنَةُ أَبِي أُزَيْهِرٍ الدَّوْسِيِّ- فَأَغْلَظَ مُعَاوِيَةُ لِعَنْبَسَةَ، وَقَالَ عَنْبَسَةُ: وَأَنْتَ أَيْضًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! فَقَالَ: يَا عَنْبَسَةُ، إِنَّ عُتْبَةَ ابن هند، فقال عنبسة:
كنا بِخَيْرٍ صَالِحَا ذَاتِ بَيْنِنَا ... قَدِيمًا فَأَمْسَتْ فَرَّقَتْ بَيْنَنَا هِنْدُ
فَإِنْ تَكُ هِنْدٌ لَمْ تَلِدْنِي فَإِنَّنِي ... لِبَيْضَاءَ يُنْمِيهَا غَطَارِفَةٌ نُجْدُ
أَبُوهَا أَبُو الأَضْيَافِ فِي كُلِّ شِتْوَةٍ ... وَمَأْوَى ضِعَافٌ لا تُنُوءُ مِنَ الْجَهْدِ
جُفَيْنَاتُهُ مَا إِنْ تَزَالُ مُقِيمَةً ... لِمَنْ خَافَ مِنْ غَوْرِي تُهَامَةُ أَوْ نَجْدُ
فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لا أُعِيدُهَا عَلَيْكَ أَبَدًا.
حدثني عبد الله بن أحمد، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَان، قَالَ: حدثني عبد اللَّهِ، عن حرملة بن عِمْرَان، قَالَ: أتى معاوية في ليلة أن
стр. 2794
قيصر قصد لَهُ فِي الناس، وأن ناتل بن قيس الجذامي غلب فلسطين وأخذ بيت مالها، وان المصريين الذين كان سجنهم هربوا، وأن عَلِيّ بن أبي طالب قصد لَهُ فِي الناس، فَقَالَ لمؤذنه: أذن هَذِهِ الساعة- وَذَلِكَ نصف الليل- فجاءه عَمْرو بن الْعَاصِ، فَقَالَ: لم أرسلت إلي؟ قَالَ: أنا مَا أرسلت إليك، قَالَ: مَا أذن المؤذن هَذِهِ الساعة إلا من أجلي، قَالَ: رميت بالقسي الأربع، قَالَ عَمْرو: أما هَؤُلاءِ الَّذِينَ خرجوا من سجنك، فإنهم إن خرجوا من سجنك فهم فِي سجن اللَّه ، وهم قوم شراة لا رحلة بهم، فاجعل لمن أتاك برجل مِنْهُمْ أو برأسه ديته، فإنك ستؤتى بهم، وانظر قيصر فوادعه، وأعطه مالا وحللا من حلل مصر، فإنه سيرضى منك بذاك، وانظر ناتل ابن قيس، فلعمري مَا أغضبه الدين، وَلا أراد إلا مَا أصاب، فاكتب إِلَيْهِ، وهب لَهُ ذَلِكَ، وهنئه إِيَّاهُ، فإن كَانَتْ لك قدرة عَلَيْهِ، وإن لم تكن لك فلا تأس عَلَيْهِ، واجعل حدك وحديدك لهذا الَّذِي عنده دم ابن عمك.
قَالَ: وَكَانَ القوم كلهم خرجوا من سجنه غير أبرهة بن الصباح، قَالَ مُعَاوِيَة: مَا منعك من أن تخرج مع أَصْحَابك؟ قَالَ: مَا منعني مِنْهُ بغض لعلي، وَلا حب لك، ولكني لم أقدر عَلَيْهِ، فخلى سبيله.
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَان، قَالَ:
حدثني عبد الله بن المبارك، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعَدَةَ بْنِ حَكَمَةَ الْفَزَارِيُّ مِنْ بَنِي آلِ بَدْرٍ، قَالَ: انْتَقَلَ مُعَاوِيَةُ مِنْ بَعْضِ كُوَرِ الشَّامِ إِلَى بَعْضِ عَمَلِهِ، فَنَزَلَ مَنْزِلا بِالشَّامِ، فَبُسِطَ لَهُ عَلَى ظَهْرِ أَجَارٍّ مِشْرَفٌ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَذِنَ لِي، فَقَعَدْتُ مَعَهُ، فَمَرَّتِ القطرات والرحائل والجوارى والخيول، فقال:
يا بن مَسْعَدَةَ، رَحِمَ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ! لَمْ يُرِدِ الدُّنْيَا وَلَمْ تُرِدْهُ الدُّنْيَا، وَأَمَّا عُمَرَ- أَوْ قَالَ: ابْنُ حَنْتَمَةَ- فَأَرَادَتْهُ الدُّنْيَا وَلَمْ يُرِدْهَا، وَأَمَّا عُثْمَانُ فَأَصَابَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَصَابَتْ مِنْهُ، وَأَمَّا نَحْنُ فَتَمَرَّغْنَا فِيهَا، ثُمَّ كَأَنَّهُ نَدِمَ فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمُلْكٌ آتَانَا اللَّهُ إِيَّاهُ
стр. 2795
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ:
كَتَبَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى مُعَاوِيَةَ يَسْأَلُهُ لابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَا كَانَ أَعْطَاهُ أَبَاهُ مِنْ مِصْرَ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أَرَادَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَنْ يَكْتُبَ فَهَدَرَ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي إِنْ بَقِيتُ بَعْدَهُ فَقَدْ خَلَعْتُ عَهْدَهُ قَالَ: وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ:
مَا رَأَيْتُ مُعَاوِيَةَ مُتَّكِئًا قَطُّ وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى كَاسِرًا عَيْنَهُ يَقُولُ لِرَجُلٍ: تَكَلَّمْ، إِلا رَحْمَتُهُ قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ: قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لِمُعَاوِيَةَ:
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَلَسْتُ أَنْصَحَ النَّاسِ لَكَ؟ قَالَ: بِذَلِكَ نِلْتَ مَا نِلْتَ.
قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ عَلِيٌّ: عَنْ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ، أَنَّ بُسْرَ بْنَ أَبِي أَرْطَاةَ نَالَ مِنْ عَلِيٍّ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ وَزَيْدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ جَالِسٌ، فَعَلاهُ بِعَصًا فَشَجَّهُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِزَيْدٍ: عَمَدْتَ إِلَى شَيْخٍ مِنْ قُرَيْشٍ سَيَّدِ أَهْلِ الشَّامِ فَضَرَبْتَهُ! وَأَقْبَلَ عَلَى بسر فقال: تشم عَلِيًّا وَهُوَ جَدُّهُ وَابْنُ الْفَارُوقِ عَلَى رُءُوسِ الناس، او كنت تَرَى أَنَّهُ يَصْبِرُ عَلَى ذَلِكَ! ثُمَّ أَرْضَاهُمَا جَمِيعًا.
قَالَ: وَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إِنِّي لأَرْفَعُ نَفْسِي مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَنْبٌ أَعْظَمَ مِنْ عَفْوِي، وَجَهْلٌ أَكْثَرَ مِنْ حِلْمِي، أَوْ عَوْرَةٌ لا أُوَارِيهَا بِسِتْرِي، أَوْ إِسَاءَةٌ أَكْثَرَ مِنْ إِحْسَانِي قَالَ: وَقَالَ مُعَاوِيَةُ: زَيْنُ الشَّرِيفِ الْعَفَافُ، قَالَ: وَقَالَ مُعَاوِيَةُ:
مَا مِنْ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ عَيْنٍ خَرَّارَةٍ، فِي أَرْضٍ خَوَّارَةٍ، فَقَالَ عمرو بن العاص: ما من شيء أحب إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَبِيتَ عَرُوسًا بِعَقِيلَةٍ مِنْ عَقَائِلِ الْعَرَبِ، فَقَالَ وَرْدَانُ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ العاص: ما من شيء أحب إلي من الإِفْضَالِ عَلَى الإِخْوَانِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أَنَا أَحَقُّ بِهَذَا مِنْكَ، قَالَ: مَا تُحِبُّ فَافْعَلْ.
حَدَّثَنِي أحمد، عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:
كَانَ عامل مُعَاوِيَة عَلَى الْمَدِينَة إذا أراد أن يبرد بريدا إِلَى مُعَاوِيَةَ أمر مناديه فنادى: من لَهُ حاجة يكتب إِلَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، فكتب زر بن حبيش- أو أيمن بن خريم- كتابا لطيفا ورمى بِهِ فِي الكتب، وفيه:
إذا الرجال ولدت أولادها ... واضطربت من كبر أعضادها
وجعلت أسقامها تعتادها ... فهي زروع قَدْ دنا حصادها
стр. 2796
فلما وردت الكتب عَلَيْهِ فقرأ هَذَا الكتاب، قَالَ: نعى إلي نفسي.
قَالَ: وَقَالَ مُعَاوِيَة: مَا من شَيْء ألذ عندي من غيظ أتجرعه.
قَالَ: وَقَالَ مُعَاوِيَة لعبد الرَّحْمَن بن الحكم بن ابى العاص: يا بن أخي، إنك قَدْ لهجت بالشعر، فإياك والتشبيب بالنساء فتعر الشريفة، والهجاء فتعر كريما، وتستثير لئيما، والمدح، فإنه طعمة الوقاح، ولكن افخر بمفاخر قومك، وقل من الأمثال مَا تزين بِهِ نفسك، وتؤدب بِهِ غيرك.
حَدَّثَنِي أحمد، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ الْحَسَنِ بن حماد: نظر معاويه الى الثما فِي عباءة، فازدراه، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إن العباءة لا تكلمك، وإنما يكلمك من فِيهَا.
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: رَجُلانِ إِنْ مَاتَا لَمْ يَمُوتَا، وَرَجُلٌ إِنْ مَاتَ مَاتَ، أَنَا إِنْ مِتُّ خَلَفَنِي ابْنِي، وَسَعِيدٌ إِنْ مَاتَ خَلَفَهُ عمرو، وعبد الله بن عامر إِنْ مَاتَ مَاتَ، فَبَلَغَ مَرْوَانَ، فَقَالَ:
أَمَا ذَكَرَ ابْنَيْ عَبْدِ الْمَلِكِ؟ قَالُوا: لا، قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِابْنِي ابْنَيْهُمَا.
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ:
قَالَ رَجُلٌ لِمُعَاوِيَةَ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَشَدُّهُمْ لِي تَحْبِيبًا إِلَى النَّاسِ قَالَ: وَقَالَ مُعَاوِيَةُ: الْعَقْلُ وَالْحِلْمُ أَفْضَلُ مَا أُعْطِيَ الْعَبْدُ، فَإِذَا ذُكِّرَ ذَكَرَ، وَإِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ، وَإِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ، وَإِذَا غَضِبَ كَظَمَ، وَإِذَا قَدَرَ غَفَرَ، وَإِذَا أَسَاءَ اسْتَغْفَرَ، وَإِذَا وَعَدَ أَنْجَزَ.
حَدَّثَنِي أحمد، عَنْ عَلِيٍّ، عن عَبْد اللَّهِ، وهشام بن سَعْدٍ، عن عبد الملك ابن عمير، قَالَ: أغلظ رجل لمعاوية فأكثر، فقيل لَهُ: أتحلم عن هَذَا؟
فَقَالَ: إني لا أحول بين الناس وألسنتهم مَا لم يحولوا بيننا وبين ملكنا.
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: لامَ مُعَاوِيَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ عَلَى الْغِنَاءِ، فَدَخَلَ يَوْمًا عَلَى مُعَاوِيَةَ وَمَعَهُ بُدَيْحٌ، وَمُعَاوِيَةُ وَاضِعٌ رِجْلا عَلَى رِجْلٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِبُدَيْحٍ: إِيهًا يَا بُدَيْحُ! فَتَغَنَّى،
стр. 2797
فَحَرَّكَ مُعَاوِيَةُ رِجْلَهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: مَهْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! فَقَالَ مُعَاوِيَةُ:
إِنَّ الْكَرِيمَ طُرُوبٌ.
قَالَ: وَقَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَمَعَهُ سَائِبُ خَاثِرٍ- وَكَانَ مَوْلًى لِبَنِي لَيْثٍ، وَكَانَ فَاجِرًا- فَقَالَ لَهُ: ارْفَعْ حَوَائِجَكَ، فَفَعَلَ، وَرَفَعَ فِيهَا حَاجَةَ سَائِبِ خَاثِرٍ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: مَنْ هَذَا؟ فَخَبَّرَهُ، فَقَالَ: أَدْخِلْهُ، فلما قام على باب المجلس غنى:
لمن الدِّيَارَ رُسُومُهَا قَفْرُ ... لَعِبَتْ بِهَا الأَرْوَاحُ وَالْقَطْرُ!
وَخِلالُهَا مِنْ بُعْدِ سَاكِنِهَا ... حِجَجٌ خَلَوْنَ ثَمَانِ أَوْ عَشْرُ
وَالزَّعْفَرَانُ عَلَى تَرَائِبِهَا ... شَرِقَا بِهِ اللُّبَّاتُ وَالنَّحْرُ
فَقَالَ أَحْسَنْتَ، وَقَضَى حَوَائِجَهُ حَدَّثَنِي عبد الله بن أحمد، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَان، قَالَ: حدثني عبد الله، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَخْلَقَ لِلْمُلْكِ مِنْ مُعَاوِيَةَ، إِنْ كَانَ لَيَرِدُ النَّاسَ مِنْهُ عَلَى أَرْجَاءِ وَادٍ رَحْبٍ، وَلَمْ يكن كالضيق الخضخض، الْحَصَرِ- يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْرِ.
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدَّثَنِي سليمان، قَالَ:
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ، عن سُفْيَان بن عيينة، عن مُجَالِد، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عن قبيصة بن جابر الأسدي قَالَ: أَلا أخبركم من صحبت؟ صحبت عُمَر بن الْخَطَّابِ فما رأيت رجلا أفقه فقها، وَلا أحسن مدارسة مِنْهُ، ثُمَّ صحبت طَلْحَة بن عُبَيْد اللَّهِ، فما رأيت رجلا أعطى للجزيل مِنْ غَيْرِ مسألة مِنْهُ، ثُمَّ صحبت مُعَاوِيَة فما رأيت رجلا أحب رفيقا، وَلا أشبه سريرة بعلانية مِنْهُ، ولو أن الْمُغِيرَة جعل فِي مدينة لا يخرج من أبوابها كلها إلا بالغدر لخرج منها.
стр. 2798
خلافة يَزِيد بن مُعَاوِيَة
وفي هَذِهِ السنة بويع ليزيد بن مُعَاوِيَة بالخلافة بعد وفاة أَبِيهِ، للنصف من رجب فِي قول بعضهم، وفي قول بعض: لثمان بقين مِنْهُ- عَلَى مَا ذكرنا قبل من وفاة والده مُعَاوِيَة- فأقر عُبَيْد اللَّهِ بن زياد عَلَى الْبَصْرَة، والنعمان بن بشير عَلَى الْكُوفَة.
وَقَالَ هِشَام بن مُحَمَّدٍ، عن أبي مخنف، ولي يَزِيد فِي هلال رجب سنة ستين، وأمير الْمَدِينَة الْوَلِيد بن عتبة بن أَبِي سُفْيَانَ، وأمير الكوفه النعمان ابن بشير الأَنْصَارِيّ، وأمير الْبَصْرَة عُبَيْد اللَّهِ بن زياد، وأمير مكة عَمْرو بن سَعِيد بن الْعَاصِ، ولم يكن ليزيد همة حين ولي إلا بيعة النفر الَّذِينَ أبوا عَلَى مُعَاوِيَة الإجابة إِلَى بيعة يَزِيد حين دعا الناس إِلَى بيعته، وأنه ولي عهده بعده، والفراغ من أمرهم، فكتب إِلَى الْوَلِيدِ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من يَزِيد أَمِير الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْوَلِيدِ بن عتبة، أَمَّا بَعْدُ، فإن مُعَاوِيَة كَانَ عبدا من عباد اللَّه، أكرمه اللَّه واستخلفه، وخوله، ومكن لَهُ، فعاش بقدر، ومات بأجل، فرحمه اللَّه، فقد عاش محمودا، ومات برا تقيا، والسلام.
وكتب إِلَيْهِ فِي صحيفة كأنها أذن فأرة:
أَمَّا بَعْدُ، فخذ حسينا وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزُّبَيْرِ بالبيعة أخذا شديدا ليست فِيهِ رخصة حَتَّى يبايعوا، والسلام.
فلما أتاه نعي مُعَاوِيَة فظع بِهِ، وكبر عَلَيْهِ، فبعث إِلَى مَرْوَان بن الحكم فدعاه إِلَيْهِ- وَكَانَ الْوَلِيد يوم قدم الْمَدِينَة قدمها مَرْوَان متكارها- فلما رَأَى ذَلِكَ الْوَلِيد مِنْهُ شتمه عِنْدَ جلسائه، فبلغ ذَلِكَ مَرْوَان، فجلس عنه وصرمه، فلم يزل كذلك حَتَّى جَاءَ نعي مُعَاوِيَة إِلَى الْوَلِيدِ، فلما عظم عَلَى الْوَلِيدِ هلاك مُعَاوِيَة وما أمر بِهِ من أخذ هَؤُلاءِ الرهط بالبيعة، فزع عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى مَرْوَان، ودعاه، فلما قرأ عَلَيْهِ كتاب يَزِيد، استرجع وترحم عَلَيْهِ، واستشاره
стр. 2799
الْوَلِيد فِي الأمر وَقَالَ: كيف ترى أن نصنع؟ قَالَ: فإني أَرَى أن تبعث الساعة إِلَى هَؤُلاءِ النفر فتدعوهم إِلَى البيعة والدخول فِي الطاعة، فإن فعلوا قبلت مِنْهُمْ، وكففت عَنْهُمْ، وإن أبوا قدمتهم فضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت مُعَاوِيَة، فإنهم إن علموا بموت مُعَاوِيَة وثب كل امرئ مِنْهُمْ فِي جانب، وأظهر الخلاف والمنابذة، ودعا إِلَى نفسه لا أدري، أما ابن عمر فإني لا أراه يرى القتال، وَلا يحب أنه يولى عَلَى الناس، إلا أن يدفع إِلَيْهِ هَذَا الأمر عفوا فأرسل عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرو بْن عُثْمَانَ- وَهُوَ إذ ذاك غلام حدث- إليهما يدعوهما، فوجدهما فِي المسجد وهما جالسان، فأتاهما فِي ساعة لَمْ يَكُنِ الْوَلِيد يجلس فِيهَا لِلنَّاسِ، وَلا يأتيانه فِي مثلها، فَقَالَ: أجيبا، الأمير يدعوكما، فقال لَهُ: انصرف، الآن نأتيه ثُمَّ أقبل أحدهما عَلَى الآخر، فَقَالَ عَبْد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ للحسين: ظن فيما تراه بعث إلينا فِي هَذِهِ الساعة الَّتِي لَمْ يَكُنْ يجلس فِيهَا! فَقَالَ حُسَيْن: قَدْ ظننت، أرى طاغيتهم قَدْ هلك، فبعث إلينا ليأخذنا بالبيعة قبل أن يفشو فِي الناس الخبر، فَقَالَ: وأنا مَا أظن غيره قَالَ: فما تريد أن تصنع؟ قَالَ: أجمع فتياني الساعة، ثُمَّ أمشي إِلَيْهِ، فإذا بلغت الباب احتبستهم عَلَيْهِ، ثُمَّ دخلت عَلَيْهِ.
قَالَ: فإني أخافه عَلَيْك إذا دخلت، قَالَ: لا آتيه إلا وأنا عَلَى الامتناع قادر فقام فجمع إِلَيْهِ مواليه وأهل بيته، ثُمَّ أقبل يمشي حَتَّى انتهى إِلَى باب الْوَلِيد وَقَالَ لأَصْحَابه: إني داخل، فإن دعوتكم أو سمعتم صوته قَدْ علا فاقتحموا علي بأجمعكم، وإلا فلا تبرحوا حَتَّى أخرج إليكم، فدخل فسلم عَلَيْهِ بالإمرة ومروان جالس عنده، فَقَالَ حُسَيْن، كأنه لا يظن مَا يظن من موت مُعَاوِيَة: الصلة خير من القطيعة، أصلح اللَّه ذات بينكما! فلم يجيباه فِي هَذَا بشيء، وجاء حَتَّى جلس، فأقرأه الْوَلِيد الكتاب، ونعى لَهُ مُعَاوِيَة، ودعاه إِلَى البيعة، [فَقَالَ حُسَيْن: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! ورحم اللَّه مُعَاوِيَة، وعظم لك الأجر! أما مَا سألتني من البيعة فإن مثلي لا يعطي بيعته سرا،
стр. 2800
وَلا أراك تجتزئ بِهَا مني سرا دون أن نظهرها عَلَى رءوس الناس علانية، قَالَ: أجل،] قَالَ: فإذا خرجت إِلَى النَّاسِ فدعوتهم إِلَى البيعة دعوتنا مع الناس فكان أمرا واحدا، فَقَالَ لَهُ الْوَلِيد- وَكَانَ يحب العافية: فانصرف عَلَى اسم اللَّه حَتَّى تأتينا مع جماعة الناس، فَقَالَ لَهُ مَرْوَان: وَاللَّهِ لَئِنْ فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت مِنْهُ عَلَى مثلها أبدا حَتَّى تكثر القتلى بينكم وبينه، احبس الرجل، وَلا يخرج من عندك حَتَّى يبايع أو تضرب عنقه، فوثب عِنْدَ ذلك الحسين، [فقال: يا بن الزرقاء، أنت تقتلني أم هُوَ! كذبت وَاللَّهِ وأثمت،] ثُمَّ خرج فمر بأَصْحَابه، فخرجوا مَعَهُ حَتَّى أتى منزله فَقَالَ مَرْوَان للوليد:
عصيتني، لا وَاللَّهِ لا يمكنك من مثلها من نفسه أبدا، قَالَ الْوَلِيد: وبخ غيرك يَا مَرْوَان، إنك اخترت لي الَّتِي فِيهَا هلاك ديني، وَاللَّهِ مَا أحب أن لي مَا طلعت عَلَيْهِ الشمس وغربت عنه من مال الدُّنْيَا وملكها، وأني قتلت حسينا، سبحان اللَّه! أقتل حسينا إن قَالَ: لا أبايع! وَاللَّهِ إني لا أظن امرأً يحاسب بدم حُسَيْن لخفيف الميزان عِنْدَ اللَّه يوم الْقِيَامَة فَقَالَ لَهُ مَرْوَان: فإذا كَانَ هَذَا رأيك فقد أصبت فِيمَا صنعت، يقول هَذَا لَهُ وَهُوَ غير الحامد لَهُ عَلَى رأيه.
وأما ابن الزُّبَيْر، فَقَالَ: الآن آتيكم، ثُمَّ أتى داره فكمن فِيهَا، فبعث الْوَلِيد إِلَيْهِ فوجده مجتمعا فِي أَصْحَابه متحرزا، فألح عَلَيْهِ بكثرة الرسل والرجال فِي إثر الرجال، فأما حُسَيْن فَقَالَ: كف حَتَّى تنظر وننظر، وترى ونرى، وأما ابن الزُّبَيْر فَقَالَ: لا تعجلوني فإني آتيكم، أمهلوني، فألحوا عليهما عشيتهما تِلَكَ كلها وأول ليلهما، وكانوا عَلَى حُسَيْن أشد إبقاء، وبعث الْوَلِيد إِلَى ابن الزُّبَيْر موالي لَهُ فشتموه وصاحوا به: يا بن الكاهلية، وَاللَّهِ لتأتين الأمير أو ليقتلنك، فلبث بِذَلِكَ نهاره كله وأول ليله يقول: الآن أجيء، فإذا استحثوه قَالَ: وَاللَّهِ لقد استربت بكثرة الإرسال، وتتابع هَذِهِ الرجال، فلا تعجلوني حَتَّى أبعث إِلَى الأمير من يأتيني برأيه وأمره، فبعث إِلَيْهِ أخاه جَعْفَر بن الزُّبَيْرِ فَقَالَ: رحمك اللَّه! كف عن عَبْد اللَّهِ فإنك قَدْ أفزعته وذعرته بكثرة رسلك، وَهُوَ آتيك غدا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فمر رسلك فلينصرفوا عنا فبعث إِلَيْهِم فانصرفوا، وخرج ابن الزُّبَيْر من تحت الليل فأخذ طريق
стр. 2801
الفرع هُوَ وأخوه جَعْفَر، ليس مَعَهُمَا ثالث، وتجنب الطريق الأعظم مخافة الطلب، وتوجه نحو مكة، فلما أصبح بعث إِلَيْهِ الْوَلِيد فوجده قَدْ خرج، فَقَالَ مَرْوَان: وَاللَّهِ إن أخطأ مكة فسرح فِي إثره الرجال، فبعث راكبا من موالي بني أُمَيَّة فِي ثمانين راكبا، فطلبوه فلم يقدروا عَلَيْهِ، فرجعوا، فتشاغلوا عن حُسَيْن بطلب عَبْد اللَّهِ يومهم ذَلِكَ حَتَّى أمسوا، ثُمَّ بعث الرجال إِلَى حُسَيْن عِنْدَ المساء فَقَالَ: أصبحوا ثُمَّ ترون ونرى، فكفوا عنه تِلَكَ الليلة، ولم يلحوا عَلَيْهِ، فخرج حُسَيْن من تحت ليلته، وَهِيَ ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب سنة ستين.
وَكَانَ مخرج ابن الزُّبَيْر قبله بليلة، خرج ليلة السبت فأخذ طريق الفرع، فبينا عَبْد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ يساير أخاه جعفرا إذ تمثل جَعْفَر بقول صبرة الحنظلي:
وكل بني أم سيمسون ليلة ... ولم يبق من أعقابهم غير واحد
فَقَالَ عَبْد اللَّهِ! سبحان اللَّه، مَا أردت إِلَى مَا أسمع يَا أخي! قَالَ: وَاللَّهِ يَا أخي مَا أردت بِهِ شَيْئًا مما تكره، فَقَالَ: فذاك وَاللَّهِ أكره إلي أن يكون جَاءَ عَلَى لسانك مِنْ غَيْرِ تعمد- قَالَ: وكأنه تطير مِنْهُ- وأما الْحُسَيْن فإنه خرج ببنيه وإخوته وبني أخيه وجل اهل بيته، الا محمد بن الحنفية فإنه قَالَ لَهُ: يَا أخي، أنت أحب الناس إلي، وأعزهم علي، ولست أدخر النصيحة لأحد من الخلق أحق بِهَا مِنْكَ، تنح بتبعتك عن يَزِيد بن مُعَاوِيَة وعن الأمصار مَا استطعت، ثُمَّ ابعث رسلك إِلَى النَّاسِ فادعهم إِلَى نفسك فإن بايعوا لك حمدت اللَّه عَلَى ذَلِكَ، وإن أجمع الناس عَلَى غيرك لم ينقص اللَّه بِذَلِكَ دينك وَلا عقلك، وَلا يذهب بِهِ مروءتك وَلا فضلك، إني أخاف أن تدخل مصرا من هَذِهِ الأمصار وتأتي جماعة مِنَ النَّاسِ، فيختلفون بينهم، فمنهم طائفة معك، وأخرى عَلَيْك، فيقتتلون فتكون لأول الأسنة، فإذا خير هَذِهِ الأمة كلها نفسا وأبا، وأما أضيعها دما وأذلها أهلا، قَالَ
стр. 2802
لَهُ الْحُسَيْن: فإني ذاهب يَا أخي، قَالَ: فانزل مكة فإن اطمأنت بك الدار فسبيل ذَلِكَ، وإن نبت بك لحقت بالرمال، وشعف الجبال، وخرجت من بلد إِلَى بلد حَتَّى تنظر إِلَى مَا يصير أمر الناس، وتعرف عند ذلك الرأي، فإنك اصوب ما تكون رأيا وأحزمه عملا حين تستقبل الأمور استقبالا، وَلا تكون الأمور عَلَيْك أبدا أشكل منها حين تستدبرها استدبارا، [قَالَ:
يَا أخي، قَدْ نصحت فأشفقت، فأرجو أن يكون رأيك سديدا موفقا] .
قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي عَبْد الْمَلِكِ بن نوفل بن مساحق، عن أبي سعد المقبري، قَالَ: نظرت إِلَى الْحُسَيْن داخلا مسجد الْمَدِينَة وإنه ليمشي وَهُوَ معتمد عَلَى رجلين، يعتمد عَلَى هَذَا مرة وعلى هَذَا مرة، وَهُوَ يتمثل بقول ابن مفرغ:
لا ذعرت السوام فِي فلق الصبح ... مغيرا وَلا دعيت يزيدا
يوم أعطى من المهابة ضيما ... والمنايا يرصدنني أن أحيدا
قَالَ: فقلت فِي نفسي: وَاللَّهِ مَا تمثل بهذين البيتين إلا لشيء يريد، قَالَ: فما مكث إلا يومين حَتَّى بلغني أنه سار إِلَى مكة.
ثُمَّ إن الْوَلِيد بعث إِلَى عَبْد اللَّهِ بن عُمَرَ فَقَالَ: بايع ليزيد، فَقَالَ: إذا بايع الناس بايعت، فَقَالَ رجل: مَا يمنعك أن تبايع؟ انما تريد ان يختلف الناس فيقتتلوا ويتفانوا، فإذا جهدهم ذَلِكَ قَالُوا: عَلَيْكُمْ بعبد اللَّه بن عُمَرَ، لم يبق غيره، بايعوه! قَالَ عَبْد اللَّهِ: مَا أحب أن يقتتلوا وَلا يختلفوا وَلا يتفانوا، ولكن إذا بايع الناس ولم يبق غيري بايعت، قَالَ: فتركوه وكانوا لا يتخوفونه
стр. 2803
قَالَ: ومضى ابن الزُّبَيْر حَتَّى أتى مكة وعليها عَمْرو بن سَعِيد، فلما دخل مكة قَالَ: إنما أنا عائذ، ولم يكن يصلي بصلاتهم، وَلا يفيض بإفاضتهم، كَانَ يقف هُوَ وأَصْحَابه ناحية، ثُمَّ يفيض بهم وحده، ويصلي بهم وحده، قَالَ: [فلما سار الْحُسَيْن نحو مكة، قال: «فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» فلما دخل مكة قَالَ:
«وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ] »
ذكر عزل الوليد عن المدينة وولايه عمر بن سعيد
وفي هَذِهِ السنة عزل يَزِيد الْوَلِيد بن عتبة عن الْمَدِينَة، عزله فِي شهر رمضان، فأقر عَلَيْهَا عَمْرو بن سَعِيد الأشدق.
وفيها قدم عَمْرو بن سَعِيد بن الْعَاصِ الْمَدِينَة فِي رمضان، فزعم الْوَاقِدِيّ أن ابن عمر لَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ حين ورد نعي مُعَاوِيَة وبيعة يَزِيد عَلَى الْوَلِيدِ، وأن ابن الزُّبَيْر والحسين لما دعيا إِلَى البيعة ليزيد أبيا وخرجا من ليلتهما إِلَى مكة، فلقيهما ابن عَبَّاس وابن عمر جائيين مِنْ مَكَّةَ، فسألاهما، مَا وراءكما؟
قَالا: موت مُعَاوِيَة والبيعة ليزيد، فَقَالَ لهما ابن عمر: اتقيا اللَّه وَلا تفرقا جماعة الْمُسْلِمِينَ، وأما ابن عمر فقدم فأقام أياما، فانتظر حَتَّى جاءت البيعة من البلدان، فتقدم إِلَى الْوَلِيدِ بن عتبة فبايعه، وبايعه ابن عَبَّاس.
وفي هَذِهِ السنة وجه عَمْرو بن سَعِيد عَمْرو بن الزُّبَيْرِ إِلَى أخيه عَبْد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ لحربه.
(ذكر الخبر عن ذَلِكَ:) ذكر مُحَمَّد بن عُمَرَ أن عَمْرو بن سَعِيد بن الْعَاصِ الأشدق قدم الْمَدِينَة فِي رمضان سنة ستين فدخل عَلَيْهِ أهل الْمَدِينَة، فدخلوا عَلَى رجل عظيم الكبر مفوه
стр. 2804
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنَا هِشَام بن سَعِيد، عن شيبة بن نصاح، قَالَ:
كَانَتِ الرسل تجري بين يَزِيد بن مُعَاوِيَة وابن الزبير في البيعه، فحلف يزيد الا يقبل مِنْهُ حَتَّى يؤتى بِهِ فِي جامعة، وَكَانَ الْحَارِث بن خَالِد المخزومي عَلَى الصَّلاة، فمنعه ابن الزُّبَيْر، فلما منعه كتب يَزِيد إِلَى عَمْرو بن سَعِيد، أن ابعث جيشا إِلَى ابن الزُّبَيْر، وَكَانَ عَمْرو بن سَعِيد لما قدم الْمَدِينَة ولى شرطته عَمْرو بن الزُّبَيْرِ، لما كَانَ يعلم مَا بينه وبين عَبْد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ من البغضاء، فأرسل إِلَى نفر من أهل الْمَدِينَة فضربهم ضربا شديدا.
قَالَ مُحَمَّد بن عُمَرَ: حَدَّثَنِي شُرَحْبِيل بن أَبِي عَوْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: نظر إِلَى كل من كَانَ يهوى هوى ابن الزبير فضربه، وكان ممن ضرب المنذر ابن الزُّبَيْرِ، وابنه مُحَمَّد بن المنذر، وعبد الرَّحْمَن بن الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، وعثمان بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حكيم بن حزام، وخبيب بن عبد الله بن الزبير، ومحمد ابن عمار بن ياسر، فضربهم الأربعين إِلَى الخمسين إِلَى الستين، وفر مِنْهُ عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَانَ وعبد الرَّحْمَن بن عَمْرو بن سهل فِي أناس إِلَى مكة، فَقَالَ عَمْرو بن سَعِيد لعمرو بن الزُّبَيْرِ: من رجل نوجه إِلَى أخيك؟ قَالَ:
لا توجه إِلَيْهِ رجلا أبدا أنكأ لَهُ مني، فأخرج لأهل الديوان عشرات، وخرج من موالي أهل الْمَدِينَة ناس كثير، وتوجه مَعَهُ أنيس بن عَمْرو الأسلمي في سبعمائة، فوجهه فِي مقدمته، فعسكر بالجرف، فَجَاءَ مَرْوَان بن الحكم إِلَى عَمْرو بن سَعِيدٍ فَقَالَ: لا تغز مكة، واتق اللَّه، وَلا تحل حرمة البيت، وخلوا ابن الزُّبَيْر فقد كبر، هَذَا لَهُ بضع وستون سنة، وَهُوَ رجل لجوج، وَاللَّهِ لَئِنْ لم تقتلوه ليموتن، فَقَالَ عَمْرو بن الزُّبَيْرِ وَاللَّهِ لنقاتلنه ولنغزونه فِي جوف الكعبة عَلَى رغم أنف من رغم، فَقَالَ مَرْوَان: وَاللَّهِ إن ذَلِكَ ليسوءني، فسار أنيس بن عَمْرو الأسلمي حَتَّى نزل بذي طوى، وسار عَمْرو بن الزُّبَيْرِ حَتَّى نزل بالأبطح، فأرسل عَمْرو بن الزُّبَيْرِ إِلَى أخيه: بريمين الخليفة، واجعل فِي عنقك جامعة من فضة لا ترى، لا يضرب الناس بعضهم بعضا، واتق اللَّه فإنك فِي بلد حرام.
قَالَ ابن الزُّبَيْر: موعدك المسجد، فأرسل ابن الزُّبَيْر عَبْد اللَّهِ بن صفوان
стр. 2805
الْجُمَحِيّ إِلَى أنيس بن عَمْرو من قبل ذي طوى، وَكَانَ قَدْ ضوى إِلَى عَبْد الله ابن صفوان قوم ممن نزل حول مكة، فقاتلوا انيس بن عمرو، فهزم انيس ابن عمرو اقبح هزيمه، وتفرق عن عَمْرو جماعة أَصْحَابه، فدخل دار عَلْقَمَة، فأتاه عبيدة بن الزُّبَيْرِ فأجاره، ثُمَّ جَاءَ إِلَى عَبْد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ فَقَالَ:
إني قَدْ أجرته، فَقَالَ: أتجير من حقوق الناس! هَذَا مَا لا يصلح.
قَالَ مُحَمَّد بن عُمَرَ: فحدثت هَذَا الحديث مُحَمَّد بن عبيد بن عمير فَقَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرو بن دينار، قَالَ: كتب يَزِيد بن مُعَاوِيَة إِلَى عَمْرو ابن سَعِيد: أن استعمل عَمْرو بن الزُّبَيْرِ عَلَى جيش، وابعثه إِلَى ابن الزُّبَيْر، وابعث مَعَهُ أنيس بن عَمْرو، قَالَ: فسار عَمْرو بن الزُّبَيْرِ حَتَّى نزل فِي داره عِنْدَ الصفا، ونزل أنيس بن عَمْرو بذي طوى، فكان عَمْرو بن الزُّبَيْرِ يصلي بِالنَّاسِ، ويصلي خلفه عَبْد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ، فإذا انصرف شبك أصابعه فِي أصابعه، ولم يبق أحد من قريش إلا أتى عَمْرو بن الزُّبَيْرِ، وقعد عَبْد اللَّهِ بن صفوان فَقَالَ: ما لي لا أَرَى عَبْد اللَّهِ بن صفوان! أما وَاللَّهِ لَئِنْ سرت إِلَيْهِ ليعلمن أن بني جمح ومن ضوى إِلَيْهِ من غيرهم قليل، فبلغ عَبْد اللَّهِ بن صفوان كلمته هَذِهِ، فحركته، فَقَالَ لعبد اللَّه بن الزُّبَيْرِ: إني أراك كأنك تريد البقيا عَلَى أخيك، فَقَالَ عبد الله: أنا أبقي عَلَيْهِ يَا أَبَا صفوان! وَاللَّهِ لو قدرت عَلَى عون الذر عَلَيْهِ لاستعنت بِهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ ابن صفوان: فأنا أكفيك أنيس بن عَمْرو، فاكفني أخاك، قَالَ ابن الزُّبَيْر: نعم، فسار عَبْد اللَّهِ ابن صفوان إِلَى أنيس بن عَمْرو وَهُوَ بذي طوى، فلاقاه فِي جمع كثير من أهل مكة وغيرهم من الأعوان، فهزم أنيس بن عمرو ومن معه، وقتلوا مدبرهم، واجهزوا على جريحهم، وسار معصب بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى عَمْرو، وتفرق عنه أَصْحَابه حَتَّى تخلص إِلَى عَمْرو بن الزُّبَيْرِ، فَقَالَ عبيدة بن الزُّبَيْرِ لعمرو:
تعال أنا أجيرك فَجَاءَ عَبْد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: قَدْ أجرت عمرا، فأجره لي، فأبى أن يجيره، وضربه بكل من كَانَ ضرب بِالْمَدِينَةِ، وحبسه بسجن عارم
следующие страницы →