← История

История · id 9783

تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري

ابن جرير الطبري

Полный текст (6 431 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

امر عبد الله بن خازم السلمى مع عبد الملك وفي هذه السنة كتب عبد الملك إلى عبد الله بن خازم السلمي يدعوه إلى بيعته ويطعمه خراسان سبع سنين، فذكر علي بن مُحَمَّد أن المفضل بن مُحَمَّد ويحيى بن طفيل وزهير بن هنيد حدثوه- قال: وفي خبر بعضهم زيادة على خبر بعض- أن مصعب بن الزبير قتل سنة اثنتين وسبعين وعبد الله بن خازم بأبرشهر يقاتل بحير بن ورقاء الصريمي صريم بن الحارث، فكتب عبد الملك بن مروان إلى ابن خازم مع سوره بن أشيم النميري: أن لك خراسان سبع سنين على أن تبايع لي فقال ابن خازم لسورة: لولا أن أضرب بين بني سليم وبني عامر لقتلتك ولكن كل هذه الصحيفة، فأكلها قال: وقال أبو بكر بن مُحَمَّد بن واسع: بل قدم بعهد عبد الله بن خازم سوادة بن عبيد الله النميري وقال بعضهم: بعث عبد الملك إلى. ابن خازم سنان بن مكمل الغنوي، وكتب إليه: أن خراسان طعمة لك، فقال له ابن خازم: إنما بعثك أبو الذبان لأنك من غني، وقد علم أني لا أقتل رجلا من قيس، ولكن كل كتابه. قال: وكتب عبد الملك إلى بكير بن وشاح أحد بني عوف بن سعد- وكان خليفة ابن خازم على مرو- بعهده على خراسان ووعده ومناه، فخلع بكير بن وشاح عبد الله بن الزبير، ودعا إلى عبد الملك بن مروان، فأجابه أهل مرو، وبلغ ابن خازم فخاف أن يأتيه بكير بأهل مرو، فيجتمع عليه أهل مرو وأهل أبرشهر، فترك بحيرا، وأقبل إلى مرو يريد أن يأتي ابنه بالترمذ، فأتبعه بحير، فلحقه بقرية يقال لها بالفارسية: شاهميغد، بينها وبين مرو ثمانية فراسخ. قال: فقاتله ابن خازم، فقال مولى لبني ليث: كنت قريبا من معترك

стр. 3257

القوم في منزل، فلما طلعت الشمس تهايج العسكران، فجعلت أسمع وقع السيوف، فلما ارتفع النهار خفيت الأصوات، فقلت: هذا لارتفاع النهار، فلما صليت الظهر- أو قبل الظهر- خرجت، فتلقاني رجل من بني تميم، فقلت: ما الخبر؟ قال: قتلت عدو الله ابن خازم وها هو ذا، وإذا هو محمول على بغل، وقد شدوا في مذاكيره حبلا وحجرا وعدلوه به على البغل. قال: وكان الذي قتله وكيع بن عميرة القريعي وهو ابن الدورقية. اعتور عليه بحير بن ورقاء وعمار بن عبد العزيز الجشمي ووكيع، فطعنوه فصرعوه، فقعد وكيع على صدره فقتله، فقال بعض الولاة لوكيع: كيف قتلت ابن خازم؟ قال: غلبته بفضل القنا، فلما صرع قعدت على صدره، فحاول القيام فلم يقدر عليه، وقلت: يا لثأرات دويلة! ودويلة أخ لوكيع لأمه، قتل قبل ذلك في غير تلك الأيام. قال وكيع: فتنخم في وجهي وقال: لعنك الله! تقتل كبش مضر، بأخيك علج لا يساوي كفا من نوى- أو قال: من تراب- فما رأيت أحدا أكثر ريقا منه على تلك الحال عند الموت. قال: فذكر ابن هبيرة يوما هذا الحديث فقال: هذه والله البسالة. قال: وبعث بحير ساعة قتل ابن خازم رجلا من بني غدانة إلى عبد الملك ابن مروان يخبره بقتل ابن خازم، ولم يبعث بالرأس، وأقبل بكير بن وشاح في أهل مرو فوافاهم حين قتل ابن خازم، فأراد أخذ رأس ابن خازم، فمنعه بحير، فضربه بكير بعمود، وأخذ الرأس وقيد بحيرا وحبسه، وبعث بكير بالرأس إلى عبد الملك، وكتب إليه يخبره أنه هو الذي قتله، فلما قدم بالرأس على عبد الملك دعا الغداني رسول بحير وقال: ما هذا؟ قال: لا أدري، وما فارقت القوم حتى قتل، فقال رجل من بني سليم: أليلتنا بنيسابور ردي ... علي الصبح ويحك أو أنيري كواكبها زواحف لا غبات ... كأن سماءها بيدي مدير

стр. 3258

تلوم على الحوادث أم زيد ... وهل لك في الحوادث من نكير! جهلن كرامتي وصددن عني ... إلى أجل من الدنيا قصير فلو شهد الفوارس من سليم ... غداة يطاف بالأسد العقير لنازل حوله قوم كرام ... فعز الوتر في طلب الوتور فقد بقيت كلاب نابحات ... وما في الأرض بعدك من زئير فولي الحج بالناس في هذه السنة الحجاج بن يوسف. وكان العامل على المدينة طارق مولى عثمان من قبل عبد الملك، وعلى الكوفة بشر بن مروان، وعلى قضائها عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بن مسعود. وعلى البصرة خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى قضائها هشام ابن هبيرة وعلى خراسان في قول بعضهم عبد الله بن خازم السلمى، في قول بعض: بكير بن وشاح وزعم من قال: كان على خراسان في سنة اثنتين وسبعين عبد الله بن خازم أن عبد الله بن خازم إنما قتل بعد ما قتل عبد الله بن الزبير، وأن عبد الملك إنما كتب إلى عبد الله بن خازم يدعوه إلى الدخول في طاعته على أن يطعمه خراسان عشر سنين بعد ما قتل عبد الله بن الزبير، وبعث برأسه إليه، وأن عبد الله بن خازم حلف لما ورد عليه رأس عبد الله بن الزبير الا يعطيه طاعة أبدا، وأنه دعا بطست فغسل رأس ابن الزبير، وحنطه وكفنه، وصلى عليه، وبعث به إلى أهل عبد الله بن الزبير بالمدينة، وأطعم الرسول الكتاب، وقال: لولا أنك رسول لضربت عنقك وقال بعضهم: قطع يديه ورجليه وضرب عنقه . فصل نذكر فيه الكتاب من بدء أمر الإسلام روى هشام وغيره أن أول من كتب من العرب حرب بن أمية بن عبد شمس بالعربية، وأن أول من كتب بالفارسية بيوراسب، وكان في زمان إدريس وكان أول من صنف طبقات الكتاب وبين منازلهم لهراسب ابن كاوغان بن كيموس

стр. 3259

وحكي أن أبرويز قال لكاتبه: إنما الكلام أربعة أقسام: سؤالك الشيء، وسؤالك عن الشيء، وأمرك بالشيء، وخبرك عن الشيء، فهذه دعائم المقالات إن التمس لها خامس لم يوجد، وإن نقص منها رابع لم تتم، فإذا طلبت فأسجح، وإذا سألت فأوضح، وإذا أمرت فاحتم، وإذا أخبرت فحقق. وقال أبو موسى الأشعري: أول من قال: أما بعد داود، وهي فصل الخطاب الذي ذكره الله عنه. وقال الهيثم بن عدي: أول من قال: أما بعد قس بن ساعدة الإيادي . أسماء من كتب للنبي ص على بن ابى طالب ع وعثمان بن عفان، كانا يكتبان الوحي، فإن غابا كتبه أبي بن كعب وزيد بن ثابت. وكان خالد بن سعيد بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان يكتبان بين يديه في حوائجه. وكان عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث والعلاء بن عقبة يكتبان بين القوم في حوائجهم، وكان عبد الله بن الأرقم ربما كتب إلى الملوك عن النبي ص . أسماء من كان يكتب للخلفاء والولاه وكتب لأبي بكر عثمان، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن الأرقم وعبد الله بن خلف الخزاعي، وحنظلة بن الربيع. وكتب لعمر بن الخطاب زيد بن ثابت، وعبد الله بن الأرقم، وعبد الله بن خلف الخزاعي أبو طلحة الطلحات على ديوان البصرة، وكتب له على ديوان الكوفة أبو جبيرة بن الضحاك الأنصاري. وقال عمر بن الخطاب لكتابه وعماله: ان القوه على العمل الا

стр. 3260

تؤخروا عمل اليوم لغد، فإنكم إذا فعلتم ذلك تذاءبت عليكم الأعمال، فلا تدرون بأيها تبدءون، وأيها تأخذون وهو أول من دون الدواوين في العرب في الإسلام. وكان يكتب لعثمان مروان بن الحكم، وكان عبد الملك يكتب له على ديوان المدينة، وأبو جبيرة الأنصاري على ديوان الكوفة، وكان أبو غطفان ابن عوف بن سعد بن دينار من بني دهمان من قيس عيلان يكتب له، وكان يكتب له أهيب مولاه، وحمران مولاه. وكان يكتب لعلى ع سعيد بن نمران الهمداني، ثم ولي قضاء الكوفة لابن الزبير وكان يكتب له عبد الله بن مسعود، وروي أن عبد الله بن جبير كتب له وكان عبيد الله بن أبي رافع يكتب له واختلف في اسم أبي رافع، فقيل: اسمه إبراهيم، وقيل: أسلم، وقيل: سنان، وقيل: عبد الرحمن وكان يكتب لمعاوية على الرسائل عبيد بن أوس الغساني. وكان يكتب له على ديوان الخراج سرجون بن منصور الرومي وكتب له عبد الرحمن بن دراج، وهو مولى معاوية، وكتب على بعض دواوينه عبيد الله بن نصر بن الحجاج بن علاء السلمي. وكان يكتب لمعاوية بن يزيد الريان بن مسلم، ويكتب له على الديوان سرجون ويروى أنه كتب له أبو الزعيزعة. وكتب لعبد الملك بن مروان قبيصة بن ذؤيب بن حلحلة الخزاعي، ويكنى أبا إسحاق وكتب على ديوان الرسائل أبو الزعيزعة مولاه. وكان يكتب للوليد القعقاع بن خالد- أو خليد العبسي، وكتب له على ديوان الخراج سُلَيْمَان بن سعد الخشني، وعلى ديوان الخاتم شعيب

стр. 3261

العماني مولاه، وعلى ديوان الرسائل جناح مولاه، وعلى المستغلات نفيع ابن ذؤيب مولاه. وكان يكتب لسُلَيْمَان سُلَيْمَان بن نعيم الحميري. وكان يكتب لمسلمة سميع مولاه، وعلى ديوان الرسائل الليث بن أبي رقية مولى أم الحكم بنت أبي سفيان، وعلى ديوان الخراج سُلَيْمَان بن سعد الخشني، وعلى ديوان الخاتم نعيم بن سلامة مولى لأهل اليمن من فلسطين، وقيل: بل رجاء بن حيوة كان يتقلد الخاتم. وكان يكتب ليزيد بن المهلب المغيرة بن أبي فروة. وكان يكتب لعمر بن عبد العزيز الليث بن أبي رقية مولى أم الحكم بنت أبي سفيان، ورجاء بن حيوة وكتب له إسماعيل بن أبي حكيم مولى الزبير، وعلى ديوان الخراج سُلَيْمَان بن سعد الخشني، وقلد مكانه صالح بن جبير الغساني- وقيل: الغداني- وعدي بن الصباح بن المثنى، ذكر الهيثم بن عدي أنه كان من جلة كتابه. وكتب ليزيد بن عبد الملك قبل الخلافة رجل يقال له يزيد بن عبد الله، ثم استكتب أسامة بن يزيد السليحي. وكتب لهشام سعيد بن الوليد بن عمرو بن جبلة الكلبى الابرش، ويكنى أبا مخاشع، وكان نصر بن سيار يتقلد ديوان خراج خراسان لهشام وكان من كتابه بالرصافة شعيب بن دينار. وكان يكتب للوليد بن يزيد بكير بن الشماخ، وعلى ديوان الرسائل سالم مولى سعيد بن عبد الملك، ومن كتابه عبد الله بن أبي عمرو، ويقال: عبد الأعلى بن أبي عمرو، وكتب له على الحضرة عمرو بن عتبة وكتب ليزيد بن الوليد الناقص عبد الله بن نعيم، وكان عمرو ابن الحارث مولى بني جمح يتولى له ديوان الخاتم، وكان يتقلد له ديوان

стр. 3262

الرسائل ثابت بن سُلَيْمَان بن سعد الخشني- ويقال الربيع بن عرعرة الخشني- وكان يتقلد له الخراج والديوان الذي للخاتم الصغير النضر بن عمرو من أهل اليمن. وكتب لإبراهيم بن الوليد ابن أبي جمعة، وكان يتقلد له الديوان بفلسطين، وبايع الناس إبراهيم- أعني ابن الوليد- سوى أهل حمص، فإنهم بايعوا مروان بن مُحَمَّد الجعدي وكتب لمروان عبد الحميد بن يحيى مولى العلاء بن وهب العامري، ومصعب بن الربيع الخثعمي، وزياد بن أبي الورد وعلى ديوان الرسائل عثمان بن قيس مولى خالد القسري وكان من كتابه مخلد بن مُحَمَّد بن الحارث- ويكنى أبا هاشم- ومن كتابه مصعب بن الربيع الخثعمي، ويكنى أبا موسى وكان عبد الحميد بن يحيى من البلاغة في مكان مكين، ومما اختير له من الشعر: ترحل ما ليس بالقافل ... وأعقب ما ليس بالزائل فلهفي على الخلف النازل ... ولهفي على السلف الراحل أبكّي على ذا وأبكي لذا ... بكاء مولهة ثاكل تبكّي من ابن لها قاطع ... وتبكي على ابن لها واصل فليست تفتر عن عبرة ... لها في الضمير ومن هامل تقضت غوايات سكر الصبى ... ورد التقى عنن الباطل وكتب لأبي العباس خالد بن برمك، ودفع أبو العباس ابنته ريطة إلى خالد بن برمك حتى أرضعتها زوجته أم خالد بنت يزيد بلبان بنت لخالد تدعى أم يحيى، وأرضعت أم سلمة زوجة أبي العباس أم يحيى بنت خالد بلبان ابنتها ريطة وقلد ديوان الرسائل صالح بن الهيثم مولى ريطة بنت أبي العباس

стр. 3263

وكتب لأبي جعفر المنصور عبد الملك بن حميد مولى حاتم بن النعمان الباهلي من أهل خراسان، وكتب له هاشم بن سعيد الجعفي وعبد الأعلى بن أبي طلحة من بني تميم بواسط وروي أن سُلَيْمَان بن مخلد كان يكتب لأبي جعفر، ومما كان يتمثل به أبو جعفر المنصور: وما إن شفى نفسا كأمر صريمة ... إذا حاجة في النفس طال اعتراضها وكتب له الربيع وكان عمارة بن حمزة من نبلاء الرجال، وله: لا تشكون دهرا صححت به ... إن الغنى في صحة الجسم هبك الإمام أكنت منتفعا ... بغضارة الدنيا مع السقم! وكان يتمثل بقول عبد بني الحسحاس: أمن أمية دمع العين مذروف ... لو أن ذا منك قبل اليوم معروف لا تبك عينك إن الدهر ذو غير ... فيه تفرق ذو إلف ومألوف وكتب للمهدي أبو عبيد الله وأبان بن صدقة على ديوان رسائله، ومُحَمَّد بن حميد الكاتب على ديوان جنده ويعقوب بن داود، وكان اتخذه على وزارته وأمره، وله: عجبا لتصريف الأمور ... محبة وكراهية والدهر يلعب بالرجال ... له دوائر جاريه ولابنه عبد الله بن يعقوب- وكان له مُحَمَّد ويعقوب، كلاهما شاعر مجيد: وزع المشيب شراستى وغرامى ... ومرى الجفون بمسبل سجام

стр. 3264

ولقد حرصت بأن أو ارى شخصه ... عن مقلتي فرمت غير مرام وصبغت ما صبغ الزمان فلم يدم ... صبغي ودامت صبغة الأيام لا تبعدن شبيبة ذيالة ... فارقتها في سالف الأعوام ما كان ما استصحبت من أيامها ... إلا كبعض طوارق الأحلام ولأبيه: طلق الدنيا ثلاثا ... واتخذ زوجا سواها إنها زوجة سوء ... لا تبالي من أتاها واستوزر بعده الفيض بن أبي صالح، وكان جوادا. وكتب للهادي موسى عبيد الله بْن زياد بْن أبي ليلى ومُحَمَّد بن حميد. وسأل المهدي يوما أبا عبيد الله عن أشعار العرب، فصنفها له، فقال: أحكمها قول طرفة بن العبد: أرى قبر نحام بخيل بماله ... كقبر غوي في البطالة مفسد ترى جثوتين من تراب عليهما ... صفائح صم من صفيح مصمد أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدد أرى العيش كنزا ناقصا كل ليلة ... وما تنقص الأيام والدهر ينفد لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخى وثنياه باليد وقوله: وقد أرانا كلانا هم صاحبه ... لو أن شيئا إذا ما فاتنا رجعا وكان شيء إلى شيء ففرقه ... دهر يكر على تفريق ما جمعا

стр. 3265

وقول لبيد: ألا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحب فيقضى أم ضلال وباطل ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم ... بلى كل ذي رأي إلى الله واسل وكقول النابغة الجعدي: وقد طال عهدي بالشباب وأهله ... ولاقيت روعات تشيب النواصيا فلم أجد الإخوان إلا صحابة ... ولم أجد الأهلين إلا مثاويا ألم تعلمي أن قد رزئت محاربا ... فما لك منه اليوم شيء ولا ليا وكقول هدبة بن خشرم: ولست بمفراح إذا الدهر سرني ... ولا جازع من صرفه المتقلب ولا أتبغى الشر والشر تاركي ... ولكن متى أحمل على الشر أركب وما يعرف الأقوام للدهر حقه ... وما الدهر مما يكرهون بمعتب وللدهر في أهل الفتى وتلاده ... نصيب كحز الجازر المتشعب وكقول زيادة بن زيد، وتمثل به عبد الملك بن مروان: تذكر عن شحط أميمة فارعوى ... لها بعد إكثار وطول نحيب وإن امرأ قد جرب الدهر لم يخف ... تقلب عصريه لغير لبيب هل الدهر والأيام إلا كما ترى ... رزيئة مال أو فراق حبيب وكل الذي يأتي فأنت نسيبه ... ولست لشيء ذاهب بنسيب

стр. 3266

وليس بعيد ما يجيء كمقبل ... ولا ما مضى من مفرح بقريب وكقول ابن مقبل: لما رأت بدل الشباب بكت له ... والشيب أرذل هذه الأبدال والناس همهم الحياة ولا أرى ... طول الحياة يزيد غير خبال وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذخرا يكون كصالح الأعمال ووزر له يحيى بن خالد ووزر للرشيد ابنه جعفر بن يحيى بن خالد، فمن مليح كلامه: الخط سمة الحكمة، به تفصل شذورها، وينظم منثورها قال ثمامة: قلت لجعفر بن يحيى: ما البيان؟ فقال: أن يكون الاسم محيطا بمعناك، مخبرا عن مغزاك، مخرجا من الشركة، غير مستعان عليه بالفكرة قال الأصمعي: سمعت يحيى بن خالد يقول: الدنيا دول، والمال عارية، ولنا بمن قبلنا أسوة، وفينا لمن بعدنا عبرة. ونأتي بتسمية باقي كتاب خلفاء بني العباس إذا انتهينا إلى الدولة العباسية ان شاء الله تعالى.

стр. 3267

ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ذكر الكائن الذي كان فيها من الأمور الجليلة فمن ذلك مقتل عبد الله بن الزبير . ذكر الخبر عن صفة ذَلِكَ: حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر. قال: حدثني إسحاق بن يحيى، عن عبيد الله بن القبطية، قال: كانت الحرب بين ابن الزبير والحجاج ببطن مكة ستة أشهر وسبع عشرة ليلة. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عمر: وَحَدَّثَنِي مُصْعَب بن ثابت، عن نافع مولى بني أسد- وكان عالما بفتنة ابن الزبير- قال: حصر ابن الزبير ليلة هلال ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين وقتل لسبع عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، وكان حصر الحجاج لابن الزبير ثمانية أشهر وسبع عشرة ليلة. حَدَّثَنَا الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قال: أخبرنا محمد ابن عمر: قال: حدثني إسحاق بن يحيى، عن يوسف بن ماهك، قال: رأيت المنجنيق يرمى به، فرعدت السماء وبرقت، وعلا صوت الرعد والبرق على الحجارة، فاشتمل عليها، فأعظم ذلك أهل الشام، فأمسكوا بأيديهم، فرفع الحجاج بركة قبائه فغرزها في منطقته، ورفع حجر المنجنيق فوضعه فيه، ثم قال: أرموا، ورمى معهم قال: ثم أصبحوا، فجاءت صاعقة تتبعها أخرى، فقتلت من أصحابه اثني عشر رجلا، فانكسر أهل الشام، فقال الحجاج: يا أهل الشام، لا تنكروا هذا فإني ابن تهامة، هذه صواعق تهامة، هذا الفتح قد حضر فأبشروا، إن القوم يصيبهم مثل ما أصابكم، فصعقت من الغد فأصيب من أصحاب ابن الزبير عدة، فقال الحجاج: ألا ترون أنهم يصابون وأنتم على الطاعة، وهم على خلاف

стр. 3268

الطاعة! فلم تزل الحرب بين ابن الزبير والحجاج حتى كان قبيل مقتله وقد تفرق عنه أصحابه، وخرج عامة أهل مكة إلى الحجاج في الأمان. حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنى إسحاق بن عبد الله، عن المنذر بن جهم الأسدي، قال: رأيت ابن الزبير يوم قتل وقد تفرق عنه أصحابه وخذله من معه خذلانا شديدا، وجعلوا يخرجون إلى الحجاج حتى خرج إليه نحو من عشرة آلاف. وذكر أنه كان ممن فارقه وخرج إلى الحجاج ابناه حمزة وخبيب، فأخذا منه لأنفسهما أمانا، فدخل على أمه أسماء- كما ذكر مُحَمَّد بن عمر عن أبي الزناد، عن مخرمة بن سُلَيْمَان الوالبي، قال: دخل ابن الزبير على أمه حين رأى من الناس ما رأى من خذلانهم، فقال: يا أمه، خذلني الناس حتى ولدي وأهلي، فلم يبق معي إلا اليسير ممن ليس عنده من الدفع اكثر من صبر ساعة، والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا، فما رأيك؟ فقالت: أنت والله يا بني أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على حق وإليه تدعو فامض له، فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكن من رقبتك يتلعب بها غلمان أمية، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت! أهلكت نفسك، وأهلكت من قتل معك، وإن قلت: كنت على حق فلما وهن أصحابي ضعفت، فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين، وكم خلودك في الدنيا! القتل أحسن فدنا ابن الزبير فقبل رأسها وقال: هذا والله رأيي، والذي قمت به داعيا إلى يومي هذا ما ركنت إلى الدنيا، ولا أحببت الحياة فيها، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله أن تستحل حرمه، ولكني أحببت أن أعلم رأيك، فزدتيني، بصيرة مع بصيرتي. فانظري يا أمه فإني مقتول من يومي هذا، فلا يشتد حزنك، وسلمى الأمر لله، فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر، ولا عملا بفاحشة، ولم يجر في

стр. 3269

حكم الله، ولم يغدر في أمان، ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد، ولم يبلغني ظلم عن عمالي فرضيت به بل أنكرته، ولم يكن شيء آثر عندي من رضا ربي اللهم إني لا أقول هذا تزكية مني لنفسي، أنت أعلم بي، ولكن أقوله تعزية لأمي لتسلو عني فقالت أمه: إني لأرجو من الله أن يكون عزائي فيك حسنا إن تقدمتني، وإن تقدمتك ففي نفسي، أخرج حتى أنظر إلى ما يصير أمرك قال: جزاك الله يا أمه خيرا، فلا تدعي الدعاء لي قبل وبعد فقالت: لا أدعه أبدا، فمن قتل على باطل فقد قتلت على حق ثم قالت: اللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل، وذلك النحيب والظمأ في هواجر المدينة ومكة، وبره بأبيه وبي اللهم قد سلمته لأمرك فيه، ورضيت بما قضيت، فأثبني في عبد الله ثواب الصابرين الشاكرين. قال مصعب بن ثابت: فما مكثت بعده إلا عشرا، ويقال: خمسة أيام. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ يعقوب بن عبد الله، عن عمه قال: دخل ابن الزبير على أمه وعليه الدرع والمغفر، فوقف فسلم، ثم دنا فتناول يدها فقبلها فقالت: هذا وداع فلا تبعد، قال ابن الزبير: جئت مودعا، إني لأرى هذا آخر يوم من الدنيا يمر بي، واعلمي يا أمه أني إن قتلت فإنما أنا لحم لا يضرني ما صنع بي، قالت: صدقت يا بني، أتمم على بصيرتك، ولا تمكن ابن أبي عقيل منك، وادن مني أودعك، فدنا منها فقبلها وعانقها، وقالت حيث مست الدرع: ما هذا صنيع من يريد ما تريد! قال: ما لبست هذا الدرع إلا لأشد منك، قالت العجوز: فإنه لا يشد مني، فنزعها ثم أدرج كميه، وشد أسفل قميصه، وجبة خز تحت القميص فأدخل أسفلها في المنطقة، وأمه تقول: البس ثيابك مثمره ثم انصرف ابن الزبير وهو يقول:

стр. 3270

إني إذا أعرف يومي أصبر ... إذ بعضهم يعرف ثم ينكر فسمعت العجوز قوله، فقالت: تصبر والله إن شاء الله، أبوك أبو بكر والزبير، وأمك صفية بنت عبد المطلب. حدثني الحارث، قال: حدثني ابن سعد، قال: أخبرني مُحَمَّد بن عمر، قال: أخبرنا ثور بن يزيد، عن شيخ من أهل حمص شهد وقعة ابن الزبير مع أهل الشام، قال: رأيته يوم الثلاثاء وإنا لنطلع عليه اهل حمص خمسمائة خمسمائة من باب لنا ندخله، لا يدخله غيرنا، فيخرج إلينا وحده في أثرنا، ونحن منهزمون منه، فما أنسى أرجوزة له: إني إذا أعرف يومي أصبر وإنما يعرف يوميه الحر إذ بعضهم يعرف ثم ينكر. فأقول: أنت والله الحر الشريف، فلقد رأيته يقف في الأبطح ما يدنو منه أحد حتى ظننا أنه لا يقتل. حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا مصعب بن ثابت، عن نافع مولى بني أسد، قال: رأيت الأبواب قد شحنت من أهل الشام يوم الثلاثاء، وأسلم أصحاب ابن الزبير المحارس، وكثرهم القوم فأقاموا على كل باب رجالا وقائدا وأهل بلد، فكان لأهل حمص الباب الذي يواجه باب الكعبة، ولأهل دمشق باب بني شيبة، ولأهل الأردن باب الصفا، ولأهل فلسطين باب بني جمح، ولأهل قنسرين باب بني سهم، وكان الحجاج وطارق بن عمرو جميعا في ناحية الأبطح إلى المروة، فمرة يحمل ابن الزبير في هذه الناحية، ومرة في هذه الناحية فلكأنه أسد في أجمة ما يقدم عليه الرجال، فيعدو في أثر القوم وهم على الباب حتى يخرجهم وهو يرتجز: إني إذا أعرف يومي أصبر وإنما يعرف يوميه الحر ثم يصيح: يا أبا صفوان، ويل أمه فتحا لو كان له رجال!

стр. 3271

لو كان قرني واحدا كفيته. قال ابن صفوان: إي والله وألف. حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: فحدثني ابن أبي الزناد وأبو بكر بن عبد الله بن مصعب، عن ابى المنذر، وحدثنا نافع مولى بني أسد، قالا: لما كان يوم الثلاثاء صبيحة سبع عشرة من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين وقد أخذ الحجاج على ابن الزبير بالأبواب، بات ابن الزبير يصلي عامة الليل، ثم احتبى بحمائل سيفه فأغفى، ثم انتبه بالفجر فقال: أذن يا سعد، فأذن عند المقام، وتوضأ ابن الزبير، وركع ركعتي الفجر، ثم تقدم، وأقام المؤذن فصلى بأصحابه، فقرأ «ن وَالْقَلَمِ» حرفا حرفا، ثم سلم، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: اكشفوا وجوهكم حتى أنظر، وعليهم المغافر والعمائم، فكشفوا وجوههم فقال: يا آل الزبير، لو طبتم لي نفسا عن أنفسكم كنا أهل بيت من العرب اصطلمنا في الله لم تصبنا زباء بتة أما بعد يا آل الزبير، فلا يرعكم وقع السيوف، فإني لم أحضر موطنا قط الا ارتثثت فيه من القتل، وما أجد من أدواء جراحها أشد مما أجد من ألم وقعها صونوا سيوفكم كما تصونون وجوهكم، لا أعلم امرأ كسر سيفه، واستبقى نفسه، فإن الرجل إذا ذهب سلاحه فهو كالمرأة أعزل، غضوا أبصاركم عن البارقه، وليشغل كل امرى قرنه، ولا يلهينكم السؤال عني، ولا تقولن: أين عبد الله بن الزبير؟ ألا من كان سائلا عني فإني في الرعيل الأول. ابى لابن سلمى أنه غير خالد ... ملاقي المنايا أي صرف تيمما فلست بمبتاع الحياة بسبة ... ولا مرتق من خشية الموت سلما

стр. 3272

احملوا على بركة الله. ثم حمل عليهم حتى بلغ بهم الحجون، فرمي بأجرة فأصابته في وجهه فأرعش لها، ودمى وجهه، فلما وجد سخونة الدم يسيل على وجهه ولحيته قال: فلسنا عَلَى الأَعْقَابِ تَدْمَى كُلُومُنَا ... وَلَكِنْ عَلَى أَقْدَامِنَا تقطر الدما وتغاووا عليه. قالا: وصاحت مولاه لنا مجنونه: وا امير المؤمنيناه! قالا: وقد رأته حيث هوى، فأشارت لهم إليه، فقتل وإن عليه ثياب خز وجاء الخبر إلى الحجاج، فسجد وسار حتى وقف عليه وطارق بن عمرو، فقال طارق: ما ولدت النساء أذكر من هذا، فقال الحجاج: تمدح من يخالف طاعة أمير المؤمنين! قال: نعم، هو أعذر لنا، ولولا هذا ما كان لنا عذر، أنا محاصروه وهو في غير خندق ولا حصن ولا منعة منذ سبعة أشهر ينتصف منا، بل يفضل علينا في كل ما التقينا نحن وهو، فبلغ كلامهما عبد الملك، فصوب طارقا. حدثنا عمر، قال: حدثنا أبو الحسن، عن رجاله، قال: كأني أنظر إلى الزبير وقد قتل غلاما أسود، ضربه فعرقبه، وهو يمر في حملته عليه ويقول: صبرا يا بن حام، ففي مثل هذه المواطن تصبر الكرام! حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد ابن عمر، قال: حدثني عبد الجبار بن عمارة، عن عبد الله بن ابى بكر ابن مُحَمَّد بن عمرو بن حزم، قال: بعث الحجاج برأس ابن الزبير ورأس عبد الله بن صفوان ورأس عمارة بن عمرو بن حزم إلى المدينة فنصبت بها، ثم ذهب بها إلى عبد الملك بن مروان، ثم دخل الحجاج

стр. 3273

مكة، فبايع من بها من قريش لعبد الملك بن مروان [أخبار متفرقة] قال أبو جعفر: وفي هذه السنة ولى عبد الملك طارقا مولى عثمان المدينة فوليها خمسة أشهر. وفي هذه السنة توفي بشر بن مروان في قول الواقدي، وأما غيره فإنه قال: كانت وفاته في سنة أربع وسبعين. وفيها أيضا وجه- فيما ذكر- عبد الملك بن مروان عمر بن عبيد الله بن معمر لقتال أبي فديك، وأمره أن يندب معه من أحب من أهل المصرين، فقدم الكوفه فندب أهلها، فانتدب معه عشرة آلاف، ثم قدم البصرة فندب أهلها، فانتدب معه عشرة آلاف، فأخرج لهم أرزاقهم وأعطياتهم، فأعطوها ثم سار بهم عمر بن عبيد الله، فجعل أهل الكوفة على الميمنة وعليهم مُحَمَّد بن موسى بن طلحة، وجعل أهل البصرة على الميسرة وعليهم ابن أخيه عمر بن موسى بن عبيد الله، وجعل خيله في القلب، حتى انتهوا إلى البحرين، فصف عمر بن عبيد الله أصحابه، وقدم الرجالة في أيديهم الرماح قد ألزموها الأرض، واستتروا بالبراذع فحمل أبو فديك وأصحابه حملة رجل واحد، فكشفوا ميسرة عمر بن عبيد الله حتى ذهبوا في الأرض إلا المغيرة بن المهلب ومعن بن المغيرة ومجاعة ابن عبد الرحمن وفرسان الناس فإنهم مالوا إلى صف أهل الكوفة وهم ثابتون، وارتث عمر بن موسى بن عبيد الله، فهو في القتلى قد أثخن جراحة. فلما رأى أهل البصرة أهل الكوفة لم ينهزموا تذمموا ورجعوا وقاتلوا وما عليهم أمير حتى مروا بعمر بن موسى بن عبيد الله جريحا فحملوه حتى أدخلوه عسكر الخوارج وفيه تبن كثير فأحرقوه، ومالت عليهم الريح، وحمل أهل الكوفة وأهل البصرة حتى استباحوا عسكرهم وقتلوا أبا فديك، وحصروهم في المشقر، فنزلوا على الحكم، فقتل عمر بن عبيد الله منهم- فيما ذكر- نحوا من سته آلاف، واسر ثمانمائه، وأصابوا جاريه اميه بن عبد الله حبلى من أبي فديك وانصرفوا إلى البصرة

стр. 3274

وفي هذه السنة عزل عبد الملك خالد بن عبد الله عن البصرة وولاها أخاه بشر بن مروان، فصارت ولايتها وولاية الكوفة إليه، فشخص بشر لما ولي مع الكوفة البصرة إلى البصرة واستخلف على الكوفة عمرو بن حريث. وفيها غزا مُحَمَّد بن مروان الصائفة، فهزم الروم وقيل: إنه كان في هذه السنة وقعة عثمان بن الوليد بالروم في ناحية أرمينية وهو في أربعة آلاف والروم في ستين ألفا، فهزمهم وأكثر القتل فيهم. وأقام الحج في هذه السنة للناس الحجاج بن يوسف وهو على مكة واليمن واليمامة، وعلى الكوفة والبصرة- في قول الواقدي- بشر بن مروان، وفي قول غيره على الكوفة بشر بن مروان، وعلى البصرة خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى قضاء الْكُوفَة شريح بن الْحَارِث، وعلى قضاء البصره هشام ابن هبيرة، وعلى خراسان بكير بن وشاح

стр. 3275

ثم دخلت سنة أربع وسبعين (ذكر ما كان فيها من الأحداث الجليلة) قال أبو جعفر: فمما كان فيها من ذلك عزل عبد الملك طارق بن عمرو عن المدينة، واستعماله عليها الحجاج بن يوسف، فقدمها- فيما ذكر- فأقام بها شهرا ثم خرج معتمرا. وفيها كان- فيما ذكر- نقض الحجاج بن يوسف بنيان الكعبة الذي كان ابن الزبير بناه، وكان إذ بناه أدخل في الكعبة الحجر، وجعل لها بابين، فأعادها الحجاج على بنائها الأول في هذه السنة، ثم انصرف إلى المدينة في صفر، فأقام بها ثلاثة أشهر يتعبث بأهل المدينة ويتعنتهم، وبنى بها مسجدا في بني سلمة، فهو ينسب إليه. واستخف فيها باصحاب رسول الله ص، فختم في أعناقهم، فذكر مُحَمَّد بن عمران بن أبي ذئب، حدثه عمن رأى جابر بن عبد الله مختوما في يده. وعن ابن أبي ذئب، عن إسحاق بن يزيد، أنه رأى أنس بن مالك مختوما في عنقه، يريد أن يذله بذلك. قال ابن عُمَرَ: وَحَدَّثَنِي شُرَحْبِيلُ بْنُ أَبِي عَوْنٍ، عَنْ أبيه، قال: رأيت الحجاج أرسل إلى سهل بن سعد فدعاه، فقال: ما منعك أن تنصر أمير المؤمنين عثمان بن عفان! قال: قد فعلت قال: كذبت، ثم أمر به فختم في عنقه برصاص. وفيها استقضى عبد الملك أبا إدريس الخولاني- فيما ذكر الواقدي. وفي هذه السنة شخص في قول بعضهم بشر بن مروان من الكوفة إلى البصرة واليا عليها. ذكر الخبر عن حرب المهلب للازارقه وفي هذه السنة ولي المهلب حرب الأزارقة من قبل عبد الملك

стр. 3276

ذكر الخبر عن أمره وأمرهم فيها: ولما صار بشر بالبصرة كتب عبد الملك إليه- فِيمَا ذكر هِشَام عن أبي مخنف، عن يونس بْن أبي إسحاق، عن أبيه: أما بعد، فابعث المهلب في أهل مصره إلى الأزارقة، ولينتخب من أهل مصره وجوههم وفرسانهم وأولي الفضل والتجربة منهم، فإنه أعرف بهم، وخله ورأيه في الحرب، فإني أوثق شيء بتجربته ونصيحته للمسلمين، وابعث من أهل الكوفة بعثا كثيفا، وابعث عليهم رجلا معروفا شريفا، حسيبا صليبا، يعرف بالبأس والنجدة والتجربة للحرب، ثم أنهض إليهم أهل المصرين فليتبعوهم أي وجه ما توجهوا حتى يبيدهم الله ويستأصلهم والسلام عليك. فدعا بشر المهلب فأقرأه الكتاب، وأمره أن ينتخب من شاء، فبعث بجديع بن سعيد بن قبيصة بن سراق الأزدي- وهو خال يزيد ابنه- فأمره أن يأتي الديوان فينتخب الناس، وشق على بشر أن أمرة المهلب جاءت من قبل عبد الملك، فلا يستطيع أن يبعث غيره، فأوغرت صدره عليه حتى كأنه كان له إليه ذنب ودعا بشر بن مروان عبد الرحمن بن مخنف فبعثه على أهل الكوفة، وأمره أن ينتخب فرسان الناس ووجوههم وأولي الفضل منهم والنجدة. قال أبو مخنف: فحدثني أشياخ الحي، عن عبد الرحمن بن مخنف قال: دعاني بشر بن مروان فقال لي: انك قد عرفت منزلتك منى، واثرتك عندي، وقد رأيت أن أوليك هذا الجيش للذي عرفت من جزئك وغنائك وشرفك وبأسك، فكن عند أحسن ظني بك أنظر هذا الكذا كذا- يقع في المهلب- فاستبد عليه بالأمر، ولا تقبلن له مشورة ولا رأيا، وتنقصه وقصر به. قال: فترك أن يوصيني بالجند، وقتال العدو، والنظر لأهل

стр. 3277

الإسلام، وأقبل يغريني بابن عمى كأني من السفهاء أو ممن يستصبي ويستجهل، ما رأيت شيخا مثلي في مثل هيئتي ومنزلتي طمع منه في مثل ما طمع فيه هذا الغلام مني، شب عمرو عن الطوق. قال: ولما رأى أني لست بالنشيط إلى جوابه قال لي: مالك؟ قلت: أصلحك الله! وهل يسعني إلا إنفاذ أمرك في كل ما أحببت وكرهت! قال: امض راشدا قال: فودعته وخرجت من عنده، وخرج المهلب بأهل البصرة حتى نزل رام مهرمز فلقي بها الخوارج، فخندق عليه، وأقبل عبد الرحمن بن مخنف بأهل الكوفة على ربع أهل المدينة معه بشر بن جرير، وعلى ربع تميم وهمدان مُحَمَّد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس، وعلى ربع كندة وربيعة إسحاق بن مُحَمَّد بن الأشعث، وعلى ربع مذحج، وأسد زحر بن قيس فأقبل عبد الرحمن حتى نزل من المهلب على ميل أو ميل ونصف حيث تراءى العسكران برام مهرمز، فلم يلبث الناس إلا عشرا حتى أتاهم نعي بشر بن مروان، وتوفي بالبصرة، فارفض ناس كثير من أهل البصرة وأهل الكوفة، واستخلف بشر خالد بن عبد الله ابن أسيد، وكان خليفته على الكوفة عمرو بن حريث، وكان الذين انصرفوا من أهل الكوفة زحر بن قيس وإسحاق بن مُحَمَّد بن الاشعث ومحمد بن ابن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس، فبعث عبد الرحمن بن مخنف ابنه جعفرا في آثارهم، فرد إسحاق ومُحَمَّدا، وفاته زحر بن قيس، فحبسهما يومين، ثم أخذ عليهما الا يفارقاه، فلم يلبثا إلا يوما حتى انصرفا، فأخذا غير الطريق، وطلبا فلم يحلقا، وأقبلا حتى لحقا زحر بن قيس بالأهواز، فاجتمع بها ناس كثير ممن يريد البصرة، فبلغ ذلك خالد بن عبد الله، فكتب إلى الناس كتابا وبعث رسولا يضرب وجوه الناس ويردهم، فقدم بكتابه مولى له، فقرأ الكتاب على الناس، وقد جمعوا له:

стр. 3278

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ خَالِدِ بْنِ عبد الله، إِلَى من بلغه كتابي هَذَا من الْمُؤْمِنِينَ والمسلمين سلام عَلَيْكُمْ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمُ اللَّهَ الَّذِي لا إِلَهَ إلا هو أما بعد، فإن الله كتب على عباده الجهاد، وفرض طاعة ولاة الأمر، فمن جاهد فإنما يجاهد لنفسه، ومن ترك الجهاد في الله كان الله عنه أغنى، ومن عصى ولاة الأمر والقوام بالحق أسخط الله عليه، وكان قد استحق العقوبة في بشره، وعرض نفسه لاستفاءة ماله وإلقاء عطائه، والتسيير إلى أبعد الأرض وشر البلدان أيها المسلمون، اعلموا على من اجترأتم ومن عصيتم! إنه عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين، الذي ليست فيه غميزة، ولا لأهل المعصية عنده رخصة، سوطه على من عصى، وعلى من خالف سيفه، فلا تجعلوا على أنفسكم سبيلا، فإني لم آلكم نصيحه عباد الله، ارجعوا إلى مكتبكم وطاعة خليفتكم، ولا ترجعوا عاصين مخالفين فيأتيكم ما تكرهون أقسم بالله لا أثقف عاصيا بعد كتابي هذا إلا قتلته إِنْ شَاءَ اللَّهُ. والسلام عَلَيْكُمْ ورحمة اللَّه وأخذ كلما قرأ عليهم سطرا أو سطرين قال له زحر: أوجز، فيقول له مولى خالد: والله إني لأسمع كلام رجل ما يريد أن يفهم ما يسمع أشهد لا يعيج، بشيء مما في هذا الكتاب فقال له: اقرأ أيها العبد الأحمر ما أمرت به، ثم ارجع إلى أهلك، فإنك لا تدري ما في أنفسنا فلما فرغ من قراءته لم يلتفت الناس إلى ما في كتابه، وأقبل زحر وإسحاق بن مُحَمَّد ومُحَمَّد بن عبد الرحمن حتى نزلوا قرية لآل الأشعث إلى جانب الكوفة، وكتبوا إلى عمرو بن حريث: أما بعد، فإن الناس لما بلغهم وفاة الأمير رحمة الله عليه تفرقوا فلم يبق معنا أحد، فأقبلنا الى الأمير والى مصرنا، وأحببنا الا ندخل الكوفة إلا بإذن الأمير وعلمه

стр. 3279

فكتب إليهم: أما بعد، فإنكم تركتم مكتبكم وأقبلتم عاصين مخالفين، فليس لكم عندنا إذن ولا أمان. فلما أتاهم ذلك انتظروا حتى إذا كان الليل دخلوا إلى رحالهم، فلم يزالوا مقيمين حتى قدم الحجاج بن يوسف . عزل بكير بن وشاح عن خراسان وولايه اميه بن عبد الله عليها وفي هذه السنة عزل عبد الملك بكير بن وشاح عن خراسان وولاها أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد. ذكر الخبر عن سبب عزل بكير وولاية أمية: وكانت ولاية بكير بن وشاح خراسان إلى حين قدم أمية عليها واليا سنتين في قول أبي الحسن، وذلك أن ابن خازم قتل سنة ثلاث وسبعين وقدم أمية سنة أربع وسبعين. وكان سبب عزل بكير عن خراسان أن بحيرا- فيما ذكر علي عن المفضل- حبسه بكير بن وشاح لما كان منه فيما ذكرت في رأس ابن خازم حين قتله، فلم يزل محبوسا عنده حتى استعمل عبد الملك أمية بن عبد الله ابن خالد بن أسيد، فلما بلغ ذلك بكيرا أرسل إلى بحير ليصالحه، فأبى عليه وقال: ظن بكير أن خراسان تبقى له في الجماعة! فمشت السفراء بينهم، فأبى بحير، فدخل عليه ضرار بن حصين الضبي، فقال: ألا أراك مائقا! يرسل إليك ابن عمك يعتذر إليك وأنت أسيره، والمشرفي في يده- ولو قتلك ما حبقت فيك عنز- ولا تقبل منه! ما أنت بموفق اقبل الصلح، واخرج وأنت على أمرك فقبل مشورته، وصالح بكيرا، فأرسل إليه بكير بأربعين ألفا، وأخذ على بحير الا يقاتله وكانت تميم قد اختلفت بخراسان، فصارت مقاعس والبطون يتعصبون له، فخاف أهل خراسان أن تعود الحرب وتفسد البلاد، ويقهرهم عدوهم من المشركين، فكتبوا إلى

стр. 3280

عبد الملك بن مروان: أن خراسان لا تصلح بعد الفتنة إلا على رجل من قريش لا يحسدونه ولا يتعصبون عليه، فقال عبد الملك: خراسان ثغر المشرق، وقد كان به من الشر ما كان، وعليه هذا التميمي، وقد تعصب الناس وخافوا أن يصيروا إلى ما كانوا عليه، فيهلك الثغر ومن فيه، وقد سألوا أن أولي أمرهم رجلا من قريش فيسمعوا له ويطيعوا، فقال أمية بن عبد الله: يا أمير المؤمنين، تداركهم برجل منك، قال: لولا انحيازك عن أبي فديك كنت ذلك الرجل قال: يا أمير المؤمنين، والله ما انحزت حتى لم أجد مقاتلا، وخذلني الناس، فرأيت أن انحيازي إلى فئة أفضل من تعريضي عصبة بقيت من المسلمين للهلكة، وقد علم ذلك مرار بن عبد الرحمن بن أبي بكرة، وكتب إليك خالد بن عبد الله بما بلغه من عذري- قال: وكان خالد كتب إليه بعذره، ويخبره أن الناس قد خذلوه- فقال مرار: صدق أمية يا أمير المؤمنين، لقد صبر حتى لم يجد مقاتلا، وخذله الناس. فولاه خراسان، وكان عبد الملك يحب أمية، ويقول: نتيجتي، أي لدتي، فقال الناس: ما رأينا أحدا عوض من هزيمة ما عوض أمية، فر من أبي فديك فاستعمل على خراسان، فقال رجل من بكر بن وائل في محبس بكير بن وشاح: أتتك العيس تنفخ في براها ... تكشف عن مناكبها القطوع كأن مواقع الأكوار منها ... حمام كنائس بقع وقوع بأبيض من أمية مضرحي ... كأن جبينه سيف صنيع وبحير يومئذ بالسنج يسأل عن مسير أمية، فلما بلغه انه قد قارب ابرشهر قال الرجل من عجم أهل مرو يقال له رزين- أو زرير: دلني

стр. 3281

على طريق قريب لألقى الأمير قبل قدومه، ولك كذا وكذا، وأجزل لك العطية، وكان عالما بالطريق، فخرج به فسار من السنج إلى أرض سرخس في ليلة، ثم مضى به إلى نيسابور فوافى أمية حين قدم أبرشهر، فلقيه فأخبره عن خراسان وما يصلح أهلها وتحسن به طاعتهم، ويخف على الوالي مئونتهم، ورفع على بكير أموالا أصابها، وحذره غدره. قال: وسار معه حتى قدم مرو، وكان أمية سيدا كريما، فلم يعرض لبكير ولا لعماله، وعرض عليه أن يوليه شرطته، فأبى بكير، فولاها بحير بن ورقاء، فلام بكيرا رجال من قومه، فقالوا: أبيت أن تلي، فولى بحيرا وقد عرفت ما بينكما! قال: كنت أمس والي خراسان تحمل الحراب بين يدي، فأصير اليوم على الشرطة أحمل الحربة! وقال أمية لبكير: اختر ما شئت من عمل خراسان، قال: طخارستان، قال: هي لك قال: فتجهز بكير وأنفق مالا كثيرا، فقال بحير لأمية: إن أتى بكير طخارستان خلعك، فلم يزل يحذره حتى حذر، فأمره بالمقام عنده [أخبار متفرقة] وحج بالناس في هذه السنة الحجاج بن يوسف وكان ولي قضاء المدينة عبد الله بن قيس بن مخرمة قبل شخوصه إلى المدينة كذلك، ذكر ذلك عن مُحَمَّد بن عمر. وكان على المدينة ومكة الحجاج بن يوسف، وعلى الكوفة والبصرة بشر بن مروان، وعلى خراسان أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى قضاء الْكُوفَة شريح بن الْحَارِث، وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة، وقد ذكر أن عبد الملك بن مروان اعتمر في هذه السنة، ولا نعلم صحة ذلك.

стр. 3282

ثم دخلت سنة خمس وسبعين (ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمن ذلك غزوة مُحَمَّد بن مروان الصائفة حين خرجت الروم من قبل مرعش. وفي هذه السنة ولى عبد الملك يحيى بن الحكم بن أبي العاص المدينة. وفي هذه السنة ولى عبد الملك الحجاج بن يوسف العراق دون خراسان وسجستان. سنه ٧٥ ولايه الحجاج على الكوفه وخطبته في أهلها وفيها قدم الحجاج الكوفة فحدثني أبو زيد، قال: حدثنى محمد ابن يحيى أبو غسان، عن عبد الله بْن أبي عبيدة بْن محمد بن عمار ابن ياسر، قال: خرج الحجاج بن يوسف من المدينة حين أتاه كتاب عبد الملك بن مروان بولاية العراق بعد وفاة بشر بن مروان في اثني عشر راكبا على النجائب حتى دخل الكوفة حين انتشر النهار فجاءة، وقد كان بشر بعث المهلب إلى الحرورية، فبدأ بالمسجد فدخله، ثم صعد المنبر وهو متلثم بعمامة خر حمراء، فقال: علي بالناس، فحسبوه وأصحابه خارجة، فهموا به، حتى إذا اجتمع إليه الناس قام فكشف عن وجهه وقال: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامه تعرفوني

стр. 3283

اما والله انى لأحمل الشر محمله، واخذوه بنعله، وأجزيه بمثله، وإني لأرى رءوسا قد أينعت وحان قطافها، وإني لأنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى. قد شمرت عن ساقها تشميرا. ... هذا أوان الشد فاشتدي زيم قد لفها الليل بسواق حطم ... ليس براعي إبل ولا غنم ولا بجزار على ظهر وضم ... قد لفها الليل بعصلبي أروع خراج من الدوي ... مهاجر ليس بأعرابي. ليس أوان يكره الخلاط ... جاءت به والقلص الأعلاط تهوي هوي سابق الغطاط. وإني والله يا أهل العراق ما أغمز كتغماز التين، ولا يقعقع لي بالشنان ولقد فررت عن ذكاء، وجريت إلى الغاية القصوى إن أمير المؤمنين، عبد الملك نشر كنانته ثم عجم عيدانها فوجدني أمرها عودا، وأصلبها مكسرا، فوجهني إليكم، فإنكم طالما أوضعتم في الفتن، وسننتم سنن الغي أما والله لألحونكم لحو العود، ولأعصبنكم عصب السلمة،

стр. 3284

ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل إني والله لا أعد إلا وفيت، ولا أخلق إلا فريت فإياي وهذه الجماعات وقيلا وقالا، وما يقول، وفيم أنتم وذاك؟ والله لتسقيمن على سبل الحق اولاد عن لكل رجل منكم شغلا في جسده من وجدت بعد ثالثة من بعث المهلب سفكت دمه، وأنهبت ماله. ثم دخل منزله ولم يزد على ذلك. قال: ويقال: إنه لما طال سكوته تناول مُحَمَّد بن عمير حصى فأراد أن يحصبه بها، وقال: قاتله الله! ما أعياه وأدمه! والله إني لأحسب خبره كروائه فلما تكلم الحجاج جعل الحصى ينتثر من يده ولا يعقل به، وأن الحجاج قال في خطبته: شاهت الوجوه! إن الله ضرب «مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ، فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ» ، وأنتم أولئك واشباه أولئك، فاستوثقوا واستقيموا فو الله لأذيقنكم الهوان حتى تدروا، ولأعصبنكم عصب السلمة حتى تنقادوا، أقسم بالله لتقبلن على الإنصاف، ولتدعن الأرجاف، وكان وكان، وأخبرني فلان عن فلان، والهبر وما الهبر! أو لأهبرنكم؟ ٨٦٦ بالسيف هبرا يدع النساء أيامى، والولدان يتامى، وحتى تمشوا السُّمَّهَى، وتقلعوا عن هاوها إياي وهذه الزرافات، لا يركبن الرجل منكم إلا وحده الا انه لوساغ لأهل المعصية معصيتهم ما جبي فيء ولا قوتل عدو، ولعطلت الثغور، ولولا أنهم يغزون كرها ما غزوا طوعا، وقد بلغني رفضكم المهلب، وإقبالكم على مصركم عصاة مخالفين، وإني أقسم لكم بالله لا أجد أحدا بعد ثالثة إلا ضربت عنقه

стр. 3285

ثم دعا العرفاء فقال: ألحقوا الناس بالمهلب، وأتوني بالبراءات بموافاتهم ولا تغلقن أبواب الجسر ليلا ولا نهارا حتى تنقضي هذه المدة. تفسير الخطبة: قوله: أنا ابن جلا، فابن جلا الصبح لأنه يجلو الظلمة والثنايا: ما صغر من الجبال ونتأ وأينع الثمر: بلغ إدراكه. وقوله: فاشتدي زيم، فهي اسم للحرب والحطم: الذي يحطم كل شيء يمر به والوضم: ما وقي به اللحم من الأرض والعصلبي: الشديد والدوية: الأرض الفضاء التي يسمع فيها دوي أخفاف الإبل. والأعلاط: الإبل التي لا أرسان عليها، أنشد أبو زيد الأصمعي: واعرورت العلط العرضي تركضه ... أم الفوارس بالديداء والربعه والشنان، جمع شنة: القربة البالية اليابسة، قال الشاعر: كأنك من جمال بني أقيش ... يقعقع خلف رجليه بشن وقوله: فعجم عيدانها، أي عضها، والعجم بفتح الجيم: حب الزبيب، قال الأعشى: وملفوظها كلقيط العجم. وقوله: أمرها عودا، أي أصلبها، يقال: حبل ممر، إذا كان شديد الفتل وقوله: لأعصبنكم عصب السلمة، فالعصب القطع، والسلمة، شجرة من العضاه وقوله: لا أخلق إلا فريت، فالخلق: التقدير، قال الله تعالى: «مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ» ، أي مقدرة وغير مقدرة، يعني ما يتم وما يكون سقطا، قال الكميت يصف قربة: لم تجشم الخالقات فريتها ... ولم يفض من نطاقها السرب

стр. 3286

وإنما وصف حواصل الطير، يقول: ليست كهذه وصخرة خلقاء، أي ملساء، قال الشاعر: وبهو هواء فوق مور كأنه ... من الصخرة الخلقاء زحلوق ملعب ويقال: فريت الأديم إذا أصلحته، وأفريت، بالألف إذا أنت أفسدته والسمهى: الباطل، قال أبو عمرو الشيباني: وأصله ما تسميه العامة مخاط الشيطان، وهو لعاب الشمس عند الظهيرة، قال أبو النجم العجلي: وذاب للشمس لعاب فنزل ... وقام ميزان الزمان فاعتدل والزرافات: الجماعات تم التفسير. قال أبو جعفر: قال عمر: فحدثني مُحَمَّد بن يحيى، عن عبد الله بن أبي عبيدة، قال: فلما كان اليوم الثالث سمع تكبيرا في السوق، فخرج حتى جلس على المنبر، فقال: يا أهل العراق وأهل الشقاق والنفاق، ومساوئ الأخلاق، إني سمعت تكبيرا ليس بالتكبير الذي يراد الله به في الترغيب، ولكنه التكبير الذي يراد به الترهيب، وقد عرفت أنها عجاجة تحتها قصف يا بني اللكيعة وعبيد العصا، وأبناء الأيامى، ألا يربع رجل منكم على ظلعه، ويحسن حقن دمه، ويبصر موضع قدمه! فأقسم بالله لأوشك أن أوقع بكم وقعة تكون نكالا لما قبلها، وأدبا لما بعدها. قوله: تحتها قصف، فهو شدة الريح واللكعاء: الورهاء، وهي الحمقاء من الإماء والظلع: الضعف والوهن من شدة السير وقوله: تهوى هوي سابق الغطاط، فالغطاط بضم الغين: ضرب من الطير. قال الأصمعي: الغطاط بفتح الغين: ضرب من الطير، وانشد الحسان ابن ثابت:

стр. 3287

يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن الغطاط المقبل بفتح الغين قال: والغطاط بضم الغين: اختلاط الضوء بالظلمة من آخر الليل، قال الراجز: قام إلى أدماء في الغطاط ... يمشي بمثل قائم الفسطاط تم التفسير. قال: فقام إليه عمير بن ضابئ التميمي ثم الحنظلي فقال: أصلح الله الأمير! أنا في هذا البعث، وأنا شيخ كبير عليل، وهذا ابنى، وهو أشب مني، قال: ومن أنت؟ قال: عمير بن ضابئ التميمي، قال: أسمعت كلامنا بالأمس؟ قال: نعم، قال: ألست الذي غزا أمير المؤمنين عثمان؟ قال: بلى، قال: وما حملك على ذلك؟ قال: كان حبس أبي، وكان شيخا كبيرا، قال: او ليس يقول: هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله إني لأحسب في قتلك صلاح المصرين، قم إليه يا حرسي فاضرب عنقه، فقام إليه رجل فضرب عنقه، وأنهب ماله. ويقال: إن عنبسة بن سعيد قال للحجاج: أتعرف هذا؟ قال: لا، قال: هذا أحد قتلة أمير المؤمنين عثمان، فقال الحجاج: يا عدو الله، أفلا إلى أمير المؤمنين بعثت بديلا! ثم أمر بضرب عنقه، وأمر مناديا فنادى: ألا إن عمير بن ضابئ أتى بعد ثالثة، وقد كان سمع النداء، فأمرنا بقتله ألا فإن ذمة الله بريئة ممن بات الليلة من جند المهلب. فخرج الناس فازدحموا على الجسر، وخرجت العرفاء إلى المهلب وهو برامهرمز فأخذوا كتبه بالموافاة، فقال المهلب: قدم العراق اليوم رجل ذكر: اليوم قوتل العدو. قال ابن أبي عبيدة في حديثه: فعبر الجسر تلك الليلة أربعة آلاف من مذحج، فقال المهلب: قدم العراق رجل ذكر

стр. 3288

قال عمر عن أبي الحسن، قال: لما قرأ عليهم كتاب عبد الملك قال القارئ: أما بعد، سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله فقال له: اقطع، يا عبيد العصا، أيسلم عليكم أمير المؤمنين فلا يرد راد منكم السلام! هذا أدب ابن نهية، أما والله لأؤدبنكم غير هذا الأدب، ابدأ بالكتاب، فلما بلغ إلى قوله: أما بعد، سلام عليكم، لم يبق منهم أحد إلا قال: وعلى أمير المؤمنين السلام ورحمة الله قال عمر: حدثني عبد الملك بن شيبان بن عبد الملك بن مسمع، قال: حدثني عمرو بن سعيد، قال: لما قدم الحجاج الكوفة خطبهم فقال: إنكم قد أخللتم بعسكر المهلب، فلا يصبحن بعد ثالثة من جنده أحد، فلما كان بعد ثالثة أتى رجل يستدمي، فقال: من بك؟ قال: عمير بن ضابئ البرجمي، أمرته بالخروج إلى معسكره فضربني- وكذب عليه فأرسل الحجاج إلى عمير بن ضابئ، فأتي به شيخا كبيرا، فقال له: ما خلفك عن معسكرك؟ قال: أنا شيخ كبير لا حراك بي، فأرسلت ابني بديلا فهو أجلد مني جلدا، وأحدث مني سنا، فسل عما أقول لك، فإن كنت صادقا وإلا فعاقبني قال: فقال عنبسة بن سعيد: هذا الذي أتى عثمان قتيلا، فلطم وجهه ووثب عليه فكسر ضلعين من أضلاعه، فأمر به الحجاج فضربت عنقه، قال عمرو بن سعيد: فو الله. إني لأسير بين الكوفة والحيرة إذ سمعت رجزا مضريا، فعدلت إليهم فقلت: ما الخبر؟ فقالوا: قدم علينا رجل من شر أحياء العرب من هذا الحي من ثمود، أسقف الساقين، ممسوح الجاعرتين أخفش العينين، فقدم سيد الحي عمير بن ضابئ فضرب عنقه

стр. 3289

ولما قتل الحجاج عمير بن ضابئ لقي إبراهيم بن عامر أحد بني غاضرة من بني أسد عبد الله بن الزبير في السوق فسأله عن الخبر، فقال ابن الزبير: أقول لإبراهيم لما لقيته ... أرى الأمر أمسى منصبا متشعبا تجهز وأسرع والحق الجيش لا أرى ... سوى الجيش إلا في المهالك مذهبا تخير فإما أن تزور ابن ضابئ ... عميرا وإما أن تزور المهلبا هما خطتا كره نجاؤك منهما ... ركوبك حوليا من الثلج أشهبا فحال ولو كانت خراسان دونه ... رآها مكان السوق او هي اقربا فكائن ترى من مكره العدو مسمن ... تحمم حنو السرج حتى تحنبا وكان قدوم الحجاج الكوفة- فيما قيل- في شهر رمضان من هذه السنة، فوجه الحكم بن أيوب الثقفي، على البصرة أميرا، وأمره أن يشتد على خالد بن عبد الله، فلما بلغ خالدا الخبر خرج من البصرة قبل أن يدخلها الحكم، فنزل الجلحاء وشيعه أهل البصرة، فلم يبرح مصلاه حتى قسم فيهم ألف ألف وحج بالناس في هذه السنة عبد الملك بن مروان، حدثنى بذلك احمد ابن ثَابِت عمن حدثه، عن إِسْحَاق بْن عِيسَى، عن أبي معشر ووفد يحيى بن الحكم في هذه السنة على عبد الملك بن مروان، واستخلف على عمله بالمدينة أبان بن عثمان، وأمر عبد الملك يحيى بن الحكم أن يقر على عمله على ما كان عليه بالمدينة وعلى الكوفة والبصرة الحجاج بن يوسف وعلى خراسان

стр. 3290

أمية بن عبد الله وعلى قضاء الْكُوفَة شريح، وعلى قضاء الْبَصْرَة زراره ابن أوفى. وفي هذه السنة خرج الحجاج من الكوفة إلى البصرة، واستخلف على الكوفة أبا يعفور عروة بن المغيرة بن شعبة، فلم يزل عليها حتى رجع إليها بعد وقعة رستقباذ. ذكر الخبر عن ثوره الناس بالحجاج بالبصرة وفي هذه السنة ثار الناس بالحجاج بالبصرة. ذكر الخبر عن سبب وثوبهم به: ذكر هشام، عن أبي مخنف، عن أبي زهير العبسي، قال: خرج الحجاج بن يوسف من الكوفة بعد ما قدمها، وقتل ابن ضابئ من فوره ذلك حتى قدم البصرة، فقام فيها بخطبة مثل الذي قام بها في أهل الكوفة، وتوعدهم مثل وعيده إياهم، فأتي برجل من بني يشكر فقيل: هذا عاص، فقال: إن بي فتقا، وقد رآه بشر فعذرني، وهذا عطائي مردود في بيت المال، فلم يقبل منه وقتله، ففزع لذلك أهل البصره، فخرجوا حتى تداكئوا على العارض بقنطرة رامهرمز، فقال المهلب: جاء الناس رجل ذكر. وخرج الحجاج حتى نزل رستقباذ في أول شعبان سنة خمس وسبعين فثار الناس بالحجاج، عليهم عبد الله بن الجارود، فقتل عبد الله بن الجارود، وبعث بثمانية عشر رأسا فنصبت برامهرمز للناس، فاشتدت ظهور المسلمين، وساء ذلك الخوارج، وقد كانوا رجوا أن يكون من الناس فرقة واختلاف، فانصرف الحجاج إلى البصرة. وكان سبب أمر عبد الله بن الجارود أن الحجاج لما ندب الناس إلى

стр. 3291

اللحاق بالمهلب بالبصرة فشخصوا سار الحجاج حتى نزل رستقباذ قريبا من دستوى في آخر شعبان ومعه وجوه أهل البصرة، وكان بينه وبين المهلب ثمانية عشر فرسخا، فقام في الناس، فقال: إن الزيادة التي زادكم ابن الزبير في أعطياتكم زيادة فاسق منافق، ولست أجيزها فقام إليه عبد الله بن الجارود العبدي فقال: إنها ليست بزيادة فاسق منافق، ولكنها زيادة أمير المؤمنين عبد الملك قد أثبتها لنا فكذبه وتوعده، فخرج ابن الجارود على الحجاج وتابعه وجوه الناس، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل ابن الجارود وجماعة من أصحابه، وبعث برأسه ورءوس عشرة من أصحابه إلى المهلب، وانصرف إلى البصرة، وكتب الى المهلب والى عبد الرحمن ابن مخنف: أما بعد، إذا أتاكم كتابي هذا فناهضوا الخوارج، والسلام . نفى المهلب وابن مخنف الأزارقة عن رامهرمز وفي هذه السنة نفى المهلب وابن مخنف الأزارقة عن رامهرمز. ذكر الخبر عن ذَلِكَ وما كَانَ من أمرهم في هذه السنة: ذكر هشام عن أبي مخنف، عن أبي زهير العبسي، قال: ناهض المهلب وابن مخنف الأزارقة برامهرمز بكتاب الحجاج إليهما لعشر بقين من شعبان يوم الاثنين سنة خمس وسبعين، فأجلوهم عن رامهرمز من غير قتال شديد، ولكنهم زحفوا اليهم حتى أزالوهم، وخرج القوم كأنهم على حامية، حتى نزلوا سابور بأرض منها يقال لها كازرون، وسار المهلب وعبد الرحمن بن مخنف حتى نزلوا بهم في أول رمضان، فخندق المهلب عليه، فذكر أهل البصرة أن المهلب قال لعبد الرحمن بن مخنف: إن رأيت أن تخندق عليك فافعل، وإن أصحاب عبد الرحمن أبوا عليه وقالوا: إنما خندقنا سيوفنا وإن الخوارج زحفوا إلى المهلب ليلا ليبيتوه، فوجدوه قد أخذ حذره، فمالوا نحو عبد الرحمن بن مخنف فوجدوه لم يخندق،

стр. 3292

فقاتلوه، فانهزم عنه أصحابه، فنزل فقاتل في أناس من أصحابه فقتل، وقتلوا حوله، فقال شاعرهم: لمن العسكر المكلل بالصرعى ... فهم بين ميت وقتيل فتراهم تسفي الرياح عليهم ... حاصب الرمل بعد جر الذيول وأما أهل الكوفة فإنهم ذكروا أن كتاب الحجاج بن يوسف أتى المهلب وعبد الرحمن بن مخنف، أن ناهضا الخوارج حين يأتيكما كتابي فناهضاهم يوم الأربعاء لعشر بقين من رمضان سنة خمس وسبعين واقتتلوا قتالا شديدا لم يكن بينهم فيما مضى قتال كان أشد منه، وذلك بعد الظهر، فمالت الخوارج بحدها على المهلب بن أبي صفرة فاضطروه إلى عسكره، فسرح إلى عبد الرحمن رجالا من صلحاء الناس، فأتوه، فقالوا: إن المهلب يقول لك: إنما عدونا واحد، وقد ترى ما قد لقي المسلمون، فأمد إخوانك يرحمك الله فأخذ يمده بالخيل بعد الخيل، والرجال بعد الرجال، فلما كان بعد العصر ورأت الخوارج ما يجيء من عسكر عبد الرحمن من الخيل والرجال إلى عسكر المهلب ظنوا أنه قد خف أصحابه، فجعلوا خمس كتائب أو ستا تجاه عسكر المهلب، وانصرفوا بحدهم وجمعهم إلى عبد الرحمن بن مخنف، فلما رآهم قد صمدوا له نزل ونزل معه القراء، عليهم أبو الأحوص صاحب عبد الله بن مسعود، وخزيمة بن نصر أبو نصر ابن خزيمة العبسي الذي قتل مع زيد بن علي وصلب معه بالكوفة، ونزل معه من خاصة قومه أحد وسبعون رجلا، وحملت عليهم الخوارج فقاتلتهم قتالا شديدا ثم إن الناس انكشفوا عنه، فبقي في عصابة من أهل الصبر ثبتوا معه، وكان ابنه جعفر بن عبد الرحمن فيمن بعثه إلى المهلب، فنادى في الناس ليتبعوه إلى أبيه، فلم يتبعه إلا ناس قليل، فجاء حتى إذا دنا من أبيه حالت الخوارج بينه وبين أبيه، فقاتل حتى ارتثته الخوارج، وقاتل عبد الرحمن بن مخنف ومن معه على تل مشرف حتى ذهب نحو من ثلثي الليل، ثم قتل في تلك العصابة، فلما أصبحوا جاء المهلب حتى

стр. 3293

أتاه، فدفنه وصلى عليه، وكتب بمصابه إلى الحجاج، فكتب بذلك الحجاج إلى عبد الملك بن مروان، فنعى عبد الرحمن بمنى، وذم أهل الكوفة، وبعث الحجاج على عسكر عبد الرحمن بن مخنف عتاب بن ورقاء، وأمره إذا ضمتهما الحرب أن يسمع للمهلب ويطيع، فساءه ذلك، فلم يجد بدا من طاعة الحجاج ولم يقدر على مراجعته، فجاء حتى أقام في ذلك العسكر، وقاتل الخوارج وأمره إلى المهلب، وهو في ذلك يقضي أموره، ولا يكاد يستشير المهلب في شيء فلما رأى ذلك المهلب اصطنع رجالا من أهل الكوفة فيهم بسطام بن مصقلة بن هبيرة، فأغراهم بعتاب. قال أبو مخنف عن يوسف بن يزيد: إن عتابا أتى المهلب يسأله أن يرزق أصحابه، فأجلسه المهلب معه على مجلسه، قال: فسأله أن يرزق أصحابه سؤالا فيه غلظه وتجهم، قال: فقال له المهلب: وانك لها هنا بابن اللخناء! فبنو تميم يزعمون أنه رد عليه، وأما يوسف بن يزيد وغيره فيزعمون أنه قال: والله إنها لمعمة مخولة، ولوددت أن الله فرق بيني وبينك قال: فجرى بينهما الكلام حتى ذهب المهلب ليرفع القضيب عليه، فوثب عليه ابنه المغيرة، فقبض على القضيب وقال: أصلح الله الأمير! شيخ من أشياخ العرب، وشريف من أشرافهم، إن سمعت منه بعض ما تكرهه فاحتمله له، فإنه لذلك منك أهل، ففعل وقام عتاب فرجع من عنده، واستقبله بسطام بن مصقلة يشتمه، ويقع فيه. فلما رأى ذلك كتب إلى الحجاج يشكو إليه المهلب ويخبره أنه قد أغرى به سفهاء أهل المصر، ويسأله أن يضمه إليه، فوافق ذلك من الحجاج حاجة إليه فيما لقي أشراف الكوفة من شبيب، فبعث إليه أن أقدم واترك أمر ذلك الجيش إلى المهلب، فبعث المهلب عليه حبيب بن المهلب. وقال حميد بن مسلم يرثي عبد الرحمن بن مخنف: إن يقتلوك أبا حكيم غدوة ... فلقد تشد وتقتل الأبطالا

стр. 3294

أو يثكلونا سيدا لمسود ... سمح الخليقة ماجدا مفضالا فلمثل قتلك هد قومك كلهم ... من كان يحمل عنهمُ الأثقالا من كان يكشف غرمهم وقتالهم ... يوما إذا كان القتال نزالا! أقسمت ما نيلت مقاتل نفسه ... حتى تدرع من دم سربالا وتناجز الأبطال تحت لوائه ... بالمشرفية في الأكف نصالا يوما طويلا ثم آخر ليلهم ... حين استبانوا في السماء هلالا وتكشفت عنه الصفوف وخيله ... فهناك نالته الرماح فمالا وقال سراقة بن مرداس البارقي: أعيني جودا بالدموع السواكب ... وكونا كواهي شنة مع راكب على الأزد لما أن أصيب سراتهم ... فنوحا لعيش بعد ذلك خائب نرجى الخلود بعدهم وتعوقنا ... عوائق موت أو قراع الكتائب وكنا بخير قبل قتل ابن مخنف ... وكل امرئ يوما لبعض المذاهب أمار دموع الشيب من أهل مصره ... وعجل في الشبان شيب الذوائب وقاتل حتى مات أكرم ميتة ... وخر على خد كريم وحاجب وضارب عنه المارقين عصابة ... من الأزد تمشي بالسيوف القواضب فلا ولدت أنثى ولا آب غائب ... إلى أهله إن كان ليس بآيب فيا عين بكي مخنفا وابن مخنف ... وفرسان قومي قصرة وأقاربي وقال سراقة أيضا يرثي عبد الرحمن بن مخنف: ثوى سيد الأزدين أزد شنوءة ... وأزد عمان رهن رمس بكازر وضارب حتى مات اكرم ميته ... بابيض صاف كالعقيقة باتر وصرع حول التل تحت لوائه ... كرام المساعي من كرام المعاشر

стр. 3295

قضى نحبه يوم اللقاء ابن مخنف ... وأدبر عنه كل ألوث داثر أمد فلم يمدد فراح مشمرا ... إلى الله لم يذهب بأثواب غادر وأقام المهلب بسابور يقاتلهم نحوا من سنة. وفي هذه السنة تحرك صالح بن مسرح أحد بني امرئ القيس، وكان يرى رأي الصفرية وقيل: إنه أول من خرج من الصفرية . ذكر الخبر عن تحرك صالح للخروج وما كان منه في هذه السنة ذكر أن صالح بن مسرح أحد بني امرئ القيس حج سنة خمس وسبعين ومعه شبيب بن يزيد وسويد والبطين وأشباههم وحج في هذه السنة عبد الملك بن مروان، فهم شبيب بالفتك به، وبلغه ذرء من خبرهم، فكتب إلى الحجاج بعد انصرافه يأمره بطلبهم، وكان صالح يأتي الكوفة فيقيم بها الشهر ونحوه فيلقى أصحابه ليعدهم، فنبت بصالح الكوفة لما طلبه الحجاج، فتنكبها
следующие страницы →