Полный текст (6 431 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.
стр. 3361
قال أبو مخنف: فحدثني أبو يزيد السكسكي بهذا الحديث- وكان ممن يقاتله من أهل الشام، وحدثني فروة بن لقيط، وكان ممن شهد مواطنه- فأما رجل من رهطه من بني مرة بن همام فإنه حدثني أنه كان معه قوم يقاتلون من عشيرته، ولم يكن لهم تلك البصيرة النافذة، وكان قد قتل من عشائرهم رجالا كثيرا، فكأن ذلك قد أوجع قلوبهم، وأوغر صدورهم، وكان رجل يقال له مقاتل من بني تيم بن شيبان من أصحاب شبيب، فلما قتل شبيب رجالا من بني تيم بن شيبان أغار هو على بني مرة بن همام فأصاب منهم رجلا، فقال له شبيب: ما حملك على قتلهم بغير أمري! فقال له: أصلحك الله! قتلت كفار قومي، وقتلت كفار قومك، قال: وأنت الوالي علي حتى تقطع الأمور دوني! فقال: أصلحك الله! أليس من ديننا قتل من كان على غير رأينا، منا كان أو من غيرنا! قال: بلى، قال:
فإنما فعلت ما كان ينبغى، ولا والله يا أمير المؤمنين ما أصبت من رهطك عشر ما أصبت من رهطي، وما يحل لك يا أمير المؤمنين أن تجد من قتل الكافرين، قال: إني لا أجد من ذلك وكان معه رجال كثير قد أصاب من عشائرهم، فزعموا أنه لما تخلف في أخريات أصحابه قال بعضهم لبعض: هل لكم أن نقطع به الجسر فندرك ثأرنا الساعة! فقطعوا الجسر، فمالت السفن، ففزع الفرس ونفر، ووقع في الماء فغرق قال أبو مخنف: فحدثني ذلك المري بهذا الحديث، وناس من رهط شبيب يذكرون هذا أيضا، وأما حديث العامة فالحديث الأول.
قال أبو مخنف: وحدثني أبو يزيد السكسكي، قال: إنا والله لنتهيأ للانصراف إذ جاء صاحب الجسر فقال: أين أميركم؟ قلنا: هو هذا، فجاءه فقال: أصلحك الله! إن رجلا منهم وقع في الماء، فتنادوا بينهم: غرق أمير المؤمنين! ثم إنهم انصرفوا راجعين، وتركوا عسكرهم ليس فيه أحد، فكبر سفيان وكبرنا، ثم أقبل حتى انتهى إلى الجسر، وبعث مهاصر بن صيفي فعبر إلى عسكرهم، فإذا ليس فيه منهم صافر
стр. 3362
ولا آثر فنزل فيه، فإذا أكثر عسكر خلق الله خيرا، وأصبحنا فطلبنا شبيبا حتى استخرجناه وعليه الدرع، فسمعت الناس يزعمون أنه شق بطنه فأخرج قلبه، فكان مجتمعا صلبا كأنه صخرة، وإنه كان يضرب به الأرض فيثب قامة إنسان، فقال سفيان: احمدوا الله الذي أعانكم فأصبح عسكرهم في أيدينا.
قال أبو زيد عمر بن شبة: حدثني خلاد بن يزيد الأرقط، قال:
كان شبيب ينعى لأمه فيقال: قتل فلا تقبل قال: فقيل لها: إنه غرق، فقبلت، وقالت: إني رأيت حين ولدته أنه خرج مني شهاب نار، فعلمت أنه لا يطفئه إلا الماء.
قال هشام عن ابى مخنف: حدثنى فروه بن لقيط الأزدي ثم الغامرى أن يزيد بن نعيم أبا شبيب كان ممن دخل في جيش سلمان بن ربيعة إذ بعث به وبمن معه الوليد بن عقبة عن أمر عثمان إياه بذلك مددا لأهل الشام أرض الروم، فلما قفل المسلمون اقيم السبى للبيع، فراى يزيد ابن نعيم أبو شبيب جارية حمراء، لا شهلاء ولا زرقاء طويلة جميلة تأخذها العين، فابتاعها ثم أقبل بها، وذلك سنة خمس وعشرين أول السنة، فلما أدخلها الكوفة قال: أسلمي، فأبت عليه فضربها فلم تزدد إلا عصيانا، فلما رأى ذلك أمر بها فأصلحت، ثم دعا بها فأدخلت عليه، فلما تغشاها تلقت منه بحمل فولدت شبيبا، وذلك سنة خمس وعشرين في ذي الحجة في يوم النحر يوم السبت وأحبت مولاها حبا شديدا- وكانت حدثة- وقالت: إن شئت أجبتك إلى ما سألتني من الاسلام، فقال لها: شئت، فأسلمت، وولدت شبيبا وهي مسلمة، وقالت: إني رأيت فيما يرى النائم أنه خرج من قبلي شهاب فثقب يسطع حتى بلغ السماء وبلغ الآفاق كلها، فبينا هو كذلك إذ وقع في ماء كثير جار فخبا، وقد ولدته في يومكم هذا الذي تهريقون فيه الدماء، وإني
стр. 3363
قد أولت رؤياي هذه أني أرى ولدي هذا غلاما، أراه سيكون صاحب دماء يهريقها، وإني أرى أمره سيعلو ويعظم سريعا قال: فكان أبوه يختلف به وبأمه إلى البادية إلى أرض قومه على ماء يدعى اللصف.
قال أبو مخنف: وحدثني موسى بن أبي سويد بن رادي أن جند أهل الشام الذين جاءوا حملوا معهم الحجر فقالوا: لا نفر من شبيب حتى يفر هذا الحجر، فبلغ شبيبا أمرهم، فأراد أن يكيدهم، فدعا بأفراس أربعة، فربط في أذنابها ترسة في ذنب كل فرس ترسين، ثم ندب معه ثمانية نفر من أصحابه، ومعه غلام له يقال له حيان، وأمره أن يحمل معه إداوة من ماء، ثم سار حتى يأتي ناحية من العسكر، فأمر أصحابه أن يكونوا في نواحي العسكر، وأن يجعلوا مع كل رجلين فرسا، ثم يمسوها الحديد حتى تجد حرة ويخلوها في العسكر، وواعدهم تلعة قريبة من العسكر، فقال: من نجا منكم فإن موعده هذه التلعة، وكره أصحابه الإقدام على ما أمرهم به، فنزل حيث رأى ذلك منهم حتى صنع بالخيل مثل الذي أمرهم، ثم وغلت في العسكر، ودخل يتلوها محكما فضرب الناس بعضهم بعضا، فقام صاحبهم الذي كان عليهم، وهو حبيب بن عبد الرحمن الحكمي، فنادى: أيها الناس، إن هذه مكيدة، فالزموا الأرض حتى يتبين لكم الأمر، ففعلوا وبقي شبيب في عسكرهم، فلزم الأرض حيث رآهم قد سكنوا، وقد أصابته ضربة عمود أوهنته، فلما أن هدأ الناس ورجعوا إلى أبنيتهم خرج في غمارهم حتى أتى التلعة، فإذا هو بحيان، فقال: أفرغ يا حيان على رأسي من الماء، فلما مد رأسه ليصب عليه من الماء هم حيان أن يضرب عنقه، فقال لنفسه: لا أجد لي مكرمة ولا ذكرا أرفع من قتلي هذا، وهو امانى عند الحجاج، فاستقبلته الرعده حيث هم بما هم به، فلما أبطأ بحل الإداوة قال: ما يبطئك بحلها! فتناول السكين من موزجه فخرقها به، ثم ناولها إياه، فأفرغ عليه من الماء فقال حيان: منعني والله الجبن وما أخذني من
стр. 3364
الرعدة أن أضرب عنقه بعد ما هممت به ثم لحق شبيب بأصحابه في عسكره.
خروج مطرف بن المغيره على الحجاج وعبد الملك
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة خرج مطرف بن المغيرة بن شعبة على الحجاج، وخلع عبد الملك بن مروان ولحق بالجبال فقتل.
ذكر السبب الذي كان عند خروجه وخلعه عبد الملك بن مروان:
قَالَ هِشَامٌ عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يوسف بن يزيد بن بكر الأزدي أن بني المغيرة بن شعبة كانوا صلحاء نبلاء، أشرافا بأبدانهم سوى شرف أبيهم ومنزلتهم في قومهم قال: فلما قدم الحجاج فلقوه وشافههم علم أنهم رجال قومه وبنو أبيه، فاستعمل عروة بن المغيرة على الكوفة، ومطرف بن المغيرة على المدائن، وحمزة بن المغيرة على همدان.
قال أبو مخنف: فحدثني الحصين بن يَزِيدَ بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سعد بن نفيل الأزدي، قال: قدم علينا مطرف بن المغيرة بن شعبة المدائن فصعد الْمِنْبَر فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا الناس، إن الأمير الحجاج أصلحه الله قد ولاني عليكم، وأمرني بالحكم بالحق، والعدل في السيرة، فإن عملت بما أمرني به فأنا أسعد الناس، وان لم افعل فنفسي او بقت، وحظ نفسي ضيعت، ألا إني جالس لكم العصرين، فارفعوا إلي حوائجكم، وأشيروا علي بما يصلحكم ويصلح بلادكم، فإني لن آلوكم خيرا ما استطعت ثم نزل.
وكان بالمدائن إذ ذاك رجال من أشراف أهل المصر وبيوتات الناس، وبها مقاتلة لا تسعها عدة، إن كان كون بأرض جوخى أو بأرض الأنبار فأقبل مطرف حين نزل حتى جلس للناس في الإيوان، وجاء حكيم بن الحارث الأزدي يمشي نحوه، وكان من وجوه الأزد وأشرافهم، وكان الحجاج قد
стр. 3365
استعمله بعد ذلك على بيت المال- فقال له: أصلحك الله! إني كنت منك نائيا حين تكلمت، وإني أقبلت نحوك لأجيبك، فوافق ذلك نزولك، إنا قد فهمنا ما ذكرت لنا، أنه عهد إليك، فأرشد الله العاهد والمعهود إليه، وقد منيت من نفسك العدل، وسألت المعونة على الحق، فأعانك الله على ما نويت، إنك تشبه أباك في سيرته برضا الله والناس، فقال له مطرف:
هاهنا إلي، فأوسع له فجلس إلى جنبه.
قال أبو مخنف: فحدثني الحصين بن يزيد أنه كان من خير عامل قدم عليهم قط، أقمعه لمريب، وأشده إنكارا للظلم، فقدم عليه بشر بن الأجدع الهمداني، ثم الثوري، وكان شاعرا فقال:
اتى كلفت بخود غير فاحشة ... غراء وهنانة حسانة الجيد
كأنها الشمس يوم الدجن إذ برزت ... تمشي مع الآنس الهيف الأماليد
سل الهوى بعلنداة مذكرة ... عنها إلى المجتدى ذي العرف والجود
إلى الفتى الماجد الفياض نعرفه ... في الناس ساعة يحلى كل مردود
من الأكارم أنسابا إذا نسبوا ... والحامل الثقل يوم المغرم الصيد
إني أعيذك بالرحمن من نفر ... حمر السبال كأسد الغابة السود
فرسان شيبان لم نسمع بمثلهمُ ... أبناء كل كريم النجل صنديد
شدوا على ابن حصين في كتيبته ... فغادروه صريعا ليلة العيد
وابن المجالد أردته رماحهمُ ... كأنما زل عن خوصاء صيخود
وكل جمع بروذابار كان لهم ... قد فض بالطعن بين النخل والبيد
فقال له: ويحك! ما جئت الا لترغبنا وقد كان شبيب أقبل من ساتيدما، فكتب مطرف إلى الحجاج:
أما بعد، فإني أخبر الأمير أكرمه الله أن شبيبا قد أقبل نحونا، فإن رأى الأمير أن يمدني برجال أضبط بهم المدائن فعل، فإن المدائن باب الكوفة وحصنها
стр. 3366
فبعث إليه الحجاج بن يوسف سبرة بن عبد الرحمن بن مخنف في مائتين وعبد الله بن كناز في مائتين، وجاء شبيب فاقبل حتى نزل قناطر حذيفة، ثم جاء حتى انتهى إلى كلواذا، فعبر منها دجلة، ثم أقبل حتى نزل مدينة بهرسير ومطرف بن المغيرة في المدينة العتيقة التي فيها منزل كسرى والقصر الأبيض، فلما نزل شبيب بهرسير قطع مطرف الجسر فيما بينه وبين شبيب، وبعث إلى شبيب أن ابعث إلي رجالا من صلحاء أصحابك ادار سهم القرآن، وأنظر ما تدعون إليه، فبعث إليه رجالا، منهم سويد بن سليم وقعنب والمحلل بن وائل، فلما أدني منهم المعبر وأرادوا ان ينزلوا فيه ارسل اليهم شبيب الا تدخلوا السفينة حتى يرجع إلي رسولي من عند مطرف، وبعث إلى مطرف: أن ابعث إلي بعدة من أصحابك حتى ترد علي أصحابي، فقال لرسوله: القه فقل له: فكيف آمنك على أصحابي إذا بعثتهم الآن إليك، وأنت لا تأمنني على أصحابك! فأرسل إليه شبيب: إنك قد علمت أنا لا نستحل في ديننا الغدر، وأنتم تفعلونه وتهونونه فسرح إليه مطرف الربيع بن يزيد الأسدي، وسُلَيْمَان بن حذيفة بن هلال بن مالك المزني، ويزيد بن أبي زياد مولى المغيرة- وكان على حرس مطرف- فلما وقعوا في يديه بعث أصحابه إليه.
قَالَ أَبُو مخنف:
حَدَّثَنِي النضر بن صالح، قال: كنت عند مطرف ابن المغيرة بن شعبة فما أدري أقال: أني كنت في الجند الذين كانوا معه، أو قال: كنت بإزائه حيث دخلت عليه رسل شبيب! وكان لي ولأخي ودا مكرما، ولم يكن ليستر منا شيئا، فدخلوا عليه وما عنده أحد من الناس غيري وغير أخي حلام بن صالح، وهم ستة ونحن ثلاثة، وهم شاكون في السلاح، ونحن ليس علينا إلا سيوفنا، فلما دنوا قال سويد: السلام على من خاف مقام ربه وعرف الهدى وأهله، فقال له مطرف: أجل، فسلم الله على أولئك، ثم جلس القوم، فقال لهم
стр. 3367
مطرف: قصوا علي أمركم، وخبروني ما الذي تطلبون؟ والام تدعون؟
فحمد الله سويد بن سليم وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن الذي ندعو اليه كتاب الله وسنه محمد ص، وإن الذي نقمنا على قومنا الاستئثار بالفيء وتعطيل الحدود والتسلط بالجبرية فقال لهم مطرف: ما دعوتم إلا إلى حق، ولا نقمتم إلا جورا ظاهرا، أنا لكم على هذا متابع، فتابعوني إلى ما أدعوكم إليه ليجتمع أمري وأمركم، وتكون يدي وأيديكم واحدة، فقالوا: هات، اذكر ما تريد أن تذكر، فإن يكن ما تدعونا إليه حقا نجبك، قال: فإني أدعوكم إلى أن نقاتل هؤلاء الظلمة العاصين على إحداثهم الذي أحدثوا، وأن ندعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه، وأن يكون هذا الأمر شورى بين المسلمين، يؤمرون عليهم من يرضون لأنفسهم على مثل الحال التي تركهم عليها عمر بن الخطاب، فإن العرب إذا علمت ان ما يراد بالشورى الرضا من قريش رضوا، وكثر تبعكم منهم وأعوانكم على عدوكم، وتم لكم هذا الأمر الذي تريدون.
قال: فوثبوا من عنده، وقالوا: هذا ما لا نجيبك إليه أبدا، فلما مضوا فكادوا أن يخرجوا من صفة البيت التفت إليه سويد بن سليم، فقال:
يا بن المغيرة، لو كان القوم عداة غدرا كنت قد أمكنتهم من نفسك، ففزع لها مطرف، وقال: صدقت وإله موسى وعيسى.
قال: ورجعوا إلى شبيب فأخبروه بمقالته، فطمع فيه، وقال لهم:
ان أصبحتم فليأته أحدكم، فلما أصبحوا بعث إليه سويد وأمره بأمره، فجاء سويد حتى انتهى إلى باب مطرف، فكنت أنا المستأذن له، فلما دخل وجلس أردت أن أنصرف، فقال لي مطرف: اجلس فليس دونك ستر، فجلست وأنا يومئذ شاب أغيد، فقال له سويد: من هذا الذى ليس لك دونه ستر؟ فقال له: هذا الشريف الحسيب، هذا ابن مالك بن زهير بن جذيمة، فقال له: بخ أكرمت فارتبط، إن كان دينه على
стр. 3368
قدر حسبه فهو الكامل، ثم أقبل عليه فقال: إنا لقينا أمير المؤمنين بالذي ذكرت لنا، فقال لنا: القوه فقولوا له: ألست تعلم أن اختيار المسلمين منهم خيرهم لهم فيما يرون رأي رشيد! فقد مضت به السنه بعد الرسول ص، فإذا قال لكم: نعم، فقولوا له: فإنا قد اخترنا لأنفسنا أرضانا فينا، وأشدنا اضطلاعا لما حمل، فما لم يغير ولم يبدل فهو ولي أمرنا وقال لنا: قولوا له فيما ذكرت لنا من الشورى حين قلت: أن العرب إذا علمت أنكم إنما تريدون بهذا الأمر قريشا كان أكثر لتبعكم منهم، فإن أهل الحق لا ينقصهم عند الله أن يقلوا، ولا يزيد الظالمين خيرا أن يكثروا، وإن تركنا حقنا الذي خرجنا له، ودخولنا فيما دعوتنا إليه من الشورى خطيئة وعجز ورخصة إلى نصر الظالمين ووهن، لأنا لا نرى أن قريشا أحق بهذا الأمر من غيرها من العرب وقال: فإن زعم أنهم أحق بهذا الأمر من غيرها من العرب فقولوا له: ولم ذاك؟ فان قال:
لقرابه محمد ص بهم فقولوا له: فو الله ما كان ينبغي إذا لأسلافنا الصالحين من المهاجرين الأولين أن يتولوا على أسرة مُحَمَّد، ولا على ولد أبي لهب لو لم يبق غيرهم، ولولا أنهم علموا أن خير الناس عند الله أتقاهم، وأن أولاهم بهذا الأمر أتقاهم وأفضلهم فيهم، وأشدهم اضطلاعا بحمل أمورهم ما تولوا أمور الناس، ونحن أول من أنكر الظلم وغير الجور وقاتل الأحزاب، فإن اتبعنا فله ما لنا وعليه ما علينا، وهو رجل من المسلمين، وإلا يفعل فهو كبعض من نعادي ونقاتل من المشركين.
فقال له مطرف: قد فهمت ما ذكرت، ارجع يومك هذا حتى تنظر في أمرنا.
فرجع، ودعا مطرف رجالا من أهل ثقاته واهل نصائحه، منهم سُلَيْمَان بن حذيفة المزني والربيع بن يزيد الأسدي قال النضر بن صالح: وكنت أنا ويزيد بن أبي زياد مولى المغيرة بن شعبة قائمين على
стр. 3369
رأسه بالسيف، وكان على حرسه، فقال لهم مطرف: يا هؤلاء، إنكم نصحائي وأهل مودتي ومن أثق بصلاحه وحسن رأيه، والله ما زلت لأعمال هؤلاء الظلمة كارها، أنكرها بقلبي، وأغيرها ما استطعت بفعلي وأمري، فلما عظمت خطيئتهم، ومر بي هؤلاء القوم يجاهدونهم، لم أر أنه يسعني إلا مناهضتهم وخلافهم إن وجدت أعوانا عليهم، وإني دعوت هؤلاء القوم فقلت لهم كيت وكيت، وقالوا لي كيت وكيت، فلست أرى القتال معهم، ولو تابعوني على رأيي وعلى ما وصفت لهم لخلعت عبد الملك والحجاج، ولسرت إليهم أجاهدهم فقال له المزني: إنهم لن يتابعوك، وإنك لن تتابعهم فأخف هذا الكلام ولا تظهره لأحد، وقال له الأسدي مثل ذلك، فجثا مولاه ابن أبي زياد على ركبتيه ثم قال: والله لا يخفى مما كان بينك وبينهم على الحجاج كلمة واحدة، وليزادن على كل كلمة عشرة أمثالها، والله إن لو كنت في السحاب هاربا من الحجاج ليلتمسن أن يصل إليك حتى يهلكك أنت ومن معك، فالنجاء النجاء من مكانك هذا، فإن أهل المدائن من هذا الجانب ومن ذاك الجانب، وأهل عسكر شبيب يتحدثون بما كان بينك وبين شبيب، ولا تمس من يومك هذا حتى يبلغ الخبر الحجاج، فاطلب دارا غير المدائن فقال له صاحباه: ما نرى الرأي إلا كما ذكر لك، قال لهما مطرف: فما عند كما؟ قالا: الإجابة إلى ما دعوتنا إليه والمؤاساة لك بأنفسنا على الحجاج وغيره قال: ثم نظر إلي، فقال:
ما عندك؟ فقلت: قتال عدوك، والصبر معك ما صبرت، فقال لي:
ذاك الظن بك.
قال: ومكث حتى إذا كان في اليوم الثالث أتاه قعنب فقال له:
إن تابعتنا فأنت منا، وإن أبيت فقد نابذناك، فقال: لا تعجلوا اليوم فإنا ننظر.
قال: وبعث إلى أصحابه أن ارحلوا الليلة من عند آخركم حتى توفوا الدسكرة معي لحدث حدث هنالك
стр. 3370
ثم أدلج وخرج أصحابه معه حتى مر بدير يزدجرد فنزله، فلقيه قبيصة بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ القحافي من خثعم، فدعاه إلى صحبته، فصحبه فكساه وحمله، وأمر له بنفقة، ثم سار حتى نزل الدسكرة، فلما أراد أن يرتحل منها لم يجد بدا من أن يعلم أصحابه ما يريد، فجمع إليه رءوس أصحابه، فذكر الله بما هو أهله وصلى على رسوله، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَمَّا بَعْدُ، فإن اللَّه كتب الجهاد على خلقه، وأمر بالعدل والإحسان، وقال فيما أنزل علينا: «وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى، وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ» وإني أشهد الله أني قد خلعت عبد الملك بن مروان والحجاج بن يوسف، فمن أحب منكم صحبتي وكان على مثل رأيي فليتابعني، فإن له الأسوة وحسن الصحبة، ومن أبى فليذهب حيث شاء، فإني لست أحب أن يتبعني من ليست له نية في جهاد أهل الجور، أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وإلى قتال الظلمة، فإذا جمع الله لنا أمرنا كان هذا الأمر شورى بين المسلمين يرتضون لأنفسهم من أحبوا قال: فوثب إليه أصحابه فبايعوه، ثم إنه دخل رحله وبعث إلى سبرة بن عبد الرحمن بن مخنف وإلى عبد الله بن كناز النهدي فاستخلاهما، ودعاهما إلى مثل ما دعا إليه عامة أصحابه، فأعطياه الرضا، فلما ارتحل انصرفا بمن معهما من أصحابه حتى أتيا الحجاج فوجداه قد نازل شبيبا، فشهدا معه وقعة شبيب قال: وخرج مطرف بأصحابه من الدسكرة موجها نحو حلوان، وقد كان الحجاج بعث في تلك السنة سويد بن عبد الرحمن السعدي على حلوان وماسبذان، فلما بلغه أن مطرف بن المغيرة قد أقبل نحو أرضه عرف أنه إن رفق في أمره أو داهن لا يقبل ذلك منه الحجاج، فجمع له سويد أهل البلد والأكراد، فأما الأكراد فأخذوا عليه ثنية حلوان، وخرج إليه سويد وهو يحب أن يسلم من قتاله، وأن يعافى من الحجاج، فكان خروجه كالتعذير.
قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ علقمة الخثعمي أن
стр. 3371
الحجاج بن جارية الخثعمي حين سمع بخروج مطرف من المدائن نحو الجبل أتبعه في نحو من ثلاثين رجلا من قومه وغيرهم قال: وكنت فيهم فلحقناه بحلوان، فكنا ممن شهد معه قتال سويد بن عبد الرحمن.
قال أبو مخنف: وحدثني بذلك أيضا النضر قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ علقمة قال: ما هو إلا أن قدمنا على مطرف بن المغيرة، فسر بمقدمنا عليه، واجلس الحجاج ابن جارية معه على مجلسه.
قال أبو مخنف: وحدثني النضر بن صالح، وعبد الله بن علقمه، ان سويدا لما خرج اليهم بمن معه وقف في الرجال ولم يخرج بهم من البيوت، وقدم ابنه القعقاع في الخيل، وما خيله يومئذ بكثير.
قَالَ أَبُو مخنف: قَالَ النضر بن صالح: أراهم كانوا مائتين، وقال ابن ابن علقمه: اراهم كانوا ينقصون عن الثلاثمائة قال: فدعا مطرف الحجاج بن جارية فسرحه إليهم في نحو من عدتهم، فأقبلوا نحو القعقاع وهم جادون في قتاله، وهم فرسان متعالمون، فلما رآهم سويد قد تيسروا نحو ابنه أرسل إليهم غلاما له يقال له رستم- قتل معه بعد ذلك بدير الجماجم- وفي يده راية بني سعد، فانطلق غلامه حتى انتهى إلى الحجاج بن جارية، فأسر إليه: إن كنتم تريدون الخروج من بلادنا هذه إلى غيرها فاخرجوا عنا، فإنا لا نريد قتالكم، وإن كنتم إيانا تريدون فلا بد من منع ما في أيدينا فلما جاءه بذلك قال له الحجاج بن جارية: ائت أميرنا فاذكر له ما ذكرت لي، فخرج حتى أتى مطرفا فذكر له مثل الذي ذكر للحجاج بن جارية، فقال له مطرف:
ما أريدكم ولا بلادكم، فقال له: فالزم هذا الطريق حتى تخرج من بلادنا، فإنا لا نجد بدا من أن يرى الناس وتسمع بذلك إنا قد خرجنا إليك قال: فبعث مطرف إلى الحجاج فأتاه، ولزموا الطريق حتى مروا بالثنية فإذا الأكراد بها، فنزل مطرف ونزل معه عامة أصحابه
стр. 3372
وصعد إليهم في الجانب الأيمن الحجاج بن جارية، وفي الجانب الأيسر سُلَيْمَان بن حذيفة، فهزماهم وقتلاهم، وَسَلَّمَ مطرف وأصحابه فمضوا حتى دنوا من همذان، فتركها وأخذ ذات اليسار إلى ماه دينار، وكان أخوه حمزة بن المغيرة على همذان، فكره أن يدخلها فيتهم أخوه عند الحجاج، فلما دخل مطرف أرض ماه دينار كتب إلى أخيه حمزة:
أما بعد، فإن النفقة قد كثرت والمؤنة قد اشتدت، فأمدد أخاك بما قدرت عليه من مال وسلاح.
وبعث إليه يزيد بن أبي زياد مولى المغيرة بن شعبة، فجاء حتى دخل على حمزة بكتاب مطرف ليلا، فلما رآه قال له: ثكلتك أمك! أنت قتلت مطرفا؟ فقال له: ما أنا قتلته جعلت فداك! ولكن مطرفا قتل نفسه وقتلني، وليته لا يقتلك، فقال له: ويحك! من سول له هذا الأمر! فقال: نفسه سولت هذا له ثم جلس إليه فقص عليه القصص، وأخبره بالخبر، ودفع كتاب مطرف إليه، فقرأه ثم قال:
نعم، وأنا باعث إليه بمال وسلاح، ولكن أخبرني ترى ذلك يخفى لي؟
قال: ما أظن أن يخفى، فقال له حمزه: فو الله لئن أنا خذلته في أنفع النصرين له نصر العلانية، لا أخذله في أيسر النصرين نصر السريرة.
قال: فسرح إليه مع يزيد بن أبي زياد بمال وسلاح، فأقبل به حتى أتى مطرفا ونحن نزول في رستاق من رساتيق ماه دينار، يقال له: سامان متاخم ارض أصبهان، وهو رستاق كانت الحمراء تنزله.
قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي النضر بن صالح، قال: والله ما هو إلا أن مضى يزيد بن أبي زياد، فسمعت أهل العسكر يتحدثون أن الأمير بعث إلى أخيه يسأله النفقة والسلاح، فأتيت مطرفا فحدثته بذلك، فضرب بيده على جبهته ثم قال: سبحان الله!، قال الأول: ما يخفى الا مالا يكون،
стр. 3373
قال: وما هو إلا أن قدم يزيد بن أبي زياد علينا، فسار مطرف بأصحابه حتى نزل قم وقاشان وأصبهان.
قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ علقمة أن مطرفا حين نزل قم وقاشان واطمأن، دعا الحجاج بن جارية فقال له: حدثني عن هزيمة شبيب يوم السبخة أكانت وأنت شاهدها، أم كنت خرجت قبل الوقعة؟
قال: لا، بل شهدتها، قال: فحدثني حديثهم كيف كان؟ فحدثه، فقال: إني كنت أحب أن يظفر شبيب وإن كان ضالا.
فيقتل ضالا قال: فظننت أنه تمنى ذلك لأنه كان يرجو أن يتم له الذي يطلب لو هلك الحجاج قال: ثم إن مطرفا بعث عماله.
قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي النضر بن صالح أن مطرفا عمل عملا حازما لولا أن الأقدار غالبة قال: كتب مع الربيع بن يزيد الى سويد ابن سرحان الثقفي، وإلى بكير بن هارون البجلي:
أما بعد، فإنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، وإلى جهاد من عند عن الحق، واستأثر بالفيء، وترك حكم الكتاب، فإذا ظهر الحق ودمغ الباطل، وكانت كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا، جعلنا هذا الأمر شورى بين الأمة يرتضي المسلمون لأنفسهم الرضا، فمن قبل هذا منا كان أخانا في ديننا، وولينا في محيانا ومماتنا، ومن رد ذلك علينا جاهدناه واستنصرنا الله عليه فكفى بنا عليه حجة، وكفى بتركه الجهاد في سبيل الله غبنا، وبمداهنة الظالمين في أمر الله وهنا! إن الله كتب القتال على المسلمين وسماه كرها، ولن ينال رضوان الله إلا بالصبر على أمر الله، وجهاد أعداء الله، فأجيبوا رحمكم الله إلى الحق، وادعوا إليه من ترجون اجابته، وعرفوه مالا يعرفه، وليقبل إلي كل من رأى رأينا، وأجاب دعوتنا، ورأى عدوه عدونا.
أرشدنا الله وإياكم، وتاب علينا وعليكم، إنه هو التواب الرحيم والسلام
стр. 3374
فلما قدم الكتاب على ذينك الرجلين دبا في رجال من أهل الري ودعوا من تابعهما، ثم خرجا في نحو من مائة من أهل الري سرا لا يفطن بهم، فجاءوا حتى وافوا مطرفا وكتب البراء بن قبيصة، وهو عامل الحجاج على أصبهان:
أما بعد، فإن كان للأمير أصلحه الله حاجة في أصبهان فليبعث إلى مطرف جيشا كثيفا يستأصله ومن معه، فإنه لا تزال عصابة قد انتفحت له من بلدة من البلدان حتى توافيه بمكانه الذي هو به، فإنه قد استكثف وكثر تبعه، والسلام.
فكتب إليه الحجاج:
أما بعد، إذا أتاك رسولي فعسكر بمن معك، فإذا مر بك عدى ابن وتاد فاخرج معه في أصحابك، واسمع له وأطع والسلام.
فلما قرأ كتابه خرج فعسكر، وجعل الحجاج بن يوسف يسرح إلى البراء بن قبيصة الرجال على دواب البريد عشرين عشرين، وخمسة عشر خمسة عشر، وعشرة عشرة، حتى سرح اليه نحوا من خمسمائة، وكان في ألفين.
وكان الأسود بن سعد الهمذاني أتى الري في فتح الله على الحجاج يوم لقي شبيبا بالسبخة، فمر بهمذان والجبال، ودخل على حمزة فاعتذر إليه، فقال الأسود: فأبلغت الحجاج عن حمزة، فقال: قد بلغني ذاك، وأراد عزله، فخشي أن يمكر به، وأن يمتنع منه، فبعث إلى قيس بن سعد العجلي- وهو يومئذ على شرطة حمزة بن المغيرة ولبني عجل وربيعة عدد بهمذان- فبعث إلى قيس بن سعد بعهده على همذان، وكتب اليه ان اوثق حمزه ابن المغيرة في الحديد، واحبسه قبلك حتى يأتيك أمري.
فلما أتاه عهده وأمره أقبل ومعه ناس من عشيرته كثير، فلما دخل المسجد وافق الإقامة لصلاة العصر، فصلى حمزة، فلما انصرف حمزة انصرف معه
стр. 3375
قيس بن سعد العجلي صاحب شرطه، فأقرأه كتاب الحجاج إليه، وأراه عهده، فقال حمزة سمعا وطاعة، فأوثقه وحبسه في السجن، وتولى أمر همذان، وبعث عماله عليها، وجعل عماله كلهم من قومه، وكتب إلى الحجاج:
أما بعد، فإني أخبر الأمير أصلحه الله، أني قد شددت حمزة بن المغيرة في الحديد، وحبسته في السجن، وبعثت عمالي على الخراج، ووضعت يدي في الجباية، فإن رأى الأمير أبقاه الله أن يأذن لي في المسير إلى مطرف أذن لي حتى أجاهده في قومي، ومن أطاعني من أهل بلادي، فإني أرجو أن يكون الجهاد أعظم أجرا من جباية الخراج والسلام.
فلما قرأ الحجاج كتابه ضحك ثم قال: هذا جانب آثرا ما قد أمناه.
وقد كان حمزة بهمذان أثقل ما خلق الله على الحجاج مخافة أن يمد أخاه بالسلاح والمال، ولا يدري لعله يبدو له فيعق، فلم يزل يكيده حتى عزله، فاطمان وقصد قصد مطرف.
قال أبو مخنف: فحدثني مطرف بن عامر بن واثلة أن الحجاج لما قرأ كتاب قيس بن سعد العجلي وسمع قوله: إن أحب الأمير سرت إليه حتى أجاهده في قومي، قال: ما أبغض إلي أن تكثر العرب في أرض الخراج.
قال: فقال لي ابن الغرق: ما هو إلا أن سمعتها من الحجاج فعلمت أنه لو قد فرغ له قد عزله.
قال: وحدثني النضر بن صالح أن الحجاج كتب إلى عدي بن وتاد الإيادي وهو على الري يأمره بالمسير إلى مطرف بن المغيرة وبالممر على البراء ابن قبيصة، فإذا اجتمعوا فهو أمير الناس.
قال أبو مخنف: وحدثني أبي عن عبد الله بن زهير،، عن عبد الله بن سليم الأزدي قال: إني لجالس مع عدي بن وتاد على مجلسه بالري إذ أتاه كتاب الحجاج، فقرأه ثم دفعه إلي، فقرأته فإذا فيه:
أما بعد، فإذا قرأت كتابي هذا فانهض بثلاثة أرباع من معك من أهل الري، ثم أقبل حتى تمر بالبراء بن قبيصة بجى، ثم سيرا جميعا، فإذا
стр. 3376
لقيتهما فأنت أمير الناس حتى يقتل الله مطرفا، فإذا كفى الله المؤمنين مؤنته فانصرف إلى عملك في كنف من الله وكلاءته وستره فلما قرأته قال لي: قم وتجهز.
قال: وخرج فعسكر، ودعا الكتاب فضربوا البعث على ثلاثة أرباع الناس، فما مضت جمعة حتى سرنا فانتهينا إلى جي، ويوافينا بها قبيصة القحافى في تسعمائة من أهل الشام، فيهم عمر بن هبيرة، قال: ولم نلبث بجي إلا يومين حتى نهض عدي بن وتاد بمن أطاعه من الناس ومعه ثلاثة آلاف مقاتل من أهل الري وألف مقاتل مع البراء بن قبيصة بعثهم اليه الحجاج من الكوفه، وسبعمائة من أهل الشام، ونحو ألف رجل من أهل أصبهان والأكراد، فكان في قريب من ستة آلاف مقاتل، ثم أقبل حتى دخل على مطرف بن المغيرة.
قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي النضر بن صالح، عن عبد الله بن علقمة، أن مطرفا لما بلغه مسيرهم اليه خندق على اصحابه خندقا، فلم يزالوا فيه حتى قدموا عليه.
قال أبو مخنف: وحدثني يزيد مولى عبد الله بن زهير، قال: كنت مع مولاي إذ ذاك، قال: خرج عدي بن وتاد فعبى الناس، فجعل على ميمنته عبد الله بن زهير، ثم قال للبراء بن قبيصة: قم في الميسرة، فغضب البراء، وقال: تأمرني بالوقوف في الميسرة وأنا أمير مثلك! تلك خيلي في الميسرة، وقد بعثت عليها فارس مضر الطفيل بن عامر بن وائلة، قال: فأنهي ذلك إلى عدي بن وتاد، فقال لابن أقيصر الخثعمي: انطلق فأنت على الخيل، وانطلق إلى البراء بن قبيصة فقل له: إنك قد أمرت بطاعتي، ولست من الميمنة والميسرة والخيل والرجالة في شيء، إنما عليك أن تؤمر فتطيع، ولا تعرض لي في شيء أكرهه فأتنكر لك- وقد كان له مكرما.
ثم إن عديا بعث على الميسرة عمر بن هبيرة، وبعثه في مائة من أهل الشام، فجاء حتى وقف برايته، فقال رجل من أصحابه للطفيل بن عامر:
стр. 3377
خل رايتك وتنح عنا، فإنما نحن أصحاب هذا الموقف، فقال الطفيل:
إني لا أخاصمكم، إنما عقد لي هذه الراية البراء بن قبيصة، وهو أميرنا، وقد علمنا أن صاحبكم على جماعة الناس، فإن كان قد عقد لصاحبكم هذا فبارك الله له، ما أسمعنا وأطوعنا! فقال لهم عمر بن هبيرة: مهلا، كفوا عن أخيكم وابن عمكم، رايتنا رايتك، فإن شئت آثرناك بها قال: فما رأينا رجلين كانا أحلم منهما في موقفهما ذلك قال: ونزل عدي بن وتاد ثم زحف نحو مطرف قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي النضر بن صالح وعبد الله بن علقمة أن مطرفا بعث على ميمنته الحجاج بن جارية، وعلى ميسرته الربيع بن يزيد الأسدي، وعلى الحامية سليمان بن صخر المزنى، ونزل هو يمشي في الرجال، ورايته مع يزيد بن أبي زياد مولى أبيه المغيرة بن شعبة قال: فلما زحف القوم بعضهم إلى بعض وتدانوا قال لبكير بن هارون البجلي: اخرج إليهم فادعهم إلى كتاب الله وسنة نبيه، وبكتهم بأعمالهم الخبيثة فخرج إليهم بكير بن هارون على فرس له أدهم أقرح ذنوب عليه الدرع والمغفر والساعدان، في يده الرمح، وقد شد درعه بعصابة حمراء من حواشي البرود، فنادى بصوت له عال رفيع: يا أهل قبلتنا، وأهل ملتنا، وأهل دعوتنا، إنا نسألكم بالله الذي لا إله إلا هو الذي علمه بما تسرون مثل علمه بما تعلنون لما أنصفتمونا وصدقتمونا، وكانت نصيحتكم لله لا لخلقه، وكنتم شهداء لله على عباده بما يعلمه الله من عباده خبروني عن عبد الملك بن مروان، وعن الحجاج بن يوسف، ألستم تعلمونهما جبارين مستأثرين يتبعان الهوى، فيأخذان بالظنة، ويقتلان على الغضب قال: فتنادوا من كل جانب:
يا عدو الله كذبت، ليسا كذلك، فقال لهم: وَيْلَكُمْ «لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى» ويلكم، أوتعلمون من الله ما لا يعلم، إني قد استشهدتكم وقد قال الله في الشهاده: «وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ» ،
стр. 3378
فخرج إليه صارم مولى عدي بن وتاد وصاحب رايته، فحمل على بكير ابن هارون البجلي، فاضطربا بسيفيهما، فلم تعمل ضربة مولى عدي شيئا، وضربه بكير بالسيف فقتله، ثم استقدم، فقال: فارس لفارس، فلم يخرج إليه أحد، فجعل يقول:
صارم قد لاقيت سيفا صارما ... وأسدا ذا لبده ضبار ما
قال: ثم إن الحجاج بن جارية حمل وهو في الميمنة على عمر بن هبيرة وهو في الميسره، وفيها الطفيل بن عامر بن وائله، فالتقى هو والطفيل- وكانا صديقين متؤاخيين- فتعارفا، وقد رفع كل واحد منهما السيف على صاحبه، فكفا أيديهما، واقتتلوا طويلا ثم إن ميسرة عدي بن وتاد زالت غير بعيد، وانصرف الحجاج بن جارية إلى موقفه ثم إن الربيع بن يزيد حمل على عبد الله بن زهير، فاقتتلوا طويلا، ثم إن جماعة الناس حملت على الأسدي فقتلته، وانكشفت ميسره مطرف ابن المغيرة حتى انتهت إليه ثم إن عمر بن هبيرة حمل على الحجاج بن جارية وأصحابه فقاتله قتالا طويلا، ثم إنه حذره حتى انتهى إلى مطرف، وحمل ابن أقيصر الخثعمي في الخيل على سُلَيْمَان بن صخر المزني فقتله، وانكشفت خيلهم، حتى انتهى إلى مطرف، فثم اقتتلت الفرسان أشد قتال رآه الناس قط، ثم إنه وصل إلى مطرف قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي النضر بن صالح انه جعل يناديهم يومئذ:
«يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ.
» قال: ولم يزل يقاتل حتى قتل، واحتز رأسه عمر بن هبيرة، وذكر أنه قتله، وقد كان أسرع إليه غير واحد، غير أن ابن هبيرة احتز رأسه وأوفده
стр. 3379
به عدي بن وتاد وحظي به، وقاتل عمر بن هبيرة يومئذ وأبلى بلاء حسنا.
قال أبو مخنف: وقد حدثني حكيم بن أبي سفيان الأزدي أنه قتل يزيد بن زياد مولى المغيرة بن شعبة، وكان صاحب راية مطرف قال: ودخلوا عسكر مطرف، وكان مطرف قد جعل على عسكره عبد الرحمن بن عبد الله بن عفيف الأزدي، فقتل، وكان صالحا ناسكا عفيفا.
أبو مخنف: حدثني زيد مولاهم أنه رأى رأسه مع ابن أقيصر الخثعمي فما ملكت نفسي أن قلت له: أما والله لقد قتلته من المصلين العابدين الذاكرين الله كثيرا قال: فأقبل نحوي وقال: من أنت؟ فقال له مولاي: هذا غلامي ما له؟ قال: فأخبره بمقالتي، فقال: إنه ضعيف العقل، قال: ثم انصرفنا إلى الري مع عدي بن وتاد قال: وبعث رجالا من أهل البلاء إلى الحجاج، فأكرمهم وأحسن إليهم قال: ولما رجع إلى الري جاءت بجيلة إلى عدي بن وتاد فطلبوا لبكير بن هارون الأمان فآمنه، وطلبت ثقيف لسويد بن سرحان الثقفي الأمان فآمنه، وطلبت في كل رجل كان مع مطرف عشيرته، فآمنهم وأحسن في ذلك، وقد كان رجال من أصحاب مطرف أحيط بهم في عسكر مطرف، فنادوا: يا براء، خذ لنا الأمان، يا براء، اشفع لنا.
فشفع لهم، فتركوا، وأسر عدي ناسا كثيرا فخلى عنهم.
قال أبو مخنف: وحدثني النضر بن صالح أنه أقبل حتى قدم على سويد بن عبد الرحمن بحلوان، فأكرمه وأحسن إليه، ثم إنه انصرف بعد ذلك إلى الكوفة.
قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ علقمة أن الحجاج بن جارية الخثعمي أتى الري وكان مكتبه بها، فطلب إلى عدي فيه، فقال: هذا رجل مشهور قد شهر مع صاحبه، وهذا كتاب الحجاج إلي فيه.
قال أبو مخنف: فحدثني أبي عن عبد الله بن زهير قال كنت فيمن كلمه في الحجاج بن جارية، فأخرج إلينا كتاب الحجاج بن يوسف:
стр. 3380
أما بعد: فإن كان الله قتل الحجاج بن جارية فبعدا له فذاك ما أهوى وأحب، وإن كان حيا فاطلبه قبلك حتى توثقه، ثم سرح به إلي إن شاء الله والسلام.
قال: فقال لنا: قد كتب إلي فيه، ولا بد من السمع والطاعة، ولو لم يكتب إلي فيه آمنته لكم، وكففت عنه فلم أطلبه وقمنا من عنده.
قال: فلم يزل الحجاج بن جارية خائفا حتى عزل عدي بن وتاد، وقدم خالد ابن عتاب بن ورقاء، فمشيت إليه فيه، فكلمته فآمنه وقال حبيب بن خدرة مولى لبني هلال بن عامر:
هل أتى فائد عن أيسارنا ... إذ خشينا من عدو خرقا
إذ أتانا الخوف من مأمننا ... فطوينا في سواد أفقا
وسلي هدية يوما هل رأت ... بشرا أكرم منا خلقا!
وسليها أعلى العهد لنا ... أو يصرون علينا حنقا!
ولكم من خلة من قبلها ... قد صرمنا حبلها فانطلقا
قد أصبنا العيش عيشا ناعما ... وأصبنا العيش عيشا رنقا
وأصبت الدهر دهرا أشتهي ... طبقا منه وألوي طبقا
وشهدت الخيل في ملمومة ... ما ترى منهن إلا الحدقا
يتساقون بأطراف القنا ... من نجيع الموت كأسا دهقا
فطراد الخيل قد يؤنقني ... ويرد اللهو عني الأنقا
بمشيح البيض حتى يتركوا ... لسيوف الهند فيها طرقا
فكأني من غد وافقتها ... مثل ما وافق شن طبقا
ذكر الخبر عن وقوع الخلاف بين الازارقه
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة وقع الاختلاف بين الأزارقة أصحاب
стр. 3381
قطري بن الفجاءة، فخالفه بعضهم واعتزله، وبايع عبد ربه الكبير، وأقام بعضهم على بيعة قطري.
ذكر الخبر عن ذلك، وعن السبب الذي من أجله حدث الاختلاف بينهم حتى صار أمرهم إلى الهلاك:
ذكر هشام عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ يَزِيدَ، أن المهلب أقام بسابور فقاتل قطريا وأصحابه من الأزارقة بعد ما صرف الحجاج عتاب بن ورقاء عن عسكره نحوا من سنة ثم إنه زاحفهم يوم البستان فقاتلهم قتالا شديدا، وكانت كرمان في أيدي الخوارج، وفارس في يد المهلب، فكان قد ضاق عليهم مكانهم الذي هم به، لا يأتيهم من فارس مادة، وبعدت ديارهم عنهم، فخرجوا حتى أتوا كرمان وتبعهم المهلب حتى نزل بجيرفت- وجيرفت مدينة كرمان- فقاتلهم بها أكثر من سنة قتالا شديدا، وحازهم عن فارس كلها، فلما صارت فارس كلها في يدي المهلب بعث الحجاج عليها عماله وأخذها من المهلب، فبلغ ذلك عبد الملك، فكتب إلى الحجاج:
أما بعد، فدع بيد المهلب خراج جبال فارس، فإنه لا بد للجيش من قوة، ولصاحب الجيش من معونة، ودع له كورة فسا ودرابجرد، وكورة إصطخر.
فتركها للمهلب، فبعث المهلب عليها عماله، فكانت له قوة على عدوه وما يصلحه، ففي ذلك يقول شاعر الأزد وهو يعاتب المهلب:
نقاتل عن قصور درابجرد ... ونجبي للمغيرة والرقاد
وكان الرقاد بن زياد بن همام- رجل من العتيك- كريما على المهلب، وبعث الحجاج إلى المهلب البراء بن قبيصة، وكتب إلى المهلب:
أما بعد، فإنك والله لو شئت فيما ارى لقد اصطلمت هذه الخارجه المارقة، ولكنك تحب طول بقائهم لتأكل الأرض حولك، وقد بعثت إليك البراء بن
стр. 3382
قبيصة لينهضك إليهم، فانهض إليهم إذا قدم عليك بجميع المسلمين، ثم جاهدهم أشد الجهاد، وإياك والعلل والأباطيل، والأمور التي ليست لك عندي بسائغة ولا جائزة، والسلام.
فأخرج المهلب بينه، كل ابن له في كتيبة، وأخرج الناس على راياتهم ومصافهم واخماسهم، وجاء البراء بن قبيصة فوقف على تل قريب منهم حيث يراهم فأخذت الكتائب تحمل على الكتائب، والرجال على الرجال، فيقتتلون أشد قتال رآه الناس من صلاة الغداة إلى انتصاف النهار، ثم انصرفوا.
فجاء البراء بن قبيصة إلى المهلب فقال له: لا والله ما رأيت كبنيك فرسانا قط، ولا كفرسانك من العرب فرسانا قط، ولا رأيت مثل قوم يقاتلونك قط أصبر ولا أبأس، أنت والله المعذور فرجع بالناس المهلب، حتى إذا كان عند العصر خرج إليهم بالناس وبنيه في كتائبهم، فقاتلوه كقتالهم في أول مرة.
قال أبو مخنف: وحدثني أبو المغلس الكناني، عن عمه أبي طلحة، قال: خرجت كتيبة من كتائبهم لكتيبة من كتائبنا، فاشتد بينهما القتال، فأخذت كل واحدة منهما لا تصد عن الأخرى، فاقتتلتا حتى حجز الليل بينهما، فقالت إحداهما للأخرى: ممن أنتم؟ فقال هؤلاء: نحن من بني تميم، وقال هؤلاء: نحن من بني تميم، فانصرفوا عند المساء، قال المهلب للبراء:
كيف رأيت؟ قال: رأيت قوما والله ما يعينك عليهم إلا الله فأحسن إلى البراء بن قبيصة وأجازه، وحمله وكساه، وأمر له بعشرة آلاف درهم، ثم انصرف إلى الحجاج فأتاه بعذر المهلب، وأخبره بما رأى، وكتب المهلب إلى الحجاج:
أما بعد، فقد أتاني كتاب الأمير أصلحه الله، واتهامه إياي في هذه الخارجة المارقة، وأمرني الأمير بالنهوض إليهم، وإشهاد رسوله ذلك، وقد فعلت، فليسأله عما رأى، فاما انا فو الله لو كنت أقدر على استئصالهم وإزالتهم عن مكانهم ثم أمسكت عن ذلك لقد غششت المسلمين، وما وفيت
стр. 3383
لأمير المؤمنين، ولا نصحت للأمير- أصلحه الله- فمعاذ الله أن يكون هذا من رأيي، ولا مما أدين الله به، والسلام.
ثم إن المهلب قاتلهم بها ثمانية عشر شهرا لا يستقل منهم شيئا، ولا يرى في موطن ينقعون له ولمن معه من أهل العراق من الطعن والضرب ما يرد عونهم به ويكفونهم عنهم ثم إن رجلا منهم كان عاملا لقطري على ناحية من كرمان خرج في سرية لهم يدعى المقعطر من بنى ضبة، فقتل رجلا قد كان ذا بأس من الخوارج، ودخل منهم في ولاية، فقتله المقعطر، فوثبت الخوارج إلى قطري، فذكروا له ذلك، وقالوا: أمكنا من الضبي نقتله بصاحبنا، فقال لهم:
ما أرى أن أفعل، رجل تأول فأخطأ في التأويل ما أرى أن تقتلوه، وهو من ذوي الفضل منكم، والسابقة فيكم، قالوا: بلى، قال لهم: لا، فوقع الاختلاف بينهم، فولوا عبد رب الكبير، وخلعوا قطريا، وبايع قطريا منهم عصابة نحوا من ربعهم أو خمسهم، فقاتلهم نحوا من شهر غدوة وعشية.
فكتب بذلك المهلب إلى الحجاج:
أما بعد، فإن الله قد ألقى بأس الخوارج بينهم، فخلع عظمهم قطريا وبايعوا عبد رب، وبقيت عصابة منهم مع قطري، فهم يقاتل بعضهم بعضا غدو وعشيا، وقد رجوت أن يكون ذلك من أمرهم سبب هلاكهم إن شاء الله، والسلام.
فكتب إِلَيْهِ:
أَمَّا بَعْدُ فقد بلغني كتابك تذكر فيه اختلاف الخوارج بينها، فإذا أتاك كتابي هذا فناهضهم على حال اختلافهم وافتراقهم قبل أن يجتمعوا، فتكون مئونتهم عليك أشد، والسلام فكتب إليه:
أما بعد، فقد بلغني كتاب الأمير، وكل ما فيه قد فهمت، ولست أرى أن أقاتلهم ما داموا يقتل بعضهم بعضا، وينقص بعضهم عدد بعض، فإن تموا على ذلك فهو الذي نريد وفيه هلاكهم، وإن اجتمعوا لم
стр. 3384
يجتمعوا إلا وقد رقق بعضهم بعضا، فأناهضهم على تفيئة ذلك، وهم أهون ما كانوا وأضعفه شوكة، إن شاء الله، والسلام.
فكف عنه الحجاج، وتركهم المهلب يقتتلون شهرا لا يحركهم.
ثم إن قطريا خرج بمن اتبعه نحو طبرستان، وبايع عامتهم عبد ربه الكبير، فنهض إليهم المهلب، فقاتلوه قتالا شديدا ثم إن الله قتلهم فلم ينج منهم إلا قليل، وأخذ عسكرهم وما فيه وسبوا، لأنهم كانوا يسبون المسلمين وقال كعب الأشقري- والأشقر بطن من الأزد- يذكر يوم رامهرمز، وأيام سابور، وأيام جيرفت.
يا حفص إني عداني عنكمُ السفر ... وقد أرقت فآذى عيني السهر
علقت يا كعب بعد الشيب غانية ... والشيب فيه عن الأهواء مزدجر
أممسك أنت عنها بالذي عهدت ... أم حبلها إذ نأتك اليوم منبتر
علقت خودا بأعلى الطف منزلها ... في غرفة دونها الأبواب والحجر
درما مناكبها ريا مآكمها ... تكاد إذ نهضت للمشي تنبتر
وقد تركت بشط الزابيين لها ... دارا بها يسعد البادون والحضر
واخترت دارا بها حي أسر بهم ... ما زال فيهم لمن نختارهم خير
لما نبت بي بلادي سرت متجعا ... وطالب الخير مرتاد ومنتظر
أبا سعيد فإني جئت منتجعا ... أرجو نوالك لما مسني الضرر
لولا المهلب ما زرنا بلادهمُ ... ما دامت الأرض فيها الماء والشجر
فما من الناس من حي علمتهمُ ... إلا يرى فيهمُ من سيبكم أثر
أحييتهم بسجال من نداك كما ... تحيا البلاد إذا ما مسها المطر.
стр. 3385
إني لأرجو إذا ما فاقة نزلت ... فضلا من الله في كفيك يبتدر
فاجبر اخالك او هي الفقر قوته ... لعله بعد وهي العظم ينجبر
جفا ذوو نسبي عني وأخلفني ... ظني فلله دري كيف آتمر
يا واهب القينة الحسناء سنتها ... كالشمس هركولة في طرفها فتر
وما تزال بدور منك رائحة ... وآخرون لهم من سيبك الغرر
نماك للمجد أملاك ورثتهمُ ... شم العرانين في أخلاقهم يسر
ثاروا بقتلى وأوتار تعددها ... في حين لا حدث في الحرب يتئر
واستسلم الناس إذ حل العدو بهم ... فما لأمرهمُ ورد ولا صدر
وما تجاوز باب الجسر من احد و ... عضت الحرب أهل المصر فانجحروا
وأدخل الخوف أجواف البيوت على ... مثل النساء رجال ما بهم غير
واشتدت الحرب والبلوى وحل بنا ... أمر تشمر في أمثاله الأزر
نظل من دون خفض معصمين بهم ... فشمر الشيخ لما اعظم الخطر
كنا نهون قبل اليوم شأنهمُ ... حتى تفاقم أمر كان يحتقر
لما وهنا وقد حلوا بساحتنا ... واستنفر الناس تارات فما نفروا
نادى امرؤ لا خلاف في عشيرته ... عنه وليس به في مثله قصر
أفشى هنالك مما كان مذ عصروا ... فيهم صنائع مما كان يدخر
تلبسوا لقراع الحرب بزتها ... فأصبحوا من وراء الجسر قد عبروا
ساروا بألوية للمجد قد رفعت ... وتحتهن ليوث في الوغى وقر
حتى إذا خلفوا الأهواز واجتمعوا ... برامهرمز وافاهم بها الخبر
نعي بشر فجال القوم وانصدعوا ... إلا بقايا إذا ما ذكروا ذكروا
ثم استمر بنا راض ببيعته ... ينوي الوفاء ولم نغدر كما غدروا.
стр. 3386
حتى اجتمعنا بسابور الجنود وقد ... شبت لنا ولهم نار لها شرر
نلقى مساعير أبطالا كأنهم ... جن نقارعهم ما مثلهم بشر
نسقى ونسقيهمُ سما على حنق ... مستأنفي الليل حتى أسفر السحر
قتلى هنالك لا عقل ولا قود ... منا ومنهم دماء سفكها هدر
حتى تنحوا لنا عنها تسوقهمُ ... منا ليوث إذا ما أقدموا جسروا
لم يغن عنهم غداة التل كيدهمُ ... عند الطعان ولا المكر الذي مكروا
باتت كتائبنا تردي مسومة ... حول المهلب حتى نور القمر
هناك ولوا حزانا بعد ما فرحوا ... وحال دونهمُ الأنهار والجدر
عبوا جنودهمُ بالسفح إذ نزلوا ... بكازرون فما عزوا ولا ظفروا
وقد لقوا مصدقا منا بمنزلة ... ظنوا بأن ينصروا فيها فما نصروا
بدشت بارين يوم الشعب إذ لحقت ... أسد بسفك دماء الناس قد زئروا
لاقوا كتائب لا يخلون ثغرهمُ ... فيهم على من يقاسي حربهم صعر
المقدمين إذ ما خيلهم وردت ... والعاطفين إذا ما ضيع الدبر
وفي جبيرين إذ صفوا بزحفهمُ ... ولوا خزايا وقد فلوا وقد قهروا
والله ما نزلوا يوما بساحتنا ... إلا أصابهمُ من حربنا ظفر
ننفيهمُ بالقنا عن كل منزلة ... تروح منا مساعير وتبتكر
ولوا حذارا وقد هزوا أسنتنا ... نحو الحروب فما نجاهم الحذر
صلت الجبين طويل الباع ذو فرح ... ضخم الدسيعة لا وان ولا غمر
مجرب الحرب ميمون نقيبته ... لا يستخف ولا من رأيه البطر
وفي ثلاث سنين يستديم بنا ... يقارع الحرب أطوارا ويأتمر.
стр. 3387
يقول إن غدا مبد لناظره ... وفي الليالي وفي الأيام معتبر
دعوا التتابع والإسراع وارتقبوا ... ان المحارب يستأني وينتظر
حتى أتته أمور عندها فرج ... وقد تبين ما يأتي وما يذر
لما زواهم إلى كرمان وانصدعوا ... وقد تقاربت الآجال والقدر
سرنا إليهم بمثل الموج وازدلفوا ... وقبل ذلك كانت بيننا مئر
وزادنا حنقا قتلى نذكرها ... لا تستفيق عيون كلما ذكروا
إذا ذكرنا جروزا والذين بها ... قتلى مضى لهمُ حولان ما قبروا
تأتي علينا حزازات النفوس فما ... نبقي عليهم وما يبقون إن قدروا
ولا يقيلوننا في الحرب عثرتنا ... ولا نقيلهمُ يوما إذا عثروا
لا عذر يقبل منا دون أنفسنا ... ولا لهم عندنا عذر لو اعتذروا
صفان بالقاع كالطودين بينهما ... كالبرق يلمع حتى يشخص البصر
على بصائر كل غير تاركها ... كلا الفريقين تتلى فيهم السور
يمشون في البيض والأبدان إذ وردوا ... مشي الزوامل تهدي صفهم زمر
وشيخنا حوله منا ململمة ... حي من الأزد فيما نابهم صبر
في موطن يقطع الأبطال منظره ... تشاط فيه نفوس حين تبتكر
ما زال منا رجال ثم نضربهم ... بالمشرفي ونار الحرب تستعر
وباد كل سلاح يستعان به ... في حومة الموت إلا الصارم الذكر
ندوسهم بعناجيج مجففة ... وبيننا ثَم من صم القنا كسر
يغشين قتلى وعقرى ما بها رمق ... كأنما فوقها الجادي يعتصر
قتلى بقتلى قصاص يستقاد بها ... تشفي صدور رجال طالما وتروا
стр. 3388
مجاورين بها خيلا معقرة ... للطير فيها وفي أجسادهم جزر
في معرك تحسب القتلى بساحته ... أعجاز نخل زفته الريح ينعقر
وفي مواطن قبل اليوم قد سلفت ... قد كان للأزد فيها الحمد والظفر
في كل يوم تلاقي الأزد مفظعة ... يشيب في ساعة من هولها الشعر
والأزد قومي خيار القوم قد علموا ... إذا قرومهمُ يوم الوغى خطروا
فيهم معاقل من عز يلاذ بها ... يوما إذا شمرت حرب لها درر
حي بأسيافهم يبغون مجدهمُ ... إن المكارم في المكروه تبتدر
لولا المهلب للجيش الذي وردوا ... أنهار كرمان بعد الله ما صدروا
إنا اعتصمنا بحبل الله إذ جحدوا ... بالمحكمات ولم نكفر كما كفروا
جاروا عن القصد والإسلام واتبعوا ... دينا يخالف ما جاءت به النذر
وقال الطفيل بن عامر بن واثلة وهو يذكر قتل عبد ربه الكبير وأصحابه، وذهاب قطري في الأرض واتباعهم إياه ومراوغته إياهم:
لقد مس منا عبد رب وجنده ... عقاب فأمسى سبيهم في المقاسم
سما لهمُ بالجيش حتى أزاحهم ... بكرمان عن مثوى من الأرض ناعم
وما قطري الكفر إلا نعامة ... طريد يدوي ليلة غير نائم
إذا فر منا هاربا كان وجهه ... طريقا سوى قصد الهدى والمعالم
فليس بمنجيه الفرار وإن جرت ... به الفلك في لج من البحر دائم
ذكر الخبر عن هلاك قطري واصحابه
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة كانت هلكة قطري وعبيدة بن هلال وعبد رب الكبير ومن كان معهم من الأزارقة
стр. 3389
ذكر سبب مهلكهم: وكان سبب ذلك أن أمر الذين ذكرنا خبرهم من الأزارقة لما تشتت بالاختلاف الذى حدث بينهم بكرمان فصار بعضهم مع عبد ربه الكبير وبعضهم مع قطري ووهي أمر قطري، توجه يريد طبرستان، وبلغ أمره الحجاج، فوجه- فِيمَا ذكر هِشَام عن أبي مخنف، عن يونس بن يزيد- سفيان بن الأبرد، ووجه معه جيشا من أهل الشام عظيما في طلب قطري، فأقبل سفيان حتى أتى الري ثم أتبعهم وكتب الحجاج إلى إسحاق بن مُحَمَّد ابن الأشعث وهو على جيش لأهل الكوفة بطبرستان، أن اسمع وأطع لسفيان فأقبل إلى سفيان فسار معه في طلب قطري حتى لحقوه في شعب من شعاب طبرستان، فقاتلوه، فتفرق عنه أصحابه، ووقع عن دابته في أسفل الشعب فتدهدى حتى خر إلى أسفله، فقال معاوية بن محصن الكندي: رأيته حيث هوى ولم أعرفه، ونظرت إلى خمس عشرة امرأة عربية هن في الجمال والبزازه وحسن الهيئة كما شاء ربك، ما عدا عجوزا فيهن، فحملت عليهن فصرفتهن إلى سفيان بن الأبرد فلما دنوت بهن منه انتحت لي بسيفها العجوز فتضرب به عنقي، فقطعت المغفر، وقطعت جلدة من حلقي، وأختلج السيف فأضرب به وجهها، فأصاب قحف رأسها، فوقعت ميتة، وأقبلت بالفتيات حتى دفعتهن إلى سفيان وإنه ليضحك من العجوز، وقال: ما أردت الى قتل هذه أخزاها الله- فقلت: او ما رأيت أصلحك الله ضربتها إياي! والله.
إن كادت لتقتلني، قال: قد رايت، فو الله ما ألومك على فعلك، أبعدها الله ويأتي قطريا حيث تدهدى من الشعب علج من أهل البلد، فقال له قطري:
اسقني من الماء- وقد كان اشتد عطشه- فقال: أعطني شيئا حتى أسقيك، فقال: ويحك، والله ما معي إلا ما ترى من سلاحي، فأنا مؤتيكه إذا
стр. 3390
أتيتني بماء، قال: لا، بل أعطنيه الآن، قال: لا، ولكن ائتى بماء قبل، فانطلق العلج حتى أشرف على قطري، ثم حدر عليه حجرا عظيما من فوقه دهدأه عليه، فأصاب إحدى وركيه فأوهته، وصاح بالناس، فأقبلوا نحوه، والعلج حينئذ لا يعرف قطريا، غير أنه يظن أنه من أشرافهم لحسن هيئته، وكمال سلاحه، فدفع إليه نفر من أهل الكوفة فابتدروه فقتلوه، منهم سوره بن أبجر التميمي، وجعفر بن عبد الرحمن بن مخنف، والصباح بن مُحَمَّد بن الأشعث، وباذام مولى بني الأشعث، وعمر بن أبي الصلت بن كنارا مولى بني نصر بن معاوية، وهو من الدهاقين، فكل هؤلاء ادعوا قتله، فدفع إليهم أبو الجهم بن كنانة الكلبي- وكلهم يزعم أنه قاتله- فقال لهم: ادفعوه إلي حتى تصطلحوا، فدفعوه إليه.
فأقبل به إلى إسحاق بن مُحَمَّد- وهو على أهل الكوفة- ولم يأته جعفر لشيء كان بينه وبينه قبل ذلك- وكان لا يكلمه، وكان جعفر مع سفيان بن الأبرد، ولم يكن معه إسحاق، وكان جعفر على ربع أهل المدينة بالري، فلما مر سفيان بأهل الري انتخب فرسانهم بأمر الحجاج، فسار بهم معه، فلما أتى القوم بالرأس فاختصموا فيه إليه وهو في يدي أبي الجهم بن كنانة الكلبي، قال له: امض به أنت، ودع هؤلاء المختلفين، فخرج برأس قطري حتى قدم به على الحجاج، ثم أتى به عبد الملك بن مروان، فألحق في ألفين، وأعطى فطما- يعني أنه يفرض للصغار في الديوان- وجاء جعفر إلى سفيان فقال له: أصلحك الله! إن قطريا كان أصاب والدي فلم يكن لي هم غيره، فاجمع بيني وبين هؤلاء الذين ادعوا قتله، فسلهم، ألم أكن أمامهم حتى بدرتهم فضربته ضربه فصرعته، ثم جاءوني بعد، فأقبلوا يضربونه بأسيافهم! فإن أقروا لي بهذا فقد صدقوا، وإن أبوا فأنا أحلف بالله أني صاحبه، وإلا فليحلفوا بالله أنهم أصحابه الذين قتلوه، وأنهم لا يعرفون ما أقول، ولا حق لي فيه قال: جئت الآن وقد سرحنا بالراس فانصرف عنه فقال له اصحابه: أما والله إنك لأخلق القوم أن تكون صاحبه
стр. 3391
ثم إن سفيان بن الأبرد أقبل منصرفا إلى عسكر عبيدة بن هلال، وقد تحصن في قصر بقومس، فحاصره فقاتله أياما ثم إن سفيان بن الأبرد سار بنا إليهم حتى أحطنا بهم، ثم أمر مناديه فنادى فيهم: أيما رجل قتل صاحبه ثم خرج إلينا فهو آمن، فقال عبيدة بن هلال:
لعمري لقد قام الأصم بخطبة ... لذي الشك منها في الصدور غليل
لعمري لئن أعطيت سفيان بيعتي ... وفارقت ديني إنني لجهول
إلى الله أشكو ما ترى بجيادنا ... تساوك هزلي مخهن قليل
تعاورها القذاف من كل جانب ... بقومس حتى صعبهن ذلول
فإن يك أفناها الحصار فربما ... تشحط فيما بينهن قتيل
وقد كن مما أن يقدن على الوجى ... لهن بأبواب القباب صهيل
فحاصرهم حتى جهدوا، وأكلوا دوابهم ثم إنهم خرجوا إليه فقاتلوه، فقتلهم وبعث برءوسهم إلى الحجاج، ثم دخل إلى دنباوند وطبرستان، فكان هنالك حتى عزله الحجاج قبل الجماجم
. ذكر الخبر عن مقتل أمية بن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ
قَالَ أبو جعفر: وفي هذه السنة قتل بكير بن وشاح السعدي أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد: ذكر سبب قتله إياه.
وكان سبب ذلك- فيما ذكر علي بْن مُحَمَّد، عن المفضل بن مُحَمَّد- أن أمية بن عبد الله وهو عامل عبد الملك بن مروان على خراسان، ولى بكيرا غزو ما وراء النهر، وقد كان ولاه قبل ذلك طخارستان، فتجهز للخروج إليها، وأنفق نفقة كثيرة، فوشى به إليه بحير بن ورقاء الصريمي على ما بينت قبل، فأمره أمية بالمقام
стр. 3392
فلما ولاه غزو ما وراء النهر تجهز وتكلف الخيل والسلاح، وادان من رجال السغد وتجارهم، فقال بحير لأمية: إن صار بينك وبينه النهر ولقي الملوك خلع الخليفة ودعا إلى نفسه، فأرسل إليه أمية: أقم لعلي أغزو فتكون معي، فغضب بكير وقال: كأنه يضارني وكان عتاب اللقوة الغداني استدان ليخرج مع بكير، فلما أقام أخذه غرماؤه، فحبس فأدى عنه بكير وخرج، ثم أجمع أمية على الغزو قال: فأمر بالجهاز ليغزو بخارى، ثم يأتي موسى بن عبد الله بن خازم بالترمذ، فاستعد الناس وتجهزوا، واستخلف على خراسان ابنه زيادا، وسار معه بكير فعسكر بكشماهن، فأقام أياما، ثم أمر بالرحيل، فقال له بحير: إني لا آمن أن يتخلف الناس فقل لبكير: فلتكن في الساقة ولتحشر الناس قال: فأمره أمية فكان على الساقة حتى أتى النهر، فقال له أمية: اقطع يا بكير، فقال عتاب اللقوة الغداني: أصلح الله الأمير! اعبر ثم يعبر الناس بعدك فعبر ثم عبر الناس، فقال أمية لبكير: قد خفت الا يضبط ابني عمله وهو غلام حدث، فارجع إلي مرو فاكفنيها فقد وليتكها، فزين ابني وقم بأمره فانتخب بكير فرسانا من فرسان خراسان قد كان عرفهم ووثق بهم وعبر، ومضى اميه الى بخارى وعلى مقدمته أبو خالد ثابت مولى خزاعة فقال عتاب اللقوة لبكير لما عبر وقد مضى أمية: إنا قتلنا أنفسنا وعشائرنا حتى ضبطنا خراسان، ثم طلبنا أميرا من قريش يجمع أمرنا، فجاءنا أمير يلعب بنا يحولنا من سجن إلى سجن، قال: فما ترى؟ قال: احرق هذه السفن، وامض إلى مرو فاخلع أمية، وتقيم بمرو تأكلها إلى يوم ما، قال: فقال الأحنف بن عبد الله العنبري: الرأي ما رأى عتاب، فقال بكير: إني أخاف أن يهلك هؤلاء الفرسان الذين معي، فقال: أتخاف عدم الرجال! أنا آتيك من أهل مرو بما شئت إن هلك من هؤلاء الذين معك، قال: يهلك المسلمون، قال: إنما يكفيك أن ينادي مناد: من أسلم رفعنا عنه الخراج فيأتيك خمسون ألفا من المصلين أسمع لك من هؤلاء وأطوع، قال: فيهلك أمية ومن معه، قال:
ولم يهلكون ولهم عدة وعدد ونجدة وسلاح ظاهر وأداة كاملة، ليقاتلوا عن
стр. 3393
أنفسهم حتى يبلغوا الصين! فأحرق بكير السفن، ورجع إلى مرو، فأخذ ابن أمية فحبسه، ودعا الناس إلى خلع أمية فأجابوه، وبلغ أمية، فصالح أهل بخارى على فدية قليلة، ورجع فأمر باتخاذ السفن، فاتخذت له وجمعت، وقال لمن معه من وجوه تميم: ألا تعجبون من بكير! إني قدمت خراسان فحذرته، ورفع عليه وشكي منه، وذكروا أموالا أصابها، فأعرضت عن ذلك كله، ثم لم أفتشه عن شيء ولا أحدا من عماله، ثم عرضت عليه شرطتي فأبى، فأعفيته، ثم وليته فحذرته، فأمرته بالمقام وما كان ذلك إلا نظرا له، ثم رددته إلى مرو، ووليته الأمر، فكفر ذلك كله، وكافأني بما ترون فقال له قوم: أيها الأمير، لم يكن هذا من شأنه، إنما أشار عليه بإحراق السفن عتاب اللقوة، فقال: وما عتاب! وهل عتاب إلا دجاجة حاضنة، فبلغ قوله عتابا، فقال عتاب في ذلك:
إن الحواضن تلقاها مجففة ... غلب الرقاب على المنسوبة النجب
تركت أمرك من جبن ومن خور ... وجئتنا حمقا يا ألأم العرب
لما رأيت جبال السغد معرضة ... وليت موسى ونوحا عكوة الذنب
وجئت ذيخا مغذا ما تكلمنا ... وطرت من سعف البحرين كالخرب
أوعد وعيدك إني سوف تعرفني ... تحت الخوافق دون العارض اللجب
يخب بي مشرف عار نواهقه ... يغشى الكتيبة بين العدو والخبب
قال: فلما تهيأت السفن، عبر أمية وأقبل إلى مرو، وترك موسى بن عبد الله، وقال: اللهم إني أحسنت إلى بكير، فكفر إحساني، وصنع ما صنع، اللهم أكفنيه.
فقال شماس بن دثار- وكان رجع من سجستان بعد قتل ابن خازم، فغزا مع أمية: أيها الأمير، أنا أكفيكه إن شاء الله فقدمه اميه في ثمانمائه، فأقبل حتى نزل باسان وهي لبني نصر، وسار إليه بكير ومعه مدرك بن أنيف وأبوه
стр. 3394
مع شماس، فقال: أما كان في تميم أحد يحاربني غيرك! ولامه فأرسل إليه شماس: أنت ألوم وأسوأ صنيعا مني، لم تف لأمية ولم تشكر له صنيعه بك، قدم فأكرمك ولم يعرض لك ولا لأحد من عمالك.
قال: فبيته بكير ففرق جمعه وقال: لا تقتلوا منهم أحدا، وخذوا سلاحهم، فكانوا إذا أخذوا رجلا سلبوه وخلوا عنه، فتفرقوا، ونزل شماس في قرية لطيئ يقال لها: بوينة، وقدم أمية فنزل كشماهن، ورجع إليه شماس بن دثار فقدم أمية ثابت بن قطبة مولى خزاعة، فلقيه بكير فأسر ثابتا وفرق جمعه، وخلى بكير سبيل ثابت ليد كانت له عنده قال: فرجع إلى أمية، فأقبل أمية في الناس، فقاتله بكير وعلى شرطة بكير أبو رستم الخليل بن أوس العبشمي، فأبلى يومئذ، فنادوه: يا صاحب شرطة عارمة- وعارمة جارية بكير- فأحجم، فقال له بكير: لا أبا لك، لا يهدك نداء هؤلاء القوم، فإن للعارمة فحلا يمنعها، فقدم لواءك، فقاتلوا حتى انحاز بكير فدخل الحائط، فنزل السوق العتيقة، ونزل أمية باسان فكانوا يلتقون في ميدان يزيد، فانكشفوا يوما، فحماهم بكير، ثم التقوا يوما آخر في الميدان، فضرب رجل من بني تميم على رجله فجعل يسحبها، وهريم يحميه، فقال الرجل: اللهم أيدنا فأمدنا بالملائكة، فقال له هريم: أيها الرجل، قاتل عن نفسك، فإن الملائكة في شغل عنك، فتحامل ثم أعاد قوله: اللهم أمدنا بالملائكة، فقال هريم:
لتكفن عني أو لأدعنك والملائكة، وحماه حتى ألحقه بالناس قال:
ونادى رجل من بني تميم: يا أمية، يا فاضح قريش، فآلى أمية إن ظفر به أن يذبحه، فظفر به فذبحه بين شرفتين من المدينة، ثم التقوا يوما آخر، فضرب بكير بن وشاح ثابت بن قطبة على رأسه وانتمى: أنا ابن وشاح، فحمل حريث بن قطبة أخو ثابت على بكير، فانحاز بكير، وانكشف أصحابه، واتبع حريث بكيرا حتى بلغ القنطرة، فناداه: أين يا بكير؟ فكر عليه، فضربه حريث على رأسه، فقطع المغفر، وعض
стр. 3395
السيف برأسه، فصرع، فاحتمله أصحابه، فأدخلوه المدينة.
قال: فكانوا على ذلك يقاتلونهم، وكان أصحاب بكير يغدون متفضلين في ثياب مصبغة وملاحف وأزر صفر وحمر، فيجلسون على نواحي المدينة يتحدثون، وينادي مناد: من رمى بسهم رمينا إليه برأس رجل من ولده وأهله، فلا يرميهم أحد.
قال: فأشفق بكير، وخاف إن طال الحصار أن يخذله الناس، فطلب الصلح، وأحب ذلك أيضا أصحاب أمية لمكان عيالاتهم بالمدينة، فقالوا لأمية: صالحه- وكان أمية يحب العافيه- فصالحه على ان يقضى عنه أربعمائة الف، ويصل اصحابه ويوليه أيضا أي كور خراسان شاء، ولا يسمع قول بحير فيه، وإن رابه منه ريب فهو آمن أربعين يوما حتى يخرج عن مرو، فأخذ الأمان لبكير من عبد الملك، وكتب له كتابا على باب سنجان، ودخل أمية المدينة قال: وقوم يقولون: لم يخرج بكير مع أمية غازيا، ولكن أمية لما غزا استخلفه على مرو فخلعه، فرجع أمية فقاتله، ثم صالحه ودخل مرو ووفى أمية لبكير وعاد إلى ما كان عليه من الإكرام وحسن الإذن، وأرسل إلى عتاب اللقوة، فقال: أنت صاحب المشورة، فقال: نعم أصلح الله الأمير! قال: ولم؟ قال: خف ما كان في يدي، وكثر ديني، وأعديت على غرمائي، قال: ويحك! فضربت بين المسلمين، وأحرقت السفن والمسلمون في بلاد العدو، وما خفت الله! قال: قد كان ذلك، فأستغفر الله، قال: كم دينك؟ قال: عشرون ألفا، قال: تكف عن غش المسلمين وأقضي دينك؟ قال: نعم، جعلني الله فداك! قال: فضحك أمية وقال: إن ظني بك غير ما تقول، وسأقضي عنك فأدى عنه عشرين ألفا، وكان أمية سهلا لينا سخيا، لم يعط أحد من عمال خراسان بها مثل عطاياه، قال: وكان مع ذلك ثقيلا عليهم، كان فيه زهو شديد، وكان يقول: ما أكتفي بخراسان وسجستان لمطبخي وعزل أمية بحيرا
стр. 3396
عن شرطته، وولاها عطاء بن أبي السائب، وكتب إلى عبد الملك بما كان من أمر بكير وصفحه عنه، فضرب عبد الملك بعثا إلى أمية بخراسان، فتجاعل الناس، فأعطى شقيق بن سليك الأسدي جعالته رجلا من جرم، وأخذ أمية الناس بالخراج، واشتد عليهم فيه، فجلس بكير يوما في المسجد وعنده ناس من بني تميم، فذكروا شدة أمية على الناس، فذموه، وقالوا:
سلط علينا الدهاقين في الجباية وبحير وضرار بن حصين وعبد العزيز بن جارية ابن قدامة في المسجد، فنقل بحير ذلك إلى أمية فكذبه فادعى شهادة هؤلاء، وادعى شهادة مزاحم بن أبي المجشر السلمي، فدعا أمية مزاحما فسأله فقال: انما كان يمزح، فأعرض عنه أمية، ثم أتاه بحير فقال: أصلح الله الأمير! إن بكيرا والله قد دعاني إلى خلعك، وقال: لولا مكانك لقتلت هذا القرشي وأكلت خراسان، فقال أمية: ما أصدق بهذا وقد فعل ما فعل، فآمنته ووصلته.
قال: فأتاه بضرار بن حصين وعبد العزيز بن جارية فشهدا أن بكيرا قال لهما: لو أطعتماني لقتلت هذا القرشي المخنث، وقد دعانا إلى الفتك بك فقال أمية: أنتم أعلم وما شهدتم، وما أظن هذا به وان تركه، وقد شهدتم بما شهدتم عجز، وقال لحاجبه عبيدة ولصاحب حرسه عطاء بن أبي السائب: إذا دخل بكير، وبدل وشمردل بنا أخيه، فنهضت فخدوهم.
وجلس أمية للناس، وجاء بكير وابنا أخيه، فلما جلسوا قام اميه عن سريره فدخل، وخرج الناس وخرج بكير، فحبسوه وابني أخيه، فدعا أمية ببكير فقال: أنت القائل كذا وكذا؟ قال: تثبت أصلحك الله ولا تسمعن قول ابن المحلوقة! فحبسه، وأخذ جاريته العارمة فحبسها، وحبس الأحنف ابن عبد الله العنبري، وقال: أنت ممن أشار على بكير بالخلع.
فلما كان من الغد أخرج بكيرا فشهد عليه بحير وضرار وعبد العزيز بن جارية أنه دعاهم إلى خلعه والفتك به، فقال: أصلحك الله! تثبت فإن هؤلاء أعدائي، فقال أمية لزياد بن عقبة- وهو رأس أهل العالية- ولابن والان العدوي- وهو يومئذ من رؤساء بنى تميم- ليعقوب بن خالد الذهلي:
стр. 3397
اتقتلونه؟ فلم يجيبوه، فقال لبحير: اتقتله؟ قال: نعم، فدفعه إليه، فنهض يعقوب بن القعقاع الأعلم الأزدي من مجلسه- وكان صديقا لبكير- فاحتضن اميه، وقال: اذكرك الله ايها امير في بكير، فقد أعطيته ما أعطيته من نفسك، قال: يا يعقوب ما يقتله إلا قومه، شهدوا عليه، فقال عطاء بن أبي السائب الليثي وهو على حرس أمية: خل عن الأمير، قال:
لا، فضربه عطاء بقائم السيف، فأصاب أنفه فأدماه، فخرج، ثم قال لبحير: يا بحير، إن الناس أعطوا بكيرا ذمتهم في صلحه، وأنت منهم، فلا تخفر ذمتك، قال: يا يعقوب، ما أعطيته ذمة ثم أخذ بحير سيف بكير الموصول الذي كان أخذه من إسوار الترجمان ترجمان ابن خازم، فقال له بكير: يا بحير، إنك تفرق أمر بني سعد إن قتلتني، فدع هذا القرشي يلي مني ما يريد، فقال بحير: لا والله يا بن الأصبهانية لا تصلح بنو سعد ما دمنا حيين، قال: فشأنك يا بن المحلوقة، فقتله، وذلك يوم جمعة.
وقتل أمية ابني أخي بكير، ووهب جارية بكير العارمة لبحير، وكلم أمية في الأحنف بن عبد الله العنبري، فدعا به من السجن، فقال: وأنت ممن أشار على بكير، وشتمه، وقال: قد وهبتك لهؤلاء قال: ثم وجه أمية رجلا من خزاعة إلى موسى بن عبد الله بن خازم، فقتله عمرو بن خالد بن حصين الكلابي غيلة، فتفرق جيشه، فاستأمن طائفة منهم موسى، فصاروا معه، ورجع بعضهم الى اميه.
[أخبار متفرقة]
وفي هذه السنة عبر النهر، نهر بلخ أمية للغزو، فحوصر حتى جهد هو وأصحابه، ثم نجوا بعد ما أشرفوا على الهلاك، فانصرف والذين معه من الجند إلى مرو وقال عبد الرحمن بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة يهجو أمية:
ألا أبلغ أمية أن سيجزى ... ثواب الشر إن له ثوابا
ومن ينظر عتابك أو يرده ... فلست بناظر منك العتابا
стр. 3398
محا المعروف منك خلال سوء ... منحت صنيعها بابا فبابا
ومن سماك إذ قسم الأسامي ... أمية إذ ولدت فقد أصابا
قال أبو جعفر: وحج بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان، وهو أمير على المدينة، وكان على الكوفة والبصرة الحجاج بن يوسف، وعلى خراسان اميه ابن عبد الله بن خالد بن أسيد.
وَحَدَّثَنِي أَحْمَد بن ثَابِت، عمن حدثه، عن إسحاق بْن عيسى، عن أبي معشر، قال: حج أبان بن عثمان وهو على المدينة بالناس حجتين سنة ست وسبعين.
وسنة سبع وسبعين وقد قيل: إن هلاك شبيب كان في سنة ثمان وسبعين، وكذلك قيل في هلاك قطري وعبيدة بن هلال وعبد ربه الكبير.
وغزا في هذه السنة الصائفة الوليد.
стр. 3399
ثم دخلت
سنة ثمان وسبعين
(ذكر الخبر عن الكائن في هذه السنة من الأحداث الجليلة) فمن ذلك عزل عبد الملك بن مروان أمية بن عبد الله عن خراسان وضمه خراسان وسجستان إلى الحجاج بن يوسف فلما ضم ذلك إليه فرق فيه عماله.
ذكر الخبر عن العمال الذين ولاهم الحجاج خراسان وسجستان
وذكر السبب في توليته من ولاه ذلك وشيئا منه ذكر أن الحجاج لما فرغ من شبيب ومطرف شخص من الكوفة إلى البصرة، واستخلف على الكوفة المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل- وقد قيل: إنه استخلف عبد الرحمن بن عبد الله بن عامر الحضرمي، ثم عزله، وجعل مكانه المغيرة بن عبد الله- فقدم عليه المهلب بها، وقد فرغ من امر الأزارقة.
فقال هشام: حدثني أبو مخنف عن أبي المخارق الراسبي، أن المهلب بن أبي صفرة لما فرغ من الأزارقة قدم على الحجاج- وذلك سنه ثمان وسبعين- فاجلسه معه، ودعا باصحاب البلاء من اصحاب المهلب، فأخذ الحجاج لا يذكر له المهلب رجلا من أصحابه ببلاء حسن إلا صدقه الحجاج بذلك، فحملهم الحجاج وأحسن عطاياهم، وزاد في أعطياتهم، ثم قال: هؤلاء أصحاب الفعال، وأحق بالأموال، هؤلاء حماة الثغور، وغيظ الأعداء.
قال هشام عن أبي مخنف: قال يونس بن ابى إسحاق: وقد كان الحجاج ولى المهلب سجستان مع خراسان، فقال له المهلب: ألا أدلك على رجل هو أعلم بسجستان مني، وقد كان ولي كابل وزابل، وجباهم
стр. 3400
وقاتلهم وصالحهم؟ قال له: بلى، فمن هو؟ قال عبيد الله بن أبي بكرة.
ثم إنه بعث المهلب على خراسان وعبيد الله بن أبي بكرة على سجستان، وكان العامل هنالك أمية بن عبد الله بن خالد بْنَ أُسَيْدِ بْنِ أَبِي الْعِيصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وكان عاملا لعبد الملك بن مروان، لم يكن للحجاج شيء من أمره حين بعث على العراق حتى كانت تلك السنة، فعزله عبد الملك وجمع سلطانه للحجاج، فمضى المهلب إلى خراسان، وعبيد الله بن أبي بكرة إلى سجستان، فمكث عبيد الله بن أبي بكرة بقية سنته.
فهذه رواية أبي مخنف عن أبي المخارق، وأما علي بن مُحَمَّد فإنه ذكر عن المفضل بن مُحَمَّد أن خراسان وسجستان جمعتا للحجاج مع العراق في أول سنة ثمان وسبعين بعد ما قتل الخوارج، فاستعمل عبيد الله بن أبي بكرة على خراسان، والمهلب بن أبي صفرة على سجستان، فكره المهلب سجستان، فلقي عبد الرحمن بن عبيد بن طارق العبشمي- وكان على شرطة الحجاج- فقال: إن الأمير ولاني سجستان، وولى ابن أبي بكرة خراسان، وأنا أعرف بخراسان منه، قد عرفتها أيام الحكم بن عمرو الغفاري، وابن أبي بكرة أقوى على سجستان مني، فكلم الأمير يحولني إلى خراسان، وابن أبي بكرة إلى سجستان، قال: نعم، وكلم زاذان فروخ يعينني، فكلمه، فقال: نعم، فقال عبد الرحمن بن عبيد للحجاج: وليت المهلب سجستان وابن أبي بكرة أقوى عليها منه، فقال زاذان فروخ: صدق، قال: إنا قد كتبنا عهده، قال زاذان فروخ: ما أهون تحويل عهده! فحول ابن أبي بكرة إلى سجستان، والمهلب إلى خراسان، وأخذ المهلب بألف ألف من خراج الأهواز، وكان ولاها إياه خالد بن عبد الله، فقال المهلب لابنه المغيرة: إن خالدا ولاني الأهواز، وولاك إصطخر، وقد أخذني الحجاج بألف ألف، فنصف علي ونصف عليك، ولم يكن عند المهلب مال، كان إذا عزل استقرض، قال: فكلم أبا ماوية مولى عبد الله بن عامر- وكان أبو ماوية على بيت مال عبد الله بن عامر- فأسلف المهلب ثلاثمائة الف،
следующие страницы →