← История

История · id 9783

تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري

ابن جرير الطبري

Полный текст (6 431 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

واحتل لأن تأتيني به بغير أمان، فإن أعياك وأبى فآمنه، واعلم أني إن عاينتك وليس هو معك صلبتك، فاعمل لنفسك قال: فاكتب لي إلى عبد الرحمن لا يخالفني، قال: نعم، فكتب له إلى عبد الرحمن فقدم عليه، فقال له: ابعث رجالا فليكونوا على فم الشعب، فإذا خرجت أنا ونيزك فليعطفوا من ورائنا فيحولوا بيننا وبين الشعب قال: فبعث عبد الرحمن خيلا فكانوا حيث أمرهم سليم، ومضى سليم وقد حمل معه من الأطعمة التي تبقى أياما والأخبصة أوقارا، حتى أتى نيزك، فقال له نيزك: خذلتني يا سليم، قال: ما خذلتك، ولكنك عصيتني وأسأت بنفسك، خلعت وغدرت، قال: فما الرأي؟ قال: الرأي أن تأتيه فقد أمحكته، وليس ببارح موضعه هذا، قد اعتزم على أن يشتو بمكانه، هلك أو سلم، قال: آتيه على غير أمان! قال: ما أظنه يؤمنك لما في قلبه عليك، فإنك قد ملأته غيظا، ولكنى ارى الا يعلم بك حتى تضع يدك في يده، فانى أرجو ان فعلت ذاك ان يستحيى ويعفو عنك، قال: أترى ذلك؟ قال: نعم، قال: إن نفسي لتأبى هذا، وهو إن رآني قتلني، فقال له سليم: ما أتيتك إلا لأشير عليك بهذا، ولو فعلت لرجوت أن تسلم وأن تعود حالك عنده إلى ما كانت، فأما إذ أبيت فإني منصرف قال: فنغديك إذا، قال: إني لأظنكم في شغل عن تهيئة الطعام، ومعنا طعام كثير. قال: ودعا سليم بالغداء فجاءوا بطعام كثير لا عهد لهم بمثله منذ حصروا، فانتهبه الأتراك، فغم ذلك نيزك، وقال سليم: يا أبا الهياج، أنا لك من الناصحين، أرى أصحابك قد جهدوا، وإن طال بهم الحصار وأقمت على حالك لم آمنهم أن يستأمنوا بك، فانطلق وأت قتيبة، قال: ما كنت لآمنه على نفسي، ولا آتيه على غير أمان، فإن ظني به أنه

стр. 3537

قاتلي وإن آمنني، ولكن الأمان أعذر لي وأرجى، قال: فقد آمنك أفتتهمني! قال: لا، قال: فانطلق معي، قال له أصحابه: اقبل قول سليم، فلم يكن ليقول إلا حقا، فدعا بدوابه وخرج مع سليم، فلما انتهى إلى الدرجة التي يهبط منها إلى قرار الأرض قال: يا سليم، من كان لا يعلم متى يموت فإني أعلم متى أموت، أموت إذا عاينت قتيبة، قال: كلا أيقتلك مع الأمان! فركب ومضى معه جبغويه- وقد برا من الجدري- صول وعثمان ابنا أخي نيزك- صول طرخان خليفه جبغويه، وخنس طرخان صاحب شرطه- قال: فلما خرج من الشعب عطفت الخيل التي خلفها سليم على فوهة الشعب، فحالوا بين الأتراك وبين الخروج، فقال نيزك لسليم: هذا أول الشر، قال: لا تفعل، تخلف هؤلاء عنك خير لك وأقبل سليم ونيزك ومن خرج معه حتى دخلوا على عبد الرحمن بن مسلم، فأرسل رسولا إلى قتيبة يعلمه، فأرسل قتيبة عمرو بن أبي مهزم إلى عبد الرحمن: أن أقدم بهم علي، فقدم بهم عبد الرحمن عليه، فحبس أصحاب نيزك، ودفع نيزك إلى ابن بسام الليثي، وكتب إلى الحجاج يستأذنه في قتل نيزك، فجعل ابن بسام نيزك في قبته، وحفر حول القبة خندقا، ووضع عليه حرسا ووجه قتيبة معاوية بن عامر بن علقمة العليمي، فاستخرج ما كان في الكرز من متاع ومن كان فيه، وقدم به على قتيبة، فحبسهم ينتظر كتاب الحجاج فيما كتب إليه، فأتاه كتاب الحجاج بعد اربعين يوما يأمره بقتل نيزك قال: فدعا به فقال: هل لك عندي عقد أو عند عبد الرحمن أو عند سليم؟ قال: لي عند سليم، قال: كذبت، وقام فدخل ورد نيزك إلى حبسه، فمكث ثلاثة أيام لا يظهر للناس قال: فقام المهلب ابن اياس العدوى، وتكلم في أمر نيزك، فقال بعضهم: ما يحل له أن يقتله، وقال بعضهم: ما يحل له تركه، وكثرت الاقاويل فيه

стр. 3538

وخرج قتيبة اليوم الرابع فجلس وأذن للناس، فقال: ما ترون في قتل نيزك؟ فاختلفوا، فقال قائل: اقتله، وقال قائل: أعطيته عهدا فلا تقتله، وقال قائل: ما نأمنه على المسلمين ودخل ضرار بن حصين الضبي فقال: ما تقول يا ضرار؟ قال: أقول: إني سمعتك تقول: أعطيت الله عهدا إن أمكنك منه أن تقتله، فإن لم تفعل لا ينصرنك الله عليه أبدا فأطرق قتيبة طويلا، ثم قال: والله لو لم يبق من أجلي إلا ثلاث كلمات لقلت: اقتلوه، اقتلوه، اقتلوه، وأرسل إلى نيزك فأمر بقتله وأصحابه فقتل مع سبعمائة. وأما الباهليون فيقولون: لم يؤمنه ولم يؤمنه سليم، فلما أراد قتله دعا به ودعا بسيف حنفي فانتضاه وطول كميه ثم ضرب عنقه بيده، وأمر عبد الرحمن فضرب عنق صول، وأمر صالحا فقتل عثمان- ويقال: شقران ابن أخي نيزك- وقال لبكر بن حبيب السهمي من باهلة: هل بك قوة؟ قال: نعم، واريد- وكانت في بكر أعرابية- فقال: دونك هؤلاء الدهاقين قال: وكان إذا أتي برجل ضرب عنقه وقال: أوردوا ولا تصدروا، فكان من قتل يومئذ اثنا عشر ألفا في قول الباهليين، وصلب نيزك وابنى أخيه في أصل عين تدعى وخش خاشان في أسكيمشت، فقال المغيرة بن حبناء يذكر ذلك في كلمة له طويلة: لعمري لنعمت غزوة الجند غزوة ... قضت نحبها من نيزك وتعلت قَالَ علي: أَخْبَرَنَا مُصْعَب بن حيان، عن أبيه، قال: بعث قتيبة برأس نيزك مع محفن بن جزء الكلابي، وسوار بن زهدم الجرمي، فقال الحجاج: إن كان قتيبة لحقيقا أن يبعث برأس نيزك مع ولد مسلم، فقال سوار:

стр. 3539

أقول لمحفن وجرى سنيح ... وآخر بارح من عن يميني وقد جعلت بوائق من أمور ... ترفع حوله وتكف دوني نشدتك هل يسرك ان سرجى ... وسرجك فوق ابغل باذيين قال: فقال محفن: نعم وبالصين. قال علي: أخبرنا حمزة بن إبراهيم، وعلي بن مجاهد، عن حنبل بن أبي حريدة، عن مرزبان قهستان وغيرهما، أن قتيبة دعا يوما بنيزك وهو محبوس، فقال: ما رأيك في السبل والشذ؟ أتراهما يأتيان إن أرسلت إليهما؟ قال: لا، قال: فأرسل إليهما قتيبة فقدما عليه، ودعا نيزك وجبغويه فدخلا، فإذا السبل، والشذ بين يديه على كرسيين، فجلسا بإزائهما، فقال الشذ لقتيبة: إن جبغويه- وإن كان لي عدوا- فهو أسن مني، وهو الملك وأنا كعبده، فأذن لي أدن منه، فأذن له، فدنا منه، فقبل يده وسجد له، قال: ثم استأذنه في السبل، فأذن له فدنا منه فقبل يده، فقال نيزك لقتيبة: ائذن لي أدن من الشذ، فإني عبده، فأذن له، فدنا منه فقبل يده، ثم أذن قتيبة للسبل والشذ فانصرفا إلى بلادهما، وضم إلى الشذ الحجاج القيني، وكان من وجوه أهل خراسان وقتل قتيبة نيزك، فأخذ الزبير مولى عابس الباهلي خفا لنيزك فيه جوهر، وكان أكثر من في بلاده مالا وعقارا، من ذلك الجوهر الذي أصابه في خفه فسوغه إياه قتيبة، فلم يزل موسرا حتى هلك بكابل في ولاية ابى داود. قال: واطلق قتيبة جبغويه ومن عليه، وبعث به إلى الوليد، فلم يزل بالشام حتى مات الوليد ورجع قتيبة إلى مرو، واستعمل أخاه عبد الرحمن على بلخ، فكان الناس يقولون: غدر قتيبة بنيزك، فقال ثابت قطنة: لا تحسبن الغدر حزما فربما ... ترقت به الأقدام يوما فزلت وقال: وكان الحجاج يقول: بعثت قتيبة فتى غرا فما زدته ذراعا إلا

стр. 3540

زادني باعا. قال علي: أخبرنا حمزة بن إبراهيم، عن أشياخ من أهل خراسان، وعلي بن مجاهد، عن حنبل بن أبي حريدة، عن مرزبان قهستان وغيرهما، أن قتيبة بن مسلم لما رجع إلى مرو وقتل نيزك طلب ملك الجوزجان- وكان قد هرب عن بلاده- فأرسل يطلب الأمان، فآمنه على أن يأتيه فيصالحه، فطلب رهنا يكونون في يديه ويعطي رهائن، فأعطى قتيبة حبيب بن عبد الله بن عمرو بن حصين الباهلي، وأعطى ملك الجوزجان رهائن من أهل بيته، فخلف ملك الجوزجان حبيبا بالجوزجان في بعض حصونه، وقدم على قتيبة فصالحه، ثم رجع فمات بالطالقان. فقال أهل الجوزجان سموه، فقتلوا حبيبا، وقتل قتيبة الرهن الذين كانوا عنده، فقال نهار بن توسعة لقتيبة: أراك الله في الأتراك حكما ... كحكم في قريظة والنضير قضاء من قتيبة غير جور ... به يشفى الغليل من الصدور فإن ير نيزك خزيا وذلا ... فكم في الحرب حمق من أمير! وقال المغيرة بن حبناء يمدح قتيبة ويذكر قتل نيزك وصول ابن أخي نيزك وعثمان- أو شقران: لمن الديار عفت بسفح سنام ... إلا بقية أيصر وثمام عصف الرياح ذيولها فمحونها ... وجرين فوق عراصها بتمام دار لجارية كأن رضا بها ... مسك يشاب مزاجه بمدام أبلغ أبا حفص قتيبة مدحتي ... واقرأ عليه تحيتي وسلامي يا سيف أبلغها فإن ثناءها ... حسن وإنك شاهد لمقامي يسمو فتتضع الرجال إذا سما ... لقتيبة الحامي حمى الإسلام

стр. 3541

لأغر منتجب لكل عظيمة ... نحر يباح به العدو لهام يمضي إذا هاب الجبان وأحمشت ... حرب تسعر نارها بضرام تروى القناة مع اللواء أمامه ... تحت اللوامع والنحور دوام والهام تفريه السيوف كأنه ... بالقاع حين تراه قيض نعام وترى الجياد مع الجياد ضوامرا ... بفنائه لحوادث الأيام وبهن أنزل نيزكا من شاهق ... والكرز حيث يروم كل مرام وأخاه شقرانا سقيت بكأسه ... وسقيت كأسهما أخا باذام وتركت صولا حين صال مجدلا ... يركبنه بدوابر وحوام خبر غزو قتيبة شومان وكس ونسف وفي هذه السنة- أعني سنة إحدى وتسعين- غزا قتيبة شومان وكس ونسف غزوته الثانية وصالح طوخان. ذكر الخبر عن ذَلِكَ: قَالَ علي: أَخْبَرَنَا بشر بن عيسى عن أبي صفوان، وأبو السري وجبلة بن فروخ عن سُلَيْمَان بن مجالد، والحسن بن رشيد عن طفيل بن مرداس العمي، وأبو السري المروزي عن عمه، وبشر بن عيسى وعلى ابن مجاهد، عن حنبل بن أبي حريدة عن مرزبان قهستان، وعياش ابن عبد الله الغنوي، عن أشياخ من أهل خراسان، قال: وحدثني ظئري- كل قد ذكر شيئا، فألفته، وأدخلت من حديث بعضهم في حديث بعض- أن فيلسنشب باذق- وقال بعضهم: قيسبشتان ملك شومان- طرد عامل قتيبة ومنع الفدية التي صالح عليها قتيبة، فبعث إليه قتيبة عياشا الغنوي ومعه رجل من نساك أهل خراسان يدعوان ملك شومان إلى أن يؤدي الفدية

стр. 3542

على ما صالح عليه قتيبة، فقد ما البلد، فخرجوا إليهما فرموهما، فانصرف الرجل وأقام عياش الغنوي فقال: اما هاهنا مسلم! فخرج إليه رجل من المدينة فقال: أنا مسلم، فما تريد؟ قال: تعينني على جهادهم، قال: نعم، فقال له عياش: كن خلفي لتمنع لي ظهري، فقام خلفه- وكان اسم الرجل المهلب- فقاتلهم عياش، فحمل عليهم، فتفرقوا عنه، وحمل المهلب على عياش من خلفه فقتله، فوجدوا به ستين جراحة، فغمهم قتله، وقالوا: قتلنا رجلا شجاعا. وبلغ قتيبة، فسار إليهم بنفسه، وأخذ طريق بلخ، فلما أتاها قدم أخاه عبد الرحمن، واستعمل على بلخ عمرو بن مسلم، وكان ملك شومان صديقا لصالح بن مسلم، فأرسل إليه صالح رجلا يأمره بالطاعة، ويضمن له رضا قتيبة إن رجع إلى الصلح، فأبى وقال لرسول صالح: ما تخوفني به من قتيبة، وأنا أمنع الملوك حصنا أرمي أعلاه، وأنا أشد الناس قوسا وأشد الناس رميا، فلا تبلغ نشابتي نصف حصني، فما أخاف من قتيبة! فمضى قتيبة من بلخ فعبر النهر، ثم أتى شومان وقد تحصن ملكها فوضع عليه المجانيق، ورمى حصنه فهشمه، فلما خاف أن يظهر عليه، ورأى ما نزل به جمع ما كان له من مال وجوهر فرمى به في عين في وسط القلعة لا يدرك قعرها. قال: ثم فتح القلعة وخرج إليهم فقاتلهم فقتل، وأخذ قتيبة القلعة عنوة، فقتل المقاتلة وسبى الذرية، ثم رجع إلى باب الحديد فأجاز منه إلى كس ونسف، وكتب إليه الحجاج، أن كس بكس وانسف نسف، وإياك والتحويط ففتح كس ونسف، وامتنع عليه فرياب فحرقها فسميت المحترقة وسرح قتيبة من كس ونسف أخاه عبد الرحمن بن مسلم إلى السغد، إلى طرخون، فسار حتى نزل بمرج قريبا منهم، وذلك في وقت

стр. 3543

العصر، فانتبذ الناس وشربوا حتى عبثوا وعاثوا وأفسدوا، فأمر عبد الرحمن أبا مرضية- مولى لهم- أن يمنع الناس من شرب العصير، فكان يضربهم ويكسر آنيتهم ويصب نبيذهم، فسال في الوادي، فسمي مرج النبيذ، فقال بعض شعرائهم: أما النبيذ فلست أشربه ... أخشى أبا مرضيه الكلب متعسفا يسعى بشكته ... يتوثب الحيطان للشرب فقبض عبد الرحمن من طرخون شيئا كان قد صالحه عليه قتيبة، ودفع إليه رهنا كانوا معه، وانصرف عبد الرحمن إلى قتيبة وهو ببخارى، فرجعوا إلى مرو، فقالت السغد لطرخون: إنك قد رضيت بالذل واستطبت الجزية، وأنت شيخ كبير فلا حاجة لنا بك قال: فولوا من أحببتم قال: فولوا غوزك، وحبسوا طرخون، فقال طرخون: ليس بعد سلب الملك إلا القتل، فيكون ذلك بيدي أحب إلي من أن يليه مني غيري، فاتكأ على سيفه حتى خرج من ظهره قال: وإنما صنعوا بطرخون هذا حين خرج قتيبة إلى سجستان وولوا غوزك. وأما الباهليون فيقولون: حصر قتيبة ملك شومان، ووضع على قلعته المجانيق، ووضع منجنيقا كان يسميها الفحجاء، فرمى بأول حجر فأصاب الحائط، ورمى بآخر فوقع في المدينة، ثم تتابعت الحجارة في المدينة فوقع حجر منها في مجلس الملك، فأصاب رجلا فقتله، ففتح القلعة عنوة، ثم رجع إلى كس ونسف، ثم مضى إلى بخارى فنزل قرية فيها بيت نار وبيت آلهة، وكان فيها طواويس، فسموه منزل الطواويس، ثم سار إلى طرخون بالسغد ليقبض منه ما كان صالحه عليه، فلما أشرف على وادي السغد فرأى حسنه تمثل:

стр. 3544

واد خصيب عشيب ظل يمنعه ... من الأنيس حذار اليوم ذي الرهج وردته بعنانيج مسومة ... يردين بالشعث سفاكين للمهج قال: فقبض من طرخون صلحه، ثم رجع إلى بخارى فملك بخارى خذاه غلاما حدثا، وقتل من خاف أن يضاده، ثم أخذ على آمل ثم أتى مرو. قال: وذكر الباهليون عن بشار بن عمرو، عن رجل من باهلة، قال: لم يفرغ الناس من ضرب أبنيتهم حتى افتتحت القلعة . ولايه خالد بن عبد الله القسرى على مكة وفي هذه السنة ولى الوليد بن عبد الملك مكة خالد بن عبد الله القسري فلم يزل واليا عليها إلى أن مات الوليد فذكر مُحَمَّد بن عمر الواقدي أن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة حدثه عن نافع مولى بني مخزوم، قال: سمعت خالد بن عبد الله يقول: يايها الناس، إنكم بأعظم بلاد الله حرمة، وهي التي اختار الله من البلدان، فوضع بها بيته، ثم كتب على عباده حجه من استطاع إليه سبيلا أيها الناس، فعليكم بالطاعة، ولزوم الجماعة، وإياكم والشبهات، فإني والله ما أوتي بأحد يطعن على إمامه إلا صلبته في الحرم إن الله جعل الخلافة منه بالموضع الذي جعلها، فسلموا وأطيعوا، ولا تقولوا كيت وكيت إنه لا رأي فيما كتب به الخليفة أو رآه إلا إمضاؤه، واعلموا أنه بلغني أن قوما من أهل الخلاف يقدمون عليكم، ويقيمون في بلادكم، فإياكم أن تنزلوا أحدا ممن تعلمون أنه زائغ عن الجماعة، فإني لا أجد أحدا منهم في منزل أحد منكم إلا هدمت منزله، فانظروا من تنزلون في منازلكم، وعليكم بالجماعة والطاعة، فإن الفرقة هي البلاء العظيم. قال مُحَمَّد بن عمرو: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ

стр. 3545

عن أبي حبيبة، قال: اعتمرت فنزلت دور بني أسد في منازل الزبير، فلم أشعر الا به يدعوني، فدخلت عليه، فقال: من أنت؟ قلت: من أهل المدينة، قال: ما أنزلك في منازل المخالف للطاعة! قلت: إنما مقامي أن أقمت يوما أو بعضه، ثم أرجع إلى منزلي وليس عندي خلاف، أنا ممن يعظم أمر الخلافة، وأزعم أن من جحدها فقد هلك قال: فلا عليك ما أقمت، إنما يكره أن يقيم من كان زاريا على الخليفة، قلت: معاذ الله! وسمعته يوما يقول: والله لو أعلم أن هذه الوحش التي تأمن في الحرم لو نطقت لم تقر بالطاعة لأخرجتها من الحرم إنه لا يسكن حرم الله وأمنه مخالف للجماعة، زار عليهم قلت: وفق الله الأمير. وحج بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السنة الْوَلِيد بن عبد الملك، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْن ثَابِت، عمن ذكره، عن إسحاق بْن عيسى، عن أبي معشر، قال: حج الوليد بن عبد الملك سنة إحدى وتسعين. وكذلك قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ أبي بكر، قال: حدثنا صالح بن كيسان، قال: لما حضر قدوم الوليد أمر عمر بن عبد العزيز عشرين رجلا من قريش يخرجون معه، فيتلقون الوليد بن عبد الملك، منهم أبو بكر بن عبد الرحمن بن عبد الحارث بن هشام، وأخوه مُحَمَّد بن عبد الرحمن، وعبد اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فخرجوا حتى بلغوا السويداء، وهم مع عمر بن عبد العزيز- وفي الناس يومئذ دواب وخيل- فلقوا الوليد وهو على ظهر، فقال لهم الحاجب: انزلوا لأمير المؤمنين، فنزلوا، ثم أمرهم فركبوا، فدعا بعمر بن عبد العزيز فسايره حتى نزل بذي خشب، ثم أحضروا، فدعاهم رجلا رجلا، فسلموا عليه، ودعا بالغداء، فتغدوا عنده، وراح من ذي خشب، فلما دخل المدينة غدا إلى المسجد ينظر إلى بنائه، فأخرج الناس منه، فما ترك

стр. 3546

فيه أحد، وبقي سعيد بن المسيب ما يجترئ أحد من الحرس أن يخرجه، وما عليه إلا ريطتان ما تساويان إلا خمسة دراهم في مصلاه، فقيل له: لو قمت! قال: والله لا أقوم حتى يأتي الوقت الذي كنت أقوم فيه قيل: فلو سلمت على أمير المؤمنين! قال: والله لا أقوم إليه قال عمر بن عبد العزيز: فجعلت اعدل بالوليد في ناحيه المسجد رجاء الا يرى سعيدا حتى يقوم، فحانت من الوليد نظرة إلى القبلة، فقال: من ذلك الجالس؟ أهو الشيخ سعيد بن المسيب؟ فجعل عمر يقول: نعم يا أمير المؤمنين ومن حاله ومن حاله ولو علم بمكانك لقام فسلم عليك، وهو ضعيف البصر. قال الوليد: قد علمت حاله، ونحن نأتيه فنسلم عليه، فدار في المسجد حتى وقف على القبر، ثم أقبل حتى وقف على سعيد فقال: كيف أنت ايها الشيخ؟ فو الله ما تحرك سعيد ولا قام، فقال: بخير والحمد لله، فكيف أمير المؤمنين وكيف حاله؟ قال الوليد: خير والحمد لله فانصرف وهو يقول لعمر: هذا بقية الناس، فقلت: أجل يا أمير المؤمنين. قال: وقسم الوليد بالمدينة رقيقا كثيرا عجما بين الناس، وآنية من ذهب وفضة، وأموالا وخطب بالمدينة في الجمعة وصلى بهم. قال مُحَمَّد بن عمر: وحدثني إسحاق بن يحيى، قال: رأيت الوليد يخطب على منبر رسول الله ص يوم الجمعة عام حج، قد صف له جنده صفين من المنبر إلى جدار مؤخر المسجد، في أيديهم الجرزة وعمد الحديد على العواتق، فرأيته طلع في دراعة وقلنسوة، ما عليه رداء، فصعد المنبر، فلما صعد سلم ثم جلس فأذن المؤذنون، ثم سكتوا، فخطب الخطبة الأولى وهو جالس، ثم قام فخطب الثانية قائما، قال إسحاق: فلقيت رجاء بن حيوة وهو معه، فقلت: هكذا يصنعون! قال: نعم، وهكذا صنع معاوية فهلم جرا، قلت: أفلا تكلمه؟ قال: أخبرني قبيصة بن ذؤيب أنه كلم عبد الملك بن مروان

стр. 3547

فأبى أن يفعل، وقال: هكذا خطب عثمان، فقلت: والله ما خطب هكذا، ما خطب عثمان إلا قائما قال رجاء: روي لهم هذا فأخذوا به. قال إسحاق: لم نر منهم أحدا أشد تجبرا منه. قال مُحَمَّد بن عمر: وقدم بطيب مسجد رسول الله ص ومجمره وبكسوة الكعبة فنشرت وعلقت على حبال في المسجد من ديباج حسن لم ير مثله قط، فنشرها يوما وطوي ورفع. قال: وأقام الحج الوليد بن عبد الملك. وكانت عمال الأمصار فِي هَذِهِ السنة هم العمال الذين كانوا عمالها في سنة تسعين، غير مكة فإن عاملها كان في هذه السنة خالد بن عبد الله القسري في قول الواقدي. وقال غيره: كانت ولاية مكة في هذه السنة أيضا إلى عمر بن عبد العزيز.

стр. 3548

ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين (ذكر الأحداث التي كانت فيها) فمن ذلك غزوة مسلمة بن عبد الملك وعمر بن الوليد أرض الروم، ففتح على يدي مسلمة حصون ثلاثة، وجلا أهل سوسنة إلى جوف أرض الروم فتح الاندلس وفيها غزا طارق بن زياد مولى موسى بن نصير الأندلس في اثني عشر ألفا، فلقي ملك الأندلس- زعم الواقدي أنه يقال له أدرينوق، وكان رجلا من أهل أصبهان، قال: وهم ملوك عجم الأندلس- فزحف له طارق بجميع من معه، فزحف الأدرينوق في سرير الملك، وعلى الأدرينوق تاجه وقفازه وجميع الحلية التي كان يلبسها الملوك، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى قتل الله الأدرينوق، وفتح الأندلس سنة اثنتين وتسعين. وفيها غزا- فيما زعم بعض أهل السير- قتيبة سجستان يريد رتبيل الأعظم والزابل، فلما نزل سجستان تلقته رسل رتبيل بالصلح، فقبل ذلك وانصرف، واستعمل عليهم عبد ربه بن عبد الله بن عمير الليثي وحج بالناس في هذه السنة عمر بن عبد العزيز وهو على المدينة، كذلك حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْن ثَابِت عمن ذكره، عن إسحاق بْن عيسى، عن أبي معشر. وكذلك قَالَ الواقدي وغيره. وكان عمال الأمصار في هذه السنة عمالها فِي السنة الَّتِي قبلها.

стр. 3549

ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين (ذكر الأحداث الَّتِي كَانَتْ فِيهَا) فِمِمَّا كَانَ فِيهَا من ذلك غزوة العباس بن الوليد أرض الروم، ففتح الله على يديه سمسطية. وفيها كانت أيضا غزوة مروان بن الوليد الروم، فبلغ خنجرة وفيها كانت غزوة مسلمة بن عبد الملك أرض الروم، فافتتح ماسة وحصن الحديد وغزاله وبرجمه من ناحيه ملطيه. صلح قتيبة ملك خوارزم شاه وفتح خام جرد وفيها قتل قتيبة ملك خام جرد، وصالح ملك خوارزم صلحا مجددا. ذكر الخبر عن سبب ذلك وكيف كان الأمر فيه: ذكر علي بن مُحَمَّد أن أبا الذيال أخبره عن المهلب بن إياس والحسن بن رشيد، عن طفيل بن مرداس العمي وعلي بن مجاهد، عن حنبل ابن أبي حريدة، عن مرزبان قهستان وكليب بن خلف والباهليين وغيرهم- وقد ذكر بعضهم ما لم يذكر بعض فألفته- أن ملك خوارزم كان ضعيفا، فغلبه أخوه خرزاذ على أمره- وخرزاذ أصغر منه- فكان إذا بلغه أن عند أحد ممن هو منقطع إلى الملك جارية أو دابة أو متاعا فاخرا أرسل فأخذه، أو بلغه أن لأحد منهم بنتا أو أختا أو امرأة جميلة أرسل إليه فغصبه، وأخذ ما شاء، وحبس ما شاء، لا يمتنع عليه أحد، ولا يمنعه الملك، فإذا قيل له، قال: لا أقوى عليه، وقد ملأه مع هذا غيظا، فلما طال ذلك منه عليه كتب إلى قتيبة يدعوه إلى أرضه يريد أن يسلمها إليه، وبعث إليه بمفاتيح مدائن خوارزم، ثلاثة مفاتيح من ذهب، واشترط عليه أن يدفع إليه أخاه وكل من كان يضاده، يحكم فيه بما يرى وبعث في ذلك رسلا، ولم يطلع أحدا من مرازبته ولا دهاقينه على ما كتب به

стр. 3550

إلى قتيبة، فقدمت رسله على قتيبة في آخر الشتاء ووقت الغزو، وقد تهيأ للغزو، فأظهر قتيبة أنه يريد السغد، ورجع رسل خوارزم شاه إليه بما يحب من قبل قتيبة، وسار واستخلف على مرو ثابتا الأعور مولى مسلم. قال: فجمع ملوكه وأحباره ودهاقينه فقال: إن قتيبة يريد السغد، وليس بغازيكم، فهلم نتنعم في ربيعنا هذا فأقبلوا على الشرب، والتنعم، وأمنوا عند أنفسهم الغزو. قال: فلم يشعروا حتى نزل قتيبة في هزار سب دون النهر، فقال خوارزم شاه لأصحابه: ما ترون؟ قالوا: نرى أن نقاتله، قال: لكني لا أرى ذلك، قد عجز عنه من هو أقوى منا وأشد شوكة، ولكني أرى أن نصرفه بشيء نؤديه إليه، فنصرفه عامنا هذا، ونرى رأينا. قالوا: ورأينا رأيك فأقبل خوارزم شاه فنزل في مدينة الفيل من وراء النهر. قال: ومدائن خوارزم شاه ثلاث مدائن يطيف بها فارقين واحد، فمدينة الفيل احصهن، فنزلها خوارزم شاه- وقتيبة في هزار سب دون النهر لم يعبره بينه وبين خوارزم شاه نهر بلخ- فصالحه على عشرة آلاف راس، وعين ومتاع، وعلى أن يعينه على ملك خام جرد، وأن يفي له بما كتب إليه، فقبل ذلك منه قتيبة، ووفى له وبعث قتيبة أخاه إلى ملك خام جرد، وكان يعادي خوارزم شاه، فقاتله، فقتله عبد الرحمن، وغلب على أرضه وقدم منهم على قتيبة بأربعة آلاف اسير، فقتلهم، وامر قتيبة لما جاء بهم عبد الرحمن بسريره فأخرج وبرز للناس قال: وأمر بقتل الأسرى فقتل بين يديه ألف وعن يمينه ألف وعن يساره ألف وخلف ظهره ألف قال: قال المهلب بن إياس: أخذت يومئذ سيوف الأشراف فضرب بها الأعناق، فكان فيها ما لا يقطع ولا يجرح، فأخذوا سيفي فلم يضرب به شيء إلا أبانه، فحسدني بعض آل قتيبة، فغمز الذي يضرب أن أصفح به، فصفح به قليلا، فوقع في ضرس المقتول فثلمه. قال أبو الذيال: والسيف عندي قال: ودفع قتيبة إلى خوارزم شاه أخاه

стр. 3551

ومن كان يخالفه فقتلهم، واصطفى أموالهم فبعث بها إلى قتيبة، ودخل قتيبة مدينة فيل، فقبل من خوارزم شاه ما صالحه عليه، ثم رجع الى هزار سب وقال كعب الأشقري: رمتك فيل بما فيها وما ظلمت ... ورامها قبلك الفجفاجة الصلف لا يجزى الثغر خوار القناة ولا ... هش المكاسر والقلب الذي يجف هل تذكرون ليالي الترك تقتلهم ... ما دون كازة والفجفاج ملتحف لم يركبوا الخيل إلا بعد ما كبروا ... فهم ثقال على أكتافها عنف أنتم شباس ومرداذان محتقر ... وبسخراء قبور حشوها القلف إني رأيت أبا حفص تفضله ... أيامه ومساعي الناس تختلف قيس صريح وبعض الناس يجمعهم ... قرى وريف فمنسوب ومقترف لو كنت طاوعت أهل العجز ما اقتسموا ... سبعين ألفا وعز السغد مؤتنف وفي سمرقند أخرى أنت قاسمها ... لئن تأخر عن حوبائك التلف ما قدم الناس من خير سبقت به ... ولا يفوتك مما خلفوا شرف قال: انشدنى على بن مجاهد: رمتك فيل بما دون كاز. قال: وكذلك قال الحسن بن رشيد الجوزجاني، وأما غيرهما فقال: رمتك فيل بما فيها. وقالوا: فيل مدينة سمرقند، قال: وأثبتها عندي قول علي بن مجاهد. قال: وقال الباهليون: أصاب قتيبة من خوارزم مائة ألف رأس قال: وكان خاصة قتيبة كلموه سنة ثلاث وتسعين وقالوا: الناس كانون قدموا

стр. 3552

من سجستان فأجمهم عامهم هذا، فأبى قال: فلما صالح أهل خوارزم سار إلى السغد، فقال الأشقري: لو كنت طاوعت أهل العجز ما اقتسموا ... سبعين ألفا وعز السغد مؤتنف فتح سمرقند قال أبو جعفر: وفي هذه السنة غزا قتيبة بن مسلم منصرفه من خوارزم سمرقند، فافتتحها. ذكر الخبر عن ذلك: قد تقدم ذكري الإسناد عن القوم الذين ذكر علي بن مُحَمَّد أنه أخذ عنهم حين صالح قتيبة صاحب خوارزم، ثم ذكر مدرجا في ذلك أن قتيبة لما قبض صلح خوارزم قام اليه المجشر بن مزاحم السلمي فقال: إن لي حاجة، فأخلني، فأخلاه، فقال: إن أردت السغد يوما من الدهر فالآن، فإنهم آمنون من أن تأتيهم من عامك هذا، وإنما بينك وبينهم عشرة أيام. قال: أشار بهذا عليك أحد؟ قال: لا، قال: فأعلمته أحدا؟ قال: لا، قال: والله لئن تكلم به أحد لأضربن عنقك فأقام يومه ذلك، فلما أصبح من الغد دعا عبد الرحمن فقال: سر في الفرسان والمرامية، وقدم الأثقال إلى مرو، فوجهت الأثقال إلى مرو، ومضى عبد الرحمن يتبع الأثقال يريد مرو، يومه كله، فلما أمسى كتب إليه: إذا أصبحت فوجه الأثقال إلى مرو وسر في الفرسان والمرامية نحو السغد، وأكتم الأخبار، فإني بالأثر. قال: فلما أتى عبد الرحمن الخبر أمر أصحاب الأثقال أن يمضوا إلى مرو، وسار حيث أمره، وخطب قتيبة الناس فقال: إن الله قد فتح لكم هذه البلدة في وقت الغزو فيه ممكن، وهذه السغد شاغرة برجلها، قد نقضوا العهد الذي كان بيننا، منعونا ما كنا

стр. 3553

صالحنا عليه طرخون، وصنعوا به ما بلغكم، وقال الله: «فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ» ، فسيروا على بركة الله، فإني أرجو أن يكون خوارزم والسغد كالنضير وقريظة، وقال الله: «وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها. » قال: فأتى السغد وقد سبقه إليها عبد الرحمن بن مسلم في عشرين ألفا، وقدم عليه قتيبة في أهل خوارزم وبخارى بعد ثلاثة أو أربعة من نزول عبد الرحمن بهم، فقال: إنا إذا نزلنا بساحة قوم «فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ. » فحصرهم شهرا، فقاتلوا في حصارهم مرارا من وجه واحد. وكتب أهل السغد وخافوا طول الحصار إلى ملك الشاش وإخشاذ فرغانة: أن العرب إن ظفروا بنا عادوا عليكم بمثل ما أتونا به، فانظروا لأنفسكم. فأجمعوا على أن يأتوهم، وأرسلوا إليهم: أرسلوا من يشغلهم حتى نبيت عسكرهم. قال: وانتخبوا فرسانا من أبناء المرازبة والأساورة والأشداء الأبطال فوجهوهم وأمروهم أن يبيتوا عسكرهم، وجاءت عيون المسلمين فأخبروهم. فانتخب قتيبة ثلاثمائة او ستمائه من اهل النجده، واستعمل عليهم صالح ابن مسلم، فصيرهم في الطريق الذي يخاف أن يؤتى منه وبعث صالح عيونا يأتونه بخبر القوم، ونزل على فرسخين من عسكر القوم، فرجعت إليه عيونه فأخبروه أنهم يصلون إليه من ليلتهم، ففرق صالح خيله ثلاث فرق، فجعل كمينا في موضعين، وأقام على قارعة الطريق، وطرقهم المشركون ليلا، ولا يعلمون بمكان صالح، وهم آمنون في أنفسهم من أن يلقاهم أحد دون العسكر، فلم يعلموا بصالح حتى غشوه قال: فشدوا عليه حتى إذا اختلفت الرماح بينهم خرج الكمينان فاقتتلوا قال: وقال رجل من البراجم: حصرتهم فما رأيت قط قوما كانوا أشد قتالا من أبناء أولئك الملوك ولا أصبر، فقتلناهم فلم يفلت منهم إلا نفر يسير وحوينا

стр. 3554

سلاحهم، واحتززنا رءوسهم، وأسرنا منهم أسرى، فسألناهم عمن قتلنا، فقالوا: ما قتلتم إلا ابن ملك، أو عظيما من العظماء، أو بطلا من الأبطال، ولقد قتلتم رجالا إن كان الرجل ليعدل بمائة رجل فكتبنا على آذانهم، ثم دخلنا العسكر حين أصبحنا وما منا رجل إلا معلق رأسا معروفا باسمه، وسلبنا من جيد السلاح وكريم المتاع ومناطق الذهب ودواب فرهة فنفلنا قتيبة ذلك كله وكسر ذلك أهل السغد، ووضع قتيبة عليهم المجانيق، فرماهم بها، وهو في ذلك يقاتلهم لا يقلع عنهم، وناصحه من معه من أهل بخارى وأهل خوارزم، فقاتلوا قتالا شديدا، وبذلوا أنفسهم. فأرسل إليه غوزك: إنما تقاتلني بإخوتي وأهل بيتي من العجم، فأخرج إلي العرب، فغضب قتيبة ودعا الجدلي فقال: اعرض الناس، وميز، أهل البأس فجمعهم، ثم جلس قتيبة يعرضهم بنفسه، ودعا العرفاء فجعل يدعو برجل رجل فيقول: ما عندك؟ فيقول العريف: شجاع، ويقول: ما هذا؟ فيقول: مختصر، ويقول: ما هذا؟ فيقول: جبان، فسمى قتيبة الجبناء الأنتان، وأخذ خيلهم وجيد سلاحهم فأعطاه الشجعان والمختصرين، وترك لهم رث السلاح، ثم زحف بهم فقاتلهم بهم فرسانا ورجالا، ورمى المدينة بالمجانيق، فثلم فيها ثلمة فسدوها بغرائر الدخن، وجاء رجل حتى قام على الثلمة فشتم قتيبة، وكان مع قتيبة قوم رماة، فقال لهم قتيبة: اختاروا منكم رجلين، فاختاروا، فقال: أيكما يرمي هذا الرجل، فإن أصابه فله عشرة آلاف، وإن أخطأه قطعت يده؟ فتلكأ أحدهما وتقدم الآخر، فرماه فلم يخطئ عينه، فأمر له بعشرة آلاف قال: وأخبرنا الباهليون، عن يحيى بن خالد، عن أبيه خالد بن باب مولى مسلم بن عمرو، قال: كنت في رماة قتيبة، فلما افتتحنا المدينة صعدت السور فأتيت مقام ذلك الرجل الذي كان فيه فوجدته ميتا على الحائط، ما أخطأت النشابة عينه حتى خرجت من قفاه، ثم أصبحوا من

стр. 3555

غد فرموا المدينة، فثلموا فيها وقال قتيبة: ألحوا عليها حتى تعبروا الثلمة، فقاتلوهم حتى صاروا على ثلمة المدينة، ورماهم السغد بالنشاب، فوضعوا ترستهم فكان الرجل يضع ترسه على عينه، ثم يحمل حتى صاروا على الثلمة، فقالوا له: انصرف عنا اليوم حتى نصالحك غدا فأما باهلة فيقولون: قال قتيبة: لا نصالحهم إلا ورجالنا على الثلمة، ومجانيقنا تخطر على رءوسهم ومدينتهم قال: وأما غيرهم فيقولون: قال قتيبة: جزع العبيد، فانصرفوا على ظفركم، فانصرفوا، فصالحهم من الغد على ألفي ألف ومائتي ألف في كل عام، على أن يعطوه تلك السنة ثلاثين ألف رأس، ليس فيهم صبي ولا شيخ ولا عيب، على أن يخلوا المدينة لقتيبة فلا يكون لهم فيها مقاتل، فيبنى له فيه مسجد فيدخل ويصلي، ويوضع له فيها منبر فيخطب، ويتغدى ويخرج قال: فلما تم الصلح بعث قتيبة عشرة، من كل خمس برجلين، فقبضوا ما صالحوهم عليه، فقال قتيبة: الآن ذلوا حين صار إخوانهم وأولادهم في أيديكم ثم أخلوا المدينة وبنوا مسجدا ووضعوا منبرا، ودخلها في أربعة آلاف. انتخبهم، فلما دخلها أتى المسجد فصلى وخطب ثم تغدى، وأرسل إلى أهل السغد: من أراد منكم أن يأخذ متاعه فليأخذه، فإني لست خارجا منها، وإنما صنعت هذا لكم، ولست آخذ منكم أكثر مما صالحتكم عليه، غير أن الجند يقيمون فيها. قال: أما الباهليون فيقولون: صالحهم قتيبة على مائة ألف رأس، وبيوت النيران وحلية الأصنام، فقبض ما صالحهم عليه، وأتى بالأصنام فسلبت، ثم وضعت بين يديه، فكانت كالقصر العظيم حين جمعت، فأمر بتحريقها، فقالت الأعاجم: إن فيها أصناما من حرقها هلك، فقال قتيبة أنا أحرقها بيدي، فجاء غوزك، فجثا بين يديه وقال:

стр. 3556

أيها الأمير، إن شكرك علي واجب، لا تعرض لهذه الأصنام، فدعا قتيبة بالنار وأخذ شعلة بيده، وخرج فكبر، ثم أشعلها، وأشعل الناس فاضطرمت، فوجدوا من بقايا ما كان فيها من مسامير الذهب والفضة خمسين ألف مثقال. قال: وأخبرنا مخلد بن حمزة بن بيض، عن أبيه، قال: حدثني من شهد قتيبة وفتح سمرقند أو بعض كور خراسان فاستخرجوا منها قدورا عظاما من نحاس، فقال قتيبة لحضين: يا أبا ساسان، أترى رقاش كان لها مثل هذه القدور؟ قال: لا، لكن كان لعيلان قدر مثل هذه القدور، فضحك قتيبة وقال: أدركت بثأرك. قال: وقال مُحَمَّد بن أبي عيينة لسلم بن قتيبة بين يدي سُلَيْمَان بن علي: إن العجم ليعيرون قتيبة الغدر إنه غدر بخوارزم وسمرقند. قال: فأخبرنا شيخ من بني سدوس عن حمزة بن بيض قال: أصاب قتيبة بخراسان بالسغد جارية من ولد يزدجرد، فقال: أترون ابن هذه يكون هجينا؟ فقالوا: نعم، يكون هجينا من قبل أبيه، فبعث بها إلى الحجاج، فبعث بها الحجاج إلى الوليد، فولدت له يزيد ابن الوليد. قال: وأخبرنا بعض الباهليين، عن نهشل بن يزيد، عن عمه- وكان قد أدرك ذلك كله- قال: لما رأى غوزك إلحاح قتيبة عليهم كتب إلى ملك الشاش وإخشاذ فرغانة وخاقان: إنا نحن دونكم فيما بينكم وبين العرب، فإن وصل إلينا كنتم أضعف وأذل، فمهما كان عندكم من قوة فابذلوها، فنظروا في أمرهم فقالوا: إنما نؤتى من سفلتنا، وإنهم لا يجدون كوجدنا، ونحن معشر الملوك المعنيون بهذا الأمر، فانتخبوا أبناء الملوك وأهل النجدة من فتيان ملوكهم، فليخرجوا حتى يأتوا عسكر قتيبة فليبيت، فإنه مشغول بحصار السغد، ففعلوا، ولوا عليهم ابنا لخاقان، وساروا وقد

стр. 3557

أجمعوا أن يبيتوا العسكر، وبلغ قتيبة فانتخب أهل النجدة والبأس ووجوه الناس، فكان شعبة بن ظهير وزهير بن حيان فيمن انتخب، فكانوا أربعمائة، فقال لهم: إن عدوكم قد رأوا بلاء الله عندكم، وتأييده إياكم في مزاحفتكم ومكاثرتكم، كل ذلك يفلجكم الله عليهم، فأجمعوا على أن يحتالوا غرتكم وبياتكم، واختاروا دهاقينهم وملوكهم، وأنتم دهاقين العرب وفرسانهم، وقد فضلكم الله بدينه، فابلوا الله بلاء حسنا تستوجبون به الثواب، مع الذب عن أحسابكم قال: ووضع قتيبة عيونا على العدو حتى إذا قربوا منه قدر ما يصلون إلى عسكره من الليل أدخل الذين انتخبهم، فكلمهم وحضهم، واستعمل عليهم صالح بن مسلم، فخرجوا من العسكر عند المغرب، فساروا، فنزلوا على فرسخين من العسكر على طريق القوم الذين وصفوا لهم، ففرق صالح خيله، وأكمن كمينا عن يمينه، وكمينا عن يساره، حتى إذا مضى نصف الليل أو ثلثاه، جاء العدو باجتماع وإسراع وصمت، وصالح واقف في خيله، فلما رأوه شدوا عليه، حتى إذا اختلفت الرماح شد الكمينان عن يمين وعن شمال، فلم نسمع إلا الاعتزاء، فلم نر قوما كانوا أشد منهم. قال: وقال رجل من البراجم: حدثني زهير أو شعبة قال: إنا لنختلف عليهم بالطعن والضرب إذ تبينت تحت الليل قتيبة، وقد ضربت ضربة أعجبتني وأنا أنظر إلى قتيبة، فقلت: كيف ترى بأبي أنت وأمي! قال: اسكت دق الله فاك! قال: فقتلناهم فلم يفلت منهم إلا الشريد، وأقمنا نحوي الأسلاب ونحتز الرءوس حتى أصبحنا، ثم أقبلنا إلى العسكر، فلم أر جماعة قط جاءوا بمثل ما جئنا به، ما منا رجل إلا معلق رأسا معروفا باسمه، وأسير في وثاقه. قال: وجئنا قتيبة بالرءوس، فقال: جزاكم الله عن الدين والأعراض خيرا وأكرمني قتيبة من غير أن يكون باح لي بشيء، وقرن بي في الصلة والاكرام حيان العدوى وحليسا الشيباني، فظننت أنه رأى منهما مثل الذي راى

стр. 3558

مني، وكسر ذلك أهل السغد، فطلبوا الصلح، وعرضوا الفدية فأبى، وقال: أنا ثائر بدم طرخون، كان مولاي وكان من أهل ذمتي. قالوا: حدث عمرو بن مسلم، عن أبيه، قال: أطال قتيبة المقام، وثلمت الثلمة في سمرقند قال: فنادى مناد فصيح بالعربية يشتم قتيبة، قال: فقال عمرو بن أبي زهدم: ونحن حول قتيبة، فحين سمعنا الشتم خرجنا مسرعين، فمكثنا طويلا وهو ملح بالشتم، فجئت إلى رواق قتيبة فاطلعت، فإذا قتيبة محتب بشملة يقول كالمناجي لنفسه: حتى متى يا سمرقند يعشش فيك الشيطان! أما والله لئن أصبحت لأحاولن من أهلك أقصى غاية، فانصرفت إلى أصحابي، فقلت: كم من نفس أبية ستموت غدا منا ومنهم! وأخبرتهم الخبر. قال: وأما باهلة فيقولون: سار قتيبة فجعل النهر يمينه حتى ورد بخارى، فاستنهضهم معه، وسار حتى إذا كان بمدينة أربنجن، وهي التي تجلب منها اللبود الأربنجنية، لقيهم غوزك صاحب السغد في جمع عظيم من الترك وأهل الشاش وفرغانة، فكانت بينهم وقائع من غير مزاحفة، كل ذلك يظهر المسلمون، ويتحاجزون حتى قربوا من مدينة سمرقند، فتزاحفوا يومئذ، فحمل السغد على المسلمين حملة حطموهم حتى جازوا عسكرهم، ثم كر المسلمون عليهم حتى ردوهم إلى عسكرهم، وقتل الله من المشركين عددا كثيرا، ودخلوا مدينة سمرقند فصالحوهم. قال: وأخبرنا الباهليون عن حاتم بن أبي صغيرة، قال: رأيت خيلا يومئذ تطاعن خيل المسلمين، وقد أمر يومئذ قتيبة بسريره فأبرز، وقعد عليه، وطاعنوهم حتى جازوا قتيبة، وإنه لمحتب بسيفه ما حل حبوته، وانطوت مجنبتا المسلمين على الذين هزموا القلب، فهزموهم حتى ردوهم إلى عسكرهم، وقتل من المشركين عدد كثير، ودخلوا مدينة سمرقند فصالحوهم وصنع غوزك طعاما ودعا قتيبة، فأتاه في عدد من أصحابه، فلما تغدى استوهب منه سمرقند، فقال للملك: انتقل عنها، فانتقل عنها، وتلا قتيبة: «وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى وَثَمُودَ فَما أَبْقى»

стр. 3559

قال: وأخبرنا أبو الذيال، عن عمر بن عبد الله التميمي، قال: حدثني الذي سرحه قتيبة إلى الحجاج بفتح سمرقند، قال: قدمت على الحجاج فوجهني إلى الشام، فقدمتها فدخلت مسجدها، فجلست قبل طلوع الشمس وإلى جنبي رجل ضرير، فسألته عن شيء من أمر الشام، فقال: إنك لغريب، قلت: أجل، قال: من أي بلد أنت؟ قلت: من خراسان قال: ما أقدمك؟ فأخبرته، فقال: والذي بعث مُحَمَّدا بالحق ما افتتحتموها إلا غدرا، وإنكم يا أهل خراسان للذين تسلبون بني أمية ملكهم، وتنقضون دمشق حجرا حجرا قال: وأخبرنا العلاء بن جرير، قال: بلغني أن قتيبة لما فتح سمرقند وقف على جبلها فنظر إلى الناس متفرقين في مروج السغد، فتمثل قول طرفة: وأرتع أقوام ولولا محلنا ... بمخشية ردوا الجمال فقوضوا قال: وأخبرنا خالد بن الأصفح، قال: قال الكميت: كانت سمرقند أحقابا يمانية ... فاليوم تنسبها قيسية مضر قال: وقال أبو الحسن الجشمي: فدعا قتيبة نهار بن توسعة حين صالح أهل السغد، فقال: يا نهار، أين قولك: ألا ذهب الغزو المقرب للغنى ... ومات الندى والجود بعد المهلب أقاما بمرو الروذ رهن ضريحه ... وقد غيبا عن كل شرق ومغرب أفغزو هذا يا نهار؟ قال: لا، هذا أحسن، وأنا الذي أقول: وما كان مذ كنا ولا كان قبلنا ... ولا هو فيما بعدنا كابن مسلم أعم لأهل الترك قتلا بسيفه ... وأكثر فينا مقسما بعد مقسم

стр. 3560

قال: ثم ارتحل قتيبة راجعا إلى مرو، واستخلف على سمرقند عبد الله ابن مسلم، وخلف عنده جندا كثيفا، وآلة من آلة الحرب كثيرة، وقال: لا تدعن مشركا يدخل بابا من أبواب سمرقند إلا مختوم اليد، وإن جفت الطينة قبل أن يخرج فاقتله، وإن وجدت معه حديدة، سكينا فما سواه فاقتله، وإن أغلقت الباب ليلا فوجدت فيها أحدا منهم فاقتله، فقال كعب الأشقري- ويقال رجل من جعفي: كل يوم يحوي قتيبة نهبا ... ويزيد الأموال مالا جديدا باهلي قد ألبس التاج حتى ... شاب منه مفارق كن سودا دوخ السغد بالكتائب حتى ... ترك السغد بالعراء قعودا فوليد يبكي لفقد أبيه ... وأب موجع يبكي الوليدا كلما حل بلدة أو أتاها ... تركت خيله بها أخدودا قال: وقال قتيبة: هذا العداء لا عداء عيرين، لأنه فتح خوارزم وسمرقند في عام واحد، وذلك أن الفارس إذا صرع في طلق واحد عيرين قيل: عادى بين عيرين ثم انصرف عن سمرقند فأقام بمرو وكان عامله على خوارزم إياس بن عبد الله بن عمرو على حربها، وكان ضعيفا وكان على خراجها عبيد الله بن أبي عبيد الله مولى بني مسلم. قال: فاستضعف أهل خوارزم إياسا، وجمعوا له، فكتب عبيد الله إلى قتيبة، فبعث قتيبة عبد الله بن مسلم في الشتاء عاملا، وقال: اضرب إياس بن عبد الله وحيان النبطي مائة مائة، واحلقهما، وضم إليك عبيد الله بن أبي عبيد الله، مولى بني مسلم، واسمع منه فإن له وفاء. فمضى حتى إذا كان من خوارزم على سكة، فدس إلى إياس فأنذره فتنحى، وقدم فأخذ حيان فضربه مائة وحلقه. قال: ثم وجه قتيبة بعد عبد الله المغيرة بن عبد الله في الجنود إلى خوارزم، فبلغهم ذلك، فلما قدم المغيرة اعتزل أبناء الذين قتلهم

стр. 3561

خوارزم شاه، وقالوا: لا نعينك، فهرب إلى بلاد الترك وقدم المغيرة فسبى وقتل، وصالحه الباقون، فأخذ الجزية وقدم على قتيبة، فاستعمله على نيسابور. فتح طليطلة وفي هذه السنة عزل موسى بن نصير طارق بن زياد عن الأندلس ووجهه إلى مدينة طليطلة. ذكر الخبر عن ذَلِكَ: ذكر مُحَمَّد بن عمر أن موسى بن نصير غضب على طارق في سنة ثلاث وتسعين، فشخص إليه في رجب منها، ومعه حبيب بن عقبة بن نافع الفهري، واستخلف حين شخص على إفريقية ابنه عبد الله بن موسى بن نصير، وعبر موسى إلى طارق في عشرة آلاف، فتلقاه، فترضاه فرضي عنه، وقبل منه عذره، ووجهه منها إلى مدينة طليطلة- وهي من عظام مدائن الأندلس، وهي من قرطبة على عشرين يوما- فأصاب فيها مائدة سُلَيْمَان بن داود، فيها من الذهب والجوهر ما الله أعلم به. قال: وفيها أجدب أهل إفريقية جدبا شديدا، فخرج موسى بن نصير فاستسقى، ودعا يومئذ حتى انتصف النهار، وخطب الناس، فلما أراد أن ينزل قيل له: ألا تدعو لأمير المؤمنين! قال: ليس هذا يوم ذاك، فسقوا سقيا كفاهم حينا. خبر عزل عمر بن عبد العزيز عن الحجاز وفيها عزل عمر بن عبد العزيز عن المدينة. ذكر سبب عزل الوليد إياه عنها: وكان سبب ذلك- فيما ذكر- أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الوليد يخبره بعسف الحجاج أهل عمله بالعراق، واعتدائه عليهم، وظلمه لهم بغير حق ولا جناية، وأن ذلك بلغ الحجاج، فاضطغنه على عمر، وكتب إلى الوليد: أن من قبلي من مراق أهل العراق وأهل الشقاق قد جلوا عن

стр. 3562

العراق، ولجئوا إلى المدينة ومكة، وأن ذلك وهن. فكتب الوليد إلى الحجاج: أن أشر علي برجلين، فكتب إليه يشير عليه بعثمان بن حيان وخالد بن عبد الله، فولى خالدا مكة وعثمان المدينة، وعزل عمر بن عبد العزيز. قال: مُحَمَّد بن عمر: خرج عمر بن عبد العزيز من المدينة فأقام بالسويداء وهو يقول لمزاحم: أتخاف أن تكون ممن نفته طيبة! وفيها ضرب عمر بن عبد العزيز خبيب بن عبد الله بن الزبير بأمر الوليد إياه، وصب على رأسه قربة من ماء بارد ذكر مُحَمَّد بن عمر، أن أبا المليح حدثه عمن حضر عمر بن عبد العزيز حين جلد خبيب بن عبد الله بن الزبير خمسين سوطا، وصب على رأسه قربة من ماء في يوم شات، ووقفه على باب المسجد، فمكث يومه ثم مات. وحج بالناس في هذه السنة عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَحْمَد بْن ثَابِت، عمن ذكره، عن إسحاق بْن عيسى، عن أبي معشر. وكانت عمال الأمصار في هذه السنة عمالها في السنة التي قبلها، إلا ما كان من المدينة، فإن العامل عليها كان عثمان بن حيان المري، وليها- فيما قيل- في شعبان سنة ثلاث وتسعين. وأما الواقدي فإنه قال: قدم عثمان المدينة لليلتين بقيتا من شوال سنة أربع وتسعين. وقال بعضهم: شخص عمر بن عبد العزيز عن المدينة معزولا في شعبان من سنة ثلاث وتسعين وغزا فيها، واستخلف عليها حين شخص عنها أبا بكر بن مُحَمَّد بن عمرو بن حزم الأنصاري وقدم عثمان بن حيان المدينة لليلتين بقيتا من شوال

стр. 3563

ثم دخلت سنة أربع وتسعين (ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمن ذلك ما كان من غزوة العباس بن الوليد أرض الروم، فقيل: إنه فتح فيها أنطاكية وفيها غزا- فيما قيل- عبد العزيز بن الوليد أرض الروم حتى بلغ غزالة وبلغ الوليد بن هشام المعيطي أرض برج الحمام، ويزيد بن أبي كبشة أرض سورية. وفيها كانت الرجفة بالشام وفيها افتتح القاسم بن محمد الثقفى ارض الهند. غزو الشاش وفرغانه وفيها غزا قتيبة شاش وفرغانة حتى بلغ خجندة وكاشان، مدينتي فرغانة. ذكر الخبر عن غزوة قتيبة هذه: ذكر علي بن مُحَمَّد، أن أبا الفوارس التميمي، أخبره عن ماهان ويونس ابن أبي إسحاق، أن قتيبة غزا سنة أربع وتسعين فلما قطع النهر فرض على أهل بخارى وكس ونسف وخوارزم عشرين ألف مقاتل قال: فساروا معه إلى السغد، فوجهوا إلى الشاش، وتوجه هو إلى فرغانة، وسار حتى أتى خجندة، فجمع له أهلها فلقوه فاقتتلوا مرارا، كل ذلك يكون الظفر للمسلمين ففرغ الناس يوما فركبوا خيولهم، فأوفى رجل على نشز فقال: تالله ما رأيت كاليوم غرة، لو كان هيج اليوم ونحن على ما ارى

стр. 3564

من الانتشار لكانت الفضيحة، فقال له رجل إلى جنبه: كلا، نحن كما قال عوف بن الخرع: نؤم البلاد لحب اللقا ... ولا نتقي طائرا حيث طارا سنيحا ولا جاريا بارحا ... على كل حال نلاقي اليسارا وقال سحبان وائل يذكر قتالهم بخجندة: فسل الفوارس في خجندة ... تحت مرهفة العوالي هل كنت أجمعهم إذا ... هزموا وأقدم في قتالي أم كنت أضرب هامة ... العاتي وأصبر للعوالي هذا وأنت قريع قيس ... كلها ضخم النوال وفضلت قيسا في الندى ... وأبوك في الحجج الخوالي ولقد تبين عدل حكمك ... فيهمُ في كل مال تمت مروءتكم وناغي ... عزكم غلب الجبال قال: ثم أتى قتيبة كاشان مدينة فرغانة، وأتاه الجنود الذين وجههم إلى الشاش وقد فتحوها وحرقوا أكثرها، وانصرف قتيبة إلى مرو وكتب الحجاج إلى مُحَمَّد بن القاسم الثقفي أن وجه من قبلك من أهل العراق إلى قتيبة، ووجه إليهم جهم بن زحر بن قيس، فإنه في أهل العراق خير منه في أهل الشام وكان مُحَمَّد وادا الجهم بن زحر، فبعث سُلَيْمَان بن صعصعة وجهم بن زحر، فلما ودعه جهم بكى وقال: يا جهم، إنه للفراق، قال: لا بد منه. قال: وقدم على قتيبة سنة خمس وتسعين.

стр. 3565

ولايه عثمان بن حيان المري على المدينة وفي هذه السنة قدم عثمان بن حيان المري المدينة واليا عليها من قبل الوليد بن عبد الملك. ذكر الخبر عن ولايته: قد ذكرنا قبل سبب عزل الوليد عمر بن عبد العزيز عن المدينة ومكة وتأميره على المدينة عثمان بن حيان، فزعم مُحَمَّد بن عمر أن عثمان قدم المدينة أميرا عليها لليلتين بقيتا من شوال سنة أربع وتسعين، فنزل بها دار مروان وهو يقول: محله والله مظعان، المغرور من غربك فاستقضى أبا بكر بن حزم. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عبد الله بن أبي حرة، عن عمه قال: رأيت عثمان بن حيان أخذ رياح بن عبيد الله ومنقذا العراقي فحبسهم وعاقبهم، ثم بعث بهم في جوامع إلى الحجاج بن يوسف، ولم يترك بالمدينة أحدا من أهل العراق تاجرا ولا غير تاجر، وأمر بهم أن يخرجوا من كل بلد، فرأيتهم في الجوامع، وأتبع أهل الأهواء، وأخذ هيصما فقطعه، ومنحورا- وكان من الخوارج- قال: وسمعته يخطب على المنبر يقول بعد حمد الله: أيها الناس، إنا وجدناكم أهل غش لأمير المؤمنين في قديم الدهر وحديثه، وقد ضوى إليكم من يزيدكم خبالا أهل العراق هم أهل الشقاق والنفاق، هم والله عش النفاق وبيضته التي تفلقت عنه والله ما جربت عراقيا قط إلا وجدت أفضلهم عند نفسه الذي يقول في آل أبي طالب ما يقول، وما هم لهم بشيعة، وإنهم لأعداء لهم ولغيرهم، ولكن لما يريد الله من سفك دمائهم فإني والله لا أوتى بأحد آوى أحدا منهم، أو أكراه منزلا، ولا أنزله، إلا هدمت منزله، وأنزلت به ما هو أهله ثم إن البلدان لما مصرها عمر بن الخطاب وهو مجتهد على ما يصلح رعيته جعل يمر عليه من يريد الجهاد فيستشيره: الشام أحب إليك أم العراق؟ فيقول: الشام أحب إلي إني رأيت العراق داء عضالا، وبها فرخ الشيطان والله

стр. 3566

لقد أعضلوا بي، وإني لأراني سأفرقهم في البلدان، ثم أقول: لو فرقتهم لأفسدوا من دخلوا عليه بجدل وحجاج، وكيف؟ ولم؟ وسرعة وجيف في الفتنة، فإذا خبروا عند السيوف لم يخبر منهم طائل لم يصلحوا على عثمان، فلقي منهم الأمرين، وكانوا أول الناس فتق هذا الفتق العظيم، ونقضوا عرى الإسلام عروة عروة، وأنغلوا البلدان والله إني لأتقرب إلى الله بكل ما أفعل بهم لما أعرف من رأيهم ومذاهبهم ثم وليهم أمير المؤمنين معاوية فدامجهم فلم يصلحوا عليه، ووليهم رجل الناس جلدا فبسط عليهم السيف، وأخافهم، فاستقاموا له أحبوا أو كرهوا، وذلك أنه خبرهم وعرفهم. أيها الناس، إنا والله ما رأينا شعارا قط مثل الأمن، ولا رأينا حلسا قط شرا من الخوف فالزموا الطاعة، فان عندي يا اهل المدينة حبره من الخلاف والله ما أنتم بأصحاب قتال، فكونوا من أحلاس بيوتكم وعضوا على النواجذ، فإني قد بعثت في مجالسكم من يسمع فيبلغني عنكم أنكم في فضول كلام غيره ألزم لكم، فدعوا عيب الولاة، فإن الأمر إنما ينقض شيئا شيئا حتى تكون الفتنة وإن الفتنة من البلاء، والفتن تذهب بالدين وبالمال والولد. قال: يقول القاسم بن مُحَمَّد: صدق في كلامه هذا الأخير، إن الفتنة لهكذا قال مُحَمَّد بن عمر: وحدثني خالد بن القاسم، عن سعيد بن عمرو الأنصاري، قال: رأيت منادي عثمان بن حيان ينادي عندنا: يا بني أمية بن زيد، برئت ذمه ممن آوى عراقيا- وكان عندنا رجل من أهل البصرة له فضل

стр. 3567

يقال له أبو سوادة، من العباد- فقال: والله ما أحب أن أدخل عليكم مكروها، بلغوني مأمني، قلت: لا خير لك في الخروج إن الله يدفع عنا وعنك قال: فأدخلته بيتي، وبلغ عثمان بن حيان فبعث أحراسا فأخرجته إلى بيت أخي، فما قدروا على شيء وكان الذي سعى بي عدوا، فقلت للأمير: أصلح الله الأمير! يؤتى بالباطل فلا تعاقب عليه قال: فضرب الذي سعى بي عشرين سوطا وأخرجنا العراقي، فكان يصلي معنا ما يغيب يوما واحدا، وحدب عليه أهل دارنا، فقالوا: نموت دونك! فما برح حتى عزل الخبيث. قال مُحَمَّد بن عمر: وحدثنا عبد الحكيم بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، قَالَ: إنما بعث الوليد عثمان بن حيان إلى المدينة لإخراج من بها من العراقيين وتفريق أهل الأهواء ومن ظهر عليهم أو علا بأمرهم، فلم يبعثه واليا، فكان لا يصعد المنبر ولا يخطب عليه، فلما فعل في أهل العراق ما فعل، وفي منحور وغيره أثبته على المدينة، فكان يصعد على المنبر. ذكر الخبر عن مقتل سعيد بن جبير وفي هذه السنة قتل الحجاج سعيد بن جبير. ذكر الخبر عن مقتله: وكان سبب قتل الحجاج إياه خروجه عليه مع من خرج عليه مع عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّدِ بْنِ الأشعث، وكان الحجاج جعله على عطاء الجند حين وجه عبد الرحمن إلى رتبيل لقتاله، فلما خلع عبد الرحمن الحجاج كان سعيد فيمن خلعه معه، فلما هزم عبد الرحمن وهرب إلى بلاد رتبيل هرب سعيد. فحدثنا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عياش، قال: كتب الحجاج إلى فلان وكان على أصبهان- وكان سعيد، قال الطبري: أظنه أنه لما هرب

стр. 3568

من الحجاج ذهب إلى أصبهان فكتب إليه-: أن سعيدا عندك فخذه فجاء الأمر إلى رجل تحرج، فأرسل إلى سعيد: تحول عني، فتنحى عنه، فأتى أذربيجان، فلم يزل بأذربيجان فطال عليه السنون، واعتمر فخرج إلى مكة فأقام بها، فكان أناس من ضربه يستخفون فلا يخبرون بأسمائهم قال: فقال أبو حصين وهو يحدثنا هذا: فبلغنا أن فلانا قد أمر على مكة، فقلت له: يا سعيد، إن هذا الرجل لا يؤمن، وهو رجل سوء، وأنا أتقيه عليك، فاظعن واشخص، فقال: يا أبا حصين، قد والله فررت حتى استحييت من الله! سيجيئني ما كتب الله لي قلت: أظنك والله سعيدا كما سمتك أمك قال: فقدم ذلك الرجل إلى مكة، فأرسل فأخذ فلان له وكلمه، فجعل يديره وذكر أبو عاصم عن عمر بن قيس، قال: كتب الحجاج إلى الوليد: أن أهل النفاق والشقاق قد لجئوا إلى مكة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي فيهم! فكتب الوليد إلى خالد بن عبد الله القسري، فأخذ عطاء وسعيد بن جبير ومجاهد وطلق بن حبيب وعمرو بن دينار، فأما عمرو بن دينار وعطاء فأرسلا لأنهما مكيان، وأما الآخرون فبعث بهم إلى الحجاج، فمات طلق في الطريق، وحبس مجاهد حتى مات الحجاج. وقتل سعيد بن جبير. حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ، قال: حدثنا الأشجعي، قال: لما أقبل الحرسيان بسعيد بن جبير نزل منزلا قريبا من الربذة، فانطلق أحد الحرسيين في حاجته وبقي الآخر، فاستيقظ الذي عنده، وقد رأى رؤيا، فقال: يا سعيد، إني أبرأ إلى الله من دمك! انى رايت في منامي، فقيل لي: ويلك! تبرأ من دم سعيد بن جبير اذهب حيث شئت لا أطلبك أبدا، فقال سعيد: أرجو العافية وأرجو وأبى حتى

стр. 3569

جاء ذاك، فنزلا من الغد، فأري مثلها، فقيل: أبرأ من دم سعيد. فقال: يا سعيد، اذهب حيث شئت، إني أبرأ إلى الله من دمك، حتى جاء به. فلما جاء به إلى داره التي كان فيها سعيد وهي دارهم هذه، حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ، قال: حدثنا يزيد بن أبي زياد مولى بني هاشم قال: دخلت عليه في دار سعيد هذه، جيء به مقيدا فدخل عليه قراء أهل الكوفة قلت: يا أبا عبد الله، فحدثكم؟ قال: إي والله ويضحك، وهو يحدثنا، وبنية له في حجره، فنظرت نظرة فأبصرت القيد فبكت، فسمعته يقول: أي بنية لا تطيري، إياك- وشق والله عليه- فاتبعناه نشيعه، فانتهينا به إلى الجسر، فقال الحرسيان: لا نعبر به أبدا حتى يعطينا كفيلا، نخاف أن يغرق نفسه. قال: قلنا: سعيد يغرق نفسه! فما عبروا حتى كفلنا به. قال وهب بن جرير: حَدَّثَنَا أبي، قال: سمعت الفضل بن سويد قال: بعثني الحجاج في حاجة، فجيء بسعيد بن جبير، فرجعت فقلت: لأنظرن ما يصنع، فقمت على رأس الحجاج، فقال له الحجاج: يا سعيد، ألم أشركك في أمانتي! ألم أستعملك! ألم أفعل! حتى ظننت أنه يخلي سبيله، قال: بلى، قال: فما حملك على خروجك علي؟ قال: عزم علي، قال: فطار غضبا وقال: هيه! رأيت لعزمة عدو الرحمن عليك حقا، ولم تر لله ولا لأمير المؤمنين ولا لي عليك حقا! اضربا عنقه، فضربت عنقه، فندر رأسه عليه كمة بيضاء لا طيه صغيرة. وحدثت عن أبي غسان مالك بن إسماعيل، قال: سمعت خلف بن خليفة يذكر عن رجل قال: لما قتل سعيد بن جبير فندر رأسه لله، هلل ثلاثا: مرة يفصح بها. وفي الثنتين يقول مثل ذلك فلا يفصح بها وذكر أبو بكر الباهلي، قال: سمعت أنس بن أبي شيخ، يقول: لما

стр. 3570

أتي الحجاج بسعيد بن جبير، قال: لعن الله ابن النصرانية- قال: يعني خالدا القسري، وهو الذي أرسل به من مكة- أما كنت أعرف مكانه! بلى والله والبيت الذي هو فيه بمكة ثم أقبل عليه فقال: يا سعيد، ما أخرجك علي؟ فقال: أصلح الله الأمير! إنما أنا امرؤ من المسلمين يخطئ مرة ويصيب مرة، قال: فطابت نفس الحجاج، وتطلق وجهه، ورجا أن يتخلص من أمره، قال: فعاوده في شيء، فقال له: إنما كانت له بيعة في عنقي، قال: فغضب وانتفخ حتى سقط أحد طرفي ردائه عن منكبه، فقال: يا سعيد، ألم أقدم مكة فقتلت ابن الزبير، ثم أخذت بيعة أهلها، وأخذت بيعتك لأمير المؤمنين عبد الملك! قال: بلى، قال: ثم قدمت الكوفة واليا على العراق فجددت لأمير المؤمنين البيعة، فأخذت بيعتك له ثانية! قال: بلى، قال: فتنكث بيعتين لأمير المؤمنين، وتفي بواحدة للحائك ابن الحائك! اضربا عنقه، قال: فإياه عنى جرير بقوله: يا رب ناكث بيعتين تركته ... وخضاب لحيته دم الأوداج وذكر عتاب بن بشر، عن سالم الأفطس، قال: أتي الحجاج بسعيد بن جبير وهو يريد الركوب، وقد وضع إحدى رجليه في الغرز- أو الركاب- فقال: والله لا أركب حتى تبوء مقعدك من النار، اضربوا عنقه فضربت عنقه، فالتبس مكانه، فجعل يقول: قيودنا قيودنا، فظنوا أنه قال: القيود التي على سعيد بن جبير، فقطعوا رجليه من أنصاف ساقيه وأخذوا القيود. قال مُحَمَّد بن حاتم: حدثنا عبد الملك بن عبد الله عن هلال بن خباب قال: جيء بسعيد بن جبير إلى الحجاج فقال: اكتبت الى مصعب ابن الزبير؟ قال: بل كتب إلي مصعب، قال: والله لأقتلنك، قال:

стр. 3571

إني إذا لسعيد كما سمتني أمي! قال: فقتله، فلم يلبث بعده إلا نحوا من أربعين يوما، فكان إذا نام يراه في منامه يأخذ بمجامع ثوبه فيقول: يا عدو الله، لم قتلتني؟ فيقول: ما لي ولسعيد بن جبير! ما لي ولسعيد ابن جبير! قال أبو جعفر: وكان يقال لهذه السنة سنة الفقهاء، مات فيها عامة فقهاء أهل المدينة، مات في أولها علي بن الحسين ع، ثم عروة بن الزبير، ثم سعيد بن المسيب، وأبو بكر بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ. واستقضى الوليد في هذه السنة بالشام سُلَيْمَان بن حبيب. واختلف فيمن أقام الحج للناس في هذه السنة، فَقَالَ أَبُو معشر- فِيمَا حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْن ثَابِت عمن ذكره، عن إِسْحَاق بْن عِيسَى عنه- قال: حج بالناس مسلمة بن عبد الملك سنة أربع وتسعين. وقال الواقدي: حج بالناس سنة أربع وتسعين عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك- قال: ويقال: مسلمة بن عبد الملك. وكان العامل فيها على مكة خالد بن عبد الله القسري، وعلى المدينة عثمان بن حيان المري، وعلى الكوفة زياد بن جرير، وعلى قضائها ابو بكر ابن أبي موسى وعلى البصرة الجراح بن عبد الله وعلى قضائها عبد الرحمن ابن أذينة وعلى خراسان قتيبة بن مسلم، وعلى مصر قرة بن شريك، وكان العراق والمشرق كله إلى الحجاج

стр. 3572

ثم دخلت سنة خمس وتسعين (ذكر الأحداث التي كانت فيها) ففيها كانت غزوة العباس بن الوليد بن عبد الملك أرض الروم، ففتح الله على يديه ثلاثة حصون فيما قيل، وهي: طولس، والمرزبانين، وهرقلة. وفيها فتح آخر الهند إلا الكيرج والمندل. وفيها بنيت واسط القصب في شهر رمضان وفيها انصرف موسى بن نصير إلى إفريقية من الأندلس، وضحى بقصر الماء- فيما قيل- على ميل من القيروان. بقية الخبر عن غزو الشاش وفيها غزا قتيبة بن مسلم الشاش. ذكر الخبر عن غزوته هذه: رجع الحديث إلى حديث علي بن مُحَمَّد، قال: وبعث الحجاج جيشا من العراق فقدموا على قتيبة سنة خمس وتسعين، فغزا، فلما كان بالشاش- أو بكشماهن- أتاه موت الحجاج في شوال، فغمه ذلك، وقفل راجعا إلى مرو، وتمثل: لعمري لنعم المرء من آل جعفر ... بحوران أمسى اعلقته الحبائل فان تحى لا أملل حياتي وإن تمت ... فما في حياة بعد موتك طائل قال: فرجع بالناس ففرقهم، فخلف في بخارى قوما، ووجه قوما إلى كس ونسف، ثم أتى مرو فأقام بها، وأتاه كتاب الوليد: قد عرف أمير المؤمنين بلاءك وجدك في جهاد أعداء المسلمين، وامير المؤمنين

стр. 3573

رافعك وصانع بك كالذي يجب لك، فالمم مغازيك وانتظر ثواب ربك، ولا تغب عن أمير المؤمنين كتبك: حتى كأني أنظر إلى بلادك والثغر الذي أنت به. وفيها مات الحجاج بن يوسف في شوال- وهو يومئذ ابن اربع وخمسين سنه وقيل: ابن ثلاث وخمسين سنة- وقيل: كانت وفاته في هذه السنة لخمس ليال بقين من شهر رمضان. وفيها استخلف الحجاج لما حضرته الوفاة على الصلاة ابنه عبد الله بن الحجاج وكانت إمرة الحجاج على العراق فيما قال الواقدي عشرين سنة وفي هذه السنة افتتح العباس بن الوليد قنسرين وفيها قتل الوضاحي بأرض الروم ونحو من ألف رجل معه. وفيها- فيما ذكر- ولد المنصور عبد الله بن مُحَمَّد بن علي وفيها ولي الوليد بن عبد الملك يزيد بن أبي كبشة على الحرب والصلاة بالمصرين: الكوفة والبصرة، وولى خراجهما يزيد بن أبي مسلم. وقيل: إن الحجاج كان استخلف حين حضرته الوفاة على حرب البلدين والصلاة بأهلهما يزيد بن أبي كبشة، وعلى خراجهما يزيد بن أبي مسلم، فأقرهما الوليد بعد موت الحجاج على ما كان الحجاج استخلفهما عليه وكذلك فعل بعمال الحجاج كلهم، أقرهم بعده على أعمالهم التي كانوا عليها في حياته. وحج بالناس في هذه السنة بشر بن الوليد بن عبد الملك، حدثني

стр. 3574

بِذَلِكَ أَحْمَد بْن ثَابِت عمن ذكره، عن إِسْحَاق بْن عِيسَى، عن أبي معشر. وكذلك قال الواقدي. وكان عمال الأمصار فِي هَذِهِ السنة هم العمال الَّذِينَ كَانُوا فِي السنة الَّتِي قبلها، إلا ما كان من الكوفة والبصرة، فإنهما ضمتا إلى من ذكرت بعد موت الحجاج.

стр. 3575

ثم دخلت سنة ست وتسعين (ذكر الأحداث التي كانت فيها) ففيها كانت- فيما قال الواقدي- غزوة بشر بن الوليد الشاتية، فقفل وقد مات الوليد. ذكر الخبر عن موت الوليد بن عبد الملك وفيها كانت وفاة الوليد بن عبد الملك، يوم السبت فِي النِّصْفِ مِنْ جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وتسعين في قول جميع أهل السير. واختلف في قدر مدة خلافته، فقال الزهري في ذلك- ما حدثت عن ابن وهب عن يونس عنه: ملك الوليد عشر سنين إلا شهرا. وقال أبو معشر فيه، ما حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْن ثَابِت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عنه كانت: خلافة الوليد تسع سنين وسبعة أشهر. وقال هشام بن مُحَمَّد: كانت ولاية الوليد ثمان سنين وستة أشهر. وقال الواقدي: كانت خلافته تسع سنين وثمانية أشهر وليلتين. واختلف أيضا في مبلغ عمره، فقال مُحَمَّد بن عمر: توفي بدمشق وهو ابن ست وأربعين سنة وأشهر. وقال هشام بن مُحَمَّد: توفي وهو ابن خمس وأربعين سنة. وقال علي بن مُحَمَّد: توفي وهو ابن اثنتين وأربعين سنة وأشهر. وقال علي: كانت وفاة الوليد بدير مران، ودفن خارج باب الصغير. ويقال: في مقابر الفراديس. ويقال: إنه توفي وهو ابن سبع وأربعين سنة. وقيل: صلى عليه عمر بن عبد العزيز
следующие страницы →