← История

История · id 9783

تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري

ابن جرير الطبري

Полный текст (6 431 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومائة (ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) ذكر الخبر عن البيعه للامين فمن ذلك عقد الرشيد لابنه محمد بمدينة السلام من بعده ولاية عهد المسلمين وأخذه له بذلك بيعة القواد والجند، وتسميته إياه الأمين، وله يومئذ خمس سنين، فقال سلم الخاسر: قد وفق الله الخليفة إذ بنى ... بيت الخليفة للهجان الأزهر فهو الخليفة عن أبيه وجده ... شهدا عليه بمنظر وبمخبر قد بايع الثقلان في مهد الهدى ... لمحمد بن زبيدة ابنة جعفر ذكر الخبر عن سبب بيعة الرشيد له: وكان السبب في ذلك- فيما ذكر روح مولى الفضل بْن يحيى بْن خالد- أنه رأى عيسى بْن جعفر قد صار إلى الفضل بْن يحيى، فقال له: أنشدك الله لما عملت في البيعة لابن أختي- يعنى محمد بن زبيدة بنت جعفر بْن المنصور- فإنه ولد لك وخلافته لك، فوعده أن يفعل، وتوجه الفضل على ذلك، وكانت جماعة من بني العباس قد مدوا أعناقهم إلى الخلافة بعد الرشيد، لأنه لم يكن له ولي عهد، فلما بايع له، أنكروا بيعته لصغر سنه. قَالَ: وقد كان الفضل لما تولى خراسان أجمع على البيعة لمحمد، فذكر محمد بْن الحسين بْن مصعب أن الفضل بْن يحيى لما صار إلى خراسان، فرق فيهم أموالا، وأعطى الجند أعطيات متتابعات، ثم أظهر البيعة لمحمد بن الرشيد، فبايع الناس له وسماه الأمين، فقال في ذلك النمري: أمست بمرو على التوفيق قد صفقت ... على يد الفضل أيدي العجم والعرب

стр. 4587

ببيعة لولي العهد أحكمها ... بالنصح منه وبالإشفاق والحدب قد وكد الفضل عقدا لا انتقاض له ... لمصطفى من بنى العباس منتخب قال: فلما تناهى الخبر إلى الرشيد بذلك، وبايع له أهل المشرق، بايع لمحمد، وكتب إلى الآفاق، فبويع له في جميع الأمصار، فقال أبان اللاحقي في ذلك: عزمت أمير المؤمنين على الرشد ... برأي هدى، فالحمد لله ذي الحمد وعزل فيها الرشيد عن خراسان العباس بن جعفر، وولاها خاله الغطريف ابن عطاء. ٤ وفيها صار يحيى بْن عبد الله بْن حسن إلى الديلم، فتحرك هناك. وغزا الصائفة فيها عبد الرحمن بْن عبد الملك بْن صالح فبلغ إقريطية. وقال الواقدي: الذي غزا الصائفة في هذه السنة عبد الملك بْن صالح، قَالَ: وأصابهم في هذه الغزاة برد قطع أيديهم وأرجلهم. وحج بالناس فيها هارون الرشيد.

стр. 4588

ثم دخلت سنة ست وسبعين ومائة (ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمن ذلك ما كان من تولية الرشيد الفضل بْن يحيى كور الجبال وطبرستان ودنباوند وقومس وأرمينية وأذربيجان. وفيها ظهر يحيى بْن عبد الله بْن حسن بْن حسن بن علي بْن أبي طالب بالديلم. ذكر الخبر عن مخرج يحيى بن عبد الله وما كان من أمره ذكر أبو حفص الكرماني، قَالَ: كان أول خبر يحيى بْن عبد الله بْن حسن بْن حسن بن علي بْن أبي طالب أنه ظهر بالديلم، واشتدت شوكته، وقوي أمره، ونزع إليه الناس من الأمصار والكور، فاغتم لذلك الرشيد، ولم يكن في تلك الأيام يشرب النبيذ، فندب إليه الفضل بْن يحيى في خمسين ألف رجل، ومعه صناديد القواد، وولاه كور الجبال والري وجرجان وطبرستان وقومس ودنباوند والرويان، وحملت معه الأموال، ففرق الكور على قواده، فولى المثنى بْن الحجاج بْن قتيبة بْن مسلم طبرستان، وولى علي بْن الحجاج الخزاعي جرجان، وامر له بخمسمائة الف درهم، وعسكر بالنهرين، وامتدحه الشعراء، فأعطاهم فأكثر، وتوسل إليه الناس بالشعر، ففرق فيهم أموالا كثيرة وشخص الفضل بْن يحيى، واستخلف منصور بْن زياد بباب أمير المؤمنين، تجري كتبه على يديه، وتنفذ الجوابات عنها إليه، وكانوا يثقون بمنصور وابنه في جميع أمورهم، لقديم صحبته لهم، وحرمته بهم ثم مضى من معسكره، فلم تزل كتب الرشيد تتابع إليه بالبر واللطف والجوائز والخلع، فكاتب يحيى ورفق به واستماله، وناشده وحذره، وأشار عليه، وبسط أمله ونزل الفضل بطالقان الري ودستبى بموضع يقال له أشب، وكان شديد البرد كثير الثلوج، ففي ذلك يقول أبان بْن عبد الحميد اللاحقي:

стр. 4589

لدور أمس بالدولاب ... حيث السيب ينعرج أحب الى من دور ... أشب إذا هم ثلجوا قال: فأقام الفضل بهذا الموضع، وواتر كتبه على يحيى، وكاتب صاحب الديلم، وجعل له ألف ألف درهم، على أن يسهل له خروج يحيى إلى ما قبله، وحملت إليه، فأجاب يحيى إلى الصلح والخروج على يديه، على أن يكتب له الرشيد أمانا بخطه على نسخة يبعث بها إليه فكتب الفضل بذلك إلى الرشيد، فسره وعظم موقعه عنده، وكتب أمانا ليحيى بْن عبد الله، وأشهد عليه الفقهاء والقضاة وجلة بني هاشم ومشايخهم، منهم عبد الصمد بْن علي والعباس ابن محمد ومحمد بْن إبراهيم وموسى بْن عيسى ومن أشبههم، ووجه به مع جوائز وكرامات وهدايا، فوجه الفضل بذلك إليه، فقدم يحيى بْن عبد الله عليه، وورد به الفضل بغداد، فلقيه الرشيد بكل ما أحب، وأمر له بمال كثير، وأجرى له أرزاقا سنية، وأنزله منزلا سريا بعد أن أقام في منزل يحيى بْن خالد أياما، وكان يتولى أمره بنفسه، ولا يكل ذلك إلى غيره، وأمر الناس بإتيانه بعد انتقاله من منزل يحيى والتسليم عليه، وبلغ الرشيد الغاية في إكرام الفضل، ففي ذلك يقول مروان بْن أبي حفصة: ظفرت فلا شلت يد برمكية ... رتقت بها الفتق الذي بين هاشم على حين أعيا الراتقين التئامه ... فكفوا وقالوا ليس بالمتلائم فأصبحت قد فازت يداك بخطة ... من المجد باق ذكرها في المواسم وما زال قدح الملك يخرج فائزا ... لكم كلما ضمت قداح المساهم قال: وأنشدني أبو ثمامة الخطيب لنفسه فيه: للفضل يوم الطالقان وقبله ... يوم أناخ به على خاقان ما مثل يوميه اللذين تواليا ... في غزوتين توالتا يومان سد الثغور ورد ألفة هاشم ... بعد الشتات، فشعبها متدان

стр. 4590

عصمت حكومته جماعة هاشم ... من أن يجرد بينها سيفان تلك الحكومة لا التي عن لبسها ... عظم النبا وتفرق الحكمان فأعطاه الفضل مائة ألف درهم، وخلع عليه، وتغنى إبراهيم به. وذكر أحمد بْن محمد بْن جعفر، عن عبد الله بْن موسى بْن عبد الله بْن حسن بْن حسن، قَالَ: لما قدم يحيى بْن عبد الله من الديلم أتيته، وهو في دار علي بْن أبي طالب، فقلت: يا عم، ما بعدك مخبر ولا بعدي مخبر، فأخبرني خبرك، فقال: يا بن أخي، والله إن كنت إلا كما قَالَ حيي ابن أخطب: لَعَمْرُكَ مَا لامَ ابْنُ أَخْطَبَ نَفْسَهُ ... وَلَكِنَّهُ مَنْ يَخْذُلِ اللَّهُ يُخْذَلِ لَجَاهَدَ حَتَّى أَبْلَغَ النفس حمدها ... وقلقل يبغي العز كل مقلقل وذكر الضبي أن شيخا من النوفليين، قَالَ: دخلنا على عيسى بْن جعفر، وقد وضعت له وسائد بعضها فوق بعض، وهو قائم متكئ عليها، وإذا هو يضحك من شيء في نفسه، متعجبا منه، فقلنا: ما الذى يضحك الأمير ادام لله سروره! قَالَ: لقد دخلني اليوم سرور ما دخلني مثله قط، فقلنا: تمم الله للأمير سروره، وزاده سرورا فقال: والله لا أحدثكم به إلا قائما- واتكأ على الفرش وهو قائم- فقال: كنت اليوم عند أمير المؤمنين الرشيد، فدعا بيحيى بْن عبد الله، فأخرج من السجن مكبلا في الحديد، وعنده بكار بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتِ بْن عبد الله بْن الزبير- وكان بكار شديد البغض لآل أبي طالب، وكان يبلغ هارون عنهم، ويسيء بأخبارهم، وكان الرشيد ولاه المدينة، وأمره بالتضييق عليهم- قَالَ: فلما دعي بيحيى قَالَ له الرشيد: هيه هيه! متضاحكا، وهذا يزعم أيضا أنا سممناه! فقال يحيى: ما معنى يزعم؟ ها هو ذا لساني- قَالَ: وأخرج لسانه أخضر

стр. 4591

مثل السلق- قَالَ: فتربد هارون! واشتد غضبه، فقال يحيى: يا أمير المؤمنين، إن لنا قرابة ورحما، ولسنا بترك ولا ديلم، يا أمير المؤمنين، أنا وأنتم أهل بيت واحد، فاذكرك الله وقرابتنا من رسول الله ص! علام تحبسني وتعذبني؟ قَالَ: فرق له هارون، وأقبل الزبيري على الرشيد، فقال: يا أمير المؤمنين، لا يغرك كلام هذا، فإنه شاق عاص، وإنما هذا منه مكر وخبث، إن هذا أفسد علينا مدينتنا، وأظهر فيها العصيان. قال: فاقبل يحيى عليه، فو الله ما أستأذن أمير المؤمنين في الكلام حتى قَالَ: أفسد عليكم مدينتكم! ومن أنتم عافاكم الله! قال الزبيري: هذا كلامه قدامك، فكيف إذا غاب عنك! يقول: ومن أنتم! استخفافا بنا قَالَ: فأقبل عليه يحيى، فقال: نعم، ومن أنتم عافاكم الله! المدينة كانت مهاجر عبد الله ابن الزبير أم مهاجر رسول الله ص؟ ومن أنت حتى تقول: أفسد علينا مدينتنا! وإنما بآبائي وآباء هذا هاجر أبوك إلى المدينة ثم قَالَ: يا أمير المؤمنين، إنما الناس نحن وأنتم، فإن خرجنا عليكم قلنا: أكلتم وأجعتمونا ولبستم وأعريتمونا، وركبتم وأرجلتمونا، فوجدنا بذلك مقالا فيكم، ووجدتم بخروجنا عليكم مقالا فينا، فتكافأ فيه القول، ويعود أمير المؤمنين على أهله بالفضل يا أمير المؤمنين، فلم يجترئ هذا وضرباؤه على أهل بيتك، يسعى بهم عندك! إنه والله ما يسعى بنا إليك نصيحة منه لك، وإنه يأتينا فيسعى بك عندنا عن غير نصيحة منه لنا، إنما يريد أن يباعد بيننا، ويشتفي من بعض ببعض والله يا أمير المؤمنين، لقد جاء إلي هذا حيث قتل أخي محمد بْن عبد الله، فقال: لعن الله قاتله! وأنشدني فيه مرثية قالها نحوا من عشرين بيتا، وقال: إن تحركت في هذا الأمر فأنا أول من يبايعك، وما يمنعك أن تلحق بالبصرة، فأيدينا مع يدك! قَالَ: فتغير وجه الزبيري واسود، فأقبل عليه هارون، فقال: أي شيء يقول هذا؟ قَالَ: كاذب يا أمير المؤمنين، ما كان مما قَالَ حرف قَالَ: فأقبل على يحيى بْن عبد الله، فقال: تروي القصيدة التي رثاه بها؟ قَالَ:

стр. 4592

نعم يا أمير المؤمنين، أصلحك الله! قَالَ: فأنشدها إياه، فقال الزبيري: والله يا أمير المؤمنين الذي لا إله إلا هو- حتى أتى على أخر اليمين الغموس- ما كان مما قال شيء، ولقد تقول علي ما لم أقل قَالَ: فأقبل الرشيد على يحيى ابن عبد الله، فقال: قد حلف، فهل من بينة سمعوا هذه المرثية منه؟ قَالَ: لا يا أمير المؤمنين، ولكن استحلفه بما أريد، قال: فاستحلفه، قال: فأقبل على الزبيري، فقال: قل: أنا بريء من حول الله وقوته موكل إلى حولي وقوتي، إن كنت قلته فقال الزبيري: يا أمير المؤمنين، أي شيء هذا من الحلف! أحلف له بالله الذي لا إله إلا هو، ويستحلفني بشيء لا أدري ما هو! قَالَ يحيى بْن عبد الله: يا أمير المؤمنين، إن كان صادقا فما عليه أن يحلف بما أستحلفه به! فقال له هارون: احلف له ويلك! قَالَ: فقال: أنا بريء من حول الله وقوته موكل إلى حولي وقوتي، قَالَ: فاضطرب منها وأرعد، فقال يا أمير المؤمنين، ما أدري أي شيء هذه اليمين التي يستحلفني بها، وقد حلفت له بالله العظيم أعظم الأشياء! قَالَ: فقال هارون له: لتحلفن له أو لأصدقن عليك ولأعاقبنك، قَالَ: فقال: أنا بريء من حول الله وقوته، موكل إلى حولي وقوتي إن كنت قلته قَالَ: فخرج من عند هارون فضربه الله بالفالج، فمات من ساعته. قَالَ: فقال عيسى بْن جعفر: والله ما يسرني ان يحيى نقصه حرفا مما كان جرى بينهما، ولا قصر في شيء من مخاطبته إياه قَالَ: وأما الزبيريون فيزعمون أن امرأته قتلته، وهي من ولد عبد الرحمن ابن عوف. وذكر إسحاق بْن محمد النخعي أن الزبير بْن هشام حدثه عن أبيه، أن بكار بْن عبد الله تزوج امرأة من ولد عبد الرحمن بْن عوف، وكان له من قلبها موضع، فاتخذ عليها جارية، وأغارها، فقالت لغلامين له زنجيين: إنه قد أراد قتلكما هذا الفاسق- ولاطفتهما- فتعاوناني على قتله؟ قالا:

стр. 4593

نعم، فدخلت عليه وهو نائم، وهما جميعا معها، فقعدا على وجهه حتى مات قَالَ: ثم أنها سقتهما نبيذا حتى تهوعا حول الفراش، ثم أخرجتهما ووضعت عند رأسه قنينة، فلما أصبح اجتمع أهله، فقالت: سكر فقاء فشرق فمات فاخذ الغلامان، فضربا ضربا مبرحا، فأقرا بقتله، وأنها أمرتهما بذلك، فأخرجت من الدار ولم تورث. وذكر أبو الخطاب أن جعفر بْن يحيى بْن خالد حدثه ليلة وهو في سمرة، قَالَ: دعا الرشيد اليوم بيحيى بْن عبد الله بْن حسن، وقد حضره أبو البختري القاضي ومحمد بْن الحسن الفقيه صاحب أبي يوسف، وأحضر الأمان الذي كان أعطاه يحيى، فقال لمحمد بْن الحسن: ما تقول في هذا الأمان؟ أصحيح هو؟ قَالَ: هو صحيح، فحاجه في ذلك الرشيد، فقال له محمد بْن الحسن: ما تصنع بالأمان؟ لو كان محاربا ثم ولى كان آمنا فاحتملها الرشيد على محمد بْن الحسن، ثم سأل أبا البختري أن ينظر في الامان، فقال ابو البختري: هذا منتقض من وجه كذا وكذا، فقال الرشيد: أنت قاضي القضاة، وأنت أعلم بذلك، فمزق الأمان، وتفل فيه أبو البختري- وكان بكار بْن عبد الله بن مصعب حاضرا المجلس- فأقبل على يحيى بْن عبد الله بوجهه، فقال: شققت العصا، وفارقت الجماعة، وخالفت كلمتنا، وأردت خليفتنا، وفعلت بنا وفعلت فقال يحيى: ومن أنتم رحمكم الله! قَالَ جعفر: فو الله ما تمالك الرشيد أن ضحك ضحكا شديدا قَالَ: وقام يحيى ليمضي إلى الحبس، فقال له الرشيد: انصرف، أما ترون به أثر علة! هذا الآن إن مات قَالَ الناس: سموه قَالَ يحيى: كلا ما زلت عليلا منذ كنت في الحبس، وقبل ذلك أيضا كنت عليلا قَالَ أبو الخطاب: فما مكث يحيى بعد هذا إلا شهرا حتى مات. وذكر ابو يونس إسحاق بن اسمعيل، قَالَ: سمعت عبد الله بْن العباس بْن الحسن بْن عبيد الله بْن العباس بْن علي، الذي يعرف بالخطيب، قَالَ: كنت يوما على باب الرشيد أنا وأبي، وحضر ذلك اليوم من الجند والقواد الم أر مثلهم على باب خليفة قبله ولا بعده، قَالَ: فخرج الفضل بْن الربيع

стр. 4594

إلى أبي، فقال له: ادخل، ومكث ساعة ثم خرج إلي، فقال: ادخل، فدخلت، فإذا أنا بالرشيد معه امرأة يكلمها، فأومأ إلي أبي أنه لا يريد أن يدخل اليوم أحد، فاستأذنت لك لكثرة من رأيت حضر الباب، فإذا دخلت هذا المدخل زادك ذلك نبلا عند الناس فما مكثنا إلا قليلا حتى جاء الفضل ابن الربيع، فقال: إن عبد الله بْن مصعب الزبيري يستأذن في الدخول، فقال: إني لا أريد أن أدخل اليوم أحدا، فقال: قَالَ: إن عندي شيئا أذكره فقال: قل له يقله لك، قَالَ: قد قلت له ذلك، فزعم أنه لا يقوله إلا لك، قَالَ: أدخله وخرج ليدخله، وعادت المرأة وشغل بكلامها، وأقبل علي أبي، فقال: إنه ليس عنده شيء يذكره، وإنما أراد الفضل بهذا ليوهم من على الباب أن أمير المؤمنين لم يدخلنا لخاصة خصصنا بها، وإنما أدخلنا لأمر نسأل عنه كما دخل هذا الزبيري. وطلع الزبيري، فقال: يا امير المؤمنين، هاهنا شيء أذكره، فقال له: قل، فقال له: انه سر، فقال: ما من العباس سر، فنهضت، فقال: ولا منك يا حبيبي، فجلست، فقال: قل، فقال: إني والله قد خفت على أمير المؤمنين من امرأته وبنته وجاريته التي تنام معه، وخادمه الذي يناوله ثيابه واخص خلق الله به من قواده، وأبعدهم منه قَالَ: فرأيته قد تغير لونه، وقال: مما ذا؟ قَالَ: جاءتني دعوة يحيى بْن عبد الله بْن حسن، فعلمت أنها لم تبلغني مع العداوة بيننا وبينهم، حتى لم يبق على بابك أحدا إلا وقد أدخله في الخلاف عليك قَالَ: فتقول له هذا في وجهه! قَالَ: نعم، قَالَ الرشيد: أدخله، فدخل، فأعاد القول الذي قَالَ له، فقال يحيى بْن عبد الله: والله يا أمير المؤمنين لقد جاء بشيء لو قيل لمن هو أقل منك فيمن هو اكبر مني، وهو مقتدر عليه لما أفلت منه أبدا، ولي رحم وقرابة، فلم لا تؤخر هذا الأمر ولا تعجل، فلعلك أن تكفى مئونتي بغير يدك ولسانك، وعسى بك أن تقطع رحمك من حيث لا تعلمه! أباهله بين يديك وتصبر قليلا فقال:

стр. 4595

يا عبد الله، قم فصل إن رأيت ذلك، وقام يحيى فاستقبل القبلة، فصلى ركعتين خفيفتين، وصلى عبد الله ركعتين، ثم برك يحيى، ثم قَالَ: ابرك، ثم شبك يمينه في يمينه، وقال: اللهم إن كنت تعلم أني دعوت عبد الله بْن مصعب إلى الخلاف على هذا- ووضع يده عليه، وأشار إليه- فاسحتني بعذاب من عندك وكلني إلى حولي وقوتي، وإلا فكله إلى حوله وقوته، واسحته بعذاب من قبلك، آمين رب العالمين فقال عبد الله: آمين رب العالمين، فقال يحيى بْن عبد الله لعبد الله بْن مصعب: قل كما قلت، فقال عبد الله: اللهم إن كنت تعلم أن يحيى بْن عبد الله لم يدعني إلى الخلاف على هذا فكلني إلى حولي وقوتي واسحتني بعذاب من عندك، وإلا فكله إلى حوله وقوته، واسحته بعذاب من عندك آمين رب العالمين! وتفرقا، فأمر بيحيى فحبس في ناحية من الدار، فلما خرج وخرج عبد الله ابن مصعب أقبل الرشيد على أبي، فقال: فعلت به كذا وكذا، وفعلت به كذا وكذا، فعدد أياديه عليه، فكلمه أبي بكلمتين لا يدفع بهما عن عصفور، خوفا على نفسه، وأمرنا بالانصراف فانصرفنا فدخلت مع أبي أنزع عنه لباسه من السواد- وكان ذلك من عادتي- فبينما أنا أحل عنه منطقته، إذ دخل عليه الغلام، فقال: رسول عبد الله بن مصعب، فقال: أدخله، فلما دخل قَالَ له: ما وراءك؟ قَالَ: يقول لك مولاي، أنشدك الله ألا بلغت إلي! فقال أبي للغلام: قل له: لم أزل عند أمير المؤمنين إلى هذا الوقت، وقد وجهت إليك بعبد الله، فما أردت أن تلقيه إلي فألقه إليه، وقال للغلام: اخرج فإنه يخرج في أثرك، وقال لي: إنما دعاني ليستعين بي على ما جاء به من الإفك، فإن أعنته قطعت رحمي من رسول الله ص، وإن خالفته سعى بي، وإنما يتدرق الناس بأولادهم، ويتقون بهم المكاره، فاذهب إليه، فكل ما قَالَ لك فليكن جوابك له: أخبر أبي، فقد وجهتك

стр. 4596

وما آمن عليك، وقد كان قَالَ لي أبي حين انصرفنا- وذاك أنا احتبسنا عند الرشيد: أما رأيت الغلام المعترض في الدار! لا والله ما صرفنا حتى فرغ منه- يعني يحيى- إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! وعند الله نحتسب أنفسنا فخرجت مع الرسول، فلما صرت في بعض الطريق وأنا مغموم بما أقدم عليه، قلت للرسول: ويحك! ما أمره! وما أزعجه بالإرسال إلى أبي في هذا الوقت! فقال: إنه لما جاء من الدار، فساعة نزل عن الدابة صاح: بطني بطني! قَالَ عبد الله بْن عباس: فما حفلت بهذا الكلام من قول الغلام، ولا التفت إليه، فلما صرنا على باب الدرب- وكان في درب لا منفذ له- فتح البابين، فإذا النساء قد خرجن منشورات الشعور محتزمات بالحبال، يلطمن وجوههن وينادين بالويل، وقد مات الرجل، فقلت: والله ما رأيت أمرا أعجب من هذا! وعطفت دابتي راجعا أركض ركضا لم أركض مثله قبله ولا بعده إلى هذه الغاية، والغلمان والحشم ينتظرونني لتعلق قلب الشيخ بي، فلما رأوني دخلوا يتعادون، فاستقبلني مرعوبا في قميص ومنديل، ينادي: ما وراءك يا بني؟ قلت: إنه قد مات، قَالَ: الحمد لله الذي قتله وأراحك وإيانا منه، فما قطع كلامه حتى ورد خادم الرشيد يأمر أبي بالركوب وإياي معه فقال أبي ونحن في الطريق نسير: لو جاز أن يدعى ليحيى نبوة لادعاها أهله، رحمة الله عليه، وعند الله نحتسبه! ولا والله ما نشك في أنه قد قتل فمضينا حتى دخلنا على الرشيد، فلما نظر إلينا قَالَ: يا عباس بْن الحسن، أما علمت بالخبر؟ فقال أبي: بلى يا أمير المؤمنين، فالحمد لله الذي صرعه بلسانه، ووقاك الله يا أمير المؤمنين قطع أرحامك فقال الرشيد: الرجل والله سليم على ما يحب، ورفع الستر، فدخل يحيى، وأنا والله أتبين الارتياع في الشيخ، فلما نظر إليه الرشيد صاح به: يا أبا محمد، أما علمت أن الله قد قتل عدوك الجبار! قَالَ: الحمد لله الذي أبان لأمير المؤمنين كذب عدوه علي، وأعفاه من قطع رحمه، والله يا أمير المؤمنين، لو كان هذا الأمر مما أطلبه وأصلح له وأريده فكيف ولست بطالب له ولا مريده، ولو لم يكن الظفر به إلا بالاستعانة به،

стр. 4597

ثم لم يبق في الدنيا غيري وغيرك وغيره ما تقويت به عليك أبدا! وهذا والله من إحدى آفاتك- وأشار إلى الفضل بْن الربيع- والله لو وهبت له عشرة آلاف درهم، ثم طمع منى في زيادة تمرة لباعك بها فقال: أما العباسي فلا تقل له إلا خيرا، وأمر له في هذا اليوم بمائة ألف دينار، وكان حبسه بعض يوم قَالَ أبو يونس: كان هارون حبسه ثلاث حبسات مع هذه الحبسه، واوصل اليه أربعمائة الف دينار سنه ١٧٦ ذكر الفتنة بين اليمانيه والنزارية وفي هذه السنة، هاجت العصبية بالشام بين النزارية واليمانية، ورأس النزارية يومئذ أبو الهيذام. ذكر الخبر عن هذه الفتنة: ذكر أن هذه الفتنة هاجت بالشام وعامل السلطان بها موسى بْن عيسى، فقتل بين النزارية واليمانية على العصبية من بعضهم لبعض بشر كثير، فولى الرشيد موسى بْن يحيى بْن خالد الشام، وضم إليه من القواد والأجناد ومشايخ الكتاب جماعة فلما ورد الشام أحلت لدخوله إلى صالح بْن علي الهاشمي، فأقام موسى بها حتى أصلح بين أهلها، وسكنت الفتنة، واستقام أمرها، فانتهى الخبر إلى الرشيد بمدينة السلام، ورد الرشيد الحكم فيهم إلى يحيى، فعفا عنهم، وعما كان بينهم، وأقدمهم بغداد، وفي ذلك يقول إسحاق بن حسان الخزيمي: من مبلغ يحيى ودون لقائه ... زأرات كل خنابس همهام يا راعي الإسلام غير مفرط ... في لين مغتبط وطيب مشام تعذى مشاربه وتسقى شربة ... ويبيت بالربوات والأعلام حتى تنخنخ ضاربا بجرانه ... ورست مراسيه بدار سلام فلكل ثغر خارس من قلبه ... وشعاع طرف ما يفتر سام

стр. 4598

وقال في موسى غير أبي يعقوب: قد هاجت الشام هيجا ... يشيب رأس وليده فصب موسى عليها ... بخيله وجنوده فدانت الشام لما ... اتى نسيج وحيده هو الجواد الذي ... بذ كل جود بجوده أعداه جود أبيه ... يحيى وجود جدوده فجاد موسى بْن يحيى ... بطارف وتليده ونال موسى ذرى المجد ... وهو حشو مهوده خصصته بمديحي ... منثوره وقصيده من البرامك عود ... له فأكرم بعوده حووا على الشعر طرا ... خفيفه ومديده وفيها عزل الرشيد الغطريف بْن عطاء عن خراسان، وولاها حمزة بْن مالك بْن الهيثم الخزاعي، وكان حمزة يلقب بالعروس. وفيها ولى الرشيد جعفر بْن يحيى بْن خالد بْن برمك مصر، فولاها عمر بْن مهران. ذكر الخبر عن سبب توليه الرشيد جعفر مصر وتوليه جعفر عمر بن مهران إياها ذكر محمد بْن عمر أن أحمد بْن مهران حدثه أن الرشيد بلغه أن موسى ابن عيسى عازم على الخلع- وكان على مصر- فقال: والله لا أعزله إلا بأخس من على بابي انظروا لي رجلا، فذكر عمر بْن مهران- وكان إذ ذاك يكتب للخيزران، ولم يكتب لغيرها، وكان رجلا أحول مشوه الوجه، وكان

стр. 4599

لباسه لباسا خسيسا، أرفع ثيابه طيلسانه، وكانت قيمته ثلاثين درهما، وكان يشمر ثيابه ويقصر أكمامه، ويركب بغلا وعليه رسن ولجام حديد، ويردف غلامه خلفه- فدعا به، فولاه مصر، خراجها وضياعها وحربها. فقال: يا أمير المؤمنين، أتولاها على شريطة، قَالَ: وما هي؟ قَالَ: يكون إذني إلي، إذا أصلحت البلاد انصرفت فجعل ذلك له، فمضى إلى مصر، واتصلت ولاية عمر بْن مهران بموسى بْن عيسى، فكان يتوقع قدومه، فدخل عمر بْن مهران مصر على بغل، وغلامه أبو درة على بغل ثقل، فقصد دار موسى بْن عيسى والناس عنده، فدخل فجلس في أخريات الناس، فلما تفرق أهل المجلس، قَالَ موسى بْن عيسى لعمر: ألك حاجة يا شيخ؟ قَالَ: نعم، أصلح الله الأمير! ثم قام بالكتب فدفعها إليه، فقال: يقدم أبو حفص، أبقاه الله! قَالَ: فأنا أبو حفص، قَالَ: أنت عمر بْن مهران؟ قَالَ: نعم، قَالَ: لعن الله فرعون حين يقول: «أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ «، ثم سلم له العمل ورحل، فتقدم عمر بْن مهران إلى أبي درة غلامه، فقال له: لا تقبل من الهدايا إلا ما يدخل في الجراب، لا تقبل دابة ولا جارية ولا غلاما، فجعل الناس يبعثون بهداياهم، فجعل يرد ما كان من الألطاف، ويقبل المال والثياب، ويأتي بها عمر، فيوقع عليها أسماء من بعث بها، ثم وضع الجباية، وكان بمصر قوم قد اعتادوا المطل وكسر الخراج، فبدأ برجل منهم، فلواه، فقال: والله لا تؤدي ما عليك من الخراج إلا في بيت المال بمدينة السلام إن سلمت، قَالَ: فأنا أؤدي، فتحمل عليه، فقال: قد حلفت ولا أحنث، فأشخصه مع رجلين من الجند- وكان العمال إذ ذاك يكاتبون الخليفة- فكتب معهم إلى الرشيد: إني دعوت بفلان بْن فلان، وطالبته بما عليه من الخراج، فلو انى واستنظرني، فأنظرته ثم دعوته، فدافع ومال إلى الإلطاط، فآليت ألا يؤديه إلا في بيت المال بمدينة السلام، وجملة ما عليه كذا وكذا، وقد أنفذته مع فلان بْن فلان وفلان بْن فلان، من جند أمير المؤمنين، من قيادة فلان بْن فلان، فإن رأى أمير المؤمنين أن يكتب

стр. 4600

إلي بوصوله فعل إن شاء الله تعالى. قال: فلم يلوه احد بشيء من الخراج، فاستأدى الخراج، النجم الأول والنجم الثاني، فلما كان في النجم الثالث، وقعت المطالبة والمطل، فاحضر اهل الخراج والتجار فطالبهم، فدافعوه وشكوا الضيقة، فأمر بإحضار تلك الهدايا التي بعث بها إليه، ونظر في الأكياس وأحضر الجهبذ، فوزن ما فيها وأجزاها عن أهلها، ثم دعا بالأسفاط، فنادى على ما فيها، فباعها وأجزى أثمانها عن أهلها ثم قَالَ: يا قوم، حفظت عليكم هداياكم إلى وقت حاجتكم إليها، فادوا إلينا ما لنا، فأدوا إليه حتى أغلق مال مصر، فانصرف ولا يعلم أنه أغلق مال مصر غيره، وانصرف، فخرج على بغل، وأبو درة على بغل- وكان إذنه إليه. وغزا الصائفة في هذه السنة عبد الرحمن بْن عبد الملك، فافتتح حصنا. وحج بالناس في هذه السنة سليمان بْن أبي جعفر المنصور، وحجت معه- فيما ذكر الواقدي- زبيدة زوجة هارون وأخوها معها.

стр. 4601

ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومائة (ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمما كان فيها من ذلك عزل الرشيد- فيما ذكر- جعفر بْن يحيى عن مصر وتوليته إياها إسحاق بْن سليمان، وعزله حمزة بْن مالك عن خراسان وتوليته إياها الفضل بْن يحيى، إلى ما كان يليه من الاعمال من الري وسجستان. وغزا الصائفة فيها عبد الرزاق بْن عبد الحميد التغلبي. وكان فيها- فيما ذكر الواقدي- ريح وظلمة وحمرة ليلة الأحد لأربع ليال بقين من المحرم، ثم كانت ظلمة ليلة الأربعاء، لليلتين بقيتا من المحرم من هذه السنة، ثم كانت ريح وظلمة شديدة يوم الجمعة لليلة خلت من صفر. وحج بالناس فيها هارون الرشيد.

стр. 4602

ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومائة (ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمما كان فيها من ذلك وثوب الحوفية بمصر، من قيس وقضاعة وغيرهم بعامل الرشيد عليهم إسحاق بْن سليمان، وقتالهم إياه، وتوجيه الرشيد اليه هرثمة ابن أعين في عدة من القواد المضمومين إليه مددا لإسحاق بْن سليمان، حتى أذعن أهل الحوف، ودخلوا في الطاعة، وأدوا ما كان عليهم من وظائف السلطان- وكان هرثمة إذ ذاك عامل الرشيد على فلسطين- فلما انقضى أمر الحوفية صرف هارون إسحاق بْن سليمان عن مصر، وولاها هرثمة نحوا من شهر، ثم صرفه وولاها عبد الملك بْن صالح. وفيها كان وثوب أهل أفريقية بعبدويه الأنباري ومن معه من الجند هنالك، فقتل الفضل بْن روح بْن حاتم، وأخرج من كان بها من آل المهلب، فوجه الرشيد إليهم هرثمة بْن أعين، فرجعوا إلى الطاعة. وقد ذكر أن عبدويه هذا لما غلب على أفريقية، وخلع السلطان، عظم شأنه وكثر تبعه، ونزع إليه الناس من النواحي، وكان وزير الرشيد يومئذ يحيى بْن خالد ابن برمك، فوجه إليه يحيى بْن خالد بْن برمك يقطين بْن موسى ومنصور بْن زياد كاتبه، فلم يزل يحيى بْن خالد يتابع على عبدويه الكتب بالترغيب في الطاعة والتخويف للمعصية والاعذار إليه والإطماع والعدة حتى قبل الأمان، وعاد إلى الطاعة وقدم بغداد، فوفى له يحيى بما ضمن له وأحسن إليه، وأخذ له أمانا من الرشيد، ووصله ورأسه. وفي هذه السنة فوض الرشيد أموره كلها إلى يحيى بْن خالد بْن برمك. وفيها خرج الوليد بْن طريف الشاري بالجزيرة، وحكم بها، ففتك بابراهيم ابن خازم بْن خزيمة بنصيبين، ثم مضى منها الى أرمينية.

стр. 4603

ولايه الفضل بن يحيى على خراسان وسيرته بها وفيها شخص الفضل بْن يحيى إلى خراسان واليا عليها، فأحسن السيرة بها، وبنى بها المساجد والرباطات، وغزا ما وراء النهر، فخرج إليه خاراخره ملك أشروسنة، وكان ممتنعا. وذكر أن الفضل بْن يحيى اتخذ بخراسان جندا من العجم سماهم العباسية، وجعل ولاءهم لهم، وأن عدتهم بلغت خمسمائة ألف رجل، وأنه قدم منهم بغداد عشرون ألف رجل، فسموا ببغداد الكرنبية، وخلف الباقي منهم بخراسان على أسمائهم ودفاترهم، وفي ذلك يقول مروان بْن أبي حفصة: ما الفضل إلا شهاب لا أفول له ... عند الحروب إذا ما تأفل الشهب حام على ملك قوم عز سهمهم ... من الوراثة في أيديهم سبب أمست يد لبني ساقي الحجيج بها ... كتائب ما لها في غيرهم أرب كتائب لبني العباس قد عرفت ... ما ألف الفضل منها العجم والعرب أثبت خمس مئين في عدادهم ... من الألوف التي أحصت لك الكتب يقارعون عن القوم الذين هم ... أولى بأحمد في الفرقان إن نسبوا إن الجواد ابن يحيى الفضل لا ورق ... يبقى على جود كفيه ولا ذهب ما مر يوم له مذ شد مئزره ... إلا تمول أقوام بما يهب كم غاية في الندى والبأس أحرزها ... للطالبين مداها دونها تعب يعطي اللهى حين لا يعطي الجواد ولا ... ينبو إذا سلت الهندية القضب ولا الرضا والرضا لله غايته ... إلى سوى الحق يدعوه ولا الغضب قد فاض عرفك حتى ما يعادله ... غيث مغيث ولا بحر له حدب قال: وكان مروان بْن أبي حفصة قد أنشد الفضل في معسكره قبل خروجه إلى خراسان:

стр. 4604

ألم تر أن الجود من لدن آدم ... تحدر حتى صار في راحة الفضل إذا ما أبو العباس راحت سماؤه ... فيا لك من هطل ويا لك من وبل إذا أم طفل راعها جوع طفلها ... دعته باسم الفضل فاستعصم الطفل ليحيا بك الإسلام إنك عزه ... وإنك من قوم صغيرهم كهل وذكر محمد بْن العباس أن الفضل بْن يحيى أمر له بمائة ألف درهم، وكساه وحمله على بغلة قَالَ: وسمعته يقول: اصبت في قدمتي هذه سبعمائة ألف درهم وفيه يقول: تخيرت للمدح ابن يحيى بْن خالد ... فحسبي ولم أظلم بأن أتخيرا له عادة أن يبسط العدل والندى ... لمن ساس من قحطان أو من تنزرا إلى المنبر الشرقي سار ولم يزل ... له والد يعلو سريرا ومنبرا يعد ويحيى البرمكي ولا يرى ... لدى الدهر الا قائدا او مومرا ومدحه سلم الخاسر، فقال: وكيف تخاف من بؤس بدار ... تكنفها البرامكة البحور وقوم منهم الفضل بْن يحيى ... نفير ما يوازنه نفير له يومان: يوم ندى وبأس ... كأن الدهر بينهما أسير إذا ما البرمكي غدا ابن عشر ... فهمته وزير أو أمير وذكر الفضل بْن إسحاق الهاشمي أن إبراهيم بْن جبريل خرج مع الفضل ابن يحيى إلى خراسان وهو كاره للخروج، فأحفظ ذلك الفضل عليه قال إبراهيم: فدعاني يوما بعد ما أغفلني حينا، فدخلت عليه، فلما صرت بين يديه سلمت، فما رد علي، فقلت في نفسي: شر والله- وكان مضطجعا، فاستوى جالسا- ثم قَالَ: ليفرخ روعك يا إبراهيم، فإن قدرتي عليك تمنعني منك، قَالَ: ثم عقد لي على سجستان، فلما حملت خراجها، وهبه لي

стр. 4605

وزادني خمسمائة ألف درهم قَالَ: وكان إبراهيم على شرطه وحرسه، فوجهه إلى كابل، فافتتحها وغنم غنائم كثيرة قَالَ: وحدثني الفضل بْن العباس بْن جبريل- وكان مع عمه إبراهيم- قَالَ: وصل إلى إبراهيم في ذلك الوجه سبعة آلاف ألف، وكان عنده من مال الخراج أربعة آلاف ألف درهم، فلما قدم بغداد وبنى داره في البغيين استزار الفضل ليريه نعمته عليه، وأعد له الهدايا والطرف وآنية الذهب والفضة، وأمر بوضع الأربعة الآلاف ألف في ناحية من الدار. قَالَ: فلما قعد الفضل بْن يحيى قدم إليه الهدايا والطرف، فأبى أن يقبل منها شيئا، وقال له: لم آتك لاسلبك، فقال: إنها نعمتك أيها الأمير. قَالَ: ولك عندنا مزيد، قَالَ: فلم يأخذ من جميع ذلك إلا سوطا سجزيا، وقال: هذا من آلة الفرسان، فقال له: هذا المال من مال الخراج، فقال: هو لك، فأعاد عليه، فقال: أما لك بيت يسعه! فسوغه ذلك، وانصرف. قَالَ: ولما قدم الفضل بْن يحيى من خراسان خرج الرشيد إلى بستان أبي جعفر يستقبله، وتلقاه بنو هاشم والناس من القواد والكتاب والأشراف، فجعل يصل الرجل بالألف الف وبالخمسمائة ألف، ومدحه مروان بْن أبي حفصة، فقال: حمدنا الذي أدى ابن يحيى فأصبحت ... بمقدمه تجري لنا الطير أسعدا وما هجعت حتى رأته عيوننا ... وما زلن حتى آب بالدمع حشدا لقد صبحتنا خيله ورجاله ... باروع بذ الناس بأسا وسوددا نفى عن خراسان العدو كما نفى ... ضحى الصبح جلباب الدجي فتعردا لقد راع من أمسى بمرو مسيره ... إلينا، وقالوا شعبنا قد تبددا على حين ألقى قفل كل ظلامة ... وأطلق بالعفو الأسير المقيدا

стр. 4606

وأفشى بلا من مع العدل فيهم ... أيادي عرف باقيات وعودا فأذهب روعات المخاوف عنهم ... واصدر باغي الأمن فيهم وأوردا وأجدى على الأيتام فيهم بعرفه ... فكان من الآباء أحنى وأعودا إذا الناس راموا غاية الفضل في الندى ... وفي البأس ألفوها من النجم أبعدا سما صاعدا بالفضل يحيى وخالد ... إلى كل أمر كان أسنى وأمجدا يلين لمن أعطى الخليفة طاعة ... ويسقي دم العاصي الحسام المهندا أذلت مع الشرك النفاق سيوفه ... وكانت لأهل الدين عزا مؤبدا وشد القوى من بيعة المصطفى الذي ... على فضله عهد الخليفة قلدا سمي النبي الفاتح الخاتم الذي ... به الله أعطى كل خير وسددا أبحت جبال الكابلي ولم تدع ... بهن لنيران الضلالة موقدا فأطلعتها خيلا وطئن جموعه ... قتيلا ومأسورا وفلا مشردا وعادت على ابن البرم نعماك بعد ما ... تحوب مخذولا يرى الموت مفردا وذكر العباس بْن جرير، أن حفص بْن مسلم- وهو أخو رزام بْن مسلم، مولى خالد بْن عبد الله القسري- حدثه أنه قَالَ: دخلت على الفضل بن يحيى مقدمه خراسان، وبين يديه بدر تفرق بخواتيمها، فما فضت بدرة منها، فقلت: كفى الله بالفضل بْن يحيى بْن خالد ... وجود يديه بخل كل بخيل قال: فقال لي مروان بْن أبي حفصة: وددت أني سبقتك إلى هذا البيت، وأن على غرم عشرة آلاف درهم. وغزا فيها الصائفة معاوية بْن زفر بْن عاصم، وغزا الشاتيه فيها سليمان ابن راشد، ومعه البيد بطريق صقلية. وحج بالناس فيها محمد بْن إبراهيم بْن محمد بْن علي، وكان على مكة.

стр. 4607

ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومائة (ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمما كان فيها من ذلك انصراف الفضل بْن يحيى عن خراسان واستخلافه عليها عمرو بْن شرحبيل. وفيها ولى الرشيد خراسان منصور بْن يزيد بْن منصور الحميري. وفيها شرى بخراسان حمزة بْن أترك السجستاني. وفيها عزل الرشيد محمد بْن خالد بْن برمك عن الحجبة، وولاها الفضل بْن الربيع. وفيها رجع الوليد بْن طريف الشاري إلى الجزيرة واشتدت شوكته، وكثر تبعه، فوجه الرشيد إليه يزيد بْن مزيد الشيبانى، فراوغه يزيد، ثم لقيه وهو مغتر فوق هيت، فقتله وجماعة كانوا معه، وتفرق الباقون، فقال الشاعر: وائل بعضها يقتل بعضا ... لا يفل الحديد إلا الحديد وقالت الفارعة أخت الوليد: أيا شجر الخابور ما لك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف فتى لا يحب الزاد إلا من التقى ... ولا المال إلا من قنا وسيوف واعتمر الرشيد في هذه السنة في شهر رمضان، شكرا لله على ما أبلاه في الوليد بْن طريف، فلما قضى عمرته انصرف إلى المدينة، فأقام بها الى وقت الحج، ثم حج بالناس، فمشى من مكة إلى منى، ثم إلى عرفات، وشهد المشاهد والمشاعر ماشيا، ثم انصرف على طريق البصرة. وأما الواقدي فإنه قَالَ: لما فرغ من عمرته اقام بمكة حتى أقام للناس حجهم.

стр. 4608

ثم دخلت سنة ثمانين ومائة (ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) ذكر الخبر عن العصبية التي هاجت بالشام فمما كان فيها من ذلك، العصبية التي هاجت بالشام بين أهلها. ذكر الخبر عما صار إليه أمرها: ذكر أن هذه العصبية لما حدثت بالشام بين أهلها، وتفاقم أمرها، اغتم بذلك من أمرهم الرشيد، فعقد لجعفر بْن يحيى على الشام، وقال له: إما أن تخرج أنت أو أخرج أنا، فقال له جعفر: بل أقيك بنفسي، فشخص في جلة القواد والكراع والسلاح، وجعل على شرطه العباس بْن محمد بْن المسيب بْن زهير، وعلى حرسه شبيب بْن حميد بْن قحطبة، فأتاهم فأصلح بينهم، وقتل زواقيلهم، والمتلصصة منهم، ولم يدع بها رمحا ولا فرسا، فعادوا إلى الأمن والطمأنينة، وأطفأ تلك النائرة، فقال منصور النمري لما شخص جعفر: لقد أوقدت بالشام نيران فتنة ... فهذا أوان الشام تخمد نارها إذا جاش موج البحر من آل برمك ... عليها، خبت شهبانها وشرارها رماها أمير المؤمنين بجعفر ... وفيه تلاقى صدعها وانجبارها رماها بميمون النقيبة ماجد ... تراضى به قحطانها ونزارها تدلت عليهم صخرة برمكية ... دموغ لهام الناكثين انحدارها غدوت تزجي غابة في رءوسها ... نجوم الثريا والمنايا ثمارها إذا خفقت راياتها وتجرست ... بها الريح هال السامعين انبهارها فقولوا لأهل الشام: لا يسلبنكم ... حجاكم طويلات المنى وقصارها

стр. 4609

فإن أمير المؤمنين بنفسه ... أتاكم وإلا نفسه فخيارها هو الملك المأمول للبر والتقى ... وصولاته لا يستطاع خطارها وزير أمير المؤمنين وسيفه ... وصعدته والحرب تدمى شفارها ومن تطو أسرار الخليفة دونه ... فعندك مأواها وأنت قرارها وفيت فلم تغدر لقوم بذمة ... ولم تدن من حال ينالك عارها طبيب بإحياء الأمور إذا التوت ... من الدهر أعناق، فأنت جبارها إذا ما ابن يحيى جعفر قصدت له ... ملمات خطب لم ترعه كبارها لقد نشأت بالشام منك غمامة ... يؤمل جدواها ويخشى دمارها فطوبى لأهل الشام يا ويل أمها ... أتاها حياها، أو أتاها بوارها فإن سالموا كانت غمامة نائل ... وغيث، وإلا فالدماء قطارها أبوك أبو الأملاك يحيى بْن خالد ... أخو الجود والنعمى الكبار صغارها كأين ترى في البرمكيين من ندى ... ومن سابقات ما يشق غبارها غدا بنجوم السعد من حل رحله ... إليك، وعزت عصبة أنت جارها عذيري من الأقدار هل عزماتها ... مخلفتي عن جعفر واقتسارها فعين الأسى مطروفه لفراقه ... ونفسي اليه ما ينام ادكارها وولى جعفر بْن يحيى صالح بْن سليمان البلقاء وما يليها، واستخلف على الشام عيسى بْن العكي وانصرف، فازداد الرشيد له إكراما فلما قدم على الرشيد دخل عليه- فيما ذكر- فقبل يديه ورجليه، ثم مثل بين يديه، فقال: الحمد لله يا أمير المؤمنين الذي أنس وحشتي، وأجاب دعوتي، ورحم تضرعي، وأنسأ في أجلي، حتى أراني وجه سيدي، وأكرمني

стр. 4610

بقربه، وامتن علي بتقبيل يده، وردني إلى خدمته، فو الله إن كنت لأذكر غيبتي عنه ومخرجي، والمقادير التي أزعجتني، فأعلم أنها كانت بمعاص لحقتني وخطايا أحاطت بي، ولو طال مقامي عنك يا أمير المؤمنين- جعلني الله فداك- لخفت أن يذهب عقلي إشفاقا على قربك، وأسفا على فراقك، وأن يعجل بي عن إذنك الاشتياق إلى رؤيتك، والحمد لله الذي عصمني في حال الغيبة، وأمتعني بالعافية، وعرفني الإجابة ومسكنى بالطاعة، وحال بيني وبين استعمال المعصية، فلم أشخص إلا عن رأيك، ولم أقدم إلا عن إذنك وأمرك، ولم يخترمنى اجل دونك والله يا امير المؤمنين- ولا أعظم من اليمين بالله- لقد عاينت ما لو تعرض لي الدنيا كلها لاخترت عليها قربك، ولما رأيتها عوضا من المقام معك ثم قَالَ له بعقب هذا الكلام في هذا المقام: إن الله يا أمير المؤمنين- لم يزل يبليك في خلافتك بقدر ما يعلم من نيتك، ويريك في رعيتك غاية أمنيتك، فيصلح لك جماعتهم، ويجمع ألفتهم، ويلم شعثهم، حفظا لك فيهم، ورحمة لهم، وإنما هذا للتمسك بطاعتك، والاعتصام بحبل مرضاتك، والله المحمود على ذلك وهو مستحقه وفارقت يا أمير المؤمنين أهل كور الشام وهم منقادون لأمرك، نادمون على ما فرط من معصيتهم لك، متمسكون بحبلك، نازلون على حكمك، طالبون لعفوك، واثقون بحلمك، مؤملون فضلك، آمنون بادرتك، حالهم في ائتلافهم كحالهم كانت في اختلافهم، وحالهم في ألفتهم كحالهم كانت في امتناعهم، وعفو أمير المؤمنين عنهم وتغمده لهم سابق لمعذرتهم، وصلة أمير المؤمنين لهم، وعطفه عليهم متقدم عنده لمسألتهم. وايم الله يا أمير المؤمنين لئن كنت قد شخصت عنهم، وقد أخمد الله شرارهم وأطفأ نارهم، ونفى مراقهم، وأصلح دهماءهم، وأولاني الجميل فيهم، ورزقني الانتصار منهم، فما ذلك كله إلا ببركتك ويمنك، وريحك ودوام دولتك السعيدة الميمونة الدائمة، وتخوفهم منك، ورجائهم لك والله يا أمير

стр. 4611

المؤمنين ما تقدمت إليهم إلا بوصيتك، وما عاملتهم إلا بأمرك، ولا سرت فيهم إلا على حد ما مثلته لي ورسمته، ووقفتنى عليه، وو الله ما انقادوا إلا لدعوتك، وتوحد الله بالصنع لك، وتخوفهم من سطوتك وما كان الذي كان منى- وان كنت بذلت جهدي، وبلغت مجهودي- قاضيا ببعض حقك علي، بل ما ازدادت نعمتك علي عظما، إلا ازددت عن شكرك عجزا وضعفا، وما خلق الله أحدا من رعيتك أبعد من أن يطمع نفسه في قضاء حقك مني، وما ذلك إلا أن أكون باذلا مهجتي في طاعتك، وكل ما يقرب إلى موافقتك، ولكني أعرف من أياديك عندي ما لا أعرف مثلها عند غيري، فكيف بشكري وقد أصبحت واحد أهل دهري فيما صنعته في وبي! أم كيف بشكري وإنما أقوى على شكرى بإكرامك إياي! وكيف بشكري ولو جعل الله شكري في إحصاء ما أوليتني لم يأت على ذلك عدي وكيف بشكري وأنت كهفي دون كل كهف لي! وكيف بشكري وأنت لا ترضى لي ما أرضاه لي! وكيف بشكري وأنت تجدد من نعمتك عندي ما يستغرق كل ما سلف عندك لي! أم كيف بشكري وأنت تنسيني ما تقدم من إحسانك إلي بما تجدده لي! أم كيف بشكري وأنت تقدمني بطولك على جميع أكفائي! أم كيف بشكري وأنت وليي! أم كيف بشكري وأنت المكرم لي! وأنا أسأل الله الذي رزقني ذلك منك من غير استحقاق له، إذا كان الشكر مقصرا عن بلوغ تأدية بعضه، بل دون شقص من عشر عشيره، أن يتولى مكافأتك عني بما هو أوسع له، واقدر عليه، وان يقضى عنى حقك، وجليل منتك، فإن ذلك بيده، وهو القادر عليه! وفي هذه السنة أخذ الرشيد الخاتم من جعفر بْن يحيى، فدفعه إلى أبيه يحيى بْن خالد

стр. 4612

وفيها ولى جعفر بْن يحيى خراسان وسجستان، واستعمل جعفر عليهما محمد بن الحسن بْن قحطبة. وفيها شخص الرشيد من مدينة السلام مريدا الرقة على طريق الموصل، فلما نزل البردان، ولى عيسى بْن جعفر خراسان، وعزل عنها جعفر بْن يحيى، فكانت ولاية جعفر بْن يحيى إياها عشرين ليلة. وفيها ولى جعفر بْن يحيى الحرس. وفيها هدم الرشيد سور الموصل بسبب الخوارج الذين خرجوا منها، ثم مضى إلى الرقة فنزلها واتخذها وطنا. وفيها عزل هرثمة بْن أعين عن أفريقية، وأقفله إلى مدينة السلام، فأستخلفه جعفر بْن يحيى على الحرس. وفيها كانت بأرض مصر زلزلة شديدة، فسقط رأس منارة الإسكندرية. ٤ وفيها حكم خراشة الشيباني وشرى بالجزيرة، فقتله مسلم بْن بكار بْن مسلم العقيلي ٤. وفيها خرجت المحمرة بجرجان، فكتب علي بْن عيسى بْن ماهان أن الذي هيج ذلك عليه عمرو بْن محمد العمركي، وأنه زنديق، فأمر الرشيد بقتله، فقتل بمرو. وفيها عزل الفضل بْن يحيى عن طبرستان والرويان، وولي ذلك عبد الله ابن خازم وعزل الفضل أيضا عن الري، ووليها محمد بْن يحيى بْن الحارث بْن شخير، وولى سعيد بْن سلم الجزيرة. وغزا الصائفة فيها معاوية بْن زفر بْن عاصم وفيها صار الرشيد إلى البصرة منصرفه من مكة، فقدمها في المحرم منها، فنزل المحدثة أياما، ثم تحول منها إلى قصر عيسى بْن جعفر بالخريبة، ثم ركب في نهر سيحان الذي احتفره يحيى بْن خالد، حتى نظر إليه، وسكر نهر الأبلة ونهر معقل، حتى استحكم أمر سيحان، ثم شخص عن البصرة

стр. 4613

لاثنتي عشرة ليلة بقيت من المحرم، فقدم مدينة السلام، ثم شخص إلى الحيرة، فسكنها وابتنى بها المنازل، وأقطع من معه الخطط، وأقام نحوا من أربعين يوما، فوثب به أهل الكوفة، وأساءوا مجاورته، فارتحل إلى مدينة السلام، ثم شخص من مدينة السلام إلى الرقة، واستخلف بمدينة السلام حين شخص إلى الرقة محمدا الأمين، وولاه العراقين. وحج بالناس في هذه السنة موسى بْن عيسى بْن موسى بْن محمد بن علي.

стр. 4614

ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ومائة (ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فكان فيها غزو الرشيد أرض الروم، فافتتح بها عنوه حصن الصفصاف، فقال مروان بْن أبي حفصة: أن أمير المؤمنين المصطفى ... قد ترك الصفصاف قاعا صفصفا وفيها غزا عبد الملك بْن صالح الروم، فبلغ أنقرة وافتتح مطمورة. وفيها توفي الحسن بْن قحطبة وحمزة بْن مالك. وفيها غلبت المحمرة على جرجان. وفيها أحدث الرشيد عند نزوله الرقة في صدور كتبه الصلاة على محمد ص وحج بالناس في هذه السنة هارون الرشيد، فأقام للناس الحج، ثم صدر معجلا وتخلف عنه يحيى بْن خالد، ثم لحقه بالغمرة فاستعفاه من الولاية فأعفاه، فرد إليه الخاتم، وساله الاذن في المقام فأذن له، فانصرف إلى مكة.

стр. 4615

ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين ومائة (ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فكان فيها انصراف الرشيد من مكة ومسيره إلى الرقة، وبيعته بها لابنه عبد الله المأمون بعد ابنه محمد الأمين، وأخذ البيعة له على الجند بذلك بالرقة، وضمه إياه إلى جعفر بْن يحيى، ثم توجيهه إياه إلى مدينة السلام، ومعه من أهل بيته جعفر بْن أبي جعفر المنصور وعبد الملك بْن صالح، ومن القواد علي بْن عيسى، فبويع له بمدينة السلام حين قدمها، وولاه أبوه خراسان وما يتصل بها إلى همذان، وسماه المأمون. وفيها حملت ابنة خاقان ملك الخزر إلى الفضل بْن يحيى، فماتت ببرذعة، وعلى أرمينية يومئذ سعيد بْن سلم بْن قتيبة الباهلى، فرجع من كان فيها من الطراخنة إلى أبيها، فأخبروه أن ابنته قتلت غيلة، فحنق لذلك، وأخذ في الأهبة لحرب المسلمين. وانصرف فيها يحيى بْن خالد الى مدينه السلام. وغزا فيها الصائفة عبد الرحمن بْن عبد الملك بْن صالح، فبلغ دفسوس مدينة أصحاب الكهف. وفيها سملت الروم عيني ملكهم قسطنطين بْن اليون، وأقروا أمه ريني، وتلقب أغسطه. وحج بالناس فيها موسى بْن عيسى بْن موسى بْن محمد بْن علي.

стр. 4616

ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومائة (ذكر الخبر عن الأحداث الَّتِي كَانَتْ فِيهَا) فمن ذلك خروج الخزر بسبب ابنة خاقان من باب الأبواب وإيقاعهم بالمسلمين هنالك وأهل الذمة، وسبيهم- فيما ذكر- أكثر من مائة ألف. فانتهكوا أمرا عظيما لم يسمع في الإسلام بمثله، فولى الرشيد أرمينية يزيد بْن مزيد مع اذربيجان، وقواه بالجند، ووجهه، وانزل خزيمة بن خازم نصيبين ردءا لا اهل أرمينية. وقد قيل في سبب دخول الخزر أرمينية غير هذا القول، وذلك ما ذكره محمد بْن عبد الله، أن أباه حدثه أن سبب دخول الخزر أرمينية في زمان هارون كان أن سعيد بْن سلم ضرب عنق المنجم السلمي بفأس، فدخل ابنه بلاد الخزر، واستجاشهم على سعيد، فدخلوا أرمينية من الثلمة، فانهزم سعيد، ونكحوا المسلمات، وأقاموا فيها- أظن- سبعين يوما، فوجه هارون خزيمة بن خازم ويزيد بن مزيد إلى أرمينية حتى أصلحا ما أفسد سعيد، وأخرجا الخزر، وسدت الثلمه. وفيها كتب الرشيد الى علي بْن عيسى بْن ماهان وهو بخراسان بالمصير إليه، وكان سبب كتابه إليه بذلك، أنه كان حمل عليه، وقيل له: أنه قد أجمع على الخلاف، فاستخلف علي بْن عيسى ابنه يحيى على خراسان، فأقره الرشيد، فوافاه علي، وحمل إليه مالا عظيما، فرده الرشيد إلى خراسان من قبل ابنه المأمون لحرب أبي الخصيب، فرجع. وفيها خرج بنسا من خراسان أبو الخصيب وهيب بْن عبد الله النسائي مولى الحريش ٤

стр. 4617

وفيها مات موسى بْن جعفر بْن محمد ببغداد ومحمد بن السماك القاضي. وفيها حج بالناس العباس بْن موسى الهادي بْن محمد بْن عبد الله بن محمد ابن على.

стр. 4618

ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومائة (ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) ففيها قدم هارون مدينة السلام في جمادى الآخرة منصرفا إليها من الرقة في الفرات في السفن، فلما صار إليها أخذ الناس بالبقايا. وولي استخراج ذلك- فيما ذكر- عبد الله بْن الهيثم بْن سام بالحبس والضرب، وولى حماد البربري مكة واليمن، وولى داود بْن يزيد بْن حاتم المهلبي السند، ويحيى الحرشي الجبل، ومهرويه الرازي طبرستان، وقام بأمر إفريقية ابراهيم الأغلب، فولاها إياه الرشيد. وفيها خرج أبو عمرو الشاري فوجه إليه زهير القصاب فقتله بشهرزور. وفيها طلب أبو الخصيب الأمان، فأعطاه ذلك علي بْن عيسى، فوافاه بمرو فأكرمه. وحج بالناس فيها إبراهيم بْن محمد بْن عبد الله بْن محمد بْن علي.

стр. 4619

ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومائة (ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمن ذلك ما كان من قتل أهل طبرستان مهرويه الرازي وهو واليها، فولى الرشيد مكانه عبد الله بْن سعيد الحرشي. وفيها قتل عبد الرحمن الأبناوي أبان بْن قحطبة الخارجي بمرج القلعة. وفيها عاث حمزة الشاري بباذغيس من خراسان، فوثب عيسى بن على ابن عيسى على عشرة آلاف من أصحاب حمزة فقتلهم، وبلغ كابل وزابلستان والقندهار، فقال أبو العذافر في ذلك: كاد عيسى يكون ذا القرنين ... بلغ المشرقين والمغربين لم يدع كابلا ولا زابلستان ... فما حولها إلى الرخجين وفيها خرج أبو الخصيب ثانية بنسا، وغلب عليها وعلى أبيورد وطوس ونيسابور، وزحف إلى مرو، فأحاط بها، فهزم، ومضى نحو سرخس، وقوي أمره. وفيها مات يزيد بْن مزيد ببرذعة، فولى مكانه أسد بْن يزيد. وفيها مات يقطين بْن موسى ببغداد. وفيها مات عبد الصمد بْن علي ببغداد في جمادى الآخرة، ولم يكن ثغر قط، فأدخل القبر بأسنان الصبي، وما نقص له سن وشخص فيها الرشيد إلى الرقة على طريق الموصل. واستأذنه فيها يحيى بْن خالد في العمرة والجوار، فأذن له، فخرج في

стр. 4620

شعبان، واعتمر عمره شهر رمضان، ثم رابط بجدة إلى وقت الحج، ثم حج. ووقعت في المسجد الحرام صاعقة فقتلت رجلين. وحج بالناس فيها منصور بْن محمد بْن عبد الله بْن محمد بن علي.

стр. 4621

ثم دخلت سنة ست وثمانين ومائة (ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) ففيها كان خروج علي بْن عيسى بْن ماهان من مرو لحرب أبي الخصيب إلى نسا، فقتله بها، وسبى نساءه وذراريه، واستقامت خراسان. وفيها حبس الرشيد ثمامة بْن أشرس لوقوفه على كذبه في أمر أحمد بْن عيسى بْن زيد. وفيها مات جعفر بْن أبي جعفر المنصور عند هرثمة وتوفي العباس بْن محمد ببغداد. ذكر حج الرشيد ثم كتابته العهد لابنائه وحج بالناس فيها هارون الرشيد، وكان شخوصه من الرقة للحج في شهر رمضان من هذه السنة، فمر بالأنبار، ولم يدخل مدينة السلام، ولكنه نزل منزلا على شاطئ الفرات يدعى الدارات، بينه وبين مدينة السلام سبعة فراسخ، وخلف بالرقة إبراهيم بْن عثمان بْن نهيك، وأخرج معه ابنيه: محمدا الأمين وعبد الله المأمون، وليي عهده، فبدأ بالمدينة، فأعطى أهلها ثلاثة أعطية، كانوا يقدمون إليه فيعطيهم عطاء، ثم إلى محمد فيعطيهم عطاء ثانيا، ثم إلى المأمون فيعطيهم عطاء ثالثا، ثم صار الى مكة فاعطى أهلها، فبلغ ذلك ألف ألف دينار وخمسين ألف دينار. وكان الرشيد عقد لابنه محمد ولاية العهد- فيما ذكر محمد بْن يزيد عن إبراهيم بْن محمد الحجبي- يوم الخميس في شعبان سنة ثلاث وسبعين ومائة، وسماه الأمين، وضم إليه الشام والعراق في سنة خمس وسبعين ومائة، ثم بايع لعبد الله المأمون بالرقة في سنة ثلاث وثمانين ومائة، وولاه من حد همذان إلى آخر المشرق، فقال في ذلك سلم بْن عمرو الخاسر:

стр. 4622

بايع هارون إمام الهدى ... لذي الحجى والخلق الفاضل المخلف المتلف أمواله ... والضامن الأثقال للحامل والعالم النافذ في علمه ... والحاكم الفاضل والعادل والراتق الفاتق حلف الهدى ... والقائل الصادق والفاعل لخير عباس إذا حصلوا ... والمفضل المجدي على العائل أبرهم برا وأولاهم ... بالعرف عند الحدث النازل لمشبه المنصور في ملكه ... إذا تدجت ظلمة الباطل فتم بالمأمون نور الهدى ... وانكشف الجهل عن الجاهل وذكر الحسن بْن قريش أن القاسم بن الرشيد، كان في حجر عبد الملك ابن صالح، فلما بايع الرشيد لمحمد والمأمون، كتب إليه عبد الملك بْن صالح: يأيها الملك الذي ... لو كان نجما كان سعدا اعقد القاسم بيعة ... واقدح له في الملك زندا الله فرد واحد ... فاجعل ولاة العهد فردا فكان ذلك أول ما حض الرشيد على البيعة للقاسم ثم بايع للقاسم ابنه، وسماه المؤتمن، وولاه الجزيرة والثغور والعواصم، فقال في ذلك: حب الخليفة حب لا يدين به ... من كان لله عاص يعمل الفتنا الله قلد هارونا سياستنا ... لما اصطفاه فأحيا الدين والسننا وقلد الارض هارون لرأفته ... بنا أمينا ومأموما ومؤتمنا قال: ولما قسم الأرض بين أولاده الثلاثة، قَالَ بعض العامة: قد أحكم أمر الملك، وقال بعضهم: بل ألقى بأسهم بينهم، وعاقبة ما صنع في ذلك مخوفة على الرعية، وقالت الشعراء في ذلك، فقال بعضهم:

стр. 4623

أقول لغمة في النفس مني ... ودمع العين يطرد اطرادا خذي للهول عدته بحزم ... سنلقى ما سيمنعك الرقادا فإنك إن بقيت رأيت أمرا ... يطيل لك الكآبة والسهادا رأى الملك المهذب شر رأى ... بقسمته الخلافة والبلادا رأى ما لو تعقبه بعلم ... لبيض من مفارقه السوادا أراد به ليقطع عن بنيه ... خلافهم ويبتذلوا الودادا فقد غرس العداوة غير آل ... وأورث شمل ألفتهم بدادا وألقح بينهم حربا عوانا ... وسلس لاجتنابهم القيادا فويل للرعية عن قليل ... لقد أهدى لها الكرب الشدادا وألبسها بلاء غير فان ... وألزمها التضعضع والفسادا ستجري من دمائهم بحور ... زواخر لا يرون لها نفادا فوزر بلائهم أبدا عليه ... أغيا كان ذلك أم رشادا قال: وحج هارون ومحمد وعبد الله معه وقواده ووزراؤه وقضاته في سنة ست وثمانين ومائة، وخلف بالرقة إبراهيم بْن عثمان بْن نهيك العكي على الحرم والخزائن والأموال والعسكر، وأشخص القاسم ابنه إلى منبج، فانزله إياها بمن ضم إليه من القواد والجند، فلما قضى مناسكه كتب لعبد الله المأمون ابنه كتابين، أجهد الفقهاء والقضاة أراءهم فيهما، أحدهما على محمد بما اشترط عليه من الوفاء بما فيه من تسليم ما ولي عبد الله من الأعمال، وصير إليه من الضياع والغلات والجواهر والأموال، والآخر نسخة البيعة التي أخذها على الخاصة والعامة والشروط لعبد الله على محمد وعليهم، وجعل الكتابين في البيت الحرام بعد أخذه البيعة على محمد، وإشهاده عليه بها الله وملائكته

стр. 4624

ومن كان في الكعبه معه من سائر ولده وأهل بيته ومواليه وقواده ووزرائه وكتابه وغيرهم وكانت الشهادة بالبيعة والكتاب في البيت الحرام، وتقدم إلى الحجبة في حفظهما، ومنع من اراد إخراجهما والذهاب بهما، فذكر عبد الله بْن محمد ومحمد بْن يزيد التميمي وإبراهيم الحجبي، أن الرشيد حضر وأحضر وجوه بني هاشم والقواد والفقهاء، وادخلوا البيت الحرام، وامر بقراءة الكتاب على عبد الله ومحمد، وأشهد عليهما جماعة من حضر، ثم رأى أن يعلق الكتاب في الكعبة، فلما رفع ليعلق وقع، فقيل إن هذا الأمر سريع انتقاضه قبل تمامه وكانت نسخة الْكِتَابِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا كِتَابٌ لعبد الله هارون أمير المؤمنين، كتبه محمد بْن هارون أمير المؤمنين، في صحة من عقله، وجواز من أمره، طائعا غير مكره أن أمير المؤمنين ولاني العهد من بعده، وصير البيعة لي في رقاب المسلمين جميعا، وولى عبد الله بن هارن العهد والخلافه وجميع امور المسلمين بعدي، برضا منى وتسليم، طائعا غير مكره، وولاه خراسان وثغورها وكورها وحربها وجندها وخراجها وطرزها وبريدها، وبيوت أموالها، وصدقاتها وعشرها وعشورها، وجميع أعمالها، في حياته وبعده وشرطت لعبد الله هارون امير المؤمنين برضا مني وطيب نفسي، أن لأخي عبد الله بْن هارون علي الوفاء بما عقد له هارون أمير المؤمنين من العهد والولاية والخلافة وأمور المسلمين جميعا بعدي، وتسليم ذلك له، وما جعل له من ولاية خراسان وأعمالها كلها، وما اقطعه امير المؤمنين من قطعيه، أو جعل له من عقدة أو ضيعة من ضياعه، أو ابتاع من الضياع والعقد، وما أعطاه في حياته وصحته من مال أو حلي أو جوهر، أو متاع أو كسوة، أو منزل أو دواب، أو قليل أو كثير، فهو لعبد الله بْن هارون أمير المؤمنين، موفرا مسلما إليه وقد عرفت ذلك كله شيئا شيئا

стр. 4625

فإن حدث بأمير المؤمنين حدث الموت، وأفضت الخلافه الى محمد ابن أمير المؤمنين، فعلى محمد إنفاذ ما أمره به هارون أمير المؤمنين في تولية عبد الله ابن هارون أمير المؤمنين خراسان وثغورها ومن ضم إليه من أهل بيت أمير المؤمنين بقرماسين، وان يمضى عبد الله ابن أمير المؤمنين إلى خراسان والري والكور التي سماها أمير المؤمنين حيث كان عبد الله بن أمير المؤمنين من معسكر أمير المؤمنين وغيره من سلطان أمير المؤمنين وجميع من ضم إليه أمير المؤمنين حيث أحب، من لدن الري الى اقصى عمل خراسان فليس لمحمد ابْن أمير المؤمنين أن يحول عنه قائدا ولا مقودا ولا رجلا واحدا ممن ضم اليه من اصحابه الذين ضمهم الى أمير المؤمنين، ولا يحول عبد الله ابْن امير المؤمنين عن ولايته التي ولاه إياها هارون أمير المؤمنين من ثغور خراسان وأعمالها كلها، ما بين عمل الري مما يلى همذان الى أقصى خراسان وثغورها وبلادها، وما هو منسوب إليها، ولا يشخصه إليه، ولا يفرق أحدا من أصحابه وقواده عنه، ولا يولي عليه أحدا، ولا يبعث عليه ولا على أحد من عماله وولاة أموره بندارا، ولا محاسبا ولا عاملا، ولا يدخل عليه في صغير من أمره ولا كبير ضررا، ولا يحول بينه وبين العمل في ذلك كله برأيه وتدبيره، ولا يعرض لأحد ممن ضم إليه أمير المؤمنين من أهل بيته وصحابته وقضاته وعماله وكتابه وقواده وخدمه ومواليه وجنده، بما يلتمس إدخال الضرر والمكروه عليهم في أنفسهم ولا قراباتهم ولا مواليهم، ولا احد بسبيل منهم، ولا في دمائهم ولا في أموالهم ولا في ضياعهم ودورهم ورباعهم وأمتعتهم ورقيقهم ودوابهم شيئا من ذلك صغيرا ولا كبيرا، ولا أحد من الناس بأمره ورأيه وهواه، وبترخيص له في ذلك وادهان منه فيه لأحد من ولد آدم، ولا يحكم في أمرهم ولا أحد من قضاته ومن عماله وممن كان بسبب منه بغير حكم عبد الله ابن أمير المؤمنين ورأيه ورأي قضاته. وإن نزع إليه أحد ممن ضم أمير المؤمنين إلى عبد الله ابن أمير المؤمنين من أهل بيت أمير المؤمنين وصحابته وقواده وعماله وكتابه وخدمه ومواليه وجنده، ورفض اسمه ومكتبه ومكانه مع عبد الله بن أمير المؤمنين عاصيا له أو مخالفا
следующие страницы →