Полный текст (6 431 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.
стр. 4796
بالسند والهند والصقالب و ... النوبه شيبت بها برابرها
طيرا أبابيل أرسلت عبثا ... يقدم سودانها أحامرها
أين الظباء الأبكار في روضة الملك ... تهادى بها غرائرها!
أين غضاراتها ولذتها ... وأين محبورها وحابرها!
بالمسك والعنبر اليمان و ... اليلنجوج مشبوبه مجامرها
يرفلن في الخز والمجاسد و ... الموشى محطومه مزامرها
فأين رقاصها وزامرها ... يجبن حيث انتهت حناجرها
تكاد اسماعهم تسك إذا ... عارض عيدانها مزاهرها
أمست كجوف الحمار خالية ... يسعرها بالجحيم ساعرها
كأنما أصبحت بساحتهم ... عاد ومستهم صراصرها
لا تعلم النفس ما يبايتها ... من حادث الدهر أو يباكرها
تضحي وتمسي درية غرضا ... حيث استقرت بها شراشرها
لأسهم الدهر وهو يرشقها ... محنطها مرة وباقرها
يا بؤس بغداد دار مملكة ... دارت على أهلها دوائرها
أمهلها الله ثم عاقبها ... لما أحاطت بها كبائرها
بالخسف والقذف والحريق و ... بالحرب التي أصبحت تساورها
كم قد رأينا من المعاصي ببغداد ... فهل ذو الجلال غافرها!
حلت ببغداد وهي آمنة ... داهية لم تكن تحاذرها
طالعها السوء من مطالعه ... وأدركت أهلها جرائرها
رق بها الدين واستخف بذي ... الفضل وعز النساك فاجرها
وخطم العبد أنف سيده ... بالرغم واستعبدت حرائرها.
стр. 4797
وصار رب الجيران فاسقهم ... وابتز أمر الدروب ذاعرها
من ير بغداد والجنود بها ... قد ربقت حولها عساكرها
كل طحون شهباء باسلة ... تسقط أحبالها زماجرها
تلقي بغي الردى أوانسها ... يرهقها للقاء طاهرها
والشيخ يعدو حزما كتائبه ... يقدم اعجازها يعاورها
ولزهير بالفرك مأسدة ... مرقومة صلبة مكاسرها
كتائب الموت تحت ألوية ... أبرح منصورها وناصرها
يعلم أن الأقدار واقعة ... وقعا على ما أحب قادرها
فتلك بغداد ما يبنى من ... الذلة في دورها عصافرها
محفوفة بالردى منطقة ... بالصغر محصورة جبابرها
ما بين شط الفرات منه الى ... دجلة حيث انتهت معابرها
بارك هادي الشقراء نافره ... تركض من حولها أشاقرها
يحرقها ذا وذاك يهدمها ... ويشتفي بالنهاب شاطرها
والكرخ أسواقها معطلة ... يستن عيارها وعائرها
أخرجت الحرب من سواقطها ... آساد غيل غلبا تساورها
من البواري تراسها ومن ... الخوص إذا استلأمت مغافرها
تغدو إلى الحرب في جواشنها ... الصوف إذا ما عدت أساورها
كتائب الهرش تحت رايته ... ساعد طرارها مقامرها
لا الرزق تبغي ولا العطاء ولا ... يحشرها للقاء حاشرها
في كل درب وكل ناحية ... خطارة يستهل خاطرها
بمثل هام الرجال من فلق ... الصخر يزود المقلاع بائرها.
стр. 4798
كأنما فوق هامها فرق ... من القطا الكدر هاج نافرها
والقوم من تحتها لهم زجل ... وهي ترامي بها خواطرها
بل هل رأيت السيوف مصلتة ... أشهرها في الأسواق شاهرها
والخيل تستن في أزقتها ... بالترك مسنونة خناجرها
والنفط والنار في طرائقها ... وهابيا للدخان عامرها
والنهب تعدو به الرجال وقد ... أبدت خلاخيلها حرائرها
معصوصبات وسط الأزقة قد ... أبرزها للعيون ساترها
كل رقود الضحى مخبأة ... لم تبد في أهلها محاجرها
بيضة خدر مكنونة برزت ... للناس منشورة غدائرها
تعثر في ثوبها وتعجلها ... كبه خيل ريعت حوافرها
تسأل أين الطريق والهة ... والنار من خلفها تبادرها
لم تجتل الشمس حسن بهجتها ... حتى اجتلتها حرب تباشرها
يا هل رأيت الثكلى مولولة ... في الطرق تسعى والجهد باهرها!
في إثر نعش عليه واحدها ... في صدره طعنه يساورها
فرغاء ينقى الشنار مربدها ... يهزها بالسنان شاجرها
تنظر في وجهه وتهتف بالثكل ... وجارى الدموع حادرها
غرغر بالنفس ثم أسلمها ... مطلولة لا يخاف ثائرها
وقد رأيت الفتيان في عرصة ... المعرك معفوره مناخرها
كل فتى مانع حقيقته ... تشقى به في الوغى مساعرها
باتت عليه الكلاب تنهشه ... مخضوبة من دم أظافرها
أما رأيت الخيول جائلة ... بالقوم منكوبة دوائرها
стр. 4799
تعثر بالأوجه الحسان من ... القتلى وغلت دما أشاعرها
يطأن أكباد فتية نجد ... يفلق هاماتهم حوافرها
أما رأيت النساء تحت المجانيق ... تعادي شعثا ضفائرها
عقائل القوم والعجائز و ... العنس لم تحتبر معاصرها
يحملن قوتا من الطحين على ... الأكتاف معصوبه مهاجرها
وذات عيش ضنك ومقعسة ... تشدخها صخرة تعاورها
تسأل عن أهلها وقد سلبت ... وابتز عن راسها غفائرها
يا ليت شعرى والدهر ذو دول ... يرجى وأخرى تخشى بوادرها
هل ترجعن أرضنا كما غنيت ... وقد تناهت بنا مصايرها
من مبلغ ذا الرياستين رسا ... لات تأتى للنصح شاعرها
بأن خير الولاة قد علم ... الناس إذا عددت مآثرها
خليفة الله في بريته ... المأمون منتاشها وجابرها
سمت إليه آمال أمته ... منقادة برها وفاجرها
شاموا حيا العدل من مخايله ... وأصحرت بالتقى بصائرها
وأحمدوا منك سيرة جلت ... الشك وأخرى صحت معاذرها
واستجمعت طاعة برفقك ... للمأمون نجديها وغائرها
وأنت سمع في العالمين له ... ومقلة ما يكل ناظرها
فاشكر لذي العرش فضل نعمته ... اوجب فضل المزيد شاكرها
واحذر فداء لك الرعية و ... الأجناد مأمورها وآمرها
لا تردن غمرة بنفسك لا ... يصدر عنها بالرأي صادرها
عليك ضحضاحها فلا تلج الغمرة ... ملتجة زواخرها
والقصد أن الطريق ذو شعب ... أشأمها وعثها وجائرها
стр. 4800
أصبحت في أمة أوائلها ... قد فارقت هديها أواخرها
وأنت سرسورها وسائسها ... فهل على الحق أنت قاسرها!
أدب رجالا رأيت سيرتهم ... خالف حكم الكتاب سائرها
وامدد إلى الناس كف مرحمة ... تسد منهم بها مفاقرها
أمكنك العدل إذ هممت به ... ووافقت مده مقادرها
وأبصر الناس قصد وجههم ... وملكت أمة أخايرها
تشرع أعناقها إليك إذ ... السادات يوما جمت عشائرها
كم عندنا من نصيحة لك في الله ... وقربى عزت زوافرها
وحرمه قربت اواصرها ... منك، وأخرى هل أنت ذاكرها!
سعي رجال في العلم مطلبهم ... رائحها باكر وباكرها
دونك غراء كالوذيلة لا ... تفقد في بلدة سوائرها
لا طمعا قلتها ولا بطرا ... لكل نفس هوى يؤامرها
سيرها الله بالنصيحة و ... الخشيه فاستدمجت مرائرها
جاءتك تحكي لك الأمور كما ... ينشر بز التجار ناشرها
حملتها صاحبا أخا ثقة ... يظل عجبا بها يحاضرها
وفي هذه السنة استأمن الموكلون بقصر صالح من قبل محمد
ذكر خبر وقعه قصر صالح
وفيها كانت الوقعة التي كانت على أصحاب طاهر بقصر صالح.
ذكر الخبر عن هذه الوقعة:
ذكر عن محمد بْن الحسين بْن مصعب، أن طاهرا لم يزل مصابرا محمدا وجنده على ما وصفت من أمره، حتى مل أهل بغداد من قتاله، وأن علي
стр. 4801
فراهمرد الموكل بقصري صالح وسليمان بْن أبي جعفر من قبل محمد، كتب إلى طاهر يسأله الأمان، ويضمن له أن يدفع ما في يده من تلك الأموال ومن الناحية إلى الجسور وما فيها من المجانيق والعرادات إليه، وأنه قبل ذلك منه، وأجابه إلى ما سأل، ووجه إليه أبا العباس يوسف بْن يعقوب الباذغيسي صاحب شرطه فيمن ضم إليه من قواده وذوي البأس من فرسانه ليلا، فسلم إليه كل ما كان محمد وكله به من ذلك ليلة السبت للنصف من جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين ومائة واستأمن إليه محمد بْن عيسى صاحب شرطه محمد، وكان يقاتل مع الأفارقة وأهل السجون والأوباش، وكان محمد بْن عيسى غير مداهن في أمر محمد، وكان مهيبا في الحرب، فلما استأمن هذان إلى طاهر، أشفى محمد على الهلاك، ودخله من ذلك ما أقامه وأقعده حتى استسلم، وصار على باب أم جعفر يتوقع ما يكون، وأقبلت الغواة من العيارين وباعة الطرق والأجناد، فاقتتلوا داخل قصر صالح وخارجه إلى ارتفاع النهار قَالَ: فقتل في داخل القصر أبو العباس يوسف بْن يعقوب الباذغيسي ومن كان معه من القواد والرؤساء المعدودين، وقاتل فراهمرد وأصحابه خارجا من القصر حتى فل وانحاز إلى طاهر، ولم تكن وقعة قبلها ولا بعدها أشد على طاهر وأصحابه منها، ولا أكثر قتيلا وجريحا معقورا من أصحاب طاهر من تلك الوقعة، فأكثرت الشعراء فيها القول من الشعر، وذكر ما كان فيها من شدة الحرب وقال فيها الغوغاء والرعاع، وكان مما قيل في ذلك قول الخليع:
أمين الله ثق بالله ... تعط الصبر والنصره
كل الأمر إلى الله ... كلاك الله ذو القدره
لنا النصر بعون الله ... والكرة لا الفره
وللمراق أعدائك ... يوم السوء والدبره
وكأس تلفظ الموت ... كريه طعمها مره
стр. 4802
سقينا وسقيناهم ... ولكن بهم الحره
كذاك الحرب أحيانا ... علينا ولنا مره
فذكر عن بعض الأبناء أن طاهرا بث رسله، وكتب إلى القواد والهاشميين وغيرهم بعد أن حاز ضياعهم وغلاتهم يدعوهم إلى الأمان والدخول في خلع محمد والبيعة للمأمون، فلحق به جماعة، منهم عبد الله بْن حميد بْن قحطبة الطائي وإخوته، وولد الحسن بْن قحطبة ويحيى بْن علي بْن ماهان ومحمد بْن أبي العاص، وكاتبه قوم من القواد والهاشميين في السر، وصارت قلوبهم وأهواؤهم معه.
قَالَ: ولما كانت وقعة قصر صالح أقبل محمد على اللهو والشرب، ووكل الأمر إلى محمد بْن عيسى بْن نهيك وإلى الهرش، فوضعا مما يليهما من الدروب والأبواب وكلاءهما بأبواب المدينة والأرباض وسوق الكرخ وفرض دجلة وباب المحول والكناسة، فكان لصوصها وفساقها يسلبون من قدروا عليه من الرجال والنساء والضعفاء من اهل الملة والذمة، فكان منهم في ذلك ما لم يبلغنا أن مثله كان في شيء من سائر بلاد الحروب.
قَالَ: ولما طال ذلك بالناس، وضاقت بغداد بأهلها، خرج عنها من كانت به قوة بعد الغرم الفادح والمضايقة الموجعة والخطر العظيم، فأخذ طاهر أصحابه بخلاف ذلك، واشتد فيه، وغلظ على اهل الريب وامر محمد ابن أبي خالد بحفظ الضعفاء والنساء وتجويزهم وتسهيل أمرهم، فكان الرجل والمرأة إذا تخلص من أيدي أصحاب الهرش، وصار إلى أصحاب طاهر ذهب عنه الروع وأمن، وأظهرت المرأة ما معها من ذهب وفضة أو متاع أو بز، حتى قيل: إن مثل أصحاب طاهر ومثل أصحاب الهرش وذويه ومثل الناس إذا تخلصوا، مثل السور الذي قَالَ الله تعالى ذكره: «فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ» فلما طال على الناس ما بلوا به ساءت حالهم، وضاقوا به ذرعا، وفي ذلك يقول بعض فتيان بغداد:
стр. 4803
بكيت دما على بغداد لما ... فقدت غضارة العيش الأنيق
تبدلنا هموما من سرور ... ومن سعة تبدلنا بضيق
أصابتها من الحساد عين ... فافنت أهلها بالمنجيق
فقوم أحرقوا بالنار قسرا ... ونائحة تنوح على غريق
وصائحه تنادى وا صباحا ... وباكية لفقدان الشفيق
وحوراء المدامع ذات دل ... مضمخة المجاسد بالخلوق
تفر من الحريق إلى انتهاب ... ووالدها يفر إلى الحريق
وسالبة الغزالة مقلتيها ... مضاحكها كلالاة البروق
حيارى كالهدايا مفكرات ... عليهن القلائد في الحلوق
ينادين الشفيق ولا شفيق ... وقد فقد الشقيق من الشقيق
وقوم أخرجوا من ظل دنيا ... متاعهم يباع بكل سوق
ومغترب قريب الدار ملقى ... بلا رأس بقارعة الطريق
توسط من قتالهم جميعا ... فما يدرون من أي الفريق
فلا ولد يقيم على أبيه ... وقد هرب الصديق بلا صديق
ومهما أنس من شيء تولى ... فإني ذاكر دار الرقيق
وذكر أن قائدا من قواد أهل خراسان ممن كان مع طاهر من أهل النجدة والبأس، خرج يوما إلى القتال، فنظر إلى قوم عراة، لا سلاح معهم، فقال لأصحابه: ما يقاتلنا إلا من أرى، استهانة بأمرهم واحتقارا لهم، فقيل له: نعم هؤلاء الذين ترى هم الآفة، فقال: أف لكم حين تنكصون عن هؤلاء وتخيمون عنهم، وأنتم في السلاح الظاهر، والعده والقوه، ولكم ما لكم من
стр. 4804
الشجاعة والنجدة! وما عسى أن يبلغ كيد من أرى من هؤلاء ولا سلاح معهم ولا عدة لهم ولا جنة تقيهم! فأوتر قوسه وتقدم، وابصره بعضهم فقصد نحوه وفي يده بارية مقيرة، وتحت إبطه مخلاة فيها حجارة، فجعل الخراساني كلما رمى بسهم استتر منه العيار، فوقع في باريته أو قريبا منه، فيأخذه فيجعله في موضع من باريته، قد هيأه لذلك، وجعله شبيها بالجعبة وجعل كلما وقع سهم أخذه، وصاح: دانق، أي ثمن النشابة دانق قد أحرزه، ولم يزل تلك حالة الخراساني وحال العيار حتى أنفذ الخراساني سهامه، ثم حمل على العيار ليضربه بسيفه، فأخرج من مخلاته حجرا، فجعله في مقلاع ورماه فما أخطأ به عينه، ثم ثناه بآخر، فكاد يصرعه عن فرسه لولا تحاميه، وكر راجعا وهو يقول: ليس هؤلاء بإنس، قَالَ: فحدثت أن طاهرا حدث بحديثه فاستضحك وأعفى الخراساني من الخروج إلى الحرب، فقال بعض شعراء بغداد في ذلك:
خرجت هذه الحروب رجالا ... لا لقحطانها ولا لنزار
معشرا في جواشن الصوف يغدون ... إلى الحرب كالأسود الضواري
وعليهم مغافر الخوص تجزيهم ... عن البيض، والتراس البواري
ليس يدرون ما الفرار إذا الأبطال ... عاذوا من القنا بالفرار
واحد منهم يشد على الفين ... عريان ماله من إزار
ويقول الفتى إذا طعن الطعنة ... : خذها من الفتى العيار
كم شريف قد أخملته وكم قد ... رفعت من مقامر طرار
ذكر خبر منع طاهر الملاحين من ادخال شيء الى بغداد
قال محمد بن جرير: وفي هذه السنه منع طاهر الملاحين وغيرهم من ادخال شيء الى بغداد الا الى من كان من عسكره منهم، ووضع الرصيد عليهم بسبب ذلك.
стр. 4805
ذكر الخبر عما كان منه ومن أصحاب محمد المخلوع في ذلك
وعن السبب الذي من أجله فعل ذلك طاهر:
أما السبب في ذلك فإنه- فيما ذكر- كان أن طاهرا لما قتل من قتل في قصر صالح من أصحابه، ونالهم فيه من الجراح ما نالهم، مضه ذلك وشق عليه، لأنه لم يكن له وقعة إلا كانت له لا عليه، فلما شق عليه أمر بالهدم والإحراق عند ذلك، فهدم دور من خالفه ما بين دجلة ودار الرقيق وباب الشام وباب الكوفه، الى الصراة وارجاء أبي جعفر وربض حميد ونهر كرخايا والكناسة، وجعل يبايت أصحاب محمد ويدالجهم، ويحوي في كل يوم ناحية، ويخندق عليها المراصد من المقاتلة، وجعل أصحاب محمد ينقصون، ويزيدون، حتى لقد كان اصحاب طاهر يهدمون الدار وينصرفون، فيقلع أبوابها وسقوفها أصحاب محمد، ويكونون أضر على أصحابهم من أصحاب طاهر تعديا، فقال شاعر منهم- وذكر أنه عمرو بْن عبد الملك الوراق العتري- في ذلك:
لنا كل يوم ثلمة لا نسدها ... يزيدون فيما يطلبون وننقص
إذا هدموا دارا أخذنا سقوفها ... ونحن لأخرى غيرها نتربص
وإن حرصوا يوما على الشر جهدهم ... فغوغاؤنا منهم على الشر أحرص
فقد ضيقوا من أرضنا كل واسع ... وصار لهم اهل بها، وتعرصوا
يثيرون بالطبل القنيص فإن بدا ... لهم وجه صيد من قريب تقنصوا
لقد أفسدوا شرق البلاد وغربها ... علينا فما ندري إلى أين نشخص!
إذا حضروا قالوا بما يعرفونه ... وان يروا شيئا قبيحا تخرصوا
وما قتل الأبطال مثل مجرب ... رسول المنايا ليلة يتلصص
ترى البطل المشهور في كل بلدة ... إذا ما رأى العريان يوما يبصبص
стр. 4806
إذا ما رآه الشمري مقزلا ... على عقبيه للمخافة ينكص
يبيعك رأسا للصبي بدرهم ... فإن قَالَ إني مرخص فهو مرخص
فكم قاتل منا لآخر منهم ... بمقتله عنه الذنوب تمحص
تراه إذا نادى الأمان مبارزا ... ويغمزنا طورا وطورا يخصص
وقد رخصت قراؤنا في قتالهم ... وما قتل المقتول إلا المرخص
وقال أيضا في ذلك:
الناس في الهدم وفي الانتقال ... قد عرض الناس بقيل وقال
يايها السائل عن شأنهم ... عينك تكفيك مكان السؤال
قد كان للرحمن تكبيرهم ... فاليوم تكبيرهم للقتال
اطرح بعينيك إلى جمعهم ... وانتظر الروح وعد الليال
لم يبق في بغداد إلا امرؤ ... حالفه الفقر كثير العيال
لا أم تحمي عن حماها ولا ... خال له يحمي ولا غير خال
ليس له مال سوى مطرد ... مطرده في كفه رأس مال
هان على الله فأجرى على ... كفيه للشقوة قتل الرجال
إن صار ذا الأمر إلى واحد ... صار إلى القتل على كل حال
ما بالنا نقتل من أجلهم ... سبحانك اللهم يا ذا الحلال!
وقال أيضا:
ولست بتارك بغداد يوما ... ترحل من ترحل أو أقاما
إذا ما العيش ساعدنا فلسنا ... نبالي بعد من كان الإماما
قَالَ عمرو بْن عبد الملك العتري: لما رأى طاهر أنهم لا يحفلون بالقتل والهدم والحرق امر عند ذلك بمنع التجار ان يجوزوا بشيء من الدقيق وغيره من
стр. 4807
المنافع من ناحيته إلى مدينة أبي جعفر والشرقية والكرخ، وأمر بصرف سفن البصرة وواسط بطرنايا إلى الفرات، ومنه إلى المحول الكبير وإلى الصراة، ومنها إلى خندق باب الأنبار، بما كان زهير بْن المسيب يبذرقه إلى بغداد، وأخذ من كل سفينة فيها حمولة ما بين الألف درهم إلى الألفين والثلاثة، وأكثر وأقل، وفعل عمال طاهر وأصحابه ببغداد في جميع طرقها مثل ذلك وأشد، فغلت الأسعار، وصار الناس في أشد الحصار، فيئسوا او كثير منهم من الفرج والروح، واغتبط من كان خرج منها، وأسف على مقامه من أقام.
وفي هذه السنة استأمن ابن عائشة إلى طاهر، وكان قد قاتل مع محمد حينا بالياسريه
. ذكر خبر وقعه الكناسة
وفيها جعل طاهر قوادا من قواده بنواحي بغداد، فجعل العلاء بْن الوضاح الأزدي في اصحابه ومن ضم اليه بالوضاحيه على المحول الكبير، وجعل نعيم بْن الوضاح أخاه فيمن كان معه من الأتراك وغيرهم مما يلي ربض أبي أيوب على شاطئ الصراة، ثم غادى القتال وراوح أشهرا، وصبر الفريقان جميعا، فكانت لهم فيها وقعة بالكناسة، باشرها طاهر بنفسه، قتل فيها بشر كثير من أصحاب محمد، فقال عمرو بْن عبد الملك:
وقعة يوم الأحد ... صارت حديث الأبد
كم جسد أبصرته ... ملقى وكم من جسد
وناظر كانت له ... منيه بالرصد
أتاه سهم عائر ... فشك جوف الكبد
وصائح يا والدي ... وصائح يا ولدي!
стр. 4808
وكم غريق سابح ... كان متين الجلد!
لم يفتقده أحد ... غير بنات البلد
وكم فقيد بئس ... عز على المفتقد
كان من النظارة ... الأولى شديد الحرد
لو أنه عاين ما ... عاينه لم يعد
لم يبق من كهل لهم ... فات ولا من أمرد
وطاهر ملتهم ... مثل التهام الأسد
خيم لا يبرح في ... العرصة مثل اللبد
تقذف عيناه لدى ... الحرب بنار الوقد
فقائل قد قتلوا ... ألفا ولما يزد
وقائل أكثر بل ... ما لهم من عدد
وهارب نحوهم ... يرهب من خوف غد
هيهات لا تبصر ممن ... قد مضى من احد
لا يرجع الماضى الى ... الباقى طوال الأبد
قلت لمطعون وفيه ... روحه لم تبد
من أنت يا ويلك يا ... مسكين من محمد
فقال لا من نسب ... دان ولا من بلد
لم أره قط ولم ... أجد له من صفد
وقال لا للغي ... قاتلت ولا للرشد
إلا لشيء عاجل ... يصير منه في يدي
стр. 4809
وذكر عن عمرو بْن عبد الملك أن محمدا أمر زريحا غلامه بتتبع الأموال وطلبها عند أهل الودائع وغيرهم، وأمر الهرش بطاعته، فكان يهجم على الناس في منازلهم، ويبيتهم ليلا، ويأخذ بالظنة، فجبى بذلك السبب أموالا كثيرة، وأهلك خلقا، فهرب الناس بعلة الحج، وفر الأغنياء، فقال القراطيسي في ذلك:
أظهروا الحج وما ينوونه ... بل من الهرش يريدون الهرب
كم أناس أصبحوا في غبطة ... وكل الهرش عليهم بالعطب
كل من راد زريح بيته ... لقى الذل ووافاه الحرب
ذكر خبر وقعه درب الحجاره
وفيها كانت وقعة درب الحجارة.
ذكر الخبر عنها:
ذكر أن هذه الوقعة كانت بحضرة درب الحجارة، وكانت لأصحاب محمد على أصحاب طاهر، قتل فيها خلق كثير، فقال في ذلك عمرو بْن عبد الملك العتري:
وقعة السبت يوم درب الحجارة ... قطعت قطعة من النظاره
ذاك من بعد ما تفانوا ولكن ... أهلكتهم غوغاؤنا بالحجارة
قدم الشورجين للقتل عمدا ... قَالَ إني لكم أريد الإماره
فتلقاه كل لص مريب ... عمر السجن دهره بالشطاره
ما عليه شيء يواريه منه ... أيره قائم كمثل المنارة
فتولوا عنهم وكانوا قديما ... يحسنون الضراب في كل غاره
стр. 4810
هؤلا مثل هؤلاك لدينا ... ليس يرعون حق جار وجاره
كل من كان خاملا صار رأسا ... من نعيم في عيشه وغضاره
حامل في يمينه كل يوم ... مطردا فوق رأسه طياره
أخرجته من بيتها أم سوء ... طلب النهب أمه العياره
يشتم الناس ما يبالي ... بإفصاح لذي الشتم لا يشير إشاره
ليس هذا زمان حر كريم ... ذا زمان الأنذال أهل الزعاره
كان فيما مضى القتال قتالا ... فهو اليوم يا علي تجاره
وقال أيضا:
بارية قيرت ظاهرها ... محمد فيها ومنصور
العز والأمن أحاديثهم ... وقولهم قد أخذ السور
وأي نفع لك في سورهم ... وأنت مقتول وما سور؟
قد قتلت فرسانكم عنوة ... وهدمت من دوركم دور
هاتوا لكم من قائد واحد ... مهذب في وجهه نور
يأيها السائل عن شأننا ... محمد في القصر محصور.
ذكر خبر وقعه باب الشماسيه
وفيها أيضا كانت وقعة بباب الشماسية، أسر فيها هرثمة.
ذكر الخبر عن سبب ذلك وكيف كان وإلى ما آل الأمر فيه:
ذكر عن علي بْن يزيد أنه قَالَ: كان ينزل هرثمة نهر بين، وعليه حائط وخندق، وقد أعد المجانيق والعرادات، وأنزل عبيد الله بْن الوضاح الشماسية، وكان يخرج أحيانا، فيقف بباب خراسان مشفقا من اهل
стр. 4811
العسكر، كارها للحرب، فيدعو الناس إلى ما هو عليه فيشتمه، ويستخف به فيقف ساعة ثم ينصرف وكان حاتم بْن الصقر من قواد محمد، وكان قد واعد اصحابه الغزاة والعيارين ان يوافوا عبيد الله بْن الوضاح ليلا، فمضوا إلى عبيد الله مفاجأة وهو لا يعلم، فأوقعوا به وقعة أزالوه عن موضعه، وولى منهزما، فأصابوا له خيلا وسلاحا ومتاعا كثيرا، وغلب على الشماسيه حاتم ابن الصقر وبلغ الخبر هرثمة، فأقبل في أصحابه لنصرته، وليرد العسكر عنه إلى موضعه، فوافاه أصحاب محمد، ونشب الحرب بينهم، وأسر رجل من الغزاة هرثمة ولم يعرفه، فحمل بعض أصحاب هرثمة على الرجل، فقطع يده وخلصه، فمر منهزما، وبلغ خبره أهل عسكره، فتقوض بما فيه، وخرج أهله هاربين على وجوههم نحو حلوان، وحجز أصحاب محمد الليل عن الطلب، وما كانوا فيه من النهب والأسر فحدثت أن عسكر هرثمة لم يتراجع أهله يومين، وقويت الغزاة بما سار في أيديهم.
وقيل في تلك الوقعة أشعار كثيرة، فمن ذلك قول عمرو الوراق:
عريان ليس بذي قميص ... يغدو على طلب القميص
يعدو على ذي جوشن ... يعمي العيون من البصيص
في كفه طرادة ... حمراء تلمع كالفصوص
حرصا على طلب القتال ... أشد من حرص الحريص
سلس القياد كأنما ... يغدو على أكل الخبيص
ليثا مغيرا لم يزل ... رأسا يعد من اللصوص
أجرى وأثبت مقدما ... في الحرب من أسد رهيص
يدنو على سنن الهوان ... وعيصه من شر عيص
ينجو إذا كان النجاء ... على أخف من القلوص
ما للكمي إذا لمقتله ... تعرض من محيص
стр. 4812
كم من شجاع فارس ... قد باع بالثمن الرخيص
يدعو: ألا من يشتري ... رأس الكمي بكف شيص!
وقال بعض أصحاب هرثمة:
يفنى الزمان وما يفنى قتالهم ... والدور تهدم والأموال تنتقص
والناس لا يستطيعون الذي طلبوا ... لا يدفعون الردى عنهم وإن حرصوا
يأتوننا بحديث لا ضياء له ... في كل يوم لأولاد الزنا قصص
قَالَ: ولما بلغ طاهرا ما صنع الغزاة وحاتم بْن الصقر بعبيد الله بْن الوضاح وهرثمة اشتد ذلك عليه، وبلغ منه، وأمر بعقد جسر على دجلة فوق الشماسية، ووجه أصحابه وعبأهم، وخرج معهم إلى الجسر، فعبروا إليهم وقاتلوهم أشد القتال، وأمدهم بأصحابه ساعة بعد ساعة حتى ردوا أصحاب محمد، وأزالوهم عن الشماسية، ورد المهاجر عبيد الله بْن الوضاح وهرثمة.
قَالَ: وكان محمد أعطى بنقض قصوره ومجالسه الخيزرانيه بعد ظفر الغزاة ألفي ألف درهم، فحرقها أصحاب طاهر كلها، وكانت السقوف مذهبه، وقتلوا من الغزاة والمنتهبين بشرا كثيرا، وفي ذلك يقول عمرو الوراق:
ثقلان وطاهر بْن الحسين ... صبحونا صبيحة الاثنين
جمعوا جمعهم بليل ونادوا ... اطلبوا اليوم ثأركم بالحسين
ضربوا طبلهم فثار إليهم ... كل صلب القناة والساعدين
يا قتيلا بالقاع ملقى على الشط ... هواه بطييء الجبلين
ما الذي في يديك أنت إذا ما ... اصطلح الناس أنت بالخلتين
أوزير أم قائد، بل بعيد ... أنت من ذين موضع الفرقدين
كم بصير غدا بعينين كي ... يبصر ما حالهم فعاد بعين
ليس يخطون ما يريدون ما ... يعمد راميهم سوى الناظرين
стр. 4813
سائلي عنهم هم شر من ... أبصرت في الناس ليس غير كذين
شر باق وشر ماض من الناس ... مضى أو رأيت في الثقلين
قَالَ: وبلغ ذلك من فعل طاهر محمدا، فاشتد عليه وغمه واحزنه، فذكر كاتب لكوثر أن محمدا قَالَ- أو قيل على لسانه هذه الأبيات:
منيت بأشجع الثقلين قلبا ... إذا ما طال ليس كما يطول
له مع كل ذي بدن رقيب ... يشاهده ويعلم ما يقول
فليس بمغفل أمرا عنادا ... إذا ما الأمر ضيعه الغفول
وفي هذه السنة ضعف أمر محمد، وأيقن بالهلاك، وهرب عبد الله بْن خازم بْن خزيمة من بغداد إلى المدائن، فذكر عن الحسين بْن الضحاك أن عبد الله بْن خازم بْن خزيمة ظهرت له التهمة من محمد والتحامل عليه من السفلة والغوغاء، فهم على نفسه وماله، فلحق بالمدائن ليلا في السفن بعياله وولده، فأقام بها ولم يحضر شيئا من القتال.
وذكر غيره أن طاهرا كاتبه وحذره قبض ضياعه واستئصاله، فحذره ونجا من تلك الفتنة وسلم، فقال بعض قرائبه في ذلك:
وما جبن ابن خازم من رعاع ... وأوباش الطغام من الأنام
ولكن خاف صولة ضيغمي ... هصور الشد مشهور العرام
فذاع أمره في الناس، ومشى تجار الكرخ بعضهم إلى بعض، فقالوا:
ينبغي لنا أن نكشف أمرنا لطاهر ونظهر له براءتنا من المعونة عليه، فاجتمعوا وكتبوا كتابا أعلموه فيه أنهم أهل السمع والطاعة والحب له، لما يبلغهم من إيثاره طاعة الله والعمل بالحق، والأخذ على يد المريب، وأنهم غير مستحلي النظر إلى الحرب، فضلا عن القتال، وأن الذي يكون حزبه من جانبهم ليس منهم، قد ضاقت بهم طرق المسلمين، حتى ان الرجال الذين بلوا من حربه من جانبهم ليس منهم، ولا لهم بالكرخ دور ولا عقار، وإنما هم
стр. 4814
بين طرار وسواط ونطاف، وأهل السجون وإنما مأواهم الحمامات والمساجد، والتجار منهم إنما هم باعه الطريق يتجرون في محقرات البيوع، قد ضاقت بهم طرق المسلمين، حتى إن الرجل ليستقبل المرأة في زحمه الناس فيلتثان قبل التخلص، وحتى أن الشيخ ليسقط لوجهه ضعفا، وحتى أن الحامل الكيس في حجزته وكفه ليطر منه، وما لنا بهم يدان ولا طاقة، ولا نملك لأنفسنا معهم شيئا، وأن بعضنا يرفع الحجر عن الطريق لما جاء فيه من الحديث عن النبي ص، فكيف لو اقتدرنا على من في إقامته عن الطريق، وتخليده السجن، وتنفيته عن البلاد وحسم الشر والشغب ونفى الزعارة والطر والسرق، وصلاح الدين والدنيا، وحاش لله أن يحاربك منا أحد! فذكر أنهم كتبوا بهذا قصه، واتعد قوم على الانسلال إليه بها، فقال لهم أهل الرأي منهم والحزم: لا تظنوا أن طاهرا غبي عن هذا أو قصر عن إذكاء العيون فيكم وعليكم، حتى كأنه شاهدكم، والرأي ألا تشهروا أنفسكم بهذا، فإنا لا نأمن إن رآكم أحد من السفلة أن يكون به هلاككم وذهاب أموالكم، والخوف من تعرضكم لهؤلاء السفلة أعظم من طلبكم براءة الساحة عند طاهر خوفا، بل لو كنتم من أهل الآثام والذنوب لكنتم إلى صفحه وتغمده وعفوه أقرب، فتوكلوا على الله ﵎ وأمسكوا فأجابوهم وأمسكوا وقال ابن أبي طالب المكفوف:
دعوا أهل الطريق فعن قليل ... تنالهم مخاليب الهصور
فتهتك حجب أفئدة شداد ... وشيكا ما تصير إلى القبور
فإن الله مهلكهم جميعا ... بأسباب التمني والفجور
وذكر أن الهرش خرج ومعه الغوغاء والغزاة ولفيفهم حتى صار إلى جزيرة
стр. 4815
العباس، وخرجت عصابة من أصحاب طاهر، فاقتتلوا قتالا شديدا، وكانت ناحية لم يقاتل فيها، فصار ذلك على الوجه بعد ذلك اليوم موضعا للقتال، حتى كان الفتح منه، وكان أول يوم قاتلوا فيه استعلى أصحاب محمد على أصحاب طاهر حتى بلغوا بهم دار ابى يزيد الشروى وخاف أهل الأرباض في تلك النواحي مما يلي طريق باب الأنبار، فذكر أن طاهرا لما رأى ذلك وجه إليهم قائدا من أصحابه، وكان مشتغلا بوجوه كثيرة يقاتل منها اصحاب محمد، فاوقع بهم فيها وقعة صعبة، وغرق في الصراة بشر كثير، وقتل آخرون، فقال في هزيمة طاهر في أول يوم عمرو الوراق:
نادى منادي طاهر عندنا ... يا قوم كفوا واجلسوا في البيوت
فسوف يأتيكم غد فاحذروا ... ليثا هريت الشدق فيه عيوت
فثارت الغوغاء في وجهه ... بعد انتصاف الليل قبل القنوت
في يوم سبت تركوا جمعه ... في ظلمة الليل سمودا خفوت
وقال في الوقعة التي كانت على أصحاب محمد:
كم قتيل قد رأينا ... ما سألناه لايش
دارعا يلقاه عريان ... بجهل وبطيش
إن تلقاه برمح ... يتلقاه بفيش
حبشيا يقتل الناس ... على قطعة خيش
مرتدٍ بالشمس راض ... بالمنى من كل عيش
يحمل الحملة لا يقتل ... إلا رأس جيش
كعلي أفراهمرد ... أو علاء أو قريش
احذر الرمية يا ... طاهر من كف الحبيشي
стр. 4816
وقال أيضا عمرو الوراق في ذلك:
ذهبت بهجة بغداد ... وكانت ذات بهجه
فلها في كل يوم ... رجة من بعد رجه
ضجت الأرض إلى الله ... من المنكر ضجه
أيها المقتول ما أنت ... على دين المحجه
ليت شعري ما الذي نلت ... وقد أدلجت دلجه
أإلى الفردوس وجهت ... أم النار توجه
حجر أرداك أم ... أرديت قسرا بالأزجه
إن تكن قاتلت برا ... فعلينا ألف حجه
وذكر عن علي بْن يزيد أن بعض الخدم حدثه أن محمدا أمر ببيع ما بقي في الخزائن التي كانت أنهبت، فكتم ولاتها ما فيها لتسرق، فتضايق على محمد أمره، وفقد ما كان عنده، وطلب الناس الأرزاق، فقال يوما وقد ضجر مما يرد عليه: وددت أن الله قتل الفريقين جميعا، وأراح الناس منهم، فما منهم إلا عدو ممن معنا وممن علينا، أما هؤلاء فيريدون مالي، وأما أولئك فيريدون نفسي وذكرت أبياتا قيل إنه قالها:
تفرقوا ودعوني ... يا معشر الأعوان
فكلكم ذو وجوه ... كخلقة الإنسان
وما أرى غير إفك ... وترهات الأماني
ولست أملك شيئا ... فسائلوا خزاني
فالويل لي ما دهاني ... من ساكن البستان
стр. 4817
قَالَ: وضعف أمر محمد، وانتشر جنده وارتاع في عسكره، وأحس من طاهر بالعلو عليه وبالظفر به.
وحج بالناس في هذه السنة العباس بْن موسى بْن عيسى بتوجيه طاهر إياه على الموسم بأمر المأمون بذلك وكان على مكة في هذه السنة داود بْن عيسى.
стр. 4818
ثم دخلت
سنة ثمان وتسعين ومائة
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث)
ذكر خبر استيلاء طاهر على بغداد
فمن ذلك ما كان من خلاف خزيمة بْن خازم محمد بْن هارون ومفارقته إياه واستئمانه إلى طاهر بْن الحسين ودخول هرثمة الجانب الشرقي.
ذكر الخبر عن سبب فراقه إياه وكيف كان الأمر في مصيره والدخول في طاعة طاهر:
ذكر أن السبب في ذلك كان أن طاهرا كتب إلى خزيمة يذكر له أن الأمر إن يقطع بينه وبين محمد ولم يكن له اثر في نصرته، لم يقصر في أمره.
فلما وصل كتابه إليه شاور ثقات أصحابه وأهل بيته، فقالوا له: نرى والله أن هذا الرجل أخذ بقفا صاحبنا، فاحتل لنفسك ولنا، فكتب إلى طاهر بطاعته، وأخبره أنه لو كان هو النازل في الجانب الشرقي مكان هرثمة لكان يحمل نفسه له على كل هول، وأعلمه قلة ثقته بهرثمة، ويناشده ألا يحمله على مكروه من أمره إلا أن يضمن له القيام دونه، وإدخال هرثمة إليه ليقطع الجسور، ويتبع هو أمرا يؤثر رأيه ورضاه، وأنه إن لم يضمن له ذلك، فليس يسعه تعريضه للسفله والغوغاء والرعاع والتلف فكتب طاهر إلى هرثمة يلومه ويعجزه، ويقول: جمعت الأجناد، وأتلفت الأموال، وأقطعتها دون أمير المؤمنين ودوني، وفي مثل حاجتي إلى الكلف والنفقات، وقد وقفت على قوم هينة شوكتهم، يسير أمرهم، وقوف المحجم الهائب، إن في ذلك جرما، فاستعد للدخول، فقد أحكمت الأمر على دفع العسكر وقطع الجسور،
стр. 4819
وأرجو ألا يختلف عليك في ذلك اثنان إن شاء الله.
قَالَ: وكتب إليه هرثمة: أنا عارف ببركة رأيك، ويمن مشورتك، فمر بما أحببت، فلن أخالفك، قَالَ: فكتب طاهر بذلك إلى خزيمة.
وقد ذكر أن طاهرا لما كاتب خزيمة كتب أيضا إلى محمد بْن علي بْن عيسى بْن ماهان بمثل ذلك قيل: فلما كانت ليلة الأربعاء لثمان بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة وثب خزيمة بْن خازم ومحمد بْن علي بْن عيسى على جسر دجلة فقطعاه، وركزا أعلامهما عليه، وخلعا محمدا، ودعوا لعبد الله المأمون، وسكن أهل عسكر المهدي ولزموا منازلهم وأسواقهم في يومهم ذلك، ولم يدخل هرثمة حتى مضى إليه نفر يسير غيرهما من القواد، فحلفوا له أنه لا يرى منهم مكروها، فقبل ذلك منهم، فقال حسين الخليع في قطع خزيمة الجسر:
علينا جميعا من خزيمة منة ... بها أخمد الرحمن ثائرة الحرب
تولى أمور المسلمين بنفسه ... فذب وحامى عنهم أشرف الذب
ولولا أبو العباس ما انفك دهرنا ... يبيت على عتب ويغدو على عتب
خزيمة لم ينكر له مثل هذه ... إذا اضطربت شرق البلاد مع الغرب
أناخ بجسري دجلة القطع والقنا ... شوارع والأرواح في راحة العضب
وأم المنايا بالمنايا مخيلة ... تفجع عن خطب، وتضحك عن خطب
فكانت كنار ماكرتها سحابة ... فأطفأت اللهب الملفف باللهب
وما قتل نفس في نفوس كثيرة ... إذا صارت الدنيا إلى الأمن والخصب
بلاء أبي العباس غير مكفر ... إذا فزع الكرب المقيم إلى الكرب
فذكر عن يحيى بْن سلمة الكاتب أن طاهرا غدا يوم الخميس على المدينة الشرقية وأرباضها، والكرخ وأسواقها، وهدم قنطرتي الصراة العتيقة والحديثه
стр. 4820
واشتد عندهما القتال، واشتد طاهر على أصحابه، وباشر القتال بنفسه، وقاتل من كان معه بدار الرقيق فهزمهم حتى ألحقهم بالكرخ، وقاتل طاهر بباب الكرخ وقصر الوضاح، فهزمهم أصحاب محمد وردوا على وجوههم، ومر طاهر لا يلوي على أحد حتى دخل قسرا بالسيف وأمر مناديه فنادى بالأمان لمن لزم منزله، ووضع بقصر الوضاح وسوق الكرخ والأطراف قوادا وجندا في كل موضع على قدر حاجته منهم، وقصد إلى مدينة أبي جعفر، فأحاط بها وبقصر زبيدة وقصر الخلد من لدن باب الجسر إلى باب خراسان وباب الشام وباب الكوفة وباب البصرة وشاطئ الصراة إلى مصبها في دجلة بالخيول والعدة والسلاح، وثبت على قتال طاهر حاتم بْن الصقر والهرش والأفارقة، فنصب المجانيق خلف السور على المدينة وبإزاء قصر زبيدة وقصر الخلد ورمى، وخرج محمد بأمه وولده إلى مدينة أبي جعفر، وتفرق عنه عامة جنده وخصيانه وجواريه في السكك والطرق، لا يلوي منهم أحد على أحد، وتفرق الغوغاء والسفلة، وفي ذلك يقول عمرو الوراق:
يا طاهر الظهر الذي ... مثاله لم يوجد
يا سيد بن السيد ... بن السيد بن السيد
رجعت إلى أعمالها ... الأولى غزاة محمد
من بين نطاف وسواط ... وبين مقرد
ومجرد يأوي إلى ... عيارة ومجرد
ومقيد نقب السجون ... فعاد غير مقيد
ومسود بالنهب ساد ... وكان غير مسود
ذلوا لعزك واستكانوا ... بعد طول تمرد
وذكر عن علي بْن يزيد، أنه قَالَ: كنت يوما عند عمرو الوراق أنا وجماعة، فجاء رجل، فحدثنا بوقعة طاهر بباب الكرخ وانهزام الناس عنه،
стр. 4821
فقال عمرو: ناولني قدحا، وقال في ذلك:
خذها فللخمرة أسماء ... لها دواء ولها داء
يصلحها الماء إذا صفقت ... يوما وقد يفسدها الماء
وقائل كانت لهم وقعة ... في يومنا هذا وأشياء
قلت له: أنت امرؤ جاهل ... فيك عن الخيرات إبطاء
اشرب ودعنا من أحاديثهم ... يصطلح الناس إذا شاءوا
قَالَ: ودخل علينا آخر، فقال: قاتل فلان الغزاة، وأقدم فلان، وانتهب فلان قَالَ: فقال أيضا:
أي دهر نحن فيه ... مات فيه الكبراء
هذه السفلة والغوغاء ... فينا أمناء
ما لنا شيء من الأشياء ... إلا ما يشاء
ضجت الأرض وقد ضجت ... إلى الله السماء
رفع الدين وقد هانت ... على الله الدماء
يا أبا موسى لك الخيرات ... قد حان اللقاء
هاكها صرفا عقارا ... قد أتاك الندماء
وقال أيضا عمرو الوراق في ذلك:
إذا ما شئت أن تغضب ... جنديا وتستأمر
فقل: يا معشر الأجناد ... قد جاءكم طاهر
قَالَ وتحصن محمد بالمدينة هو ومن يقاتل معه، وحصره طاهر وأخذ عليه الأبواب، ومنع منه ومن أهل المدينة الدقيق والماء وغيرهما
стр. 4822
فذكر عن الحسين بْن أبي سعيد أن طارقا الخادم- وكان من خاصة محمد، وكان المأمون بعد مقدمه أخبره أن محمدا سأله يوما من الأيام وهو محصور، أو قَالَ في آخر يوم من أيامه، أن يطعمه شيئا- قَالَ: فدخلت المطبخ فلم أجد شيئا، فجئت الى جمره العطارة- وكانت جارية الجوهر- فقلت لها: إن أمير المؤمنين جائع، فهل عندك شيء، فإني لم أجد في المطبخ شيئا؟ فقالت لجارية لها يقال لها بنان: أي شيء عندك؟ فجاءت بدجاجة ورغيف، فأتيته بهما فأكل، وطلب ماء يشربه فلم يوجد في خزانة الشراب، فأمسى وقد كان عزم على لقاء هرثمة، فما شرب ماء حتى أتى عليه.
وذكر عن محمد بْن راشد أن إبراهيم بْن المهدي أخبره أنه كان نازلا مع محمد المخلوع في مدينة المنصور في قصره بباب الذهب، لما حصره طاهر.
قَالَ: فخرج ذات ليلة من القصر يريد أن يتفرج من الضيق الذي هو فيه، فصار إلى قصر القرار- في قرن الصراة، أسفل من قصر الخلد- في جوف الليل، ثم أرسل إلي فصرت إليه، فقال: يا إبراهيم، أما ترى طيب هذه الليلة، وحسن القمر في السماء، وضوءه في الماء! ونحن حينئذ في شاطئ دجلة، فهل لك في الشرب! فقلت: شأنك، جعلني الله فداك! فدعا برطل نبيذ فشربه، ثم أمر فسقيت مثله قَالَ: فابتدأت أغنيه من غير أن يسألني، لعلمي بسوء خلقه، فغنيت ما كنت أعلم أنه يحبه، فقال لي:
ما تقول فيمن يضرب عليك؟ فقلت: ما أحوجني إلى ذلك، فدعا بجارية متقدمة عنده يقال لها ضعف، فتطيرت من اسمها، ونحن في تلك الحال التي هو عليها، فلما صارت بين يديه، قَالَ: تغني، فغنت بشعر النابغة الجعدى:
كليب لعمري كان أكثر ناصرا ... وأيسر ذنبا منك ضرج بالدم
قَالَ: فاشتد ما غنت به عليه، وتطاير منه، وقال لها: غني غير هذا، فتغنت:
стр. 4823
أبكى فراقهم عيني وأرقها ... إن التفرق للأحباب بكاء
ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم ... حتى تفانوا وريب الدهر عداء
فقال لها: لعنك الله! أما تعرفين من الغناء شيئا غير هذا! قالت:
يا سيدي، ما تغنيت إلا بما ظننت أنك تحبه، وما أردت ما تكرهه، وما هو إلا شيء جاءني ثم أخذت في غناء آخر:
أما ورب السكون والحرك ... إن المنايا كثيرة الشرك
ما اختلف الليل والنهار ولا ... دارت نجوم السماء في الفلك
إلا لنقل النعيم من ملك ... عان بحب الدنيا إلى ملك
وملك ذي العرش دائم أبدا ... ليس بفان ولا بمشترك
فقال لها: قومي غضب الله عليك! قَالَ: فقامت وكان له قدح بلور حسن الصنعة، وكان محمد يسميه زب رباح، وكان موضوعا بين يديه، فقامت الجارية منصرفة فتعثرت بالقدح فكسرته- قَالَ إبراهيم: والعجب أنا لم نجلس مع هذه الجارية قط إلا رأينا ما نكره في مجلسنا ذلك- فقال لي:
ويحك يا إبراهيم! ما ترى ما جاءت به هذه الجارية، ثم ما كان من أمر القدح! والله ما أظن أمري إلا وقد قرب، فقلت: يطيل الله عمرك، ويعز ملكك، ويديم لك، ويكبت عدوك فما استتم الكلام حتى سمعنا صوتا من دجلة: «قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ» ، فقال: يا إبراهيم، ما سمعت ما سمعت! قلت: لا والله، ما سمعت شيئا- وقد كنت سمعت- قَالَ:
تسمع حسا! قَالَ: فدنوت من الشط فلم أر شيئا، ثم عاودنا الحديث، فعاد الصوت: «قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ» ، فوثب من مجلسه ذلك مغتما، ثم ركب فرجع إلى موضعه بالمدينة، فما كان بعد هذا إلا ليلة أو ليلتان حتى حدث ما حدث من قتله، وذلك يوم الأحد لست- أو لأربع- خلون من صفر، سنة ثمان وتسعين ومائة
стр. 4824
وذكر عن أبي الحسن المدائني، قَالَ: لما كان ليلة الجمعة لسبع بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة، دخل محمد بْن هارون مدينة السلام هاربا من القصر الذي كان يقال له الخلد، مما كان يصل إليه من حجارة المنجنيق، وأمر بمجالسه وبسطه أن تحرق فأحرقت، ثم صار إلى المدينة، وذلك لأربع عشرة شهرا، منذ ثارت الحرب مع طاهر الا اثنى عشر يوما
. ذكر الخبر عن قتل الامين
وفي هذه السنة قتل محمد بْن هارون.
ذكر الخبر عن مقتله:
ذكر عن محمد بْن عيسى الجلودي أنه قَالَ: لما صار محمد إلى المدينة، وقر فيها، وعلم قواده أنه ليس لهم ولا له فيها عدة للحصار، وخافوا أن يظفر بهم، دخل على محمد حاتم بْن الصقر ومحمد بْن إبراهيم بْن الأغلب الإفريقي وقواده، فقالوا: قد آلت حالك وحالنا إلى ما ترى، وقد رأينا رأيا نعرضه عليك، فانظر فيه واعتزم عليه، فإنا نرجو أن يكون صوابا، ويجعل الله فيه الخيرة إن شاء الله قَالَ: ما هو؟ قالوا: قد تفرق عنك الناس، وأحاط بك عدوك من كل جانب، وقد بقي من خيلك معك ألف فرس من خيارها وجيادها، فنرى أن نختار من قد عرفناه بمحبتك من الأبناء سبعمائة رجل، فنحملهم على هذه الخيل ونخرج ليلا على باب من هذه الأبواب فإن الليل لأهله، ولن يثبت لنا أحد إن شاء الله، فنخرج حتى نلحق بالجزيرة والشام فتفرض الفروض، وتجبي الخراج، وتصير في مملكة واسعة، وملك جديد، فيسارع إليك الناس، وينقطع عن طلبك الجنود، والى ذلك ما قد أحدث الله في مكر الليل والنهار أمورا فقال لهم: نعم ما رأيتم، واعتزم على ذلك.
وخرج الخبر إلى طاهر، فكتب إلى سليمان بْن أبي جعفر، وإلى محمد بْن
стр. 4825
عيسى بْن نهيك وإلى السندي بْن شاهك: والله لئن لم تقروه وتردوه عن هذا الرأي لا تركت لكم ضيعة إلا قبضتها، ولا تكون لي همة إلا أنفسكم.
فدخلوا على محمد، فقالوا: قد بلغنا الذي عزمت عليه، فنحن نذكرك الله في نفسك! إن هؤلاء صعاليك، وقد بلغ الأمر إلى ما ترى من الحصار، وضاق عليهم المذهب، وهم يرون ألا أمان لهم على أنفسهم وأموالهم عند أخيك وعند طاهر وهرثمة لما قد انتشر عنهم من مباشره الحرب والجد فيها، ولسنا نأمن إذا برزوا بك، وحصلت في أيديهم أن يأخذوك أسيرا، ويأخذوا رأسك فيتقربوا بك، ويجعلوك سبب أمانهم، وضربوا له فيه الأمثال.
قَالَ محمد بْن عيسى الجلودي: وكان أبي وأصحابه قعودا في رواق البيت الذي محمد وسليمان وأصحابه فيه قَالَ: فلما سمعوا كلامهم، ورأوا أنه قد قبله مخافة أن يكون الأمر على ما قالوا له، هموا أن يدخلوا عليهم فيقتلوا سليمان وأصحابه، ثم بدا لهم وقالوا: حرب من داخل، وحرب من خارج.
فكفوا وأمسكوا.
قَالَ محمد بن عيسى: فلما نكت ذلك في قلب محمد، ووقع في نفسه ما وقع منه، أضرب عما كان عزم عليه، ورجع إلى قبول ما كانوا بذلوا له من الأمان والخروج، فأجاب سليمان والسندي ومحمد بْن عيسى إلى ما سألوه من ذلك، فقالوا: إنما غايتك اليوم السلامة واللهو، وأخوك يتركك حيث أحببت، ويفردك في موضع، ويجعل لك كل ما يصلحك وكل ما تحب وتهوى، وليس عليك منه بأس ولا مكروه فركن إلى ذلك، وأجابهم إلى الخروج إلى هرثمة.
قَالَ محمد بْن عيسى: وكان أبي وأصحابه يكرهون الخروج إلى هرثمة، لأنهم كانوا من أصحابه، وقد عرفوا مذاهبه، وخافوا أن يجفوهم ولا يخصهم، ولا يجعل لهم مراتب، فدخلوا على محمد فقالوا له: إذ أبيت أن تقبل منا ما أشرنا عليك- وهو الصواب- وقبلت من هؤلاء المداهنين، فالخروج الى
стр. 4826
طاهر خير لك من الخروج إلى هرثمة قَالَ محمد بْن عيسى: فقال لهم: ويحكم! أنا أكره طاهرا، وذلك أني رأيت في منامي كأني قائم على حائط من آجر شاهق في السماء، عريض الأساس وثيق، لم أر حائطا يشبهه في الطول والعرض والوثاقة، وعلى سوادي ومنطقتي وسيفي وقلنسوتي وخفي، وكان طاهر في أصل ذلك الحائط، فما زال يضرب أصله حتى سقط الحائط وسقطت، وندرت قلنسوتي من رأسي، وأنا أتطير من طاهر، وأستوحش منه، وأكره الخروج إليه لذلك، وهرثمة مولانا وبمنزلة الوالد، وأنا به أشد أنسا وأشد ثقة وذكر عن محمد بْن إسماعيل، عن حفص بْن أرميائيل، أن محمدا لما أراد أن يعبر من الدار بالقرار إلى منزل كان في بستان موسى- وكان له جسر في ذلك الموضع- أمر أن يفرش في ذلك المجلس ويطيب قَالَ: فمكثت ليلتي أنا وأعواني نتخذ الروائح والطيب ونكثب التفاح والرمان والأترج، ونضعه في البيوت، فسهرت ليلتي أنا وأعواني، ولما صليت الصبح دفعت إلى عجوز قطعة بخور من عنبر، فيها مائة مثقال كالبطيخة، وقلت لها: إني سهرت ونعست نعاسا شديدا، ولا بد لي من نومة، فإذا نظرت إلى أمير المؤمنين قد أقبل على الجسر، فضعي هذا العنبر على الكانون وأعطيتها كانونا من فضة صغيرا عليه جمر، وأمرتها أن تنفخ حتى تحرقها كلها، ودخلت حراقة فنمت، فما شعرت إلا وبالعجوز قد جاءت فزعة حتى أيقظتني، فقالت لي:
قم يا حفص، فقد وقعت في بلاء، قلت: وما هو؟ قالت: نظرت إلى رجل مقبل على الجسر منفرد، شبيه الجسم بجسم أمير المؤمنين، وبين يديه جماعة وخلفه جماعة، فلم أشك أنه هو، فأحرقت العنبرة، فلما جاء، فإذا هو عبد الله بْن موسى، وهذا أمير المؤمنين قد أقبل قَالَ: فشتمتها وعنفتها قَالَ: وأعطيتها أخرى مثل تلك لتحرقها بين يديه، ففعلت، وكان هذا من أوائل الأدبار.
وذكر علي بْن يزيد، قَالَ: لما طال الحصار على محمد، فارقه سليمان بْن أبي جعفر وإبراهيم بْن المهدي ومحمد بْن عيسى بْن نهيك، ولحقوا جميعا
стр. 4827
بعسكر المهدي، ومكث محمد محصورا في المدينة يوم الخميس ويوم الجمعة والسبت وناظر محمد أصحابه ومن بقي معه في طلب الأمان، وسألهم عن الجهة في النجاة من طاهر، فقال له السندي: والله يا سيدي، لئن ظفر بنا المأمون لعلى رغم منا وتعس جدودنا، وما أرى فرجا إلا هرثمة قَالَ له:
وكيف بهرثمة وقد أحاط الموت بي من كل جانب! وأشار عليه آخرون بالخروج إلى طاهر وقالوا: لو حلفت له بما يتوثق به منك أنك مفوض إليه ملكك، فلعله كان سيركن إليك فقال لهم: أخطأتم وجه الرأي، وأخطأت في مشاورتكم، هل كان عبد الله أخي لو جهد نفسه وولى الأمور برأيه بالغا عشر ما بلغه له طاهر! وقد محصته وبحثت عن رأيه، فما رأيته يميل إلى غدر به، ولا طمع فيما سواه، ولو أجاب إلى طاعتي، وانصرف إلي ثم ناصبني أهل الأرض ما اهتممت بأمر، ولوددت أنه أجاب إلى ذلك، فمنحته خزائني وفوضت إليه أمري، ورضيت أن أعيش في كنفه، ولكني لا أطمع في ذلك منه فقال له السندي: صدقت يا أمير المؤمنين، فبادر بنا إلى هرثمة، فإنه يرى ألا سبيل عليك إذا خرجت إليه من الملك، وقد ضمن إلي أنه مقاتل دونك إن هم عبد الله بقتلك، فاخرج ليلا في ساعة قد نوم الناس فيها، فإني أرجو أن يغبى على الناس أمرنا.
وقال أبو الحسن المدائني: لما هم محمد بالخروج إلى هرثمة، وأجابه إلى ما أراد، اشتد ذلك على طاهر، وأبى أن يرفه عنه ويدعه يخرج، وقال: هو في حيزي والجانب الذي أنا فيه، وأنا أخرجته بالحصار والحرب، حتى صار إلى طلب الأمان، ولا أرضى أن يخرج إلى هرثمة دوني، فيكون الفتح له.
ولما رأى هرثمة والقواد ذلك، اجتمعوا في منزل خزيمة بْن خازم، فصار إليهم طاهر وخاصة قواده، وحضرهم سليمان بْن المنصور ومحمد بْن عيسى بْن نهيك والسندي بْن شاهك، وأداروا الرأي بينهم، ودبروا الأمر، وأخبروا طاهرا أنه لا يخرج إليه أبدا، وأنه إن لم يجب إلى ما سأل لم يؤمن أن يكون الأمر في أمره مثله في أيام الحسين بْن علي بْن عيسى بْن ماهان، فقالوا له:
стр. 4828
يخرج ببدنه إلى هرثمة- إذ كان يأمن به ويثق بناحيته، وكان مستوحشا منك، ويدفع إليك الخاتم والقضيب والبردة- وذلك الخلافة- ولا تفسد هذا الأمر واغتنمه إذ يسره الله فأجاب إلى ذلك ورضي به ثم قيل: إن الهرش لما علم بالخبر، أراد التقرب إلى طاهر، فخبره أن الذي جرى بينهم وبينه مكر، وأن الخاتم والبردة والقضيب تحمل مع محمد إلى هرثمة فقبل طاهر ذلك منه، وظن أنه كما كتب به إليه، فاغتاظ وكمن حول قصر أم جعفر وقصور الخلد كمناء بالسلاح ومعهم العتل والفؤوس، وذلك ليلة الأحد لخمس بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة، وفي الشهر السرياني خمسة وعشرون من أيلول.
فذكر الحسن بْن أبي سعيد، قَالَ: أخبرني طارق الخادم، قَالَ: لما هم محمد بالخروج إلى هرثمة عطش قبل خروجه، فطلبت له في خزانة شرابه ماء فلم أجده قَالَ: وأمسى فبادر يريد هرثمة للوعد الذي كان بينه وبينه، ولبس ثياب الخلافة، دراعة وطيلسانا والقلنسوة الطويلة، وبين يديه شمعة.
فلما انتهينا إلى دار الحرس من باب البصرة، قَالَ: اسقني من جباب الحرس، فناولته كوزا من ماء، فعافه لزهوكته فلم يشرب منه، وصار إلى هرثمة.
فوثب به طاهر، وأكمن له نفسه في الخلد، فلما صار إلى الحراقة، خرج طاهر وأصحابه فرموا الحراقة بالسهام والحجارة، فمالوا ناحية الماء، وانكفأت الحراقة، فغرق محمد وهرثمة ومن كان فيها، فسبح محمد حتى عبر وصار إلى بستان موسى، وظن أن غرقه إنما كان حيلة من هرثمة، فعبر دجلة حتى صار إلى قرب الصراة، وكان على المسلحة إبراهيم بن جعفر البلخى ومحمد بن حميد هو ابن أخي شكلة أم إبراهيم بْن المهدي- وكان طاهر ولاه وكان إذا ولى رجلا من أصحابه خراسانيا ضم إليه قوما- فعرفه محمد بْن حميد وهو المعروف بالطاهري، وكان طاهر يقدمه في الولايات، فصاح بأصحابه فنزلوا، فأخذوه، فبادر محمدا لما، فأخذ بساقيه فجذبه، وحمل على
стр. 4829
برذون، وألقي عليه إزار من أزر الجند غير مفتول، وصار به إلى منزل إبراهيم بْن جعفر البلخي، وكان ينزل بباب الكوفة، وأردف رجلا خلفه يمسكه لئلا يسقط، كما يفعل بالأسير.
فذكر عن الحسن بْن أبي سعيد، أن خطاب بْن زياد حدثه أن محمدا وهرثمة لما غرقا، بادر طاهر إلى بستان مؤنسة، بإزاء باب الأنبار، موضع معسكره لئلا يتهم بغرق هرثمة قَالَ: فلما انتهى طاهر- ونحن معه في الموكب والحسن ابن علي المأموني والحسن الكبير الخادم للرشيد- إلى باب الشام، لحقنا محمد بْن حميد، فترجل ودنا من طاهر، فأخبره أنه قد أسر محمدا، ووجه به إلى باب الكوفة إلى منزل إبراهيم البلخي قَالَ: فالتفت إلينا طاهر، فأخبرنا الخبر، وقال: ما تقولون؟ فقال له المأموني: مكن، أي لا تفعل فعل حسين ابن علي قَالَ: فدعا طاهر بمولى له يقال له قريش الدنداني، فأمره بقتل محمد قَالَ: وأتبعه طاهر يريد باب الكوفة إلى الموضع.
وأما المدائني فإنه ذكر عن محمد بْن عيسى الجلودي، قَالَ: لما تهيأ للخروج- وكان بعد عشاء الآخرة من ليلة الأحد- خرج إلى صحن القصر، فقعد على كرسي، وعليه ثياب بيض وطيلسان أسود، فدخلنا عليه، فقمنا بين يديه بالأعمدة قَالَ: فجاء كتلة الخادم، فقال: يا سيدي، أبو حاتم يقرئك السلام، ويقول: يا سيدي وافيت للميعاد لحملك، ولكني أرى ألا تخرج الليلة، فإني رأيت في دجلة على الشط أمرا قد رابني، وأخاف أن أغلب فتؤخذ من يدي أو تذهب نفسك، ولكن أقم بمكانك حتى أرجع ثم استعد ثم آتيك القابلة فأخرجك، فإن حوربت حاربت دونك ومعي عدتي قَالَ: فقال له محمد: ارجع إليه، فقل له: لا تبرح، فإني خارج إليك الساعة لا محالة، ولست أقيم إلى غد قَالَ: وقلق وقال: قد تفرق عني الناس ومن على بابي من الموالي والحرس، ولا آمن إن أصبحت وانتهى الخبر بتفريقهم إلى طاهر أن يدخل علي فيأخذني ودعا بفرس له أدهم محذوف أغر محجل، كان يسميه الزهري، ثم دعا بابنيه فضمهما إليه، وشمهما وقبلهما،
стр. 4830
وقال: أستودعكما الله، ودمعت عيناه، وجعل يمسح دموعه بكمه، ثم قام فوثب على الفرس، وخرجنا بين يديه إلى باب القصر، حتى ركبنا دوابنا، وبين يديه شمعة واحدة فلما صرنا الى الطاقات مما يلى باب خراسان، قَالَ لي أبي: يا محمد، ابسط يدك عليه، فإني أخاف أن يضربه إنسان بالسيف، فإن ضرب كان الضرب بك دونه قَالَ: فألقيت عنان فرسي بين معرفته، وبسطت يدي عليه حتى انتهينا إلى باب خراسان، فأمرنا به ففتح، ثم خرجنا إلى المشرعة، فإذا حراقة هرثمة، فرقي إليها، فجعل الفرس يتلكأ وينفر، وضربه بالسوط وحمله عليها، حتى ركبها في دجلة، فنزل في الحراقة، وأخذنا الفرس، ورجعنا إلى المدينة، فدخلناها وأمرنا بالباب فأغلق، وسمعنا الواعية، فصعدنا على القبة التي على الباب، فوقفنا فيها نسمع الصوت.
فذكر عن أحمد بْن سلام صاحب المظالم أنه قَالَ: كنت فيمن ركب مع هرثمة من القواد في الحراقة، فلما نزلها محمد قمنا على أرجلنا إعظاما، وجثى هرثمة على ركبتيه، وقال له: يا سيدي، ما أقدر على القيام لمكان النقرس الذي بي، ثم احتضنه وصيره في حجره، ثم جعل يقبل يديه ورجليه وعينيه، ويقول: يا سيدي ومولاي وابن سيدي ومولاي قَالَ: وجعل يتصفح وجوهنا، قَالَ: ونظر إلى عبيد الله بْن الوضاح، فقال له: أيهم أنت؟ قَالَ:
أنا عبيد الله بْن الوضاح، قَالَ: نعم، فجزاك الله خيرا، فما أشكرني لما كان منك من أمر الثلج! ولو قد لقيت أخي أبقاه الله لم أدع أن أشكرك عنده، وسألته مكافأتك عني قَالَ: فبينا نحن كذلك- وقد أمر هرثمة بالحراقة أن تدفع- إذ شد علينا أصحاب طاهر في الزواريق والشذوات وعطعطوا وتعلقوا بالسكان، فبعض يقطع السكان، وبعض ينقب الحراقة، وبعض يرمي بالآجر والنشاب قَالَ: فنقبت الحراقة، فدخلها الماء فغرقت، وسقط هرثمة إلى الماء، فأخرجه ملاح، وخرج كل واحد منا على حيله، ورايت
стр. 4831
محمدا حين صار إلى تلك الحال قد شق عليه ثيابه، ورمى بنفسه إلى الماء.
قَالَ: فخرجت إلى الشط، فعلقني رجل من أصحاب طاهر، فمضى بي إلى رجل قاعد على كرسي من حديد على شط دجلة في ظهر قصر أم جعفر، بين يديه نار توقد، فقال بالفارسية: هذا رجل خرج من الماء ممن غرق من أهل الحراقة، فقال لي: من أنت؟ قلت: من أصحاب هرثمة، انا احمد ابن سلام صاحب شرطة مولى أمير المؤمنين، قَالَ: كذبت فاصدقني، قَالَ: قلت قد صدقتك، قَالَ: فما فعل المخلوع؟ قلت: قد رأيته حين شق عليه ثيابه، وقذف بنفسه في الماء قَالَ: قدموا دابتي، فقدموا دابته، فركب وأمر بي أن أجنب قَالَ: فجعل في عنقي حبل وجنبت، وأخذ في درب الرشدية، فلما انتهى إلى مسجد أسد بْن المرزبان، انبهرت من العدو فلم أقدر أن أعدو، فقال الذي يجنبني: قد قام هذا الرجل، وليس يعدو، قال: انزل، فحذ رأسه، فقلت له: جعلت فداك! لم تقتلني وأنا رجل علي من الله نعمة، ولم أقدر على العدو، وأنا أفدي نفسي بعشرة آلاف درهم قَالَ: فلما سمع ذكر العشرة آلاف درهم، قلت: تحبسني عندك حتى تصبح وتدفع إلي رسولا حتى أرسله إلى وكيلي في منزلي في عسكر المهدي، فإن لم يأتك بالعشرة آلاف فاضرب عنقي قَالَ: قد أنصفت، فأمر بحملي، فحملت ردفا لبعض أصحابه، فمضى بي إلى دار صاحبه، دار أبي صالح الكاتب، فأدخلني الدار، وأمر غلمانه أن يحتفظوا بي، وتقدم إليهم، وأوعز وتفهم مني خبر محمد ووقوعه في الماء، ومضى إلى طاهر ليخبره خبره، فإذا هو إبراهيم البلخي قَالَ: فصيرني غلمانه في بيت من بيوت الدار فيه بوار ووسادتان أو ثلاث- وفي رواية حصر مدرجة- قَالَ: فقعدت في البيت، وصيروا فيه سراجا، وتوثقوا من باب الدار، وقعدوا يتحدثون قَالَ: فلما ذهب من الليل ساعة، إذا نحن بحركة الخيل فدقوا الباب، ففتح لهم، فدخلوا وهم يقولون: يسر زبيدة قَالَ: فأدخل علي رجل عريان عليه سراويل وعمامة متلثم بها، وعلى كتفيه خرقة خلقة، فصيروه معي، وتقدموا إلى من في الدار في حفظه، وخلفوا معهم قوما آخرين أيضا منهم
стр. 4832
قَالَ: فلما استقر في البيت حسر العمامة عن وجهه، فإذا هو محمد، فاستعبرت واسترجعت فيما بيني وبين نفسي قَالَ: وجعل ينظر إلي، ثم قَالَ:
أيهم أنت؟ قَالَ: قلت: أنا مولاك يا سيدي، قَالَ: وأي الموالي؟ قلت:
أحمد بْن سلام صاحب المظالم، فقال: وأعرفك بغير هذا، كنت تأتيني بالرقة؟
قَالَ: قلت: نعم، قَالَ: كنت تأتيني وتلطفني كثيرا، لست مولاي بل أنت أخي ومني ثم قَالَ: يا أحمد، قلت: لبيك يا سيدي، قال: ادن منى وضمني إليك، فانى أجد وحشة شديدة قَالَ: فضممته إلي، فإذا قلبه يخفق خفقا شديدا كاد أن يفرج عن صدره فيخرج قَالَ: فلم أزل أضمه إلي وأسكنه قَالَ: ثم قَالَ: يا أحمد، ما فعل أخي؟ قَالَ: قلت: هو حي، قَالَ: قبح الله صاحب بريدهم ما أكذبه! كان يقول: قد مات، شبه المعتذر من محاربته، قال: قلت: بل قبح الله وزراءك! قَالَ: لا تقل لوزرائي إلا خيرا، فما لهم ذنب، ولست بأول من طلب أمرا فلم يقدر عليه قَالَ: ثم قَالَ: يا أحمد، ما تراهم يصنعون بي؟ أتراهم يقتلوني أو يفون لي بأيمانهم؟ قَالَ:
قلت: بل يفون لك يا سيدي قَالَ: وجعل يضم على نفسه الخرقة التي على كتفيه، ويضمها ويمسكها بعضده يمنة ويسرة قَالَ: فنزعت مبطنة كانت علي ثم قلت: يا سيدي، ألق هذه عليك قَالَ: ويحك! دعني، هذا من الله ، لي في هذا الموضع خير.
قَالَ: فبينا نحن كذلك، إذ دق باب الدار، ففتح، فدخل علينا رجل عليه سلاحه، فتطلع في وجهه مستثبتا له، فلما أثبته معرفة، انصرف وغلق الباب، وإذا هو محمد بْن حميد الطاهري، قَالَ: فعلمت أن الرجل مقتول.
قَالَ: وكان بقي علي من صلاتي الوتر، فخفت أن أقتل معه ولم أوتر، قَالَ:
فقمت أوتر، فقال لي: يا أحمد، لا تتباعد مني، وصل إلى جانبي، أجد وحشة شديدة قَالَ: فاقتربت منه، فلما انتصف الليل أو قارب، سمعت حركة الخيل، ودق الباب، ففتح، فدخل الدار قوم من العجم بأيديهم السيوف مسللة، فلما رآهم قام قائما، وقال: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! ذهبت والله
стр. 4833
نفسي في سبيل الله! أما من حيلة! أما من مغيث! أما من أحد من الأبناء! قَالَ: وجاءوا حتى قاموا على باب البيت الذي نحن فيه، فأحجموا عن الدخول، وجعل بعضهم يقول لبعض: تقدم، ويدفع بعضهم بعضا قَالَ: فقمت فصرت خلف الحصر المدرجة في زاوية البيت، وقام محمد، فأخذ بيده وسادة، وجعل يقول: ويحكم! إني ابن عم رسول الله ص، أنا ابن هارون، وأنا أخو المأمون، الله الله في دمي! قَالَ: فدخل عليه رجل منهم يقال له خمارويه- غلام لقريش الدنداني مولى طاهر- فضربه بالسيف ضربة وقعت على مقدم رأسه، وضرب محمد وجهه بالوسادة التي كانت في يده، واتكأ عليه ليأخذ السيف من يده فصاح خمارويه: قتلني قتلني- بالفارسية قَالَ: فدخل منهم جماعة، فنخسه واحد منهم بالسيف في خاصرته، وركبوه فذبحوه ذبحا من قفاه، وأخذوا رأسه، فمضوا به إلى طاهر، وتركوا جثته.
قَالَ: ولما كان في وقت السحر جاءوا إلى جثته فأدرجوها في جل، وحملوها.
قَالَ: فأصبحت فقيل لي: هات العشرة آلاف درهم وإلا ضربنا عنقك.
قَالَ: فبعثت إلى وكيلي فأتاني، فأمرته فأتاني بها، فدفعتها إليه قَالَ: وكان دخول محمد المدينة يوم الخميس، وخرج إلى دجلة يوم الأحد وذكر عن أحمد بْن سلام في هذه القصة أنه قَالَ: قلت لمحمد لما دخل علي البيت وسكن: لا جزى الله وزراءك خيرا، فإنهم أوردوك هذا المورد! فقال لي: يا أخي، ليس بموضع عتاب ثم قَالَ: أخبرني عن المأمون أخي، أحي هو؟ قلت: نعم، هذا القتال عمن إذا! هو إلا عنه! قَالَ: فقال لي:
أخبرني يحيى أخو عامر بْن إسماعيل بْن عامر- وكان يلي الخبر في عسكر هرثمة- أن المأمون مات، فقلت له: كذب قَالَ: ثم قلت له: هذا الإزار الذي عليك إزار غليظ فالبس إزاري وقميصي هذا فإنه لين، فقال لي: من كانت حاله مثل حالي فهذا له كثير قَالَ: فلقنته ذكر الله والاستغفار، فجعل يستغفر قَالَ: وبينا نحن كذلك، إذ هدة تكاد الأرض ترجف منها، وإذا أصحاب طاهر قد دخلوا الدار وأرادوا البيت، وكان في الباب ضيق، فدافعهم محمد بمجنة كانت معه في البيت، فما وصلوا إليه حتى عرقبوه، ثم
стр. 4834
هجموا عليه، فحزوا رأسه واستقبلوا به طاهرا، وحملوا جثته إلى بستان مؤنسة إلى معسكره، إذ أقبل عبد السلام بْن العلاء صاحب حرس هرثمة فأذن له- وكان عبر إليه على الجسر الذي كان بالشماسية- فقال له: أخوك يقرئك السلام، فما خبرك؟ قَالَ: يا غلام، هات الطس، فجاءوا به وفيه رأس محمد، فقال: هذا خبري فأعلمه فلما أصبح نصب رأس محمد على باب الأنبار، وخرج من أهل بغداد للنظر إليه ما لا يحصى عددهم، وأقبل طاهر يقول: رأس المخلوع محمد.
وذكر محمد بْن عيسى أنه رأى المخلوع على ثوبه قملة، فقال: ما هذا؟
فقالوا: شيء يكون في ثياب الناس، فقال: أعوذ بالله من زوال النعمة! فقتل من يومه.
وذكر عن الحسن بْن أبي سعيد أن الجندين: جند طاهر وجند أهل بغداد، ندموا على قتل محمد، لما كانوا يأخذون من الأموال.
وذكر عنه أنه ذكر أن الخزانة التي كان فيها رأس محمد ورأس عيسى ابن ماهان ورأس أبي السرايا كانت إليه قَالَ: فنظرت في رأس محمد، فإذا فيه ضربة في وجهه، وشعر رأسه ولحيته صحيح لم يتحات منه شيء، ولونه على حاله قَالَ: وبعث طاهر برأس محمد إلى المأمون مع البردة والقضيب والمصلى- وهو من سعف مبطن- مع محمد بْن الحسن بْن مصعب ابن عمه، فامر له بألف الف درهم، فرايت ذا الرياستين، وقد أدخل رأس محمد على ترس بيده إلى المأمون، فلما رآه سجد.
قَالَ الحسن: فأخبرني ابن أبي حمزة، قَالَ: حدثني علي بْن حمزة العلوي، قَالَ: قدم جماعة من آل أبي طالب على طاهر وهو بالبستان حين قتل محمد بن زبيدة ونحن بالحضرة، فوصلهم ووصلنا، وكتب إلى المأمون بالإذن لنا أو لبعضنا، فخرجنا إلى مرو، وانصرفنا إلى المدينة، فهنئونا بالنعمة، ولقينا من بها من أهلها وسائر أهل المدينة، فوصفنا لهم قتل محمد، وأن طاهر بْن الحسين دعا مولى يقال له قريش الدنداني، وأمره بقتله قَالَ: فقال لنا شيخ منهم:
стр. 4835
كيف قلت! فأخبرته، فقال الشيخ: سبحان الله! كنا نروي هذا أن قريشا يقتله، فذهبنا إلى القبيلة، فوافق الاسم الاسم! وذكر عن محمد بْن أبي الوزير أن علي بْن محمد بْن خالد بْن برمك أخبره أن إبراهيم بْن المهدي لما بلغه قتل محمد، استرجع وبكى طويلا، ثم قَالَ:
عوجا بمغنى طلل داثر بالخلد ذات الصخر والآجر والمرمر المسنون يطلى به والباب باب الذهب الناضر عوجا بها فاستيقنا عندها على يقين قدرة القادر وأبلغا عني مقالا إلى المولى على المأمور والأمر قولا له: يا بن ولي الهدى طهر بلاد الله من طاهر لم يكفه أن حز أوداجه ذبح الهدايا بمدى الجازر حتى أتى يسحب أوصاله في شطن يفنى مدى السائر قد برد الموت على جنبه وطرفه منكسر الناظر قَالَ: وبلغ ذلك المأمون فاشتد عليه.
وذكر عن المدائني أن طاهرا كتب إلى المأمون بالفتح:
أما بعد، فالحمد لله المتعالي ذي العزة والجلال، والملك والسلطان، الذي إذا أراد أمرا فإنما يقول له كن فيكون، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم.
كان فيما قدر الله فأحكم، ودبر فأبرم، انتكاث المخلوع ببيعته، وانتقاضه بعهده، وارتكاسه في فتنته، وقضاؤه عليه القتل بما كسبت يداه وما الله بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ* وقد كتبت إلى أمير المؤمنين- أطال الله بقاءه- في
следующие страницы →