Полный текст (6 431 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.
стр. 4936
الله بذلك عيشهم ويرزقك به بركة وزيادة واجر للإضراء من بيت المال، وقدم حملة القرآن منهم والحافظين لأكثره في الجراية على غيرهم، وانصب لمرضى المسلمين دورا تؤويهم، وقواما يرفقون بهم، وأطباء يعالجون أسقامهم، وأسعفهم بشهواتهم ما لم يؤد ذلك إلى سرف في بيت المال واعلم أن الناس إذا أعطوا حقوقهم وأفضل أمانيهم لم يرضهم ذلك، ولم تطب أنفسهم دون رفع حوائجهم إلى ولاتهم طمعا في نيل الزيادة، وفضل الرفق منهم، وربما برم المتصفح لأمور الناس لكثرة ما يرد عليه، ويشغل فكره وذهنه منها ما يناله به مؤنة ومشقة، وليس من يرغب في العدل، ويعرف محاسن أموره في العاجل وفضل ثواب الآجل، كالذي يستقبل ما يقربه إلى الله، ويلتمس رحمته به وأكثر الإذن للناس عليك، وأبرز لهم وجهك، وسكن لهم أحراسك، واخفض لهم جناحك، وأظهر لهم بشرك، ولن لهم في المسألة والمنطق، واعطف عليهم بجودك وفضلك، وإذا أعطيت فأعط بسماحة وطيب نفس، والتمس الصنيعة والأجر غير مكدر ولا منان، فإن العطية على ذلك تجارة مربحة إن شاء الله.
واعتبر بما ترى من أمور الدنيا ومن مضى من قبلك من أهل السلطان والرياسة في القرون الخالية والأمم البائدة، ثم اعتصم في أحوالك كلها بأمر الله، والوقوف عند محبته، والعمل بشريعته وسنته وإقامة دينه وكتابه، واجتنب ما فارق ذلك وخالفه، ودعا إلى سخط الله واعرف ما يجمع عمالك من الأموال وينفقون منها ولا تجمع حراما، ولا تنفق إسرافا، وأكثر مجالسة العلماء ومشاورتهم ومخالطتهم وليكن هواك اتباع السنن وإقامتها، وإيثار مكارم الأمور ومعاليها، وليكن أكرم دخلائك وخاصتك عليك من إذا رأى عيبا فيك لم تمنعه هيبتك من إنهاء ذلك إليك في سر، وإعلامك ما فيه من النقص، فإن أولئك أنصح أوليائك ومظاهريك.
وانظر عمالك الذين بحضرتك وكتابك، فوقت لكل رجل منهم في كل
стр. 4937
يوم وقتا يدخل عليك فيه بكتبه ومؤامرته، وما عنده من حوائج عمالك، وأمر كورك ورعيتك، ثم فرغ لما يورده عليك من ذلك سمعك وبصرك وفهمك وعقلك، وكرر النظر إليه والتدبير له، فما كان موافقا للحزم والحق فأمضه واستخر الله فيه، وما كان مخالفا لذلك فاصرفه إلى التثبت فيه، والمسألة عنه.
ولا تمنن على رعيتك ولا على غيرهم بمعروف تأتيه إليهم، ولا تقبل من أحد منهم إلا الوفاء والاستقامة والعون في أمور أمير المؤمنين، ولا تضعن المعروف إلا على ذلك.
وتفهم كتابي إليك، وأكثر النظر فيه والعمل به، واستعن بالله على جميع أمورك واستخره، فإن الله مع الصلاح وأهله، وليكن أعظم سيرتك وأفضل رغبتك ما كان لله رضا ولدينه نظاما، ولأهله عزا وتمكينا، وللذمة والملة عدلا وصلاحا.
وأنا أسأل الله أن يحسن عونك وتوفيقك ورشدك وكلاءك، وأن ينزل عليك فضله ورحمته بتمام فضله عليك وكرامته لك، حتى يجعلك افضل مثالك نصيبا، وأوفرهم حظا، وأسناهم ذكرا، وأمرا، وأن يهلك عدوك ومن ناوأك وبغى عليك، ويرزقك من رعيتك العافية، ويحجز الشيطان عنك وساوسه، حتى يستعلي أمرك بالعز والقوة والتوفيق، إنه قريب مجيب.
وذكر أن طاهرا لما عهد إلى ابنه عبد الله هذا العهد تنازعه الناس وكتبوه، وتدارسوه وشاع أمره، حتى بلغ المأمون فدعا به وقرئ عليه، فقال: ما بقي أبو الطيب شيئا من أمر الدين والدنيا والتدبير والرأي والسياسة وإصلاح الملك والرعية وحفظ البيضة وطاعة الخلفاء وتقويم الخلافة إلا وقد أحكمه، وأوصى به وتقدم، وأمر أن يكتب بذلك إلى جميع العمال في نواحي الأعمال.
وتوجه عبد الله إلى عمله فسار بسيرته، واتبع أمره وعمل بما عهد إليه
стр. 4938
وفي هذه السنة ولى عبد الله بن طاهر إسحاق بْن إبراهيم الجسرين، وجعله خليفته على ما كان طاهر أبوه استخلفه فيه من الشرط وأعمال بغداد، وذلك حين شخص إلى الرقة لحرب نصر بْن شبث.
وحج بالناس في هذه السنة عبيد الله بْن الحسن، وهو والي الحرمين.
стр. 4939
ثم دخلت
سنة سبع ومائتين
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث)
ذكر خروج عبد الرحمن بن احمد العلوي باليمن
فمن ذلك خروج عبد الرحمن بْن أحمد بْن عبد الله بْن محمد بْن عمر بن على بن ابى طالب ببلادعك من اليمن يدعو إلى الرضى من آل محمد ص.
ذكر الخبر عن سبب خروجه:
وكان السبب في خروجه أن العمال باليمن أساءوا السيرة، فبايعوا عبد الرحمن هذا، فلما بلغ ذلك المأمون وجه إليه دينار بْن عبد الله في عسكر كثيف، وكتب معه بأمانه، فحضر دينار بْن عبد الله الموسم وحج، فلما فرغ من حجه سار إلى اليمن حتى أتى عبد الرحمن، فبعث إليه بأمانه من المأمون، فقبل ذلك، ودخل ووضع يده في يد دينار، فخرج به إلى المأمون، فمنع المأمون عند ذلك الطالبين من الدخول عليه، وأمر بأخذهم بلبس السواد، وذلك يوم الخميس لليلة بقيت من ذي القعده
. ذكر الخبر عن وفاه طاهر بن الحسين
وفي هذه السنة كانت وفاة طاهر بْن الحسين.
ذكر الخبر عن وفاته:
ذكر عن مطهر بْن طاهر، أن وفاة ذي اليمينين كانت من حمى وحرارة أصابته، وأنه وجد في فراشه ميتا
стр. 4940
وذكر أن عميه علي بْن مصعب وأخاه أحمد بْن مصعب، صارا إليه يعودانه، فسألا الخادم عن خبره- وكان يغلس بصلاة الصبح- فقال الخادم هو نائم لم ينتبه، فانتظراه ساعة، فلما انبسط الفجر، وتأخر عن الحركة في الوقت الذي كان يقوم فيه للصلاة، أنكرا ذلك، وقالا للخادم:
أيقظه، فقال الخادم: لست أجسر على ذلك، فقالا له: اطرق لنا لندخل إليه، فدخلا فوجداه ملتفا في دواج، قد أدخله تحته، وشده عليه من عند رأسه ورجليه، فحركاه فلم يتحرك، فكشفا عن وجهه فوجداه قد مات.
ولم يعلما الوقت الذي توفي فيه، ولا وقف أحد من خدمه على وقت وفاته، وسألا الخادم عن خبره وعن آخر ما وقف عليه منه، فذكر أنه صلى المغرب والعشاء الآخرة، ثم التف في دواجه قَالَ الخادم: فسمعته يقول بالفارسية كلاما وهو در مرك ينز مردى ويذ، تفسيره أنه يحتاج في الموت أيضا إلى الرجلة.
وذكر عن كلثوم بْن ثابت بْن أبي سعد- وكان يكنى أبا سعدة- قَالَ: كنت على بريد خراسان، ومجلسي يوم الجمعة في أصل المنبر، فلما كان في سنة سبع ومائتين، بعد ولاية طاهر بْن الحسين بسنتين، حضرت الجمعة، فصعد طاهر المنبر، فخطب، فلما بلغ إلى ذكر الخليفة أمسك عن الدعاء له، فقال: اللهم أصلح أمة محمد بما اصلحت به أولياءك، واكفها مئونة من بغى فيها، وحشد عليها، بلم الشعث، وحقن الدماء، وإصلاح ذات البين قَالَ: فقلت في نفسي: أنا أول مقتول، لأني لا أكتم الخبر، فانصرفت واغتسلت بغسل الموتى، وائتزرت بإزار الموتى، ولبست قميصا، وارتديت رداء، وطرحت السواد، وكتبت إلى المأمون قَالَ: فلما صلى العصر دعاني، وحدث به حادث في جفن عينه وفي مأقه، فخر ميتا قَالَ: فخرج طلحه ابن طاهر، فقال: ردوه ردوه- وقد خرجت- فردوني، فقال: هل كتبت
стр. 4941
بما كان؟ قلت: نعم، قَالَ: فاكتب بوفاته، وأعطاني خمسمائة ألف ومائتي ثوب، فكتبت بوفاته وبقيام طلحة بالجيش.
قَالَ: فوردت الخريطة على المأمون بخلعه غدوة، فدعا ابن أبي خالد فقال له: اشخص: فأت به- كما زعمت، وضمنت- قَالَ: أبيت ليلتي، قَالَ: لا لعمري لا تبيت إلا على ظهر فلم يزل يناشده حتى أذن له في المبيت قَالَ: ووافت الخريطة بموته ليلا، فدعاه فقال: قد مات، فمن ترى؟ قَالَ: ابنه طلحة، قَالَ: الصواب ما قلت، فاكتب بتوليته فكتب بذلك، وأقام طلحة واليا على خراسان في أيام المأمون سبع سنين بعد موت طاهر، ثم توفي، وولي عبد الله خراسان- وكان يتولى حرب بابك- فأقام بالدينور، ووجه الجيوش، ووردت وفاة طلحة على المأمون، فبعث إلى عبد الله يحيى بْن أكثم يعزيه عن أخيه ويهنئه بولاية خراسان، وولى علي بْن هشام حرب بابك.
وذكر عن العباس أنه قَالَ: شهدت مجلسا للمأمون، وقد أتاه نعي الطاهر، فقال: لليدين وللفم! الحمد لله الذي قدمه وأخرنا.
وقد ذكر في أمر ولاية طلحة خراسان بعد أبيه طاهر غير هذا القول، والذي قيل من ذلك، أن طاهرا لما مات- وكان موته في جمادى الأولى- وثب الجند، فانتهبوا بعض خزائنه، فقام بأمرهم سلام الأبرش الخصي، فأمر فأعطوا رزق ستة أشهر فصير المأمون عمله إلى طلحة خليفة لعبد الله بْن طاهر، وذلك أن المأمون ولى عبد الله في قول هؤلاء بعد موت طاهر عمل طاهر كله- وكان مقيما بالرقة على حرب نصر بْن شبث- وجمع له مع ذلك الشام، وبعث إليه بعهده على خراسان وعمل أبيه، فوجه عبد الله أخاه طلحة بخراسان، واستخلف بمدينة السلام إسحاق بْن إبراهيم، وكاتب المأمون طلحة باسمه، فوجه المأمون أحمد بْن أبي خالد إلى خراسان للقيام بأمر طلحة، فشخص أحمد إلى ما وراء النهر، فافتتح أشروسنة، وأسر كاوس بْن خاراخره وابنه الفضل، وبعث بهما إلى المأمون، ووهب طلحة لابن أبي خالد ثلاثة آلاف ألف درهم وعروضا بألفي ألف، ووهب لإبراهيم بْن العباس كاتب احمد بن ابى خالد خمسمائة الف درهم
стр. 4942
وفي هذه السنه غلا السعر ببغداد والبصرة والكوفة حتى بلغ سعر القفيز من الحنطة بالهارونى اربعين درهما الى الخمسين بالقفيز الملجم.
وفي هذه السنة ولي موسى بْن حفص طبرستان والرويان ودنباوند.
وحج بالناس في هذه السنه ابو عيسى بن الرشيد.
стр. 4943
ثم دخلت
سنة ثمان ومائتين
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمما كان فيها من ذلك مصير الحسن بْن الحسين بْن مصعب من خراسان إلى كرمان ممتنعا بها، ومصير احمد بن خالد إليه حتى أخذه، فقدم به على المأمون، فعفا عنه.
وفيها ولى المأمون محمد بْن عبد الرحمن المخزومي قضاء عسكر المهدي في المحرم.
وفيها استعفى محمد بْن سماعة القاضي من القضاء فأعفي، وولي مكانه إسماعيل بْن حماد بْن أبي حنيفة.
وفيها عزل محمد بْن عبد الرحمن عن القضاء بعد أن وليه فيها في شهر ربيع الأول، ووليه بشر بْن الوليد الكندي، فقال بعضهم:
يأيها الملك الموحد ربه ... قاضيك بشر بْن الوليد حمار
ينفي شهادة من يدين بما به ... نطق الكتاب وجاءت الأخبار
ويعد عدلا من يقول بأنه ... شيخ يحيط بجسمه الأقطار
ومات موسى بْن محمد المخلوع في شعبان، ومات الفضل بْن الربيع في ذي القعدة.
وحج بالناس في هذه السنة صالح بْن الرشيد.
стр. 4944
ثم دخلت
سنة تسع ومائتين
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث)
خبر الظفر بنصر بن شبث
فمن ذلك ما كان من حصر عبد الله بْن طاهر نصر بْن شبث وتضييقه عليه، حتى طلب الأمان، فذكر عن جعفر بْن محمد العامري أنه قَالَ: قَالَ المأمون لثمامة: ألا تدلني على رجل من أهل الجزيرة له عقل وبيان ومعرفة، يؤدي عني ما أوجهه به إلى نصر بْن شبث؟ قَالَ: بلى يا أمير المؤمنين، رجل من بنى عامر يقال له جعفر بْن محمد، قَالَ له: أحضرنيه، قَالَ جعفر: فأحضرني ثمامة، فأدخلني عليه، فكلمني بكلام كثير، ثم أمرني أن أبلغه نصر بْن شبث.
قَالَ: فأتيت نصرا وهو بكفر عزون بسروج، فأبلغته رسالته، فأذعن وشرط شروطا، منها ألا يطأ له بساطا قَالَ: فأتيت المأمون فأخبرته، فقال:
لا أجيبه والله إلى هذا أبدا، ولو أفضيت إلى بيع قميصي حتى يطأ بساطي، وما باله ينفر مني! قَالَ: قلت: لجرمه وما تقدم منه، فقال: أتراه أعظم جرما عندي من الفضل بْن الربيع ومن عيسى بْن أبي خالد! أتدري ما صنع بي الفضل! أخذ قوادي وجنودي وسلاحي وجميع ما أوصى به لي أبي، فذهب به إلى محمد وتركني بمرو وحيدا فريدا وأسلمني، وأفسد علي أخي، حتى كان من أمره ما كان، وكان أشد علي من كل شيء أتدري ما صنع بي عيسى بْن أبي خالد! طرد خليفتي من مدينتي ومدينة آبائي، وذهب بخراجي وفيئي، وأخرب علي دياري، وأقعد إبراهيم خليفة دوني، ودعاه باسمي.
قَالَ: قلت: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي في الكلام فأتكلم؟ قَالَ: تكلم، قلت: الفضل بْن الربيع رضيعكم ومولاكم، وحال سلفه حالكم، وحال سلفكم حاله، ترجع عليه بضروب كلها تردك اليه، واما عيسى بْن أبي خالد فرجل
стр. 4945
من أهل دولتك، وسابقته وسابقة من مضى من سلفه سابقتهم ترجع عليه بذلك، وهذا رجل لم تكن له يد قط فيحمل عليها، ولا لمن مضى من سلفه، إنما كانوا من جند بني أمية قَالَ: إن كان ذلك كما تقول، فكيف بالحنق والغيظ، ولكني لست أقلع عنه حتى يطأ بساطي، قَالَ: فأتيت نصرا فأخبرته بذلك كله، قَالَ: فصاح بالخيل صيحة فجالت، ثم قَالَ: ويلي عليه! هو لم يقو على أربعمائة ضفدع تحت جناحه- يعني الزط- يقوى على حلبة العرب! فذكر أن عبد الله بْن طاهر لما جاده القتال وحصره وبلغ منه، طلب الأمان فأعطاه، وتحول من معسكره إلى الرقة سنة تسع ومائتين، وصار إلى عبد الله بْن طاهر، وكان المأمون قد كتب إليه قبل ذلك بعد أن هزم عبد الله ابن طاهر جيوشه كتابا يدعوه إلى طاعته ومفارقة معصيته، فلم يقبل، فكتب عبد الله إليه- وكان كتاب المأمون إليه من المأمون كتبه عمرو بْن مسعدة:
أما بعد، فإنك يا نصر بْن شبث قد عرفت الطاعة وعزها وبرد ظلها وطيب مرتعها وما في خلافها من الندم والخسار، وإن طالت مدة الله بك، فإنه إنما يملي لمن يلتمس مظاهرة الحجة عليه لتقع عبره بأهلها على قدر إصرارهم واستحقاقهم وقد رأيت إذكارك وتبصيرك لما رجوت أن يكون لما أكتب به إليك موقع منك، فإن الصدق صدق والباطل باطل، وإنما القول بمخارجه وبأهله الذين يعنون به، ولم يعاملك من عمال أمير المؤمنين أحد أنفع لك في مالك ودينك ونفسك، ولا احرص على استنقاذك والانتياش لك من خطائك مني، فبأي أول أو آخر أو سطة أو إمرة إقدامك يا نصر على أمير المؤمنين! تأخذ أمواله، وتتولى دونه ما ولاه الله، وتريد أن تبيت آمنا أو مطمئنا، او وادعا او ساكنا او هادئا! فو عالم السر والجهر، لئن لم تكن للطاعة مراجعا وبها خانعا، لتستوبلن وخم العاقبه، ثم لا بد ان بك قبل كل عمل، فإن قرون الشيطان إذا لم تقطع كانت في الأرض فتنة وفسادا
стр. 4946
كبيرا، ولأطأن بمن معي من أنصار الدولة كواهل رعاع أصحابك، ومن تأشب إليك من أداني البلدان وأقاصيها وطغامها وأوباشها، ومن انضوى إلى حوزتك من خراب الناس، ومن لفظه بلده، ونفته عشيرته، لسوء موضعه فيهم وقد أعذر من أنذر والسلام.
وكان مقام عبد الله بْن طاهر على نصر بْن شبث محاربا له- فيما ذكر- خمس سنين حتى طلب الأمان، فكتب عبد الله إلى المأمون يعلمه أنه حصره وضيق عليه، وقتل رؤساء من معه، وإنه قد عاذ بالأمان وطلبه، فأمره أن يكتب له كتاب أمان، فكتب اليه، أمانا نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فإن الإعذار بالحق حجة الله المقرون بها النصر، والاحتجاج بالعدل دعوة الله الموصول بها العز، ولا يزال المعذر بالحق، المحتج بالعدل في استفتاح أبواب التأييد، واستدعاء أسباب التمكين، حتى يفتح الله وهو خير الفاتحين، ويمكن وهو خير الممكنين، ولست تعدو أن تكون فيما لهجت به أحد ثلاثة:
طالب دين، أو ملتمس دنيا، أو متهورا يطلب الغلبة ظلما، فإن كنت للدين تسعى بما تصنع، فأوضح ذلك لأمير المؤمنين يغتنم قبوله إن كان حقا، فلعمري ما همته الكبرى، ولا غايته القصوى إلا الميل مع الحق حيث مال، والزوال مع العدل حيث زال، وإن كنت للدنيا تقصد، فأعلم أمير المؤمنين غايتك فيها، والأمر الذي تستحقها به، فإن استحققتها وأمكنه ذلك فعله بك.
فلعمري ما يستجيز منع خلق ما يستحقه وإن عظم، وإن كنت متهورا فسيكفي الله أمير المؤمنين مؤنتك، ويعجل ذلك كما عجل كفايته مؤن قوم سلكوا مثل طريقك كانوا أقوى يدا، وأكثف جندا وأكثر جمعا وعددا ونصرا منك فيما أصارهم إليه من مصارع الخاسرين، وأنزل بهم من جوائح الظالمين وأمير المؤمنين يختم كتابه بشهادة أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شريك له، وان محمدا عبده ورسوله ص، وضمانه لك في دينه وذمته الصفح عن سوالف جرائمك، ومتقدمات جرائرك، وإنزالك ما تستأهل من منازل العز والرفعة إن أتيت وراجعت، إن شاء الله والسلام
стр. 4947
ولما خرج نصر بْن شبث إلى عبد الله بْن طاهر بالأمان هدم كيسوم وخربها.
وفي هذه السنة ولى المأمون صدقة بْن علي المعروف بزريق أرمينية وأذربيجان ومحاربة بابك، وانتدب للقيام بأمره أحمد بْن الجنيد بْن فرزندي الأسكافي، ثم رجع أحمد بْن الجنيد بْن فرزندي إلى بغداد، ثم رجع إلى الخرمية، فأسره بابك، فولى إبراهيم بْن الليث بْن الفضل التجيبي أذربيجان.
وحج بالناس في هذه السنة صالح بْن العباس بن محمد بْن علي، وهو والي مكة.
وفيها مات ميخائيل بْن جورجس صاحب الروم، وكان ملكه تسع سنين، وملكت الروم عليهم ابنه توفيل بن ميخائيل.
стр. 4948
ثم دخلت
سنة عشر ومائتين
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمن ذلك وصول نصر بْن شبث فيها إلى بغداد، وجه به عبد الله بْن طاهر إلى المأمون، فكان دخوله إليها يوم الاثنين لسبع خلون من صفر، فأنزله مدينة أبي جعفر ووكل به من يحفظه.
ذكر الخبر عن ظفر المأمون بابن عائشة ورفقائه
وفيها ظهر المأمون على إبراهيم بْن محمد بْن عبد الوهاب بْن إبراهيم الإمام، الذي يقال له ابن عائشة ومحمد بْن إبراهيم الأفريقي ومالك بْن شاهي وفرج البغواري ومن كان معهم ممن كان يسعى في البيعة لإبراهيم بن المهدي، وكان الذي أطلعه عليهم وعلى ما كانوا يسعون فيه من ذلك عمران القطربلي، فأرسل إليهم المأمون يوم السبت- فيما ذكر- لخمس خلون من صفر سنة عشر ومائتين، فامر المأمون بابراهيم بن عائشة أن يقام ثلاثة أيام في الشمس على باب دار المأمون، ثم ضربه يوم الثلاثاء بالسياط، ثم حبسه في المطبق، ثم ضرب مالك بْن شاهي وأصحابه، وكتبوا للمأمون أسماء من دخل معهم في هذا الأمر من القواد والجند وسائر الناس، فلم يعرض المأمون لأحد ممن كتبوا له، ولم يأمن أن يكونوا قد قذفوا أقواما براء، وكانوا اتعدوا أن يقطعوا الجسر إذا خرج الجند يتلقون نصر بْن شبث، فغمر بهم فأخذوا، ودخل نصر بْن شبث بعد ذلك وحده، ولم يوجه إليه أحد من الجند، فأنزل عند إسحاق بْن إبراهيم، ثم حول الى مدينه ابى جعفر.
стр. 4949
ذكر خبر الظفر بابراهيم بن المهدى
وفيها أخذ إبراهيم بْن المهدي ليلة الأحد لثلاث عشرة من ربيع الآخر، وهو متنقب مع امرأتين في زي امرأة، أخذه حارس أسود ليلا، فقال: من أنتن؟ وأين تردن في هذا الوقت؟ فأعطاه إبراهيم- فيما ذكر- خاتم ياقوت كان في يده، له قدر عظيم، ليخليهن، فلما نظر الحارس إلى الخاتم استراب بهن، وقال: هذا خاتم رجل له شأن، فرفعهن إلى صاحب المسلحة، فأمرهن أن يسفرن، فتمنع إبراهيم، فجبذه صاحب المسلحة، فبدت لحيته، فرفعه إلى صاحب الجسر فعرفه، فذهب به إلى باب المأمون، فأعلم به، فأمر بالاحتفاظ به في الدار، فلما كان غداة الأحد أقعد في دار المأمون لينظر إليه بنو هاشم والقواد والجند، وصيروا المقنعة التي كان متنقبا بها في عنقه، والملحفة التي كان ملتحفا بها في صدره، ليراه الناس ويعلموا كيف أخذ فلما كان يوم الخميس حوله المأمون إلى منزل أحمد بْن أبي خالد فحبسه عنده، ثم اخرجه المأمون معه حيث خرج إلى الحسن بْن سهل بواسط، فقال الناس: إن الحسن كلمه فيه، فرضي عنه وخلى سبيله، وصيره عند أحمد بْن أبي خالد، وصير معه أحمد بْن يحيى بْن معاذ وخالد بْن يزيد بْن مزيد يحفظانه، إلا أنه موسع عليه، عنده أمه وعياله، ويركب إلى دار المأمون، وهؤلاء معه يحفظونه
. ذكر خبر قتل ابن عائشة
وفي هذه السنه قتل المأمون ابراهيم بن عائشة وصلبه.
ذكر الخبر عن سبب قتله إياه:
كان السبب في ذلك أن المأمون حبس ابن عائشة ومحمد بْن إبراهيم الأفريقي ورجلين من الشطار، يقال لأحدهما أبو مسمار وللآخر عمار، وفرج البغواري ومالك بْن شاهي وجماعة معهم ممن كان سعى في البيعة لإبراهيم، بعد أن
стр. 4950
ضربوا بالسياط ما خلا عمارا، فانه او من لما كان من إقراره على القوم في المطبق، فرفع بعض أهل المطبق أنهم يريدون أن يشغبوا وينقبوا السجن- وكانوا قبل ذلك بيوم قد سدوا باب السجن من داخل فلم يدعوا أحدا يدخل عليهم- فلما كان الليل وسمعوا شغبهم، بلغ المأمون خبرهم، فركب إليهم من ساعته بنفسه، فدعا بهؤلاء الأربعة فضرب أعناقهم صبرا، وأسمعه ابن عائشة شتما قبيحا، فلما كانت الغداة صلبوا على الجسر الأسفل، فلما كان من الغداة يوم الأربعاء انزل ابراهيم بن عائشة، فكفن وصلي عليه، ودفن في مقابر قريش، وأنزل ابن الأفريقي فدفن في مقابر الخيزران وترك الباقون.
العفو عن ابراهيم بن المهدى
وذكر أن إبراهيم بْن المهدي لما أخذ صير به الى دار ابى إسحاق بن الرشيد- وابو اسحق عند المأمون- فحمل رديفا لفرج التركي، فلما أدخل على المأمون قَالَ له: هيه يا إبراهيم! فقال: يا أمير المؤمنين، ولي الثأر محكم في القصاص، والعفو أقرب للتقوى، ومن تناوله الاغترار بما مد له من أسباب الشقاء أمكن عادية الدهر من نفسه، وقد جعلك الله فوق كل ذي ذنب، كما جعل كل ذي ذنب دونك، فإن تعاقب فبحقك، وأن تعف فبفضلك، قَالَ: بل أعفو يا إبراهيم، فكبر ثم خر ساجدا.
وقيل ان ابراهيم كتب بهذا الكلام إلى المأمون وهو مختف، فوقع المأمون في حاشية رقعته: القدرة تذهب الحفيظة، والندم توبة، وبينهما عفو الله، وهو أكبر ما نسأله، فقال إبراهيم يمدح المأمون:
يا خير من ذملت يمانية به ... بعد الرسول لآيس ولطامع
وأبر من عبد الإله على التقى ... عينا وأقوله بحق صادع
عسل الفوارع ما أطعت فإن تهج ... فالصاب يمزج بالسمام الناقع
стр. 4951
متيقظا حذرا وما يخشى العدى ... نبهان من وسنات ليل الهاجع
ملئت قلوب الناس منك مخافة ... وتبيت تكلؤهم بقلب خاشع
بأبي وأمي فدية وبنيهما ... من كل معضلة وريب واقع
ما ألين الكنف الذي بوأتني ... وطنا وأمرع رتعه للراتع
للصالحات أخا جعلت وللتقى ... وأبا رءوفا للفقير القانع
نفسي فداؤك إذ تضل معاذري ... وألوذ منك بفضل حلم واسع
أملا لفضلك والفواضل شيمة ... رفعت بناءك بالمحل اليافع
فبذلت أفضل ما يضيق ببذله ... وسع النفوس من الفعال البارع
وعفوت عمن لم يكن عن مثله ... عفو، ولم يشفع إليك بشافع
الا العلو عن العقوبة بعد ما ... ظفرت يداك بمستكين خاضع
فرحمت أطفالا كأفراخ القطا ... وعويل عانسة كقوس النازع
وعطفت آصرة على كما وعى ... بعد انهياض الوشى عظم الظالع
الله يعلم ما أقول فإنها ... جهد الألية من حنيف راكع
ما أن عصيتك والغواة تقودني ... أسبابها إلا بنية طائع
حتى إذا علقت حبائل شقوتي ... بردى إلى حفر المهالك هائع
لم أدر أن لمثل جرمي غافرا ... فوقفت أنظر أي حتف صارعي
رد الحياة علي بعد ذهابها ... ورع الإمام القادر المتواضع
أحياك من ولاك أطول مدة ... ورمى عدوك في الوتين بقاطع
كم من يد لك لم تحدثني بها ... نفسي إذا آلت إلي مطامعي
стр. 4952
أسديتها عفوا إلي هنيئة ... فشكرت مصطنعا لأكرم صانع
إلا يسيرا عند ما أوليتني ... وهو الكثير لدى غير الضائع
إن أنت جدت بها علي تكن لها ... أهلا، وأن تمنع فأعدل مانع
إن الذي قسم الخلافة حازها ... في صلب آدم للإمام السابع
جمع القلوب عليك جامع أمرها ... وحوى رداؤك كل خير جامع
فذكر أن المأمون حين أنشده إبراهيم هذه القصيدة، قَالَ: أقول ما قَالَ يوسف لإخوته: «لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ»
ذكر الخبر عن بناء المأمون ببوران
وفي هذه السنة بنى المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل في رمضان منها.
ذكر الخبر عن أمر المأمون في ذلك وما كان في أيام بنائه:
ذكر أن المأمون لما مضى إلى فم الصلح إلى معسكر الحسن بْن سهل، حمل معه إبراهيم بْن المهدي، وشخص المأمون من بغداد حين شخص إلى ما هنالك للبناء ببوران، راكبا زورقا، حتى أرسى على باب الحسن، وكان العباس بن المأمون قد تقدم أباه على الظهر، فتلقاه الحسن خارجا عسكره في موضع قد اتخذ له على شاطئ دجلة، بني له فيه جوسق، فلما عاينه العباس ثنى رجله لينزل، فحلف عليه الحسن الا يفعل، فلما ساواه ثنى رجله الحسن لينزل، فقال له العباس: بحق أمير المؤمنين لا تنزل، فاعتنقه الحسن وهو راكب ثم أمر أن يقدم إليه دابته، ودخلا جميعا منزل الحسن، ووافى المأمون في وقت العشاء، وذلك في شهر رمضان من سنة عشر ومائتين، فأفطر هو والحسن والعباس- ودينار بْن عبد الله قائم على رجله- حتى فرغوا من الإفطار،
стр. 4953
وغسلوا أيديهم، فدعا المأمون بشراب، فأتى بجام ذهب فصب فيه وشرب، ومد يده بجام فيه شراب إلى الحسن، فتباطأ عنه الحسن، لأنه لم يكن يشرب قبل ذلك، فغمز دينار بْن عبد الله الحسن، فقال له الحسن: يا أمير المؤمنين، أشربه بإذنك وأمرك؟ فقال له المأمون: لولا أمري لم أمدد يدي إليك، فأخذ الجام فشربه فلما كان في الليلة الثانية، جمع بين محمد بْن الحسن بْن سهل والعباسة بنت الفضل ذي الرئاستين، فلما كان في الليلة الثالثة دخل على بوران، وعندها حمدونة وأم جعفر وجدتها، فلما جلس المأمون معها نثرت عليها جدتها ألف درة كانت في صينية ذهب، فأمر المأمون أن تجمع، وسألها عن عدد ذلك الدر كم هو؟ فقالت: ألف حبة، فأمر بعدها فنقصت عشرا، فقال: من أخذها منكم فليردها، فقالوا: حسين زجلة، فأمره بردها، فقال: يا أمير المؤمنين، إنما نثر لنأخذه، قَالَ: ردها فإني أخلفها عليك، فردها وجمع المأمون ذلك الدر في الآنية كما كان، فوضع في حجرها، وقال: هذه نحلتك، وسلي حوائجك، فأمسكت فقالت لها جدتها: كلمي سيدك، وسليه حوائجك فقد أمرك، فسألته الرضا عن إبراهيم بن المهدي، فقال: قد فعلت، وسألته الإذن لأم جعفر في الحج، فأذن لها وألبستها أم جعفر البدنة الأموية، وابتنى بها في ليلته، وأوقد في تلك الليلة شمعة عنبر، فيها أربعون منا في تور ذهب فأنكر المأمون ذلك عليهم، وقال: هذا سرف، فلما كان من الغد دعا بإبراهيم بْن المهدي فجاء يمشي من شاطئ دجلة، عليه مبطنة ملحم، وهو معتم بعمامة، حتى دخل، فلما رفع الستر عن المأمون رمى بنفسه، فصاح المأمون:
يا عم، لا بأس عليك، فدخل فسلم عليه تسليم الخلافة، وقبل يده، وأنشد شعره، ودعا بالخلع فخلع عليه خلعه ثانية، ودعا له بمركب وقلده سيفا، وخرج فسلم الناس، ورد إلى موضعه
стр. 4954
وذكر أن المأمون أقام عند الحسن بْن سهل سبعة عشر يوما يعد له في كل يوم لجميع من معه جميع ما يحتاج إليه، وأن الحسن خلع على القواد على مراتبهم، وحملهم ووصلهم، وكان مبلغ النفقة عليهم خمسين ألف ألف درهم قَالَ: وأمر المأمون غسان بْن عباد عند منصرفه أن يدفع إلى الحسن عشرة آلاف ألف من مال فارس، وأقطعه الصلح فحملت إليه على المكان، وكانت معدة عند غسان بْن عباد، فجلس الحسن ففرقها في قواده وأصحابه وحشمه وخدمه، فلما انصرف المأمون شيعه الحسن، ثم رجع إلى فم الصلح.
فذكر عن أحمد بْن الحسن بْن سهل، قَالَ: كان أهلنا يتحدثون أن الحسن بْن سهل كتب رقاعا فيها أسماء ضياعه، ونثرها على القواد وعلى بني هاشم، فمن وقعت في يده رقعة منها فيها اسم ضيعة بعث فتسلمها.
وذكر عن أبي الحسن علي بْن الحسين بْن عبد الأعلى الكاتب، قَالَ:
حدثني الحسن بْن سهل يوما بأشياء كانت في أم جعفر، ووصف رجاحة عقلها وفهمها، ثم قَالَ: سألها يوما المأمون بفم الصلح حيث خرج إلينا عن النفقة على بوران، وسأل حمدونة بنت غضيض عن مقدار ما أنفقت في ذلك الأمر.
قَالَ: فقالت حمدونة: أنفقت خمسة وعشرين ألف ألف، قَالَ: فقالت أم جعفر: ما صنعت شيئا، قد أنفقت ما بين خمسة وثلاثين ألف ألف إلى سبعة وثلاثين ألف ألف درهم قَالَ: وأعددنا له شمعتين من عنبر، قَالَ:
فدخل بها ليلا، فأوقدتا بين يديه، فكثر دخانهما، فقال: ارفعوهما قد أذانا الدخان، وهاتوا الشمع قَالَ: ونحلتها أم جعفر في ذلك اليوم الصلح قَالَ: فكان سبب عود الصلح إلى ملكي، وكانت قبل ذلك لي، فدخل علي يوما حميد الطوسي فأقرأني اربعه ابيات امتدح بها ذا الرياستين، فقلت له: ننفذها لك ذي الرياستين، وأقطعك الصلح في العاجل إلى أن تأتي مكافاتك
стр. 4955
من قبله فأقطعته إياها، ثم ردها المأمون على أم جعفر فنحلتها بوران.
وروى علي بْن الحسين أن الحسن بْن سهل كان لا ترفع الستور عنه، ولا يرفع الشمع من بين يديه حتى تطلع الشمس ويتبينها إذا نظر إليها وكان متطيرا يحب أن يقال له إذا دخل عليه: انصرفنا من فرح وسرور، ويكره أن يذكر له جنازة أو موت أحد قَالَ: ودخلت عليه يوما فقال له قائل: إن علي بْن الحسين أدخل ابنه الحسن اليوم الكتاب، قَالَ: فدعا لي وانصرفت، فوجدت في منزلي عشرين ألف درهم هبة للحسن وكتابا بعشرين ألف درهم.
قَالَ: وكان قد وهب لي من أرضه بالبصرة ما قوم بخمسين ألف دينار، فقبضه عني بغا الكبير، وأضافه إلى أرضه.
وذكر عن أبي حسان الزيادي أنه قَالَ: لما صار المأمون إلى الحسن بْن سهل، أقام عنده أياما بعد البناء ببوران، وكان مقامه في مسيره وذهابه ورجوعه أربعين يوما ودخل إلى بغداد يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال.
وذكر عن محمد بْن موسى الخوارزمي أنه قَالَ: خرج المأمون نحو الحسن ابن سهل إلى فم الصلح لثمان خلون من شهر رمضان، ورحل من فم الصلح لتسع بقين من شوال سنة عشر ومائتين.
وهلك حميد بْن عبد الحميد يوم الفطر من هذه السنة، وقالت جاريته عذل:
من كان أصبح يوم الفطر مغتبطا ... فما غبطنا به والله محمود
أو كان منتظرا في الفطر سيده ... فإن سيدنا في الترب ملحود
وفي هَذِهِ السنة افتتح عَبْد اللَّهِ بْن طاهر مصر، واستأمن إليه عبيد الله بْن السري بن الحكم.
стр. 4956
ذكر الخبر عن سبب شخوص عبد الله بْن طاهر من الرقة إلى مصر وسبب خروج ابن السري إليه في الأمان
ذكر أن عبد الله بْن طاهر لما فرغ من نصر بْن شبث العقيلي، ووجهه إلى المأمون فوصل إليه ببغداد كتب المأمون يأمره بالمصير إلى مصر، فحدثني أحمد بْن محمد بْن مخلد، أنه كان يومئذ بمصر، وأن عبد الله بْن طاهر لما قرب منها، وصار منها على مرحلة، قدم قائدا من قواده إليها ليرتاد لمعسكره موضعا يعسكر فيه، وقد خندق ابن السري عليها خندقا، فاتصل الخبر بابن السري عن مصير القائد إلى ما قرب منها، فخرج بمن استجاب له من أصحابه إلى القائد الذي كان عبد الله بْن طاهر وجهه لطلب موضع معسكره، فالتقى جيش ابن السري وقائد عبد الله وأصحابه وهم في قلة، فجال القائد وأصحابه جولة، وأبرد القائد إلى عبد الله بريدا يخبره بخبره وخبر ابن السري، فحمل رجاله على البغال، على كل بغل رجلين بالتهما وادواتهما، وجنبوا الخيل، وأسرعوا السير حتى لحقوا القائد وابن السرى، فلم تكن من عند الله واصحابه الا جمله واحدة حتى انهزم ابن السري وأصحابه، وتساقطت عامة أصحابه- يعني ابن السري- في الخندق، فمن هلك منهم بسقوط بعضهم على بعض في الخندق كان أكثر ممن قتله الجند بالسيف، وانهزم ابن السري، فدخل الفسطاط، وأغلق على نفسه وأصحابه ومن فيها الباب، وحاصره عبد الله بْن طاهر، فلم يعاوده ابن السري الحرب بعد ذلك حتى خرج إليه في الأمان.
وذكر عن ابن ذي القلمين، قَالَ: بعث ابن السري إلى عبد الله بْن طاهر لما ورد مصر ومانعه من دخولها بألف وصيف ووصيفة، مع كل وصيف ألف دينار في كيس حرير، وبعث بهم ليلا قَالَ: فرد ذلك عليه عبد الله وكتب إليه: لو قبلت هديتك نهارا لقبلتها ليلا «بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ
стр. 4957
ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ» قَالَ: فحينئذ طلب الأمان منه، وخرج إليه.
وذكر أحمد بْن حفص بْن عمر، عن أبي السمراء، قَالَ: خرجنا مع الأمير عبد الله بْن طاهر متوجهين إلى مصر، حتى إذا كنا بين الرملة ودمشق، إذا نحن بأعرابي قد اعترض، فإذا شيخ فيه بقية على بعير له أورق، فسلم علينا فرددنا ع قَالَ أبو السمراء: وأنا وإسحاق بْن إبراهيم الرافقي وإسحاق بْن أبي ربعي، ونحن نساير الأمير، وكنا يومئذ أفره من الأمير دواب، وأجود منه كسا قَالَ: فجعل الأعرابي ينظر في وجوهنا، قَالَ:
فقلت: يا شيخ، قد ألححت في النظر، أعرفت شيئا أم أنكرته؟ قَالَ:
لا والله ما عرفتكم قبل يومي هذا، ولا أنكرتكم لسوء أراه فيكم، ولكني رجل حسن الفراسة في الناس، جيد المعرفة بهم، قَالَ: فأشرت له إلى إسحاق بْن أبي ربعي، فقلت: ما تقول في هذا؟ فقال:
أرى كاتبا داهي الكتابة بين ... عليه وتأديب العراق منير
له حركات قد يشاهدن أنه ... عليم بتقسيط الخراج بصير
ونظر إلى إسحاق بْن إبراهيم الرافقي، فقال:
ومظهر نسك ما عليه ضميره ... يحب الهدايا، بالرجال مكور
أخال به جبنا وبخلا وشيمة ... تخبر عنه أنه لوزير
ثم نظر إلي وأنشأ يقول:
وهذا نديم للأمير ومؤنس ... يكون له بالقرب منه سرور
أخاله للإشعار والعلم راويا ... فبعض نديم مرة وسمير
стр. 4958
ثم نظر إلى الأمير وأنشأ يقول:
وهذا الأمير المرتجى سيب كفه ... فما إن له فيمن رأيت نظير
عليه رداء من جمال وهيبة ... ووجه بإدراك النجاح بشير
لقد عصم الإسلام منه بدابد ... به عاش معروف ومات نكير
ألا إنما عبد الإله بْن طاهر ... لنا والد بر بنا، وأمير
قَالَ: فوقع ذلك من عبد الله أحسن موقع، وأعجبه ما قال الشيخ، فامر له بخمسمائة دينار، وأمره أن يصحبه.
وذكر عن الحسن بْن يحيى الفهري، قَالَ: لقينا البطين الشاعر الحمصي، ونحن مع عبد الله بْن طاهر فيما بين سلمية وحمص، فوقف على الطريق، فقال لعبد الله بْن طاهر:
مرحبا مرحبا وأهلا وسهلا ... بابن ذي الجود طاهر بْن الحسين
مرحبا مرحبا وأهلا وسهلا ... بابن ذي الغرتين في الدعوتين
مرحبا مرحبا بمن كفه البحر ... إذا فاض مزبد الرجوين
ما يبالي المأمون أيده الله ... إذا كنتما له باقيين
أنت غرب وذاك شرق مقيما ... أي فتق أتى من الجانبين
وحقيق إذ كنتما في قديم ... لزريق ومصعب وحسين
أن تنالا ما نلتماه من المجد ... وأن تعلوا على الثقلين
قَالَ: من أنت ثكلتك أمك! قَالَ: أنا البطين الشاعر الحمصي، قَالَ:
اركب يا غلام وانظر كم بيتا؟ قَالَ: قَالَ: سبعة، فأمر له بسبعه آلاف درهم او بسبعمائة دينار، ثم لم يزل معه حتى دخلوا مصر والإسكندرية، حتى انخسف به وبدابته مخرج، فمات فيه بالإسكندرية.
стр. 4959
ذكر الخبر عن فتح عبد الله بن طاهر الإسكندرية
وفي هذه السنة فتح عبد الله بْن طاهر الإسكندرية- وقيل كان فتحه إياها في سنة إحدى عشرة ومائتين- وأجلى من كان تغلب عليها من أهل الأندلس عنها.
(ذكر الخبر عن أمره وأمرهم) :
حدثني غير واحد من أهل مصر، أن مراكب أقبلت من بحر الروم من قبل الأندلس، فيها جماعة كبيرة أيام شغل الناس قبلهم بفتنة الجروي وابن السري، حتى أرسوا مراكبهم بالإسكندرية، ورئيسهم يومئذ رجل يدعى أبا حفص، فلم يزالوا بها مقيمين حتى قدم عبد الله بْن طاهر مصر قَالَ لي يونس بْن عبد الأعلى: قدم علينا من قبل المشرق فتى حدث- يعني عبد الله بْن طاهر- والدنيا عندنا مفتونة، قد غلب على كل ناحية من بلادنا غالب، والناس منهم في بلاء، فأصلح الدنيا، وأمن البريء، واخاف السقيم، واستوسقت له الرعية بالطاعة ثم قَالَ: أخبرنا عبد الله بْن وهب، قَالَ: أخبرني عبد الله بْن لهيعة، قَالَ: لا أدري رفعه إلي قبل أم لا! فلم نجد فيما قرأنا من الكتب أن لله بالمشرق جندا لم يطغ عليه أحد من خلقه إلا بعثهم عليه، وانتقم بهم منه- أو كلاما هذا معناه- فلما دخل عبد الله بْن طاهر بْن الحسين مصر، أرسل إلى من كان بها من الأندلسيين، وإلى من كان انضوى إليهم، يؤذنهم بالحرب إن هم لم يدخلوا في الطاعة، فأخبروني أنهم أجابوه إلى الطاعة، وسألوه الأمان، على أن يرتحلوا من الإسكندرية إلى بعض أطراف الروم التي ليست من بلاد الإسلام، فأعطاهم الأمان على ذلك، وأنهم رحلوا عنها، فنزلوا جزيرة من جزائر البحر، يقال لها إقريطش، فاستوطنوها وأقاموا بها، وفيها بقايا أولادهم الى اليوم.
стр. 4960
ذكر الخبر عن خروج اهل قم على السلطان
وفي هذه السنة خلع أهل قم السلطان ومنعوا الخراج.
ذكر الخبر عن سبب خلعهم السلطان ومآل أمرهم في ذلك:
ذكر أن سبب خلعهم إياه كان أنهم كانوا استكثروا ما عليهم من الخراج، وكان خراجهم ألفي ألف درهم، وكان المأمون قد حط عن أهل الري حين دخلها منصرفا من خراسان إلى العراق، ما قد ذكرت قبل، فطمع أهل قم من المأمون في الفعل بهم في الحط عنهم والتخفيف مثل الذي فعل من ذلك بأهل الري، فرفعوا إليه يسألونه الحط، ويشكون إليه ثقله عليهم، فلم يجبهم المأمون إلى ما سألوه، فامتنعوا من أدائه، فوجه المأمون إليهم علي بْن هشام، ثم أمده بعجيف بْن عنبسة، وقدم قائد لحميد يقال له محمد بن يوسف الكح بعرض من خراسان، فكتب إليه بالمصير إلى قم لحرب أهلها مع علي بْن هشام، فحاربهم علي فظفر بهم، وقتل يحيى بْن عمران وهدم سور قم، وجباها سبعة آلاف ألف درهم بعد ما كانوا يتظلمون من ألفي ألف درهم.
ومات في هذه السنة شهريار، وهو ابن شروين، وصار في موضعه ابنه سابور، فنازعه مازيار بْن قارن فأسره وقتله، وصارت الجبال في يدي مازيار ابن قارن.
وحج بالناس في هذه السنة صالح بْن العباس بْن محمد وهو يومئذ والي مكة.
стр. 4961
ثم دخلت
سنة إحدى عشرة ومائتين
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث)
امر عبيد الله بن السرى
فمن ذلك خروج عبيد الله بْن السري إلى عبد الله بْن طاهر بالأمان، ودخول عبد الله بْن طاهر مصر- وقيل إن ذلك في سنة عشر ومائتين- وذكر بعضهم أن ابن السري خرج إلى عبد الله بْن طاهر يوم السبت لخمس بقين من صفر سنة إحدى عشرة ومائتين، وأدخل بغداد لسبع بقين من رجب سنة إحدى عشرة ومائتين، وأنزل مدينة أبي جعفر، وأقام عبد الله بْن طاهر بمصر واليا عليها وعلى سائر الشام والجزيرة، فذكر عن طاهر بْن خالد ابن نزار الغساني، قَالَ: كتب المأمون إلى عبد الله بْن طاهر وهو بمصر حين فتحها في أسفل كتاب له:
أخي أنت ومولاي ... ومن أشكر نعماه
فما أحببت من أمر ... فإني الدهر أهواه
وما تكره من شيء ... فإني لست أرضاه
لك الله على ذاك ... لك الله لك الله
وذكر عن عطاء صاحب مظالم عبد الله بْن طاهر، قَالَ: قَالَ رجل من أخوة المأمون للمأمون: يا أمير المؤمنين، إن عبد الله بْن طاهر يميل إلى ولد أبي طالب، وكذا كان أبوه قبله قَالَ: فدفع المأمون ذلك وأنكره، ثم عاد بمثل هذا القول، فدس إليه رجلا ثم قَالَ له: امض في هيئة القراء والنساك إلى مصر، فادع جماعة من كبرائها إلى القاسم بْن إبراهيم بْن طباطبا، واذكر مناقبه وعلمه وفضائله، ثم صر بعد ذلك إلى بعض بطانة عبد الله بْن طاهر، ثم ائته فادعه ورغبه في استجابته له، وابحث عن دفين نيته بحثا شافيا، وائتني بما تسمع منه قَالَ: ففعل الرجل ما قَالَ له، وأمره به، حتى إذا
стр. 4962
دعا جماعة من الرؤساء والأعلام، قعد يوما بباب عبد الله بْن طاهر، وقد ركب الى عبيد الله بن السري بعد صلحه وأمانه، فلما انصرف قام إليه الرجل، فأخرج من كمه رقعة فدفعها إليه، فأخذها بيده، فما هو إلا أن دخل فخرج الحاجب إليه، فأدخله عليه وهو قاعد على بساطه، ما بينه وبين الأرض غيره، وقد مد رجليه، وخفاه فيهما، فقال له: قد فهمت ما في رقعتك من جملة كلامك، فهات ما عندك، قَالَ: ولي أمانك وذمة الله معك؟ قَالَ: لك ذلك، قَالَ: فأظهر له ما أراد، ودعاه إلى القاسم، وأخبره بفضائله وعلمه وزهده، فقال له عبد الله: أتنصفني؟ قَالَ: نعم، قَالَ: هل يجب شكر الله على العباد؟
قَالَ: نعم، قَالَ: فهل يجب شكر بعضهم لبعض عند الإحسان والمنة والتفضل؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فتجيء إلي وأنا في هذه الحالة التي ترى، لي خاتم في المشرق جائز وفي المغرب كذلك، وفيما بينهما أمري مطاع، وقولي مقبول، ثم ما التفت يميني ولا شمالي وورائي وقد أمي إلا رأيت نعمة لرجل أنعمها علي، ومنة ختم بها رقبتي، ويدا لائحة بيضاء ابتدأني بها تفضلا وكرما، فتدعوني إلى الكفر بهذه النعمة وهذا الإحسان، وتقول: اغدر بمن كان أولا لهذا وآخرا، واسع في إزالة خيط عنقه وسفك دمه! تراك لو دعوتني إلى الجنة عيانا من حيث أعلم، أكان الله يحب أن أغدر به، وأكفر إحسانه ومنته، وأنكث بيعته! فسكت الرجل، فقال له عبد الله: أما إنه قد بلغني أمرك، وتالله ما أخاف عليك إلا نفسك، فارحل عن هذا البلد، فإن السلطان الأعظم إن بلغه أمرك- وما آمن ذلك عليك- كنت الجاني على نفسك ونفس غيرك.
فلما أيس الرجل مما عنده جاء إلى المأمون، فأخبره الخبر، فاستبشر وقال:
ذلك غرس يدي، وإلف أدبي، وترب تلقيحي، ولم يظهر من ذلك لأحد شيئا، ولا علم به عبد الله إلا بعد موت المأمون.
وذكر عن عبد الله بْن طاهر أنه قَالَ وهو محاصر بمصر عبيد الله بن السرى:
стр. 4963
بكرت تسبل دمعا ... إن رأت وشك براحي
وتبدلت صقيلا ... يمنيا بوشاحي
وتماديت بسير ... لغدو ورواح
زعمت جهلا بأني ... تعب غير مراح
أقصري عني فإني ... سالك قصد فلاحي
أنا للمأمون عبد ... منه في ظل جناح
إن يعاف الله يوما ... فقريب مستراحي
أو يكن هلك فقولي ... بعويل وصياح:
حل في مصر قتيل ... ودعي عنك التلاحي
وذكر عن عبد الله بْن أحمد بْن يوسف أن أباه كتب إلى عبد الله بْن طاهر عند خروج عبيد الله بْن السري إليه يهنئه بذلك الفتح:
بلغني أعز الله الأمير ما فتح الله عليك، وخروج ابن السري إليك، فالحمد لله الناصر لدينه، المعز لدولة خليفته على عباده، المذل لمن عند عنه وعن حقه، ورغب عن طاعته ونسأل الله أن يظاهر له النعم، ويفتح له بلدان الشرك، والحمد لله على ما وليك به مذ ظعنت لوجهك، فإنا ومن قبلنا نتذاكر سيرتك في حربك وسلمك، ونكثر التعجب لما وفقت له من الشدة والليان في مواضعهما، ولا نعلم سائس جند ورعية عدل بينهم عدلك، ولا عفا بعد القدرة عمن آسفه وأضغنه عفوك، ولقل ما رأينا ابن شرف لم يلق بيده متكلا على ما قدمت له أبوته، ومن أوتي حظا وكفاية وسلطانا وولاية لم يخلد إلى ما عفا حتى يخل بمساماة ما أمامه ثم لا نعلم سائسا استحق النجح لحسن السيرة وكف معرة الاتباع استحقاقك وما يستجيز أحد ممن قبلنا أن يقدم عليك أحدا يهوى عند الحاقة والنازلة المعضلة
стр. 4964
فليهنك منة الله ومزيده، ويسوغك الله هذه النعمة التي حواها لك بالمحافظة على ما به تمت لك، من التمسك بحبل إمامك ومولاك ومولى جميع المسلمين، وملاك وإيانا العيش ببقائه.
وأنت تعلم أنك لم تزل عندنا وعند من قبلنا مكرما مقدما معظما، وقد زادك الله في أعين الخاصة والعامه جلاله وبجالة، فأصبحوا يرجونك لأنفسهم، ويعدونك لأحداثهم ونوائبهم، وأرجو أن يوفقك الله لمحابه كما وفق لك صنعه وتوفيقه، فقد أحسنت جوار النعمة فلم تطغك، ولم تزدد إلا تذللا وتواضعا، فالحمد لله على ما انا لك وأبلاك، وأودع فيك والسلام.
وفي هذه السنة قدم عبد الله بْن طاهر بْن الحسين مدينه السلام من المغرب، فتلقاه العباس بن المأمون وأبو إسحاق المعتصم وسائر الناس، وقدم معه بالمتغلبين على الشام كابن السرج وابن أبي الجمل وابن أبي الصفر ومات موسى بْن حفص، فولي محمد بْن موسى طبرستان مكان أبيه.
وولي حاجب بْن صالح الهند فهزمه بشر بْن داود، فانحاز إلى كرمان.
وفيها أمر المأمون مناديا فنادى: برئت الذمة ممن ذكر معاوية بخير، أو فضله على احد من اصحاب رسول الله ص.
وحج بالناس في هذه السنة صالح بْن العباس وهو والي مكة.
وفيها مات أبو العتاهية الشاعر.
стр. 4965
ثم دخلت
سنة اثنتي عشرة ومائتين
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمن ذلك ما كان من توجيه المأمون محمد بْن حميد الطوسي إلى بابك لمحاربته على طريق الموصل وتقويته إياه، فأخذ محمد بْن حميد يعلى بْن مرة ونظراءه من المتغلبة بأذربيجان، فبعث بهم إلى المأمون.
وفيها خلع أحمد بْن محمد العمري المعروف بالأحمر العين باليمن.
وفيها ولى المأمون محمد بْن عبد الحميد المعروف بأبي الرازي اليمن.
وفيها أظهر المأمون القول بخلق القرآن وتفضيل علي بْن ابى طالب ع، وقال: هو أفضل الناس بعد رسول الله ص، وذلك في شهر ربيع الأول منها.
وحج بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السنة عَبْد اللَّهِ بن عبيد الله بْن العباس بْن محمد
стр. 4966
ثم دخلت
سنة ثلاث عشرة ومائتين
ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث
فمن ذلك ما كان من خلع عبد السلام وابن جليس بمصر في القيسية واليمانيه وو ثوبهما بها.
وفيها مات طلحة بْن طاهر بخراسان.
وفيها ولى المأمون أخاه أبا إسحاق الشام ومصر، وولى ابنه العباس بن المأمون الجزيرة والثغور والعواصم، وأمر لكل واحد منهما ومن عبد الله بن طاهر بخمسمائة ألف دينار.
وقيل: إنه لم يفرق في يوم من المال مثل ذلك.
ذكر الخبر عن ولايه غسان بن عباد السند
وفيها ولى غسان بْن عباد السند.
ذكر الخبر عن سبب توليته إياه السند:
وكان السبب في ذلك- فيما بلغني- أن بشر بن داود بن يزيد خالف المأمون، وجبى الخراج فلم يحمل إلى المأمون شيئا منه، فذكر أن المأمون قَالَ يوما لأصحابه: أخبروني عن غسان بْن عباد، فإني أريده لأمر جسيم- وكان قد عزم على أن يوليه السند لما كان من أمر بشر بْن داود- فتكلم من حضر، وأطنبوا في مدحه، فنظر المأمون إلى أحمد بن يوسف وهو ساكت، فقال له: ما تقول يا أحمد؟ قَالَ: يا أمير المؤمنين ذاك رجل محاسنه أكثر من مساويه، لا تصرف به إلى طبقة إلا انتصف منهم، فمهما تخوفت
стр. 4967
عليه، فإنه لن يأتي أمرا يعتذر منه، لأنه قسم أيامه بين أيام الفضل، فجعل لكل خلق نويه، إذا نظرت في أمره لم تدر أي حالاته أعجب! أما هداه إليه عقله، أم أما اكتسبه بالأدب، قَالَ: لقد مدحته على سوء رأيك فيه! قَالَ:
لأنه فيما قلت كما قَالَ الشاعر:
كفى شكرا بما أسديت أني ... مدحتك في الصديق وفي عداتي
قَالَ: فأعجب المأمون كلامه، واسترجح أدبه.
وحج بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السنة عَبْد اللَّهِ بْن عبيد الله بْن العباس بْن محمد.
стр. 4968
ثم دخلت
سنة أربع عشرة ومائتين
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) فمما كان فيها من ذلك مقتل محمد بْن حميد الطوسي، قتله بابك بهشتادسر، يوم السبت لخمس ليال بقين من شهر ربيع الأول، ورفض عسكره، وقتل جمعا كثيرا ممن كان معه.
وفيها قتل أبو الرازي باليمن.
وفيها قتل عمير بْن الوليد الباذغيسي عامل أبي إسحاق بن الرشيد بمصر بالحوف في شهر ربيع الأول، فخرج أبو إسحاق إليها فافتتحها، وظفر بعبد السلام وابن جليس، فقتلهما فضرب المأمون بن الحروري ورده إلى مصر وفيها خرج بلال الضبابي الشاري، فشخص المأمون إلى العلث، ثم رجع إلى بغداد، فوجه عباسا ابنه في جماعة من القواد، فيهم علي بْن هشام وعجيف وهارون بْن محمد بْن أبي خالد، فقتل هارون بلالا.
وفيها خرج عبد الله بْن طاهر إلى الدينور، فبعث المأمون إليه إسحاق ابن إبراهيم ويحيى بْن أكثم يخيرانه بين خراسان والجبال وأرمينية وأذربيجان، ومحاربة بابك، فاختار خراسان، وشخص إليها.
وفيها تحرك جعفر بْن داود القمي، فظفر به عزيز مولى عبد الله بن طاهر، وكان هرب من مصر فرد إليها.
وفيها ولي علي بْن هشام الجبل وقم وإصبهان وأذربيجان.
وحج بالناس في هذه السنة إسحاق بْن العباس بن محمد.
стр. 4969
ثم دخلت
سنة خمس عشرة ومائتين
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث)
ذكر خبر شخوص المأمون لحرب الروم
وفي هذه السنة شخص المأمون من مدينة السلام لغزو الروم، وذلك يوم السبت- فيما قيل- لثلاث بقين من المحرم- وقيل كان ارتحاله من الشماسية إلى البردان يوم الخميس بعد صلاة الظهر، لست بقين من المحرم سنة خمس عشرة ومائتين- واستخلف حين رحل عن مدينة السلام عليها إسحاق بْن إبراهيم بْن مصعب، وولي مع ذلك السواد وحلوان وكور دجلة.
فلما صار المأمون بتكريت قدم عليه محمد بْن علي بْن موسى بْن جعفر بْن مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ بن أبي طالب ﵀، من المدينة في صفر ليلة الجمعة من هذه السنة، ولقيه بها فأجازه، وأمره أن يدخل بابنته أم الفضل وكان زوجها منه، فأدخلت عليه في دار أحمد بْن يوسف التي على شاطئ دجلة، فأقام بها، فلما كان أيام الحج خرج بأهله وعياله حتى أتى مكة، ثم أتى منزله بالمدينة، فأقام بها، ثم سلك المأمون طريق الموصل، حتى صار إلى منبج، ثم إلى دابق، ثم إلى أنطاكية، ثم إلى المصيصة، ثم خرج منها إلى طرسوس، ثم دخل من طرسوس إلى بلاد الروم للنصف من جمادى الأولى ورحل العباس بن المأمون من ملطية، فأقام المأمون على حصن يقال له قرة، حتى فتحه عنوة، وأمر بهدمه، وذلك يوم الأحد لأربع بقين من جمادى الأولى، وكان قد افتتح قبل ذلك حصنا يقال له ماجدة، فمن على أهلها.
وقيل إن المأمون لما أناخ على قرة، فحارب أهلها طلبوا الأمان، فآمنهم المأمون، فوجه أشناس إلى حصن سندس، فأتاه برئيسه، ووجه عجيفا وجعفرا
стр. 4970
الخياط إلى صاحب حصن سنان، فسمع وأطاع.
[أخبار متفرقة]
وفي هذه السنه انصرف ابو إسحاق بن الرشيد من مصر، فلقي المأمون قبل دخوله الموصل، ولقيه متويل وعباس ابنه برأس العين.
وفيها شخص المأمون بعد خروجه من أرض الروم إلى دمشق.
وحج بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السنة عَبْد اللَّهِ بْن عبيد الله بْن العباس بْن محمد.
стр. 4971
ثم دخلت
سنة ست عشرة ومائتين
(ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث)
عود الى ذكر غزو المأمون ارض الروم
فمن ذلك كر المأمون إلى أرض الروم.
ذكر السبب في كره إليها:
اختلف في ذلك، فقيل: كان السبب فيه ورود الخبر على المأمون بقتل ملك الروم قوما من أهل طرسوس والمصيصة، وذلك- فيما ذكر- ألف وستمائه.
فلما بلغه ذلك شخص حتى دخل أرض الروم يوم الاثنين لإحدى عشرة بقيت من جمادى الأولى من هذه السنة، فلم يزل مقيما فيها إلى النصف من شعبان.
وقيل: أن سبب ذلك أن توفيل بْن ميخائيل كتب إليه، فبدأ بنفسه، فلما ورد الكتاب عليه لم يقرأه، وخرج إلى أرض الروم، فوافاه رسل توفيل بْن ميخائيل بأذنه، ووجه بخمسمائة رجل من أسارى المسلمين إليه، فلما دخل المأمون أرض الروم، ونزل على أنطيغوا، فخرج أهلها على صلح وصار إلى هرقلة.
فخرج أهلها إليه على صلح، ووجه أخاه أبا إسحاق، فافتتح ثلاثين حصنا ومطمورة ووجه يحيى بن أكثم من طوانة، فأغار وقتل وحرق، وأصاب سبيا ورجع إلى العسكر ثم خرج المأمون إلى كيسوم، فأقام بها يومين أو ثلاثة، ثم ارتحل إلى دمشق.
وفي هذه السنة ظهر عبدوس الفهري، فوثب بمن معه على عمال أبي إسحاق، فقتل بعضهم، وذلك في شعبان، فشخص المأمون من دمشق يوم الأربعاء لأربع عشرة بقيت من ذي الحجة إلى مصر.
وفيها قدم الأفشين من برقة منصرفا عنها، فأقام بمصر
стр. 4972
وفيها كتب المأمون إلى إسحاق بْن إبراهيم يأمره بأخذ الجند بالتكبير إذا صلوا، فبدءوا بذلك في مسجد المدينة والرصافة يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان من هذه السنة، حين قضوا الصلاة، فقاموا قياما، فكبروا ثلاث تكبيرات، ثم فعلوا ذلك في كل صلاة مكتوبة.
وفيها غضب المأمون على علي بْن هشام، فوجه إليه عجيف بْن عنبسة وأحمد بْن هشام، وأمر بقبض أمواله وسلاحه.
وفيها ماتت أم جعفر ببغداد في جمادى الأولى.
وفيها قدم غسان بْن عباد من السند، وقد استأمن إليه بشر بْن داود المهلبي، وأصلح السند، واستعمل عليها عمران بْن موسى البرمكي، فقال الشاعر:
سيف غسان رونق الحرب فيه ... وسمام الحتوف في ظبتيه
فإذا جره إلى بلد السند ... فألقى المقاد بشر إليه
مقسما لا يعود ما حج لله ... مصل وما رمى جمرتيه
غادرا يخلع الملوك ويغتال ... جنودا تأوي إلى ذروتيه
فرجع غسان إلى المأمون، وهرب جعفر بْن داود القمي إلى قم، وخلع بها وفي هذه السنة كان البرد الشديد.
وحج بالناس- في قول بعضهم- في هذه السنة سليمان بْن عبد الله بْن سليمان بْن عَلِيّ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس وفي قول بعضهم: حج بهم في هذه السنة عبد الله بْن عبيد الله بْن العباس بْن محمد بْن علي بْن عبد الله بْن العباس، وكان المأمون ولاه اليمن، وجعل إليه ولاية كل بلدة يدخلها حتى يدخل إلى اليمن، فخرج من دمشق حتى قدم بغداد، فصلى بالناس بها يوم الفطر، فشخص من بغداد يوم الاثنين لليلة خلت من ذي القعدة، وأقام الحج للناس.
стр. 4973
ثم دخلت
سنة سبع عشرة ومائتين
ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث
فمن ذلك ظفر الأفشين فيها بالبيما، وهي من أرض مصر، ونزل أهلها بأمان على حكم المأمون، قرئ كتاب فتحها لليلة بقيت من شهر ربيع الآخر.
وورد المأمون فيها مصر في المحرم، فأتى بعبدوس الفهري فضرب عنقه، وانصرف الى الشام.
ذكر الخبر عن قتل على وحسين ابنى هشام
وفيها قتل المأمون ابني هشام عليا وحسينا بأذنة في جمادى الأولى ذكر الخبر عن سبب قتله عليا:
وكان سبب ذلك، أن المأمون للذي بلغه من سوء سيرته في أهل عمله الذي كان المأمون ولاه- وكان ولاه كور الجبال- وقتله الرجال، وأخذه الأموال، فوجه إليه عجيف، فأراد أن يفتك به ويلحق ببابك، فظفر به عجيف، فقدم به على المأمون، فأمر بضرب عنقه، فتولى قتله ابن الجليل وتولى ضرب عنق الحسين محمد بْن يوسف ابن أخيه بأذنة، يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى، ثم بعث رأس علي بْن هشام إلى بغداد وخراسان، فطيف به، ثم رد إلى الشام والجزيرة فطيف به كورة كورة، فقدم به دمشق في ذي الحجة، ثم ذهب به إلى مصر، ثم ألقي بعد ذلك في البحر.
وذكر أن المأمون لما قتل علي بْن هشام، أمر أن يكتب رقعة وتعلق على رأسه ليقرأها الناس، فكتب:
стр. 4974
أما بعد، فإن أمير المؤمنين كان دعا علي بْن هشام فيمن دعا من أهل خراسان أيام المخلوع، إلى معاونته والقيام بحقه، وكان فيمن أجاب وأسرع الإجابة، وعاون فأحسن المعاونة فرعى أمير المؤمنين ذلك له واصطنعه، وهو يظن به تقوى الله وطاعته والانتهاء إلى أمر أمير المؤمنين في عمل إن أسند إليه في حسن السيرة وعفاف الطعمة، وبدأه أمير المؤمنين بالإفضال عليه، فولاه الأعمال السنية، ووصله بالصلات الجزيلة التي أمر أمير المؤمنين بالنظر في قدرها، فوجدها أكثر من خمسين ألف ألف درهم، فمد يده إلى الخيانة والتضييع لما استرعاه من الأمانة، فباعده عنه وأقصاه، ثم استقال أمير المؤمنين عثرته فأقاله إياها، وولاه الجبل وأذربيجان وكور أرمينية، ومحاربه أعداء الله الخرمية، على الا يعود لما كان منه، فعاود أكثر ما كان بتقديمه الدينار والدرهم على العمل لله ودينه، وأساء السيرة وعسف الرعية وسفك الدماء المحرمة، فوجه أمير المؤمنين عجيف بْن عنبسة مباشرا لأمره، وداعيا إلى تلافي ما كان منه، فوثب بعجيف يريد قتله، فقوى الله عجيفا بنيته الصادقة في طاعة أمير المؤمنين، حتى دفعه عن نفسه، ولو تم ما أراد بعجيف لكان في ذلك ما لا يستدرك ولا يستقال، ولكن الله إذا أراد أمرا كان مفعولا فلما أمضى أمير المؤمنين حكم الله في علي بْن هشام، رأى الا يؤاخذ من خلفه بذنبه، فأمر أن يجري لولده ولعياله ولمن أتصل بهم ومن كان يجري عليهم مثل الذي كان جاريا لهم في حياته، ولولا أن علي بْن هشام أراد العظمى بعجيف، لكان في عداد من كان في عسكره ممن خالف وخان، كعيسى بْن منصور ونظرائه.
والسلام:
وفي هذه السنة دخل المأمون أرض الروم، فأناخ على لؤلؤة مائة يوم، ثم رحل عنها وخلف عليها عجيفا، فاختدعه أهلها وأسروه، فمكث أسيرا في أيديهم ثمانية أيام، ثم أخرجوه، وصار توفيل إلى لؤلؤة، فأحاط بعجيف، فصرف المأمون الجنود إليه، فارتحل توفيل قبل موافاتهم، وخرج أهل لؤلؤه الى عجيف بأمان.
стр. 4975
كتاب توفيل الى المأمون ورد المأمون عليه
وفيها كتب توفيل صاحب الروم إلى المأمون يسأله الصلح، وبدأ بنفسه في كتابه، وقدم بالكتاب الفضل وزير توفيل يطلب الصلح، وعرض الفدية.
وكانت نسخة كتاب توفيل إلى المأمون:
أما بعد، فإن اجتماع المختلفين على حظهما أولى بهما في الرأي مما عاد بالضرر عليهما، ولست حريا أن تدع لحظ يصل إلى غيرك حظا تحوزه إلى نفسك، وفي علمك كاف عن إخبارك، وقد كنت كتبت إليك داعيا إلى المسالمة، راغبا في فضيلة المهادنة، لتضع أوزار الحرب عنا، ونكون كل واحد لكل واحد وليا وحزبا، مع اتصال المرافق والفسح في المتاجر، وفك المستأسر، وأمن الطرق والبيضة، فإن أبيت فلا أدب لك في الخمر، ولا ازخرف لك في القول، فإني لخائض إليك غمارها، آخذ عليك أسدادها، شان خيلها ورجالها، وأن أفعل فبعد أن قدمت المعذرة، وأقمت بيني وبينك علم الحجة والسلام.
(فكتب إليه المأمون:) أما بعد، فقد بلغني كتابك فيما سألت من الهدنة، ودعوت إليه من الموادعة، وخلطت فيه من اللين والشدة، مما استعطفت به، من شرح المتاجر واتصال المرافق، وفك الأسارى، ورفع القتل والقتال، فلولا ما رجعت إليه من أعمال التؤدة والأخذ بالحظ في تقليب الفكرة، وألا أعتقد الرأي في مستقبله إلا في استصلاح ما أوثره في معتقبه، لجعلت جواب كتابك خيلا تحمل رجالا
следующие страницы →