← История

История · id 9783

تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري

ابن جرير الطبري

Полный текст (6 431 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.

стр. 5496

جماعة من نسائهم وحرمهم، فلما جاءوه ترك الانتساب إلى أحمد بن عيسى، وانتسب إلى يحيى بن زيد. قال محمد بن الحسن: سمعت الخبيث وقد حضره جماعة من النوفليين، فقال القاسم بن الحسن النوفلي: أنه قد كان انتهى إلينا أنك من ولد أحمد بن عيسى بن زيد، فقال: لست من ولد عيسى، أنا من ولد يحيى بن زيد. وهو في ذلك كاذب، لأن الإجماع في يحيى أنه لم يعقب إلا بنتا ماتت وهي ترضع. ذكر الخبر عن الحرب بين محمد المولد والزنج وفيها أشخص السلطان محمدا المولد إلى البصرة لحرب صاحب الزنج، فشخص من سامرا يوم الجمعة لليلة خلت من ذي القعدة. ذكر الخبر عما كان من أمر المولد هناك: ذكر ان محمدا المعروف بالمولد لما صار إلى ما هنالك نزل الأبلة، وجاء بريه، فنزل البصرة، واجتمع إلى بريه من أهل البصرة خلق كثير ممن كان هرب، وكان يحيى حين انصرف عن البصرة أقام بالنهر المعروف بالغوثي قال محمد: قال شبل: فلما قدم محمد المولد كتب الخبيث إلى يحيى يأمره بالمصير إلى نهراوا، فصار إليه بالجيش، وأقام يحارب المولد عشرة أيام، ثم أوطن المولد المقام، واستقر وفتر عن الحرب، فكتب الخبيث إلى يحيى يأمره بتبييته، ووجه إليه الشذا مع المعروف بأبي الليث الأصبهاني، فبيته ونهض المولد بأصحابه، فقاتلهم بقية ليلته ومن غد إلى العصر، ثم ولى منصرفا، ودخل الزنج عسكره، فغنموا ما فيه فكتب يحيى إلى الخبيث بخبره، فكتب إليه يأمره باتباعه، فاتبعه إلى الحوانيت، وانصرف، فمر بالجامدة، فأوقع بأهلها، وانتهب كل ما كان في تلك القرى، وسفك ما قدر على سفكه من الدماء، ثم عسكر بالجالة، فأقام هناك مدة، ثم عاد إلى نهر معقل

стр. 5497

وفيها أخذ محمد المولد سعيد بن أحمد بن سعيد بن سلم الباهلي، وكان قد تغلب على البطائح، هو وأصحابه من باهلة وأفسدوا الطريق. وفيها خالف محمد بن واصل السلطان بفارس، وغلب عليها. وحج بالناس في هذه السنة الفضل بْن إسحاق بن الحسن بن إسماعيل بن العباس. بْن محمد بْن علي بْن عبد الله بن العباس وفيها وثب بسيل المعروف بالصقلى- وقيل له الصقلبي وهو من أهل بيت المملكة، لأن أمه صقلبية- على ميخائيل بن توفيل ملك الروم فقتله، وكان ميخائيل منفردا بالمملكة أربعا وعشرين سنة، وتملك الصقلبي بعده على الروم.

стр. 5498

ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأمور الجليلة فمن ذلك ما كان من الموافاة بسعيد بن أحمد بن سعيد بن سلم الباهلي باب السلطان، وأمر السلطان بضربه بالسياط، فضرب سبعمائة سوط- فيما قيل- في شهر ربيع الآخر منها، فمات فصلب. وفيها ضرب عنق قاض لصاحب الزنج، كان يقضي له بعبادان، وأعناق أربعة عشر رجلا من الزنج بباب العامة بسامرا، كانوا أسروا من ناحية البصرة. وفيها أوقع مفلح بأعراب بتكريت، ذكر أنهم كانوا مايلوا الشاري مساورا وفيها أوقع مسرور البلخي بالأكراد اليعقوبية فهزمهم، وأصاب فيهم. وفيها دخل محمد بن واصل في طاعة السلطان، وسلم الخراج والضياع بفارس إلى محمد بن الحسين بن الفياض. وعقد المعتمد يوم الاثنين لعشر بقين من شهر ربيع الأول لأبي أحمد أخيه على ديار مضر وقنسرين والعواصم، وجلس يوم الخميس مستهل شهر ربيع الآخر، فخلع عليه وعلى مفلح، فشخصا نحو البصرة وركب ركوبا عاما، وشيع أبا أحمد إلى بركوار، وانصرف.

стр. 5499

ذكر الخبر عن قتل منصور بن جعفر الخياط وفيها قتل منصور بن جعفر بن دينار الخياط. ذكر الخبر عن سبب مقتله وكيف كان أمره: ذكر أن الخبيث لما فرغ أصحابه من أمر البصرة، أمر علي بن أبان المهلبي بالمصير إلى جبى لحرب منصور بن جعفر، وهو يومئذ بالأهواز، فخرج إليه، فأقام بإزائه شهرا، وجعل منصور يأتي عسكر علي وهو مقيم بالخيزرانية، ومنصور إذ ذاك في خف من الرجال، فوجه الخبيث إلى على ابن أبان باثنتي عشرة شذاة مشحونة بجلد أصحابه، وولى أمرها المعروف بأبي الليث الأصبهاني، وأمره بالسمع والطاعة لعلي بن أبان، فصار المعروف بأبي الليث إلى علي، فأقام مخالفا له، مستبدا بالرأي عليه، وجاء منصور كما كان يجيء للحرب، ومعه شذوات، فبدر إليه أبو الليث عن غير مؤامرة منه لعلي بن أبان، فظفر منصور بالشذوات التي كانت معه، وقتل فيها من البيضان والزنج خلقا كثيرا، وأفلت أبو الليث، فانصرف إلى الخبيث، فانصرف علي بن أبان وجميع من كان معه، فأقاموا شهرا، ثم رجع علي لمحاربة منصور في رجاله، فلما استقر علي وجه طلائع يأتونه بأخبار منصور وعساكره، وكان لمنصور وال مقيم بكرنبا، فبيت علي بن أبان ذلك القائد، فقتله وقتل عامة من كان معه، وغنم ما كان في عسكره، وأصاب أفراسا، وأحرق العسكر، وانصرف من ليلته حتى صار في ذنابة نهر جبى وبلغ الخبر منصورا، فسار حتى انتهى إلى الخيزرانية، فخرج إليه علي في نفير من أصحابه، وكانت الحرب بينهما منذ ضحى ذلك اليوم إلى وقت الظهر، ثم انهزم منصور، وتفرق عنه أصحابه، وانقطع عنهم، وأدركته طائفة من الزنج اتبعوا أثره إلى نهر يعرف بعمر بن مهران، فلم يزل يكر عليهم حتى تقصفت رماحه، ونفدت سهامه، ولم يبق معه سلاح، ثم حمل نفسه على

стр. 5500

النهر ليعبر، فصاح بحصان كان تحته، فوثب وقصرت رجلاه، فانغمس في الماء. قال شبل: كان سبب تقصير الفرس عن عبور النهر بمنصور، أن رجلا من الزنج كان ألقى نفسه لما راى منصورا قاصدا نحو النهر يريد عبوره فسبقه سباحة، فلما وثب الفرس تلقاه الأسود، فنكص به، فغاضا معا، ثم أطلع منصور رأسه، فنزل إليه غلام من السودان من عرفاء مصلح يقال له أبرون، فاحتز رأسه، وأخذ سلبه، وقتل ممن كان معه جماعة كثيرة، وقتل مع منصور أخوه خلف بن جعفر، فولى يارجوخ ما كان إلى منصور من العمل اصغجون . ذكر الخبر عن قتل مفلح ولاثنتي عشرة بقيت من جمادى الأولى منها، قتل مفلح بسهم أصابه بغير نصل في صدغه يوم الثلاثاء، فأصبح ميتا يوم الأربعاء في غد ذلك اليوم، وحملت جثته إلى سامرا، فدفن بها. ذكر الخبر عن سبب مقتله وكيف كان الوصول إليه: قد مضى ذكري شخوص أبي أحمد بن المتوكل من سامرا إلى البصرة لحرب اللعين لما تناهى إليه وإلى المعتمد ما كان من فظيع ما ركب من المسلمين بالبصرة، وما قرب منها من سائر أرض الإسلام، فعاينت أنا الجيش الذي شخص فيه أبو أحمد ومفلح ببغداد، وقد اجتازوا بباب الطاق، وأنا يومئذ نازل هنالك، فسمعت جماعة من مشايخ أهل بغداد يقولون: قد رأينا جيوشا كثيرة من الخلفاء، فما رأينا مثل هذا الجيش أحسن عدة، وأكمل سلاحا وعتادا، وأكثر عددا وجمعا، وأتبع ذلك الجيش من متسوقة أهل بغداد خلق كثير

стр. 5501

وذكر عن محمد بن الحسن أن يحيى بن محمد البحراني كان مقيما بنهر معقل قبل موافاة أبي أحمد موضع الخبيث، فاستأذنه في المصير إلى نهر العباس، فكره ذلك، وخاف أن يوافيه جيش السلطان، وأصحابه متفرقون، فألح عليه يحيى حتى أذن له، فخرج واتبعه أكثر أهل عسكر الخبيث. وكان علي بن أبان مقيما بجبى في جمع كثير من الزنج، والبصرة قد صارت مغنما لأهل عسكر الخبيث، فهم يغادونها ويراوحونها لنقل ما نالته أيديهم منها، فليس بعسكر الخبيث يومئذ من أصحابه إلا القليل، فهو على ذلك من حاله حتى وافى أبو أحمد في الجيش الذي كان معه فيه مفلح، فوافى جيش عظيم هائل لم يرد على الخبيث مثله، فلما انتهى إلى نهر معقل هرب من كان هناك من جيش الخبيث، فلحقوا به مرعوبين، فراع ذلك الخبيث، فدعا برئيسين من رؤساء جيشه الذي كان هناك، فسألهما عن السبب الذي له تركا موضعهما، فأخبراه بما عاينا من عظم أمر الجيش الوارد، وكثرة عدد أهله وإحكام عدتهم، وأن الذي عاينا من ذلك لم يكن في قوتهما الوقوف له في العدة التي كانا فيها، فسألهما: هل علما من يقود الجيش، فقالا: لا قد اجتهدنا في علم ذلك، فلم نجد من يصدقنا عنه فوجه الخبيث طلائعه في سميريات لتعرف الخبر، فرجعت رسله إليه بتعظيم أمر الجيش وتفخيمه، ولم يقف أحد منهم على من يقوده ويرأسه، فزاد ذلك في جزعه وارتياعه، فبادر بالإرسال إلى علي بن أبان، يعلمه خبر الجيش الوارد، ويأمره بالمصير إليه فيمن معه، ووافى الجيش، فأناخ بإزائه، فلما كان اليوم الذي كانت فيه الوقعة وهو يوم الأربعاء، خرج الخبيث ليطوف في عسكره ماشيا، ويتأمل الحال فيمن هو مقيم معه من حزبه ومن هو مقيم بإزائه من أهل حربه، وقد كانت السماء مطرت في ذلك اليوم مطرا خفيفا والأرض ثرية تزل عنها الأقدام، فطوف ساعة من أول النهار، ثم رجع فدعا بدواة وقرطاس لينفذ كتابا إلى علي بن أبان، يعلمه ما قد أطله من الجيش

стр. 5502

ويأمره بتقديم من قدر على تقديمه من الرجال، فإنه لفي ذلك إذ أتاه المكتنى أبا دلف- وهو أحد قواد السودان- فقال له: إن القوم قد صعدوا وانهزم عنهم الزنج، وليس في وجوههم من يردهم حتى انتهوا إلى الحبل الرابع. فصاح به وانتهره، وقال: اغرب عني فإنك كاذب فيما حكيت، وإنما ذلك جزع دخلك لكثرة ما رأيت من الجمع، فانخلع قلبك، ولست تدري ما تقول. فخرج أبو دلف من بين يديه، وأقبل على كاتبه، وقد كان أمر جعفر بن إبراهيم السجان بالنداء في الزنج وتحريكهم للخروج إلى موضع الحرب، فأتاه السجان، فأخبره أنه قد ندب الزنج، فخرجوا وإن أصحابه قد ظفروا بسميريتين، فأمره بالرجوع لتحريك الرجالة، فرجع ولم يلبث بعد ذلك إلا يسيرا، حتى أصيب مفلح بسهم غرب لا يعرف الرامي به، ووقعت الهزيمة، وقوي الزنج على أهل حربهم، فنالوهم بما نالوهم به من القتل ووافى الخبيث زنجه بالرءوس قابضين عليها بأسنانهم حتى ألقوها بين يديه، فكثرت الرءوس يومئذ حتى ملأت كل شيء، وجعل الزنج يقتسمون لحوم القتلى ويتهادونها بينهم. وأتي الخائن بأسير من أبناء الفراغنة، فسأله عن رأس الجيش، فأعلمه بمكان أبي أحمد ومفلح، فارتاع لذكر أبي أحمد- وكان إذا راعه أمر كذب به- فقال: ليس في الجيش غير مفلح! لأني لست أسمع الذكر إلا له، ولو كان في الجيش من ذكر هذا الأسير لكان صوته أبعد، ولما كان مفلح إلا تابعا له، ومضافا إلى صحبته. وقد كان أهل عسكر الخبيث لما خرج عليهم أصحاب أبي أحمد، جزعوا جزعا شديدا، وهربوا من منازلهم، ولجئوا إلى النهر المعروف بنهر أبي الخصيب ولا جسر يومئذ عليه، فغرق فيه يومئذ خلق كثير من النساء والصبيان، ولم يلبث الخبيث بعد الوقعة إلا يسيرا، حتى وافاه علي بن أبان في جمع من أصحابه، فوافاه وقد استغنى عنه، ولم يلبث مفلح أن مات، وتحيز أبو أحمد

стр. 5503

إلى الأبلة، ليجمع ما فرقت الهزيمة منه، ويجدد الاستعداد، ثم صار إلى نهر أبي الأسد فأقام به. قال محمد بن الحسن: فكان الخبيث لا يدري كيف قتل مفلح، فلما بلغه أنه أصيب بسهم، ولم ير أحدا ينتحل رميه ادعى أنه كان الرامي له. قال: فسمعته يقول: سقط بين يدي سهم، فأتاني به واح خادمي، فدفعه إلي، فرميت به فأصبت مفلحا. قال محمد: وكذب في ذلك، لأني كنت حاضرا ذلك المشهد، وما زال عن فرسه حتى أتاه المخبر بخبر الهزيمة، وأتي بالرءوس وانقضت الحرب. وفي هذه السنة وقع الوباء في الناس في كور دجلة، فهلك فيها خلق كثير في مدينة السلام وسامرا وواسط وغيرها. وفيها قتل خرسخارس ببلاد الروم في جماعة من أصحابه. ذكر خبر اسر يحيى بن محمد البحرانى ثم قتله وفيها أسر يحيى بن محمد البحراني صاحب قائد الزنج، وفيها قتل. ذكر الخبر عن أسره وقتله وكيف كان ذلك: ذكر عن محمد بن سمعان الكاتب أنه قال: لما وافى يحيى بن محمد نهر العباس، لقيه بفوهه النهر ثلاثمائة وسبعون فارسا من أصحاب أصغجون العامل- كان عامل الأهواز في ذلك الوقت، كانوا مرتبين في تلك الناحية- فلما بصر بهم يحيى استقلهم، ورأى كثرة من معه من الجمع مما لا خوف عليه معهم، فلقيتهم أصحابه غير مستجنين بشيء يرد عنهم عاديتهم، ورشقتهم أصحاب أصغجون بالسهام، فأكثروا الجراح فيهم فلما راى ذلك

стр. 5504

يحيى عبر إليهم عشرين ومائة فارس كانت معه، وضم إليهم من الرجال جمعا كثيرا، وانحاز أصحاب أصغجون عنهم، وولج البحراني ومن معه نهر العباس، وذلك وقت قلة الماء في النهر، وسفن القيروانات جانحة على الطين. فلما أبصر أصحاب تلك السفن بالزنج تركوا سفنهم، وحازها الزنج، وغنموا ما كان فيها غنائم عظيمة جليلة، ومضوا بها متوجهين نحو البطيحة المعروفة ببطيحة الصحناة، وتركوا الطريق النهج، وذلك للتحاسد الذي كان بين البحراني وعلي بن أبان المهلبي وإن أصحاب يحيى أشاروا عليه ألا يسلك الطريق الذي يمر فيها بعسكر علي، فأصغى إلى مشورتهم، فشرعوا له الطريق المؤدي إلى البطيحة التي ذكرنا، فسلكها حتى ولج البطيحة، وسرح الخيل التي كانت معه، وجعل معها أبا الليث الأصبهاني، وأمره بالمصير بها إلى عسكر قائد الزنج. وكان الخبيث وجه إلى يحيى البحراني يعلمه ورود الجيش الذي ورد عليه، ويأمره بالتحرز في منصرفه من أن يلقاه أحد منهم، فوجه البحراني الطلائع إلى دجلة، فانصرفت طلائعه وجيش أبي أحمد منصرف من الأبلة إلى نهر أبي الأسد، وكان السبب في رجوع الجيش إلى نهر أبي الأسد، أن رافع بن بسطام وغيره من مجاوري نهر العباس وبطيحة الصحناة كتبوا إلى أبي أحمد يعرفونه خبر البحراني وكثرة جمعه، وأنه يقدر أن يخرج من نهر العباس إلى دجلة، فيسبق إلى نهر أبي الأسد ويعسكر به، ويمنعه الميرة، ويحول بينه وبين من يأتيه أو يصدر عنه، فرجعت إليه طلائعه بخبره، وعظم أمر الجيش عنده، وهيبته منه، فرجع في الطريق الذي كان سلكه بمشقة شديدة نالته ونالت أصحابه، وأصابهم وباء من ترددهم في تلك البطيحة، فكثر المرض فيهم فلما قربوا من نهر العباس جعل يحيى بن محمد سليمان بن جامع على مقدمته، فمضى يقود أوائل الزنج، وهم يجرون سفنهم، يريدون الخروج من نهر العباس، وفي النهر للسلطان شذوات وسميريات تحمي فوهته من قبل أصغجون، ومعها جمع من الفرسان والرجالة، فراعه وأصحابه ذلك،

стр. 5505

فخلوا سفنهم، وألقوا أنفسهم في غربي نهر العباس، وأخذوا على طريق الزيدان ماضين نحو عسكر الخبيث، ويحيى غار بما أصابهم، لم يأته علم شيء من خبرهم، وهو متوسط عسكره، قد وقف على قنطرة قورج العباس في موضع ضيق تشتد فيه جرية الماء، فهو مشرف على أصحابه الزنج، وهم في جر تلك السفن التي كانت معهم، فمنها ما يغرق، ومنها ما يسلم. قال محمد بن سمعان: وأنا في تلك الحال معه واقف، فأقبل علي متعجبا من شدة جرية الماء وشدة ما يلقى أصحابه من تلقيه بالسفن، فقال لي: أرأيت لو هجم علينا غدونا في هذه الحال، من كان أسوأ حالا منا! فما انقضى كلامه حتى وافاه طاشتمر التركي في الجيش الذي أنفذه إليهم أبو أحمد عند رجوعه من الأبلة إلى نهر أبي الأسد، ووقعت الضجة في عسكره. قال محمد: فنهضت متشوقا للنظر، فإذا الأعلام الحمر قد أقبلت في الجانب الغربي من نهر العباس ويحيى به، فلما رآها الزنج ألقوا أنفسهم في الماء جملة، فعبروا إلى الجانب الشرقي، وعري الموضع الذي كان فيه يحيى، فلم يبق معه إلا بضعة عشر رجلا، فنهض يحيى عند ذلك، فأخذ درقته وسيفه، واحتزم بمنديل، وتلقى القوم الذين أتوه في النفر الذين معه، فرشقهم أصحاب طاشتمر بالسهام، وأسرع فيهم الجراح، وجرح البحراني بأسهم ثلاثة في عضديه وساقه اليسرى فلما رآه أصحابه جريحا تفرقوا عنه، فلم يعرف فيقصد له فرجع حتى دخل بعض تلك السفن، وعبر به إلى الجانب الشرقي من النهر، وذلك وقت الضحى من ذلك اليوم، وأثقلت يحيى الجراحات التي أصابته فلما رأى الزنج ما نزل به اشتد جزعهم، وضعفت قلوبهم، فتركوا القتال وكانت همتهم النجاة بأنفسهم، وحاز أصحاب السلطان الغنائم التي كانت في السفن بالجانب الغربي من النهر، فلما حووها أقعدوا في بعض تلك السفن النفاطين، وعبروهم إلى شرقي النهر، فأحرقوا ما كان هناك من السفن

стр. 5506

التي كانت في أيدي الزنج، وانفض الزنج عن يحيى، فجعلوا يتسللون بقية نهارهم بعد قتل فيهم ذريع، وأسر كثير، فلما أمسوا وأسدف الليل طاروا على وجوههم، فلما رأى يحيى تفرق أصحابه، ركب سميرية كانت لرجل من المقاتلة البيضان، وأقعد معه فيها متطببا يقال له عباد يعرف بأبي جيش، وذلك لما كان به من الجراح، وطمع في التخلص إلى عسكر الخبيث، فسار حتى قرب من فوهه النهر، فبصر ملاحو السميرية بالشذا والسميريات واعتراضها في النهر، فجزعوا من المرور بهم، وأيقنوا أنهم مدركون، فعبروا إلى الجانب الغربي، فألقوه ومن معه على الأرض في زرع كان هناك، فخرج يمشي وهو مثقل، حتى ألقى نفسه، فأقام بموضعه ليلته تلك، فلما أصبح بموضعه ذلك نهض عباد المتطبب الذي كان معه، فجعل يمشي متشوقا لأن يرى إنسانا، فرأى بعض أصحاب السلطان، فأشار إليهم فأخبرهم بمكان يحيى، وأتاه بهم حتى سلمه إليهم. وقد زعم قوم أن قوما مروا به، فرأوه فدلوا عليه، فأخذ فانتهى خبره إلى الخبيث صاحب الزنج، فاشتد لذلك جزعه، وعظم عليه توجعه. ثم حمل يحيى بن محمد الأزرق البحراني إلى أبي أحمد، فحمله أبو أحمد إلى المعتمد بسامرا، فأمر ببناء دكة بالحير، بحضرة مجرى الحلبة فبنيت، ثم رفع للناس حتى أبصروه، فضرب بالسياط. وذكر أنه دخل سامرا يوم الأربعاء لتسع خلون من رجب على جمل، وجلس المعتمد من غد ذلك اليوم- وذلك يوم الخميس- فضرب بين يديه مائتي سوط بثمارها، ثم قطعت يداه ورجلاه من خلاف، ثم خبط بالسيوف ثم ذبح ثم أحرق. قال محمد بن الحسن: لما قتل يحيى البحراني وانتهى خبره إلى صاحب الزنج، قال: عظم علي قتله، واشتد اهتمامي به، فخوطبت فقيل لي: قتله خير لك، أنه كان شرها ثم أقبل على جماعة كنت أنا فيهم، قال: ومن شرهه أنا غنمنا غنيمة من بعض ما كنا نصيبه، فكان فيه عقدان، فوقعا في

стр. 5507

يد يحيى، فأخفى عني أعظمهما خطرا، وعرض علي أخسهما، واستوهبنيه فوهبته له، فرفع لي العقد الذي أخفاه، فدعوته فقلت: أحضرني العقد الذي أخفيته، فأتاني بالعقد الذي وهبته له، وجحد ان يكون اخذه غيره، فرفع لي العقد، فجعلت أصفه وأنا أراه، فبهت، وذهب فأتاني به، واستوهبنيه فوهبته له، وأمرته بالاستغفار. وذكر عن محمد بن الحسن أن محمد بن سمعان حدثه أن قائد الزنج قال لي في بعض أيامه: لقد عرضت علي النبوة فأبيتها، فقلت: ولم ذاك؟ قال: لأن لها أعباء خفت ألا اطيق حملها! ذكر خبر انحياز ابى احمد بن المتوكل الى واسط وفي هذه السنة انحاز أبو أحمد بن المتوكل من الموضع الذي كان به من قرب موضع قائد الزنج إلى واسط. ذكر الخبر عن سبب الحيازة ذلك إليها: ذكر أن السبب في ذلك كان أن أبا أحمد لما صار إلى نهر أبي الأسد، فأقام به، كثر العلل فيمن معه من جنده وغيرهم، وفشا فيهم الموت، فلم يزل مقيما هنالك حتى أبل من نجا منهم من الموت من علته، ثم انصرف راجعا إلى باذاورد، فعسكر به، وأمر بتجديد الآلات وإعطاء من معه من الجند أرزاقهم وإصلاح الشذوات والسميريات والمعابر، وشحنها بالقواد من مواليه وغلمانه، ونهض نحو عسكر الخبيث، وأمر جماعة من قواده بقصد مواضع سماها لهم من نهر أبي الخصيب وغيره، وأمر جماعة منهم بلزومه والمحاربة معه في الموضع الذي يكون فيه، فمال أكثر القوم حين وقعت الحرب، والتقى الفريقان إلى نهر أبي الخصيب، وبقي أبو أحمد في قلة من أصحابه، فلم يزل عن موضعه إشفاقا من أن يطمع فيه الزنج، وفيمن بإزائهم من أصحابه وهم بسبخة

стр. 5508

نهر منكى، وتأمل الزنج تفرق أصحاب أبي أحمد عنه، وعرفوا موضعه، فكثروا عليه، واستعرت الحرب، وكثر القتل والجراح بين الفريقين، وأحرق أصحاب أبي أحمد قصورا ومنازل من منازل الزنج، واستنقذوا من النساء جمعا كثيرا، وصرف الزنج جمعهم إلى الموضع الذي كان به أبو أحمد فظهر الموفق على الشذا، وتوسط الحرب محرضا أصحابه حتى أتاه من جمع الزنج ما علم أنه لا يقاوم بمثل العدة اليسيرة التي كان فيها، فرأى أن الحزم في محاجزتهم، فأمر أصحابه عند ذلك بالرجوع إلي سفنهم على تؤدة ومهل، فصار أبو أحمد إلى الشذا التي كان فيها بعد أن استقر أكثر الناس في سفنهم، وبقيت طائفة من الناس، ولجئوا إلى تلك الأدغال والمضايق، فانقطعوا عن أصحابهم، فخرج عليهم كمناء الزنج، فاقتطعوهم ووقعوا بهم، فحاموا عن أنفسهم، وقاتلوا قتالا شديدا، وقتلوا عددا كثيرا من الزنج، وأدركتهم المنايا فقتلوا، وحملوا إلى قائد الزنج مائة رأس وعشرة أرؤس، فزاد ذلك في عتوه ثم انصرف أبو أحمد إلى الباذاورد في الجيش، وأقام يعبي أصحابه للرجوع إلى الزنج، فوقعت نار في طرف من أطراف عسكره، وذلك في أيام عصوف الريح، فاحترق العسكر، ورحل أبو أحمد منصرفا، وذلك في شعبان من هذه السنة إلى واسط، فلما صار إلى واسط تفرق عنه عامه من كان معه من اصحابه. [أخبار متفرقة] ولعشر خلون من شعبان كانت هدة صعبة هائلة بالصيمرة ثم سمع من غد ذلك اليوم وذلك يوم الأحد، هدة هي أعظم من التي كانت في اليوم الأول، فتهدم من ذلك أكثر المدينة، وتساقطت الحيطان وهلك من أهلها- فيما قيل- زهاء عشرين ألفا وضرب بباب العامة بسامرا رجل يعرف بأبي فقعس، قامت عليه البينة- فيما قيل- بشتم السلف ألف سوط وعشرين سوطا، فمات وذلك يوم الخميس

стр. 5509

لسبع خلون من شهر رمضان ومات يارجوخ يوم الجمعة لثمان خلون من شهر رمضان، فصلى عليه أبو عيسى بن المتوكل، وحضر جعفر بن المعتمد وفيها كانت وقعة بين موسى بن بغا وأصحاب الحسن بن زيد، فهزم موسى أصحاب الحسن وفيها انصرف مسرور البلخي عن مساور الشاري إلى سامرا، ومعه أسراء من الشراة، واستخلف على عسكره بالحديثة جعلان ثم شخص أيضا مسرور البلخي إلى ناحية البوازيج، فلقي مساورا بها، فكانت بينهما وقعة بها أسر مسرور من أصحابه جماعة، ثم انصرف لليال بقيت من ذي الحجة وفي هذه السنة حدث في الناس ببغداد داء كان أهلها يسمونه القفاع. وفيها رجع أكثر الحاج من القرعاء خوف العطش، وسلم من سار منهم إلى مكة. وحج بالناس فيها الفضل بن إسحاق بن الحسن.

стр. 5510

ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومائتين ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث فمن ذلك منصرف أبي أحمد بن المتوكل من واسط، وقدومه سامرا يوم الجمعة لأربع بقين من شهر ربيع الأول، واستخلافه على واسط وحرب الخبيث بتلك الناحية محمدا المولد . ذكر الخبر عن مقتل كنجور ومن ذلك مقتل كنجور. ذكر الخبر عن سبب مقتله: وكان سبب ذلك أنه كان والي الكوفة، فانصرف عنها يريد سامرا بغير إذن، فأمر بالرجوع فأبى، فحمل إليه- فيما ذكر- مال ليفرق في أصحابه أرزاقهم منه، فلم يقنع بذلك، ومضى حتى ورد عكبراء في ربيع الأول، فتوجه إليه من سامرا عدة من القواد، فيهم: ساتكين وتكين وعبد الرحمن ابن مفلح وموسى بن أتامش وغيرهم، فذبحوه ذبحا، وحمل رأسه إلى سامرا، لليلة بقيت من شهر ربيع الأول، وأصيب معه نيف وأربعون ألف دينار، وألزم كاتب له نصراني مالا، ثم ضرب هذا الكاتب في شهر ربيع الآخر بباب العامة ألف سوط، فمات. وفيها غلب شركب الجمال على مرو وناحيتها وأنهبها. وفيها انصرف يعقوب بن الليث عن بلخ، فأقام بقهستان، وولى عماله هراة وبوشنج وباذغيس، وانصرف إلى سجستان

стр. 5511

وفيها فارق عبد الله السجزي يعقوب بن الليث مخالفا له، وحاصر نيسابور، فوجه محمد بن طاهر إليه الرسل والفقهاء، فاختلفوا بينهما، ثم ولاه الطبسين وقهستان . ذكر خبر دخول المهلبى ويحيى بن خلف سوق الاهواز ولست خلون من ارجب منها، دخل المهلبى ويحيى بن خلف النهر بطى سوق الأهواز، فقتلوا بها خلقا كثيرا، وقتلوا صاحب المعونة بها. ذكر الخبر عن سبب هذه الوقعة وكيف كان هلاك صاحب الحرب من قبل السلطان فيها: ذكر أن قائد الزنج خفي عليه أمر الحريق الذي كان في عسكر أبي أحمد بالباذاورد، فلم يعلم خبره إلا بعد ثلاثة أيام، ورد به عليه رجلان من أهل عبادان فأخبراه، فعاد للعيث، وانقطعت عنه الميرة، فانهض على ابن أبان المهلبي، وضم إليه أكثر الجيش، وسار معه سليمان بن جامع، وقد ضم إليه الجيش الذي كان مع يحيى بن محمد البحراني وسليمان بن موسى الشعراني، وقد ضمت إليه الخيل وسائر الناس مع علي بن أبان المهلبي والمتولي للأهواز يومئذ رجل يقال له أصغجون، ومعه نيزك في جماعة من القواد، فسار إليهم علي بن أبان في جمعه من الزنج، ونذر به أصغجون، فنهض نحوه في أصحابه، فالتقى العسكران بصحراء تعرف بدستماران، فكانت الدبرة يومئذ على أصغجون، فقتل نيزك في جمع كثير من أصحابه، وغرق أصغجون، وأسر الحسن بن هرثمة المعروف بالشار يومئذ، والحسن بن جعفر المعروف براوشار. قال محمد بن الحسن: فحدثني الحسن بن الشار، قال: خرجنا يومئذ مع أصغجون للقاء الزنج، فلم يثبت أصحابنا، وانهزموا، وقتل نيزك، وفقد أصغجون، فلما رأيت ذلك نزلت عن فرس محذوف كان تحتي، وقدرت

стр. 5512

أن أتناول بذنب جنيبة كانت معي، وأقحمها النهر، فأنجو بها فسبقني إلى ذلك غلامي، فنجا وتركني، فأتيت موسى بن جعفر لأتخلص معه، فركب سفينة، ومضى فيها، ولم يقم علي، وبصرت بزورق فأتيته فركبته، فكثر الناس علي وجعلوا يطلبون الركوب معي فيتعلقون بالزورق حتى غرقوه، فانقلب، وعلوت ظهره، وذهب الناس عني، وأدركني الزنج، فجعلوا يرمونني بالنشاب، فلما خفت التلف قلت: أمسكوا عن رميي، وألقوا إلي شيئا أتعلق به، وأصير إليكم، فمدوا إلي رمحا، فتناولته بيدي وصرت إليهم. وأما الحسن بن جعفر، فإن أخاه حمله على فرس، واعده ليسفر بينه بين أمير الجيش، فلما وقعت الهزيمة بادر في طلب النجاة، فعثر به فرسه فأخذ. فكتب علي بن أبان إلى الخبيث بأمر الوقعة، وحمل إليه رءوسا وأعلاما كثيرة، ووجه الحسن بن الشار والحسن بن جعفر وأحمد بن روح، فأمر بالأسرى إلى السجن، ودخل علي بن أبان الأهواز، فأقام يعيث بها إلى أن ندب السلطان موسى بن بغا لحرب الخبيث. شخوص موسى بن بغا لحرب صاحب الزنج وفيها شخص موسى بن بغا عن سامرا لحربه، وذلك لثلاث عشر بقيت من ذي القعدة، وشيعه المعتمد إلى خلف الحائطين، وخلع عليه هناك. وفيها وافى عبد الرحمن بن مفلح الأهواز وإسحاق بن كنداج البصرة وإبراهيم بن سيما باذاورد لحرب قائد الزنج من قبل موسى بن بغا. ذكر الخبر عما كان من أمر هؤلاء في النواحي التي ضمت إليهم مع أصحاب قائد الزنج في هذه السنة: ذكر أن ابن مفلح لما وافى الأهواز، أقام بقنطرة أربك عشرة أيام، ثم

стр. 5513

مضى إلى المهلبي، فواقعه، فهزمه المهلبي وانصرف، واستعد ثم عاد لمحاربته، فأوقع به وقعة غليظة، وقتل من الزنج قتلا ذريعا، وأسر أسرى كثيرة، وانهزم علي بن أبان، وأفلت ومن معه من الزنج، حتى وافوا بيانا، فأراد الخبيث ردهم، فلم يرجعوا للذعر الذي خالط قلوبهم فلما رأى ذلك أذن لهم في دخول عسكره، فدخلوا جميعا، فأقاموا بمدينته ووافى عبد الرحمن حصن المهدي ليعسكر به، فوجه إليه الخبيث علي بن أبان، فواقعه فلم يقدر عليه، ومضى علي يريد الموضع المعروف بالدكر، وإبراهيم بن سيما يومئذ بالباذاورد، فواقعه إبراهيم، فهزم علي بن أبان، وعاوده فهزمه أيضا إبراهيم، فمضى في الليل، وأخذ معه أدلاء، فسلكوا به الآجام والأدغال، حتى وافى نهر يحيى، وانتهى خبره إلى عبد الرحمن، فوجه إليه طاشتمر في جمع من الموالي، فلم يصل إلى علي ومن معه لوعورة الموضع الذي كانوا فيه، وامتناعه بالقصب والحلافي، فأضرمه عليهم نارا، فخرجوا منه هاربين، فأسر منهم أسرى، وانصرف إلى عبد الرحمن بن مفلح بالأسرى والظفر، ومضى على ابن أبان حتى وافى نسوخا، فأقام هناك فيمن معه من أصحابه، وانتهى الخبر بذلك إلى عبد الرحمن بن مفلح، فصرف وجهه نحو العمود، فوافاه وأقام به. وصار علي بن أبان إلى نهر السدرة، وكتب إلى الخبيث يستمده ويسأله التوجيه اليه بالشذاءات، فوجه إليه ثلاث عشرة شذاة، فيها جمع كثير من أصحابه فسار علي ومعه الشذا حتى وافى عبد الرحمن، وخرج إليه عبد الرحمن بمن معه، فلم يكن بينهما قتال، وتواقف الجيشان يومهما ذلك، فلما كان الليل، انتخب علي بن أبان من أصحابه جماعة يثق بجلدهم وصبرهم، ومضى فيهم ومعه سليمان بن موسى المعروف بالشعراني، وترك سائر عسكره مكانه ليخفى أمره، فصار من وراء عبد الرحمن، ثم بيته في عسكره، فنال منه ومن أصحابه نيلا، وانحاز عبد الرحمن عنه، وخلى عن أربع شذوات من شذواته،

стр. 5514

فأخذها علي وانصرف، ومضى عبد الرحمن لوجهة حتى وافى الدولاب فأقام به، وأعد رجالا من رجاله، وولى عليهم طاشتمر، وأنفذهم إلى على ابن ابان فوافوه بنواحي بياب آزر، فأوقعوا به وقعة، انهزم منها إلى نهر السدرة، وكتب طاشتمر إلى عبد الرحمن بانهزام علي عنه، فأقبل عبد الرحمن بجيشه حتى وافى العمود، فأقام به، واستعد أصحابه للحرب، وهيأ شذواته، وولى عليها طاشتمر، فسار إلى فوهة نهر السدرة، فواقع علي بن أبان وقعة عظيمة، انهزم منها علي، وأخذ منه عشر شذوات، ورجع علي إلى الخبيث مفلولا مهزوما، وسار عبد الرحمن من فوره، فعسكر ببيان، فكان عبد الرحمن ابن مفلح وإبراهيم بن سيما يتناوبان المصير إلى عسكر الخبيث، فيوقعان به، ويخفيان من فيه، وإسحاق بن كنداج يومئذ مقيم بالبصرة، قد قطع الميرة عن عسكر الخبيث، فكان الخبيث يجمع أصحابه في اليوم الذي يخاف فيه موافاة عبد الرحمن بن مفلح وإبراهيم بن سيما حتى ينقضي الحرب، ثم يصرف فريقا منهم إلى ناحية البصرة، فيواقع بهم إسحاق بن كنداج، فأقاموا في ذلك بضعة عشر شهرا إلى أن صرف موسى بن بغا عن حرب الخبيث، ووليها مسرور البلخي، وانتهى الخبر بذلك إلى الخبيث. وفيها غلب الحسن بن زيد على قومس، ودخلها أصحابه وفيها كانت وقعة بين محمد بن الفضل بن سنان القزويني ووهسوذان بن جستان الديلمي، فهزم محمد بن الفضل وهسوذان. وفيها ولي موسى بن بغا الصلابي الري حين وثب كيغلغ على تكين، فقتله فسار إليها. وفيها غلب صاحب الروم على سميساط، ثم نزل على ملطية، وحاصر أهلها، فحاربه أهل ملطية فهزموه، وقتل أحمد بن محمد القابوس نصرا الإقريطشي بطريق البطارقة. وفيها وجه من الأهواز جماعة من الزنج أسروا إلى سامرا، فوثبت العامة بهم بسامرا، فقتلوا أكثرهم وسلبوهم.

стр. 5515

ذكر الخبر عن دخول يعقوب بن الليث نيسابور وفيها دخل يعقوب بن الليث نيسابور. ذكر الخبر عن الكائن الذي كان منه هناك: ذكر أن يعقوب بن الليث صار إلى هراة، ثم قصد نيسابور، فلما قرب منها وأراد دخولها، وجه محمد بن طاهر يستأذنه في تلقيه، فلم يأذن له، فبعث بعمومته وأهل بيته، فتلقوه، ثم دخل نيسابور لأربع خلون من شوال بالعشي، فنزل طرفا من أطرافها يعرف بداوداباذ، فركب إليه محمد بن طاهر، فدخل عليه في مضربه، فساءله، ثم أقبل على تأنيبه وتوبيخه على تفريطه في عمله، ثم انصرف وأمر عزيز بن السري بالتوكيل به، وصرف محمد بن طاهر وولى عزيزا نيسابور، ثم حبس محمد بن طاهر وأهل بيته وورد الخبر بذلك على السلطان، فوجه إليه حاتم بن زيرك بن سلام، ووردت كتب يعقوب على السلطان لعشر بقين من ذي القعده، فقعد- فيما ذكر- جعفر ابن المعتمد وأبو أحمد بن المتوكل في إيوان الجوسق، وحضر القواد، وأذن لرسل يعقوب فذكر رسله ما تناهى إلى يعقوب من حال أهل خراسان، وأن الشراة والمخالفين قد غلبوا عليها، وضعف محمد بن طاهر، وذكروا مكاتبة أهل خراسان يعقوب ومسألتهم إياه قدومه عليهم واستعانتهم، وأنه صار إليها، فلما كان على عشرة فراسخ من نيسابور، سار إليه أهلها، فدفعوها إليه فدخلها فتكلم أبو أحمد وعبيد الله بن يحيى، وقالا للرسل: أن أمير المؤمنين لا يقار يعقوب على ما فعل، وأنه يأمره بالانصراف إلى العمل الذي ولاه إياه، وأنه لم يكن له أن يفعل ذلك بغير أمره فليرجع، فإنه إن فعل كان من الأولياء، وإلا لم يكن له إلا ما للمخالفين وصرف إليه رسله بذلك ووصلوا، وخلع على كل واحد منهم خلعة فيها ثلاثة أثواب، وكانوا أحضروا رأسا على قناة فيه رقعة فيها: هذا رأس عدو الله عبد الرحمن الخارجي بهراة، ينتحل الخلافة منذ ثلاثين سنة، قتله يعقوب بن الليث [أخبار متفرقة] وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بْن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن سليمان بن عَلِيّ بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس المعروف ببريه

стр. 5516

ثم دخلت سنة ستين ومائتين ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث فمما كان فيها من ذلك قتل رجل من أكراد مساور الشاري محمد بن هارون بن المعمر، وجده في زورق يريد سامرا، فقتله وحمل رأسه إلى مساور، فطلبت ربيعة بدمه في جمادى الآخرة، فندب مسرور البلخي وجماعة من القواد إلى أخذ الطريق على مساور. وفيها قتل قائد الزنج علي بن زيد العلوي صاحب الكوفه. خبر الوقعه بين يعقوب بن الليث والحسن بن زيد الطائي وفيها واقع يعقوب بن الليث الحسن بن زيد الطالبي، فهزمه ودخل طبرستان. ذكر الخبر عن هذه الوقعة وعن سبب مصير يعقوب إلى طبرستان: أخبرني جماعة من أهل الخبرة بيعقوب أن عبد الله السجزي كان يتنافس الرياسة بسجستان، فقهره يعقوب، فتخلص منه عبد الله، فلحق بمحمد بن طاهر بنيسابور، فلما صار يعقوب الى نيسابور وهرب عبد الله، فلحق بالحسن بن زيد، فشخص يعقوب في اثره بعد ما كان من أمره وأمر محمد بن طاهر ما قد ذكرت قبل، فمر في طريقه إلى طبرستان بأسفرائيم ونواحيها، وبها رجل كنت أعرفه يطلب الحديث، يقال له بديل الكشي، يظهر التطوع والأمر بالمعروف، وقد استجاب له عامة أهل تلك الناحية، فلما نزلها يعقوب راسله، وأخبره أنه مثله في التطوع وأنه معه، فلم يزل يرفق به حتى صار إليه بديل، فلما تمكن منه قيده، ومضى به معه إلى طبرستان، فلما صار إلى قرب سارية لقيه الحسن بن زيد. فقيل لي: إن يعقوب بعث إلى الحسن بن زيد يسأله أن يبعث إليه بعبد الله

стр. 5517

السجزي حتى ينصرف عنه، فإنه إنما قصد طبرستان من أجله لا لحربه، فأبى الحسن بن زيد تسليمه إليه، فآذنه يعقوب بالحرب، فالتقى عسكراهما، فلم تكن إلا كلا ولا، حتى هزم الحسن بن زيد، ومضى نحو الشرز وأرض الديلم، ودخل يعقوب سارية، ثم تقدم منها إلى آمل، فجبى أهلها خراج سنة، ثم شخص من آمل نحو الشرز في طلب الحسن بن زيد حتى صار إلى بعض جبال طبرستان، فأدركته فيه الأمطار، وتتابعت عليه- فيما ذكر لي- نحوا من أربعين يوما، فلم يتخلص من موضعه ذلك إلا بمشقة شديدة. وكان- فيما قيل لي- قد صعد جبلا، لما رام النزول عنه لم يمكنه ذلك إلا محمولا على ظهور الرجال، وهلك عامة ما كان معه من الظهر. ثم رام الدخول خلف الحسن بن زيد إلى الشرز، فحدثني بعض أهل تلك الناحية أنه انتهى إلى الطريق الذي أراد سلوكه إليه، فوقف عليه، وأمر أصحابه بالوقوف، ثم تقدم أمامهم يتأمل الطريق، ثم رجع إلى أصحابه، فأمرهم بالانصراف، وقال لهم: إن لم يكن إليه طريق غير هذا فلا طريق إليه فأخبرني الذي ذكر لي ذلك، أن نساء أهل تلك الناحية قلن لرجالهن: دعوه يدخل هذا الطريق، فإنه إن دخل كفيناكم أمره، وعلينا أخذه وأسره لكم فلما انصرف راجعا، وشخص عن حدود طبرستان، عرض رجاله، ففقد منهم- فيما قيل لي- أربعين ألفا، وانصرف عنها، وقد ذهب عظم ما كان معه من الخيل والإبل والأثقال وذكر أنه كتب إلى السلطان كتابا يذكر فيه مسيره إلى الحسن بن زيد، وأنه سار من جرجان إلى طميس فافتتحها ثم سار إلى سارية، وقد أخرب الحسن بن زيد القناطر، ورفع المعابر، وعور الطريق، وعسكر الحسن بن زيد على باب سارية متحصنا بأودية عظام، وقد مالاه خرشاد بن جيلاو، صاحب الديلم، فزحف باقتدار فيمن جمع إليه من الطبرية والديالمة والخراسانيه والقمية والجبلية والشامية والجزرية، فهزمته وقتلت عدة لم يبلغها بعهدي عدة،

стр. 5518

وأسرت سبعين من الطالبيين، وذلك في رجب، وسار الحسن بن زيد إلى الشرز ومعه الديلم وفي هذه السنة اشتد الغلاء في عامة بلاد الإسلام، فانجلى- فيما ذكر- عن مكة من شدة الغلاء من كان بها مجاورا إلى المدينة وغيرها من البلدان، ورحل عنها العامل الذي كان بها مقيما وهو بريه، وارتفع السعر ببغداد، فبلغ الكر الشعير عشرين ومائه دينار، والحنطة خمسين ومائه، ودام ذلك شهورا ٤ وفيها قتلت الأعراب منجور والي حمص، فاستعمل عليها بكتمر وفيها صار يعقوب بن الليث حين انصرف عن طبرستان إلى ناحية الري، وكان السبب في مصيره إليها- فيما ذكر لي- مصير عبد الله السجزي إلى الصلابي مستجيرا به من يعقوب، لما هزم يعقوب الحسن بن زيد، فلما صار يعقوب الى خوار الري كتب إلى الصلابي يخيره بين تسليم عبد الله السجزي إليه. حتى ينصرف عنه، ويرتحل عن عمله، وبين أن يأذن بحربه فاختار الصلابي- فيما قيل لي- تسليم عبد الله، فسلمه إليه، فقتله يعقوب، وانصرف عن عمل الصلابى . ذكر خبر مقتل العلاء بن احمد الأزدي وفيها قتل العلاء بن أحمد الأزدي. ذكر الخبر عن سبب مقتله: ذكر أن العلاء بن أحمد فلج وتعطل، فكتب السلطان إلى أبي الرديني عمر بن علي بن مر بولاية أذربيجان، وكانت قبل إلى العلاء، فصار أبو الرديني إليها ليتسلمها من العلاء، فخرج العلاء في قبة في شهر رمضان

стр. 5519

لحرب أبي الرديني، ومع أبي الرديني جماعة من الشراة وغيرهم، فقتل العلاء. فذكر أنه وجه عدة من الرجال في حمل ما خلف العلاء، فحمل من قلعته ما بلغت قيمته الفى وسبعمائة ألف درهم. وفيها أخذت الروم لؤلؤة من المسلمين. وحج بالناس فيها إبراهيم بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن سليمان بن علي المعروف ببريه.

стр. 5520

ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائتين ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث فمن ذلك ما كان من انصراف الحسن بن زيد من أرض الديلم إلى طبرستان وإحراقه شالوس لما كان من ممالأتهم يعقوب وإقطاعه ضياعهم الديالمة. ومن ذلك ما كان من أمر السلطان عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بجمع من كان ببغداد من حاج خراسان والري وطبرستان وجرجان، فجمعهم في صفر منها، ثم قرئ عليهم كتاب يعلمون فيه أن السلطان لم يول يعقوب بن الليث خراسان، ويأمرهم بالبراءة منه لإنكاره دخوله خراسان وأسره محمد بن طاهر وفي هذه السنة توفي عبد الله بن الواثق في عسكر الصفار يعقوب. وفيها قتل مساور الشاري يحيى بن حفص الذي كان يلي خراسان بكرخ جدان في جمادى الآخرة، فشخص مسرور البلخي في طلبه، ثم تبعه ابو احمد ابن المتوكل، وتنحى مساور فلم يلحق. وفي جمادى الأولى منها هلك أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري. ذكر خبر وقعه كانت برامهرمز في هذا العام وفيها كانت بين محمد بن واصل وعبد الله بن مفلح وطاشتمر وقعة برامهرمز، فقتل ابن واصل طاشتمر، وأسر ابن مفلح. ذكر الخبر عن هذه الوقعة والسبب فيها: كان السبب في ذلك- فيما ذكر لي- أن ابن واصل قتل الحارث بن سيما وهو عامل السلطان بفارس وتغلب عليها، فضمت إلى موسى بن بغا فارس

стр. 5521

والأهواز والبصرة والبحرين واليمامة، مع ما كان اليه من عمل المشرق، فوجه موسى بن بغا عبد الرحمن بن مفلح إلى الأهواز، وولاه إياها وفارس، وضم إليه طاشتمر، فاتصل بابن واصل ذلك من فعل موسى، وإن ابن مفلح قد توجه إلي فارس يريده، وكان قبل مقيما بالأهواز على حرب الخارجي بناحية البصرة فزحف إليه ابن واصل، فالتقيا برامهرمز، وانضم أبو داود الصعلوك إلى ابن واصل معينا له على ابن مفلح، فظفر ابن واصل بابن مفلح، فأسره وقتل طاشتمر، واصطلم عسكر ابن مفلح، ثم لم يزل ابن مفلح في يده حتى قتله، وقد كان السلطان وجه إسماعيل بن إسحاق إلى ابن واصل في إطلاق ابن مفلح، فلم يجبه إلى ذلك ابن واصل ولما فرغ ابن واصل من ابن مفلح أقبل مظهرا أنه يريد واسطا لحرب موسى بن بغا حتى انتهى إلى الأهواز، وبها إبراهيم بن سيما في جمع كثير فلما رأى موسى بن بغا شدة الأمر وكثرة المتغلبين على نواحي المشرق، وأنه لا قوام له بهم، سأل أن يعفى من أعمال المشرق، فأعفي منها، وضم ذلك إلى أبي أحمد، ووليه أبو أحمد بن المتوكل، فانصرف موسى بن بغا من واسط إلى باب السلطان مع عماله عن أعمال المشرق. وفيها ولي أبو الساج الأهواز وحرب قائد الزنج، فصار إليها أبو الساج بعد شخوص عبد الرحمن بن مفلح إلى ناحية فارس. وفيها كانت بين عبد الرحمن صهر أبي الساج وعلي بن أبان المهلبي وقعة بناحية الدولاب، قتل فيها عبد الرحمن، وانحاز أبو الساج إلى عسكر مكرم، ودخل الزنج الأهواز، فقتلوا أهلها، وسبوا وانتهبوا، وأحرقوا دورها. ثم صرف أبو الساج عما كان اليه من عمل الاهواز وجرب الزنج، وولي ذلك إبراهيم بن سيما، فلم يزل مقيما في عمله ذلك حتى انصرف عنه بانصراف موسى ابن بغا، عما كان إليه من عمل المشرق

стр. 5522

وفيها ولي محمد بن أوس البلخي طريق خراسان. ولما ضم عمل المشرق إلى أبي أحمد ولي مسرورا البلخي الأهواز والبصرة وكور دجلة واليمامة والبحرين في شعبان من هذه السنة، وحرب قائد الزنج وفيها ولي نصر بن أحمد بن أسد الساماني ما وراء نهر بلخ، وذلك في شهر رمضان منها، وكتب إليه بولايته ذلك. وفي شوال منها زحف يعقوب بن الليث إلى فارس، وابن واصل مقيم بالأهواز، فانصرف منها إلى فارس، فالتقى هو ويعقوب بن الليث في ذي القعدة، فهزمه يعقوب وفل عسكره، وبعث إلى خرمة إلى قلعة ابن واصل، فأخذ ما كان فيها، فذكر أنه بلغت قيمة ما أخذ يعقوب منها أربعين ألف ألف درهم، وأسر مرداسا خال ابن واصل وفيها أوقع أصحاب يعقوب بن الليث بأهل زم موسى بن مهران الكردي، لما كان من ممالأتهم محمد بن واصل، فقتلوهم، وانهزم موسى بن مهران وفيها لاثنتي عشرة مضت من شوال منها، جلس المعتمد في دار العامة، فولى ابنه جعفرا العهد، وسماه المفوض إلى الله، وولاه المغرب، وضم إليه موسى بن بغا، وولاه إفريقية ومصر والشام والجزيرة والموصل وأرمينية وطريق خراسان ومهرجانقذق وحلوان، وولى أخاه أبا أحمد العهد بعد جعفر، وولاه المشرق، وضم إليه مسرورا البلخي، وولاه بغداد والسواد والكوفة وطريق مكة والمدينة واليمن وكسكر وكور دجلة والأهواز وفارس وأصبهان وقم والكرج والدينور والري وزنجان وقزوين وخراسان وطبرستان وجرجان وكرمان وسجستان والسند، وعقد لكل واحد منهما لواءين: أسود وأبيض، وشرط إن حدث به حدث الموت وجعفر لم يكمل للأمر، أن يكون الأمر لأبي أحمد ثم لجعفر وأخذت البيعة على الناس بذلك، وفرقت نسخ الكتاب، وبعث بنسخة مع الحسن بن محمد بن أبي الشوارب ليعلقها في الكعبة، فعقد جعفر المفوض لموسى بن بغا على المغرب في شوال وبعث إليه بالعقد مع محمد المولد

стр. 5523

وفيها فارق محمد بن زيدويه يعقوب بن الليث، فاعتزل عسكره في آلاف من أصحابه، فصار إلى أبي الساج فقبله، وأقام معه بالأهواز، وبعث إليه من سامرا بخلعة، ثم سأل ابن زيدويه السلطان توجيه الحسين بن طاهر بن عبد الله معه إلى خراسان. وسار مسرور البلخي مقدمة لأبي أحمد من سامرا، لسبع خلون من ذي الحجة، وخلع عليه وعلى أربعة وثلاثين من قواده- فيما ذكر- وشيعه وليا العهد، واتبعه الموفق شاخصا من سامرا لتسع بقين من ذي الحجة. وحج بالناس فيها الفضل بن إسحاق بن الحسن بن إسماعيل بن العباس بْن محمد بْن عَلِيّ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس. ومات الحسن بن محمد بن أبي الشوارب فيها بمكة بعد ما حج.

стр. 5524

ثم دخلت سنة اثنتين وستين ومائتين (ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث) ذكر خبر دخول يعقوب بن الليث رامهرمز فمما كان فيها من ذلك موافاة يعقوب بن الليث رامهرمز في المحرم وتوجيه السلطان إليه إسماعيل بن إسحاق وبغراج، وإخراج السلطان من كان محبوسا من أسباب يعقوب بن الليث من السجن، لأنه لما كان من أمره ما كان في أمر محمد بن طاهر، حبس السلطان غلامه وصيفا ومن كان قبله من أسبابه، فاطلق عنهم بعد ما وافى يعقوب رامهرمز، وذلك لخمس خلون من شهر ربيع الأول ثم قدم إسماعيل بن إسحاق من عند يعقوب، وخرج إلى سامرا برسالة من عنده، فجلس أبو أحمد ببغداد، ودعا بجماعة من التجار، وأعلمهم أن أمير المؤمنين أمر بتولية يعقوب بن الليث خراسان وطبرستان وجرجان والري وفارس والشرطة بمدينة السلام، وذلك بمحضر من درهم بن نصر صاحب يعقوب وكان المعتمد قد صرف درهما هذا من سامرا إلى يعقوب بجواب ما كان يعقوب أرسله، يسأله لنفسه، فأرسل معه إليه عمر بن سيما ومحمد بن تركشة، ووافى فيها رسل ابن زيدويه بغداد في شهر ربيع الأول منها برسالة من عنده، فخلع عليه أبو أحمد، ثم انصرف في هذه السنة الذين توجهوا إلى يعقوب بن الليث إلى السلطان، فأعلموه أنه يقول: أنه لا يرضيه ما كتب إليه دون أن يصير إلى باب السلطان، وارتحل يعقوب من عسكر مكرم، فصار أبو الساج إليه، فقبله وأكرمه ووصله. ولما رجعت الرسل بما كان من جواب يعقوب عسكر المعتمد يوم السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة بالقائم بسامرا، واستخلف على سامرا ابنه جعفرا، وضم إليه محمدا المولد، ثم سار منها يوم الثلاثاء لست خلون من جمادى

стр. 5525

الآخرة، ووافى بغداد يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة، فاشتقها حتى جازها، وصار إلى الزعفرانية فنزلها، وقدم أخاه أبا أحمد من الزعفرانية فسار يعقوب بجيشه من عسكر مكرم، حتى صار من واسط على فرسخ، فصادف هنالك بثقا قد بثقه مسرور البلخي من دجلة لئلا يقدر على جوازه، فأقام عليه حتى سده وعبره، وذلك لست بقين من جمادى الآخرة، وصار إلى باذبين، ثم وافى محمد بن كثير من قبل يعقوب عسكر مسرور البلخي، فصار بإزائه، فصار مسرور بعسكره إلى النعمانية، ووافى يعقوب واسطا، فدخلها لست بقين من جمادى الآخرة. وارتحل المعتمد من الزعفرانية يوم الخميس لليلة بقيت من جمادى الآخرة، حتى صار إلى سيب بني كوما، فوافاه هنالك مسرور البلخي، وكان مسير مسرور البلخي إليه في الجانب الغربي من دجلة، فعبر إلى الجانب الذي فيه العسكر، فأقام المعتمد بسيب بني كوما أياما، حتى اجتمعت إليه عساكره، وزحف يعقوب من واسط إلى دير العاقول، ثم زحف من دير العاقول نحو عسكر السلطان، فأقام المعتمد بالسيب، ومعه عبيد الله بن يحيى، وأنهض أخاه أبا أحمد لحرب يعقوب، فجعل أبو أحمد موسى بن بغا على ميمنته، ومسرورا البلخي على ميسرته، وصار هو في خاصته، ونخبة رجاله في القلب. والتقى العسكران يوم الأحد لليال خلون من رجب بموضع يقال له اضطربد بين سيب بني كوما ودير العاقول فشدت ميسرة يعقوب على ميمنة أبي احمد فهزمتها، وقتلت منها جماعه كثيره منهم من قوادهم ابراهيم بن سيما التركى وطباغوا التركي ومحمد طغتا التركي والمعرف بالمبرقع المغربي وغيرهم ثم ثاب المنهزمون وسائر عسكر أبي أحمد ثابت، فحملوا على يعقوب وأصحابه، فثبتوا وحاربوا حربا شديدا، وقتل من أصحاب يعقوب جماعة من أهل البأس، منهم الحسن الدرهمي ومحمد بن كثير وكان على مقدمة يعقوب- والمعروف بلبادة- فأصابت يعقوب ثلاثة أسهم في حلقه ويديه، ولم تزل الحرب بين الفريقين- فيما قيل- إلى آخر وقت صلاة العصر

стр. 5526

ثم وافى أبا أحمد الديراني ومحمد بن أوس، واجتمع جميع من في عسكر أبي أحمد، وقد ظهر من كثير ممن مع يعقوب كراهة القتال معه إذ رأوا السلطان قد حضر لقتاله، فحملوا على يعقوب ومن قد ثبت معه للقتال، فانهزم أصحاب يعقوب، وثبت يعقوب في خاصة أصحابه، حتى مضوا وفارقوا موضع الحرب. فذكر أنه أخذ من عسكره من الدواب والبغال أكثر من عشرة آلاف رأس، ومن الدنانير والدراهم ما يكل عن حمله، ومن جرب المسك أمر عظيم، وتخلص محمد بن طاهر بن عبد الله، وكان مثقلا بالحديد، خلصه الذي كان موكلا به. ثم أحضر محمد بن طاهر، فخلع عليه على مرتبته، وقرئ على الناس كتاب فيه: ولم يزل الملعون المارق المسمى يعقوب بن الليث الصفار ينتحل الطاعة، حتى أحدث الأحداث المنكرة، من مصيره إلى صاحب خراسان، وغلبته إياه عليها، وتقلده الصلاة والإحداث بها، ومصيره إلى فارس مرة بعد مرة، واستيلائه على أموالها، وإقباله إلى باب أمير المؤمنين مظهر المسألة في امور اجابه امير المؤمنين منها ما لم يكن يستحقه، استصلاحا له، ودفعا بالتي هي أحسن، فولاه خراسان والري وفارس وقزوين وزنجان والشرطة بمدينة السلام، وأمر بتكنيته في كتبه، وأقطعه الضياع النفيسة، فما زاده ذلك إلا طغيانا وبغيا، فأمره بالرجوع فأبى، فنهض أمير المؤمنين لدفع الملعون حين توسط الطريق بين مدينة السلام وواسط، وأظهر يعقوب أعلاما على بعضها الصلبان، فقدم أمير المؤمنين أخاه أبا أحمد الموفق بالله ولي عهد المسلمين في القلب، ومعه أبو عمران موسى بن بغا في الميمنة وفي جناح الميمنة ابراهيم ابن سيما، وفي الميسرة أبو هاشم مسرور البلخي، وفي جناح الميسرة الديراني، فتسرع وأشياعه في المحاربة، فحاربه حتى أثخن بالجراح، وحتى انتزع

стр. 5527

أبو عبد الله محمد بن طاهر سالما من أيديهم، وولوا منهزمين مجروحين مسلوبين، وسلم الملعون كل ما حواه ملكه. كتابا مؤرخا بيوم الثلاثاء لإحدى عشرة خلت من رجب. ثم رجع المعتمد إلى معسكره وكتب إلى ابن واصل بتولية فارس، وقد كان صار إليها وجمع جماعة. ثم رجع المعتمد إلى المدائن، ومضى أبو أحمد ومعه مسرور وساتكين وجماعه من القواد، وقبض على ما لأبي الساج من الضياع والمنازل، وأقطعها مسرورا البلخي وقدم محمد بن طاهر بن عبد الله بغداد يوم الاثنين لأربع عشرة بقيت من رجب، وقد رد إليه العمل، فخلع عليه في الرصافة، فنزل دار عبد الله بن طاهر، فلم يعزل أحدا، ولم يول وامر له بخمسمائة ألف درهم. وكانت الوقعة التي كانت بين السلطان والصفار يوم الشعانين. وقال محمد بن علي بن فيد الطائي يمدح أبا أحمد ويذكر أمر الصفار: نعب الغراب عدمته من ناعب ... وصبا فؤادى لادكار حبائبى نادى ببينهم فجادت مقلتي ... لزيال أرحلهم بدمع ساكب بانوا بأتراب أوانس كالدمى ... مثل المهاقب البطون كواعب فأولئكن غرائر تيمننى ... بسوالف وقوائم وحواجب لولي عهد المسلمين مناسب ... شرفت وأشرق نورها بمناصب ومراتب في ذروة لا ترتقي ... أكرم بها من ذروة ومراتب ولقد أتى الصفار في عدد لها ... حسن فوافتهن نكبة ناكب جلب القضاء إليه حتفا عاجلا ... سقيا ورعيا للقضاء الجالب أغواه إبليس اللعين بكيده ... واغتره منه بوعد كاذب

стр. 5528

حتى إذا اختلفوا وظن بأنه ... قد عز بين عساكر وكتائب دلفت إليه عساكر ميمونة ... يلقون زحفا باللواء الغالب في جحفل لجب ترى أبطاله ... من دارع أو رامح أو ناشب وبدا الإمام براية منصورة ... لمحمد سيف الإله القاضب وولي عهد المسلمين موفق ... بالله أمضى من شهاب ثاقب وكأنه في الناس بدر طالع ... متهلل بالنور بين كواكب لما التقوا بالمشرفية والقنا ... ضربا وطعن محارب لمحارب ثار العجاج وفوق ذاك غمامة ... غراء تسكب وبل صوب صائب فل الجموع بحزم رأي ثاقب ... منه وأفرد صاحبا عن صاحب لله در موفق ذي بهجة ... ثبت المقام لدى الهياج مواثب يا فارس العرب الذي ما مثله ... في الناس يعرف آخر لنوائب من فادح الزمن العضوض ومن لقا ... جيش لذى غدر خئون غاصب. ذكر خبر توجه رجال الزنج الى البطيحة ودست ميسان وفيها وجه قائد الزنج جيوشه إلى ناحية البطيحة ودست ميسان. ذكر الخبر عن سبب توجيهه إياهم إليها: ذكر أن سبب ذلك كان أن المعتمد لما صرف موسى بن بغا عن أعمال المشرق وما كان متصلا بها، وضمها إلى أخيه أبي أحمد، وضم أبو أحمد عمل كور دجلة إلى مسرور البلخي، وأقبل يعقوب بن الليث مريدا أبا أحمد، وصار إلى واسط، خلت كور دجلة من أسباب السلطان، خلا المدائن وما فوق ذلك وكان مسرور قد وجه قبل ذلك إلى الباذاورد مكان موسى بن أتامش جعلان التركي، وكان بإزاء موسى بن أتامش، من قبل قائد الزنج سليمان ابن جامع، وقد كان سليمان قبل أن يصرف ابن أتامش عن الباذاورد، قد نال

стр. 5529

من عسكره، فلما صرف ابن أتامش وجعل موضعه جعلان، وجه سليمان من قبله رجلا من البحرانيين يقال له ثعلب بن حفص، فأوقع به، وأخذ منه خيلا ورجلا، ووجه قائد الزنج من قبله رجلا من أهل جبى يقال له احمد ابن مهدي في سميريات، فيها رماة من أصحابه، فأنفذه إلى نهر المرأة، فجعل الجبائي يوقع بالقرى التي بنواحي المذار- فيما ذكر- فيعيث فيها، ويعود إلى نهر المرأة فيقيم به. فكتب هذا الجبائي إلى قائد الزنج يخبر بأن البطيحة خالية من رجال السلطان، لانصراف مسرور وعساكره عند ورود يعقوب بن الليث واسطا فأمر قائد الزنج سليمان بن جامع وجماعة من قواده بالمصير إلى الحوانيت، وأمر رجلا من الباهليين يقال له عمير بن عمار، كان عالما بطرق البطيحة ومسالكها، أن يسير مع الجبائي حتى يستقر بالحوانيت. فذكر محمد بن الحسن أن محمد بن عثمان العباداني قال: لما عزم صاحب الزنج على توجيه الجيوش إلى ناحية البطيحة ودستميسان أمر سليمان بن جامع أن يعسكر بالمطوعة وسليمان بن موسى أن يعسكر على فوهة النهر المعروف باليهودي، ففعلا ذلك، وأقاما إلى أن أتاهما إذنه، فنهضا، فكان مسير سليمان بن موسى إلى القرية المعروفة بالقادسية، ومسير سليمان بن جامع إلى الحوانيت والجبائي في السميريات أمام جيش سليمان بن جامع، ووافى أبا التركي دجلة في ثلاثين شذاة، فانحدر يريد عسكر قائد الزنج، فمر بالقرية التي كانت داخلة في سلم الخبيث فنال منها، وأحرق، فكتب الخبيث إلى سليمان بن موسى في منعه الرجوع، وأخذ عليه سليمان الطريق، فأقام شهرا يقاتل حتى تخلص فصار إلى البطيحة. وذكر محمد بن عثمان أن جباشا الخادم زعم أن أبا التركي لم يكن صار إلى دجلة في هذا الوقت، وأن المقيم كان هناك نصير المعروف بأبي حمزة. وذكر أن سليمان بن جامع لما فصل متوجها إلى الحوانيت، انتهى إلى موضع

стр. 5530

يعرف بنهر العتيق وقد كان الجبائي سار في طريق الماديان، فتلقاه رميس، فواقعه الجبائي، فهزمه، وأخذ منه أربعا وعشرين سميرية ونيفا وثلاثين صلغة، وأفلت رميس، فاعتصم بأجمة لجأ إليها، فأتاه قوم من الجوخانيين، فأخرجوه منها فنجا ووافق المنهزمين من أصحاب رميس خروج سليمان من النهر العتيق، فتلقاهم فأوقع بهم، ونال منهم نيلا، ومضى رميس حتى لحق بالموضع المعروف ببر مساور، وانحاز إلى سليمان جماعة من مذكوري البلاليين وأنجادهم في خمسين ومائة سميرية، فاستخبرهم عما أمامه، فقالوا: ليس بينك وبين واسط أحد من عمال السلطان وولاته فاغتر سليمان بذلك، وركن إليه، فسار حتى انتهى إلى الموضع الذي يعرف بالجازرة، فتلقاه رجل يقال له أبو معاذ القرشي، فواقعه، فانهزم سليمان عنه، وقتل أبو معاذ جماعة من أصحابه، وأسر قائدا من قواد الزنج، يقال له رياح القندلي فانصرف سليمان إلى الموضع الذي كان معسكرا به، فأتاه رجلان من البلالية، فقالا له: ليس بواسط أحد يدفع عنها غير أبي معاذ في الشذوات الخمس التي لقيك بها فاستعد سليمان وجمع أصحابه وكتب إلى الخبيث كتابا مع البلالية الذين كانوا استأمنوا إليه وأنقذهم إلا جميعة يسيرة في عشر سميريات، انتخبهم للمقام معه، واحتبس الاثنين معه اللذين أخبراه عن واسط بما أخبراه به، وصار قاصدا لنهر أبان، فاعترض له أبو معاذ في طريقه، وشبت الحرب بينهما، وعصفت الريح، فاضطربت شذا أبي معاذ، وقوي عليه سليمان وأصحابه، فأدبر عنهم معردا، ومضى سليمان حتى انتهى إلى نهر أبان، فاقتحمه، وأحرق وأنهب، وسبى النساء والصبيان، فانتهى الخبر بذلك إلى وكلاء كانوا لأبي أحمد في ضياع من ضياعه مقيمين بنهر سنداد، فساروا إلى سليمان في جماعة، فأوقعوا به وقعة، قتلوا فيها جمعا كثيرا من الزنج، وانهزم سليمان وأحمد بن مهدي ومن معهما إلى معسكرهما قال محمد بن الحسن: قال محمد بن عثمان: لما استقر سليمان بن جامع بالحوانيت، ونزل بنهر يعرف بيعقوب بن النضر، وجه رجلا ليعرف خبر واسط

стр. 5531

ومن فيها من أصحاب السلطان، وذلك بعد خروج مسرور البلخي وأصحابه عنها، لورود يعقوب إياها فرجع إليه، فأخبره بمسير يعقوب نحو السلطان، وقد كان مسرور قبل شخوصه عن واسط إلى السيب وجه إلى سليمان رجلا يقال له وصيف الرحال في شذوات، فواقعه سليمان فقتله، وأخذ منه سبع شذوات، وقتل من ظفر به، وألقى القتلى بالحوانيت ليدخل الرهبة في قلوب المجتازين بهم من أصحاب السلطان. فلما ورد على سليمان خبر مسير مسرور عن واسط، دعا سليمان عمير ابن عمار خليفته ورجلا من رؤساء الباهليين يقال له أحمد بن شريك، فشاورهما في التنحي عن الموضع الذي تصل إليه الخيل والشذوات، وأن يلتمس موضعا يتصل بطريق متى أراد الهرب منه إلى عسكر الخبيث سلكه، فأشارا عليه بالمصير إلى عقر ماور، والتحصن بطهيثا والأدغال التي فيها وكره الباهليون خروج سليمان بن جامع من بين أظهرهم لغمسهم أيديهم معه، وما خافوا من تعقب السلطان إياهم، فحمل سليمان بأصحابه ماضيا في نهر البرور الى طهيثا، وأنفذ الجبائي إلى النهر المعروف بالعتيق في السميريات، وأمره بالبدار إليه بما يعرف من خبر الشذا، ومن ياتى فيها ومن أصحاب السلطان، وخلف جماعة من السودان لإشخاص من تخلف من أصحابه، وسار حتى وافى عقر ماور، فنزل القرية المعروفة بقرية مروان بالجانب الشرقي من نهر طهيثا في جزيرة هناك. وجمع إليه رؤساء الباهليين وأهل الطفوف، وكتب إلى الخبيث يعلمه ما صنع، فكتب إليه يصوب رأيه، ويأمره بإنفاذ ما قبله من ميرة ونعم وغنم، فأنفذ ذلك إليه، وسار مسرور إلى موضع معسكر سليمان الأول، فلم يجد هناك كثير شيء، ووجد القوم قد سبقوه إلى نقل ما كان في معسكرهم، وانحدر أبا التركي إلى البطائح في طلب سليمان، وهو يظن أنه قد ترك الناحية، وتوجه نحو مدينة الخبيث فمضى فلم يقف لسليمان على أثر، وكر راجعا، فوجد سليمان قد أنفذ جيشا إلى الحوانيت ليطرق من شذ من عسكر مسرور، فخالف الطريق الذي خاف أن يؤديه اليهم، ومضى في طريق آخر

стр. 5532

انتهى إلى مسرور، فأخبره أنه لم يعرف لسليمان خبرا. وانصرف جيش سليمان إليه بما امتاروا، واقام سليمان، فوجه الجبائي في الشميريات للوقوف على مواضع الطعام والمير والاحتيال في حملها. فكان الجبائي لا ينتهي إلى ناحية فيجد فيها شيئا من الميرة إلا أحرقه، فساء ذلك سليمان، فنهاه عنه فلم ينته، وكان يقول: إن هذه الميرة مادة لعدونا، فليس الرأي ترك شيء منها. فكتب سليمان إلى الخبيث يشكو ما كان من الجبائي في ذلك، فورد كتاب الخبيث على الجبائي يأمره بالسمع والطاعة لسليمان، والائتمار له فيما يأمره به. وورد على سليمان أن أغرتمش وخشيشا قد أقبلا قاصدين إليه في الخيل والرجال والشذا والسميريات، يريدان مواقعته فجزع جزعا شديدا، وأنفذ الجبائي ليعرف أخبارهما، وأخذ في الاستعداد للقائهما، فلم يلبث أن عاد إليه الجبائي مهزوما، فأخبره أنهما قد وافيا باب طنج، وذلك على نصف فرسخ من عسكر سليمان حينئذ، فأمره بالرجوع والوقوف في وجه الجيش، وشغله عن المصير إلى العسكر إلى أن يلحق به، فلما أنفذ الجبائي لما وجه له صعد سليمان سطحا، فأشرف منه، فرأى الجيش مقبلا، فنزل مسرعا، فعبر نهر طهيثا، ومضى راجلا، وتبعه جمع من قواد السودان حتى وافوا باب طنج، فاستدبر أغرتمش، وتركهم حتى وجدوا في المسير إلى عسكره وقد كان أمر الذى استخلفه على جيشه الا يدع أحدا من السودان يظهر لأحد من أهل جيش أغرتمش، وأن يخفوا أشخاصهم ما قدروا، ويدعوا القوم حتى يتوغلوا النهر إلى أن يسمعوا أصوات طبوله، فإذا سمعوها خرجوا عليهم، وقصدوا أغرتمش. فجاء أغرتمش بجيشه حتى لم يكن بينه وبين العسكر إلا نهر يأخذ من طهيثا يقال له جارورة بني مروان فانهزم الجبائي في السميريات حتى وافى

стр. 5533

طهيثا، فخلف سميرياته بها، وعاد راجلا إلى جيش سليمان، واشتد جزع أهل عسكر سليمان منه، فتفرقوا أيادي سبا، ونهضت منهم شرذمة فيها قائد من قواد السودان يقال له أبو النداء، فتلقوهم فواقعوهم، وشغلوهم عن دخول العسكر، وشد سليمان من وراء القوم، وضرب الزنج بطبولهم، وألقوا أنفسهم في الماء للعبور إليهم، فانهزم أصحاب أغرتمش وشد عليهم من كان بطهيثا من السودان، ووضعوا السيوف فيهم، وأقبل خشيش على أشهب كان تحته يريد الرجوع إلى عسكره، فتلقاه السودان، فصرعوه وأخذته سيوفهم، فقتل وحمل رأسه إلى سليمان، وقد كان خشيش حين انتزعوا إليه، قال لهم: أنا خشيش، فلا تقتلوني، وأمضوا بي إلى صاحبكم فلم يسمعوا لقوله وانهزم أغرتمش، وكان في آخر أصحابه، ومضى حتى ألقى نفسه إلى الأرض، فركب دابة ومضى، وتبعهم الزنج حتى وصلوا إلى عسكرهم، فنالوا حاجتهم منه، وظفروا بشذوات كانت مع خشيش، وظفر الذين اتبعوا الجيش المولي بشذوات كانت مع أغرتمش فيها مال فلما انتهى الخبر إلى أغرتمش، كر راجعا حتى انتزعها من أيديهم، ورجع سليمان إلى عسكره، وقد ظفر بأسلاب ودواب، وكتب بخبر الوقعة إلى قائد الزنج، وما كان منه فيها وحمل إليه رأس خشيش وخاتمه، وأقر الشذوات التي أخذها في عسكره. فلما وافى كتاب سليمان وراس خشيش، امر فطيف به في عسكره، ونصب يوما، ثم حمله إلى علي بن أبان، وهو يومئذ مقيم بنواحي الأهواز، وأمر بنصبه هناك، وخرج سليمان والجبائي معه وجماعة من قواد السودان الى ناحيه الحوانيت متطرفين، فتوافقوا هناك ثلاث عشرة شذاة مع المعروف بأبي تميم أخي المعروف بأبي عون صاحب وصيف التركي، فأوقعوا به، فقتل وغرق، وظفروا من شذواته بإحدى عشرة شذاة. قال محمد بن الحسن: هذا خبر محمد بن عثمان العباداني، فأما جباش، فزعم أن الشذا التي كانت مع أبي تميم كانت ثمانية، فافلت منها شذاتان كانتا

стр. 5534

متأخرتين، فمضتا بمن فيهما وأصاب سلاحا ونهبا، وأتى على أكثر من كان في تلك الشذوات من الجيش، ورجع سليمان إلى عسكره، وكتب إلى الخبيث بما كان منه من قتل المعروف بأبي تميم، ومن كان معه، واحتبس الشذوات في عسكره. وفيها كبس ابن زيدويه الطيب، فأنهبها. وفيها ولي القضاء علي بن محمد بن أبي الشوارب. وفيها خرج الحسين بن طاهر بن عبد الله بن طاهر من بغداد لليال بقين منه، فصار إلى الجبل. وفيها مات الصلابي، وولي الري كيغلغ. ومات صالح بن علي بن يعقوب بن المنصور في ربيع الآخر منها. وولي إسماعيل بن إسحاق قضاء الجانب الشرقي من بغداد، فجمع له قضاء الجانبين. وفيها قتل محمد بن عتاب بن عتاب، وكان ولي السيبين فصار إليها، فقتلته الأعراب. وللنصف من شهر رمضان صار موسى بن بغا إلى الأنبار متوجها إلى الرقة. وفيها قتل أيضا القطان صاحب مفلح، وكان عاملا بالموصل على الخراج، فانصرف منها، فقتل في الطريق. وعقد فيها لكفتمر علي بن الحسين بن داود كاتب أحمد بن سهل اللطفي على طريق مكة في شهر رمضان. وفيها وقع بين الحناطين والجزارين بمكة قتال قبل يوم التروية بيوم، حتى خاف الناس أن يبطل الحج، ثم تحاجزوا إلى أن يحج الناس، وقد قتل

стр. 5535

منهم سبعة عشر رجلا. وفيها غلب يعقوب بن الليث على فارس وهرب ابن واصل. ذكر خبر الوقعه بين الزنج واحمد بن ليثويه وفيها كانت وقعة بين الزنج وأحمد بن ليثويه، فقتل منهم خلقا كثيرا، وأسر أبا داود الصعلوك وقد كان صار معهم. ذكر الخبر عن هذه الوقعة وسبب أسر الصعلوك: ذكر ان مسروا البلخي وجه أحمد بن ليثويه إلى ناحية كور الأهواز، فلما وصل إليها نزل السوس، وكان الصفار قد قلد محمد بن عبيد الله بن ازاذ مرد الكردي كور الأهواز، فكتب محمد بن عبيد الله إلى قائد الزنج يطمعه في الميل إليه، وقد كانت العادة جرت بمكاتبة محمد إياه من أول مخرجه، وأوهمه أنه يتولى له كور الأهواز ويداري الصفار حتى يستوي له الأمر فيها، فأجابه الخبيث إلى ذلك على أن يكون علي بن أبان المتولي لها، ويكون محمد بن عبيد الله يخلفه عليها، فقبل محمد بن عبيد الله ذلك، فوجه علي بن أبان أخاه الخليل بن أبان، في جمع كثير من السودان وغيرهم، وأيدهم محمد بن عبيد الله بأبي داود الصعلوك، فمضوا نحو السوس، فلم يصلوا إليها، ودفعهم ابن ليثويه ومن كان معه من أصحاب السلطان عنها، فانصرفوا مفلولين، وقد قتل منهم مقتلة عظيمة، وأسر منهم جماعة، وسار أحمد بن ليثويه حتى نزل جندي سابور. وسار علي بن أبان من الأهواز منجدا محمد بن عبيد الله على أحمد بن ليثويه، فتلقاه محمد بن عبيد الله في جمع من الأكراد والصعاليك، فلما قرب منه محمد بن عبيد الله سارا جميعا، وجعلا بينهما المسرقان، فكانا يسيران
следующие страницы →