← История

История · id 9783

تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري

ابن جرير الطبري

Полный текст (6 431 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

وفي ليله الأربعاء لخمس خلون من شهر ربيع الآخر سنه سبع وتسعين ولد للمقتدر ابو العباس محمد الراضي بالله بدير حنيناء قبل طلوع الفجر. وفي ذي الحجه من هذا العام كانت بين مؤنس الخادم وبين الليث بن على حرب بناحيه النوبندجان، فهزم الليث واصحابه، واسر مؤنس الليث وأخاه اسماعيل وعلى بن حسين بن درهم والفضل بن عنبر، وصاروا في قبضته، فحملهم بين يديه الى بغداد، وادخل الليث على فيل، ومن كان معه على جمال مشهورين، قد البسوا البرانس ثم حبسوا. وفيها وجه المقتدر القاسم بن سيما غازيا في الصائفه الى الروم في جمع كثيف من الجند في شوال فغنم وسبى. وفيها ولى ورقاء بن محمد الشيبانى امر السواد بطريق مكة فرفع المؤن عن الناس، وحسم عنها ضر الاعراب وما كانوا يفعلونه في الطريق من السلب والقتل، وحسن اثر ورقاء هنالك، ولم يزل مقيما بتلك الناحية الى ان رجع الحاج مسلمين شاكرين لفعله فيهم. ولجمادى الاولى من هذا العام ورد الخبر بان اركان البيت الأربعة غرقت في سيول كانت بمكة وغرق الطواف وفاضت بئر زمزم، وانه كان سيلا لم ير مثله في قديم الأيام وحديثها. وفي شوال منها توفى محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر المعروف بالصناديقى، ودفن في مقابر قريش، وصلى عليه القاضى احمد بن إسحاق بن البهلول. وفي شهر رمضان منها توفى يوسف بن يعقوب القاضى ومحمد بن داود الاصبهانى الفقيه. وورد الخبر بوفاه عيسى النوشرى عامل مصر، فولى السلطان مكانه تكين الخاصة، وتوجه من بغداد الى مصر. وفي شوال من هذه السنه توفى جعفر بن محمد بن الفرات أخو الوزير، وكان يلى ديوان المشرق والمغرب، فولى الوزير ابنه المحسن ديوان المغرب وولى ابنه الفضل ديوان المشرق. وفي هذا العام توفى القاسم بن زرزور المغنى، وكان من الحذاق المجيدين، واسن حتى قارب تسعين سنه. وحج بالناس في هذه السنة الفضل بْن عبد الملك الهاشمى.

стр. 5847

ثم دخلت سنه ثمان وتسعين ومائتين (ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) فيها قدم القاسم بن سيما من غزاه الصائفه الى الروم، ومعه خلق كثير من الأسرى، وخمسون علجا قد حملوا على الجمال مشهورين، بأيدي جماعه منهم اعلام الروم، عليها صلبان الذهب والفضه، وذلك يوم الخميس لاربع عشر ليله بقيت من شهر ربيع الاول. وفيها خالف سبكرى والتوى بما عليه، فندب لمحاربته وصيف كامه غلام الموفق، وشخص معه وجوه القواد، وفيهم الحسين بن حمدان وبدر غلام النوشرى وبدر الكبير المعروف بالحمامى، فواقعوا سبكرى في باب شيراز وهزموه، وأسروا القتال صاحبه وهرب بعض قواده عنه وفتق عسكره بماله واثقاله الى ناحيه كرمان، وورد الخبر بان سبكرى اسر، وكان الذى اسره سيمجور غلام احمد بن اسماعيل، ثم قدم وصيف كامه بالقتال صاحب سبكرى، فادخل على فيل وعليه برنس طويل، وبين يديه ثلاثة عشر أسيرا على الجمال، وعليهم دراريع وبرانس من ديباج، فخلع على وصيف وسور وطوق بطوق ذهب منظوم بجوهر، ثم دخل سبكرى وحضر دخوله الوزير ابن الفرات وسائر القواد يوم الاثنين لإحدى عشر ليله بقيت من شوال، وكان قد حمل على فيل وشهر ببرنس طويل، وبين يديه الكرك ومن يضرب بالصنوج، وخلفه الليث بن على على فيل آخر، فخلع على ابن الفرات وحمل وكان يوما مشهودا. وحدث محمد بن يحيى الصولي انه شهد هذا اليوم قال: فتذكرت فيه حديثا كان حدثناه صافى الحرمي يوم بويع فيه المقتدر بالله، قال صافى: رايت الخليفة المقتدر بالله وهو صبى في حجر المعتضد، والمعتضد ينظر في دفتر كان كثيرا ما ينظر فيه، وهو يضرب على كتف المقتدر، ويقول له: كأني بملوك فارس قد ادخلوا إليك على الفيله والجمال، عليهم البرانس، وكان صافى يوم بيعه المقتدر يحدث بهذا، ويدعو الى الله ان يحقق هذا القول

стр. 5848

وفيها وردت على المقتدر هدايا من خراسان أنفذها اليه احمد بن اسماعيل بن احمد، فيها غلمان على دوابهم وخيولهم وثياب ومسك كثير وبزاه وسمور وطرائف، لم يعهد بمثلها فيما اهدى من قبل. وفيها جلس ابن الفرات الوزير لكتاب العطاء، فحاسبهم واشرف لهم على خيانة نحو مائه الف دينار، فورى عن الأمر قليلا إذ كان كتابه منهم، واستخرج ما وجد من المال في رفق وستر. وفي جمادى الآخرة من هذا العام فلج عبد الله بن على بن ابى الشوارب القاضى، فامر المقتدر ابنه محمد بن عبد الله بتولى امور الناس خليفه لأبيه، حتى يظهر حاله وما يكون من علته فنظر كما كان ينظر أبوه، وانفذ الأمور مثل تنفيذه

стр. 5849

ثم دخلت سنه تسع وتسعين ومائتين (ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) [أخبار متفرقة] فمن ذلك غزوه رستم الصائفه من ناحيه طرسوس، وهو والى الثغور، فحاصر حصن مليح الأرميني، ثم دخل عليه واحرق ارباض ذي الكلاع. وفيها ورد رسول احمد بن اسماعيل بكتاب منه الى السلطان بانه فتح سجستان، وان اصحابه دخلوها واخرجوا من كان فيها من اصحاب الصفار، وان المعدل بن على ابن الليث صار اليه بمن معه من اصحابه في الامان، وكان المعدل يومئذ مقيما معهم بزرنج، وصار الى احمد بن اسماعيل وهو مقيم ببست والرخج، فوجه به احمد وبعياله ومن معه الى هراة، ووردت الخريطة بذلك على السلطان يوم الاثنين لعشر خلون من صفر. وفيها وافى بغداد العطير صاحب زكرويه ومعه الأغر، وهو احد قواد زكرويه مستأمنا . ذكر القبض على ابن الفرات وفي ذي الحجه غضب المقتدر على وزيره على بن محمد بن الفرات لاربع خلون منه، وحبس ووكل بدوره، وأخذ كل ما وجد له ولأهله، وانتهبت دوره اقبح نهب، وفجر الشرط بنسائه ونساء اهله، وكان ادعى عليه انه كتب الى الاعراب بان يكبسوا بغداد في خبر طويل. واستوزر محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان فكانت وزارة ابن الفرات ثلاث سنين وثمانية اشهر واثنى عشر يوما، وطولب ابن الفرات بأمواله وذخائره، فاجتمع منها مع ودائع كانت له سبعه آلاف الف دينار- فيما حكى عن الصولي- وكان مشاهدا ومشرفا على اخبارهم

стр. 5850

قال: وما سمعنا بوزير جلس في الوزارة وهو يملك من العين والورق والضياع والأثاث ما يحيط بعشره آلاف الف غير ابن الفرات. قال: وكانت له اياد جليله وفضائل كثيره قد ذكرتها في كتاب الوزراء قال ولم ير وزير اودع وجوه الناس من الأموال ما اودع ابن الفرات من قبل ولايته الوزارة، وكانت غلته تبلغ الف الف دينار ولم يمسك الناس ببغداد عن انتقاص ابن الفرات وهجوه مع حسن آثاره، واحضر محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان دار المقتدر في الوقت الذى ضم فيه على ابن الفرات، فقلد الوزارة، وانصرف الى منزله بباب الشماسيه في طيار، وركب يوم الخميس بعده، فخلع عليه وحمل وقلد سيفا. وقيل ان السبب في ولايته كان بعناية أم ولد المعتضد بامره على ان ضمن لها مائه الف دينار، وقوى امره عندها رياء كان يظهره وكان الخدم من الدار يأتونه بالكتب، فلا يكلم الواحد منهم الا بعد مائه ركعة يصليها، فكانوا ينصرفون بوصفه وما رأوا منه، وخلع على ابنه عبد الله بن محمد لخلافه ابيه، واستبدل بالعمال، وعزل كل من كان خطوطه الى على بن الفرات وآله. وفي هذه السنه مات وصيف موشجير يوم الخميس لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان. وفيها مات الخرقى المحدث. وحج بالناس في هذه السنة الفضل بْن عبد الملك.

стр. 5851

ثم دخلت سنه ثلاثمائة (ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) فيها امر جعفر المقتدر برفع مطالبه المواريث عن الناس، وان يورث ذوو الارحام، ولا يعرض لأحد في ميراث الا لمن صح انه غير وارث وكان الناس من قبل ذلك في بلاء وتعلل متصل من المستخرجين والعاملين. وفيها اخرج محمد بن إسحاق بن كنداجيق بعض اصحابه لمحاربه قوم من القرامطة جاءوا الى سوق البصره، فعاثوا بها، وبسطوا ايديهم وأسيافهم على الناس فيها، فلما واقفهم اصحاب ابن كنداجيق، صدمهم القرامطة صدمه شديده حتى هزموهم، وقتل من اصحاب ابن كنداجيق جماعه، وكان محمد بن إسحاق قد خرج كالممد لهم، فلما بلغه امرهم وشده شوكتهم انصرف مبادرا الى المدينة، فانهض السلطان محمد بن عبد الله الفارقى في رجل كثير معونه لابن كنداجيق ومددا له فأقاما بالبصرة ولم يتعرضا لمحاربه. وفي شعبان من هذه السنه قبض على ابراهيم بن احمد الماذرائى، وعلى ابن أخيه محمد بن على بن احمد، فطالبهم ابو الهيثم بن ثوابه بخمسمائة الف، فجملوا منها خمسين ألفا الى بيت المال، وصانعوا الوزير ابن خاقان وابنه وابن ثوابه بمال كثير، وصادر ابن ثوابه جماعه على مائه الف دينار، فحمل منها ابن الجصاص عشرين ألفا، وفرضت البقية على جماعه، منهم ابن ابى الشوارب القاضى وغيره. وظهر في هذا العام ضعف امر محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان الوزير، وتغلب ابنه عبد الله عليه وتحكمه في الأمور دونه، وكثر التخليط من محمد في رايه وجميع امره، فكان يولى العمل الواحد جماعه في اسبوع من الأيام، وتقدم بالمصانعات حتى قلد عماله بادوريا في احد عشر شهرا احد عشر عاملا، وكان يدخل الرجل الذى قد عرفه دهرا طويلا فيسلم عليه فلا يعرفه، حتى يقول له: انا فلان ابن فلان، ثم يلقاه بعد ساعه فلا يعرفه

стр. 5852

وفيها ورد الخبر بانخساف جبل بالدينور، يعرف بالتل وخروج ماء كثير من تحته غرقت فيه عده من القرى، وورد الخبر أيضا بانخساف قطعه عظيمه من جبل لبنان وسقوطها الى البحر، وكان ذلك حدثا لم ير مثله. وفيها ورد كتاب صاحب البريد بالدينور، يذكر ان بغله هناك وضعت فلوه ونسخه كتابه: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الموقظ بعبره قلوب الغافلين، والمرشد بآياته الباب العارفين، الخالق ما يشاء بلا مثال، ذلك الله البارئ المصور في الارحام ما يشاء وان الموكل بخبر التطواف بقرماسين رفع يذكر ان بغله لرجل يعرف بابى برده من اصحاب احمد بن على المري وضعت فلوه، ويصف اجتماع الناس لذلك، وتعجبهم لما عاينوا منه، فوجهت من أحضرني البغله والفلوه فوجدت البغله كمتاء خلوقيه والفلوه سويه الخلق تامه الأعضاء منسدله الذنب سبحان الملك القدوس لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب. وكان المقتدر لما راى عجز محمد بن عبيد الله الوزير وتبلده قد انفذ احمد بن العباس أخا أم موسى الهاشمية الى الاهواز، ليقدم باحمد بن يحيى المعروف بابن ابى البغل ليوليه الوزارة، فخرج اليه، واقبل به حتى صار بواسط، فلما قرب من دار السلطان سلم احمد بن العباس على احمد بن محمد بالوزارة، وحمل اليه ثلاثة آلاف دينار، فاتصل الخبر بمحمد بن عبيد الله الوزير من قبل حاشيته وعيونه، فركب الى الدار، وصانع جماعه من الخدم والحرم، وضمن لام ولد المعتضد التي كانت عنيت بولايته في أول امره خمسين الف دينار، فنقضت امر ابن ابى البغل، ورد واليا على فارس. وفي شوال من هذا العام توفى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وكان اكثر الناس أدبا وجلاله وفهما ومروءة، وهو ابن احدى وثمانين سنه، وصلى عليه احمد بن عبد الصمد الهاشمى، ودفن في مقابر قريش وفيها مات ابو الفضل عبد الواحد بن الفضل بن عبد الوارث يوم السبت لسبع بقين من ذي الحجه. واقام الحج للناس في هذه السنه الفضل بن عبد الملك بن عبد الله الهاشمى.

стр. 5853

ثم دخلت سنه احدى وثلاثمائة (ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) ففيها وافى بغداد على بن عيسى بن داود بن الجراح مقدمه من مكة، وذلك يوم الاثنين لعشر خلون من المحرم، فمضى به من فوره الى دار المقتدر، فقلد الوزارة وخلع عليه لولايتها، وقلد سيفا، وقبض على محمد بن عبيد الله وابنيه عبد الله وعبد الواحد فحبسوا وكانوا قد ركبوا في ذلك النهار الى الدار، ووعدوا بان يخلع عليهم ويسلم على بن عيسى اليهم، فسلموا اليه، ووقع الأمر بضد ما ظنوه، وقعد على ابن عيسى لمحمد بن عبيد الله وناظره فقال له: اخربت الملك، وضيعت الأموال، ووليت بالعناية، وصانعت على الولايات بالرشوة، وزدت على السلطان اكثر من الف الف دينار في السنه، فقال: ما كنت افعل الا ما أراه صوابا وكان محمد بن عبيد الله فيما ذكر من تسناه يأخذ المصانعات على يدي ابى الهيثم بن ثوابه، ولا يفى بعهد لكل من صانعه برشوه، حتى قيلت فيه اشعار كثيره منها: وزير ما يفيق من الرقاعه ... يولى ثم يعزل بعد ساعه إذا اهل الرشا صاروا اليه ... فاحظى القوم أوفرهم بضاعة وليس بمنكر ذا الفعل منه ... لان الشيخ افلت من مجاعه وكان محمد بن عبيد الله قبل ان يستحيل به الحال فيما ذكر اهل الخبر. وحسن الرأي فيه ذا دهاء وعقل، وكان ابنه عبد الله كاتبا بليغا حسن الكلام مليح اللفظ حسن الخط، جوادا يعطى العطايا الجزيله، ويقدم الأيادي الجليله، وصل عبد الله بن حمدون من ماله في مده ولايته بتسعين الف دينار الى ما وصل به غيره، واعطاه كثيرا ممن كان امله. وفي هذه السنه رضى عن القاضى محمد بن يوسف، وقلد الشرقيه، وعسكر المهدى وخلع عليه دراعه وطيلسان وعمامة سوداء، وركب من دار الخليفة الى مسجد الرصافه، فصلى ركعتين، ثم قرئ عليه عهده بالولاية

стр. 5854

وفيها ورد الخبر بوثوب ابى الهيجاء عبد الله بن حمدان بالموصل ومعه جماعه من الأكراد، وكانوا أخواله لان أمه كرديه، واغاث الجند اهل الموصل، فقتلت بينهم مقتله عظيمه، وصار ابو الهيجاء الى الأكراد، وتامر عليهم كالخالع للطاعة. وتظلم اهل البصره من عاملهم محمد بن إسحاق بن كنداج، وشكوا به الى على ابن عيسى الوزير، فعزله عنهم بعد ان استامر فيه المقتدر لئلا يستبد بالرأي دونه، وولى البصره نجحا الطولونى، ثم ولى محمد بن إسحاق بن كنداج الدينور، وولى سليمان بن مخلد ديوان الدار، وكتابه غريب خال المقتدر، وولى على بن عيسى ابراهيم أخاه ديوان الجيش، واستخلف عليه سعيد بن عثمان والحسين بن على. وفي شهر ربيع الآخر من هذه السنه دخل مؤنس الخادم مدينه السلام، ومعه ابو الهيجاء قد اعطاه أمانا فخلع على مؤنس وعليه. وقلد نصر القشورى مع الحجابه التي كان يتولاها ولايه السوس وجندى سابور ومناذر الكبرى ومناذر الصغرى، فاستخلف على جميع ذلك يمنا الهلالي الخادم. وفي هذه السنه اغارت الاتراك على المسلمين بخراسان، فسبت منهم نحو عشرين ألفا، الى ما ذهبت به من الأموال وقتلت من الرجال، فخرج اليهم احمد بن اسماعيل، وكان واليها في جيوش كثيره، واتبعهم فقتل منهم خلقا كثيرا واستنقذ بعض الأسرى، واوفد الى السلطان رجلا شيخا يعرف بالحمادى يستحمد اليه بفعله بالاتراك، ويخطب اليه شرطه مدينه السلام واعمال فارس وكرمان فأجيب الى كرمان وحدها وكتب له بها كتاب عهد. وفي جمادى الآخرة من هذه السنه اطلق محمد بن عبيد الله الذى كان وزيرا وابنه عبد الله وامرا بلزوم منازلهما. وفيها خلع على القاسم بن الحر وولى سيراف، وخلع على على بن خالد الكردى، وولى حلوان. وفي هذه السنه ركب ابو العباس محمد بن المقتدر من القصر المعروف بالحسنى، وبين يديه لواء عقده له أبوه المقتدر على المغرب، ومعه القواد كلهم، والغلمان الحجريه وجماعه الخدم حول ركابه، وعلى بن عيسى عن يمينه ومؤنس الخادم عن يساره ونصر الحاجب بين يديه، فسار في الشارع الأعظم، ورجع في الماء والناس معه،

стр. 5855

فاعترضه رجل بمربعه الحرشي، فنثر عليه دراهم مسيفه، وقال له: بحق امير المؤمنين الا أذنت لي في طلى الفرس بالغالية، فوقف له وجعل الرجل يطلى وجه الفرس، فنفر منه، وقيل له: دع وجهه، واطل سائر بدنه، فاقبل يطلى عرف الفرس وقوائمه بالغالية، فقال محمد بن المقتدر لمن حوله: اعرفوا لنا هذا الرجل. وفي هذه السنه قلد ابو بكر محمد بن على الماذرائى اعمال مصر والاشراف على اعمال الشام وتدبير الجيوش، وخلع عليه، وذلك يوم الخميس للنصف من شهر رمضان وخلع في هذا النهار أيضا على القاسم بن سيما، وعقد له على الإسكندرية واعمال برقه. وفي هذه السنه في جمادى الآخرة، ورد الخبر بوفاه على بن احمد الراسبى، وكان يتقلد جندى سابور والسوس وماذرايا الى آخر حدودها، وكان يورد من ذلك الف الف دينار وأربعمائة الف دينار في كل سنه، ولم يكن معه احد يشركه في هذه الاعمال من اصحاب السلطان لأنه تضمن الحرب والخراج والضياع والشحنه وسائر ما في عمله، فتخلف- فيما وردت به الاخبار- من العين الف الف دينار ومن آنيه الذهب والفضه قيمه مائه الف دينار ومن الخيل والبغال والجمال الف راس، ومن الخز الرفيع الطاقي ازيد من الف ثوب، وكان مع ذلك واسع الضيعه كثير الغلة وكان له ثمانون طرازا ينسج له فيها الثياب من الخز وغيره فلما ورد الخبر بوفاه الراسبى، انفذ المقتدر عبد الواحد بن الفضل بن وارث في جماعه من الفرسان والرجاله لحفظ ماله الى ان يوجه من ينظر فيه، ثم وجه مؤنس الخادم للنظر في ذلك، فيقال: انه صار اليه منه مال جليل، وخلع على ابراهيم بن عبد الله المسمعي، وولى النظر في دور الراسبى. وتوفى مؤنس الخازن يوم الأحد لثمان بقين من شهر رمضان، ولم يتخلف احد عن جنازته من الرؤساء، وصلى عليه القاضى محمد بن يوسف، ودفن بطرف الرصافه، وكان جليل القدر عند السلطان، فلما مات قلد ابنه الحسن ما كان يتولاه من عرض الجيوش، فجلس ونظر، وعاقب واطلق، وفرق سائر الاعمال التي كانت الى مؤنس

стр. 5856

على جماعه من القواد الذين كانوا في رسمه، وضم اصحابه الى ملازمه ابى العباس بن المقتدر، ولم يخلع على الحسن بن مؤنس للولاية مكان ابيه، فعلم ان ولايته لا تتم وعزل بعد شهرين، وعزل محمد بن عبيد الله بن طاهر وكان خليفته على الجانب الشرقى، وقدم مكانه بدر الشرابي، وعزل خزرى بن موسى خليفه مؤنس على الجانب الغربي وولى مكانه إسحاق الاشروسنى، وولى شفيع اللؤلؤى البريد وسمى شفيعا الاكبر. وورد الخبر في شعبان بان احمد بن اسماعيل بن احمد صاحب خراسان قتله غلمانه غيله على فراشه، وكان قد اخاف بعضهم فتواطئوا على قتله ثم اجتمع سائر غلمانه فضبطوا الأمر وبايعوا لابنه نصر بن احمد وورد كتابه على المقتدر يسأله تجديد العهد له، ووردت كتب عمومته وبنى عمه يسال كل واحد منهم ناحيه من نواحي خراسان، فافرد الخليفة بالولاية ابنه وتم له الأمر. قال الصولي: شهدت في هذا العام بين يدي محمد بن عبيد الله الوزير مناظره كانت بين ابن الجصاص وابراهيم بن احمد الماذرائى، فقال ابراهيم بن احمد الماذرائى في بعض كلامه: لابن الجصاص مائه الف دينار من مالي صدقه، لقد ابطلت في الذى حكيته وكذبت! فقال له ابن الجصاص: قفيز دنانير من مالي صدقه، لقد صدقت انا وابطلت أنت، فقال له ابن الماذرائى: من جهلك انك لا تعلم ان مائه الف دينار اكثر من قفيز دنانير، فعجب الناس من كلامهما قال الصولي: وانصرفت الى ابى بكر بن حامد فخبرته الخبر، فقال: نعتبر هذا بمحنه، فاحضر كيلجه وملاها دنانير ثم وزنها فوجد فيها اربعه آلاف دينار، فنظرنا فإذا القفيز سته وتسعون الف دينار كما قال الماذرائى. وفي هذه السنه مات ابو بكر جعفر بن محمد المعروف بالفاريابى المحدث، لاربع بقين من المحرم وصلى عليه ابنه ودفن في مقابر الشونيزيه وفيها توفى عبد الله بن محمد بن ناجيه المحدث وكان مولده سنه عشر ومائتين. وفيها مات الحسن بن الحسن بن رجاء، وكان يتقلد اعمال الخراج والضياع بحلب، مات فجاءه، وحمل تابوته الى مدينه السلام، ووصل يوم السبت لخمس

стр. 5857

بقين من شهر ربيع الاول. وفيها مات محمد بن عبد الله بن على بن ابى الشوارب القاضى المعروف بالأحنف، وكان خليفه ابيه على قضاء عسكر المهدى والشرقيه والنهروانات والزوابي والتل وقصر ابن هبيرة والبصره وكور دجلة وواسط والاهواز، ودفن يوم الأحد لتسع ليال خلون من جمادى الاولى في حجره بمقام باب الشام وله ثمان وثلاثون سنه وفي هذه السنه بعد قتل احمد بن اسماعيل ورد الخبر بان رجلا طالبيا حسينيا خرج بطبرستان يدعو الى نفسه يعرف بالأطروش. وفي آخر هذه السنه توفى احمد بن عبد الصمد بن طومار الهاشمى، وكان من قبل نقيب بنى هاشم العباسيين والطالبيين، فقلد ما كان يتقلده أخو أم موسى، فضج الهاشميون من ذلك، وسألوا رد ما كان يتولاه ابن طومار الى ابنه محمد بن احمد، فأجيبوا الى ذلك، وكان لأحمد بن عبد الصمد يوم توفى اثنتان وثمانون سنه. واقام الحج للناس في هذه السنه الفضل بن عبد الملك الهاشمى.

стр. 5858

ثم دخلت سنه اثنتين وثلاثمائة (ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) فيها ركب شفيع الخادم المعروف بالمقتدرى في جماعه من الجند والفرسان والرجال الى دار الحسين بن احمد المعروف بابن الجصاص، التي في سوق يحيى، ولحقه صاحب الشرطه بدر الشرابي، فوكل شفيع بالأبواب وقبض على جميع ما تحويه داره من مال وجوهر وفرش واثاث ورقيق ودواب، وحمل في وقته ذلك صناديق مختومه، ذكر ان فيها جوهر وآنيه ذهب، ووجد في داره فرشا سلطانيا من فرش أرمينية وطبرستان جليلا لا يعرف قدره، ووجد فيها من مرتفع ثياب مصر خمسمائة سفط وحفرت داره فوجدت له في بستانه اموال جليله مدفونة في جرار خضر وقماقم مرصصه الرءوس، فحملت كهيئتها الى دار المقتدر، وأخذ هو فقيد بخمسين رطلا من حديد وغل، وتسمع الناس ما جرى عليه، فصودر على مائه الف دينار بعد هذا كله، واطلق الى منزله. وقال ابو الحسن بن عبد الحميد كاتب السيده: ان الذى صح مما قبض من مال الحسين بن احمد بن الجصاص الجوهري من العين والورق والانيه والثياب والفرش والكراع والخدم- لا ثمن ضيعه في ذلك ولا ثمن بستان- ما قيمته سته آلاف الف دينار. وفي هذه السنه في رجب ورد كتاب محمد بن على الماذرائى الى السلطان من مصر يزعم ان وقعه كانت بين اصحاب السلطان وبين جيش القيروان فقتل من اصحاب الشيعى سبعه آلاف واسر نحوهم، وانهزم من بقي منهم، ومضوا على وجوههم، فمات اكثرهم قبل وصولهم الى برقه، ووردت كتب التجار بدخول الشيعة برقه، وعظم ما أحدثوا في تلك الناحية، وان الغلبه انما كانت لهم

стр. 5859

قال الصولي: وفيها جلس على بن عيسى للمظالم في كل يوم ثلاثاء، فحضرته يوما، وقد جيء برجل يزعم انه نبى، فناظره فقال: انا احمد النبي، وعلامتي ان خاتم النبوه في ظهري، ثم كشف عن ظهره فإذا سلعه صغيره، فقال له: هذه سلعه الحماقة، وليست بخاتم النبوه، ثم امر بصفعه وتقييده وحبسه في المطبق. وفي شهر رمضان من هذه السنه وافى باب الشماسيه قائد من قواد صاحب القيروان يقال له ابو جده، ومعه من اصحابه مائتا فارس، نازعين الى الخليفة فاحضر القائد دار السلطان، وخلع عليه، واخرج هو واصحابه الى البصره ليكونوا مع محمد بن إسحاق بن كنداج. وفيها اطلق المقتدر من سجنه الصفاري المعروف بالقتال، خلع عليه، واقطعه دارا ينزلها واجرى عليه الرزق، وامره بحضور الدار في يومى الموكب مع الأولياء، واطلق أيضا محمد بن الليث الكردى وخلع عليه، وهو ممن ادخل مع الليث، وطوف على جمل. وفيها جاء رجل حسن البزة طيب الرائحة الى باب غريب خال المقتدر، وعليه دراعه وخف احمر وسيف جديد بحمائل، وهو راكب فرسا ومعه غلام، فاستأذن للدخول، فمنعه البواب، فانتهره واغلظ عليه، ونزل فدخل، ثم قعد الى جانب الخال، وسلم عليه بغير الإمرة، فقال له غريب وقد استبشع امره: ما تقول اعزك الله؟ قال: انا رجل من ولد على بن ابى طالب، وعندي نصيحه للخليفة لا يسعني ان يسمعها غيره، وهي من المهم الذى ان تأخر وصولي اليه حدث امر عظيم. فدخل الخال الى المقتدر والى السيده، واعلمهما بامره، فبعث في الوزير على بن عيسى واحضر الخال الرجل، فاجتهد الوزير والحاجب نصر والخال ان يعلمهم النصيحه ما هي، فأبى حتى ادخل الى الخليفة، وأخذ سيفه، وادنى منه، وتنحى الغلمان والخدم، فاخبر المقتدر بشيء لم يقف عليه احد، ثم امره بالانصراف الى منزل اقيم له وخلع عليه ما يلبسه، ووكل به خدم يخدمونه، وامر المقتدر ان يحضر ابن طومار نقيب الطالبيين ومشايخ آل ابى طالب، فيسمعون منه ويفهمون امره، فدخلوا عليه وهو

стр. 5860

على برذعه طبرية مرتفعه، فما قام الى واحد منهم، فسأله ابن طومار عن نسبته فزعم انه محمد بن الحسن بن على بن موسى بن جعفر الرضا وانه قدم من البادية، فقال له ابن طومار: لم يعقب الحسن- وكان قوم يقولون انه اعقب، وقوم قالوا لم يعقب- فبقى الناس في حيره من امره، حتى قال ابن طومار: هذا يزعم انه قدم من البادية وسيفه جديد الحلية والصنعه، فابعثوا بالسيف الى دار الطاق، وسلوا عن صانعه وعن نصله، فبعث به الى اصحاب السيوف بباب الطاق، فعرفوه واحضروا رجلا ابتاعه من صيقل هناك، فقيل له: لمن ابتعت هذا السيف؟ فقال: لرجل يعرف بابن الضبعى، كان أبوه من اصحاب ابن الفرات، وتقلد له المظالم بحلب، فاحضر الضبعى الشيخ، وجمع بينه وبين هذا المدعى الى بنى ابى طالب فاقر بانه ابنه، فاضطرب الدعي وتلجج في قوله، فبكى الشيخ بين يدي الوزير حتى رحمه ووعده بان يستوهب عقوبته ويحبسه او ينفيه، فضج بنو هاشم، وقالوا: يجب ان يشهر هذا بين الناس، ويعاقب أشد عقوبة، ثم حبس الدعي، وحمل بعد ذلك على جمل، وشهر في الجانبين يوم الترويه ويوم عرفه، ثم حبس في حبس المصريين بالجانب الغربي. وفي هذه السنه اضطرب امر خراسان لما قتل احمد بن اسماعيل، واشتغل نصر بن احمد والده بمحاربه عمه، ودارت بينهما فتوق، فكتب احمد بن على المعروف بصعلوك، وكان يلى الري من قبل احمد بن اسماعيل ايام حياته الى المقتدر، ووجه اليه رسولا يخطب اليه اعمال الري وقزوين وجرجان وطبرستان، وما يستضيف الى هذه الاعمال، ويضمن في ذلك مالا كثيرا، وعنى به نصر الحاجب، حتى انفذ اليه الكتب بالولاية، ووصله المقتدر من المال الذى ضمن بمائه الف درهم، وامر بمائده تقام له في كل شهر من شهور الأهلة بخمسه آلاف درهم، واقطعه من ضياع السلطان بالري ما يقوم في كل سنه بمائه الف درهم. وفي هذه السنه ركب المقتدر الى الميدان، وركب باثره على بن عيسى الوزير ليلحقه، فنفرت دابته وسقط سقطه مؤلمه، وامر الخليفة اصحاب الركاب باقامته،

стр. 5861

وحمله على دابته، فانهضوه وحملوه، وقيلت فيه اشعار منها: سقوطك يا على لكسف بال ... وخزى عاجل وسقوط حال فما قلنا لعا لك بل سررنا ... وكان لما رجونا خير فال أضعت المال في شرق وغرب ... فلم يحظ الامام بجمع مال قال: وكان على بن عيسى بخيلا، فابغضه الناس لذلك. ووردت الاخبار بدخول صاحب إفريقية الإسكندرية وتغلبه على برقه وغيرها، وكتب تكين الخاصة والى مصر يطلب المدد، ويستصرخ السلطان، فعظم ذلك على المقتدر ورجاله وكانوا من قبل مستخفين بأمر عبيد الله الشيعى وبابى عبد الله القائم بدعوته، وكانوا قد فحصوا عن نسبه ومكانه، وباطن امره. قال محمد بن يحيى الصولي: حدثنا ابو الحسن على بن سراج المصرى، وكان حافظا لاخبار الشيعة ان عبيد الله هذا القائم بإفريقية هو عبيد الله بن عبد الله بن سالم من اهل عسكر مكرم بن سندان الباهلى صاحب شرطه زياد، ومن مواليه وسالم جده، قتله المهدى على الزندقة. قال: وأخبرني غير ابن سراج ان جده كان ينزل بنى سهم من باهله بالبصرة، وكان يدعى انه يعرف مكان الامام القائم وله دعاه في النواحي، يجمعون له المال بسببه، فوجه الى ناحيه المغرب رجلا يعرف بابى عبد الله الصوفى المحتسب، فأرى الناس نسكا، ودعاهم سرا الى طاعه الامام، فافسد على زياده الله بن الاغلب القيروان، وكان عبيد الله هذا مقيما بسلميه مده، ثم خرج الى مصر فطلب بها، وظفر به محمد ابن سليمان، فاخذ منه مالا، واطلقه، ثم ثار المحتسب على ابن الاغلب وطرده عن القيروان، وقدم عليه عبيد الله، فقال المحتسب للناس: الى هذا كنت ادعو، وكان عبيد الله يعرف أول دخوله القيروان بابن البصرى، فأظهر شرب الخمر والغناء، فقال المحتسب: ما على هذا خرجنا، وانكر فعله، فدس عليه عبيد الله رجلا من المغاربه يعرف بابن خنزير، فقتله، وملك عبيد الله البلاد، وحاصر اهل طرابلس حتى فتحها، وأخذ اموالا عظيمه ثم ملك برقه واقبل جيشه يريد مصر، وقدم ولد

стр. 5862

عبيد الله الإسكندرية، وخطب فيها خطبا كثيره محفوظه، لولا كفر فيها لاجتلبت بعضها. ولما وردت الاخبار باستطاله صاحب القيروان بجهة مصر، انهض المقتدر مؤنسا الخادم وندب معه العساكر، وكتب الى عمال اجناد الشام بالمصير الى مصر. وكتب الى ابنى كيغلغ وذكا الأعور، وابى قابوس الخراسانى باللحاق بتكين لمحاربته. وخلع على مؤنس في شهر ربيع الاول سنه ثنتين وثلاثمائة وخرج متوجها الى مصر، وتقدم على بن عيسى الوزير بترتيب الجمازات من مصر الى بغداد ليروح عليه الاخبار في كل يوم، فورد الخبر بان جيش عبيد الله الخارج مع ابنه، ومع قائده حباسه انهزموا وبشر على بن عيسى بذلك المقتدر، فتصدق في يومه بمائه الف درهم، ووصل على ابن عيسى بمال عظيم، فلم يقبله ثم رجع على وقد باع له ابن ما شاء الله ضيعه باربعه آلاف دينار، وفرقها كلها شكرا لله ، ودخل مؤنس الخادم بالجيوش مصر في جمادى الآخرة، وقد انصرف كثير من اهل المغرب عن الإسكندرية ونواحيها، وانصرف ولد عبيد الله قافلا الى القيروان وكتب محمد بن على الماذرائى يذكر ضيق الحال بمصر وكثره الجيوش بها وما يحتاج اليه من الأموال لها، فانفذ اليه المقتدر مائتي بدره دراهم على مائتي جمازه مع جابر بن اسلم صاحب شرطه الجانب الشرقى ببغداد. وورد الخبر من مصر في ذي القعده بان الاخبار تواترت عليهم بموت عبيد الله الشيعى فانصرف مؤنس يريد بغداد، وعزل المقتدر تكين عن مصر، وولاه دمشق ونقل ذكا الأعور من حلب الى مصر. وفي هذه السنه صرف ابو ابراهيم بن بشر بن زيد أبا بكر الكريزى العامل عن اعمال قصر ابن هبيرة ونواحيه، فطالبه وضربه بالمقارع حتى مات، وحمل الى مدينه السلام في تابوت. وفيها مات القاسم بن الحسن بن الاشيب، ويكنى أبا محمد، وكان قد حدث وحمل عنه الناس توفى لليلتين بقيتا من جمادى الاولى، ولم يتخلف عن جنازته قاض ولا فقيه ولا عدل. وفيها ماتت بدعه جاريه عريب مولاه المأمون لست خلون من ذي الحجه

стр. 5863

وصلى عليها ابو بكر بن المهتدى، وخلفت مالا كثيرا وجوهرا وضياعا وعقارات، فامر المقتدر بالله بقبض ذلك كله، وتوفيت ولها ستون سنه ما ملكها رجل قط. وقطع في هذه السنه بطريق مكة على حاتم الخراسانى وعلى خلق عظيم معه، خرج عليهم رجل من الحسينية مع بنى صالح بن مدرك الطائي، فأخذوا الأموال واستباحوا الحرم ومات من سلم عطشا، وسلمت القوافل غير قافلة حاتم. واقام الحج للناس في هذه السنه الفضل بن عبد الملك الهاشمى.

стр. 5864

ثم دخلت سنه ثلاث وثلاثمائة (ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) فيها ورد الخبر بان رجلا من الطالبيين ثار بجهة واسط وانضم اليه جماعه من الاعراب والسواد، وكان للأعراب رئيس يقال له محرز بن رباح، وذلك انه بلغهم بان صاحب فارس والاهواز والبصره بعث الى حضره السلطان من المال المجتمع قبله ثلاثمائة الف دينار، حملت في ثلاث شذوات، فطمعوا في انتهابها وأخذها، وكمنوا للرسل في بعض الطريق، ففطن بهم اهل الشذوات، فافلتت منها واحده، وصاعدت، ورجعت الاثنتان الى البصره، ولم يظفر الخارجون بشيء فصاروا الى عقر واسط، وأوقعوا بأهلها، واحرقوا مسجدها، واستباحوا الحرم وبلغ حامد بن العباس خبرهم، وكان يتقلد اعمال الخراج والضياع بكسكر وكور دجلة وما اتصل بذلك، فوجه من قبله محمد بن يوسف المعروف بخزرى، وكان يتقلد له معونه واسط، وضم اليه غلمانه وقوما فرض لهم فرضا، وكتب الى السلطان بالخبر، فامده بلؤلؤ الطولونى، فلم يبلغ اليه لؤلؤ حتى قتل الطالبي ومحرز بن رباح واكثر الاعراب الخارجين معهما، واسر منهم نحو مائه اعرابى، وكتب حامد بالفتح الى المقتدر، وبعث بالأسرى، فادخلوا مدينه السلام في جمادى الاولى وقد البسوا البرانس، وحملوا على الجمال، فضجوا وعجوا وزعم قوم منهم انهم براء، فامر المقتدر بردهم الى حامد ليطلق البريء، ويقتل النطف، فقتلهم اجمعين على جسر واسط، وصلبهم. وفي هذه السنه في جمادى الاولى ورد الخبر بان الروم حشدوا وخرجوا على المسلمين، فظفروا بقوم غزاه من اهل طرسوس، وظفرت طائفه منهم اخرى بخلق كثير من اهل مرعش وشمشاط، فسبوا من المسلمين نحوا من خمسين ألفا، وعظم الأمر في ذلك، وعم حتى وجه السلطان بمال ورجال الى ذلك الثغر، فدارت على الروم بعد ذلك وقعات كثيره

стр. 5865

وفيها كانت لهارون بن غريب الخال جناية وهو سكران بمدينه السلام، على رجل من الخزر يعرف بجوامرد، ولقيه ليلا فضرب راسه بطبرزين كان في يده، فقتله بلا سبب، فشغب رفقاؤه الذين كان في جملتهم، وطلبوا هارون ليقتلوه، فمنع منهم وكانوا نحو المائه، فشكوا امره، وترددوا طالبين لاخذ الحق منه، فلم ينظر لهم فلما أعوزهم ذلك، خرجوا باجمعهم الى عسكر ابن ابى الساج، وكان قد تحرك على السلطان، وانفذ اليه المقتدر رشيقا الحرمي ختن نصر الحاجب رسولا ليصرفه عن مذهبه، فحبسه ابن ابى الساج عند نفسه، ومنعه ان يكتب كتابا الى المقتدر ثم انه اطلقه بعد ذلك، وبعث بهدايا ومال فرضى عنه. وفيها عظم امر الحسين بن حمدان بنواحي الموصل، فانفذ اليه السلطان أبا مسلم رائقا الكبير، وكان اسن الغلمان المعتضديه واعلاهم رتبه، وكان فيه تصاون وتدين وحسن عقل، فشخص ومعه وجوه القواد والغلمان، فحارب الحسين بن حمدان، وهو في نحو خمسه عشر ألفا، فقتل رائق من قواد ابن حمدان جماعه منهم الحسن بن محمد ابن أبا التركى، وكان فارسا شجاعا مقداما وابو شيخ ختن ابن ابى مسعر الأرميني ووجه الحسين بن حمدان الى رائق جماعه يسأله ان يأخذ له الامان، وانما اراد ان يشغله بهذا عن محاربته، ومضى الحسين مصعدا ومعه الأكراد والاعراب وعشر عماريات، فيها حرمه وكان مؤنس الخادم قد انصرف من الغزاة وصار الى آمد، فوجه القواد والغلمان في اثر الحسين، فلحقوه وقد عبر باصحابه واثقاله واديا، وهو واقف يريد العبور في خمسين فارسا، ومعه العماريات، فكابرهم حتى اخذوه أسيرا، وسلم عياله وأخذ ابنه ابو الصقر أسيرا فلما راى الأكراد هذا عطفوا على العسكر فنهبوه وهرب ابنه حمزه وابن أخيه ابو الغطريف، ومعهما مال، ففطن بهما عامل آمد، وكان العامل سيما غلام نصر الحاجب، فاخذ ما معهما من المال وحبسهما. ثم ذكر ان أبا الغطريف مات في الحبس، فاخذ راسه، وكان الظفر بحسين بن حمدان يوم الخميس للنصف من شعبان، ورحل مؤنس يريد بغداد، ومعه الحسين ابن حمدان واخوته على مثل سبيله، واكثر اهله، فصير الحسين على جمل مصلوبا على

стр. 5866

نقنق، وتحته كرسي، ويدير النقنق رجل، فيدور الحسين من موقفه يمينا وشمالا، وعليه دراعه ديباج سابغه قد غطت الرجل الذى يدير النقنق، ما يراه احد، وابنه الذى كان هرب من مدينه السلام ابو الصقر قد حمل بين يديه على جمل، وعليه قباء ديباج وبرنس، وكان قد امتنع من وضع البرنس على راسه، فقال له الحسين: البسه يا بنى فان اباك البس البرانس اكثر هؤلاء الذين تراهم- وأومأ الى القتال وجماعه من الصفاريه- ونصبت القباب بباب الطاق، وركب ابو العباس محمد بن المقتدر بالله وبين يديه نصر الحاجب، ومعه الحربه وخلفه مؤنس وعلى بن عيسى واخوه الحسين خلف جمله عظيمه، عليهم السواد في جمله الجيش. ولما صار الحسين بسوق يحيى قال له رجل من الهاشميين: الحمد لله الذى امكن منك، فقال له الحسين: والله لقد امتلأت صناديقى من الخلع والالويه، وافنيت أعداء الدولة، وانما اصارنى الى هذا الخوف على نفسي، وما الذى نزل بي الا دون ما سينزل بالسلطان إذا فقد من اوليائه مثلي وبلغ الدار ووقف بين يدي المقتدر بالله، ثم سلم الى نذير الحرمي فحبسه في حجره من الدار، وشغب الغلمان والرجاله يطلبون الزيادة، ومنعوا من الدخول على مؤنس او على احد من القواد، ومضوا الى دار على بن عيسى الوزير، فاحرقوا بابه، وذبحوا في اصطبله دوابه وعسكروا بالمصلى ثم سفر بالأمر بينهم، فدخلوا واعترفوا بخطئهم وكان الغلمان سبعمائة، وكان الرجاله خلقا كثيرا، فوعدهم مؤنس الزيادة، فزيدوا شيئا يسيرا، فرضوا. وفي آخر شهر رمضان ادخل خمسه نفر أسارى من اصحاب الحسين، فيهم حمزه ابنه ورجل يقال له على بن الناجى لثلاث بقين من هذا الشهر، ثم قبض على عبيد الله وابراهيم ابنى حمدان، وحبسا في دار غريب الخال ثم أطلقا. وفي هذه السنه في صفر قلد ورقاء بن محمد الشيبانى معونه الكوفه وطريق مكة، وعزل عن الكوفه إسحاق بن عمران، وكان عقده على طريق مكة وقصبه الكوفه واربعه من طساسيجها: طسوج السيلحين، وطسوج فرات بادقلا، وطسوج بابل وخطرنيه والخرب، وطسوج سورا، وخلع عليه وعقد له لواء

стр. 5867

وفي هذه السنه اغلظ على بن عيسى لأحمد بن العباس أخي أم موسى، وقال له: قد افنيت مال السلطان ترتزق في كل شهر من شهور الأهلة سبعه آلاف دينار، وكتب رقعه بتفصيلها، فلم تزل أم موسى ترفق لعلى بن عيسى الى ان امسك عنه. وفي هذه السنه نظر على بن عيسى بعين رايه الى امر القرامطة فخافهم على الحاج وغيرهم، فشغلهم بالمكاتبة والمراسله والدخول في الطاعة، وهاداهم واطلق لهم التسوق بسيراف، فردهم بذلك وكفهم، فخطاه الناس فلما عاينوا بعد ذلك ما فعله القرامطة حين احرجوا، علموا ان الذى فعله على صواب كله وشنع على على بن عيسى بهذا السبب انه قرمطى، ووجد حساده السبيل الى مطالبته بذلك، وكان الرجل ارجح عقلا، واحسن مذهبا من الدخول فيما نسب اليه. وفي هذه السنه مات ابو الهيثم بن ثوابه الاكبر بالكوفه في الحبس بعد ان أخذ منه إسحاق بن عمران مالا جليلا للسلطان ولنفسه وقيل انه احتال في قتله خوف ان يقر عليه يوما بما أخذ منه لنفسه. وفيها مات الفضل بن يحيى بن فرخان شاه الديراني النصراني من ديرقنا فقبض السلطان على جميع املاكه، وكانت له عند رجل مائه وخمسون الف دينار، فأخذت من الرجل، ووجه شفيع المقتدرى ومعه غلمان وخدم الى قنا فاحصوا تركته وضياعه. وفيها مات ادريس بن ادريس العدل في القادسية وهو حاج الى مكة، وكان امره قد علا في التجارة والمكانه عند السلطان، وكان يحج في كل سنه، ويحمل معه مالا ينفقه على من احتاج الى النفقة قال محمد بن يحيى الصولي: انا سمعته يوما يقول: يلزمني كل سنه في الحج نفقه غير ما اصرفه في أبواب البر خمسه آلاف دينار. وفيها مات ابو الأغر السلمى فجاءه لسبع خلون من ذي الحجه قال نصف النهار بعد ان تغدى ثم حرك للصلاة فوجد ميتا. واقام الحج للناس في هذه السنه الفضل بن عبد الملك الهاشمى.

стр. 5868

ثم دخلت سنه اربع وثلاثمائة (ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) [مخالفة خالد ابن محمد الشعراني المعروف بابى يزيد على السلطان] وفي المحرم من هذه السنه ورد كتاب صاحب البريد بكرمان يذكر ان خالد ابن محمد الشعراني المعروف بابى يزيد- وكان على بن عيسى الوزير ولاه الخراج بكرمان وسجستان- خالف على السلطان، ودعى أميرا، وجمع الناس الى نفسه، وضمن لهم الأموال على ان ينهضوا معه لمحاربه بدر الحمامي صاحب فارس، وضمن القواد كانوا معه مالا عظيما، وعجل لهم منه بعضه حتى اجتمع له نحو عشره آلاف فارس وراجل، وكان ضعيف الرأي ناقص القريحه، فكتب المقتدر الى بدر الحمامي في انفاذ جيش اليه ومعاجلته، فوجه اليه بدر قائدا من قواده يعرف بدرك وضم اليه من جنده ورجال فارس عسكرا كثيرا، وكتب بدر قبل انفاذ الجيش الى ابى يزيد الشعراني يرغبه في الطاعة، ويتضمن له العافيه، مع الانهاض في المنزله، وخوفه وبال المعصية، فجاوبه ابو يزيد: والله ما اخافك لانى فتحت المصحف فبدر الى منه قول الله : لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى ومع ذلك ففي طالعى كوكب بيبانى لا بد ان يبلغني غاية ما اريد، فانفذ بدر الجيش اليه، وحوصر حتى أخذ أسيرا فقيلت فيه اشعار منها: يا با يزيد قائل البهتان ... لا تغترر بالكوكب البيبانى واعلم بان القتل غاية جاهل ... باع الهدى بالغى والعصيان قد كنت بالسلطان عالى رتبه ... من ذا الذى أغراك بالسلطان ثم اتى الخبر بان أبا يزيد هذا مات في طريقه، فحمل راسه الى مدينه السلام ونصب على سور السجن الجديد، وعزل يمن الطولونى عن اماره البصره، ووليها الحسن بن خليل بن ريمال، على يدي شفيع المقتدرى، إذ كانت امارتها اليه.

стр. 5869

ذكر التقبض على على بن عيسى الوزير وولايه على بن الفرات ثانيه وقبض في هذه السنه على الوزير على بن عيسى يوم الاثنين، لثمان ليال خلون من ذي الحجه، ونهبت منازل اخوته ومنازل حاشيته وذويه، وحبس في دار المقتدر، وقلد الوزارة في هذا اليوم على بن محمد بن موسى بن الفرات، وخلع عليه سبع خلع، وحمل على دابه بسرجه ولجامه، فجلس في داره بالمخرم المعروفه بدار سليمان بن وهب، وردت عليه اكثر ضياعه التي كانت قبضت منه عند التسخط عليه، وظهر من كان استتر بسببه من صنائعه ومواليه. وذكر عنه انه لما ولى ابن الفرات الوزارة وخلع عليه بالغداة، زاد ثمن الشمع في كل من منه قيراط ذهب، لكثرة ما كان ينفقه منه في وقيده، وينفق بسببه وزاد في ثمن القراطيس لكثرة استعماله إياها فعد الناس ذلك من فضائله، وكان اليوم الذى خلع عليه فيه يوما شديد الحر. فحدثني ابن الفضل بن وارث انه سقى في داره في ذلك اليوم، وتلك الليلة اربعون الف رطل من الثلج، وركب على بن محمد الى المسجد الجامع ومعه موسى بن خلف صاحبه فصيح به الهاشميون: قد أسلمنا، وضجوا في امر أرزاقهم، فامر ابن الفرات من كان معه الا يكلمهم في شيء، فافرطوا في القول، فأنكر ذلك المقتدر وامر بان يحجب اصحاب المراتب عن الدار، فصار مشايخهم الى ابن الفرات واعتذروا اليه، وقالوا له: هذا فعل جهالنا، فكلم الخليفة فيهم حتى رضى عنهم، وضم الى ابن الفرات جماعه من الغلمان الحجريه، ليركبوا بركوبه ويكونوا معه في كل موضع يكون فيه. وفيها ورد الكتاب من خراسان يذكر فيه انه وجد بالقندهار في ابراج سورها برج متصل بها فيه خمسه آلاف راس، في سلال من حشيش، ومن هذه الرءوس تسعه وعشرون راسا، في اذن كل راس منها رقعه مشدودة بخيط ابريسم، باسم كل رجل منهم

стр. 5870

والأسماء: شريح بن حيان، خباب بن الزبير، الخليل بن موسى التميمى، الحارث ابن عبد الله، طلق بن معاذ السلمى، حاتم بن حسنه، هانئ بن عروه، عمر بن علان، جرير بن عباد المدني، جابر بن خبيب بن الزبير، فرقد بن الزبير السعدي، عبد الله ابن سليمان بن عماره، سليمان بن عماره، مالك بن طرخان صاحب لواء عقيل ابن السهيل بن عمرو، عمرو بن حيان، سعيد بن عتاب الكندى، حبيب بن انس، هارون بن عروه، غيلان بن العلاء، جبريل بن عباده، عبد الله البجلي، مطرف ابن صبح ختن عثمان بن عفان رضى الله عنه، وجدوا على حالهم الا انهم قد جفت جلودهم والشعر عليها بحالته لم يتغير، وفي الرقاع من سنه سبعين من الهجره . [أخبار متفرقة] وفي هذه السنه عزل يمن الطولونى عن شرطه بغداد، ووليها نزار بن محمد الضبي. وفي المحرم من هذه السنه توفى عبد العزيز بن طاهر بن عبد الله بن طاهر أخو محمد بن طاهر، وكان عبدا صالحا حسن المذهب، كثير الخير، ودفن في مقابر قريش، وصلى عليه مطهر بن طاهر. وفيها مات محدث عدل يعرف بابى نصر الخراسانى في جمادى الاولى. وفيها مات ابو الحسن احمد بن العباس بن الحسن الوزير في شعبان، وكان قد عنى بالأدب ورشح نفسه للوزارة، واهله قوم لها. وفيها مات لؤلؤ غلام ابن طولون. وفيها مات ابو سليمان داود بن عيسى بن داود بن الجراح قبل القبض على أخيه على بن عيسى بشهرين، فلم يتخلف احد عن جنازته من الاجلاء. وفي هذه السنه قدم طرخان بن محمد بن إسحاق بن كنداجيق من الدينور حاجا في شهر رمضان، فركب الى الوزير على بن عيسى يوم الاثنين لإحدى عشره ليله بقيت من شوال، وليس عنده خبر، فعزاه الوزير عن ابيه، فجزع عليه جزعا شديدا وخلع عليه في يوم الخميس بعد ثلاثة ايام وعقد له لواء على اعمال ابيه، فكتب

стр. 5871

الى أخيه يستخلفه على العمل، ونوظر عن الاعمال التي كانت الى ابيه، فقطع الأمر معه على ستين الف دينار، حملها عنه حمد كاتبه، وجيء بتابوت محمد بن إسحاق لاربع بقين من شوال، ودفن في داره بالجانب الغربي. واقام الحج للناس في هذه السنه الفضل بن عبد الملك الهاشمى.

стр. 5872

ثم دخلت سنه خمس وثلاثمائة (ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) فيها دخل مدينه السلام رسل ملك الروم ورئيساهم: شيخ وحدث، ومعهما عشرون علجا، فانزلوا الدار التي كانت لصاعد، ووسع عليهم في الأنزال والوظائف، ثم ادخلوا بعد ايام الى دار الخليفة من باب العامه، وجيء بهم في الشارع الأعظم، وقد عبى لهم المصاف من باب المخرم الى الدار، فانزل الرئيسان عن دابتهما عند باب العامه، وادخلا الدار وقد زينت المقاصير بأنواع الفرش، ثم أقيما من الخليفة على نحو مائه ذراع، والوزير على بن محمد بين يديه قائم، والترجمان واقف يخاطب الوزير، والوزير يخاطب الخليفة، وقد اعد من آلات الذهب والفضه والجوهر والفرش ما لم ير مثله، وطيف بهما عليه ثم صير بهما الى دجلة، وقد اعدت على الشطوط الفيله والزرافات والسباع والفهود، وخلع عليهما، وكان في الخلع طيالسه ديباج مثقلة، وامر لكل واحد من الاثنين بعشرين الف درهم، وحمل في الشذا مع الذين جاءوا معهما، وعبر بهما الى الجانب الغربي وقد مد المصاف على سائر شراع دجلة الى ان مر بهما تحت الجسر الى دار صاعد، وذلك يوم الخميس لست بقين من المحرم. وقدم ابراهيم بن احمد الماذرائى من مكة، فقبض عليه ابن الفرات واغلظ له وصادره على مال عجل بعضه، ونجم الباقى عليه، وكتب ابن الفرات الى على بن احمد ابن بسطام المتقلد لاعمال الشام في المصير الى مصر، والقبض على الحسين بن احمد المعروف بابى زنبور، وعلى ابن أخيه ابى بكر محمد بن على، وحملهما الى مدينه السلام على جمازات، ونفذ اليه بهما من بغداد بعد مصادرتهما والاستقصاء عليهما، وحمل مال المصادره الى مدينه السلام، وقد كانا قبل ذلك ظفرا بابن بسطام، فأحسنا اليه فجازاهما ابن بسطام أيضا، بان رفق بهما وحسن أمورهما، وعنى بهما بعض حاشيه السلطان ببغداد وقيل للخليفة: ان الوزير انما وجه في قتلهما، فانفذ

стр. 5873

خادما من ثقات خدمه على الجمازات في طريق البريه الى دمشق، ومنها الى مصر وامر ابن بسطام الا يناظرهما الا بحضره الخادم الموجه اليه، والا يعنف عليهما وكان ذلك مما يحبه ابن بسطام، لأنه كان أساء بهما غاية الإساءة، وأخذ منهما مالا جليلا يقال انه احتجنه، وتقلد ابو الطيب اخوه مناظره ابن بسطام، رفقا به أيضا ولم يشتدا عليه في شيء مما كان اليه واحسنا اليه، وسلماه الى تكين صاحب مصر ليناظر بحضرته، فنسب ابو الطيب بفعله ذلك الى العجز وقال فيه بعض الشعراء بمصر شعرا ذكرته لما فيه من مذهبهم في شنعه التعذيب والاستقصاء: يا أبا الطيب الذى اظهر الله ... به العدل ليس فيك انتصار قد تانيت وانتظرت فهل بعد ... تانيك وقفه وانتظار جد بالخائن البخيل فكشفه ... ففي كشفه عليه دمار اين ضرب المقارع الارزنيات ... واين الترهيب والانتهار اين صفع القفا واين التهاويل ... إذا علقت عليه الثفار اين ضيق القيود والالسن الفظه ... اين القيام والاخطار اين عرك الاذان واللطم للهام ... وعصر الخصا واين الزيار اين نتف اللحا وشد الحيازيم ... واين الحبوس والمضمار ليس يرضى بغير ذا منك سلطانك ... فاشدد فان رفقك عار فبهذا يجيك مالك فاسمع ... وإليك الخيار والاختيار وقبض ببغداد على ابن اخت ابراهيم بن احمد الماذرائى، وهو ابو الحسين محمد بن احمد، وكان يكتب لبدر الحمامي، ويخلف أبا زنبور وأبا بكر محمد بن على وطالبه ابن الفرات باموال، فاغرمه وأخذ جميع ما وجد له في داره. وفي هذه السنه ورد الخبر بان الحسن بن خليل بن ريمال امير البصره من قبل شفيع المقتدرى أساء السيرة في البصره، ومديده الى امور قبيحه، ووظف على الاسواق وظائف، فوثبوا به، فركب واحرق السوق التي حول الجامع، وركضت خيله في المسجد، وقتلوا جماعه من العامه ممن كان في المسجد، ولم تصل الجمعه في ذلك اليوم ثم كثر اهل البصره فحاصروه في داره بموضع يعرف ببني نمير، واجتمع اصحابه اليه الى ان تقدم المقتدر الى شفيع المقتدرى بعزله، فعزله وولى رجلا من اصحابه يعرف بابن ابى دلف

стр. 5874

الخزاعي، فانحدر وافرج اهل البصره للحسن بن خليل حين خرج، وقد كان اهل البصره أطلقوا المحبوسين ومنعوا من صلاه الجمعه شهرا متواليا. وفي هذه السنه ورد رجل من عسكر ابن ابى الساج يعرف بكلب الصحراء في الامان فذكر انه علوي، وان ابن ابى الساج كان يعتقله وانه هرب منه، فأجرى له ثلاثمائة دينار في المجتازين، وكتب الى ابن ابى الساج بذلك، فدس اليه من يناظره عن نسبه، وكان قد تزوج بامرأة ابن ابى ناظره، وهي ابنه الحسن بن محمد بن ابى عون، فاحضر ابن طومار النقيب، فناظره، وكان دعيا فسلم الى نزار بن محمد صاحب الشرطه ببغداد فوضعه في الحبس. وفي شوال من هذه السنه دخل مؤنس الخادم الى الري لمحاربه ابن ابى الساج، بعد ان هزم ابن ابى الساج خاقان المفلحى، فما ترك أحدا من اصحابه يتبعه، ولا يأخذ من اصحابه شيئا ودخل ابن الفرات الى المقتدر بالله، فاعلمه ان على ابن عيسى كتب الى ابن ابى الساج يأمره ان يصير الى الري، حيله على الخليفة وتدبيرا عليه، فسمع المقتدر بالله هذا الكلام من ابن الفرات، فلما خرج سال على ابن عيسى عنه، وكان محبوسا عنده في داره، فقال له على: الناحية التي انهضت إليها ابن ابى الساج منغلقه بأخي صعلوك، فكتبت اليه بمحاربته، ولا أبالي من قتل منهما، وقد استأذنت امير المؤمنين في فعلى هذا، فاذن فيه، وسألته التوقيع به فوقع، وتوقيعه عندي، فاحضر التوقيع، فحسن موقع ذلك له من المقتدر ووسع على على بن عيسى في محبسه ولم يضيق عليه. وفيها ورد الخبر بقتل عثمان العنزي القائد والى طريق خراسان، وادخل بغداد في تابوت، ثم ظفر بقاتله، وكان رجلا كرديا من غلمان علان الكردى، فضرب وثقل بالحديد حتى مات. وفيها وردت هدايا احمد بن هلال صاحب عمان على المقتدر بالله، وفيها الوان الطيب ورماح وطرائف من طرائف البحر، فيها طير صينى اسود يتكلم افصح من الببغاء بالهندية والفارسيه، وفيها ظباء سود. وفيها قدم القاسم بن سيما الفرغاني من مصر بعد ان عظم بلاؤه، وحسن اثره في حرب حباسه قائد الشيعة بمصر، وكان اهل مصر قد هزموا ودار سيف اهل المغرب بهم

стр. 5875

حتى لحقهم القاسم، فنجاهم كلهم وهزم حباسه واصحابه، فركبوا الليل، ووردت كتب اهل مصر وصاحب البريد بها يذكرون جليل فعله، وحسن مقامه وهو لا يشك في ان السلطان يجزل له العطاء ويقطعه الاقطاع الخطيره، ويوليه الاعمال العاليه فلما وصل الى باب الشماسيه أقاموه بها، ومنعوه الدخول الى ان مل وضجر ثم أذنوا له في الوصول، فاعتدوا بذلك نعمه عليه وكان القاسم رجل صدق، كثير الفتوح، حسن النيه، فلم يزل منذ دخل بغداد كمدا عليلا الى ان توفى في آخر هذه السنه يوم الجمعه لسبع ليال بقين من ذي الحجه. وفيها ماتت بنت للمقتدر، فدفنت بالرصافة، وحضرها آل السلطان، وطبقات الناس. وفيها مات القاسم بن زكرياء المطرز المحدث في صفر. وفي شهر ربيع الآخر مات القاسم بن غريب الخال، ولم يتخلف عن جنازته احد من القواد والاجلاء، وركب ابن الفرات الوزير الى غريب معزيا في عشى ذلك اليوم الذى دفن ابنه في غداته. وفي هذا الشهر ورد الخبر بموت العباس بن عمرو الغنوي، وكان عامل ديار مضر، ومقيما بالرقة، فحمل ما تخلف من المال والأثاث والسلاح والكراع الى المقتدر، واضطرب بعد موته امر ديار مضر، فقلدها وصيف البكتمرى، فلم يظهر منه فيها اثر يرضى، فعزل، وقلدها جنى الصفواني فضبطها. وفيها مات عبد الله بن ابراهيم المسمعي يوم السبت لتسع ليال بقين من شهر ربيع الآخر، ودفن في داره التي أقطعها بباب خراسان، وكان عبد الله بن ابراهيم المسمعي عاقلا عالما، قد كتب الحديث، وسمع عن الرياشي سماعا كثيرا، وكان حسن الحفظ، وكان ابنه عالما الا انه كان دونه. وفيها مات سبكرى غلام عمرو بن الليث الصفار ببغداد. وفيها مات غريب خال المقتدر يوم الأربعاء لثمان بقين من جمادى الآخرة، وصلى عليه احمد بن العباس الهاشمى أخو أم موسى، ودفن بقصر عيسى وحضر جنازته الوزير على بن محمد وجميع حاشيته والقواد والقضاه، وكان نصر الحاجب قد احس من المقتدر سوء راى في الوزير ابن الفرات واستثقالا لمكانه، وعملا في الإيقاع به،

стр. 5876

فوجه نصر الى المقتدر يشعره بان ابن الفرات قد حضر الجنازة في جميع اهله وحاشيته، وقال له: ان كنت عازما على انفاذ امرك فيهم، فاليوم امكنك إذ لا تقدر على جمعهم هكذا، فوجه المقتدر: اخر هذا فليس وقته، وخلع بعد جمعه من ذلك اليوم على هارون ابن غريب، وقلد ما كان يتقلد أبوه من الاعمال، وعقد له لواؤه بعد ذلك. وفي هذه السنه مات مصعب بن إسحاق بن ابراهيم يوم الأحد سلخ شعبان، وقد بلغ سنا عاليه، وصلى عليه الفضل بن عبد الملك امام مكة، وكان آخر من بقي من ولد إسحاق بن ابراهيم، وانتهت اليه وصيته، وكان أعيا الناس لسانا واكثرهم في القول خطلا، وكان طويل اللحية مغفلا الا انه كان صالحا وكتب الحديث ورواه، وله اخبار وكتب مصحفه منها ما كتب به الى اهله من القادسية لما حج والفى هذا الكتاب بخطه، فحكيته على ألفاظه. بسم الله الرحمن الرحيم كتابي إليكم من القادسية وكنت قد اغفلت امر الاضاحى فقولوا لابن ابى الورد- يعنى وكيلا له- يشترى لكم ثلاث بقرات يحضيها على احد وعشرين أمهات الأولاد اثنى عشر وابى وأمي تمام العشرين، وانا آخرهم الحادي والعشرين، فرأيكم في ذلك تعجيله ان شاء الله. وقال فيه بعض جيرانه من الشعراء: وصى إسحاق يا بنى صدقه ... عما قليل سياخذ الصدقه ضد لإسحاق في براعته ... يظهر من غير منطق حمقه وان اتى بالكلام بدله ... فقال في حلقه لنا لحقه وورد الخبر من فارس بموت إسحاق الاشروسنى، وكان قد تقلد شرطه الجانب الشرقى من بغداد. واقام الحج في هذه السنه ابن الفضل بن عبد الملك وأبوه حاضر معه.

стр. 5877

ثم دخلت سنه ست وثلاثمائة (ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) فيها ورد الخبر بوقعه كانت بين مؤنس الخادم وبين يوسف بن ابى الساج، وذلك يوم الأربعاء لثمان ليال خلون من صفر، فكانت الهزيمة على مؤنس واصحابه. ولحق نصر السبكى مؤنسا وهو منهزم، وبين يديه مال، فاراد اسره وأخذ المال الذى كان بيده فوجه اليه يوسف: لا تعرض له ولا لشيء مما معه، واسر في هذه الوقيعه جماعه من القواد، فاكرمهم يوسف، وخلع عليهم وحملهم، ثم اطلقهم فود من كان في عسكر مؤنس انهم أسروا. وفي هذه السنه امرت السيده أم المقتدر قهرمانه لها، تعرف بثمل ان تجلس بالرصافة للمظالم، وتنظر في كتب الناس يوما في كل جمعه، فأنكر الناس ذلك، واستبشعوه، وكثر عيبهم له والطعن فيه وجلست أول يوم، فلم يكن لها فيه طائل، ثم جلست في اليوم الثانى، واحضرت القاضى أبا الحسن، فحسن امرها واصلح عليها، وخرجت التوقيعات على سداد، فانتفع بذلك المظلومون، وسكن الناس الى ما كانوا نافروه من قعودها ونظرها. وفيها امر المقتدر يمنا الطولونى- وكانت اليه الشرطه ببغداد- بان يجلس في كل ربع من الارباع فقيها يسمع من الناس ظلاماتهم، ويفتى في مسائلهم حتى لا يجرى على احد ظلم، وامره الا يكلف الناس ثمن الكاغذ الذى تكتب فيه القصص، وان يقوم به، والا يأخذ الأعوان الذين يشخصون مع الناس اكثر من دانقين في اجعالهم. وفي هذه السنه استطاب المقتدر الزبيديه فسكنها، واقام بها مده، ونقل إليها بعض الحرم، ورتب القواد في مضاربهم حوالى الزبيديه، وجلس في يوم سبت لاطعامهم ووصل جماعه منهم وشرب مع الحرم، وفرق عليهن مالا كثيرا. قال محمد بن يحيى الصولي: ووافق هذا اليوم قصدى الى نصر الحاجب مسلما عليه، فأمرني بعمل شعر اصف فيه حسن النهار، وان اوصله الى المقتدر، ففعلت

стр. 5878

وما برحت من عنده حتى جاء خادم لام موسى، ومعه خمسه آلاف درهم فقال: هذه للصولي، وقد استحسن امير المؤمنين الشعر، وكان أولها: لها كل يوم من تعتبه عتب ... تحملني ذنبا وما كان لي ذنب وفيها: كواكب سعد قابلتها منيره ... فلا شخصها يخفى ولا نورها يخبو واطلع أفق الغرب شمس خلافه ... وما خلت ان الشمس يطلعها الغرب تلبس حسنا بالخليفه جعفر ... واشرق من اشراقه البعد والقرب بمقتدر بالله عال على الهوى ... له من رسول الله منتسب رحب ولما هزم ابن ابى الساج مؤنسا الخادم ارجف الناس بالوزير ابن الفرات، وأكثروا الطعن عليه، ونسبوا كل ما حدث الى تضييعه، وانكفى عليه اعداؤه ومن كان يحسده، واغرى الخليفة به، فكتبت رقعه واخرجت من دار السلطان الى على ابن عيسى وهو محبوس، وسمى له فيها جماعه ليقول فيهم بمعرفته، وليستوزر من يشير به منهم، وكان في جمله التسميه ابراهيم بن عيسى، فوقع تحته شره لا يصلح، ووقع تحت اسم ابن بسطام كاتب سفاك للدماء، ووقع تحت اسم ابن ابى البغل ظالم لا دين له، ووقع تحت اسم حامد بن العباس عامل موسر عفيف قد كبر، ووقع تحت اسم الحسين بن احمد الماذرائى لا علم لي به، وقد كفى ما في ناحيته، ووقع تحت اسم احمد بن عبيد الله بن خاقان احمق متهور ووقع تحت اسم سليمان بن الحسن بن مخلد كاتب حدث ووقع تحت اسم ابن ابى الحوارى لا اله الا الله فاجمع راى المقتدر ومن كان يشاوره على تقليد حامد بن العباس الوزارة واعان على ذلك نصر الحاجب ورآه صوابا، فانفذ المقتدر حاجبه المعروف بابن بويح للإقبال بحامد، وقبض على على بن محمد بن الفرات يوم الخميس بعد العصر لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر، وعلى من ظفر به من آله وحاشيته، فكانت وزارته في هذه المده سنه وخمسه اشهر وتسعه عشر يوما. وفر ابنه المحسن من ديوان المغرب وكان يليه، فدخل الى منزل الحسين بن ابى العلاء فلم يستتر امره، وأخذ فجيء به الى دار السلطان ودخل حامد بن العباس بغداد يوم الاثنين لليلتين خلتا من جمادى الأولى عشيا، فبات في دار نصر الحاجب التي

стр. 5879

في دار السلطان، ووصل يوم الثلاثاء من غدوه الى المقتدر، وخلع عليه بعد ان تلقاه الناس من نهر سابس الى بغداد، ولم يتخلف عنه احد، وراى السلطان ومن حوله ضعف حامد وكبره، فعلموا انه لا بد له من معين، فاخرج على بن عيسى من محبسه، وانفذ الى الوزير حامد ومعه كتاب من الخليفة يعلمه فيه انه لم يصرف عليا عن الوزارة لخيانه ولا لشيء انكره، ولكنه واصل الاستعفاء، فعوفي، قال: وقد انفذته إليك لتوليه الدواوين وتستخلفه وتستعين به فان ذلك اجمع لامورك، وأعون على جميل نيتك فسلم الكتاب الى الوزير شفيع المقتدرى، فتطاول لعلى بن عيسى حين دخل اليه واجلسه الى جانبه فأبى عليه وجلس منزويا قليلا، وقرأ الرقعة، وأجاب فيها بالشكر والقبول وركب الوزير حامد وعلى بن عيسى الى الجمعه، وكثر دعاء الناس لهما وولى ابن حماد الموصلى مناظره ابن الفرات بحضره شفيع اللؤلؤى، واحضر حامد بن العباس المحسن بن على بن محمد بن الفرات وموسى بن خلف فطالبهما بالمال، واسرف في صفعهما وضربهما وشتمهما، فقال له موسى بن خلف: أعز الله الوزير! لا تسن هذا على اولاد الوزراء فان لك أولادا، فغاظه ذلك، فزاد في عقوبته، فحمل من بين يديه، وتلف واوقع بالمحسن، فامر المقتدر بالله باطلاق المحسن، فاطلق. ولما بلغ ابن الفرات الخبر، اظهر انه راى أخاه في النوم، كأنه يقول له: أعطهم مالك، فإنك تسلم، فاستدعى ابن الفرات ان يسمع الخليفة منه، فاحضره فاقر له فان قبل يوسف بن بنخاس وهارون بن عمران الجهبذين اليهوديين سبعمائة الف دينار، فاحضرهما حامد، فاقرا بالمال، فأخذه منهما، واقر بمائه الف دينار له عند بعض أسبابه، فأخذت، وأخذوا قبل ذلك منه نحو مائتي الف دينار، فكانت الجمله التي أخذت منه ومن أسبابه الف الف دينار وكان السلطان انفذ جمازات الى الحسين بن احمد الماذرائى، يأمره بالقدوم، فارجف الناس ان ذلك للوزارة وقيل أيضا: ليحاسب عن اعماله، فقدم الى بغداد للنصف من شهر رمضان سنه ست واهدى الى الخليفة هدايا جليله، والى السيده، وحمل مالا، واهدى الى على بن عيسى مالا وهدايا، فردها وامره ان يحملها الى السلطان، واخرج ابن الفرات، واجتمعت الجماعه لمناظرته، فاقر للحسين بن احمد انه حمل اليه عند تقلده الوزارة في الدفعه

стр. 5880

الثانيه ستمائه الف دينار، فاقر بوصول المال اليه، وذكر وجوها يترفه فيها، فقبل بعض ذلك، والزم الباقى، ورد الحسين بن احمد على مصر وأعمالها، واخوه على الشام، وشخص إليها لست بقين من ذي القعده، وخرج توقيع الخليفة باسقاط جميع ما صودر عليه الحسين بن احمد وابن أخيه محمد بن على بن احمد والاقتصار بهما من جميع ذلك على مائتي الف دينار. وورد الخبر يوم الترويه سنه ست وثلاثمائة بان احمد بن قدام، ابن اخت سبكرى- وكان احد قواد كثير بن احمد امير سجستان- وثب على كثير، فقتله وملك البلد، وكاتب السلطان بمقاطعته على البلد، وكان كثير هذا يحجب أبا يزيد خالد بن محمد المقتول الذى ذكرنا امره قبل هذا ٤. وفيها وثب جماعه من الهاشميين على على بن عيسى حين تاخرت أرزاقهم، وقد خرج من عند حامد بن العباس وشتموه وزنوه، وخرقوا دراعته وارجلوه، فخلصه القواد منهم، فحاربوهم وضربوا ضربا شديدا، واتصل ذلك بالمقتدر بالله، فامر فيهم بامور عظام، وان ينفوا الى البصره مقيدين، فحملوا في سفينه مطبقة بعد ان ضرب بعضهم بالدرة، وامر بان يحبسوا في المحبس، فلما وصلوا اجلسهم سبك الطولونى امير البصره على حمير مقيدين، وادخلهم الى دار في جانب المحبس، وكلمهم بجميل، ووعدهم، وفرق فيهم اموالا الا انه اسر ذلك، ثم نفذ الكتاب باطلاقهم، فاحسن اليهم سبك الطولونى، واحضرهم وزادهم، وصنع لهم طعاما ثم وصلهم، واكريت لهم سميريات، فكان مقامهم بالبصرة عشره ايام، ووصلهم حامد وأم موسى وأخوها وعلى بن عيسى. وفي هذه السنه أخذ من القاضى محمد بن يوسف مائه الف دينار وديعة، كانت لابن الفرات، وزفت ابنه القاسم بن عبيد الله الى ابى احمد بن المكتفي بالله، فعملت لهما وليمة انفق فيها مال جليل يزيد على عشرين الف دينار. وفيها عزل نزار بن محمد عن شرطه بغداد ووليها محمد بن عبد الصمد ختن تكين من قواد نصر الحاجب. وفيها مات إسحاق بن عمران يوم الأربعاء لسبع خلون من صفر. وفيها مات محمد بن خلف، وكان اليه قضاء الاهواز وولى ابن البهلول قاضى الشرقيه مكانه

стр. 5881

وفيها ورد الخبر في أول جمادى الاولى بوفاه عج بن حاج، امير الحجاز، فكتب السلطان الى أخيه ان يلى مكانه. وفيها مات القاضى احمد بن عمر بن سريج وكان اعلم من بقي بمذهب الشافعى واقومهم به، ودفن يوم الثلاثاء لخمس بقين من ربيع الآخر. وفي هذه السنه مات الحسين بن حمدان في الحبس، وقد قيل قتل، وقد كان على بن محمد بن الفرات تضمن عنه قبل القبض عليه ان يغرم السلطان مالا عظيما يقيم به الكفلاء، فعورض في ذلك وقيل له: انما يريد الحيله على الخليفة، فامسك. وحج بالناس في هذه السنة أبو بكر احمد بن العباس أخو أم موسى.

стр. 5882

ثم دخلت سنه سبع وثلاثمائة (ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) فيها اشخص عبد الله بن حمدان الى مؤنس الخادم لمعاونته على حرب يوسف ابن ابى الساج، فواقعه باردبيل، وانهزم ابن ابى الساج، فاسر وادخل مدينه السلام مشهرا، عليه الدراعه الديباج التي ألبسها عمرو بن الليث الصفار، والبس برنسا طويلا بشفاشج وجلاجل، وحمل على الفالج، وادخل من باب خراسان، فساء الناس ما فعل به إذ لم تكن له فعله ذميمه في كل من اسره او ظفر به، وحمل مؤنس وكسى وخلع على وجوه اصحابه، ووكل المقتدر بابن ابى الساج، وحبس في الدار، وامر بالتوسع عليه في مطعمه ومشربه، وهرب سبك غلام ابن ابى الساج عند الوقيعه، وكان صاحب امره كله ومدبر جيشه، وهرب معه اكثر رجال ابن ابى الساج، فقال مؤنس ليوسف: اكتب الى سبك في الاقبال إليك، فان ذلك مما يرفق الخليفة عليك. ففعل ابن ابى الساج، وكتب الى سبك، فجاوبه: انى لا افعل حتى اعلم صنعهم فيك، وإحسانهم إليك، فحينئذ آتى طائعا. وكانت لابن ابى الساج اشعار وهو محبوس منها: اقول كما قال ابن حجر أخو الحجى ... وكان امرا راض الأمور ودوسا: فلو انها نفس تموت سويه ... ولكنها نفس تساقط أنفسا ولست بهياب المنيه لو أتت ... ولم ابق رهنا للتأسف والاسى اجازى على الاحسان فيما فعلته ... وقدمته ذخرا جزاء الذى اسا وانى لأرجو ان أءوب مسلما ... كما سلم الرحمن في اليم يونسا فاجزى امام الناس حق صنيعه ... وامنح شكرى ذا العنايه مؤنسا وفيها ركبت أم موسى القهرمانه بهديه امرت أم المقتدر بتهيئتها واهدائها عن بنات غريب الخال لأزواجهن بنى بدر الحمامي، فسارت أم موسى في موكب عظيم

стр. 5883

فيه الفرسان والرجاله، وقيد بين يديها اثنا عشر فرسا بسروجها ولجمها، منها سته بحليه ذهب، وسته بحليه فضه، مع كل فرس خادم بجنبه عليه منطقه ذهب وسيوف بمناطق ذهب، واربعون طختا من فاخر الثياب ومائه الف دينار مسيفه، كل ذلك هديه من قبل النساء الى ازواجهن. وفيها قدم ابو القاسم بن بسطام من مصر الى بغداد، بعد ان كتب اليه في القدوم لإدارة أدارها على بن عيسى عليه، ومطالبه ذهب الى اخذه بها فلما قدم وجه الى الخليفة والى السيده بهديه فخمه، واموال جزيله، فقطعا عنه مطالبه على بن عيسى، وانقطع بنفسه الى الوزير حامد، فاعتنى به وكان ذلك سببا لفساد ما بين الوزير حامد وبين على بن عيسى، ووقعت بينهما ملاحاة، خرجا معها الى التهاتر والتساب، وبعث ذلك حامد الوزير الى ان يضمن للخليفة فيما كان يتقلده على واحمد ابنا عيسى اموالا عظيمه، فأجيب الى ذلك واستعمل حامد عليها عبيد الله بن الحسن بن يوسف، فبلغته عنه بعد ذلك خيانة أقلقته، فاستأذن الخليفة وشخص من بغداد الى واسط، واقام بها أياما وانحدر منها الى الاهواز واحكم ما اراد، واوفى ما عليه من الأموال مقسطا في كل شهر سوى ما وهب وانفق فزعم انه وهب مائه الف دينار، وانفق مائه الف دينار. وقدم الى بغداد في غره ذي القعده وخلع عليه وحمل قال الصولي: رايته يوما وقد شكا اليه شفيع المقتدرى فناء شعيره، فجذب الدواة الى نفسه وكتب له بمائه كر، وكتب لام موسى بمائه كر، وكتب لمؤنس الخادم بمائه كر. وفي هذه السنه تتابعت الاخبار من مصر باقبال صاحب المغرب إليها وموافاته الإسكندرية. ثم ورد الخبر في جمادى الآخرة بوقعه كانت بين اصحاب السلطان وبينهم في جمادى الاولى، وانه قتل من البرابر نحو من اربعه آلاف، ومن اصحاب السلطان مثلهم، فندب المقتدر مؤنسا الخادم للخروج الى مصر مره ثانيه، فخرج في شهر رمضان سنه سبع، وشيعه الى مضربه ابو العباس محمد بن امير المؤمنين المقتدر واجلاء الناس، وسار في آخر شهر رمضان فكان في الطريق باقى سنه سبع

стр. 5884

وفيها مات ابو احمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان لايام مضت من صفر. وفي آخر صفر لست بقين منه توفى محمد بن عبد الحميد، كاتب السيده، وكان ممن عرضت عليه الوزارة فاباها، وكان موسرا بخيلا، وكان من مشايخ الكتاب الذين يعول عليهم في الأمور وفي احكام الدواوين، وأخذت السيده أم المقتدر بالله من مخلفيه من العين مائه الف دينار، واستكتبت السيده احمد بن عبيد الله بن احمد ابن الخصيب بعده وكان يكتب لثمل قهرمانتها، فضبط الأمر ضبطا شديدا وحمد اثره فيه. واقام الحج للناس في هذه السنه احمد بن العباس الهاشمى.

стр. 5885

ثم دخلت سنه ثمان وثلاثمائة (ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) وفيها ورد مؤنس الخادم مصر يوم الخميس لاربع خلون من المحرم، وكان المقتدر قد وجهه إليها لمحاربه الشيعة بها على ما تقدم ذكره في العام قبله، فالفى مؤنس أبا القاسم الشيعى مضطربا بالفيوم، فخرج القضاه والقواد ووجوه اهل مصر الى مؤنس، ونزل خارج المدينة، واجتبى ابو القاسم خراج الفيوم، وضياع مصر، ودفع مؤنس ارزاق الجند من اموال اهل مصر، وباع بعض ضياعها فيما اعطاهم، وضم مؤنس الجيوش اليه، وقويت بذلك نفوس اهل مصر، وجرت بين ابى القاسم الشيعى وبين اهل مصر مكاتبات واشعار بعث بها مؤنس الى الخليفة، وفيها توبيخ لهم وتحامل عليهم، وسب كثير تركنا ذكره لما فيه وقد اجتلبنا بعضها ما لم يكن فيه كبير رفث، وكذلك ما فعلنا في الجواب، وأول شعر الشيعى: أيا اهل شرق الله زالت حلومكم ... أم اختدعت من قله الفهم والأدب صلاتكم مع من؟ وحجكم بمن؟ ... وغزوكم فيمن؟ أجيبوا بلا كذب صلاتكم والحج والغزو ويلكم ... بشراب خمر عاكفين على الريب الا ان حد السيف اشفى لذى الوصب ... واحرى بنيل الحق يوما إذا طلب الم ترني بعت الرفاهة بالسرى ... وقمت بأمر الله حقا كما وجب صبرت وفي الصبر النجاح وربما ... تعجل ذو راى فأخطأ ولم يصب الى ان اراد الله اعزاز دينه ... فقمت بأمر الله قومه محتسب وناديت اهل الغرب دعوه واثق ... برب كريم من تولاه لم يخب فجاءوا سراعا نحو اصيد ماجد ... يبادونه بالطوع من جمله العرب وسرت بخيل الله تلقاء أرضكم ... وقد لاح وجه الموت من خلل الحجب واردفتها خيلا عتاقا يقودها ... رجال كأمثال الليوث لها جنب
следующие страницы →