← История

История · id 9783

تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري

ابن جرير الطبري

Полный текст (6 431 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وألوف جوار اتخذهن للخدمة والغناء وغير ذلك، وثلاثة آلاف رجل يقومون بخدمته، وكانت له ثمانية آلاف وخمسمائة دابه لمركبه، وسبعمائة وستون فيلا، واثنا عشر ألف بغل لثقله، وأمر فبنيت بيوت النيران، وأقام فيها اثني عشر ألف هربذ للزمزمة وأنه أمر أن يحصى ما اجتبي من خراج بلاده وتوابعه وسائر أبواب المال، سنة ثماني عشرة من ملكه، فرفع إليه أن الذي اجتبي في تلك السنة من الخراج وسائر أبوابه من الورق أربعمائة ألف ألف مثقال وعشرون ألف ألف مثقال، يكون ذلك وزن سبعه، ستمائه ألف ألف درهم، وأمر فحول إلى بيت مال بنى بمدينه طيسبون، وسماه بهار حفرد خسرو، وأموال له أخرى من ضرب فيروز بن يزدجرد وقباذ بن فيروز، اثنا عشر ألف بدرة، في كل بدرة منها من الورق أربعة آلاف مثقال، يكون جميع ذلك ثمانية وأربعين ألف ألف مثقال، وهو وزن سبعه، ثمانية وستون الف الف وخمسمائة الف واحد وسبعون ألفا وأربعمائة وعشرون درهما ونصف وثلث ثمن درهم، في أنواع لا يحصي مبلغها إلا الله، من الجواهر والكسي وغير ذلك. وإن كسرى احتقر الناس، واستخف بما لا يستخف به الملك الرشيد الحازم، وبلغ من عتوه وجرأته على الله أنه أمر رجلا كان على حرس بابه الخاص- يقال له: زاذان فروخ- أن يقتل كل مقيد في سجن من سجونه، فأحصوا، فبلغوا ستة وثلاثين ألفا، فلم يقدم زاذان فروخ على قتلهم، وتقدم لتأخير ما أمر به كسرى فيهم، لعلل أعدها له، فكسب كسرى عداوة أهل مملكته من غير وجه، أحد ذلك احتقاره إياهم، وتصغيره عظماءهم. والثاني تسليط العلج فرخان زاد بن سمي عليهم، والثالث أمره بقتل من كان في السجن، والرابع إجماعه على قتل الفل الذين انصرفوا إليه من قبل هرقل والروم، فمضى ناس من العظماء إلى عقر بابل، وفيه شيري بن أبرويز مع إخوته بها، قد وكل بهم مؤدبون يؤدبونهم، وأساورة يحولون

стр. 842

بينهم وبين براح ذلك الموضع، فأقبلوا به، ودخل مدينة بهرسير ليلا، فخلى عمن كان في سجونها، وخرج من كان فيها، واجتمع إليه الفل الذين كان كسرى أجمع على قتلهم، فنادوا قباذ شاهنشاه، وصاروا حين أصبحوا إلى رحبة كسرى، فهرب من كان في قصره من حرسه، وانحاز كسرى بنفسه إلى باغ له قريب من قصره، ويدعى باغ الهندوان فارا مرعوبا، وطلب فاخذ ماه آذر وروز آذر، وحبس في دار المملكة، ودخل شيرويه دار الملك، واجتمع إليه الوجوه، فملكوه وأرسل إلى أبيه يقرعه بما كان منه. وحدثت عن هشام بن محمد، قال: ولد لكسرى أبرويز ثمانية عشر ولدا ذكرا، أكبرهم شهريار، وكانت شيرين تبنته، فقال المنجمون لكسرى: إنه سيولد لبعض ولدك غلام، ويكون خراب هذا المجلس وذهاب هذا الملك على يديه، وعلامته نقص في بعض بدنه، فحصر ولده لذلك عن النساء، فمكثوا حينا لا يصلون إلى امرأة، حتى شكا ذلك شهريار إلى شيرين، وبعث إليها يشكو الشبق، ويسألها أن تدخل عليه امرأة وإلا قتل نفسه، فأرسلت إليه: إني لا أصل إلى إدخال النساء عليك إلا أن تكون امرأة لا يؤبه لها، ولا يجمل بك أن تمسها، فقال لها: لست أبالي ما كانت، بعد أن تكون امرأة فأرسلت إليه بجارية كانت تحجمها، وكانت- فيما يزعمون- من بنات أشرافهم، إلا أن شيرين كانت غضبت عليها في بعض الأمور، فأسلمتها في الحجامين، فلما أدخلتها على شهريار وثب عليها، فحملت بيزدجرد، فأمرت بها شيرين فقصرت حتى ولدت، وكتمت أمر الولد خمس سنين ثم إنها رأت من كسرى رقة للصبيان حين كبر، فقالت له: هل يسرك أيها الملك أن ترى ولدا لبعض بنيك على ما كان في ذلك من المكروه؟ فقال: لا أبالي فأمرت بيزدجرد فطيب وحلي، وأدخلته عليه، وقالت: هذا يزدجرد بن شهريار، فدعا به فأجلسه في

стр. 843

حجره، وقبله وعطف عليه، وأحبه حبا شديدا، وجعل يبيته معه، فبينا هو يلعب ذات يوم بين يديه، إذ ذكر ما قيل فيه، فدعا به فعراه من ثيابه، واستقبله واستدبره، فاستبان النقص في أحد وركيه، فاستشاط غضبا وأسفا، واحتمله ليجلد به الأرض، فتعلقت به شيرين، وناشدته الله ألا يقتله، وقالت له: انه ان يكن امر قد حضر في هذا الملك فليس له مرد. قال: إن هذا المشئوم، الذي أخبرت عنه، فأخرجيه فلا أنظر إليه فأمرت به فحمل إلى سجستان وقال آخرون: بل كان بالسواد عند ظؤورته في قرية يقال لها خمانية. ووثبت فارس على كسرى فقتلته، وساعدهم على ذلك ابنه شيرويه بن مريم الرومية. وكان ملكه ثمانيا وثلاثين سنة ولمضي اثنتين وثلاثين سنة وخمسة أشهر وخمسة عشر يوما من ملكه هاجر النبي ص من مكة الى المدينة ذكر ملك شيرويه بن ابرويز ثم ملك من بعده ابنه شيرويه، واسمه قباذ بن أبرويز بن هرمز بن كسرى انوشروان فذكر أن شيرويه لما ملك دخل عظماء الفرس عليه بعد حبسه أباه، فقالوا له: إنه لا يستقيم أن يكون لنا ملكان اثنان، فإما أن تقتل كسرى ونحن خولك الباخعون لك بالطاعة، وإما أن نخلعك ونعطيه الطاعة على ما لم نزل نعطيه قبل أن تملك فهدت هذه المقالة شيرويه وكسرته، وأمر بتحويل كسرى من دار المملكة إلى دار رجل يقال له مارسفند فحمل كسرى على

стр. 844

برذون، وقنع رأسه، وسير به إلى تلك الدار، ومعه ناس من الجند، فمروا به في مسيرهم على إسكاف جالس في حانوت شارع على الطريق، فلما بصر بفرسان من الجند معهم فارس مقنع، عرف أن المقنع كسرى، فحذفه بقالب، فعطف إليه رجل ممن كان مع كسرى من الجند، فاخترط سيفه فضرب عنق الإسكاف، ثم لحق بأصحابه. فلما صار كسرى في دار مارسفند جمع شيرويه من كان بالباب من العظماء وأهل البيوتات، فقال: إنا قد رأينا أن نبدأ بالإرسال إلى الملك أبينا بما كان من إساءته في تدبيره ونوقفه على أشياء منها، ثم دعا برجل من أهل أردشير خرة يقال له اسفاذ جشنس، ولمرتبته رئيس الكتيبة، كان يلي تدبير المملكة، فقال له: انطلق إلى الملك أبينا، فقل له عن رسالتنا: إنا لم نكن للبلية التي أصبحت فيها ولا أحد من رعيتنا سببا، ولكن الله قضاها عليك جزاء منه لك بسيئ أعمالك، منها اجترامك إلى هرمز أبيك وفتكك به، وإزالتك الملك عنه، وسملك عينيه، وقتلك إياه شر قتلة، وما قارفت في أمره من الإثم العظيم ومنها سوء صنيعك إلينا معشر أبنائك في حظرك علينا مثافنة الأخيار ومجالستهم، وكل أمر يكون لنا فيه دعة وسرور وغبطة. ومنها إساءتك كانت بمن خلدت السجون منذ دهر، حتى شقوا بشدة الفقر وضيق المعاش والغربة عن بلادهم وأهاليهم وأولادهم ومنها سوء نظرك في استخلاصك كان لنفسك من النساء وتركك العطف عليهن بمودة منك والصرف لهن إلى معاشرة من كن يرزقن منه الولد والنسل، وحبسك إياهن قبلك مكرهات ومنها ما أتيت إلى رعيتك عامة في اجتبائك إياهم الخراج، وما انتهكت منهم في غلظتك وفظاظتك عليهم ومنها جمعك الأموال التي اجتبيتها من الناس في عنف شديد، واستفساد منك إياهم، وإدخالك البلاء والمضار عليهم فيه ومنها تجميرك من جمرت في ثغور الروم وغيرهم

стр. 845

من الجنود، وتفريقك بينهم وبين أهاليهم ومنها غدرك بموريق، ملك الروم، وكفرك إنعامه عليك فيما كان من إيوائه إياك، وحسن بلائه عندك، ودفعه عنك شر عدوك، وتنويهه باسمك في تزويجه إياك اكرم النساء من بناته عليه، وآثرهن عنده، واستخفافك بحقه، وتركك إطلابه ما طلب إليك من رد خشبة الصليب، التي لم يكن بك ولا بأهل بلادك إليها حاجة، علمته. فإن كانت لك حجج تدلي بها عندنا وعند الرعية فأدل بها، وإن لم تكن لك حجة، فتب إلى الله من قريب، وأنب إليه حتى نأمر فيك بأمرنا. فوعي أسفاذ جشنس رسالة كسرى شيرويه هذه، وتوجه من عنده إلى كسرى ليبلغه إياها، فلما توجه إلى الموضع الذي كان حبس فيه كسرى ألفى رجلا يقال له جيلنوس كان قائد الجند قد وكل بحراسة كسرى جالسا، فتحاورا ساعة، ثم سأل أسفاذ جشنس جلينوس أن يستأذن له على كسرى ليلقاه برسالة من شيرويه، فرجع جلينوس فرفع الستر الذي كان دون كسرى، فدخل عليه، وقال له: عمرك الله! ان اسفاذ جشنس بالباب، وذكر أن الملك شيرويه أرسله إليك في رسالة، وهو يستأذن عليك، فرأيك في الأمر فيه برأيك! فتبسم كسرى وقال مازحا: يا جلينوس اسفاذ ان، كلامك مخالف كلام أهل العقل، وذلك أنه إن كانت الرسالة التي ذكرت من شيرويه الملك فليس لنا مع ملكه إذن، وإن كان لنا إذن وحجب فليس شيرويه بملك، ولكن المثل في ذلك كما قيل: يشاء الله الشيء فيكون، ويأمر الملك بأمر فينفذ فاذن لاسفاذ جشنس يبلغ الرسالة التي حملها فلما سمع جلينوس هذه المقالة خرج من عند كسرى، وأخذ بيد اسفاذ جشنس، وقال له: قم فادخل إلى كسرى راشدا. فنهض اسفاذ جشنس، ودعا بعض من كان معه من خدمه، ودفع اليه

стр. 846

كساء كان لابسه، وأخرج من كمه ششتقة بيضاء نقية، فمسح بها وجهه، ثم دخل على كسرى، فلما عاين كسرى، خر له ساجدا، فأمره كسرى بالانبعاث، فانبعث وكفر بين يديه- وكان كسرى جالسا على ثلاثة أنماط من ديباج خسرواني منسوج بذهب، قد فرشت على بساط من إبريسم، متكئا على ثلاث وسائد منسوجه بذهب، وكان بيده سفرجلة صفراء شديدة الاستدارة فلما عاين اسفاذ جشنس، تربع جالسا ووضع السفرجلة التي كانت بيده على تكأته، فتدحرجت من أعلى الوسائد الثلاث لشدة استدارتها واملساس الوسادة التي كانت عليها، بامتلاء حشوها إلى أعلى تلك الأنماط الثلاثة، ومن النمط إلى البساط، ولم تلبث على البساط أن تدحرجت إلى الأرض، ووقعت بعيدا متلطخه بتراب، فتناولها اسفاذ جشنس فمسحها بكمه، وذهب ليضعها بين يدي كسرى، فأشار إليه أن ينحيها عنه، وقال له: اعزبها عنى، فوضعها اسفاذ جشنس عند طرف البساط إلى الأرض، ثم عاد فقام مقامه، وكفر بيده، فنكس كسرى، ثم قال متمثلا: الأمر إذا أدبر فاتت الحيلة في الإقبال به، وإذا أقبل أعيت الحيلة في الإدبار به، وهذان الأمران متداولان على ذهاب الحيل فيهما، ثم قال لاسفاذ جشنس: إنه قد كان من تدحرج هذه السفرجلة وسقوطها حيث سقطت، وتلطخها بالتراب وهو عندنا كالإخبار لنا بما حملت من الرسالة، وما أنتم عاملون به وعاقبته، فإن السفرجلة التي تأويلها الخير، سقطت من علو إلى سفل، ثم لم تلبث على مفرشنا أن سقطت إلى الأرض، ووقعت بعيدا متلطخة بتراب، وذلك منها دليل في حال الطيرة: أن مجد الملوك قد صار عند السوق، وأنا قد سلبنا الملك، وأنه لا يلبث في أيدي عقبنا أن يصير إلى من ليس من أهل المملكة، فدونك فتكلم بما حملت من رسالة، وزودت من الكلام. فاندفع اسفاذ جشنس في تبليغ الرسالة التي حمله إياها شيرويه، ولم يغادر منها كلمة، ولم يزلها عن نسقها فقال كسرى في مرجوع تلك الرسالة: بلغ

стр. 847

عني شيرويه القصير العمر، أنه لا ينبغي لذي عقل أن يبث من أحد الصغير من الذنب، ولا اليسير من السيئة إلا بعد تحقق ذلك عنده، وتيقنه إياه منه، فضلا عن عظيم ما بثثت ونشرت وادعيت منا، ونسبتنا إليه من الذنوب والجرائم، مع أن أولى الناس بالرد عن ذي ذنب، وتوبيخ ذي جرمة، من قد ضبط نفسه عن الذنوب والجرائم، ولو كنا على ما أضفتنا إليه لم يكن ينبغي أن تنشره وتؤنبنا به أيها القصير العمر القليل العلم، فإن كنت جاهلا بما يلزمك من العيوب ببثك منا ما بثثت، ونسبتك إيانا إلى ما نسبت، فاستثبت عيوبك واقتصر في الزري علينا، والعيب لنا على ما لا يزيدك بسوء مقالتك فيه إلا اشتهارا بالجهل، ونقص الرأي أيها العازب العقل، العديم العلم، فإنه إن كان لإجهادك نفسك في شهرك إيانا من الذنوب بما يوجب علينا القتل حقيقة، وكان لك على ذلك برهان، فقضاة أهل ملتك ينفون ولد المستوجب للقتل من أبيه، وينحونه عن مضامة الأخيار ومجالستهم، ومخالطتهم إلا في أقل المواطن فضلا عن أن يملك، مع أنه قد بلغ بحمد الله ونعمته من إصلاحنا أنفسنا ونيتنا فيما بيننا وبين الله وبيننا وبين أهل ملتنا وديننا، وبيننا وبينك وبين معشر أبنائنا ما ليس لنا في شيء من ذلك تقصير، ولا علينا فيه من أحد حجة ولا توبيخ، ونحن نشرح الحال فيما ألزمتنا من الذنوب، وألحقت بنا من الجرائم، عن غير التماس منا لذلك نقصا فيما أدلينا به من حجة، أو أتينا عليه من برهان، لتزداد علما بجهالتك وعزوب عقلك، وسوء صنيعك أما ما ذكرت من أمر أبينا هرمز، فمن جوابنا فيه أن الأشرار والبغاة كانوا أغروا هرمز بنا حتى اتهمنا واحتمل غمرا ووغرا ورأينا من ازوراره عنا، وسوء رأيه فينا، ما تخوفنا ناحيته، فاعتزلنا بابه لإشفاقنا منه، ولحقنا بأذربيجان، وقد استفاض، فانتهك من الملك ما انتهك فلما انتهى إلينا خبر ما بلغ منه شخصنا من أذربيجان إلى بابه، فهجم علينا المنافق بهرام في جنود عظيمة من العصاة

стр. 848

المستوجبة القتل، مارقا من الطاعة، فأجلانا عن موضع المملكة فلحقنا ببلاد الروم، فأقبلنا منها بالجنود والعدة، وحاربناه فهرب منا، وصار من أمره في بلاد الترك من الهلكة والبوار إلى ما قد اشتهر في الناس، حتى إذا صفا لنا الملك، واستحكم لنا أمره، ودفعنا بعون الله عن رعيتنا البلاء والآفات التي كانوا أشفوا عليها، قلنا: إن من خير ما نحن بادئون به في سياستنا، ومفتتحون به ملكنا الانتقام لأبينا، والثأر به والقتل لكل من شرك في دمه، فإذا أحكمنا ما نوينا من ذلك، وبلغنا منه ما نريد تفرغنا لغيره من تدبير الملك، فقتلنا كل من شرك في دمه، وسعى فيه ومالأ عليه. وأما ما ذكرت من أمر أبنائنا، فمن جوابنا أنه ليس من ولد ولدناه- ما خلا من استأثر الله به منهم- إلا صحيحة أعضاء جسده، غير أنا وكلنا بالحراسة لكم، وكفكم عن الانتشار فيما لا يعنيكم إرادة كف ما نتخوف من ضرركم على البلاد والرعية ثم كنا أقمنا من النفقات الواسعة في كسوتكم ومراكبكم وجميع ما تحتاجون إليه ما قد علمت، وأما أنت خاصة، فمن قصتك أن المنجمين كانوا قضوا في كتاب مولدك أنك مثرب علينا، أو يكون ذلك بسببك، فلم نأمر بقتلك، ولكن ختمنا على كتاب قضية مولدك، ودفعناه إلى شيرين صاحبتنا ومع ثقتنا بتلك القضية وجدنا فرميشا ملك الهند كتب إلينا في سنة ست وثلاثين من ملكنا، وقد أوفدهم إلينا، فكتب في أمور شتى، وأهدى لنا ولكم- معشر أبنائنا- هدايا، وكتب إلى كل واحد منكم كتابا، وكانت هديته لك- فاذكرها- فيلا، وسيفا، وبازيا أبيض، وديباجة منسوجة بذهب، فلما نظرنا فيما أهدي لكم، وكتب إليكم وجدته قد وقع على كتابه إليك بالهندية: اكتم ما فيه، فأمرنا أن يصرف إلى كل واحد منكم ما بعث إليه من هديه او كتاب، واحتبسنا كتابه إليك لحال التوقيع الذي كان عليه، ودعونا بكاتب هندي، وأمرنا بفض خاتم الكتاب وقراءته، فكان فيه: أبشر وقر عينا، وانعم بالا، فإنك متوج ماه آذر روز ديباذر سنه

стр. 849

ثمان وثلاثين من ملك كسرى، ومملك على ملكه وبلاده، فوثقنا أنك لم تكن لتملك إلا بهلكنا وبوارنا، فلم ننتقصك- بما استقر عندنا من ذلك مما كنا أمرنا بإجرائه عليك من الأرزاق والمعاون والصلات وغير ذلك- شيئا، فضلا عن أمرنا بقتلك. وأما كتاب فرميشا فقد ختمنا عليه بخاتمنا، واستودعناه شيرين صاحبتنا، وهي في الأحياء صحيحة العقل والبدن، فإن أحببت أن تأخذ منها قضية مولدك، وكتاب فرميشا إليك وتقرأهما لتكسبك قراءتك إياهما ندامة وثبورا فافعل وأما ما ذكرت من حال من خلد السجن فمن جوابنا فيه أن الملوك الماضين من لدن جيومرت إلى أن ملك بشتاسب، كانوا يدبرون ملكهم بالمعدلة، ولم يزالوا من لدن بشتاسب إلى أن ملكنا يدبرونه بمعدلة، معها ورع الدين، فسل إن كنت عديم عقل وعلم وأدب حملة الدين- وهم أوتاد هذه الملة- عن حال من عصى الملوك وخالفهم، ونكث عهدهم، والمستوجبين بذنوبهم القتل فيخبروك أنهم لا يستحقون أن يرحموا ويعفى عنهم واعلم مع ذلك أنا لم نأمر بالحبس في سجوننا، ولا من قد وجب عليه في القضاء العدل أن يقتل أو تسمل عينه، وتقطع يده ورجله وسائر أعضائه وكثيرا ما كان الموكلون بهم وغيرهم من وزرائنا يذكرون استيجاب من استوجب منهم القتل، ويقولون: عاجلهم بالقتل قبل أن يحتالوا لأنفسهم حيلا يقتلونك بها، فكنا لحبنا استبقاء النفوس وكراهتنا سفك الدماء نتأنى بهم، ونكلهم إلى الله، ولا نقدم على عقوبتهم بعد الحبس الذي اقتصرنا عليه، إلا على منعهم أكل اللحم وشرب الشراب، وشم الرياحين، ولم نعد في ذلك ما في سنن الملة من الحول بين المستوجبين للقتل، وبين التلذذ والتنعم بشيء مما منعناهم إياه، وكنا أمرنا لهم من المطعم والمشرب وسائر ما يقيمهم بالذي يصلحهم في اقتصاد، ولم نأمر بالحول بينهم وبين نسائهم والتوالد والتناسل في حال حبسهم وقد بلغنا أنك أجمعت على التخلية

стр. 850

عن أولئك الدعار المنافقين المستوجبين للقتل، والأمر بهدم محبسهم، ومتى تخل عنهم تأثم بالله ربك، وتسيء إلى نفسك، وتخل بدينك وما فيه من الوصايا والسنن التي فيها صرف الرحمة والعفو عن المستوجبين للقتل، مع أن أعداء الملوك لا يحبون الملك أبدا، والعاصين لهم لا يمنحونهم الطاعة وقد وعظ الحكماء وقالوا: لا تؤخرن معاقبة المستوجبي العقوبة، فإن في تأخيرها مدفعة للعدل، ومضرة على المملكة في حال التدبير، ولئن نالك بعض السرور إن أنت خليت عن أولئك الدعار المنافقين العصاة المستوجبين للقتل لتجدن غب ذلك في تدبيرك، ودخول أعظم المضرة والبلية على أهل الملة. وأما قولك: إنا إنما كسبنا وجمعنا وادخرنا الأموال والأمتعة والبزور وغيرها من بلاد مملكتنا بأعنف اجتباء، وأشد إلحاح على رعيتنا، وأشد ظلم، لا من بلاد العدو بالمجاهدة لهم والقهر، عن غلبة منا إياهم على ما في أيديهم، فمن جوابنا فيه إن من إصابة الجواب في كل كلام يتكلم بجهل وعنجهية ترك الجواب فيه، ولكن لم ندع- إذ صار ترك الجواب كالاقرار، وطافت حجتنا فيما غشينا أن نحتج به، قوية، وعذرنا واضحا- شرح ما سألتنا عنه من ذلك. اعلم أيها الجاهل، أنه إنما يقيم ملك الملوك بعد الله الأموال والجنود وبخاصة ملك فارس، الذي قد اكتنفت بلاده أعداء فاغرة أفواههم لالتقام ما في يديه، وليس يقدر على كفهم عنها، وردعهم عما يريدون من اختلاس ما يرومون اختلاسه منه، إلا بالجنود الكثيفة، والأسلحة والعدد الكثيرة، ولا سبيل له إلى الكثيف من الجنود والكثير مما يحتاج إليه إلا بكثرة الأموال ووفورها، ولا يستكثر من الأموال ولا يقدر على جمعها لحاجة إن عرضت له إليها إلا بالجد والتشمير في اجتباء هذا الخراج وما نحن ابتدعنا جمع الأموال، بل اقتدينا في ذلك بآبائنا والماضين من أسلافنا، فإنهم جمعوها كجمعنا إياها،

стр. 851

وكثروها ووفروها لتكون ظهرا لهم على تقوية جنودهم وإقامة أمورهم، وغير ذلك مما لم يستغنوا عن جمعها له فأغار على تلك الأموال وعلى جوهر كان في خزائننا، المنافق بهرام في عصابة مثله وفتاك مستوجبين القتل، فشذبوها وبذروها وذهبوا بما ذهبوا به منها، ولم يتركوا في بيوت أموالنا وخزائننا إلا أسلحة من أسلحتنا لم يقدروا على تشذيبها والذهاب بها، ولم يرغبوا فيها فلما ارتجعنا بحمد الله ملكنا، واستحكمت أمورنا وأذعن لنا الرعية بالطاعة، ودفعنا عنهم البوائق التي كانت حلت بهم، ووجهنا إلى نواحي بلادنا أصبهبذين، وولينا دونهم على تلك النواحي فاذوسبانين، واستعملنا على ثغورنا مرازبة وولاة ذوي صرامة ومضاء وجلد، وقوينا من ولينا من هؤلاء بالكثيف من الجنود، أثخن هؤلاء الولاة من كان بإزائهم من الملوك المخالفين لنا والعدو وبلغ من غاراتهم عليهم، وقتلهم من قتلوا، وأسرهم من أسروا منهم، من سنة ثلاث عشرة من ملكنا، ما لم يقدر الرجل من أولئك على إطلاع رأسه في حرم بلاده إلا بخفير، أو خائفا، أو بأمان منا، فضلا عن الإغارة على شيء من بلادنا، والتعاطي لشيء مما كرهنا، ووصل في مدة هذه السنين إلى بيوت أموالنا وخزائننا مما غنمنا من بلاد العدو من الذهب والفضة وأنواع الجوهر، ومن النحاس والفرند والحرير والإستبرق والديباج والكراع والأسلحة والسبي والأسراء ما لم يخف عظم خطر ذلك وقدره على العامة، فلما أمرنا في آخر سنة ثلاث عشرة من ملكنا بنقش سكك حديثة، لنأمر فيستأنف ضرب الورق بها، وجد في بيوت أموالنا- على ما رفع إلينا المحصون لما كان فيها من الورق سوى ما أمرنا بعزله من الأموال لأرزاق جنودنا من الورق- مائتا الف بدره، فيها ثمانمائه ألف ألف مثقال فلما رأينا أنا قد حصنا ثغورنا، وردعنا العدو عنها وعن رعيتنا، وجمعنا مشتت أمرنا، وكعمنا أفواههم الفاغرة كانت لالتقام ما في أيديهم، وبسطنا فيهم الأمن، وأمنا على نواحي

стр. 852

بلادنا الأربع ما كان أهلها فيه من البوائق والمغار، أمرنا باجتباء بقايا السنين، وما انتهب من بيوت أموالنا من ذهب وفضة، ومن خزائننا من جوهر أو نحاس، ورد ذلك كله إلى موضعه، حتى إذا كان في آخر سنه ثلاثين من ملكنا أمرنا بنقش سكك حديثة، يضرب عليها الورق، فوجد في بيوت أموالنا سوى ما أمرنا بعزله من الأموال لأرزاق جندنا، والأموال التي أحصيت لنا قبل ذلك من الورق أربعمائة ألف بدرة، يكون ما فيها ألف ألف الف مثقال وستمائه ألف ألف مثقال، وذلك سوى ما زادنا الله إلى تلك الأموال، مما أفاء الله بمنه وطوله علينا من أموال ملوك الروم، في سفن أقبلت بها إلينا الريح، فسميناها فيء الرياح، ولم تزل أموالنا من سنة ثلاثين من ملكنا إلى سنة ثمان وثلاثين من ملكنا، التي هي هذه السنة تزداد كثرة ووفورا، وبلادنا عمارة، ورعيتنا أمنا وطمأنينة، وثغورنا وأطرافنا مناعة وحصانة، وقد بلغنا أنك هممت- لرذولة مروءتك- أن تبذر هذه الأموال وتتويها، عن رأي الأشرار العتاة المستوجبين للقتل. ونحن نعلمك أن هذه الكنوز والأموال لم تجمع إلا بعد المخاطرة بالنفوس، وبعد كد وعناء شديد، لندفع بها العدو المكتنفين لبلاد هذه المملكة، المتقلبين إلى غلبتهم على ما في أيديهم وإنما يقدر على كف أولئك العدو في الأزمان والدهور كلها، بعد عون الله بالأموال والجنود، ولن تقوى الجنود إلا بالأموال، ولا ينتفع بالأموال إلا على كثرتها ووفورها، فلا تهمن بتفرقة هذه الأموال، ولا تجسرن عليها، فإنها كهف لملكك وبلادك، وقوة لك على عدوك. ثم انصرف اسفاذ جشنس إلى شيرويه فقص عليه ما قال له كسرى، ولم يسقط منه حرفا، وإن عظماء الفرس عادوا فقالوا لشيرويه: إنه لا يستقيم أن يكون لنا ملكان، فإما أن تأمر بقتل كسرى، ونحن خولك، المانحوك الطاعة، وإما أن نخلعك ونعطيه الطاعة فهدت شيرويه هذه المقالة وكسرته، وأمر بقتل كسرى، فانتدب لقتله رجال كان وترهم كسرى، فكلما أتاه

стр. 853

الرجل منهم شتمه كسرى وزبره فلم يقدم على قتله أحد، حتى أتاه شاب يقال له مهر هرمز بن مردان شاه ليقتله، وكان مردان شاه فاذوسبانا لكسرى على ناحية نيمروذ، وكان من أطوع الناس لكسرى وأنصحهم له، وإن كسرى سأل قبل أن يخلع بنحو من سنتين منجميه وعافته عن عاقبة أمره، وأخبروه أن منيته آتيه من قبل نيمروذ فاتهم مردان شاه، وتخوف ناحيته لعظم قدره، وأنه لم يكن في تلك الناحية من يعدله في القوة والقدرة. فكتب إليه أن يعجل القدوم عليه، حتى إذا قدم عليه أجال الرأي في طلب علة يقتله بها، فلم يجد عليه عثرة، وتذمم من قتله لما علم من طاعته إياه، ونصيحته له، وتحريه مرضاته فرأى أن يستبقيه، ويأمر بقطع يمينه، ويعوضه منها أموالا عظيمة يجود له بها، فبغى عليه من العلل ما قطع يمينه، وإنما كانت تقطع الأيدي والأرجل وتقطع الأعناق في رحبة الملك. وإن كسرى أرسل يوم أمر بقطع يده عينا ليأتيه بخبر ما يسمع من مردان شاه وممن بحضرته من النظارة، وان مردان شاه لما قطعت يمينه قبض عليها بشماله، فقبلها ووضعها في حجره، وجعل يندبها بدمع له دار ويقول: وا سمحتاه! وا راميتاه! وا كاتبتاه! وا ضاربتاه! وا لاعبتاه! وا كريمتاه! فانصرف إلى كسرى الرجل الذي كان وجهه عينا عليه، فأخبره بما رأى وسمع منه، فرق له كسرى، وندم على إتيانه في أمره ما أتى، فأرسل إليه مع رجل من العظماء يعلمه ندامته على ما كان منه، وأنه لن يسأله شيئا يجد السبيل إلى بذله له إلا أجابه إليه، وأسعفه به. فأرسل إلى كسرى مع ذلك الرسول يدعو له، ويقول: إني لم أزل أعرف تفضلك علي أيها الملك، وأشكره لك، وقد تيقنت أن الذي أتيت إلي مع كراهتك إياه، إنما كان سببه القضاء، ولكني سائلك أمرا فأعطني من الأيمان على إسعافك إياي به ما اطمان إليه، وليأتني بيقين حلفك على ذلك رجل من النساك، فأفرشك إياه وأبثه لك

стр. 854

فانصرف رسول كسرى إلى كسرى بهذه الرسالة، فسارع الى ما ساله مردان شاه، وحلف بالأيمان المغلظة ليجيبنه إلى ما هو سائله، ما لم تكن مسألته أمرا يوهن ملكه وأرسل إليه بهذه الرسالة مع رئيس المزمزمين، فأرسل اليه مردان شاه يسأله أن يأمر بضرب عنقه ليمتحي بذلك العار الذي لزمه، فأمر كسرى فضربت عنقه كراهة منه للحنث، زعم. وان كسرى سال مهر هرمز بن مردان شاه، حين دخل عليه عن اسمه، وعن اسم ابيه ومرتبته فاخبره انه مهر هرمز بن مردان شاه، فاذوسبان نيمروذ، فقال كسرى: أنت ابن رجل شريف كثير الغناء، قد كافأناه على طاعته إيانا، ونصيحته لنا، وغنائه عنا بغير ما كان يستحقه، فشأنك وما أمرت به فضرب مهر هرمز على حبل عاتقه بطبرزين كان بيده ضربات فلم يحك فيه، ففتش كسرى فوجد قد شد في عضده خرزه لا يحيك السيف في كل من تعلقها فنزعت من عضده، ثم ضربه بعد ذلك مهر هرمز ضربة فهلك منها. وبلغ شيرويه فخرق جيبه وبكى منتحبا، وامر بحمل جثته الى الناووس فحملت، وشيعها العظماء وأفناء الناس. وأمر فقتل قاتل كسرى، وكان ملكه ثمانيا وثلاثين سنة، وكان قتله ماه آذر روز ماه وقتل شيرويه سبعة عشر أخا له ذوي أدب وشجاعة ومروءة، بمشورة وزيره فيروز، وتحريض ابن ليزدين- والى عشور الآفاق كان لكسرى، يقال له شمطا- اياه على قتلهم، فابتلي بالأسقام ولم يلتذ بشيء من لذات الدنيا، وكان هلاكه بدسكرة الملك، وكان مشئوما على آل ساسان، فلما قتل إخوته جزع جزعا شديدا ويقال: إنه لما كان اليوم الثاني من اليوم الذي قتلهم فيه، دخلت عليه بوران وآزرميدخت أختاه فأسمعتاه وأغلظتا له، وقالتا: حملك الحرص على ملك لا يتم، على قتل أبيك وجميع إخوتك، وارتكبت المحارم! فلما سمع ذلك منهما بكى بكاء شديدا، ورمى بالتاج عن رأسه، ولم يزل أيامه كلها مهموما مدنفا ويقال: إنه أباد من قدر عليه من أهل بيته، وإن الطاعون فشا في أيامه حتى هلك الفرس إلا قليلا منهم وكان ملكه ثمانية اشهر

стр. 855

ذكر ملك أردشير بن شيرويه ثم ملك أردشير بن شيرويه بن ابرويز بن هرمز بن انوشروان، وكان طفلا صغيرا- قيل: إنه كان ابن سبع سنين لأنه لم يكن في أهل بيت المملكة محتنك- فملكته عظماء فارس، وحضنه رجل يقال له مهاذرجشنس، وكانت مرتبته رئاسة أصحاب المائدة، فأحسن سياسة الملك، فبلغ من إحكامه ذلك ما لم يحس معه بحداثة سن أردشير وكان شهربراز بثغر الروم في جند ضمهم إليه كسرى وسماهم السعداء، وكان كسرى وشيرويه لا يزالان يكتبان إليه في الأمر يهمهما، فيستشيرانه فيه، فلما لم يشاوره عظماء فارس في تمليك أردشير. اتخذ ذلك ذريعة إلى التعتب والتبغي عليهم، وبسط يده في القتل، وجعله سببا للطمع في الملك، والاعتلاء عند ذلك من ضعة العبودية إلى رفعة الملك، واحتقر أردشير لحداثة سنه واستطال عليهم، وأجمع على دعاء الناس إلى التشاور في الملك ثم أقبل بجنده وقد عمد مهاذرجشنس، فحصن سور مدينة طيسبون وأبوابها، وحول أردشير، ومن بقي من نسل الملك ونسائهم، وما كان في بيت مال أردشير من ماله وخزائنه وكراعه إلى مدينة طيسبون وكان الذين اقبل فيهم من الجند شهربراز ستة آلاف رجل من جند فارس بثغر الروم، فأناخ إلى جانب مدينة طيسبون، وحاصر من فيها وقاتلهم عنها، ونصب المجانيق عليها فلم يصل إليها فلما رأى عجزه عن افتتاحها أتاها من قبل المكيدة، فلم يزل يخدع رجلا يقال له نيوخسروا، وكان رئيس حرس أردشير ونامدار جشنس بن آذر جشنس، أصبهبذ نيمروذ، حتى فتحا له باب المدينة فدخلها، فأخذ جماعة من الرؤساء فقتلهم، واستصفى أموالهم، وفضح نساءهم وقتل ناس بأمر شهربراز أردشير بن شيرويه، سنة اثنتين ماه بهمن، ليله روز آبان في ايوان خسرو شاه قباذ. وكان ملكه سنه وسته اشهر

стр. 856

ذكر ملك شهربراز ثم ملك شهربراز، وهو فرخان ماه اسفنديار، ولم يكن من أهل بيت المملكة، ودعا نفسه ملكا وإنه حين جلس على سرير الملك ضرب عليه بطنه، وبلغ من شدة ذلك عليه أنه لم يقدر على إتيان الخلاء، فدعا بطست فوضع أمام ذلك السرير فتبرز فيه وإن رجلا من أهل إصطخر، يقال له فسفروخ بن ما خرشيذان وأخوين له، امتعضوا من قتل شهربراز أردشير وغلبته على الملك، وأنفوا من ذلك، وتحالفوا وتعاقدوا على قتله، وكانوا جميعا في حرس الملوك، وكان من السنة إذا ركب الملك أن يقف له حرسه سماطين، عليهم الدروع والبيض والترسة والسيوف، وبأيديهم الرماح، فإذا حاذى بهم الملك وضع كل رجل منهم نرسه على قربوس سرجه، ثم وضع جبهته عليه كهيئة السجود وان شهربراز ركب بعد أن ملك بأيام فوقف فسفروخ وأخواه، قريبا بعضهم من بعض، فلما حاذى بهم شهربراز طعنه فسفروخ، ثم طعنه أخواه، وكان ذلك اسفندارمذ ماه، وروز دي بدين، فسقط عن دابته ميتا، فشدوا في رجله حبلا وجروه إقبالا وإدبارا، وساعدهم على قتله رجل من العظماء يقال له زاذان فروخ بن شهرداران، ورجل يقال له ماهياي، كان مؤدب الأساورة، وكثير من العظماء وأهل البيوتات، وعاونوهم على قتل رجال فتكوا بأردشير بن شيرويه، وقتلوا رجالا من العظماء وإنهم ملكوا بوران بنت كسرى. وكان جميع ما ملك شهربراز اربعين يوما . ذكر ملك بوران بنت كسرى ابرويز ثم ملكت بوران بنت كسرى أبرويز بن هرمز بن كسرى انوشروان، فذكر أنها قالت يوم ملكت: البر أنوي وبالعدل آمر، وصيرت مرتبه شهربراز لفسفروخ، وقلدته وزارتها، وأحسنت السيرة في رعيتها، وبسطت العدل فيهم، وأمرت بضرب الورق ورم القناطر والجسور، ووضعت بقايا بقيت من الخراج على الناس عنهم، وكتبت إلى الناس عامة كتبا أعلمتهم ما هي عليه من الإحسان

стр. 857

إليهم، وذكرت حال من هلك من أهل بيت المملكة، وأنها ترجو أن يريهم الله من الرفاهة والاستقامة بمكانها ما يعرفون به أنه ليس ببطش الرجال تدوخ البلاد، ولا ببأسهم تستباح العساكر، ولا بمكايدهم ينال الظفر وتطفأ النوائر، ولكن كل ذلك يكون بالله ، وأمرتهم بالطاعة وحضتهم على المناصحة، وكانت كتبها جماعة لكل ما يحتاج إليه، وإنها ردت خشبة الصليب على ملك الروم مع جاثليق يقال له إيشوعهب. وكان ملكها سنه واربعه اشهر ذكر ملك جشنسده ثم ملك بعدها رجل يقال له: جشنسده، من بني عم أبرويز الأبعدين. وكان ملكه اقل من شهر . ذكر ملك آزرميدخت بنت كسرى ابرويز ثم ملكت آزرميدخت بنت كسرى أبرويز بن هرمز بن كسرى انوشروان، ويقال إنها كانت من أجمل نسائهم، وإنها قالت حين ملكت: منهاجنا منهاج أبينا كسرى المنصور، فإن خالفنا أحد هرقنا دمه ويقال: إنه كان عظيم فارس يومئذ فرخهرمز إصبهبذ خراسان، فأرسل إليها يسألها أن تزوجه نفسها، فأرسلت إليه: إن التزويج للملكة غير جائز، وقد علمت أن دهرك فيما ذهبت إليه قضاء حاجتك وشهوتك مني، فصر إلي ليلة كذا وكذا ففعل فرخهرمز وركب إليها في تلك الليلة، وتقدمت آزرميدخت إلى صاحب حرسها أن يترصده في الليلة التي تواعدا الالتقاء فيها حتى يقتله فنفذ صاحب حرسها لأمرها، وأمرت به فجر برجله، وطرح في رحبة دار المملكة، فلما أصبحوا وجدوا فرخهرمز قتيلا، فأمرت بجثته فغيبت، وعلم أنه لم يقتل إلا لعظيمة وكان رستم بن فرخهرمز صاحب يزدجرد الذي وجه بعد لقتال العرب خليفة أبيه بخراسان، فلما بلغه الخبر أقبل في جند عظيم حتى نزل المدائن، وسمل

стр. 858

عيني آزرميدخت، وقتلها وقال بعضهم: بل سمت. وكان ملكها سته اشهر . كسرى بن مهراجشنس ثم أتي برجل من عقب أردشير بن بابك كان ينزل الأهواز يقال له: كسرى بن مهرجشنس، فملكه العظماء، ولبس التاج، وجلس على سرير الملك، وقتل بعد ان ملك بايام . ذكر ملك خرزا خسروا وقيل إن الذي ملك بعد آزرميدخت خرزاذ خسروا من ولد أبرويز. وقيل: إنه وجد بحصن يعرف بالحجارة بالقرب من نصيبين، فلما صار إلى المدائن مكث أياما يسيرة، ثم استعصوا عليه وخالفوه . ذكر ملك فيروز بن مهراجشنس وقال الذين قالوا: ملك بعد آزرميدخت كسرى بن مهراجشنس: لما قتل كسرى بن مهراجشنس، طلب عظماء فارس من يملكونه من أهل بيت المملكة، فطلبوا من له عنصر من أهل ذلك البيت ولو من قبل النساء، فأتوا برجل كان يسكن ميسان، يقال له فيروز بن مهرانجشنس، ويسمى أيضا جشنسده قد ولدته صهاربخت بنت يزداندار بن كسرى انوشروان، فملكوه كرها. وكان رجلا ضخم الرأس، فلما توج قال: ما أضيق هذا التاج! فتطير العظماء من افتتاحه كلامه بالضيق، وقتلوه بعد أن ملك أياما. ومن الناس من يقول: قتل ساعه تكلم بما تكلم به

стр. 859

ذكر ملك فرخزاذ خسروا وقال قائل هذا القول: ثم شخص رجل من العظماء يقال له زاذي ولمرتبته رئيس الخول إلى موضع في ناحية المغرب قريب من نصيبين، يقال له: حصن الحجارة، فأقبل بابن لكسرى كان نجا إلى ذلك القصر حين قتل شيرويه بني كسرى يقال له: فرخزاذ خسروا إلى مدينة طيسبون، فانقاد له الناس زمنا يسيرا، ثم استعصوا عليه وخالفوه، فقال بعضهم: قتلوه وكان ملكه ستة أشهر . ذكر ملك يزدجرد بن شهريار وقال بعضهم كان أهل إصطخر ظفروا بيزدجرد بن شهريار بن كسرى بإصطخر، قد هرب به إليها حيث قتل شيرويه إخوته، فلما بلغ عظماء أهل إصطخر أن من بالمدائن خالفوا فرخزاذ خسروا، أتوا بيزدجرد بيت نار يدعى بيت نار أردشير، فتوجوه هنالك، وملكوه- وكان حدثا- ثم أقبلوا به إلى المدائن، وقتلوا فرخزاذ خسروا بحيل احتالوها لقتله بعد أن ملك سنة. وساغ الملك ليزدجرد، غير أن ملكه كان عند ملك آبائه كالخيال والحلم، وكانت العظماء والوزراء يدبرون ملكه لحداثة سنه، وكان أشدهم نباهة في وزرائه وأذكاهم رئيس الخول وضعف أمر مملكة فارس، واجترأ عليه أعداؤه من كل وجه، وتطرفوا بلاده وأخربوا منها، وغزت العرب بلاده بعد أن مضت سنتان من ملكه وقيل بعد أن مضى أربع سنين من ملكه. وكان عمره كله إلى أن قتل ثمانيا وعشرين سنة. وقد بقي من أخبار يزدجرد هذا وولده أخبار سأذكرها إن شاء الله بعد في مواضعها من فتوح المسلمين وما فتحوا من بلاد العجم، وما آل إليه أمره وأمر ولده. فجميع ما مضى من السنين من لدن أهبط آدم إلى الأرض، إلى وقت هجره النبي ص وَسَلَّمَ- على ما يقوله أهل الكتاب من اليهود، وتزعم أنه في التوراة الصورة مثبت من أعمار الأنبياء والملوك- أربعة آلاف سنة وستمائه

стр. 860

سنة واثنتان وأربعون سنة وأشهر وأما على ما تقوله النصارى مما تزعم أنه في توراة اليونانية، فإن ذلك خمسة آلاف سنة وتسعمائة سنة واثنتان وتسعون سنة وأشهر. وأما جميع ذلك على قول المجوس من الفرس، فإنه أربعة آلاف سنة ومائة سنة واثنتان وثمانون سنة وعشرة أشهر وتسعة عشر يوما، على أنه داخل في ذلك مدة ما بين وقت الهجرة ومقتل يزدجرد، وذلك ثلاثون سنة وشهران وخمسه عشر يوما، وعلى ان حسابهم ذلك وابتداء تأريخهم من عهد جيومرت، وجيومرت هو آدم أبو البشر، الذي إليه نسبة كل منتسب من الإنس، على ما قد بينت في كتابي هذا. وأما علماء الإسلام فقد ذكرت قبل ما قال فيه بعضهم، وأذكر بعض من لم يمض ذكره منهم الآن، فإنهم قالوا: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، والقرن مائة سنة، وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون، والقرن مائة سنة، وبين إبراهيم وموسى بن عمران عشرة قرون، والقرن مائة سنة. ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ عَشَرَةُ قُرُونٍ، كُلُّهُمْ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْحَقِّ. حدثني الحارث بْن محمد، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بن عُمَرَ بْنِ وَاقِدٍ الأَسْلَمِيُّ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالُوا: كَانَ بَيْنَ آدَمَ ونوح عشرة قرون، والقرن مائة سنة، وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون، والقرن مائة سنة، وبين إبراهيم وموسى بن عمران عشرة قرون، وَالْقَرْنُ مِائَةُ سَنَةٍ. وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: الفتره بين محمد وعيسى ع ستمائه سَنَةٍ. وَرُوِيَ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَوْفٍ،

стр. 861

قال: كان بين عيسى وموسى ستمائه سَنَةٍ. حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي صَدَقَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: نُبِّئْتُ أَنَّ كَعْبًا قَالَ: إِنَّ قَوْلَهُ: «يَا أُخْتَ هارُونَ» لَيْسَ بِهَارُونَ أَخِي مُوسَى، قَالَ: فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: كَذَبْتَ، قَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ كان النبي ص قَالَ فَهُوَ أَعْلَمُ وَأَخْبَرُ، وَإِلا فَإِنِّي أَجِدُ بينهما ستمائه سَنَةٍ قَالَ: فَسَكَتَتْ. حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ بَيْنَ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ وَعِيسَى بن مريم الف سنه وتسعمائة سَنَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا فَتْرَةٌ، وَإِنَّهُ أُرْسِلَ بَيْنَهُمَا أَلْفُ نَبِيٍّ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، سِوَى مَنْ أُرْسِلَ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَكَانَ بَيْنَ مِيلادِ عيسى والنبي خمسمائة وَتِسْعٌ وَسِتُّونَ سَنَةٍ، بُعِثَ فِي أَوَّلِهَا ثَلاثَةُ أَنْبِيَاءَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ» ، وَالَّذِي عُزِّزَ بِهِ شَمْعُونُ، وَكَانَ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ، وَكَانَتِ الْفَتْرَةُ الَّتِي لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ فِيهَا رسولا أربعمائة وَأَرْبَعًا وَثَلاثِينَ سَنَةٍ، وَإِنَّ عِيسَى حِينَ رُفِعَ كَانَ ابْنَ اثْنَتَيْنِ وَثَلاثِينَ سَنَةً وَسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَكَانَتْ نُبُوَّتُهُ ثَلاثِينَ شَهْرًا، وَإِنَّ اللَّهَ رَفَعَهُ بِجَسَدِهِ، وَإِنَّهُ حَيٌّ الآنَ. حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهبا يقول: قد خلا من الدنيا خمسه آلاف سنه وستمائه سنة. حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَيُّوبَ الْحَضْرَمِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بسر، قال: [قال لي رسول الله ص: لَتُدْرِكَنَّ قَرْنًا، فَعَاشَ مِائَةَ سَنَةٍ]

стр. 862

فهذا ما روي عن علماء الإسلام في ذلك، وفي ذلك من قولهم تفاوت شديد، وذلك أن الواقدي، حكى عن جماعة من أهل العلم أنهم قالوا ما ذكرت عنه أنه رواه عنهم وعلى ذلك من قوله، ينبغي أن يكون جميع سني الدنيا إلى مولد نبينا ص اربعه آلاف سنه وستمائه سنة، وعلى قول ابْنِ عَبَّاسٍ الذي رواه هشام بن محمد، عن أبيه، عن أبي صالح، عنه، ينبغي أن يكون إلى مولد النبي ص خمسه آلاف سنه وخمسمائة سنة. وأما وهب بن منبه فقد ذكر جملة من قوله من غير تفصيل، وأن ذلك الى زمنه خمسه آلاف سنه وستمائه سنة، وجميع مدة الدنيا عند وهب ستة آلاف سنة، وقد كان مضى عنده من ذلك الى زمانه خمسه آلاف سنه وستمائه سنة وكانت وفاة وهب بن منبه سنة أربع عشرة ومائة من الهجرة، فكأن الباقي من الدنيا على قول وهب من وقتنا الذي نحن فيه، مائتا سنة وخمس عشرة سنة. وهذا القول الذي قاله وهب بن منبه موافق لما رواه أبو صالح، عن ابْنِ عَبَّاسٍ. وقال بعضهم: من وقت هبوط آدم ع الى ان بعث نبينا ص ستة آلاف سنة ومائة وثلاث عشرة سنة، وذلك أن عنده من مهبط آدم إلى الأرض إلى الطوفان ألفي سنة ومائتي سنة وستا وخمسين سنة ومن الطوفان إلى مولد إبراهيم خليل الرحمن ألف سنة وتسعا وسبعين سنة، ومن مولد إبراهيم إلى خروج موسى ببني إسرائيل من مصر خمسمائة سنة وخمسا وستين سنة، ومن خروج موسى ببني إسرائيل من مصر إلى بناء بيت المقدس- وذلك لأربع سنين من ملك سليمان بن داود- ستمائه سنة وستا وثلاثين سنة، ومن بناء بيت المقدس الى ملك الاسكندر سبعمائة سنة وسبع عشرة سنة، ومن ملك الإسكندر الى مولد عيسى بن مريم ع ثلاثمائة سنة وتسعا وستين سنة، ومن مولد عيسى الى مبعث محمد ص خمسمائة سنة وإحدى وخمسين سنة، ومن مبعثه إلى هجرته من مكة

стр. 863

إلى المدينة ثلاث عشرة سنة. وَقَدْ حَدَّثَ بَعْضُهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ مِنْ آدَمَ إِلَى نُوحٍ أَلْفَا سَنَةٍ وَمِائَتَا سَنَةٍ، وَمِنْ نُوحٍ إِلَى إِبْرَاهِيمَ أَلْفُ سَنَةٍ وَمِائَةُ سَنَةٍ وَثَلاثٌ وَأَرْبَعُونَ سنه، ومن ابراهيم الى موسى خمسمائة سَنَةٍ وَخَمْسٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَمِنْ مُوسَى إِلَى دَاوُدَ مِائَةُ سَنَةٍ وَتِسْعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَمِنْ دَاوُدَ إِلَى عِيسَى أَلْفُ سَنَةٍ وَثَلاثٌ وَخَمْسُونَ سنه، ومن عيسى الى محمد ستمائه سَنَةٍ. وَحَدَّثَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيِّ عَنْ بَعْضِ اهل الكتب أَنَّهُ قَالَ: مِنْ آدَمَ إِلَى الطُّوفَانِ أَلْفَا سَنَةٍ وَمِائَتَا سَنَةٍ وَسِتٌّ وَخَمْسُونَ سَنَةً، وَمِنَ الطُّوفَانِ إِلَى وَفَاةِ إِبْرَاهِيمَ أَلْفُ سَنَةٍ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَمِنْ وَفَاةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى دُخُولِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِصْرَ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَمِنْ دُخُولِ يعقوب مصر الى خروج موسى منها أربعمائة سَنَةٍ وَثَلاثُونَ سَنَةً، وَمِنْ خُرُوجِ مُوسَى مِنْ مصر الى بناء بيت المقدس خمسمائة سَنَةٍ وَخَمْسُونَ سَنَةً، وَمِنْ بِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ الى ملك بختنصر وخراب بيت المقدس أربعمائة سَنَةٍ وَسِتٌّ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً وَمِنْ مُلْكِ بُخْتَنَصَّرَ الى ملك الاسكندر أربعمائة سَنَةٍ وَسِتٌّ وَثَلاثُونَ سَنَةً، وَمِنْ مُلْكِ الإِسْكَنْدَرِ إِلَى سَنَةِ سِتٍّ وَمِائَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ أَلْفُ سنه ومائتان وخمس واربعون سنه

стр. 864

[القول في السيرة النبوية] ذكر نسب رسول الله ص وذكر بعض أخبار آبائه وأجداده اسم رسول الله ص، وهو ابن عبد الله بن عبد المطلب، وكان عبد الله أبو رسول الله أصغر ولد أبيه، وكان عبد الله والزبير وعبد مناف- وهو أبو طالب- بنو عبد المطلب لأم واحدة، وأمهم جميعا فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، حدثنا بذلك ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق. وحدثت عن هشام بن محمد، عن أبيه، أنه قال: عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله، وأبو طالب- واسمه عبد مناف- والزبير، وعبد الكعبة، وعاتكة، وبرة، وأميمة، ولد عبد المطلب إخوة، أم جميعهم فاطمه بنت عمرو بن عائذ ابن عمران بن مخزوم بن يقظة. وكان عبد المطلب- فيما حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى- قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عن ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب، أنه أخبره أن امرأة نذرت أن تنحر ابنها عند الكعبة في أمر إن فعلته، ففعلت ذلك الأمر، فقدمت المدينة لتستفتي عن نذرها، فجاءت عبد الله بن عمر، فقال لها عبد الله بن عمر: لا أعلم الله أمر في النذر إلا الوفاء به، فقالت المرأة: أفأنحر ابني؟ قال ابن عمر: قد نهاكم الله أن تقتلوا أنفسكم، فلم يزدها عبد الله بن عمر على ذلك، فجاءت عبد الله بن عباس فاستفتته، فقال: أمر الله بوفاء النذر والنذر دين، ونهاكم أن تقتلوا أنفسكم- وقد كان عبد المطلب بن هاشم نذر إن توافى له عشرة رهط، أن ينحر أحدهم، فلما توافى له عشرة، أقرع بينهم أيهم ينحر؟ فطارت القرعة على عبد الله بن عبد المطلب، وكان أحب الناس إلى عبد المطلب، فقال عبد المطلب: اللهم هو أو مائة من الإبل، ثم أقرع بينه وبين الإبل، فطارت

стр. 865

القرعة- على المائة من الإبل- فقال ابْنُ عَبَّاسٍ للمرأة: فأرى أن تنحري مائة من الإبل مكان ابنك فبلغ الحديث مروان، وهو أمير المدينة، فقال: ما أرى ابن عمر ولا ابْنَ عَبَّاسٍ أصابا الفتيا، إنه لا نذر في معصية الله، استغفري الله وتوبي إلى الله، وتصدقي واعملي ما استطعت من الخير، فأما أن تنحري ابنك فقد نهاك الله عن ذلك فسر الناس بذلك، وأعجبهم قول مروان، ورأوا أنه قد أصاب الفتيا، فلم يزالوا يفتون بألا نذر في معصية الله. وأما ابن إسحاق، فإنه قص من أمر نذر عبد المطلب هذا قصة، هي اشيع مما في هذا الخبر الذي ذكرناه عن ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب، وذلك مَا حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، قال: كان عبد المطلب بن هاشم- فيما يذكرون والله أعلم- قد نذر حين لقي من قريش في حفر زمزم ما لقي: لئن ولد له عشرة نفر ثم بلغوا معه حتى يمنعوه، لينحرن أحدهم لله عند الكعبة، فلما توافى له بنوه عشرة، وعرف أنهم سيمنعونه، جمعهم ثم أخبرهم بنذره الذي نذر، ودعاهم إلى الوفاء لله بذلك، فأطاعوه، وقالوا: كيف نصنع؟ قال: يأخذ كل رجل منكم قدحا، ثم ليكتب فيه اسمه، ثم ائتوني به ففعلوا، ثم أتوه، فدخل على هبل في جوف الكعبة، وكانت هبل أعظم أصنام قريش بمكة، وكانت على بئر في جوف الكعبة، وكانت تلك البئر هي التي يجمع فيها ما يهدى للكعبة، وكان عند هبل سبعة أقدح، كل قدح منها فيه كتاب: قدح فيه العقل، وإذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم ضربوا بالقداح السبعة، فإن خرج العقل فعلى من خرج حمله، وقدح فيه: نعم للأمر إذا ارادوه

стр. 866

يضرب به، فإن خرج قدح: نعم عملوا به، وقدح فيه لا، فإذا أرادوا أمرا ضربوا به في القداح، فإذا خرج ذلك القدح لم يفعلوا ذلك الأمر، وقدح فيه منكم، وقدح فيه ملصق، وقدح فيه من غيركم، وقدح فيه المياه إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح، وفيها ذلك القدح، فحيثما خرج عملوا به وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلاما، أو ينكحوا منكحا، أو يدفنوا ميتا، أو شكوا في نسب أحد منهم ذهبوا به إلى هبل وبمائة درهم وجزور، فأعطوها صاحب القداح الذي يضربها، ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون، ثم قالوا: يا إلهنا، هذا ابن فلان، قد أردنا به كذا وكذا، فأخرج الحق فيه، ثم يقولون لصاحب القداح: اضرب، فيضرب فإن خرج عليه منكم كان وسيطا وإن خرج عليه من غيركم كان حليفا، وإن خرج عليه ملصق كان على منزلته منهم، لا نسب له ولا حلف، وإن خرج في شيء سوى هذا مما يعملون به نعم عملوا به، وإن خرج لا أخروه عامهم ذلك حتى يأتوا به مرة أخرى، ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح- فقال عبد المطلب لصاحب القداح: اضرب على بني هؤلاء بقداحهم هذه، وأخبره بنذره الذي نذر، فأعطى كل رجل منهم قدحه الذي فيه اسمه- وكان عبد الله بن عبد المطلب أصغر بني أبيه، وكان فيما يزعمون أحب ولد عبد المطلب إليه، وكان عبد المطلب يرى أن السهم إذا أخطأه فقد أشوى، وهو أبو رسول الله ص- فلما أخذ صاحب القداح القداح ليضرب بها، قام عبد المطلب عند هبل في جوف الكعبة يدعو الله، ثم ضرب صاحب القداح، فخرج القدح على عبد الله، فأخذ عبد المطلب بيده، وأخذ الشفرة، ثم أقبل إلى إساف ونائلة- وهما وثنا قريش اللذان تنحر عندهما ذبائحها- ليذبحه، فقامت إليه قريش من أنديتها، فقالوا: ماذا تريد يا عبد المطلب؟ قال: أذبحه

стр. 867

فقالت له قريش وبنوه: والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، لئن فعلت هذا، لا يزال الرجل يأتي بابنه حتى يذبحه، فما بقاء الناس على هذا! فقال له المغيرة بْن عبد الله بْن عمر بْن مخزوم- وكان عبد الله ابن أخت القوم-: والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه وقالت له قريش وبنوه: لا تفعل وانطلق به إلى الحجاز، فإن به عرافة لها تابع، فسلها، ثم أنت على رأس أمرك، إن أمرتك أن تذبحه ذبحته، وإن أمرتك بأمر لك وله فيه فرج قبلته. فانطلقوا حتى قدموا المدينة، فوجدوها- فيما يزعمون- بخيبر، فركبوا إليها حتى جاءوها، فسألوها، وقص عليها عبد المطلب خبره وخبر ابنه، وما أراد به، ونذره فيه فقالت لهم: ارجعوا عني اليوم حتى يأتيني تابعي فأسأله. فرجعوا عنها، فلما خرجوا من عندها، قام عبد المطلب يدعو الله ثم غدوا عليها، فقالت: نعم، قد جاءني الخبر، كم الدية فيكم؟ قالوا: عشر من الإبل- وكانت كذلك- قالت: فارجعوا إلى بلادكم، ثم قربوا صاحبكم،. وقربوا عشرا من الإبل، ثم اضربوا عليها وعليه بالقداح، فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا في الإبل حتى يرضى ربكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها، فقد رضي ربكم، ونجا صاحبكم. فخرجوا حتى قدموا مكة، فلما أجمعوا لذلك من الأمر قام عبد المطلب يدعو الله، ثم قربوا عبد الله وعشرا من الإبل- وعبد المطلب في جوف الكعبة عند هبل يدعو الله- فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا، فكانت الإبل عشرين، وقام عبد المطلب في مكانه ذلك يدعو الله، ثم ضربوا فخرج السهم على عبد الله، فزادوا عشرا من الإبل، فكانت ثلاثين، ثم لم يزالوا يضربون بالقداح ويخرج القدح على عبد الله، فكلما خرج عليه زادوا من الإبل عشرا، حتى ضربوا عشر مرات، وبلغت الإبل مائة، وعبد المطلب

стр. 868

قائم يدعو، ثم ضربوا فخرج القدح على الإبل، فقالت قريش ومن حضر: قد انتهى رضا ربك يا عبد المطلب فزعموا أن عبد المطلب قال: لا والله حتى أضرب عليها ثلاث مرات، فضربوا على الإبل وعلى عبد الله، وقام عبد المطلب يدعو فخرج القدح على الإبل، ثم عادوا الثانية وعبد المطلب قائم يدعو، ثم عادوا الثالثة فضربوا، فخرج القدح على الإبل فنحرت، ثم تركت لا يصد عنها إنسان ولا سبع. ثم انصرف عبد المطلب آخذا بيد ابنه عبد الله، فمر- فيما يزعمون- على امراه من بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ بْنِ كِلابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غالب بن فهر، يقال لها: أم قتال بنت نوفل بن أسد بن عبد العزى، وهي أخت ورقة بن نوفل بن أسد، وهي عند الكعبة، فقالت له حين نظرت إلى وجهه: أين تذهب يا عبد الله؟ قال: مع أبي، قالت: لك عندي مثل الإبل التي نحرت عنك، وقع علي الآن، قال: إن معي أبي ولا أستطيع خلافه ولا فراقه فخرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة- ووهب يومئذ سيد بني زهرة سنا وشرفا- فزوجه آمنة بنت وهب، وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبا وموضعا، وهي لبرة بنت عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بن قصي، وبرة لأم حبيب بنت اسد ابن عبد العزى بن قصي، وأم حبيب بنت أسد لبرة بنت عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب بن لؤي فزعموا أنه دخل عليها حين ملكها مكانه فوقع عليها، فحملت بمحمد ص ثم خرج من عندها، حتى أتى المرأة التي عرضت عليه ما عرضت، فقال لها: مالك لا تعرضين علي اليوم ما كنت عرضت علي بالأمس؟ فقالت له: فارقك النور الذي كان معك بالأمس، فليس لي بك اليوم حاجة وقد كانت تسمع من أخيها ورقة

стр. 869

ابن نوفل، وكان قد تنصر واتبع الكتب، حتى أدرك، فكان فيما طلب من ذلك أنه كائن لهذه الأمة نبي من بني إسماعيل. حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ إِسْحَاقَ بْنِ يسار، أنه حدث أن عبد الله إنما دخل على امرأة كانت له مع آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، وقد عمل في طين له، وبه آثار من الطين، فدعاها إلى نفسه، فأبطأت عليه لما رأت به من آثار الطين، فخرج من عندها، فتوضأ وغسل عنه ما كان به من ذلك، وعمد إلى آمنة فدخل عليها فأصابها، فحملت بمحمد ص، ثم مر بامرأته تلك، فقال: هل لك؟ فقالت: لا، مررت بي وبين عينيك غرة، فدعوتني فأبيت، ودخلت على آمنة فذهبت بها فزعموا أن امرأته تلك كانت تحدث أنه مر بها وبين عينيه مثل غرة الفرس، قالت: فدعوته رجاء أن يكون بي، فأبى علي، ودخل على آمنة بنت وهب فأصابها، فحملت برسول الله ص. حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الْمَوْصِلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزِّنْجِيُّ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا خَرَجَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِعَبْدِ اللَّهِ لِيُزَوِّجَهُ، مَرَّ بِهِ عَلَى كَاهِنَةٍ مِنْ خَثْعَمٍ، يُقَالُ لَهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ مُرٍّ، مُتَهَوِّدَةٌ مِنْ أَهْلِ تَبَالَةَ، قَدْ قَرَأَتِ الْكُتُبَ، فَرَأَتْ فِي وَجْهِهِ نُورًا، فَقَالَتْ لَهُ: يَا فَتَى، هَلْ لَكَ أَنْ تَقَعَ عَلَيَّ الآنَ وَأُعْطِيَكَ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ؟ فَقَالَ: أَمَّا الْحَرَامُ فَالْمَمَاتُ دُونَهُ ... وَالْحِلُّ لا حَلَّ فَأَسْتَبِينُهُ فَكَيْفَ بِالأَمْرِ الَّذِي تَبْغِينَهُ

стр. 870

ثُمَّ قَالَ: أَنَا مَعَ أَبِي وَلا أَقْدِرُ أَنْ أُفَارِقَهُ، فَمَضَى بِهِ، فَزَوَّجَهُ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، فَأَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاثًا ثُمَّ انْصَرَفَ فَمَرَّ بِالْخَثْعَمِيَّةِ فَدَعَتْهُ نَفْسُهُ إِلَى مَا دَعَتْهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهَا: هَلْ لَكِ فِيمَا كُنْتِ أَرَدْتِ؟ فَقَالَتْ: يَا فَتَى، إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَنَا بِصَاحِبَةِ رِيبَةٍ، وَلَكِنِّي رَأَيْتُ فِي وَجْهِكَ نُورًا فَأَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ فِي، وَأَبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يَجْعَلَهُ حَيْثُ أَرَادَ، فَمَا صَنَعْتَ بَعْدِي؟ قَالَ: زَوَّجَنِي أَبِي آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ، فَأَقَمْتُ عِنْدَهَا ثَلاثًا، فَأَنْشَأَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُرٍّ تَقُولُ: إِنِّي رَأَيْتُ مخيله لَمَعَتْ ... فَتَلَأْلَأَتْ بِحَنَاتِمِ الْقَطْرِ فلمأتها نُورًا يُضِيءُ لَهُ ... مَا حَوْلَهُ كَإِضَاءَةِ الْبَدْرِ فَرَجَوْتُهَا فَخْرًا أَبُوءُ بِهِ ... مَا كُلُّ قَادِحٍ زِنْدُهُ يُورِي لِلَّهِ مَا زهرية سلبت ... ثوبيك ما استلبت وما تدري! وقالت أيضا: بني هاشم قد غادرت من أخيكم ... امينه إذ للباه تعتركان كما غادر المصباح عند خموده ... فتائل قد ميثت له بدهان وما كل ما يحوي الفتى من تلاده ... لعزم ولا ما فاته لتوان فأجمل إذا طالبت أمرا فإنه ... سيكفيكه جدان يعتلجان

стр. 871

سيكفيكه إما يد مقفعلة ... وإما يد مبسوطة ببنان ولما حوت منه أمينة ما حوت ... حوت منه فخرا ما لذلك ثان حدثني الحارث بْن محمد، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حدثنا معمر وغيره، عن الزهري، أن عبد الله بن عبد المطلب كان أجمل رجال قريش، فذكر لآمنة بنت وهب جماله وهيئته، وقيل لها: هل لك أن تزوجيه! فتزوجته آمنة بنت وهب، فدخل بها، وعلقت برسول الله ص، وبعثه أبوه إلى المدينة في ميرة يحمل لهم تمرا، فمات بالمدينة، فبعث عبد المطلب ابنه الحارث في طلبه حين أبطأ، فوجده قد مات. قال الواقدي: هذا غلط، والمجتمع عليه عندنا في نكاح عبد الله بن عبد المطلب ما حدثنا به عبد الله بن جعفر الزهري، عن أم بكر بنت المسور، أن عبد المطلب جاء بابنه عبد الله، فخطب على نفسه وعلى ابنه، فتزوجا في مجلس واحد، فتزوج عبد المطلب هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة، وتزوج عبد الله ابن عبد المطلب آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة. قَالَ الْحَارِثُ: قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: قَالَ الْوَاقِدِيُّ: والثبت عندنا، ليس بين أصحابنا فيه اختلاف، أن عبد الله بن عبد المطلب أقبل من الشام في عير لقريش، فنزل بالمدينة وهو مريض، فأقام بها حتى توفي، ودفن في دار النابغة- وقيل التابعة- في الدار الصغرى إذا دخلت الدار عن يسارك، ليس بين أصحابنا في هذا اختلاف. ابن عبد المطلب وعبد المطلب اسمه شيبة، سمي بذلك، لأنه فِيمَا حدثت عن هِشَام بن مُحَمَّدٍ، عن أبيه: كان في رأسه شيبة. وقيل له عبد المطلب، وذلك أن أباه هاشما كان شخص في تجارة له

стр. 872

الى الشام، فسلك طريق المدينة إليها، فلما قدم المدينة نزل- فيما حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق وفيما حدثت عن هشام ابن محمد عن أبيه وفيما حدثني الحارث، عن محمد بن سعد، عن محمد بن عمر، ودخل حديث بعضهم في بعض، وبعضهم يزيد على بعض- على عمرو بن زيد بن لبيد الخزرجي، فرأى ابنته سلمى بنت عمرو- وأما ابن حميد فقال في حديثه عن سلمة، عن ابن إسحاق: سلمى بنت زيد بن عمرو- ابن لبيد بن حرام بن خداش بن جندب بن عدي بن النجار فأعجبته، فخطبها إلى أبيها عمرو، فأنكحه إياها، وشرط عليه ألا تلد ولدا إلا في أهلها، ثم مضى هاشم لوجهته قبل أن يبني بها، ثم انصرف راجعا من الشام، فبنى بها في أهلها بيثرب، فحملت منه ثم ارتحل إلى مكة وحملها معه، فلما أثقلت ردها إلى أهلها، ومضى إلى الشام فمات بها بغزة، فولدت له سلمى عبد المطلب، فمكث بيثرب سبع سنين أو ثماني سنين ثم إن رجلا من بني الحارث بن عبد مناة مر بيثرب، فإذا غلمان ينتضلون، فجعل شيبة إذا خسق قال: أنا ابن هاشم، أنا ابن سيد البطحاء، فقال له الحارثي: من أنت؟ قال: أنا شيبة بن هاشم بن عبد مناف فلما أتى الحارثي مكة، قال للمطلب وهو جالس في الحجر: يا أبا الحارث، تعلم أني وجدت غلمانا ينتضلون بيثرب، وفيهم غلام إذا خسق قال: أنا ابن هاشم، أنا ابن سيد البطحاء فقال المطلب: والله لا أرجع إلى أهلي حتى آتي به، فقال له الحارثي: هذه ناقتي بالفناء فاركبها، فجلس المطلب عليها، فورد يثرب عشاء، حتى أتى بني عدي بن النجار، فإذا غلمان يضربون كرة بين ظهري مجلس، فعرف ابن أخيه فقال للقوم: أهذا ابن هاشم؟ قالوا: نعم، هذا ابن أخيك، فإن كنت تريد أخذه فالساعة قبل أن تعلم به أمه، فإنها إن علمت لم تدعه، وحلنا بينك وبينه فدعاه، فقال: يا بن أخي، أنا عمك، وقد أردت الذهاب بك الى قومك- واناخ

стр. 873

راحلته- فما كذب أن جلس على عجز الناقة، فانطلق به، ولم تعلم به أمه حتى كان الليل، فقامت تدعو بحربها على ابنها، فأخبرت أن عمه ذهب به، وقدم به المطلب ضحوة، والناس في مجالسهم، فجعلوا يقولون: من هذا وراءك؟ فيقول: عبد لي، حتى أدخله منزله على امرأته خديجة بنت سعيد بن سهم، فقالت: من هذا؟ قال: عبد لي، ثم خرج المطلب حتى أتى الحزورة، فاشترى حلة فألبسها شيبة، ثم خرج به حين كان العشي إلى مجلس بني عبد مناف، فجعل بعد ذلك يطوف في سكك مكة في تلك الحلة، فيقال: هذا عبد المطلب، لقوله: هذا عبدي حين سأله قومه، فقال المطلب: عرفت شيبة والنجار قد جعلت ... ابناؤها حوله بالنبل تنتضل وقد حدثني هذا الحديث علي بن حرب الموصلي، قال: حدثني أبو معن عيسى- من ولد كعب بن مالك- عن محمد بن أبي بكر الأنصاري، عن مشايخ الأنصار، قالوا: تزوج هاشم بن عبد مناف امرأة من بني عدي بن النجار، ذات شرف، تشرط على من خطبها المقام بدار قومها، فتزوجت بهاشم، فولدت له شيبة الحمد، فربى في أخواله مكرما، فبينا هو يناضل فتيان الأنصار إذ أصاب خصلة، فقال: أنا ابن هاشم وسمعه رجل مجتاز فلما قدم مكة، قال لعمه المطلب بن عبد مناف: قد مررت بدار بني قيلة فرأيت فتى من صفته ومن صفته يناضل فتيانهم، فاعتزى إلى أخيك، وما ينبغي ترك مثله في الغربة فرحل المطلب حتى ورد المدينة، فأراده على الرحلة، فقال: ذاك إلى الوالدة، فلم يزل بها حتى أذنت له، وأقبل به قد أردفه، فإذا لقيه اللاقي وقال: من هذا يا مطلب؟ قال: عبد لي، فسمي عبد المطلب فلما قدم مكة وقفه على ملك أبيه، وسلمه إليه، فعرض له نوفل بن عبد مناف في ركح له، فاغتصبه إياه، فمشى عبد المطلب إلى رجالات قومه، فسألهم النصرة على عمه، فقالوا: لسنا بداخلين بينك وبين عمك، فلما رأى ذلك كتب إلى أخواله يصف لهم حال نوفل، وكتب في كتابه: أبلغ بني النجار إن جئتهم ... إني منهم وابنهم والخميس

стр. 874

رأيتهم قوما إذا جئتهم ... هووا لقائي وأحبوا حسيس فإن عمي نوفلا قد أبى ... إلا التي يغضي عليها الخسيس قال: فخرج أبو أسعد بن عدس النجاري في ثمانين راكبا، حتى أتى الأبطح، وبلغ عبد المطلب، فخرج يتلقاه، فقال: المنزل يا خال! فقال: أما حتى ألقى نوفلا فلا قال: تركته جالسا في الحجر في مشايخ قريش، فأقبل حتى وقف على رأسه، ثم استل سيفه، ثم قال: ورب هذه البنية، لتردن على ابن أختنا ركحه أو لأملأن منك السيف، قال: فإني ورب هذه البنية أرد ركحه فأشهد عليه من حضر، ثم قال: المنزل يا بن أختي، فأقام عنده ثلاثا واعتمر، وأنشأ عبد المطلب يقول: تأبى مازن وبنو عدي ... ودينار بن تيم اللات ضيمي وساده مالك حتى تناهى ... ونكب بعد نوفل عن حريمي بهم رد الإله علي ركحي ... وكانوا في التنسب دون قومي وقال في ذلك سمرة بن عمير، أبو عمرو الكناني: لعمري لأخوال لشيبة قصرة ... من أعمامه دنيا أبر وأوصل أجابوا على بعد دعاء ابن أختهم ... ولم يثنهم إذ جاوز الحق نوفل جزى الله خيرا عصبة خزرجية ... تواصوا على بر، وذو البر أفضل قال: فلما رأى ذلك نوفل، حالف بني عبد شمس كلها على بني هاشم. قال محمد بن أبي بكر: فحدثت بهذا الحديث موسى بن عيسى، فقال: يا بن أبي بكر، هذا شيء ترويه الأنصار تقربا إلينا، إذ صير الله الدولة فينا! عبد المطلب كان أعز في قومه من أن يحتاج إلى أن تركب بنو النجار من

стр. 875

المدينة إليه قلت: أصلح الله الأمير! قد احتاج إلى نصرهم من كان خيرا من عبد المطلب قال: وكان متكئا فجلس مغضبا، وقال: من خير من عبد المطلب! قلت: محمد رسول الله ص، قال: صدقت، وعاد إلى مكانه، وقال لبنيه: اكتبوا هذا الحديث من ابن أبي بكر. وقد حدثت هذا الحديث في أمر عبد المطلب وعمه نوفل بن عبد مناف، عن هشام بن محمد، عن أبيه، قال: حدثنا زياد بن علاقة التغلبي- وكان قد أدرك الجاهلية- قال: كان سبب بدء الحلف الذي كان بين بني هاشم وخزاعة الذي افتتح رسول الله ص بسببه مكة، وقال: لتنصب هذه السحابة بنصر بني كعب، أن نوفل بن عبد مناف- وكان آخر من بقي من بني عبد مناف- ظلم عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف على أركاح له- وهي الساحات- وكانت أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو النجارية من الخزرج، قال: فتنصف عبد المطلب عمه، فلم ينصفه، فكتب إلى أخواله: يا طول ليلي لأحزاني وأشغالي ... هل من رسول الى النجار اخوالى! بنى عديا ودينارا ومازنها ... ومالكا عصمة الجيران عن حالي قد كنت فيكم ولا أخشى ظلامة ذي ... ظلم عزيزا منيعا ناعم البال حتى ارتحلت إلى قومي وأزعجني ... عن ذاك مطلب عمي بترحال وكنت ما كان حيا ناعما جذلا ... امشى لعرضنه سحابا لأذيالي فغاب مطلب في قعر مظلمة ... وقام نوفل كي يعدو على مالي أإن رأى رجلا غابت عمومته ... وغاب أخواله عنه بلا وال أنحى عليه ولم يحفظ له رحما ... ما أمنع المرء بين العم والخال! فاستنفروا وامنعوا ضيم ابن أختكم ... لا تخذلوه وما أنتم بخذال ما مثلكم في بني قحطان قاطبة ... حي لجار وإنعام وإفضال

стр. 876

أنتم ليان لمن لانت عريكته ... سلم لكم وسمام الأبلخ الغالي قال: فقدم عليه منهم ثمانون راكبا، فأناخوا بفناء الكعبة، فلما رآهم نوفل بن عبد مناف، قال لهم: أنعموا صباحا! فقالوا له: لا نعم صباحك أيها الرجل! أنصف ابن أختنا من ظلامته قال: أفعل بالحب لكم والكرامة، فرد عليه الأركاح وأنصفه. قال: فانصرفوا عنه إلى بلادهم قال: فدعا ذلك عبد المطلب إلى الحلف، فدعا عبد المطلب بسر بن عمرو وورقاء بن فلان ورجالا من رجالات خزاعة، فدخلوا الكعبة وكتبوا كتابا. وكان إلى عبد المطلب بعد مهلك عمه المطلب بن عبد مناف ما كان إلى من قبله من بني عبد مناف من أمر السقاية والرفادة، وشرف في قومه، وعظم فيهم خطره، فلم يكن يعدل به منهم أحد، وهو الذي كشف عن زمزم، بئر إسماعيل بن إبراهيم، واستخرج ما كان فيها مدفونا، وذلك غزالان من ذهب، كانت جرهم دفنتهما- فيما ذكر- حين أخرجت من مكة، وأسياف قلعية، وأدراع، فجعل الأسياف بابا للكعبة، وضرب في الباب الغزالين صفائح من ذهب، فكان أول ذهب حليته- فيما قيل- الكعبه. وكانت كنيه عبد المطلب أبا الحارث، كني بذلك لأن الأكبر من ولده الذكور كان اسمه الحارث، وهو شيبة ابن هاشم واسم هاشم عمرو، وإنما قيل له هاشم، لأنه أول من هشم الثريد لقومه بمكة وأطعمه، وله يقول مطرود بن كعب الخزاعي- وقال ابن الكلبي: إنما قاله ابن الزبعرى:

стр. 877

عمرو الذي هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف ذكر أن قومه من قريش، كانت أصابتهم لزبة وقحط، فرحل إلى فلسطين، فاشترى منها الدقيق، فقدم به مكة، فأمر به فخبز له ونحر جزورا، ثم اتخذ لقومه مرقة ثريد بذلك الخبز. وذكر أن هاشما هو أول من سن الرحلتين لقريش: رحلة الشتاء والصيف. وحدثت عن هشام بن محمد، عن أبيه، قال: كان هاشم، وعبد شمس- وهو أكبر ولد عبد مناف، والمطلب- وكان أصغرهم- أمهم عاتكة بنت مرة السلمية، ونوفل- وأمه واقدة- بني عبد مناف، فسادوا بعد أبيهم جميعا، وكان يقال لهم المجبرون، قال: ولهم يقال: يا ايها الرجل المحول رحله ... ألا نزلت بآل عبد مناف! فكانوا أول من أخذ لقريش العصم، فانتشروا من الحرم، أخذ لهم هاشم حبلا من ملوك الشام والروم وغسان، وأخذ لهم عبد شمس حبلا من النجاشي الأكبر، فاختلفوا بذلك السبب إلى أرض الحبشة، وأخذ لهم نوفل حبلا من الأكاسرة، فاختلفوا بذلك السبب إلى العراق وأرض فارس، وأخذ لهم المطلب حبلا من ملوك حمير، فاختلفوا بذلك السبب إلى اليمن، فجبر الله بهم قريشا، فسموا المجبرين. وقيل: ان عبد شمس وهاشما توأمان، وإن أحدهما ولد قبل صاحبه، وإصبع له ملتصقة بجبهة صاحبه، فنحيت عنها فسال من ذلك دم، فتطير من ذلك، فقيل: تكون بينهما دماء ولى هاشم بعد أبيه عبد مناف السقاية والرفادة. حدثني الحارث، قال: حدثنا مُحَمَّد بن سعد، قال: أخبرنا هشام بن

стр. 878

محمد، قال: حدثني معروف بن الخربوذ المكي، قال: حدثني رجل من آل عدي بن الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف عن أبيه، قال: وقال وهب بن عبد قصي في ذلك- يعني في إطعام هاشم قومه الثريد: تحمل هاشم ما ضاق عنه ... وأعيا أن يقوم به ابن بيض أتاهم بالغرائر متأقات ... من أرض الشام بالبر النفيض فأوسع أهل مكة من هشيم ... وشاب الخبز باللحم الغريض فظل القوم بين مكللات ... من الشيزى وحائرها يفيض قال: فحسده أمية بن عبد شمس بن عبد مناف- وكان ذا مال- فتكلف أن يصنع صنيع هاشم، فعجز عنه، فشمت به ناس من قريش فغضب، ونال من هاشم، ودعاه إلى المنافرة، فكره هاشم ذلك لسنه وقدره، ولم تدعه قريش وأحفظوه، قال: فإني أنافرك على خمسين ناقة سود الحدق، تنحرها ببطن مكة، والجلاء عن مكة عشر سنين فرضي بذلك أمية، وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي، فنفر هاشما عليه، فأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعمها من حضره، وخرج أمية إلى الشام، فأقام بها عشر سنين فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية. حدثني الحارث قال: حدثنا مُحَمَّد بن سعد، قال: أخبرنا هشام ابن محمد، قال: أخبرني رجل من بني كنانة، يقال له ابن أبي صالح، ورجل من أهل الرقة مولى لبني أسد، وكان عالما، قالا: تنافر عبد المطلب ابن هاشم وحرب بن أمية إلى النجاشي الحبشي، فأبى ان ينفر بينها، فجعل بينهما نفيل بْن عبد العزى بْن رياح بْن عبد اللَّه بْن قرط بْن رزاح بْن عدى ابن كعب، فقال لحرب: يا أبا عمرو، أتنافر رجلا هو أطول منك قامة، وأعظم منك هامة، وأوسم منك وسامة، وأقل منك لامة، وأكثر منك ولدا، وأجزل منك صفدا، وأطول منك مذودا! فنفره عليه فقال حرب: إن

стр. 879

من انتكاث الزمان أن جعلناك حكما! فكان أول من مات من ولد عبد مناف ابنه هاشم، مات بغزة من أرض الشام، ثم مات عبد شمس بمكة فقبر بأجياد، ثم مات نوفل بسلمان من طريق العراق، ثم مات المطلب بردمان من أرض اليمن، وكانت الرفادة والسقاية بعد هاشم إلى أخيه المطلب . ابن عبد مناف واسمه المغيرة، وكان يقال له القمر من جماله وحصنه وكان قصي يقول- فيما زعموا-: ولد لي أربعة، فسميت اثنين بصنمي، وواحدا بداري، وواحدا بنفسي، وهم عبد مناف وعبد العزى ابنا قصي- وعبد العزى والد أسد- وعبد الدار بن قصي، وعبد قصي بن قصي- درج ولده- وبرة بنت قصي، أمهم جميعا حبى بنت حليل بْن حبشية بْن سلول بْن كعب بْن عمرو بن خزاعة. وحدثت عن هشام بن محمد، عن أبيه، قال: وكان يقال لعبد مناف القمر، واسمه المغيرة، وكانت أمه حبى دفعته إلى مناف- وكان أعظم أصنام مكة- تدينا بذلك، فغلب عليه عبد مناف، وهو كما قيل له: كانت قريش بيضه فتفلقت ... فالمح خالصة لعبد مناف ابن قصي وقصي اسمه زيد، وإنما قيل له قصي، لأن أباه كلاب بن مرة كان تزوج أم قصي فاطمة بنت سعد بن سيل- واسم سيل، خير- بن حمالة بن عوف بن غنم بن عامر الجادر، بن عمرو بن جعثمة بن يشكر، من أزدشنوءة حلفاء في بني الديل، فولدت لكلاب زهرة وزيدا، فهلك كلاب وزيد صغير، وقد شب زهرة وكبر، فقدم ربيعة بن حرام بن ضنه بن عبد بن كبير ابن عذرة بن سعد بن زيد، أحد قضاعة، فتزوج- فيما حَدَّثَنَا ابن حميد،

стр. 880

قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق وحدثت عن هشام بن محمد عن أبيه- فاطمة أم زهرة وقصي- وزهرة رجل قد بلغ، وقصي فطيم أو قريب من ذلك- فاحتملها إلى بلاده من أرض بني عذرة، من أشراف الشام، فاحتملت معها قصيا لصغره، وتخلف زهرة في قومه، فولدت فاطمة بنت سعد بن سيل لربيعة بن حرام رزاح بن ربيعة، فكان أخاه لأمه، وكان لربيعة بن حرام ثلاثة نفر من امرأة أخرى، وهم حن بن ربيعة، ومحمود بن ربيعة، وجلهمة بن ربيعة وشب زيد في حجر ربيعة، فسمي زيد قصيا لبعد داره عن دار قومه، ولم يبرح زهرة مكة، فبينا قصي بن كلاب بأرض قضاعة لا ينتمي- فيما يزعمون- إلا إلى ربيعة بن حرام، إذ كان بينه وبين رجل من قضاعة شيء- وقد بلغ قصي، وكان رجلا شابا- فأنبه القضاعي بالغربة وقال له: ألا تلحق بقومك ونسبك فإنك لست منا! فرجع قصي إلى أمه، وقد وجد في نفسه مما قال له القضاعي، فسألها عما قال له ذلك الرجل، فقالت له: أنت والله يا بني أكرم منه نفسا ووالدا، أنت ابن كلاب بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشي، وقومك بمكة عند البيت الحرام، وفيما حوله فأجمع قصي الخروج إلى قومه واللحوق بهم، وكره الغربة بأرض قضاعة، فقالت له أمه: يا بني لا تعجل بالخروج حتى يدخل عليك الشهر الحرام، فتخرج في حاج العرب، فإني أخشى عليك أن يصيبك بعض البأس، فأقام قصي حتى إذا دخل الشهر الحرام، خرج حاج قضاعة، فخرج فيهم حتى قدم مكة، فلما فرغ من الحج أقام بها، وكان رجلا جليدا نسيبا، فخطب إلى حليل بن حبشية الخزاعي ابنته حبى بنت حليل، فعرف حليل النسب ورغب فيه، فزوجه- وحليل يومئذ فيما يزعمون- يلي الكعبة وأمر مكة. فأما ابن إسحاق، فإنه قال في خبره: فأقام قصي معه- يعني مع حليل- وولدت له ولده عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العزى، وعبدا بني قصي فلما انتشر ولده، وكثر ماله، وعظم شرفه هلك حليل بن حبشية، فرأى قصي أنه أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة وبني بكر، وأن قريشا
следующие страницы →