Полный текст (908 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
واسلك فى الخرزة خيطا من غير علاج انس ولا جنّ* وامرت بلقيس الغلمان فقالت اذا كلمكم سليمان فكلموه بكلام تأنيث وتخنيث يشبه كلام النساء وامرت الجوارى ان يكلمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال ثم قالت للمنذر ان نظر اليك نظر غضبان فهو ملك فلا يهولنك منظره وان رأيته بشاشا لطيفا فهو نبىّ فأقبل الهدهد مسرعا فأخبر سليمان الخبر كله وفى انوار التنزيل وقد سبق جبريل بالحال فأمر سليمان الجنّ فضربوا لبنات الذهب والفضة وفرشوا فى ميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ* وفى معالم التنزيل أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذى هو فيه الى تسعة فراسخ ميدانا واحدا بلبنات الذهب والفضة وجعلوا حول الميدان حائطا شرفه من الذهب والفضة وأمر الشياطين فأتوا بأحسن الدواب فى البرّ والبحر فربطوها عن يمين الميدان وعن يساره على لبنات الذهب والفضة وألقوا علوفتها فيها وأمر بأولاد الجنّ وهم خلق كثير فأقاموا عن اليمين وعن اليسار* ثم قعد سليمان فى مجلسه على سريره ووضع له أربعة آلاف كرسى عن يمينه ومثله عن يساره واصطفت الشياطين صفوفا فراسخ والانس صفوفا فراسخ والوحوش والسباع والطير والهوام كذلك فلما دنا الرسل ووصلوا معسكره والميدان ورأوا عظمة شأن سليمان وملكه ورأوا الدواب التى لم ترعينهم مثلها تروث على لبن الذهب والفضة تقاصرت اليهم أنفسهم فرموا بما معهم من الهدايا وفى بعض الروايات ان سليمان لما أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعا على قدر اللبنات التى معهم فلما رأت الرسل موضع اللبنات خاليا وكل الارض مفروشة خافوا أن يتهموا بذلك فطرحوا كل ما معهم فى ذلك المكان فلما نظروا الى الشياطين رأوا منظرا عجيبا ففزعوا فقال لهم الشياطين جوزوا فلا بأس عليكم وكانوا يمرّون على كردوس من الجنّ والانس والطير والسباع والوحوش حتى وقفوا بين يدى سليمان فنظر اليهم نظرا حسنا بوجه طلق فقال ما وراءكم فأخبره رئيس القوم وأعطاه كتاب الملكة فنظر فيه ثم قال أين الحقة فأتى بها فحركها فجاء جبريل وأخبره بما فى الحقة فقال ان فيها درّة ثمينة غير مثقوبة وجزعة مثقوبة معوجة الثقب فقال الرسول صدقت فاثقب الدرة وأدخل الخيط فى الخرزة فقال سليمان من لى بثقبها فسأل سليمان الانس والجنّ فلم يكن عندهم علم ذلك ثم سأل الشياطين فقالوا أرسل الى الارضة فجاءت الارضة فأخذت شعرة فى فيها ودخلت فيها ثم خرجت من الجانب الآخر فقال لها سليمان ما حاجتك فقالت تصير رزقى فى الشجر فقال لك ذلك وروى أنه جاءت دودة تكون فى الصفصاف فقالت أنا أدخل الخيط فى الثقب على أن يكون رزقى فى الصفصاف فجعل لها ذلك فأخذت الخيط بفيها فدخلت الثقب وخرجت من الجانب الآخر ثم قال من لهذا الخرزة يسلكها فى الخيط فقالت دودة بيضاء أنا لها يا رسول الله فأخذت الدودة الخيط بفيها وثقبتها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر فقال لها سليمان ما حاجتك قالت تجعل رزقى فى الفواكه قال لك ذلك ودعا بالماء فكانت الجارية تأخذ الماء فى يدها وتجعله فى الاخرى ثم تضرب به وجهها والغلام كما يأخذ الماء يضرب به وجهه ثم ردّ الهدية وقال للمنذر ارجع اليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولا طاقة ولنخرجنهم منها من سبأ أذلة بذهاب عزهم وهم صاغرون أسراء مهانون فلما رجع اليها رسولها بالهدايا وقص عليها القصة قالت هو نبى وما لنا به طاقة وبعثت الى سليمان انى قادمة اليك بملوك قومى لا نظر ما الذى تدعو اليه ثم جعلت عرشها فى آخر سبعة أبيات بعضها فى بعض فى آخر قصر من سبعة قصور لها ثم أغلقت دونه الابواب ووكلت به حرسا يحفظونه فشخصت اليه فى اثنى عشر ألف قيل تحت كل قيل الوف كثيرة حتى بلغت على رأس فراسخ قال ابن عباس كان سليمان ﵇ رجلا مهيبا لا يبتدأ بشىء حتى يكون هو الذى سأل عنه فخرج يوما فجلس على سرير ملكه فرأى رهجا أى غبارا
стр. 247
قريبا منه فقال ما هذا قالوا بلقيس نزلت منا بهذا المكان وكانت على مسيرة فرسخ من سليمان* قال ابن عباس وكان بين الحيرة والكوفة فأقبل سليمان حينئذ على جنده فقال يأيها الملأ أيكم يأتبنى بعرشها قبل أن يأتونى مسلمين أراد بذلك أن يريها بعض العجائب الدالة على عظيم القدرة وصدقه فى دعوى النبوّة ويختبر عقلها بأن تنكر أو أراد أن يأخذه قبل أن تسلم فانها اذا أتت مسلمة لم يحل أخذه الا برضاها قال عفريت من الجنّ خبيث مارد قوى* قال وهب اسمه كوذى وقيل ذكوان وقيل هو صخر الجنى وكان بمنزلة جبل يضع قدمه عند منتهى طرفه أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك مجلسك للحكومة وكان يجلس الى نصف النهار وانى على حمله لقوىّ أمين لا اختزل منه شيئا ولا أبد له فقال سليمان أريد أسرع من هذا قال الذى عنده علم من الكتاب أى ملك بيده كتاب المقادير أرسله الله عند قول العفريت* وفى معالم التنزيل هو ملك من الملائكة أيد الله به نبيه سليمان أو جبريل أو الخضر أو سليمان نفسه أو آصف بن برخيا وزيره أو كاتبه هو الاصح وعليه الجمهور وكان صدّيقا يعلم الاسم الاعظم الذى اذا دعى به أجاب وهو يا حىّ يا قيوم قاله الكلبى أو ياذ الجلال والاكرام قاله مجاهد ومقاتل أويا الهنا واله كل شىء الها واحدا لا اله الا أنت ائتنى بعرشها وقوله أنا آتيك به قبل أن يرتدّ اليك طرفك أى انك ترسل طرفك الى شىء فقبل ان تردّه أحضر عرشها فتبصره بين يديك قال مجاهد يعنى ادامة النظر حتى يرتدّ الطرف خاسئا* يروى ان آصف قال لسليمان حين صلّى مدّ عينيك حتى ينتهى طرفك فمدّ سليمان عينيه فنظر نحو اليمن ودعا آصف فبعث الله الملائكة فحملوا السرير من تحت الارض يخدون خدّا حتى انخرقت الارض بالسرير بين يدى سليمان* قال الكلبى خرّ آصف ساجدا ودعا باسم الله الاعظم فغار عرشها فى مكانه تحت الارض ثم نبع عند كرسى سليمان بقدرة الله تعالى قبل أن يرتدّ طرفه قيل كانت المسافة مقدار شهرين كذا فى معالم التنزيل وقال محمد بن المنكدر لما قال عالم بنى اسرائيل الذى آتاه الله علما وفهما أنا آتيك به قبل أن يرتدّ اليك طرفك قال سليمان هات قال أنت النبىّ ابن النبىّ وليس أحد أوجه عند الله منك فان دعوت الله وطلبت اليه كان عندك قال صدقت ففعل ذلك فجىء بالعرش فى الوقت فلما رأى العرش مستقرّا عنده حاصلا بين يديه ثابتا لديه غير مضطرب قال هذا من فضل ربى أى التمكن من احضار العرش فى مدّة ارتداد الطرف من مأرب الى الشام كذا فى معالم التنزيل وقال فى أنوار التنزيل من مسيرة شهرين بنفسه أو بغيره ثم قال سليمان نكروا لها عرشها غيروا هيئته وشكله أى اجعلوا مقدّمه مؤخره وأعلاه أسفله واجعلوا مكان الجوهر الاحمر أخضر ومكان الاخضر أحمر ننظر أتهتدى الى معرفة عرشها وقد خلفته فى مأرب وراءها مغلقة عليه الابواب موكلة عليه الحراس أوالى الجواب الصواب اذا سئلت عنه أم لا* فلما جاءت بلقيس قيل لها أهكذا عرشك قالت كأنه هو فأجابت أحسن جواب ولم تقل هو لاحتمال أن يكون مثله وذلك من كمال عقلها* وفى المدارك ولم تقل هو ولا ليس به وذلك من رجاحة عقلها حيث لم تقطع فى المحتمل للامرين أو لما شبهوا عليها بقولهم أهكذا عرشك شبهت عليهم بقولها كأنه هو مع أنها علمت أنه عرشها قيل لها ادخلى الصرح أى القصر أو صحن الدار فلما رأته ظنته ماء راكدا فكشفت عن ساقيها* روى أن سليمان أمر قبل قدومها فبنى على طريقها قصر صحنه من زجاج أبيض وأجرى من تحته الماء وألقى فيه حيوانات البحر من السمك وغيره وقيل اتخذ صحنا من قوارير وجعل تحتها تماثيل من الحيتان والضفادع فكان الواحد اذا رآه ظنه ماء كذا فى معالم التنزيل ووضع سريره فى صدره فجلس عليه وعكف الطير عليه والجنّ والانس وانما فعل ذلك ليزيدها اعظاما لامره وتحقيقا لنبوّته وقيل ان الجنّ كرهوا أن يتزوّجها سليمان فتفشى اليه بأسرارهم لان أمّها كانت جنية وقيل خافوا أن يولد منها ولد فيجتمع له فطنة الجنّ والانس فيخرجوا من ملك سليمان الى ملك أشدّ
стр. 248
منه* وفى معالم التنزيل واذا ولدت له ولدا لا ينفكون من تسخير سليمان وذرّيته من بعده فقالوا له ان فى عقلها شيئا وهى شعراء الساقين ورجلها كحافر الحمار فاختبر سليمان عقلها بتنكيرا العرش كما فعلت هى بالوصفاء والوصائف واتخذ الصرح ليتعرّف ساقها ورجلها فكشف عنهما فاذا هى أحسن الناس ساقا وقدما الا أنها شعراء الساقين* ولما رأى سليمان ذلك صرف بصره عنها ثم قال لها ان ما تظنينه ماء صرح ممرّد مملس مستو من الزجاج ومنه الامرد فأراد سليمان أن يتزوّجها فكره شعرها فعملت له الشياطين النورة والحمام فكانت النورة والحمامات من يومئذ كذا فى معالم التنزيل وعن أبى موسى أوّل من اتخذ الحمامات سليمان بن داود كذا قاله الثعلبى فلما تزوّجها سليمان أقرّها على ملكها وأمر الجنّ فابتنوا له بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير مثلها ارتفاعا وحسنا وهى بينون وسلحين وغمدان* فى معجم ما استعجم سلحين بكسر أوّله واسكان ثانيه بعده حاء مهملة مكسورة على وزن فعلين موضع باليمن وهو قصر سبأ بالمأرب ثم كان سليمان يزورها فى كل شهر مرّة بعد أن ردّها الى ملكها ويقيم عندها ثلاثة أيام يبكر من الشام الى اليمن ومن اليمن الى الشام وولدت له فيما ذكر* وفى حياة الحيوان فولدت له غلاما سماه داود ومات فى حياته* وروى عن وهب أنه قال زعموا أن بلقيس لما أسلمت قال لها سليمان اختارى رجلا من قومك أزوّجك اياه قالت ومثلى يا نبىّ الله ينكح الرجال وقد كان لى فى قومى من الملك والسلطان ما كان قال نعم انه لا يكون فى الاسلام الا ذلك ولا ينبغى لك أن تحرّمى ما أحل الله لك فقالت زوّجنى ان كان ولا بدّ من ذلك ذا تبع ملك همدان فزوّجه اياها ثم ردّها الى اليمن وسلط زوجها ذا تبع على اليمن ودعا زوبعة أمير جنّ اليمن وقال اعمل لذى تبع ما استعملك فيه فلم يزل بها ملكا يعمل له فيها ما أراد حتى مات سليمان فلما أن جاء الحول وتبينت الجنّ موت سليمان أقبل رجل منهم فسلك تهامة حتى اذا كان فى جوف اليمن صرخ بأعلى صوته يا معشر الجنّ ان الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديكم فرفعوا أيديهم وتفرّقوا وانقضى ملك ذى تبع وملك بلقيس مع ملك سليمان* وفى أنوار التنزيل قد اختلف فى أنه تزوّجها أو زوّجها من ذى تبع ملك همدان والله أعلم*
(حديث وفاة بلقيس)
* قال وهب أقامت بلقيس سبع سنين وسبعة أشهر ثم توفيت فدفنت تحت حائط بمدينة تدمر من أرض الشام ولم يعلم أحد بموضع قبرها الى أيام الوليد ابن عبد الملك بن مروان قال أبو موسى بن نصر بعثت فى خلافته الى مدينة تدمر ومعى العباس بن الوليد ابن عبد الملك فجاء مطر عظيم فانهار بعض حائط بمدينة تدمر فانكشفت الارض عن تابوت طوله ستون ذراعا متخذ من حجر أصفر كأنه الزعفران مكتوب عليه هذا مدفن تابوت بلقيس الصالحة زوجة سليمان ابن داود أسلمت لسنة عشرين خلت من ملكه وتزوّج بها يوم عاشوراء وتوفيت يوم الاثنين من شهر ربيع سنة سبع وعشرين خلت من ملكه ودفنت ليلا تحت حائط بمدينة تدمر لم يطلع على دفنها انس ولا جان الا من دفنها قال فرفعنا غطاء التابوت واذا هى غضة كأنها دفنت فى ليلتها فكتبنا بذلك الى الوليد فأمر بتركه فى مكانه وأن يبنى عليه بالصخر والمرمر كذا فى كتاب قصص الانبياء تأليف الامام أبى الحسين محمد ابن عبد الله الكسائى*
(ذكر صفة كرسى سليمان ﵇
* روى أن سليمان أمر الجنّ باتخاذ كرسى له ليجلس عليه للقضاء وأمر أن يعمل بديعا مهولا مهيبا بحيث لو رآه مبطل أو شاهد زور ارتعد من الهيبة فعملوه له من أنياب الفيل وزينوه باليواقيت واللؤلؤ والزبرجد وحفوه بأربع نخلات من ذهب شماريخها الياقوت الاحمر والزبرجد الاخضر وعلى رأس نخلتين منها طاوسان من ذهب وعلى الاخر بين نسران من ذهب وجعلوا بين جنبى الكرسى فى أسفله أسدين من ذهب على رأس كل واحد منهما عمود من الزبرجد الاخضر وعقدوا على النخلات أشجار كروم من الذهب الاحمر فاذا
стр. 249
أراد أن يصعد بسط الاسدان له ذراعيهما كذا فى أنوار التنزيل والمدارك واذا وضع رجله على الدرجة السفلى يستدير الكرسى بما فيه دوران الرحى وينشر النسران والطاوسان أجنحتهما ويبسط الاسدان ذراعيهما ويضربان الارض بأذنابهما وكذا يفعلان فى كل درجة يصعدها فاذا استوى بأعلاه أخذ النسران تاجه فوضعاه على رأسه واذا قعد أظله النسران بأجنحتهما ثم يستدير الكرسى بما فيه والنسران والطاوسان والاسدان ينضحان على رأسه المسك والعنبر ثم يتناول حمامة من ذهب فيه التوراة فيفتحها سليمان فيقرأها على الناس وكان التصوير مباحا حينئذ كذا فى المدارك ويجلس علماء بنى اسرائيل على كراسى الذهب وعظماء الجنّ على كراسى الفضة ويتقدّم الناس اليه للقضاء واذا دعا بالبينات وتقدّمت الشهود لاقامة الشهادات دار الكرسى بما فيه دوران الرحى والذى يدير الكرسى تنين عظيم من ذهب فاذا دار الكرسى بسط الاسدان أيديهما يضربان الارض بأذنابهما وينشر النسران والطاوسان أجنحتهما فتفزع الشهود فلا يشهدون الا بالحق* وهذا شأن كرسى سليمان وعجائبه وهو مما عمله صخر الجنى* وفى المدارك روى أن افريدون جاء ليصعد كرسيه فلما دنا ضرب الاسدان ساقه فكسراها فلم يجترئ أحد بعده أن يدنو منه* وفى رواية لما مات سليمان أخذ ذلك الكرسى بخت نصر فأراد أن يصعد عليه ولم يكن له علم بالصعود عليه فلما وضع قدمه على الدرجة رفع الا سديده اليمنى وضرب ساقه ودق قدمه فلم يزل يتوجع منها حتى مات وبقى الكرسى بانطاكية حتى غزا أكداس ابن كداس فهزم خليفة بخت نصر وردّ الكرسى الى بيت المقدس فلم يستطع أحد من الملوك الجلوس عليه والاستمتاع به فوضع تحت الصخرة وغاب فلا يعرف له خبر ولا أثر ولا يدرى أين هو*
سبب سلب ملك سليمان
وفى معالم التنزيل كان سبب سلب ملك سليمان ما ذكره محمد بن اسحاق وغيره عن وهب بن منبه أنه قال لما سمع سليمان بمدينة فى جزيرة من جزائر البحر يقال لها صيدون بها ملك عظيم الشان لم يكن للناس اليه سبيل لمكانه فى البحر وكان الله قد آتى سليمان فى ملكه سلطانا لا يمتنع عليه شىء فى برّ ولا بحر الا يركب اليه الريح فخرج الى تلك المدينة تحمله الريح على ظهر الماء حتى نزل بها بجنوده من الجنّ والانس فقتل ملكها واستأصل ما فيها وأصاب بنتا لذلك الملك يقال لها جرادة لم ير مثلها حسنا ولا جمالا فاصطفاها لنفسه ودعاها الى الاسلام فأسلمت على جفاء منها وقلة وفق وأحبها حبا لم يحبه شيئا من نسائه وكانت على منزلتها عنده لا يذهب حزنها ولا يرقأ دمعها فشق ذلك على سليمان فقال لها ويحك ما هذا الحزن الذى لا يذهب والدمع الذى لا يرقأ قالت انى أذكر أبى واذكر ملكه وأذكر ما كان فيه وما أصابنى فيحزننى ذلك فقال سليمان قد أبدلك الله به ملكا هو أعظم من ملكه وسلطانا هو أعظم من سلطانه وهداك للاسلام وهو خير من ذلك كله قالت انه كذلك ولكنى اذا ذكرته أصابنى ما ترى من الحزن فلو أنك أمرت الشياطين فصوّر واصورته فى دارى التى أنا فيها أراها بكرة وعشيا لرجوت أن يذهب ذلك حزنى وأن أتسلى برؤيته عن بعض ما أجد فى نفسى فأمر سليمان ﵇ الشياطين فقال مثلوا لها صورة أبيها فى دارها حتى لا تنكر منه شيئا فمثلوها لها حتى نظرت الى أبيها بعينه الا انه لا روح فيه فعمدت اليه حين صنعوه فأزرته وقمصته وعممته بمثل ثيابه التى كان يلبس ثم كانت اذا خرج سليمان من دارها تغدو اليه فى ولائدها حتى تسجد له ويسجدون له كما كانت تصنع به فى ملكه وتروح كل عشية وصباح بمثل ذلك وسليمان لا يعلم بشىء من ذلك أربعين صباحا وبلغ ذلك آصف بن برخيا وكان صدّيقا وكان لا يردّ عن أبواب سليمان أىّ وقت أراد دخول بيت من بيوته دخل كان حاضرا سليمان أو كان غائبا فأتاه فقال يا نبىّ الله كبر سنى ودق عظمى ونفد عمرى وقد حان منى ذهاب أيامى وقد أحببت أن أقوم مقاما قبل الموت أذكر فيه ما مضى من أنبياء الله واثنى عليهم بعلمى فيهم وأعلم الناس بما كانوا يجهلون من كثير
стр. 250
أمورهم فقال افعل فجمع له سليمان الناس فقام فيهم خطيبا فذكر من مضى من أنبياء الله واثنى على كل نبىّ بما فيه وذكر ما فضله الله به حتى انتهى الى سليمان فقال ما كان أحلك وأورعك فى صغرك وأفضلك فى صغرك وأحكم أمرك فى صغرك وأبعدك عن كل ما يكره فى صغرك ثم انصرف فوجد سليمان فى نفسه من ذلك شيئا ملأه غضبا وغيظا فلما دخل سليمان داره أرسل اليه فقال يا آصف ذكرت من مضى من انبياء الله بما اثنيت عليهم خيرا فى كل زمان وعلى كل حال من أمرهم فلما ذكرتنى جعلت تثنى علىّ خيرا فى صغرى وسكت عما سوى ذلك من أمرى فى كبرى فما الذى حدث فى آخر أمرى فقال ان غير الله ليعبد فى دارك منذ أربعين صباحا فى هوى امرأة فقال فى دارى قال فى دارك فقال انا لله وانا اليه راجعون لقد عرفت انك ما قلت الذى قلت الا عن شىء بلغك فرجع سليمان الى داره وكسر ذلك الصنم وعاقب تلك المرأة وولائدها ثم أمر بثياب الطهارة فأتى بثياب لا يغزلها الا الابكار ولا ينسجها الا الابكار ولا يغسلها الا الابكار ولم تمسها امرأة قد رأت الدم فلبسها ثم خرج الى فلاة من الارض وحده فأمر برماد ففرش له ثم أقبل تائبا الى الله حتى جلس على ذلك الرماد وتمعك فيه بثيابه تذللا لله وتضرعا اليه يبكى ويدعو الله ويستغفر مما كان فى داره فلم يزل كذلك يومه حتى أمسى ثم رجع الى داره وكانت له أمّ ولد يقال لها الامينة كان اذا دخل مذهبه أو أراد اصابة امرأة من نسائه وضع خاتمه عندها حتى يتطهر وكان لا يمس خاتمه الا وهو طاهر وكان ملكه فى خاتمه فوضعه يوما عندها ثم دخل مذهبه فأتاها الشيطان صاحب البحر واسمه صخر على صورة سليمان لا تنكر منه شيئا فقال خاتمى يا أمينة فناولته اياه فجعله فى يده ثم خرج حتى جلس على سرير سليمان وعكفت عليه الطير والجنّ والانس وخرج سليمان فأتى الامينة وقد غيرت حالته وهيئته عند كل من رآه فقال يا أمينة خاتمى قالت له من أنت قال أنا سليمان بن داود قالت كذبت قد جاء سليمان وأخذ خاتمه وهو جالس على سرير ملكه فعرف سليمان ان خطيئته قد أدركته فخرج وهو خائف وجعل يقف على الدار من دور بنى اسرائيل ويقول أنا سليمان بن داود فيحثون عليه التراب ويسبونه ويقولون انظروا الى هذا المجنون أى شىء يقول يزعم انه سليمان فلما رأى سليمان ذلك عمد الى البحر فكان ينقل الحيتان لاصحاب البحر الى السوق فيعطونه كل يوم سمكتين فاذا أمسى باع احدى سمكتيه بأرغفة وشوى الاخرى فأكلها فمكث كذلك أربعين صباحا عدّة ما كان الوثن يعبد فى داره وانكر آصف وعظماء بنى اسرائيل حكم عدوّ الله الشيطان فى تلك الاربعين يوما فقال آصف يا معشر بنى اسرائيل هل رأيتم من اختلاف حكم نبىّ الله سليمان بن داود ما رأيت قالوا نعم قال أمهلونى حتى أدخل على نسائه فأسألهنّ هل انكرن شيئا منه من خاصة أمره ما أنكرنا فى عامة أمر الناس وعلانيته فدخل على نسائه فقال ويحكنّ هل أنكرتن من أمر ابن داود اليه راجعون ان هذا لهو البلاء المبين ثم خرج على بنى اسرائيل فقال ما فى الخاصة أكثر مما فى العامة فلما مضى أربعون صباحا طار ذلك الشيطان من مجلسه ثم مرّ بالبحر فقذف الخاتم فيه فبلعته سمكة فأخذها بعض الصيادين وقد عمل له سليمان صدر يومه ذلك حتى اذا كان العشى أعطاه سمكتيه فأعطى السمكة التى بلعت الخاتم وخرج سليمان بسمكتيه فباع التى ليس فى بطنها الخاتم بالارغفة ثمّ عمد الى السمكة الاخرى فبقرها ليشويها فاستقبله خاتمه فى جوفها فأخذه وجعله فى يده ووقع ساجد الله تعالى فعكفت عليه الطير والجنّ وأقبل عليه الناس وعرف الذى قد كان دخل عليه مما كان أحدث فى داره ورجع اليه ملكه وأظهر التوبة من ذنبه وأمر الشياطين فقال ائتونى بصخر فأتوه به فأخذه بعد أن جاؤا به اليه فجاب له صخرة فأدخله فيها ثم سدّ عليه بأخرى ثم أوثقه فيها بالحديد وسبك عليه بالرصاص
стр. 251
ثم أمر به فقذف فى البحر* هذا خديث وهب بن منبه وقال الحسن ما كان الله ليسلط الشياطين على نساء الانبياء* وفى أنوار التنزيل نفذ حكمه فى كل شىء الا فيه وفى نسائه* وفى كتاب أبى المعين النسفى وما يروى أن سليمان زال ملكه أربعين يوما وان الشياطين تواصلوا الى نسائه وجواريه فتولد الاكراد الذين يسكنون الجبال فلما عاد اليه ملكه عزلهم عن نفسه قلنا غير صحيح والصحيح انه ماتوا صلوا الى نسائه وجواريه انتهى وكان سليمان يدور على البيوت ويتكفف الى آخر ما ذكر* قال السدّى كان سبب فتنة سليمان انه كانت له امرأة منهنّ يقال لها جرادة هى أبر نسائه وآمنهنّ عنده وكان يأتمنها على خاتمه اذا أتى الى حاجته فقالت له يوما ان أخى بينه وبين فلان خصومة وانا احب ان تقضى له اذا جاءك فقال نعم فلما تحاكما عنده أحب أن يكون الحق لاهل جرادة فابتلى بقوله فأعطاها خاتمه ودخل المخرج فجاء الشيطان فى صورته فأخذه وجلس على مجلس سليمان وخرج سليمان فسألها خاتمه قالت ألم تأخذه قال لا فخرج مكانه ومكث الشيطان يحكم بين الناس اربعين يوما فأنكر الناس حكمه فاجتمع قراء بنى اسرائيل وعلماؤهم حتى دخلوا على نسائه فقالوا انا قد انكرنا هذا فان كان سليمان فقد ذهب عقله فبكى النساء عند ذلك فأقبلوا حتى أحدقوا به ونشروا التوراة فقرؤها فطار من بين ايديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه ثم طار حتى ذهب الى البحر فوقع الخاتم منه فى البحر فابتلعه حوت واقبل سليمان حتى انتهى الى صياد فى البحر وهو جائع فاشتدّ جوعه فاستطعمه من صيده وقال انا سليمان فقام اليه بعضهم بعصا فضربه فشجه فجعل يغسل دمه على شاطئ البحر فلام الصيادون صاحبهم الذى ضربه وأعطوه سمكتين مما قد مذر عندهم فشق بطنهما وجعل يغسلهما فوجد خاتمه فى بطن احداهما فلبسه فردّ الله عليه ملكه وبهاءه وحامت عليه الطير فعرف القوم انه سليمان فقاموا يعتذرون اليه مما صنعوا فقال ما احمدكم على عذركم ولا الومكم على ما كان منكم هذا امر كان لا بدّ منه ثم جاء حتى اتى ملكه وامر فأتى بالشيطان الذى اخذ خاتمه وجعله فى صندوق من حديد واطبق عليه واقفل عليه بقفل وختم عليه بخاتمه وامر به فألقى فى البحر فهو حىّ كذلك حتى تقوم الساعة* وفى بعض الروايات ان سليمان ﵇ لما افتتن سقط الخاتم من يده وكان فيه ملكه فأخذه سليمان ليجعله فى يده فسقط فأيقن سليمان بالفتنة فبينما هو كذلك مفكر اذ دخل آصف فذكر له قصته فقال له آصف انك مفتون بذنبك والخاتم لا يتماسك فى يدك أربعين يوما ففرّ الى الله تائبا فانى اقوم مقامك وأسير بسيرتك الى ان يتوب الله عليك ففرّ سليمان هاربا الى ربه واخذ آصف الخاتم فوضعه فى اصبعه فثبت فأقام آصف فى ملكه يسير بسيرته اربعين يوما الى أن ردّ الله على سليمان ملكه فجلس على كرسيه واعاد الخاتم فى يده فثبت* وفى انوار التنزيل خطيئة سليمان تغافله عن حال اهله لان اتخاذ التماثيل كان جائزا حينئذ وسجود الصورة بغير علمه لا يضرّه* وفى المدارك اما ما يروى من حديث الخاتم والشيطان وعبادة الوثن فى بيت سليمان فمن اباطيل اليهود*
وفاة سليمان
وروى ان داود ملك اربعين سنة وأسس بناء بيت المقدس فى موضع فسطاط موسى ﵇ فمات يوم السبت أواخر سنة وأسس بناء بيت المقدس فى موضع فسطاط موسى ﵇ فمات يوم السبت أواخر سنة خمس وثلاثين وخمسمائة لوفاة موسى قبل تمام بيت المقدس فوصى به سليمان فاستعمل الجنّ فى عمارته فلم يتم بعد اذ علم بدنوّ أجله* وفى معالم التنزيل كان لا يصبح سليمان يوما الا نبتت فى محرابه ببيت المقدس شجرة فسألها ما اسمك فتقول اسمى كذا فيقول لاىّ شىء انت فتقول لكذا وكذا فيأمر بها فتقطع فان كانت نبتت لغرس غرسها وان كانت لدواء كتبت حتى نبتت الخرّوبة فقال لها ما انت قالت الخروبة قال لاى شىء نبت قالت لخراب مسجدك قال سليمان ما كان الله ليخربه وانا حىّ انت الذى على منبتك هلاكى وخراب بيت المقدس فنزعها وغرسها فى حائط له فأرادان يعمى
стр. 252
على الجنّ موته ليتموا المسجد فقال اللهم عمّ على الجنّ موتى حتى يعلم الانس ان الجنّ لا يعلمون الغيب وكانت الجنّ تخبر الانس انهم يعلمون من الغيب اشياء ويعلمون ما فى غد ودعا الجنّ فبنوا عليه صرحا من قوارير ليس له باب فقام يصلى متكئا على عصاه فقبض روحه وهو متكئ عليها فبقى كذلك حتى اكلتها الارضة فخرّ ثم فتحوا عنه وأرادوا أن يعرفوا وقت موته فوضعوا الارضة على العصا فأكلت يوما وليلة مقدارا فحسبوا على ذلك فوجدوه قد مات منذ سنة* ذكر أهل التاريخ أن سليمان كان عمره ثلاثا وخمسين سنة ومدّة ملكه أربعون سنة* وفى المدارك قيل فتن سليمان بعد ما ملك عشرين سنة وملك بعد الفتنة عشرين سنة وملك بعد وفاة أبيه داود وهو ابن ثلاث عشرة سنة وروى عمره اثنتا عشرة سنة وكان مولده بغزة وابتداؤه فى بناء بيت المقدس لا ربع مضين من ملكه وأقام فى عمارة بيت المقدس سبع سنين وفرغ منه فى السنة الحادية عشر من ملكه وهذا ينافى ما تقدّم آنفا من قوله فلم يتم بعد اذ علم بدنوّ أجله وكان من هبوط آدم الى الطوفان الفان ومائتان واثنتان وأربعون سنة ومن الطوفان الى وفاة سام بن نوح خمسمائة سنة ومن وفاة سام الى بناء سليمان بيت المقدس ألف وستمائة واثنتان وسبعون سنة فيكون من هبوط آدم الى ابتداء سليمان بناء بيت المقدس أربعة آلاف وأربعمائة وأربع عشرة سنة وبين عمارة بيت المقدس والهجرة النبوية ألف وثمانمائة وقريب من ستين سنة*
وفاة عبد المطلب
ومن وقائع السنة الثامنة وفاة عبد المطلب واختلف فى سن عبد المطلب حين مات فقال السهيلى ان عبد المطلب مات وعمره مائة وعشرون سنة* وقال ابن جبير عمره خمس وتسعون سنة وقيل مائة وعشر سنين وقيل مائة وأربعون سنة وقيل ثنتان وثمانون سنة ذكر هذه الاقاويل الاربعة الاخيرة مغلطاى فى سيرته وقد عمى قبل موته ودفن على ما ذكره ابن عساكر بالحجون كذا فى شفاء الغرام ورسول الله ﷺ يومئذ ابن ثمان سنين وشهر وعشرة أيام كذا فى نور العيون لليعمرى* وفى سيرة مغلطاى وقيل ثمان سنين وسئل رسول الله ﷺ أتذكر موت عبد المطلب قال نعم انا يومئذ ابن ثمان سنين* وفى المواهب اللدنية وسيرة مغلطاى قيل كان ابن تسع سنين وقيل عشر وقيل ست وقيل ثلاث وفيه نظر قالت أمّ أيمن رأيت رسول الله ﷺ يبكى خلف جنازة عبد المطلب وفى المنتقى توفى عبد المطلب فى ملك كسرى هرمز بن أنوشروان*
كفالة أبى طالب له ﷺ
ومن وقائع السنة الثامنة كفالة أبى طالب لرسول الله ﷺ روى أنه لما مات عبد المطلب كفل أبو طالب رسول الله ﷺ وضمه اليه وذلك لان أبا طالب وعبد الله أبا النبىّ ﷺ كانا من أمّ واحدة وهى فاطمة بنت عمرو وكان الزبير عمّ رسول الله ﷺ أيضا من أمّهما لكن كفالة أبى طالب اما بوصية عبد المطلب واما لانّ الزبير وأبا طالب اقترعا فخرجت القرعة لابى طالب واما لانّ رسول الله ﷺ اختار أبا طالب لكثرة مؤانسته وشفقته قيل بل كفله الزبير حتى مات ثم كفله أبو طالب وهذا غلط لان الزبير شهد حلف الفضول بعد موت عبد المطلب ولرسول الله ﷺ نيف وعشرون سنة وأجمع العلماء أن رسول الله ﷺ شخص مع عمه أبى طالب الى الشام بعد موت عبد المطلب بأقل من خمس سنين فهذا يدل على أن أبا طالب كفله ذكره ابن الاثير فى أسد الغابة* وروى أن أبا طالب كان فقيرا وكان يحبه حبا شديدا وكان لا يحب أولاده كذلك وكان لا ينام الا الى جنسه ويخرج معه متى يخرج* وفى المواهب اللدنية وقد أخرج ابن عساكر عن جلهمة بن عرفة قال قدمت مكة وهم فى قحط فقالت قريش يا أبا طالب أقحط الوادى وأجدب العيال وهلكت المواشى فهلم استسق فخرج أبو طالب ومعه غلام كأنه شمس دجنّ تجلت عنه سحابة قتماء وما زال يسعى والغلام معه فلما صارا بازاء الكعبة وحوله اعيلمة فألصق الغلام ظهره
стр. 253
بالكعبة ولا زال يشير بأصبعه وما فى السماء قزعة فأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا وأغدق واغدودق وانفجر الوادى وأخصب النادى والبادى وفى ذلك يقول أبو طالب
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للارامل
الثمال بكسر المثلثة الملجأ والغياث وعصمة الارامل أى يمنعهم من الضياع والحاجة والارامل المساكين من الرجال والنساء ويقال لكل واحد من الفريقين على انفراده أرمل وهو بالنساء أخص وأكثر استعمالا والواحد أرمل وأرملة وهذا البيت من أبيات قصيدة لابى طالب ذكرها ابن اسحاق بطولها وهى أكثر من ثمانين بيتا انتهى* وانشأ أبو طالب فى مدح النبىّ ﷺ أبياتا منها هذا البيت
وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد
وحسان بن ثابت ضمن شعره هذا البيت فقال
ألم تر أن الله أرسل عبده ... بآياته والله أعلى وأمجد
أغر عليه للنبوّة خاتم ... من الله مشهود يلوح ويشهد
وضم الا له اسم النبىّ الى اسمه ... اذا قال فى الخمس المؤذن أشهد
وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد
نبىّ أتانا بعد يأس وفترة ... من الدين والاوثان فى الارض تعبد
وأرسله ضوأ منيرا وهاديا ... يلوح كما لاح الصقيل المهند
وكان اذا أكل عيال أبى طالب جميعا أو فرادى لم يشبعوا واذا أكل معهم رسول الله ﷺ شبعوا وكان الصبيان يصبحون رمصا شعثا ويصبح رسول الله ﷺ صقيلا دهينا كحيلا وكان رسول الله ﷺ يبغض حضور الاصنام والاعياد مع قومه* روى ان بوانة كانت صنما يحضره قريش فى كل سنة يوما ويعظمونه ويعبدونه ويجعلونه عيدا وتنسك له النسائك ويحلقون رؤسهم عنده ويعكفون عنده الى الليل وكان أبو طالب يحضره مع قومه وكان يكلم النبىّ ﷺ أن يحضر ذلك العيد مع قومه فيأبى رسول الله ﷺ فغضب أبو طالب وأعمامه عليه فلم يزالوا به حتى ذهب فغاب عنهم ما شاء الله ثم رجع اليهم مرعوبا فزعا فقالوا له ما الذى رأيت قال انى كل ما دنوت من صنم منها تمثل لى رجل أبيض طويل يصيح بى وراءك يا محمد لا تمسه فاعاد الى عيدهم بعد ذلك وكان لم يأكل مما ذبح على النصب وهذا يدل على أن رسول الله ﷺ كان يعبد الله وحده قبل أن يوحى اليه لانه كان من ورثة دعوة ابراهيم واسماعيل ﵉* قال العلامة الدوانى فى تفسير قل يأيها الكافرون اختلف الاصوليون فى أن النبىّ ﷺ هل كان متعبدا بشريعة من قبله أولا فقيل انه كان متعبدا بشريعة موسى وقيل بشريعة عيسى وقيل بشريعة ابراهيم وقيل بشريعة نوح ﵈ وقيل انه لم يكن متعبدا فالمختار انه كان متعبدا قبل البعث لما ثبت أنه كان متعبدا فى غار حراء والتعبد لا يكون الا بشريعة لان الحاكم هو الشرع عند أهل الحق وعلى مذهب المعتزلة القائلين بحكم العقل الامر أظهر اذ العبادة لا تتوقف على هذا التقدير على شريعة والحاصل انه كان يتحنث فى غار حراء أى يتعبد الليالى ذوات العدد فلا جرم تكون هذه العبادة لله تعالى لا غير اذ الانبياء معصومون عن الكفر قبل البعثة بالاتفاق* روى عن علىّ رضى الله عنه أنه قال قيل لرسول الله ﷺ يا رسول الله هل عبدت غير الله قال لا قيل فهل شربت خمرا قط قال لا ثم قال ما زلت أعرف ان الذى هم عليه كفر
стр. 254
وما كنت أدرى ما الكتاب ولا الايمان وكذلك سائر الانبياء اذ لم ينقل ناقل من المسلمين ولا من أهل الكتاب ان أحدا من الانبياء كان يعبد سوى الله تعالى قبل أن يوحى اليه* وورد فى تفسير قوله تعالى ووجدك ضالا فهدى أى غير مهتد الى تفاصيل الملة الحنيفية وكان يسمع بأنها ملة أبيه ابراهيم الخليل فطفق يطلبها ولا يهتدى الى تفاصيلها فهداه الله منها الى سواء السبيل وكان موسى مؤمنا حين قتل القبطى باخبار الله ايانا فقال تعالى قال رب انى ظلمت نفسى فاغفرلى فغفر له وقال رب بما أنعمت علىّ فلن أكون ظهيرا للمجرمين ثم أخبر عنه قال فعلتها اذا وأنا من الضالين فعلمنا ان ضلاله كان من شرائع الاحكام الحلال والحرام والتكاليف التى لا تعرف الا بتوفيق وكان العلم بتفاصيل الشرائع قد درس فى عصر النبىّ ﷺ ولم يذهب بالتوحيد على جماعة منهم ورقة بن نوفل وزيد بن نفيل وأبو ذرّ الغفارى وكان منهم أمية بن أبى الصلت فارتدّ وعتبة بن ربيعة ثم ارتدّ وأبو عامر الراهب بن صيفى ثم ارتدّ حسدا للنبىّ ﷺ *
موت حاتم الطائى وموت كسرى أنوشروان
ومن وقائع هذه السنة موت حاتم الطائى وهو حاتم بن عبد الله ابن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس وهو حاتم المشهور الذى يضرب به المثل فى الجود والكرم* ومن وقائع هذه السنة موت كسرى أنوشروان وولاية ابنه هرمز السلطنة* وفى نظام التواريخ كان هرمز بن أنوشروان ملكا ذا عدل ورأى ولكن كان يستحقر الناس ذوى الحسب والنسب ويولى الاراذل والدون وكان ملكه احدى عشرة سنة وأربعة أشهر وقيل قبر أنوشران بالجبل الاحمر* ومن وقائع السنة التاسعة من مولده ﷺ ما جاء فى بعض الروايات أن أبا طالب خرج برسول الله ﷺ الى بصرى من الشام وهو ابن تسع سنين* وفى معجم ما استعجم بصرى بضم أوّله واسكان ثانيه وفتح الراء المهملة مدينة حوران*
ذكر حرب الفجار
ومن وقائع السنة العاشرة من مولده ﷺ الفجار الاوّل وهو قتال بعكاظ وكان الحرب فيه ثلاثة أيام وفى دلائل النبوّة الفجار اثنان أما الفجار الاوّل فكانت وقعته ولرسول الله ﷺ عشر سنين وكانت الحرب فيه ثلاث مرات أما المرّة الاولى فسببها ان بدر بن مغيث الغفارى ممن كان يفخر على الناس فبسط يوما رجله وقال أنا أعز العرب فمن زعم أنه أعز منى فليضربها بالسيف فوثب رجل من بنى نضر بن معاوية يقال له الاحمر بن مازن فضربه بالسيف على ركبته واندرها فاقتتلوا* وأما المرّة الثانية فكان سببها ان امرأة من بنى عامر كانت جالسة بسوق عكاظ فطاف بها شاب من قريش من بنى كنانة وكان معه وفقة فسألوها أن تكشف عن وجهها فأبت فقام أحدهم فجلس خلفها فعقد طرف درعها الى ما فوق عجزها بشوكة فلما قامت انكشف دبرها فضحكوا منها فقالوا منعتينا النظر الى وجهك وجدت لنا بالنظر الى دبرك وجاء مثلها فى سبب غزوة بنى قينقاع أيضا كما سيجىء فى الموطن الثانى فنادت المرأة يا آل عامر فثاروا بالسلاح واقتتلوا مع بنى كنانة فوقع بينهما دم فتوسطها حرب بن أمية وأرضى بنى كنانة من مثلة صاحبهم* وأما المرّة الثالثة فكان سببها انه كان لرجل من بنى جشم بن عامر دين على رجل من بنى كنانة فلواه به فجرت بينهما خصومة فاقتتل الحيان وحمل بن جدعان ذلك فى ماله وكان ذا مال وثروة وسنذكر سبب ثروته وهذه الايام لم يحضرها رسول الله ﷺ وأما الفجار الآخر فحضر النبىّ ﷺ بعض أيامه كما سيجىء فى الباب الثانى فى حوادث السنة الرابعة عشر من مولده ﷺ *
سبب ثروة عبد الله بن جدعان
وأما سبب ثروة عبد الله بن جدعان فانه كان فى ابتداء أمره صعلوكا ترب اليدين وكان مع ذلك شريرا فاتكا لا يزال يجنى الجنايات فيعقل عنه أبوه وقومه حتى أبغضته عشيرته ونفاه أبوه وحلف أن لا يؤويه أبدا فخرج فى شعاب مكة حائرا مائرا يتمنى الموت أن ينزل به فرأى شقا فى جبل فظنّ أنّ فيه حية فتعرض للشق يرجو أن يكون فيه ما يقتله فيستريح فلم ير شيئا فدخل فيه فاذا فيه ثعبان
стр. 255
عظيم له عينان يتقد ان كالسراج فحمل عليه الثعبان فتقدّم فأفرج اليه فانساب اليه مستديرا بدارة عند بيت ثم خطا خطوة أخرى فصفر به الثعبان فأقبل اليه كالسهم فأفرج له فانساب عنه فوقف ينظر ويتفكر فى أمره فوقع فى نفسه انه مصنوع فأمسكه بيده فاذا هو مصنوع من ذهب وعيناه ياقوتتان فكسره وأخذ عينيه ودخل البيت فاذا جثث طوال على سرير لم ير مثلهم طولا ولا عظما وعند رؤسهم لوح من فضة فيه تاريخهم فاذاهم رجال من ملوك حمير وآخرهم موتا الحارث بن مضاض صاحب العذبة الطويلة فاذا عليهم ثياب من وشى لا يمس منها شىء الا انتثر كالهباء من طول الزمان مكتوب فى اللوح عظات* قال ابن هشام كان اللوح من رخام وكان فيه آنا نفيلة بن عبد المدان ابن حشرم بن عبد ياليل بن جرهم بن فحطان بن نبىّ الله هود عشت خمسمائة عام وقطعت غور الارض باطنها وظاهرها فى طلب الثروة والمجد والملك فلم يكن ذلك ينجينى من الموت واذا فى وسط البيت كوم عظيم من الياقوت واللؤلؤ والذهب والفضة والزبرجد فأخذ منه ما أخذ ثم علم الشق بعلامة وأغلق بابه بالحجارة وأرسل الى أبيه بالمال الذى خرج به منه يسترضيه ويستعطفه ووصل عشيرته كلهم فسادهم وجعل ينفق من ذلك الكنز ويطعم الناس ويفعل المعروف وكانت جفنته يأكل منها الراكب على البعير وسقط فيها صبى فغرق ومات*
نفيسة
وفى غريب الحديث لابن قتيبة أن رسول الله ﷺ قال كنت استظل بجفنة عبد الله بن جدعان صكة عمى يعنى فى الهاجرة وسميت الهاجرة صكة عمى لخبر ذكره أبو حنيفة وهو أن عميا رجل من عدوان وقيل من اياد وكان فقيه العرب فى الجاهلية فقدم فى قوم معتمرا أو حاجا فلما كان على مرحلتين من مكة قال لقومه وهم فى وسط الظهيرة من أتى مكة غدا فى مثل هذا الوقت كان له أجر عمرتين فصكوا الابل صكة شديدة حتى أتوا مكة من الغد وعمى تصغير أعمى على الترخيم وحذف الزائدة فسميت الظهيرة صكة عمى وعبد الله بن جدعان تيمى يكنى أبا زهير وهو ابن عمّ عائشة أمّ المؤمنين قالت عائشة رضى الله عنها يا رسول الله انه كان يطعم الطعام ويقرى الضيف ويفعل المعروف هل ينفعه ذلك يوم القيامة قال ﷺ انه لم يقل يوما رب اغفرلى خطيئتى يوم الدين كذا قاله السهيلى فى الروض الانف* وفى كتاب رىّ العاطش وأنس الواحش لاحمد بن عمار أن ابن جدعان ممن حرّم الخمر فى الجاهلية بعد ان كان بها مغرى وذلك انه سكر ليلة فصار يمدّيده ويقبض على ضوء القمر ليأخذه فضحك منه جلساؤه فأخبر بذلك حين صحا فحلف أن لا يشربها أبدا فلما كبر وهرم أراد بنو تيم أن يمنعوه من تبذير ماله ولاموه فى العطاء فكان يدعو الرجل فيدنو فاذا دنا منه لطمه لطمة خفيفة ثم يقول له قم فانشد لطمتك واطلب ديتها فاذا فعل ذلك أعطته بنو تيم من مال ابن جدعان كذا فى حياة الحيوان* ومما يناسب صكة عمى رمى البعرة على رأس الحول عن أمّ سلمة تقول جاءت امرأة الى رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله ان ابنتى توفى عنها زوجها وقد اشتكت عيها أفنكحلها فقال رسول الله ﷺ لا مرّتين أو ثلاثا كل ذلك يقول لا ثم قال رسول الله ﷺ انما هى أربعة أشهر وعشر وقد كانت احدا كنّ فى الجاهلية ترمى بالبعرة على رأس الحول قالت زينب كانت المرأة اذا توفى عنها زوجها دخلت حفشا ولبست شرى ثيابها ولم تمس طيبا حتى تمرّ بها سنة ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة فتقتض به فقلما تقتض بشىء الا مات ثم تخرج فتعطى بعرة فترمى بها ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره الحفش بكسر الحاء وسكون الفاء البيت الصغير جدّا سئل مالك ما معنى تقتض قال تمسح به جلدها كذا فى صحيح البخارى*
أول ما رأى ﵇ من أمر النبوّة
ومن وقائع السنة الحادية عشر من مولده ﷺ ما روى عن أبى بن كعب ان أبا هريرة سأل رسول الله ﷺ وكان جريا أن يسأل عن أشياء لا يسأله عنها غيره فقال يا رسول الله ما أوّل ما رأيت
стр. 256
من أمر النبوّة فاستوى جالسا وقال قد سألت يا أبا هريرة انى لفى صحراء ابن عشر سنين وأشهر واذا بكلام فوق رأسى فاذا برجل يقول لرجل هو هو فاستقبلانى بوجوه لم أرها لخلق قط وأرواح لم أجدها من خلق قط وثياب لم أرها على خلق قط فأقبلا الىّ يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدى لا أجد لاحدهما مسا فقال أحدهما لصاحبه اضجعه فأضجعانى بلا قصر ولا هصر فقال أحدهما لصاحبه افلق صدره فنجد أحدهما الى صدرى ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع فقال له أخرج الغل والحسد فأخرج شيئا كرضة العلقة ثم نبذها فقال له أدخل الرأفة والرحمة فاذا مثل الذى اخرج شبه الفضة ثم هز ابهام رجلى فقال اعد واسلم فرجعت أعدو رأفة على الصغير ورحمة على الكبير والله أعلم
* (الباب الثانى فى الحوادث من السنة الثانية عشر الى السنة الرابعة والعشرين من مولده ﷺ
من ارتحال أبى طالب معه الى الشام وذكر رعيه الغنم والفجار الثانى وعزم الزبير ابن عبد المطلب أو العباس لسفر اليمن وخلع هرمز من السلطنة وقتل هرمز وتولى كسرى برويز السلطنة والفجار الثانى عند البعض وولادة عمر بن الخطاب وصحبته ﷺ مع أبى بكر يريد ان الشام وحلف الفضول وشكايته الى عمه أبى طالب من آت يأتيه منذ ليال وهدم الكعبة وبنائها عند بعض العلماء) *
* خروجه ﵇ مع أبى طالب الى الشام
ومن حوادث السنة الثانية عشر من مولده ﵇ ارتحال أبى طالب معه الى الشام* فى حياة الحيوان خرج أبو طالب معه الى الشام وهو ابن اثنتى عشرة سنة* وفى المواهب اللدنية ولما بلغ رسول الله ﷺ اثنتى عشرة سنة خرج مع عمه أبى طالب الى الشام* وقال ابن الاثير فى أسد الغابة انّ أبا طالب سار الى الشام وأخذ معه رسول الله ﷺ وكان عمره اثنتى عشرة سنة وقيل تسع سنين والاوّل أكثر* وفى الصفوة قال أهل السير والتواريخ لما أتت على رسول الله ﷺ اثنتا عشرة سنة وشهران وعشرة أيام* وفى سيرة مغلطاى وشهر وقيل لعشر خلون من ربيع الاوّل سنة ثلاث عشرة من الفيل ارتحل به أبو طالب الى الشام وكذا فى سيرة اليعمرى فيكون خروجه على هذا فى السنة الثالثة عشر وكان أبو طالب لم يرد أن يذهب به معه لكن لما تهيأ للرحيل وأجمع للسيرهب له رسول الله ﷺ فأخذ بزمام ناقته وقال يا عم الى من تكلنى لا أب لى ولا أم فرق له أبو طالب فقال والله لأخرجن به معى ولا يفارقنى ولا أفارقه أبدا فخرج به معه وذلك فى المرة الاولى فسار الركب حتى نزلوا قرية من قرى الشام يقال لها كفر ومنها الى بصرى ستة أميال أو ثمانية وكان يسكنها راهب يقال له بحيرا بفتح الموحدة وكسر المهملة وسكون التحتية آخره راء مقصورة قاله الذهبى رأى رسول الله ﷺ قبل البعث وآمن به ذكره ابن منده وأبو نعيم فى الصحابة* وقال السهيلى وقع فى سيرة الزهرى انه كان حبرا من يهودتيما* وفى المسعودى انه كان من عبد القيس واسمه جرجيس ويكون فى صومعة له ولذا اشتهرت تلك القرية بدير بحيرا وكان ذا علم فى النصرانية ولم يزل فى تلك الصومعة راهب من علماء النصارى يصير اليه علمهم عن كتاب يدرسونه فيما يزعمون يتوارثونها كابرا عن كابر فلما نزلوا ببحير انزلوا منزلا قريبا من صومعته قد كانوا ينزلونه قبل ذلك كلما مرّوا به ولا يكلمهم بحيرا حتى اذا كان ذلك العام ونزلوه صنع لهم طعاما ثم دعاهم وانما حمله على دعائهم انه رأى حين طلعوا على تلك الاماكن غمامة تظل رسول الله ﷺ من بين القوم حتى نزلوا تحت الشجرة ثم نظر الى تلك الغمامة أظلت تلك الشجرة وأخصت أغصان تلك الشجرة على النبىّ ﷺ حين استظل تحتها فلما رأى بحيرا ذلك نزل من صومعته وأمر بالطعام فأرسل اليهم فقال صنعت لكم طعاما يا معشر قريش
стр. 257
وأنا أحب أن تحضروه كلكم ولا يتخلف منكم صغير ولا كبير ولا حر ولا عبد فانّ هذا شىء تكرموننى به فقال رجل ان لك لشأنا يا بحيرا ما كنت تصنع بنا هذا قبل فما شأنك اليوم فقال انى أحببت أن أكرمكم فلكم حق علىّ فاجتمعوا اليه وتخلف رسول الله ﷺ من بين القوم فى رحالهم تحت الشجرة لحداثة سنه اذ ليس فى القوم أصغر منه فلما نظر بحيرا الى القوم ولم ير الصفة التى يعرفها ويجدها عنده وجعل ينظر فلا يرى الغمامة على أحد من القوم ويراها متخلفة فوق الشجرة على رأس رسول الله ﷺ فقال يا معشر قريش فلا يتخلفن أحد منكم عن طعامى قالوا ما تخلف أحد الاغلام هو أحدث القوم سنا فى الرحال فقال ادعوه فليحضر طعامى فما أقبح أن تحضروا ويتخلف رجل واحد منكم مع انى أراه من أنفسكم فقال القوم هو والله من أوسطنا نسبا وهو ابن أخى هذا الرجل يعنون أبا طالب وهو من ولد عبد المطلب فقام الحارث بن عبد المطلب فقال والله ان كان من اللؤم أن يتخلف ابن عبد المطلب من بيننا ثم احتضنه الحارث وأقبل به حتى أجلسه على الطعام والغمامة تسير على رأسه وجعل بحيرا يلحظه لحظا شديدا وينظر الى أشياء فى جسده قد كان يجدها عنده فى صفته فلما تفرّقوا عن الطعام قام اليه الراهب فقال يا غلام أسألك بحق اللات والعزى الا أخبرتنى عما أسألك فقال رسول الله ﷺ لا تسألنى باللات والعزى فو الله ما أبغضت شيئا بغضهما قال بالله الا أخبرتنى عما أسألك عنه قال سلنى عما بدالك فجعل يسأله عن أشياء من حاله حتى نومه فجعل رسول الله ﷺ يخبره فيوافق ذلك ما عنده ثم جعل ينظر بين عينيه ثم كشف عن ظهره فرأى خاتم النبوّة بين كتفيه على الصفة التى عنده فقبل موضع الخاتم قالت قريش ان لمحمد عند الراهب لقدرا وجعل أبو طالب يخاف على ابن أخيه لما يرى من الراهب قال الراهب لابى طالب ما هذا الغلام منك قال ابنى قال ما هو ابنك وما ينبغى لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا قال ابن أخى قال فما فعل أبوه قال هلك وأمّه حبلى قال فما فعلت أمّه قال توفيت قريبا قال صدقت ارجع بابن أخيك الى بلده واحذر عليه اليهود فو الله لئن رأوه وعرفوا منه ما أعرف ليقصدنّ قتله فانه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم نجده فى كتبنا وما روينا عن آبائنا واعلم انى قد أدّيت اليك النصيحة فلما فرغوا من تجارتهم خرج به سريعا وكان رجال من اليهود قد رأوا رسول الله ﷺ وعرفوا صفته فأرادوا أن يغتالوه فذهبوا الى بحيرا فذاكروه أمره فنهاهم أشد النهى وقال لهم أتجدون صفته قالوا نعم قال فما لكم اليه سبيل فصدّقوه وتركوه ورجع أبو طالب الى مكة سالما فما خرج به سفرا بعد ذلك خوفا عليه كذا فى المنتقى* وفى المشكاة عن أبى موسى قال خرج أبو طالب الى الشام وخرج معه النبىّ ﷺ فى أشياخ من قريش فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم وهبط اليهم الراهب وكانوا قبل ذلك يمرّون به فلا يخرج اليهم قال فهم يحلون رحالهم فجعل يتخللهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله ﷺ قال هذا سيد العالمين هذا رسول رب العالمين يبعثه رحمة للعالمين فقال له أشياخ قريش ما علمك فقال انكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر الا خرّ ساجدا ولا يسجدان الا لنبىّ وانى أعرفه بخاتم النبوّة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة ثم رجع وصنع لهم طعاما فلما أتاهم به وكان هو فى رعية الابل فقال ارسلوا اليه فأقبل وعليه غمامة تظله فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوا الى فىء شجرة فلما جلس مال فىء الشجرة عليه فقال انظروا الى فىء الشجرة مال عليه فقال أنشدكم بالله أيكم وليه قالوا ابو طالب فلم يزل يناشده حتى ردّه أبو طالب وبعث معه أبو بكر بلالا وزوّده الراهب من الكعك والزيت رواه الترمذى* وفى حياة الحيوان قال الحافظ الدمياطى وفى الحديث وهم فى قوله بعث
стр. 258
معه أبو بكر بلالا اذ لم يكونا معه ولم يكن بلال أسلم ولا ملكه أبو بكر بل كان أبو بكر حينئذ لم يبلغ عشر سنين ولم يملك أبو بكر بلالا الا بعد ذلك بأكثر من ثلاثين سنة وكذا ضعفه الذهبى* قال ابن حجر رجال هذا الحديث ثقات وليس فيه منكر سوى قوله وبعث معه أبو بكر بلالا فيحمل على انه مدرج فيه مقتطعة من حدى آخر وهما من أحد رواته* وفى المواهب اللدنية قال الذهبى فى تجريد الصحابة انّ بحيرا رأى رسول الله ﷺ قبل البعث وآمن به وذكره ابن منده وأبو نعيم فى الصحابة وهذا كما سبق يبتنى على تعريفهم الصحابة بمن رآه ﷺ وهل المراد حال النبوّة أو أعم من ذلك حتى يدخل فيه من رآه قبل النبوّة ومات قبلها على دين الحنيفية وهو محل نظر*
(ذكر رعيه ﷺ الغنم)
* فى الصفوة عن أبى هريرة عن النبىّ ﷺ قال ما بعث الله نبيا الارعى الغنم فقال أصحابه وأنت قال نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة انفرد باخراجه البخارى وقد رواه سعيد بن أبى أحيحة فقال فيه كنت أرعاها لأهل مكة بالقراريط* قال سويد بن سعيد يعنى كل شاة بقيراط* وقال الجريرى القراريط موضع ولم يرد بذلك القراريط من الفضة وذكر مغلطاى رعيه الغنم فى سيرته فى سنة عشرين وقال كان يرعى غنم أهله بأجياد على قراريط
*
ولادة عمر رضى الله عنه
وفى السنة الثالثة عشر من مولده ﷺ ولد عمر بن الخطاب وفى الاستيعاب ولد عمر بعد الفيل بثلاث عشرة سنة* وروى أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جدّه قال سمعت عمر يقول ولدت قبل الفجار الاعظم بأربع سنين* وفى بعض الكتب أورد ولادة عمر فى سنة احدى وعشرين من مولد النبىّ ﷺ وكذا يفهم من كلام صاحب الصفوة*
حرب الفجار الآخر
ومن حوادث السنة الرابعة عشر من مولده ﷺ الفجار الآخر* قال ابن هشام لما بلغ رسول الله ﷺ أربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة هاجت حرب الفجار بين قريش ومن معها من كنانة وبين قيس عيلان وهو من أعظم أيام العرب وكان الذى أهاجها ان عروة الرحال بن عتيبة بن ربيعة بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن أجار لطيمة للنعمان بن المنذر فقال له البراض بن قيس أحد بنى ضمرة بن بكر بن عبد منات بن كنانة أتجيرها على كنانة قال نعم وعلى الخلق فخرج عروة الرحال وخرج البراض يطلب غفلته حتى اذا كان بتيمن ذى ظلال بالعالية غفل عروة فوثب عليه البراض فقتله فى الشهر الحرام فلذلك سمى الفجار فأتى آت قريشا فقال انّ البراض قد قتل عروة وهو فى الشهر الحرام بعكاظ فارتحلوا وهوازن لا تشعر ثم بلغهم الخبر فاتبعوهم فأدركوهم قبل أن يدخلوا الحرم فاقتتلوا حتى جاء الليل ودخلوا الحرم فأمسكت عنهم هوازن ثم التقوا بعد هذا اليوم أياما عديدة والقوم يتساندون وعلى كل قبيل من قريش وكنانة رئيس منهم وعلى كل قبيل من قيس رئيس منهم وشهد رسول الله ﷺ بعض أيامهم وهو يوم النخلة وهو من أعظم أيام الفجار وكذا فى أسد الغابة لابن الاثير أخرجه أعمامه معهم وقال رسول الله ﷺ كنت أنبل على أعمامى يوم الفجار اى كنت أناولهم النبل وأردّ عليهم نبل عدوّهم اذا رموهم بها ويحفظ متاعهم وكان لرسول الله ﷺ يومئذ أربع عشرة سنة ويقال عشرين سنة كذا فى دلائل النبوّة* قال ابن اسحاق هاجت حرب الفجار ورسول الله ﷺ ابن عشرين سنة وقد حضره ورمى فيه مع أعمامه بأسهمهم وانما سمى حرب الفجار بما استحل هذان الحيان يعنى كنانة وقيس عيلان فيه من المحارم بينهم وكان قائد قريش وكنانة حرب بن أمية بن عبد شمس فكان الظفر فى أوّل النهار لقيس على كنانة حتى اذا كان وسط النهار كانت الظفر لكنانة على قيس* قال ابن اسحاق كان الفجار الآخر بعد الفيل بعشرين سنة فلم يكن فى الحرب يوم أعظم ولا أذهب ذكرا فى الناس منه وقع بين
стр. 259
قريش والفها من كنانة وبين قيس عيلان فالتقوا بعكاظ كذا فى شفاء الغرام وقيل انه شهد يوم شمطة أيضا وهو من أعظم أيام الفجار وكانت الهزيمة فيه على قريش وهذا ليس بشئ كذا فى أسد الغابة* وفى السنة الخامسة عشر من مولده ﵇ ولد أبو طلحة الانصارى كذا فى سيرة مغلطاى* ومن حوادث السنة السادسة عشر من مولده ﷺ عزم الزبير بن عبد المطلب أو العباس لسفر اليمن للتجارة ولما تهيأ لذلك التمس من أبى طالب أن يبعث النبىّ ﷺ معه رجاء أن يناله من بركته فبعثه أبو طالب مع عمه الى اليمن ورأى منه فى الطريق كثيرا من الخوارق كذا فى روضة الاحباب* وفى السنة السابعة عشر ولد حاطب بن أبى بلتعة* ومن حوادث هذه السنة انه وثب العظماء والاشراف بالمدائن وخلعوا هرمز لظلمه وسملوا عينيه وتركوه* وفى السنة الثامنة عشر ولد خباب بن الارت ومحمد بن مسلمة الانصارى كذا فى سيرة مغلطاى* ومن حوادث السنة التاسعة عشر من مولده ﷺ قتل هرمز الظالم بن أنوشروان العادل بعد خلعه وكانت ولاية هرمز احدى عشرة سنة وسبعة أشهر وعشرة أيام وقيل اثنتى عشرة سنة*
ولاية كسرى برويز
وفى هذه السنة تولى الملك كسرى برويز بن هرمز بن أنوشروان بن قباد من الملوك الساسانية وهم أحد وثلاثون ملكا ومدّة ملكهم خمسمائة وسبع وعشرون سنة ومعنى برويز بالعربية المظفر والفرس يسمونه خسرو* ولما تقر ملكه قتل الذين قتلوا أباه هرمز والغرس بالغوا فى ملكه وسلطنته لكن الرواية المعتمد عليها مثل رواية حمزة الاصبهانى وغيره انها كانت له احدى عشرة ألف جوار من المطربة والخدمة وستة آلاف خادم وحارس وعشرين ألفا وخمسمائة من الافراس البراذن والعربية والزومية وبغال الركوب وتسعمائة وستين فيلافى حضرته سوى التى كانت فى البلاد والامصار وأطراف مملكته* وفى حياة الحيوان ان كسرى برويز كان له خمسون ألف دابة واثنا عشر ألف زوجة وقيل ثلاثة آلاف امرأة وحين يركب كان يمشى معه مائتا ألف انسان معهم المجامر والمعاطر يشم منها الروائح الطيبة والمشمومات العبقة وكان له ألف ممن يحملون الماء مع دوابهم معدين لرش الماء فى طرقه لاطفاء الغبار وكان رجلا حسن الوجه حسن الشمائل شجاعا ذا قوّة بدنية وشهوانية وكانت له قطعة ذهب لين قابل للتشكل بأشكال مختلفة كالشمعة يصنع منها ما يريد من الاشكال من غير مساس النار وكانت له قصعة اذا شرب ماؤها تمتلئ بنفسها من غير أن يملأها أحد وكانت عنده مثال يد وكف من عاج لها خمس أصابع منبسطة وحين ولادة مولود له يلقى ذلك العاج فى الماء فاذا ولد المولود تنقبض أصابع العاج فتعرف ولادته فيخرج المنجم طالع المولود ولا يحتاج الى أن يسأل عن ولادته أحدا قيل فى عهده ولد الفيل بخراسان ولم يكن هناك للفيل ولادة* روى انه أصاب كنزا أتى به الريح وقصته انها وقعت بين كسرى وقيصر مخالفة فقصد كسرى ملكه وسار اليه حتى نزل ساحل البحر فخاف قيصر وحمل خزائن آبائه وأجداده فى السفن فأدّتها الريح الى كسرى ولما مضى من ملكه تسع عشرة أو عشرون سنة نزل الوحى الى نبينا محمد ﷺ ولما مضى من النبوّة تسع عشرة سنة كتب اليه النبىّ ﷺ ودعاه الى الاسلام فأبى ومزق الكتاب فلما سمع النبىّ ﵇ بذلك دعا عليه فقال مزق الله ملكه كما مزق كتابى فوقع فى ملكه تزلزل وفتنة فخرج عليه ابنه شيرويه وقتله ومدّة ملكه ثمان وثلاثون سنة وسيجىء فى الموطن السادس فى ارسال الرسل الى ملوك الاطراف* ومن حوادث سنة عشرين من مولده ﷺ حرب الفجار الثانى عند بعض الرواة فى شوّال وقد سبق ذكره*
صحبة أبى بكر للنبى فى تجارة الى الشام
ومن وقائع هذه السنة ما روى عن ابن عباس ان أبا بكر رضى الله عنهما صحب النبىّ ﷺ وهو ابن ثمانى عشرة سنة والنبىّ صلّى الله
стр. 260
عليه وسلم ابن عشرين سنة وهم يريدون الشام فى تجارة حتى نزلوا منزلا فيه سدرة فجلس النبىّ ﷺ فى ظلها ومضى أبو بكر الى راهب يقال له بحيرا يسأله عن شئ فقال من الرجل الذى فى ظل السدرة قال أبو بكر ذلك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب فقال بحيرا هو والله نبىّ ما استظلّ تحتها بعد عيسى ابن مريم الا محمد فوقع فى قلب أبى بكر اليقين والتصديق قبل ما نبئ ﷺ * وفى المنتقى هذا السفر هو الذى كان مع أبى طالب فان أبا بكر حينئذ كان معه*
ذكر حلف الفضول
وفى هذه السنة وقع حلف الفضول وذلك ان قريشا كانت تتظالم فى الحرم فقام عبد الله بن جدعان والزبير بن عبد المطلب فدعوا الناس الى التحالف على التناصر والاخذ للمظلوم من الظالم فأجابوهما وتحالفوا فى دار ابن جدعان وقال رسول الله ﷺ شهدت حلفا فى دار ابن جدعان ما أحب أنّ لى به حمر النعم ولو دعيت لاجبت فقال قوم من قريش هذا والله فضل من الحلف فسمى حلف الفضول* وقال آخرون تحالفوا على مثال حلف تحالف عليه قوم من جرهم فى هذا الامر أن لا يروا ظلما ببطن مكة الا غيروه وأسماؤهم الفضيل بن شراعة والفضل بن قضاعة والفضل بن بضاعة* قال ابن الجوزى وانما سمى حلف الفضول لانه كان رجال يردّون المظالم يقال لهم فضيل وفضال ومفضل وفضل فلذلك سمى حلف الفضول* وعن حكيم بن حزام أنه قال كان حلف الفضول منصرف قريش من الفجار ورسول الله ﷺ حينئذ ابن عشرين سنة وقيل كان الفجار فى شوّال هذه السنة وهذا الحلف فى ذى القعدة وكان أشرف حلف قط*
شكواه ﵇ الى عمه أبى طالب مما يأتيه
ومن حوادث هذه السنة ما روى أنّ رسول الله ﷺ شكى الى عمه أبى طالب وهو يومئذ ابن عشرين سنة فقال يا عمّ انى منذ ليال يأتينى آت معه صاحبان له فينظرون الىّ ويقولون هو هو ولم يأن له فقد هالنى ذلك فقال يا ابن أخى ليس بشئ حلمت ثم رجع اليه بعد ذلك فقال يا عمّ سطابى الرجل الذى ذكرت لك فأدخل يده فى جوفى حتى انى لأجد بردها فخرج به عمه أبو طالب الى رجل من أهل الكتاب يتطبب بمكة فحدّثه حديثه وقال عالجه فصوّب به الرجل وصعد وكشف عن قدميه ونظر بين كتفيه وقال يا عبد مناف ابنك هذا طيب للخير فيه علامات ان ظفرت به اليهود قتلته وليس المرئى من الشيطان ولكنه من النواميس الذى ينجسون القلوب للنبوّة فرجع رسول الله ﷺ ورأى فى منامه أنّ رجلا وضع يده على منكبيه ثم أدخل يده وأخرج قلبه ثم قال طيب فى جسد طيب ثم ردّه فاستيقط* وقال ﷺ ثم رأيت وأنا نائم سقف البيت الذى أنا فيه نزعت منه خشبة وأدخل فيه سلم ونزل منه الىّ رجلان فجلس أحدهما جانبا والآخر الى جنبى ثم استخرج قلبى فقال نعم القلب قلبه قلب رجل صالح ونبىّ مبلغ ثم ردّا قلبى مكانه وضلعى فاستيقظت والسقف على حاله* وفى سنة اثنتين وعشرين من مولده ﵇ ولد ابن مسعود وفى سنة ثلاث وعشرين ولد سعد بن أبى وقاص وفى سنة أربع وعشرين ولد الزبير فيما قاله العقبى كذا فى سيرة مغلطاى* ومن حوادث السنة الثالثة والعشرين من مولده ﷺ هدم الكعبة وبناؤها فى قول بعض العلماء كما سيجىء
* (الباب الثالث فى الحوادث من السنة الخامسة والعشرين الى السنة الاربعين من مولده ﷺ
من خروجه الى الشام فى المرّة الثانية مع ميسرة عبد خديجة وقصة نسطور الراهب وتزوّج خديجة ووليمته وذكر سائر أزواجه اجمالا وذكر سراريه وأولاده* وتزويج بناته وأختانه وهدم قريش الكعبة وبنائها وولادة فاطمة وموت زيد بن عمرو بن نفيل ورؤيته الضوء والنور وقتل كسرى برويز النعمان بن المنذر) *
* خروجه ﵇ مع ميسرة الى الشام
وفى السنة الخامسة والعشرين من مولده ﷺ خروجه الى الشام فى المرّة الثانية
стр. 261
مع ميسرة عبد خديجة لاربع عشرة ليلة بقيت من ذى الحجة وتزوّجها بعد ذلك شهرين وخمسة وعشرين يوما فى عقب صفر سنة ست وعشرين* روى أنّ رسول الله ﷺ لما بلغ خمسا وعشرين سنة قال له أبو طالب أنا رجل معيل لا مال لى وقد اشتدّ الزمان وهذه عير قومك قد حضر خروجها الى الشام وخديجة بنت خويلد تبعث رجالا من قومك فى تجارتها فلو ذهبت اليها وقلت لها فى ذلك لغلها تقبل وبلغ خديجة ذلك فأرسلت الى النبىّ ﷺ فى ذلك وقالت أعطيك ضعف ما أعطى رجلا من قومك* وفى رواية أتاها أبو طالب فقال لها هل لك أن تستأجرى محمدا فقد بلغنا انك استأجرت فلانا ببكرين ولسنا نرضى لمحمد دون أربع بكرات فقالت خديجة لو سألت ذلك لبعيد بغيض فعلنا فكيف وقد سألت لحبيب قريب فقال أبو طالب للنبىّ ﷺ هذا رزق ساقه الله اليك فخرج رسول الله ﷺ مع غلامها ميسرة* وفى رواية كانت بين خزيمة بن حكيم السلمى ثم البهزى وبين خديجة قرابة فوجهته مع رسول الله ﷺ وغلام لها يقال له ميسرة فى تجارة الى بصرى من أرض الشأم فساروا حتى اذا كانوا بين الشام والحجاز أعيا على ميسرة بعيران لخديجة وكان رسول الله ﷺ فى أوّل الركب فخاف ميسرة على نفسه وعلى البعيرين فانطلق يسعى الى رسول الله ﷺ فأخبره بذلك فأقبل النبىّ ﷺ الى البعيرين فوضع يده على أخفافهما وعوّذهما فانطلق البعيران يسعيان فى أوّل الركب ولهما رغاء فلما رأى خزيمة ذلك علم أنّ له شأنا عظيما فحرص على ملازمته ومحافظته فلما دخلوا الشأم نزلوا بصرى عند صومعة بحيرا وكان فيها يومئذ راهب من رهبان الشأم يقال له نسطور فنزل الناس متفرّقين ونزل رسول الله ﷺ تحت شجرة يابسة نخر عودها ولما اطمأنّ تحتها اخضرت وأنورت واعشوشب ما حولها وأينع ثمرها وتدلت أغصانها فر فرفت على رسول الله ﷺ وكان ذلك بعين الراهب فلم يتمالك أن انحدر من صومعته وقال له باللات والعزى ما اسمك فقال اليك عنى ثكلتك أمّك ما تكلمت العرب بكلمة أثقل علىّ من هذه الكلمة وكان ذلك مكرا من الراهب وكان معه حين نزل من صومعته رق أبيض فجعل ينظر فيه مرّة والى النبىّ ﷺ أخرى ثم أكب ينظر فيه مليا فقال هو هو ومنزل الانجيل فلما سمع ذلك خزيمة ظنّ أنّ الراهب يريد بالنبىّ ﷺ مكرا فأخذ بمقبض سيفه فانتزعه وجعل يصيح بأعلى صوته يا آل غالب يا آل غالب فأقبل الناس يهرعون اليه من كل ناحية يقولون ما الذى راعك ما الذى أفزعك فلما نظر الراهب الى ذلك أقبل يسعى الى صومعته فدخل فيها وأغلق عليه بابها ثم أشرف عليهم فقال يا قوم ما الذى راعكم منى فو الذى رفع السموات بغير عمد ما نزل بى ركب هو أحب الىّ منكم وانى لا جد فى هذه الصحيفة أنّ النازل تحت هذه الشجرة وأشار بيده الى الشجرة التى تحتها رسول الله ﷺ هو رسول رب العالمين يبعثه الله بالسيف المسلول وبالذبح الاكبر وهو خاتم النبيين فمن أطاعه نجا ومن عصاه غوى ثم أقبل على خزيمة فقال ما تكون من هذا الرجل أرجلا من قومه قال لا ولكن خادم له وحدّثه بحديث البعيرين فقال له الراهب أيها الرجل انه النبىّ الذى يبعث فى آخر الزمان وانى أجد فى هذه الصحيفة أنه يظهر على البلاد وينصر على العباد ولا تردّ له راية ولا تدرك له غاية وانّ له أعداء أكثرهم اليهود أعداء الله فاحذرهم عليه فأسرّ خزيمة ذلك فى نفسه ثم أقبل الراهب على رسول الله ﷺ فقال يا محمد انى لأرى فيك شيئا ما رأيته فى أحد من الناس انى لأحسبك النبىّ الذى يخرج من تهامة وانك لصريح فى ميلادك ولأمين فى أنفس قومك وانى لارى عليك محبة من الناس وانى مصدّقك فى قولك وناصرك على عدوّك فانطلق الركب يؤمّون الشأم ثم باع
стр. 262
النبىّ ﷺ سلعته فوقع بينه وبين رجل نزاع فقال له الرجل احلف باللات والعزى فقال له رسول الله ﷺ ما حلفت بهما قط وانى لأمر فأعرض عنهما فقال الرجل القول قولك ثم قال لميسرة هذا والله نبىّ تجده أحبارنا منعوتا فى كتبهم وكان ميسرة اذا كانت الهاجرة واشتدّ الحرّيرى ملكين يظلان رسول الله ﷺ من الشمس وكان الله قد ألقى عليه المحبة من ميسرة وكان كأنه عبد له فوعى ذلك كله ميسرة فباعوا تجارتهم وربحوا ضعف ما كانوا يربحون فلما رجعوا وكانوا بمرّ الظهران تقدّم رسول الله ﷺ ودخل مكة فى وقت الظهيرة وخديجة فى علية لها فرأت رسول الله ﷺ وهو على بعيره وملكان يظلان عليه فأرته النساء فعجبن لذلك ودخل عليها رسول الله ﷺ فخبرها بما ربحوا فسرّت بذلك خديجة ثم قدم ميسرة ودخل عليها فأخبرته بما رأت فقال ميسرة قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشأم وأخبرها بالربح وبما شاهد من رسول الله ﷺ وبما قال الراهب نسطور وبما قال الآخر الذى حالفه فى البيع فأضعفت لرسول الله ﷺ ضعف ما سمت له وكانت خديجة امرأة عاقلة شريفة مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير وهى يومئذ أفضلهم نسبا وأعظمهم شرفا وأكثرهم مالا وقومها كانوا حراصا على نكاحها ولكن شرّفها الله بنكاح رسول الله ﷺ وأمّا خزيمة فرجع الى بلاده وقال لرسول الله ﷺ اذا سمعت بخروجك أتيتك ووفد على رسول الله مسلما بعد فتح مكة والله أعلم*
(ذكر من خطب خديجة ومن تزوّجها قبل النبىّ ﷺ
* فى المنتقى* روى أنّ خديجة ذكرت أوّل ما ذكرت للازواج لورقة بن نوفل ولم يقض بينهما نكاح وفى السمط الثمين قال ابن شهاب تزوّجت خديجة قبل النبىّ ﷺ رجلين الاوّل منهما عتيق بن عائذ ابن عبد الله بن عمرو بن مخزوم فولدت له جارية اسمها هند فأسلمت وتزوّجت* وفى سيرة مغلطاى ولدت له عبد الله وقيل عبد مناف ثم خلف عليها بعده أبو هالة النباش التميمى وهو من بنى أسد بن عمرو فولدت له رجلا يقال له هند وامرأة يقال لها هالة من النباش بن زرارة ويكنى أبا هالة ويقال له هند* وفى سيرة مغلطاى فولدت له هندا والحارث وزينب وكانت تكنى أمّ هند وتدعى الطاهرة* وفى المنتقى فولدت له هندا وهالة وهما ذكران قال محمد بن اسحاق تزوّجت وهى بكر عتيق بن عائذ ثم هلك عنها فتزوّجها أبو هالة النباش بن زرارة أحد بنى عامر بن تميم حليف بنى عبد الدار فولدت له رجلا وامرأة ثم هلك عنها* وقال الدار قطنى أبو هالة مالك بن النباش بن زرارة وعن قتادة مثله وقال أبو هالة هند بن زرارة بن النباش فولدت له هند بن هند* وفى المنتقى اسم أبى هالة هند* وروى عن ابن شهاب أنه قال تزوّجها أوّلا أبو هالة ثم بعده عتيق ذكره الدولابى وأبو عمرو وصحح أبو عمرو قول ابن شهاب الثانى ولم يذكر ابن قتيبة غير الاوّل*
(ذكر هند بن هند)
* وهو ابن خديجة قال ابن قتيبة وأبو سعيد وأبو عمرو عاش هند بن هند ربيب رسول الله ﷺ مسلما الى أن قتل مع علىّ يوم الجمل قاله الزبير بن بكار* وقيل مات بالبصرة فى الطاعون فازدحم الناس على جنازته وتركوا جنائزهم وقالوا ربيب رسول الله ﷺ وكان فصيحا بليغا وصافا وصف رسول الله ﷺ فأحسن وأتقن وكان يقول أنا أكرم الناس أبا وأمّا وأخا وأختا ابى رسول الله ﷺ وأمى خديجة وأخى القاسم وأختى فاطمة رضى الله عنهم أجمعين* وأمّا الجاريتان المذكورتان فى أولاد خديجة من قبل رسول الله فلم أظفر من أخبارهما بشىء والله أعلم*
تزوّجه ﵇ خديجة
وفى هذه السنة الخامسة والعشرين بعد قدومه ﷺ من سفر الشأم بشهرين وخمسة وعشرين يوما تزوّج كما مرّ رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصى
стр. 263
ابن كلاب القرشية الاسدية* قال الزبير بن بكار كانت تدعى فى الجاهلية الطاهرة وأمها فاطمة بنت زائدة بن الاصم بن جندب بن هرم بن رواحة بن حجر بن معيص بن لؤى قال ميسرة عبد خديجة* وفى الحدائق قالت نفيسة بنت منبه بدل ميسرة عبد خديجة أرسلتنى خديجة دسيسا الى محمد ﷺ بعد أن رجع من الشأم فقلت يا محمد ما يمنعك أن تتزوّج قال ما بيدى ما أتزوّج به قلت فان كفيت ذلك ودعيت الى الجمال والمال والشرف والكفاءة ألا تجيب قال فمن هى قلت خديجة قال وكيف لى بذلك قلت علىّ قال افعلى فذهبت الى خديجة وأخبرتها فأرسلت الى النبىّ ﷺ أن ائت لساعة كذا وكذا فدخل رسول الله ﷺ فتزوّجها وهو يومئذ ابن خمس وعشرين سنة وعليه الاكثر وقيل وشهرين وعشرة أيام وقيل احدى وعشرين ستة وقيل ثلاثين* وقال ابن جريج وله سبع وثلاثون سنة* وقال البراقى تسع وعشرون قد راهق الثلاثين كذا فى سيرة مغلطاى وخديجة بنت أربعين سنة وقيل خمس وأربعين وقيل ثلاثين وقيل ثمان وعشرين كذا فى سيرة مغلطاى وأقامت معه أربعا وعشرين سنة* قال ابن اسحاق زوّجه اياها أبوها خويلد بن أسد ويقال أخوها عمرو بن خويلد كذا فى السمط الثمين* وفى المنتقى زوّجها عمها عمرو بن أسد وسيجىء* روى ابن شهاب الزهرى أنه قيل لخويلد بن أسد بن عبد العزى وهو ثمل من الخمر هذا ابن أخيك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب يخطب خديجة وقد رضيت فدعاه فسأله عن ذلك فخطب اليه فأنكحه فخلقت خديجة أباها وحلت عليه حلة ودخل رسول الله ﷺ بها فلما صحا الشيخ من سكرته قال ما هذا الخلوق وما هذه الحلة قالت ابنته أخت خديجة هذه حلة كساكها ابن أخيك محمد ابن عبد الله بن عبد المطلب أنكحته خديجة ودخل عليها فأنكر ذلك الشيخ ثم صار الى أن سلم واستحيى* وفى المنتقى قال الواقدى هذا غلط والصحيح عندنا المحفوظ عند أهل العلم أنّ عمها عمرو بن أسد زوّجها وانّ أباها مات قبل الفجار* وعن ابن عباس قال انّ رسول الله ﷺ ذكر لخديجة فصنعت طعاما وشرابا ودعت أباها ونفرا من قريش فطعموا وشربوا فقالت خديجة لابيها انّ محمد ابن عبد الله يخطبنى فزوّجها اياه فخلقته وألبسته حلة وكذلك كانوا يصنعون اذا زوّجوا نساءهم خرجهما الدولابى* وعن جابر بن سمرة أو غيره قال كانت خديجة تبعث الى النبىّ ﷺ بالشىء ليبعث به الى أبيها حتى يرغب فيه فيزوّجه خرجه ابن السرى كذا فى السمط الثمين* وقد روى ابن اسحاق فى قصة التزويج ما تقدّم وزاد فى طريق آخر وحضر أبو طالب ورؤساء مضر فخطب أبو طالب فقال الحمد لله الذى جعلنا من ذرية ابراهيم وزرع اسماعيل وضئضئ معدّ وعنصر مضر وجعلنا حضنة بيته وسوّاس حرمه وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا وجعلنا الحكام على الناس ثم انّ ابن أخى هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به رجل من قريش الارجح وان كان فى المال قلّ فانّ المال ظل زائل وأمر حائل ومحمد من قد عرفتم قرابته وقد خطب خديجة بنت خويلد وبذل لها ما آجله وعاجله من مالى كذا وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل جسيم فتزوّجها رسول الله ﷺ * وفى المنتقى فلما أتمّ أبو طالب خطبته تكلم ورقة بن نوفل فقال الحمد لله الذى جعلنا كما ذكرت وفضلنا على ما عددت فنحن سادة العرب وقادتها وأنتم أهل ذلك كله لا تنكر العشيرة فضلكم ولا يردّ أحد من الناس فخركم وشرفكم وقد رغبنا فى الاتصال بحبلكم وشرفكم فاشهدوا علىّ معاشر قريش بأنى قد زوّجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد الله على أربعمائة دينار ثم سكت ورقة وتكلم أبو طالب وقال قد أحببت أن يشركك عمها فقال عمها اشهدوا علىّ يا معشر قريش أنى قد أنكحت محمد بن عبد الله خديجة بنت خويلد وشهد على ذلك صناديد قريش* وفى
السمط
стр. 264
الثمين وأصدقها رسول الله ﷺ عشرين بكرة ولا تضادّ بين هذا وبين ما يقال ان أبا طالب أصدقها اذ يجوز أن يكون أبو طالب أصدقها وزاد ﷺ ذلك فى صداقها فكان الكل صداقا وقد ذكر الدولابى وغيره أنّ النبىّ ﷺ أصدق خديجة اثنتى عشرة أوقية ذهب وفى المنتقى الصداق أربعمائة دينار ويكون ذلك أيضا زيادة على ما تقدّم*
(ذكر وليمته ﷺ
* ذكر الملا فى سيرته أنّ النبىّ ﷺ لما تزوّج خديجة ذهب ليخرج فقالت له خديجة الى أين يا محمد اذهب وانحر جزورا أو جزورين وأطعم الناس ففعل ذلك ﷺ وهى أوّل وليمة أولها ﷺ * وفى المنتقى فأمرت خديجة جواريها أن يرقصن ويضربن بالدفوف وقالت يا محمد مر عمك أبا طالب ينحر بكرة من بكراتك وأطعم الناس على الباب وهلمّ فقل مع أهلك فأطعم الناس ودخل رسول الله ﷺ فقال مع أهله خديجة فأقر الله عينه وفرح أبو طالب فرحا شديدا وقال الحمد لله الذى اذهب عنا الكروب ودفع عنا الهموم وعاشت خديجة بعد النكاح اربعا وعشرين سنة وخمسة اشهر وثمانية ايام وقيل خمس عشرة سنة قبل الوحى والباقية بعده وولدت للنبىّ ﷺ أولاده كلهم الا ابراهيم فانه من مارية القبطية وستجىء وفاة خديجة فى الموطن الخامس من حوادث السنة العاشرة من النبوّة*
(ذكر تزوّجه ﵇ أمّهات المؤمنين
وعددهنّ اجمالا وسيجىء تفضيل كل منهنّ فى محله ان شاء الله تعالى) * قال المحب الطبرى فى السمط الثمين فى مناقب أمّهات المؤمنين جملة المشهورات المتفق عليهنّ احدى عشرة امرأة ست من قريش وأربع عربيات وواحدة غير عربية من بنى اسرائيل من سبط هارون ابن عمران تزوّج رسول الله ﷺ أوّلا خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى ابن قصى بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤى القرشية الاسدية أمّها فاطمة بنت زائدة بن الاصم وهى سيدة النساء وأسبقها نكاحا واسلاما وقد سبق ذكر تزوّجها وصداقها قريبا ولا خلاف فى ان أوّل امرأة تزوّجها رسول الله ﷺ خديجة ولم يتزوّج قبلها ولا عليها حتى ماتت واختلفوا فى ترتيب البواقى مع الاتفاق على نكاح جملتهنّ* وفى المواهب اللدنية وخرج الامام أحمد عن ابن عباس انه ﷺ قال أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم ابنة عمران وآسية امرأة فرعون قال شيخ الاسلام زكريا الانصارى فى بهجة الحاوى وأفضلهنّ خديجة وعائشة وفى أفضلهما خلاف صحح ابن العماد تفضيل خديجة لما ثبت أنه ﷺ قال لعائشة حين قالت له قد رزقك الله خيرا منها لا والله ما رزقنى الله خيرا منها آمنت بى حين كذبنى الناس وأعطتنى مالها حين حرمنى الناس وسئل ابن داود أيهما أفضل فقال عائشة أقرأها النبىّ ﷺ السلام من جبريل وخديجة أقرأها جبريل من ربها السلام على لسان محمد فهى أفضل قيل له فمن أفضل خديجة أم فاطمة قال ان رسول الله ﷺ قال فاطمة بضعة منى فلا أعدل ببضعة رسول الله ﷺ أحدا ويشهد له قوله ﷺ أما ترضين أن تكونى سيدة نساء أهل الجنة الا مريم واحتج من فضل عائشة بأنها فى الآخرة مع النبىّ ﷺ فى الدرجة وفاطمة مع علىّ فيها وسئل السبكى عن ذلك قال الذى نختاره وندين الله به أن فاطمة بنت محمد أفضل ثم أمّها خديجة ثم عائشة وأما خبر الطبرانى خير نساء العالمين مريم ابنة عمران ثم خديجة بنت خويلد ثم فاطمة بنت محمد ثم آسية امرأة فرعون فأجاب عنه ابن العماد بأن خديجة انما فضلت فاطمة باعتبار الامومة لا باعتبار السيادة واختار السبكى ان مريم أفضل من خديجة لهذا الخبر وللاختلاف فى نبوّتها* قال القونوى فى شرح عقيدة الطحاوى لا بدّ وأن يكون الرسول ذكر اخلافا
стр. 265
للاشعرى فانه يجوّز ذلك للنساء* قال ابن حجر ومن النساء من نبئ وهنّ ست حوّاء وسارة وهاجر ومريم وأمّ موسى وآسية امرأة فرعون* وفى قصيدة بدء الامالى* وما كانت نبيا قط انثى وفى شرحها وقد وقع الاختلاف فى نبوّة أربع نسوة مريم وآسية وسارة وهاجر والصحيح عدم نبوّتهنّ ومن قال ان مريم كانت نبيا فقد ردّ قوله* وفى أنوار التنزيل الاجماع على أنه لم تستنبأ امرأة لقوله تعالى وما أرسلنا من قبلك الا رجالا الآية انتهى* وقال أبو أمامة بن النقاش ان سبق خديجة وتأثيرها فى أوّل الاسلام وموازرتها ونصرتها وقيامها لله بمالها ونفسها لم يشركها فيه أحد لا عائشة ولا غيرها من أمّهات المؤمنين وتأثير عائشة فى آخر الاسلام وحمل الدين وتبليغه الى الامّة وادراكها من الامّة لم يشركها فيه أحد لا خديجة ولا غيرها مما تميزت به عن غيرها* وتزوّج عائشة بنت أبى بكر ابن أبى قحافة القرشية بمكة وهى بنت ست سنين وقيل سبع ودخل بها فى المدينة وهى بنت تسع وقيل عشر سنين وكان مولدها سنة أربع من النبوّة قاله مغلطاى وغيره كذا فى المواهب اللدنية وأمّها أمّ رومان بنت عامر بن عويمر وتكنى عائشة أمّ عبد الله بعبد الله بن الزبير ابن اختها أسماء بنت أبى بكر وهو الصحيح* ويروى أنها أسقطت من النبىّ ﷺ سقطا ولم يثبت زوّجها منه أبوها وأصدقها أربعمائة درهم وكانت أحب نساء رسول الله ﷺ وكانت اذا هوت الشىء تابعها عليه وفقدها ﵇ فى بعض أسفاره فقال واعروساه خرجه أحمد كذا فى المواهب اللدنية وسودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس القرشية أمّها شموس بنت قيس بن زيد زوّجه اياها سليط ابن عمرو ويقال أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس وأصدقها أربعمائة درهم وكانت قبل النبىّ ﷺ تحت ابن عم لها يقال له سكران بن عمرو تزوّجها رسول الله ﷺ بمكة بعد موت خديجة قبل أن يعقد ﷺ على عائشة هذا قول قتادة وأبو عبيدة ولم يذكر ابن قتيبة غيره وقال عبد الله بن محمد بن عقيل تزوّجها بعد عائشة روى القولان عن ابن شهاب* وحفصة بنت عمر بن الخطاب بن نفيل القرشية أمّها زينب بنت مظعون بن حبيب زوّجها أبوها وأصدقها أربعمائة درهم وكانت قبل النبىّ ﷺ تحت حبيش بن حذافة السهمى فهاجرت معه الى المدينة فمات بها عنها بعد الهجرة عند مقدم النبىّ ﷺ من بدر فخلف عليها رسول الله ﷺ * وزينب بنت خزيمة بن الحارث العربية الهلالية وكانت اخت ميمونة بنت الحارث لامّها زوّجه اياها قبيصة بن عمرو الهلالى وأصدقها أربعمائة درهم وكانت قبل النبىّ ﷺ تحت عبد الله بن جحش قتل يوم أحد وقيل يوم بدر كما سيجىء* وامّ سلمة هند وقيل رملة والاوّل أصح بنت أبى أمية سهيل ويعرف بزاد الراكب القرشية امّها عاتكة بنت عامر بن ربيعة بن مالك بن خزيمة بن علقمة بن فراس ومن قال عاتكة بنت عبد المطلب فجعلها بنت عمة رسول الله ﷺ فقد أخطأ وانما هى بنت زوجها وأخواها لابيها عبد الله وزهيرا بنا عمة رسول الله ﷺ وكانت امّ سلمة من أجمل النساء خرجه أبو جهم العلاء الباهلى* وقال أبو عمرو تزوّج رسول الله ﷺ امّ سلمة سنة اثنتين بعد وقعة بدر عقد عليها فى شوّال وبنى بها فى شوّال والله أعلم وكانت قبل النبىّ ﷺ عند ابى سلمة بن عبد الاسد وأمّه عمة رسول الله ﷺ برّة بنت عبد المطلب فولدت له سلمة وعمرا ورقية وزينب ذكره ابن اسحاق وسيجىء تفصيل نكاحها ووفاتها وذكر أولادها فى الموطن الرابع زوّجه اياها ابنها سلمة وأصدقها فراشا حشوه ليف وقدحا وصحفة ومجشة وذكر الملافى سيرته أن ابنها حال تزويجها كان غلاما لم يبلغ
ولا أراه يصح والله تعالى أعلم وكانت قبل النبىّ ﷺ عند أبى سلمة بن عبد الاسد* وزينب بنت جحش بن رباب العربية أمّها أميمة
стр. 266
بنت عبد المطلب كان رسول الله ﷺ زوّجها من زيد بن حارثة فلما طلقها زيد تزوّجها رسول الله ﷺ سنة خمس من الهجرة وقيل سنة ثلاث زوّجه اياها أخوها ابو أحمد ابن جحش وأصدقها اربعمائة درهم* وجويرية بنت الحارث بن ابى ضرار الخزاعية المصطلقية العربية قال ابن هشام اشتراها ﷺ من ثابت بن قيس واعتقها وتزوّجها وأصدقها أربعمائة درهم ويقال أسلم أبوها وزوّجه اياها وأصدقها أربعمائة درهم* وأمّ حبيبة رملة بنت أبى سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس القرشية الاموية أمّها صفية بنت ابى العاص عمة عثمان بن مظعون زوّجه اياها خالد بن سعيد بن العاص بالحبشة وأصدقها النجاشى عنه أربعمائة دينار وهو الذى خطبها على النبىّ ﷺ وكانت قبل النبىّ ﷺ عند عبيد الله بن جحش* وصفية بنت حيى بن اخطب الغير العربية من بنى اسرائيل من سبط هارون بن عمران من بنى النضير امّها برّة بنت شمول وكانت قبل النبىّ ﷺ عند سلام بن مشكم وكان شاعرا ثم خلف عليها كنانة ابن أبى الحقيق وكان شاعرا أيضا قتل يوم خيبر ثم تزوّجها رسول الله ﷺ فى سنة سبع من الهجرة وكانت من سبايا خيبرا صطفاها لنفسه وجعل عتقها صداقها* وميمونة بنت الحارث العربية الهلالية أمّها هند بنت عوف بن زهير كان اسمها برّة سماها رسول الله ﷺ ميمونة وهى خالة ابن عباس وخالد بن الوليد واخواتها أمّ الفضل لبابة الكبرى زوج العباس بن عبد المطلب أمّ عبد الله بن عباس ولبابة الصغرى زوج الوليد بن المغيرة المخزومى أمّ خالد بن الوليد وعصماء بنت الحارث كانت تحت أبى بن خلف الجمحى فولدت له أبا أبى وعزة بنت الحارث كانت تحت زياد بن عبد الله بن مالك الهلالى فهؤلاء اخواتها لابيها واخواتها لامّها اسماء بنت عميس كانت تحت جعفر بن أبى طالب فولدت له عبد الله ومحمدا وعونا ثم خلف عليها ابو بكر فولدت له محمدا ثم خلف عليها علىّ فولدت له يحيى وسلمى بنت عميس اخت اسماء كانت تحت حمزة بن عبد المطلب فولدت له امة الله بنت حمزة ثم خلف عليها شدّاد بن اسامة بن الهادى الليثى فولدت له عبد الله وعبد الرحمن وسلامة بنت عميس اخت اسماء كانت تحت عبد الله بن كعب بن منبه الخثعمى وزينب بنت خزيمة زوج النبىّ ﷺ ذكر جميعه ابو عمرو* وكان يقال اكرم عجوز فى الارض أصهارا هند بنت عوف أصهارها رسول الله ﷺ وابو بكر الصدّيق وحمزة والعباس ابنا عبد المطلب وجعفر وعلى ابنا أبى طالب وشدّاد بن الهادى ذكره ابو سعيد فى شرف النبوّة كذا فى السمط الثمين زوّجه اياها العباس بن عبد المطلب وأصدقها العباس عنه اربعمائة درهم* هذا ما نقله ابن اسحاق من انّ صداقه ﷺ لاكثر نسائه اربعمائة درهم وقد روى مسلم عن عائشة قالت كان صداق رسول الله ﷺ لاكثر نسائه اثنتى عشرة اوقية ونشا قالت اتدرى ما النش قلت لا قالت نصف اوقية فذلك خمسمائة درهم فذاك صداق رسول الله ﷺ لازواجه وهذا اولى بالصحة لانه متفق على صحته ولان راويه معه زيادة علم كذا فى السمط الثمين* وماتت خديجة وزينب بنت خزيمة فى حياته وتوفى ﷺ عن التسع البواقى بلا خلاف وعن امّ ولد هى مارية بنت شمعون القبطية امّ ابراهيم وقد ذكر أنه ﷺ تزوّج نسوة غير من تقدّم ذكره وجملتهنّ اثنتا عشرة امرأة* الاولى الواهبة نفسها للنبىّ ﷺ واختلف من هى فقيل امّ شريك القرشية العامرية اسمها غزية بضم الغين المعجمة وفتح الزاى وتشديد المثناة التحيّة بنت داود كذا فى المواهب اللدنية* وفى بعض الكتب بنت دودان وقيل بنت جابر بن عوف من بنى عامر بن لؤى وكان ذلك بمكة وكانت قبله ﷺ تحت ابى العسكر بن تميم بن الحارث الازدى فولدت له شريكا وقيل
стр. 267
كانت تحت الطفيل بن الحارث فولدت له شريكا والاوّل اصح وطلقها النبىّ ﷺ واختلف فى دخوله بها وقيل هى امّ شريك غزية الانصارية من بنى النجار* قال ابو عمرو الصواب غزيلة وقد عدّها احمد بن صالح المصرى فى ازواج النبىّ ﷺ هذا ما ذكره ابو عمرو وما خلا الطلاق فحكاه الفضائلى الرازى* وقال صاحب الصفوة هى امّ شريك غزية بنت جابر الدوسية قال والاكثرون على انها هى التى وهبيت نفسها للنبىّ ﷺ فلم يقبلها فلم تتزوّج حتى ماتت وعن ابن عباس وهبت نفسها للنبىّ ﷺ بغير مهر فقبلها ودخل عليها خرجه فى الصفوة وذكر ابن قتيبة فى المعارف عن أبى اليقظان قال ابن الواهبة نفسها للنبىّ ﷺ خولة بنت حكيم السلمى ويجوز أن تكونا وهبتا انفسهما من غير تضادّ* عن عروة بن الزبير قال كانت خولة بنت حكيم من اللائى وهبن أنفسهنّ للنبىّ ﷺ فقالت عائشة أما تستحيى المرأة ان تهب نفسها للرجل فلما نزلت ترجئ من تشاء منهنّ وتؤوى اليك الآية قالت عائشة يا رسول الله ما أرى ربك الا يسارع فى هواك رواه الشيخان وهذه خولة هى زوجة عثمان بن مظعون ويجوز أن يكون وقع منها ذلك قبل عثمان وكذلك حكاه الفضائل الرازى قال فلما ارجأها النبىّ ﷺ تزوّجها عثمان ويجوز أن يكون وقع ذلك منها بعد وفاته* وفى الكشاف وغيره من التفاسير اختلف فى انه هل اتفق أن تهب امرأة نفسها للنبىّ ﷺ ولم تطلب مهرا أم لا عن ابن عباس لم يكن عنده أحد منهنّ* وآية وامرأة مؤمنة ان وهبت نفسها للنبىّ بيان حكم فى المستقبل والقائل باتفاق ذلك ذكر أربعا ميمونة بنت الحارث وزينب بنت خزيمة الانصارية وامّ شريك بنت جابر وخولة بنت حكيم* الثانية خولة بنت الهذيل بن هبيرة تزوّجها ﷺ فيما ذكره الجرجانى فى النسابة وهلكت فى الطريق قبل وصولها اليه ذكره أبو عمرو وأبو سعيد* الثالثة عمرة بنت يزيد ابن الجون بفتح الجيم الكلابية ثم الوحيدية وقيل عمرة بنت يزيد بن عبيد بن أوس بن كلاب الكلابية* قال أبو عمرو هذا اصح تزوّجها رسول الله ﷺ فتعوّذت منه حين أدخلت عليه فقال لها لقد عذت بمعاذ فطلقها وأمر ﷺ اسامة بن زيد فمتعها بثلاثة أثواب* قال أبو عمرو هكذا روى عن عائشة رضى الله عنها وقال قتادة كان ذلك فى امرأة من بنى سليم وقال أبو عبيدة انما ذلك لاسماء بنت النعمان بن الجون وهكذا ذكره ابن قتيبة وسيأتى ان شاء الله تعالى وقال فى عمرة هذه ان أباها وصفها للنبىّ ﷺ ثم قال وأزيدك انها لم تمرض قط فقال رسول الله ﷺ ما لهذه عند الله من خير ثم طلقها* وفى المنتقى قال عمرة هذه بنت القرطا وقيل انه تزوّجها فقال أبوها ذلك فطلقها ولم يبن بها* الرابعة أسماء بنت النعمان بن الجون بفتح الجيم ابن شراحيل* وفى المنتقى وقيل أميمة بنت النعمان بن شراحيل وقيل بنت النعمان بن الاسود بن الحارث بن شراحيل من كندة وأجمعوا على أن رسول الله ﷺ تزوّجها واختلفوا فى قصة فراقه ﷺ لها فقال قتادة وأبو عبيدة انه ﷺ لما دعاها قالت تعال انت وأبت أن تجىء* وقال بعضهم قالت أعوذ بالله منك فقال ﷺ قد عذت بمعاذ وقد أعاذك الله منى* وفى المنتقى أعذتك ألحقى باهلك وعن عائشة رضى الله عنها قال ان ابنة الجون لما دخلت على رسول الله ﷺ ودنا منها قالت أعوذ بالله منك فقال ﷺ لقد عذت بعظيم ألحقى بأهلك أخرجه البخارى وقيل ان نساءه ﷺ علمنها ذلك فانها كانت من أجمل النساء فخفن أن تغلبهنّ عليه فقلن لها انه يحب اذا دنا منك أن تقولى أعوذ بالله منك فلما دنا منها قالت أعوذ بالله منك فقال ﷺ قد عذت بمعاذ وطلقها ثم
سرحها الى أهلها وكانت تسمى نفسها الشقية* وقال الحرجانى قلن لها اذا
стр. 268
أردت أن تحظى عنده تعوّذى بالله منه فقالت ذلك فصرف وجهه ﷺ عنها وقال لها ألحقى بأهلك فخلف عليها المهاجر بن أبى أمية المخزومى فأراد عمر رضى الله عنه أن يحدّها فقالت لم يدخل بى وأقامت له البينة على ذلك ثم خلف عليها قيس بن مكشوح المرادى* وقال أبو اليقظان فيما حكاه ابن قتيبة لما دخل عليها قال لها هبى لى نفسك قالت وهل تهب المليكة نفسها للسوقة فأهوى بيده ليضعها عليها لتسكن فقالت أعوذ بالله منك فقال ﷺ لقد عذت بمعاذ ثم سرّحها ومتعها وقيل المتعوّذة امرأة غيرها* قال أبو عبيدة ويجوز أن تكونا تعوّذتا منه ﷺ وقال آخرون كان بأسماء وضح فقال ألحقى بأهلك* قال ابن شهاب فارق رسول الله ﷺ أخت بنى الجون من أجل بياض كان بها* قال أبو عمرو والاختلاف فى الكندية كثير جدّا وقد قيل فى اسمها أمية ولم يذكر ابن قتيبة غيره وقيل أمامة والوجهان حكاهما أبو عمرو* الخامسة مليكة بنت كعب الليثية قال أبو سعيد ولما دخل ﷺ عليها قال لها هبى لى نفسك القصة المتقدّمة آنفا الى آخرها عن ابن قتيبة وحكاها أبو سعيد فى هذه والاصح أنها تعوّذت من النبىّ ﷺ ففارقها قبل أن يدخل بها وقيل دخل بها وماتت عنده حكاه الفضائلى والاوّل أصح* السادسة فاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلابى تزوّجها ﷺ بعد وفاة ابنته زينب وخيرها حين نزلت آية التخيير فاختارت الدنيا ففارقها ﷺ فكانت بعد ذلك تلتقط البعر وتقول هى الشقية اختارت الدنيا هكذا رواه ابن اسحاق* قال أبو عمرو وهذا عندنا غير صحيح لان ابن شهاب يروى عن عروة عن عائشة قالت ان النبىّ ﷺ حين خيرت أزواجه بدأ بها فاختارت الله ورسوله وتابع أزواج النبىّ ﷺ على ذلك* وقال قتادة وعكرمة كان عنده ﷺ عند التخيير تسع نسوة وهنّ اللواتى توفى رسول الله ﷺ عنهنّ وقد قيل ان الضحاك بن سفيان عرض على رسول الله ﷺ ابنته وقال انها لم تصدع قط فقال رسول الله ﷺ لا حاجة لى بها وقيل انه ﷺ تزوّجها سنة ثمان ذكر ذلك كله أبو عمرو وأبو سعيد وبعضه عند ابن قتيبة* وفى المنتقى وقيل انها هى التى قالت أعوذ بالله منك فقال ﷺ قد عذت بمعاذ* السابعة غالية بنت ظبيان بن عمر بن عوف الكلابية تزوّجها رسول الله ﷺ وكانت عنده ما شاء الله تعالى ثم طلقها وقلّ من ذكرها ذكر ذلك أبو عمرو وقال أبو سعيد طلقها ﷺ حين أدخلت عليه* الثامنة قتيلة بضم القاف وفتح المثناة الفوقية وسكون المثناة التحتية بنت قيس بن معدى كرب الكندية اخت الاشعث بن قيس الكندى ويقال قيلة والصواب قتيلة زوّجه اياها أخوها فى سنة عشر ثم انصرف الى حضر موت فحملها وقبض ﷺ فى سنة احدى عشرة قبل قدومها عليه من بلدها حضر موت وقبل خروجها من اليمن وقبل دخوله بها قاله الجرجانى وقيل تزوّجها ﷺ قبل وفاته بشهرين قال قائلون ان رسول الله ﷺ قبل وفاته بشهرين أوصى بأن تخير فان شاءت ضرب عليها الحجاب فكانت من أمّهات المؤمنين وان شاءت الفراق فلتنكح من شاءت فاختارت النكاح فتزوّجها عكرمة بن أبى جهل بحضر موت فبلغ ذلك أبا بكر فقال هممت أن أحرق عليها بيتها فقال له عمر ما هى من أمّهات المؤمنين ما دخل بها رسول الله ﷺ ولا ضرب عليها الحجاب* وقال بعضهم لم يوص فيها رسول الله ﷺ بشىء ولكنها ارتدت حين ارتد أخوها وبذلك احتج عمر على أبى بكر انها ليست من امّهات المؤمنين بارتدادها ولم تلد لعكرمة وفيها اختلاف كثير ذكر ذلك كله أبو عمرو وبعضه أبو سعيد والفضائلى الرازى التاسعة سبأ بنت أبى الصلت السلمية تزوّجها رسول الله
صلّى الله عليه وسلم
стр. 269
ومات قبل أن يدخل بها* وقال ابن اسحاق طلقها ﷺ قبل أن يدخل بها حكاهما أبو عمرو ولم يحك أبو سعيد غير الاوّل العاشرة شراف بفتح الشين وتخفيف الراء وبالفاء بنت خليفة الكلبية اخت دحية الكلبى تزوّجها ﷺ فهلكت قبل دخوله بها ذكره أبو عمرو وغيره وفى المنتقى أساف مكان شراف الحادية عشر خولة بنت حكيم الانصارية الاوسية التى وهبت نفسها للنبىّ ﷺ ذكرها أحمد بن صالح المصرى فى أزواج النبىّ ﷺ * قال أبو عمرو ولم يذكرها غيره فيما علمت* وقال أبو سعيد والفضائلى ليلى بنت خطيم الانصارية بفتح الخاء المعجمة وكسر الطاء المهملة أخت قيس تزوّجها النبى ﷺ وكانت غيورا فاستقالته ﷺ فأقالها فأكلها الذئب وقيل هى التى وهبت نفسها له ﷺ * وفى المنتقى ليلى بنت الخطيم الانصارية ضربت ظهره ﷺ فقال ﵇ أكلك الاسد ثم تزوّجها فقالت أقلنى فأقالها فأكلها الذئب الثانية عشر امرأة من غفار تزوّجها رسول الله ﷺ فرأى بكشحها بياضا فقال ألحقى بأهلك ولم يأخذ ﷺ مما آتاها شيئا خرجه أحمد* وفى المنتقى عمرة بنت يزيد رأى بها بياضا فقال دلستم علىّ فردّها فهؤلاء جملة من ذكر من أزواجه ﵇ وفارقهنّ فى حياته بعضهنّ قبل الدخول وبعضهنّ بعده على ما قرّرناه فيكون جملة من عقد ﷺ عليهنّ ثلاثا وعشرين امرأة دخل ﷺ ببعضهنّ دون بعض مات عنده ﷺ منهنّ بعد الدخول خديجة بنت خويلد وزينب بنت خزيمة رضى الله عنهما وماتت منهنّ قبل الدخول اثنتان اخت دحية وبنت الهذيل باتفاق واختلف فى مليكة وسبأهل ماتتا أو طلقهما مع الاتفاق على انه ﷺ لم يدخل بهما وفارق ﷺ بعد الدخول باتفاق بنت الضحاك وبنت ظبيان وقبل الدخول باتفاق عمرة وأسماء الغفارية واختلف فى أمّ شريك هل دخل ﷺ بها مع الاتفاق على الفرقة والمستقيلة التى جهل حالها فالمفارقات باتفاق سبع واثنتان على خلف والميتات فى حياته باتفاق أربع ومات ﷺ عن عشر واحدة لم يدخل بها وذكر أبو سعيد فى شرف النبوّة ان جملة أزواج النبىّ ﷺ احدى وعشرون امرأة طلق منهنّ ستا وماتت عنده خمس وتوفى عن عشر واحدة لم يدخل بها وكان يقسم لتسع فى الصحيحين عن ابن عباس انه ﵇ كان يقسم لثمان ولا يقسم لواحدة* قال عطاء هى صفية بنت حيى بن أخطب ولقوله تعالى ترجئ من تشاء منهنّ وتؤوى اليك من تشاء ترجئ بهمزة وبغير همزة تؤخر وتؤوى تضم يعنى تترك مضاجعة من تشاء وتضاجع من تشاء* روى انه أرجى منهنّ سودة وجويرية وصفية وميمونة وأمّ حبيبة وكان يقسم لهنّ ما شاء كما شاء وكانت ممن آوى اليه عائشة وحفصة وامّ سلمة وزينب أرجى خمسا وآوى أربعا كذا فى الكشاف وكذا ذكره المنذرى*
(ذكر من خطب ﷺ من النساء ولم يعقد عليهنّ)
* وقد روى أنه ﷺ خطب عدّة نسوة الاولى منهن امرأة من بنى مرّة بن عوف ابن سعد بن دينار* قال أبو اليقظان خطبها رسول الله ﷺ الى أبيها فقال ان بها برصا وهو كاذب فرجع فوجدها برصاء ويقال ان ابنها شبيب بن البرصاء بن الحارث بن عوف المزنى ذكره ابن قتيبة كما قاله الطبرى وعند ابن الاثير فى جامع الاصول عمرة بنت الحارث بن عوف خطبها رسول الله ﷺ فقال أبوها ان بها سوأ ولم يكن بها سوء فرجع اليها أبوها وقد برصت ويقال هى امّ شبيب بن البرصاء الشاعر الثانية امرأة قرشية يقال لها سودة خطبها ﷺ وكانت مصبية فقالت أخاف ان تضغو صبيتى أى يصيحوا ويبكوا عند رأسك فدعا ﷺ لها
стр. 270
وتركها الثالثة امراة تدعى صفية بنت بشامة بفتح الموحدة وتخفيف الشين المعجمة وكان ﷺ أصابها فى سبى فخيرها بين نفسه الكريمة وبين زوجها فاختارت زوجها الرابعة لم يذكر اسمها قيل انه ﷺ خطبها فقالت أستأمر أبى فلقيت أباها فأذن لها فعادت الى النبىّ ﷺ فقال لها قد التحفنا غيرك الخامسة أمّ هانئ فاختة او هند على اختلاف فى اسمها بنت أبى طالب اخت علىّ خطبها النبى ﷺ فقالت انى امرأة مصبية واعتذرت اليه فعذرها ﷺ * وعن أبى صالح عن امّ هانئ بنت أبى طالب قالت خطبنى رسول الله ﷺ فاعتذرت اليه فعذرنى فأنزل الله تعالى انا أحللنا لك ازواجك اللاتى آتيت أجورهنّ وما ملكت يمينك مما افاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتى هاجرن معك وامرأة مؤمنة ان وهبت نفسها للنبىّ الآية قالت فلم أكن أحل له لانى لم أهاجر كنت من الطلقاء خرجه الترمذى* وفى رواية عند غيره عن ابى صالح عن امّ هانئ قالت نزلت هذه الآية فأراد النبىّ ﷺ ان يتزوّجنى فنهى عنى لانى لم اهاجر السادسة ضباعة بالضاد المعجمة وتخفيف الموحدة وبالعين المهملة بنت عامر بن قرط بضم القاف وسكون الراء وبالطاء المهملة ابن سلمة خطبها ﷺ الى ابنها سلمة بن هاشم فقال حتى أستأمرها فقيل للنبىّ ﷺ انها قد كبرت فلما عاد وقد أذنت له سكت عنها ﷺ ولم ينكحها ذكر الخمس الفضائلى الرازى قال وعرض عليه ﷺ اثنتان فامتنع لقيام مانع وأمامة بنت حمزة وهى السابعة فقال ﷺ هى ابنة أخى من الرضاعة وعزة بنت أبى سفيان وهى الثامنة عرضتها اختها امّ حبيبة عليه ﷺ فقال لا تحل لى لمكان أختها أمّ حبيبة هذا يضادّ ما مرّ فى خصائصه ﷺ فى الفصل الثانى من الطليعة الثالثة من اختصاصه باباحة الجمع بين المرأة وأختها* وفى المواهب اللدنية وقيل تزوّج ﷺ الجندعية بضم الجيم وسكون النون وضم الدال وبالعين المهملة امرأة من جندع وهى ابنة جندب بن ضمرة ولم يدخل بها وأنكره بعض الرواة فهؤلاء النساء اللاتى ذكر انه ﷺ تزوّجهنّ أو خطبهنّ أو دخل بهنّ أو لم يدخل بهنّ أو عرضن عليه والله أعلم*
(ذكر سراريه)
* قال أبو عبيدة كان له ﷺ سرارى أربع مارية القبطية وريحانة وجارية أخرى وهبتها له ﷺ زينب بنت جحش وأخرى جميلة أصابها ﷺ فى بعض السبى فأما مارية القبطية بنت شمعون بالشين المعجمة فأهداها له ﷺ المقوقس القبطى صاحب الاسكندرية ومصر وهى من انصنا قرية من اعمال مصر ذكره فى فتوح مصر والمقوقس ملك انصنا* قال ابن لهيعة مارية من حفن من كورة انصنا كذا فى سيرة ابن هشام واهدى معها أختها سيرين بكسر السين المهملة وسكون المثناة التحتية وكسر الراء وبالياء الساكنة وبالنون آخرها وخصيا يقال له مأبور وألف مثقال ذهبا وعشرين ثوبا من قباطى مصر وبغلة شهباء وهى دلدل وحمارا أشهب وهو عفير ويقال يعفور وعسلا من عسل بنها فأعجب النبىّ ﷺ ودعا فى عسل بنها بالبركة* قال ابن الاثير بنها بكسر الباء وسكون النون قرية من قرى مصر بارك النبىّ ﷺ فى عسلها والناس اليوم يفتحون الباء كذا فى المواهب اللدنية فوهب ﷺ سيرين لحسان بن ثابت وهى أمّ عبد الرحمن بن حسان وأما مارية فاستولدها ﷺ فولدت له ابراهيم فقال ﷺ أعتقها ولدها فتوفيت مارية فى خلافة عمر سنة ست عشرة ودفنت بالبقيع وكان عمر يحشر الناس بنفسه لشهود جنازتها وصلّى عليها وأما ريحانة فهى ابنة شمعون بن زيد من بنى قريظة وقيل من بنى النضير والاوّل أظهر وماتت قبل وفاة النبىّ صلّى الله
стр. 271
عليه وسلم مرجعه من حجة الوداع سنة عشر ودفنت بالبقيع وكان ﷺ سباها ووطئها بملك اليمين وقيل أعتقها وتزوّجها فى سنة ست ولم يذكر ابن الاثير غيره وكانت قبله تحت رجل من بنى قريظة فسباها وتزوّج بها وقال الزهرى استسرّها ثم أعتقها فلحقت بأهلها ذكر ذلك كله أبو عمرو وصاحب الصفوة الرازى وأما المسبية والموهوبة فذكرهما صاحب الصفوة والفضائلى ولم يذكرا من أخبارهما شيئا والله أعلم وفضلت زوجاته ﷺ على النساء وثوابهنّ وعقابهنّ مضاعفان ولا يحل سؤالهنّ الا من وراء حجاب وأزواجه أمّهات المؤمنين سواء من مات عنها أو ماتت عنه وهى تحته فى تحريم نكاحهنّ ووجوب احترامهنّ لا فى نظرة ولا فى خلوة ولا يقال بناتهنّ أخوات المؤمنين ولا آباؤهنّ ولا أمّهاتهنّ اجداد وجدّات ولا اخوتهنّ ولا أخواتهنّ أخوال وخالات كذا فى المواهب اللدنية* وفى سيرة مغلطاى زوجاته اللاتى عقد عليهنّ أو خطبهنّ أو عرضن عليه ولم يدخل بهنّ أسماء بنت الصلت السلمية وأسماء بنت النعمان وقيل بنت الاسود الكندية وعمرة بنت الحارث المزنية وأمامة ويقال عمارة بنت حمزة وآمنة بنت الضحاك بن سفيان وأميمة بنت شراحيل وحبيبة بنت سهل وحمدة بنت الحارث وخولة بنت حكيم ويقال خويلة السلمية وخويلة بنت هذيل الثعلبية وسلمى بنت نجدة الليثية وسناء بنت سفيان الكلابية وسناء بنت الصلت السلمية* وفى تاريخ أمراء خراسان للسلامى سناء بنت أسماء السلمية عمة عبد الله ابن حازم أمير خراسان تزوّج بها النبىّ ﷺ فلما سمعت بذلك ماتت فرحا انتهى وسودة القرشية وشرافة بنت خليفة الكلبية وصفية بنت بشارة بن نضلة وضباعة بنت عامر والغالية بنت ظبيان وعمرة بنت يزيد الكلابية وعمرة بنت معاوية الكندية وغزية بنت حكيم العامرية وفاختة بنت أبى طالب وفاطمة بنت شريح وفاطمة بنت الضحاك الكلابية وقيلة بنت قيس بن معدى كرب وقتيلة بنت الحارث الشاعرة وليلى بنت الخطيم وليلى بنت حكيم ومليكة بنت داود ومليكة بنت كعب* وقال الواقدى دخل بها وتوفيت عنده فى شهر رمضان سنة ثمان وهند بنت يزيد وأم حبيب ابنة عمة العباس ونعامة العنبرية وأمّ شريك الانصارية وأمّ شريك الغفارية*
(ذكر أولاده ﷺ وكميتهم ومواليدهم وما اتفق عليه منهم وما اختلف فيه)
* وجملة ما اتفق عليه ستة ابنان القاسم وابراهيم وأربع بنات زينب ورقية وأمّ كلثوم ولا يعرف لها اسم وانما تعرف بكنيتها وفاطمة وكلهنّ أدركن الاسلام وهاجرن معه واختلف فيما سوى هؤلاء قيل لم يكن له ﷺ سواهم حكاه أبو عمرو والمشهور خلافه* قال ابن اسحاق كان له ﷺ الطاهر والطيب أيضا فيكون على هذا جملتهم ثمانية أربعة ذكور وأربع اناث* وقال الزبير بن بكار كان له غير ابراهيم والقاسم عبد الله مات صغيرا بمكة ويقال له الطيب والطاهر ثلاثة أسماء وهو قول أكثر أهل النسب قاله أبو عمرو* وقال الدار قطنى وهو الاثبت وسمى بالطيب والطاهر لانه ولد بعد النبوّة فيكون على هذا جملتهم سبعة ثلاثة ذكور وكذا قاله ابن الجوزى فى الحدائق وقيل عبد الله غير الطيب والطاهر حكاه الدار قطنى وغيره فعلى هذا تكون جملتهم تسعة خمسة ذكور وأربعة اناث وقيل كان له ﷺ الطيب والمطيب ولدا فى بطن والطاهر والمطهر ولدا فى بطن ذكره صاحب الصفوة فيكونون على هذا احد عشر وقيل ولد له ﷺ ولد قبل المبعث يقال له عبد مناف فيكونون على هذا اثنى عشر وهذا القائل يقول أولاده كلهم سوى هذا ولدوا فى الاسلام بعد المبعث* وقال ابن اسحاق ولد أولاده كلهم غير ابراهيم قبل الاسلام وهلك البنون قبل الاسلام وهم يرضعون وقد تقدّم من قول غيره أن عبد الله ولد بعد النبوّة فلذلك سمى بالطيب والطاهر فيحصل
стр. 272
من مجموع الاقوال على ثمانية ذكور اثنان متفق عليهما القاسم وابراهيم وستة مختلف فيهم عبد مناف وعبد الله والطبب والمطيب والطاهر والمطهر والاصح انهم ثلاثة ذكور وأربع بنات متفق عليهنّ وكلهم من خديجة بنت خويلد الا ابراهيم وعن هشام بن عروة عن أبيه ولدت خديجة للنبىّ عبد العزى وعبد مناف والقاسم قلت لهشام فأين الطيب والطاهر فقال هذا ما وضعتم أنتم يا أهل العراق فأما أشياخنا فقالوا عبد العزى وعبد مناف والقاسم ولا يجعل عبد العزى على هذه الرواية تاسعا لان رواتها تنفى ما سوى الثلاثة بخلاف ما تقدّم وهذا خرجه أبو الجهم الباهلى وكان أكبر ولده ﷺ القاسم وبه كان ﷺ يكنى وعاش حتى مشى وقيل عاش سنتين وقال مجاهد مكث سبع ليال ثم هلك ذكره ابن قتيبة وقيل بلغ أن يركب الدابة ويسير على النجيب ومات قبل البعث أو بعده على الخلاف المتقدّم وهو أوّل من مات من ولده ثم ولد له ﷺ زينب ثم عبد الله ثم أمّ كلثوم ثم فاطمة ثم رقية وقيل اوّل من ولد له ﷺ زينب ثم القاسم ثم أمّ كلثوم ثم فاطمة ثم رقية ثم عبد الله وقيل رقية اكبر من امّ كلثوم وهو الاشبه لان عثمان تزوّجها أوّلا فى اوّل اسلامه ثم امّ كلثوم بعدها بعد وقعة بدر والظاهر ان الكبيرة تزوّج اوّلا وان جاز خلافه والاكثر على أن فاطمة اصغرهنّ سنا ولا خلاف ان زينب اكبرهنّ سنا قاله ابو عمرو*
(ذكر زينب رضى الله عنها)
* قد تقدّم انها اكبر بناته ﷺ بلا خلاف الا ما لا يصح وانما الخلاف فيها وفى القاسم أيهما ولد أوّلا قال ابن اسحاق سمعت عبد الله بن محمد بن سليمان يقول ولدت زينب بنت رسول الله ﷺ فى سنة ثلاثين من مولده ﷺ وادركت الاسلام واسلمت وهاجرت وكان رسول الله ﷺ محبا لها*
(ذكر من تزوّجها)
* وكان تزوّجها ابن خالتها ابو العاص ابن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف فى الجاهلية واسمه لقيط وعليه الاكثر وقيل هشيم وقيل مهشم وفى المنتقى اسمه القاسم أمّه هالة بنت خويلد اخت خديجة لابيها وامّها قاله الدار قطنى فخديجة خالته وعن عائشة قالت كان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالا وتجارة وأمانة فقالت خديجة لرسول الله ﷺ زوّجه وكان رسول الله ﷺ لا يخالفها وذلك قبل أن ينزل عليه الوحى فزوّجه زينب فلما أكرم الله نبيه بنبوّته آمنت خديجة وبناته فلما نادى قريشا بأمر الله تعالى أتوا أبا العاص بن الربيع فقالوا له فارق صاحبتك ونحن نزوّجك بأى امرأة شئت من قريش فقال لا والله لا أفارق صاحبتى وما يسرّنى ان لى بامرأتى أفضل امرأة من قريش وعن عائشة قالت كان الاسلام فرق بين زينب وبين أبى العاص الا أن رسول الله ﷺ لا يقدر أن يفرق بينهما وكان مغلوبا بمكة*
(ذكر هجرتها)
* عن عروة بن الزبير عن عائشة ان النبىّ ﷺ لما قدم المدينة خرجت ابنته زينب من مكة مع كنانة أو ابن كنانة تريد المدينة فخرجوا فى اثرها فأدركها هبار بن الاسد فجعل يطعن بعيرها برمحه حتى صرعها فألقت ما فى بطنها وأهريقت دما وسيجىء فى غزوة بدر فاشتجر فيها بنو هاشم وبنو أمية فقالت بنو هاشم نحن أحق بها وقالت بنو أمية نحن أحق بها لكونها تحت ابن عمهم أبى العاص فكانت عند هند فكانت تقول لها هذا فى سبب أبيك فقال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة ألا تنطلق فتجيئنى بزينب قال بلى يا رسول الله قال فخذ خاتمى فأعطها فانطلق زيد فلم يزل يتلطف حتى لقى راعيا فقال لمن ترعى قال لابى العاص فقال فلمن هذه الغنم قال لزينب بنت محمد فسار معه شيئا ثم قال هل لك أن اعطيك شيئا تعطيها اياه ولا تذكره لاحد قال نعم فأعطاه الخاتم فانطلق الراعى فأدخل غنمه وأعطاها الخاتم فعرفته فقالت من أعطاك هذا قال رجل قالت فأين تركته قال مكان كذا وكذا فسكتت حتى اذا كان الليل خرجت اليه
стр. 273
فلما جاءته قال لها زيد اركبى بين يدى على بعيرى قالت لا ولكن اركب أنت بين يدى فركب وركبت خلفه حتى أتت المدينة فكان ﵇ يقول هى أفضل بناتى أصيبت فىّ فبلغ ذلك علىّ بن الحسين فانطلق الى عروة فقال ما حديث بلغنى عنك تحدثه نتتقص به حق فاطمة* قال عروة ما أحب ان لى ما بين المشرق والمغرب وانى انتقص فاطمة حقا هولها وأما بعد ذلك علىّ أنى لا أحدّث به أحدا خرجه الدولابى* وقد روى أن أبا العاص لما أسر يوم بدر وفدى نفسه فأطلق أخذ عليه رسول الله ﷺ العهد ان ينفذها اليه اذا عاد الى مكة ففعل فجاءت مهاجرة الى المدينة خرجه الفضائلى ولعل الهجرة الاولى كانت بارسال أبى العاص فلما منعتها قريش خرج زيد وأتى بها ولا تضاد بينهما وسيجىء ذكر اسلام زوجها أبى العاص وحكم نكاحها بعد الاسلام*
(ذكر وفاتها)
* ماتت زينب فى حياة أبيها فى سنة ثمان من الهجرة وسيجىء فى الموطن الثامن وكان سبب وفاتها سقوطها من بعيرها لما طعنه هبار على ما تقدّم وسقطت على صخرة وأهريقت دما ولم تزل مريضة بذلك حتى ماتت قاله أبو عمرو* وعن ابن عمر زاد أنه لما دفن رسول الله ﷺ ابنته زينب جلس عند القبر فتربد وجهه ثم سرى عنه فسأله أصحابه عن ذلك فقال ذكرت ابنتى زينب وضعفها وعذاب القبر فدعوت الله ففرج عنها وأيم الله لقد ضمت ضمة سمعها ما بين الخافقين خرجه سعيد ابن منصور فى سننه وكان زوجها أبو العاص محبا لها فقال وهو متوجه فى بعض اسفاره الى الشام
ذكرت زينب لما وركت ارما ... فقلت سقيا لشخص يسكن الكرما
بنت الامين جزاها الله صالحة ... وكل بعل سينبى بالذى علما
ثم تزوّج أبو العاص بنت سعيد بن العاص وهلك بالمدينة فى خلافة عثمان وأوصى الى الزبير بن العوّام*
(ذكر ولدها)
* قال أبو عمرو وغيره ولدت زينب من أبى العاص غلاما يقال له على توفى وقد ناهز الحلم وكان رديف رسول الله ﷺ على ناقته يوم الفتح وجارية يقال لها امامة وكان رسول الله ﷺ يحبها وكان يحملها فى الصلاة على عاتقه فاذا ركع وضعها واذا رفع رأسه من السجودا عادها وتزوّجها على بن أبى طالب بعد فاطمة وقيل ان فاطمة كانت أوصته بذلك ذكره الدار قطنى وزوّجها منه الزبير بن العوام وكان أبوها اوصى بها اليه فولدت له ولد اسماه محمدا وقيل قتل عنها ولم تلد له ذكره الدار قطنى فلما قتل علىّ تزوّجها المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وكان علىّ قد أمره بذلك بعده لانه خاف أن يتزوّجها معاوية فتزوّجها فولدت له يحيى وبه كان يكنى وماتت عنده قيل فى سنة خمسين من الهجرة* وروى أن عليا قال لها حين حضرته الوفاة انى لا آمن أن يخطبك يعنى معاوية فان كان لك فى الرجال حاجة فقد رضيت لك المغيرة بن نوفل عشيرا فلما انقضت عدّتها كتب معاوية الى مروان يأمره أن يخطبها عليه ويبذل لها مائة ألف دينار فلما خطبها أرسلت الى المغيرة بن نوفل ان هذا أرسل يخطبنى فان كان لك بنا حاجة فأقبل فأقبل وخطبها الى الحسن بن علىّ فزوّجها منه خرج جميع ذلك أبو عمرو وذكر الدولابى أن عليا لما أصيب ولت أمرها المغيرة بن نوفل فقال المغيرة بن نوفل اشهدوا أنى قد تزوّجتها وأصدقتها كذا وكذا*
(ذكر رقية بنت رسول الله ﷺ
* ذكر الزبير بن بكار وغيره انها أكبر بناته ﷺ وصححه الجرجانى النسابة وقد تقدّم أن الاصح والذى عليه الاكثر أن زينب أكبرهنّ ولدت رقية ولرسول الله ﷺ ثلاث وثلاثون سنة*
(ذكر من تزوّجها)
* كانت رقية تحت عتبة بن أبى لهب واختها أمّ كلثوم تحت أخيه عتيبة فلما نزلت تبت يدا أبى لهب وتب قال لهما رأسى من رأسكما حرام ان لم تفارقا ابنتى محمد ففارقاهما ولم يكونا دخلا بهما فتزوّج رقية عثمان ابن عفان بمكة وهاجر بها الهجرتين الى أرض الحبشة ثم الى المدينة وكانت ذات جمال رائع
стр. 274
وفى حياة الحيوان لما هاجر بها الى ارض الحبشة كان فتيان أهل الحبشة يتعرّضون لها ويتعجبون من جمالها فأذاها ذلك فدعت عليهم فهلكوا جميعا ذكر الدولابى ان تزويج عثمان رقية كان فى الجاهلية وذكر غيره ما يدل على أن تزويجه اياها كان بعد اسلامه وعن عائشة رضى الله عنها أتت قريش عتبة بن أبى لهب فقالوا له طلق ابنة محمد ونحن نزوّجك أىّ امرأة شئت من قريش فقال ان زوّجتمونى ابنة أبان ابن سعيد بن العاص أو ابنة سعيد بن العاص فارقتها فزوّجوه ففارقها ولم يكن دخل بها فاخرجها الله من يده كرامة لها وهوانا له وخلف عليها عثمان بن عفان*
(ذكر تزويج عثمان رقية)
* كان بوحى من الله تعالى وعن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ ان الله أوحى الىّ أن ازوّج كريمتىّ عثمان بن عفان خرجه الطبرانى فى معجمه وخرج خيثمة بن سليمان عن عروة بن الزبير وزاد بعد قوله كريمتى يعنى رقية وامّ كلثوم*
(ذكر هجرتها)
* كانت رقية ممن هاجرت الهجرتين عن أنس قال أوّل من هاجر الى ارض الحبشة عثمان وخرج معه بابنة رسول الله ﷺ فأبطأ على رسول الله ﷺ خبرهما فجعل يتوكف الخبر فقدمت امرأة من قريش فسألها فقالت رأيتها فقال على أى حال رأيتها فقالت رأيتها وقد حملها على حمار من هذه الدواب وهو يسوقها فقال النبى ﷺ صحبهما الله ان كان عثمان لأوّل من هاجر الى الله بعد لوط خرجه خيثمة بن سليمان والملا*
(ذكر وفاتها)
* عن ابن شهاب انها كانت اصابتها الحصبة فمرضت وتخلف عليها عثمان فلم يشهد بدرا وماتت بالمدينة وجاء زيد بن حارثة بشيرا بفتح بدر وعثمان قائم على قبر رقية خرجه أبو عمرو قال لا خلاف أن رسول الله ﷺ ضرب لعثمان بسهمه من بدر وأخرجه عن ابن عباس قال لما عزى رسول الله ﷺ بابنته رقية قال الحمد لله دفن البنات من المكرمات خرجه الدولابى وكانت وفاتها لسنة وعشرة أشهر وعشرين يوما من مقدمه ﷺ المدينة ذكره ابن قتيبة*
(ذكر ولدها)
* ولدت رقية لعثمان بالحبشة ولد اسماه عبد الله وكان يكنى به قال مصعب وبلغ الغلام ست سنين فنقر عينه ديك فتورّم وجهه ومرض ومات وقال غيره وصلّى عليه رسول الله ﷺ ونزل فى حفرته أبوه عثمان وذكر الدولابى انه مات وهو رضيع وقال قتادة لم تلد رقية لعثمان وهو غلط والاصح ما تقدّم وستجىء وفاة عبد الله بن عثمان فى الموطن الرابع*
(ذكر أمّ كلثوم بنت رسول الله ﷺ
* وهى ممن عرف بكنيته ولم يعرف لها اسم وقد تقدّم ذكر الخلاف فى أيهما أكبر هى أم رقية وهى أكبر سنا من فاطمة*
(ذكر من تزوّجها)
* وقد تقدّم قبله أن عتيبة بن أبى لهب كان تزوّجها ثم فارقها قبل دخوله بها فخلف عليها عثمان بن عفان بعد موت اختها رقية وعن قتادة أن عتيبة فارق أمّ كلثوم ولم يبن بها ثم جاء الى النبىّ ﷺ فقال له كفرت بدينك وفارقت ابنتك لا تحبنى ولا أحبك ثم سطا عليه وشق قميصه وهو خارج نحو الشأم تاجرا فقال له ﵇ أما انى أسأل الله أن يسلط عليك كلبه فخرج فى تجر من قريش حتى نزلوا مكانا من الشأم يقال له الرزقاء ليلا فأطاف بهم الاسد تلك الليلة فجعل عتيبة يقول يا ويل أمى هو والله آكلى كما دعا علىّ محمد أقاتلى ابن أبى كبشه وهو بمكة وانا بالشأم فعدى عليه الاسد من بين القوم فأخذ برأسه ففدغه وعن عروة بن الزبير أن عتيبة لما أراد الخروج الى الشام أتى رسول الله ﷺ فقال يا محمد هو يكفر بالذى دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ثم تفل وردّ التفلة على رسول الله ﷺ فقال ﷺ اللهم سلط عليه كلبا من كلابك وأبو طالب حاضر فوجم لها فقال ما كان أغناك عن دعوة ابن أخى ثم خرج الى الشام فنزلوا منزلا وأشرف عليهم راهب من الدير فقال أرض مسبعة فقال أبو لهب يا معشر قريش أعينونا هذه الليلة فانى اخاف دعوة محمد فجمعوا أحمالهم وفرشوا لعنيبة
стр. 275
فى اعلاها وباتوا حوله فجاء الاسد فجعل يتشمم وجوههم ثم ثنا ذنبه فوثب فضربه ضربة واحدة فحدشه فقال قتلنى ومات وروى أن الاسد أقبل يتخطاهم حتى أخذ برأس عتيبة ففدغه خرجه الدولابى وفيه قال حسان بن ثابت
من يرجع العام الى أهله ... فما أكيل السبع بالراجع
هذا هو المشهور من أن جملة أولاد أبى لهب أربعة عتبة وعتيبة ومعتب ودرّة أسلموا يوم الفتح ولهم صحبة وقد مرّ الكلام فى سبيعة بنت أبى لهب وعتيبة قتله الاسد كما ذكر وبعضهم عكس الامر وقال ان عتيبة المصغر هو الذى أسلم وعتبة المكبر هو الذى قتله الاسد وعلى هذا بنى القاضى عياض كلامه فى الشفاء كذا فى مزيل الخفاء*
(ذكر كيفية تزويج أمّ كلثوم عثمان)
* عن سعيد بن المسيب قال آم عثمان من رقية بنت رسول الله ﷺ وآمت حفصة بنت عمر من زوجها فمرّ عمر بعثمان فقال له هل لك فى حفصة وكان عثمان قد سمع رسول الله ﷺ يذكرها فلم يجبه فذكر ذلك عمر للنبىّ ﷺ فقال النبىّ ﷺ هل لك فى خير من ذلك أتزوّج أنا حفصة وأزوّج عثمان خيرا منها أمّ كلثوم خرجه أبو عمرو وقال حديث صحيح وعن ربعى بن خراش عن عثمان انه خطب الى عمرا بنته فردّه فبلغ ذلك النبىّ ﷺ فلما راح اليه عمر قال يا عمر أدلك على خير لك من عثمان وأدل عثمان على خير له منك قال نعم يا نبىّ الله قال تزوّجنى ابنتك وأزوّج عثمان ابنتى خرجه الحجندى*
(ذكر أن تزويجه اياها كان بوحى من الله تعالى وأمر منه)
* تقدّم فى تزويج رقية طرف منه وعن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ أتانى جبريل فأمرنى أن أزوّج عثمان ابنتى وقالت عائشة كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو فان موسى ﵇ خرج يلتمس نارا فرجع بالنبوّة خرجه الحافظ أبو نعيم البصرى وعن أبى هريرة قال لقى النبىّ ﷺ عثمان عند باب المسجد فقال يا عثمان هذا جبريل أخبرنى أن الله تعالى قد أمرنى أن أزوّجك أم كلثوم بمثل صداق رقية وعلى مثل صحبتها خرجه ابن ماجه القزوينى والحافظ أبو القاسم الدمشقى والامام أبو الخير القزوينى الحاكمى وعنه قال قال عثمان لما ماتت امرأته بنت رسول الله ﷺ بكيت بكاء شديدا فقال رسول الله ﷺ ما يبكيك قلت أبكى على انقطاع صهرى منك قال فهذا جبريل يأمرنى بأمر الله أن أزوّجك أختها وعن ابن عباس معناه وفيه والذى نفسى بيده لو أن عندى مائة بنت تموت واحدة بعد واحدة زوّجتك أخرى حتى لا يبقى بعد المائة شىء هذا جبريل أخبرنى ان الله يأمرنى أن أزوّجك اختها وأن أجعل صداقها مثل صداق اختها أخرجهما الفضائلى الرازى*
(ذكر وفاة أمّ كلثوم)
* ماتت أمّ كلثوم فى سنة تسع من الهجرة وصلّى عليها أبوها ﷺ ونزل فى حفرتها علىّ والفضل وأسامة بن زيد روى أن أبا طلحة الانصارى استأذن رسول الله ﷺ فى أن ينزل معهم فأذن له ذكره أبو عمرو وعن أنس قال شهدنا بنت رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ جالس على القبر فرأيت عينيه تدمعان فقال هل فيكم من أحد لم يقارف الليلة فقال أبو طلحة أنا فقال انزل فى قبرها فنزل خرجه البخارى ولا تضادّ بين هذا وبين ما تقدّم بل يجوز أن يكون استأذن أوّلا فقال ﷺ ذلك ليثبت لابى طلحة موجب اختصاصه بالنزول وقد رويت هذه القصة فى رقية وهو وهم فان النبىّ ﷺ لم يكن حال دفنها حاضرا بل كان فى غزوة بدر كما تقدّم وغسلتها اسماء بنت عميس وصفية بنت عبد المطلب وشهدت أمّ عطية غسلها وروت قول رسول الله ﷺ اغسليها ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أكثر من ذلك ان رأيتن ذلك بماء وسدر واجعلن فى الآخرة كافورا أو شيئا من كافور فاذا فرغتن آذننى فلما فرغنا
стр. 276
آذناه فألقى الينا حقوه وقال أشعريها اياه قالت ومشطناها ثلاثة قرون وألقيناها خلفها وعنها أنه ﷺ قال ابد أن بميا منها ومواضع السجود منها اخرجاهما أى البخارى ومسلم وعن ليلى بنت قائف الثقفية قالت كنت ممن غسل أمّ كلثوم بنت رسول الله ﷺ فكان أوّل ما اعطانا رسول الله ﷺ الحقا ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة ثم أدرجت فى الثوب الآخر قالت ورسول الله ﷺ جالس على الباب معه كفنها فنا ولنا ثوبا ثوبا خرجه الدولابى*
(ذكر فاطمة بنت رسول الله ﷺ
* فى الصفوة ولدت فاطمة وقريش تبنى الكعبة قبل النبوّة بخمس سنين وهى اصغر بناته وفى ذخائر العقبى وكانت ولادتها قبل النبوّة بخمس سنين وقريش تبنى الكعبة وولدت الحسن ولها احدى عشرة سنة بعد الهجرة بثلاث سنين قال أبو عمرو ولدت فاطمة سنة احدى وأربعين من مولده ﵇ وهو مغاير لما رواه ابن اسحاق انّ أولاده كلهم ولدوا قبل النبوّة الا ابراهيم* وعن أبى جعفر قال دخل العباس على علىّ وفاطمة وأحدهما يقول للآخر أينا أكبر فقال العباس ولدت يا على قبل بناء قريش البيت بسنوات وولدت انت وقريش تبنى البيت ورسول الله ﷺ ابن خمس وثلاثين سنة قبل النبوّة بخمس سنين خرجه الدولابى وكان رسول الله ﷺ يحب فاطمة حبا شديدا وعن عائشة قالت قلت يا رسول الله مالك اذا قبلت فاطمة جعلت لسانك فى فيها فكأنك تريد أن تلعقها عسلا فقال ﷺ انه لما أسرى بى أدخلنى جبريل الجنة فناولنى تفاحة فأكلتها فصارت نطفة فى ظهرى فلما نزلت من السماء واقعت خديجة ففاطمة من تلك النطفة فكلما اشتقت الى تلك النطفة قبلتها خرجه أبو سعد فى شرف النبوّة وروى الملافى سيرته انّ النبى ﷺ قال أتانى جبريل بتفاحة من الجنة فأكلتها فواقعت خديجة فحملت بفاطمة وفى رواية قالت عائشة انك تكثر تقبيل فاطمة فقال ﷺ انّ جبريل ليلة أسرى بى أدخلنى الجنة فأطعمنى من جميع ثمارها فصار ماء فى صلبى فحملت خديجة بفاطمة فاذا اشتقت الى تلك الثمار قبلت فاطمة فأصبت من رائحتها جميع تلك الثمار التى أكلتها خرجه الفضل بن خيرون كذا فى ذخائر العقبى وهذه الروايات تقتضى كون ولادة فاطمة بعد البعثة لان الاسراء كان بعد البعثة وقد صرح أبو عمرو بأنّ ولادة فاطمة كانت سنة احدى وأربعين من مولده ﷺ كما نقلنا آنفا من سيرة مغلطاى*
(ذكر وصيتها الى أسماء بنت عميس بما تصنعه بعد موتها)
* عن أمّ جعفر أنّ فاطمة رضى الله عنها قالت لاسماء بنت عميس انى قد استقبحت ما يصنع بالنساء انه يطرح على المرأة الثوب فيصفها قالت أسماء يا ابنة رسول الله ألا أريك شيئا رأيته بأرض الحبشة فدعت بجرائد رطبة فحنتها ثم طرحت عليها ثوبا فقالت فاطمة ما أحسن هذا وأجمله تعرف به المرأة من الرجل فاذا أنا مت فاغسلينى أنت وعلىّ ولا يدخل علىّ أحد غيرك فلما توفيت جاءت عائشة تدخل فقالت أسماء لا تدخلى فشكت الى أبى بكر فقالت انّ هذه الخثعمية تحول بيننا وبين بنت رسول الله ﷺ وقد جعلت لها مثل هودج العروس فجاء أبو بكر رضى الله عنه فوقف وقال يا أسماء ما حملك على أن منعت أزواج النبىّ ﷺ يدخلن على بنت رسول الله ﷺ وجعلت لها مثل هودج العروس فقالت أمرتنى أن لا يدخل عليها أحد وأريتها هذا الذى صنعت وهى حية فأمرتنى أن أصنع ذلك لها* قال أبو بكر رضى الله عنه اصنعى ما أمرتك ثم انصرف وغسلها علىّ وأسماء خرجه أبو عمرو وخرج الدولابى معناه مختصرا وذكر أنها لما أرتها النعش تبسمت وما رؤيت متبسمة يعنى بعد النبىّ ﷺ الا يومئذ وعن أمّ سلمى قالت اشتكت فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلم
стр. 277
فرّضناها فأصبحت يوما كأمثل ما رأيناها فى شكواها فخرج على بن أبى طالب لبعض حاجته قالت فاطمة اسكبى لى يا أمه غسلا فسكبت لها غسلا فاغتسلت كأحسن ما كنت أراها تغتسل قالت ثم قالت يا أمه ناولينى ثيابى الجدد قالت فناولتها ثم جاءت الى البيت الذى كانت فيه فقالت قدّمى فراشى وسط البيت واضطجعت ووضعت يدها اليمنى تحت خدّها ثم استقبلت القبلة ثم قالت يا أمه انى مقبوضة الآن فلا يكشفنى أحد ولا يغسلنى أحد قالت فقبضت مكانها قالت ودخل علىّ فأخبرته بالذى قالت وبالذى أمرتنى فقال علىّ والله لا يكشفها أحد فاحتملها فدفنها بغسلها ذلك ولم يكشفها ولا غسلها أحد خرجه أحمد فى المناقب والدولابى واللفظ له وهو مضادّ لخبر أسماء المتقدّم* قال أبو عمرو فاطمة أوّل من غطى نعشها من النساء فى الاسلام على الصفة المذكورة فى خبر أسماء المتقدّم ثم بعدها زينب بنت جحش صنع لها ذلك أيضا*
(ذكر تاريخ وفاتها وسنها يوم ماتت)
* فى الصفوة توفيت فاطمة بعد وفاة رسول الله ﷺ بستة أشهر فى ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من رمضان سنة احدى عشرة من الهجرة وهى بنت ثمان وعشرين سنة ونصف* وعن الزهرى ماتت فاطمة بعد رسول الله ﷺ بثلاثة أشهر* وعن عائشة قالت كان بين النبىّ ﷺ وبين فاطمة شهران والاوّل أصح* وفى ذخائر العقبى قيل توفيت بعده ﷺ بثمانية أشهر وقيل بمائة يوم وقيل بسبعين ذكره أبو عمرو* وفى الصفوة وهى يوم ماتت بنت ثمان وعشرين سنة ونصف سنة* وفى ذخائر العقبى وهى ابنة تسع وعشرين سنة قاله المداينى* وقال عبد الله بن حسن ابن على بن أبى طالب ابنة ثلاثين سنة* وقال الكلبى خمس وثلاثين حكاه أبو عمرو وقيل ثمان وعشرين حكاه الرازى وعلى الاقوال كلها سوى قول مغلطاى المتقدّم يكون مولدها قبل النبوّة* وذكر الامام أبو بكر أحمد بن نصر بن عبد الله الدراع فى كتاب تاريخ مواليد أهل البيت أنها توفيت وهى ابنة ثمان عشرة سنة وخمسة وسبعين يوما منها بمكة ثمان سنين والباقى بالمدينة وعاشت بعد أبيها خمسة وسبعين يوما وفى رواية أربعين يوما*
(ذكر من غسلها ومن صلّى عليها ومن دخل قبرها)
* فى الصفوة غسلها علىّ وصلّى عليها وقالت عمرة صلّى عليها العباس ودفنت ليلا كذا فى ذخائر العقبى وفيه وخرج البصرى من حديث مالك بن أنس أنه صلّى عليها أبو بكر ودخل بها فى قبرها علىّ والفضل وكانت أشارت على علىّ أن يدفنها ليلا* وعن مالك بن جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه على بن الحسين قال ماتت فاطمة بين المغرب والعشاء فحضرها أبو بكر وعمر وعثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف فلما وضعت ليصلى عليها قال علىّ تقدّم يا أبا بكر قال وأنت شاهد يا أبا الحسن قال نعم تقدّم فو الله لا يصلى عليها غيرك فصلى عليها أبو بكر رضى الله عنهم أجمعين ودفنت ليلا خرجه البصرى وخرجه ابن النعمان فى الموافقة وفى بعض طرقه فكبر عليها أربعا وهذا مغاير لما جاء فى الصحيح أنّ عليا لم يبايع أبا بكر حتى ماتت فاطمة وطريان هذا مع عدم البيعة يبعد فى الظاهر والغالب وان جاز أن يكونوا لما سمعوا بموتها حضروها فاتفق ذلك ثم بايع بعده كذا فى الرياض النضرة للمحب الطبرى*
(ذكر موضع قبرها)
* ذكر الحافظ أبو عمرو بن عبد البر أنّ الحسن لما توفى دفن الى جنب أمّه فاطمة وقبر الحسن معروف بجنب قبر العباس ولا يذكر لفاطمة ثمة قبر فتكون على هذا مع الحسن فى قبة العباس فينبغى أن يسلم عليها هناك* وروى أنّ أبا العباس المرسى كان اذا زار البقيع وقف أمام قبلة قبة العباس وسلم على فاطمة رضى الله عنها ويذكر أنه كشف له عن قبرها ثمة وعن عبد الله بن جعفر بن محمد انه كان يقول قبر فاطمة فى بيتها الذى أدخله عمر بن عبد العزيز فى المسجد مروياتها فى كتب الاحاديث ثمانية عشر حديثا المتفق عليه منها واحد والباقى فى سائر الكتب*
(ذكر ولد فاطمة)
* عن الليث بن سعد قال تزوّج علىّ
стр. 278
فاطمة فولدت له حسنا وحسينا ومحسنا وزينب وأمّ كلثوم ورقية فاتت رقية ولم تبلغ وقال غيره ولدت حسنا وحسينا ومحسنا فهلك محسن صغيرا وأمّ كلثوم وزينب ولم يذكر رقية ولم يتزوّج عليها حتى ماتت ولم يكن لرسول الله ﷺ عقب الا من ابنته فاطمة رضى الله عنها وأعظم بها معجزة ذكره المحب الطبرى فى ذخائر العقبى* وسيجىء ذكر الحسن والحسين فى الموطن الثالث والرابع وذكر زينب وأمّ كلثوم بنتى فاطمة فى أولاد علىّ فى الخاتمة فى ذكر الخلفاء* وفى سنة ست وعشرين ولد طلحة ابن عبيد الله وفى سنة سبع وعشرين ولد سعيد بن زيد* وفى سنة تسع وعشرين ولد كعب بن عجرة كذا فى سيرة مغلطاى وفى السنة الثلاثين من مولده ﷺ ولد على بن أبى طالب رضى الله عنه فى الكعبة قال ابن اسحاق أوّل ذكر آمن بالله ورسوله على بن أبى طالب وهو يومئذ ابن عشر سنين وعن أنس بن مالك استنبئ النبىّ ﷺ يوم الاثنين وصلّى علىّ يوم الثلاثاء ثانى مبعثه وكان الاستنباء على رأس أربعين سنة فتكون ولادة علىّ فى السنة الثلاثين من مولد النبىّ ﷺ كذا ذكره فى الاستيعاب وأسد الغابة* وفى شواهد النبوّة كانت ولادة على بمكة بعد عام الفيل بسبع سنين وقيل كانت ولادته فى الكعبة وفى وقت بعثة النبىّ ﷺ كان ابن خمس عشرة سنة وقيل ثلاث عشرة وقيل عشر سنين وقيل تسع سنين والاوّل أصح أى ولادته بعد عام الفيل بسبع سنين أصح انتهى كلام شواهد النبوّة* وهذه الاقوال كلها فى الاستيعاب وأسد الغابة وقيل الذى ولد فى الكعبة عند أهل التاريخ هو حكيم بن حزام أقول لا مانع من ولادة كليهما فى الكعبة المشرّفة وفى هذه السنة الثلاثين ولد شريح القاضى وفى سنة احدى وثلاثين ولد أبو هريرة وفى سنة اثنتين وثلاثين ولد بلال بن الحارث المزنى وفى سنة ثلاث وثلاثين ولد سعيد ابن عامر بن جذيم وفى سنة أربع وثلاثين ولد معاوية بن أبى سفيان ومعاذ بن جبل كذا فى سيرة مغلطاى وفى السنة الخامسة والثلاثين من مولده ﷺ هدمت قريش الكعبة ثم بنتها كما سبق فى ذكر أوّلية الكعبة* وفى الدلائل لابى نعيم كان بين عام الفيل والفجار أربعون سنة وبين الفجار وبنيان الكعبة خمس عشرة سنة وفى تاريخ يعقوب كان بناؤها فى سنة خمس وعشرين من الفيل ووضع ﵇ الركن اليمانى بيده يوم الاثنين كذا فى سيرة مغلطاى وفى هذه السنة الخامسة والثلاثين ولدت فاطمة بنت رسول الله ﷺ وقد مرّ ذكرها فى السنة الخامسة والعشرين من مولده ﵇ فى ذكر أولاده وفى هذه السنة مات زيد بن عمرو بن نفيل وفى سيرة مغلطاى أورد موت زيد بن عمرو فى السنة الرابعة روى عن عامر بن ربيعة أنه قال كان زيد بن عمرو بن نفيل يطلب الدين وكره النصرانية واليهودية وعبادة الاوثان والاحجار وأظهر خلاف قومه واعتزل آلهتهم وما كان يعبد آباؤهم فلا يأكل ذبائحهم وهذان البيتان من أشعاره
أربا واحدا أم ألف رب ... أدين اذا تقسمت الامور
تركت اللات والعزى جميعا ... كذلك يفعل الرجل البصير
قال عامر قال لى زيد يا عامر انى خالفت قومى واتبعت ملة ابراهيم وما كان يعبده واسماعيل من بعده وكانوا يصلون الى هذه القبلة وأنا أنتظر نبيا من ولد اسماعيل يبعث لا أرانى أدركه وأنا أو من به وأصدّقه وأشهد أنه نبىّ فان طالت بك مدّة فرأيته فأقرئه منى السلام قال عامر فلما نبئ رسول الله ﷺ أسلمت وأخبرته بقول زيد وأقرأته منه السلام فردّ ﷺ ﵇ وترحم عليه وقال لقد رأيته فى الجنة يسحب ذيولا* وفى سنة ست وثلاثين ولد عبد الله بن عمرو ابن العاص وجابر وأبو قتادة وأبو أسيد الساعدى كذا فى سيرة مغلطاى* ومن وقائع السنة الثامنة
стр. 279
والثلاثين من مولده ﷺ أنه رأى الضوء والنور وكان يسمع الصوت ولا يدرى ما هو* وفى السنة التاسعة والثلاثين ولد واثلة بن الاسقع ذكره العتقى كذا فى سيرة مغلطاى* ومن وقائع السنة الاربعين من مولده ﷺ قتل كسرى برويز النعمان بن المنذر لغضب كان عليه قتله قبل المبعث بسبعة أشهر والله أعلم
* (الركن الثانى فى الحوادث من ابتداء نبوّته الى زمان هجرته
من صفة نزول الوحى ورمى الشياطين بالشهب وانفصام طاق كسرى وأوّل من أسلم واخفاء الدعوة ووفاة ورقة بن نوفل واظهار الدعوة وولادة عائشة وهجرة الحبشة وايذاء المشركين وولادة أسامة بن زيد ووفاة سمية بنت حباط واسلام حمزة وعمر بن الخطاب ووقعة بغاث وتقاسم قريش على معاداة بنى هاشم وبنى المطلب ونزول سورة الروم وانشقاق القمر ووفاة أبى طالب وخديجة وذكر ثقيف ووفود الجنّ وتزوّج سودة وعائشة وبدء اسلام الانصار وذكر المعراج وفرض الصلوات الخمس وبيعة العقبة الاولى وبيعة العقبة الثانية وهجرة أبى بكر الى الحبشة وابتداء هجرة الاصحاب الى المدينة ومشاورة قريش فى حبسه أو قتله أو اخراجه واخبار جبريل اياه بذلك واذنه له بالهجرة) *
نزول الوحى وكيفيته
من حوادث السنة الاولى من النبوّة نزول الوحى وكيفيته روى أنه لما تمّ لرسول الله ﷺ أربعون سنة ودخل فى السنة الحادية والاربعين بيوم واحد أوحى الله تعالى اليه وذلك سنة عشرين من ملك كسرى أبرويز بن هرمز بن كسرى أنوشروان ملك الفرس كذا فى المنتقى وأسد الغابة* وفى المواهب اللدنية ولما بلغ أربعين سنة قيل وأربعين يوما وقيل وعشرة أيام وقيل وشهرين يوم الاثنين لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان وقيل لسبع وقيل لاربع وعشرين ليلة وقال ابن عبد البرّ يوم الاثنين لثمان من ربيع الاوّل وكذا قاله أبو عمرو وزاد سنة احدى وأربعين من عام الفيل وفى تاريخ الفسوى على رأس خمس عشرة سنة من بنيان الكعبة وضعفه وعن مكحول بعد ثنتين وأربعين سنة كذا فى سيرة مغلطاى وقال ابن المسيب بعثه الله وله ثلاث وأربعون سنة فأقام بمكة عشرا وبالمدينة عشرا وقيل انه كتم أمره ثلاث سنين وكان يدعو مستخفيا الى أن أنزل الله تعالى وأنذر عشيرتك الاقربين فأظهر الدعوة كذا فى أسد الغابة وسيجىء زيادة على هذا وفى المواهب اللدنية كان ابتداء المبعث فى رجب وفى كتاب المنتقى نزل عليه القرآن وهو ابن خمس وأربعين لسبع وعشرين من رجب قاله الحسين وجمع بأنّ ذلك حين حمى الوحى وتتابع كذا فى سيرة مغلطاى وقال بعض علماء الحديث ابتداء الوحى الى النبىّ ﷺ كان فى المنام فى ربيع الاوّل فى السنة الحادية والاربعين وابتداء الوحى اليه فى اليقظة ونزول القرآن كان فى رمضان تلك السنة وعن أنس بن مالك أنه قال بعث رسول الله ﷺ على رأس أربعين والصحيح من الروايات أنّ أوّل ما بدئ به النبىّ ﷺ من الوحى الرؤيا الصادقة فى النوم فكان لا يرى رؤيا الاجاءت مثل فلق الصبح كما سيجىء من حديث عائشة فانّ المدّة التى كان يوحى اليه فى المنام فيها ستة أشهر الى أن استعلن له جبريل فقول النبىّ ﷺ الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزأ من النبوّة معناه أنّ النبى ﷺ حين بعث أقام بمكة ثلاث عشرة سنة وأقام بالمدينة عشر سنين فذلك ثلاث وعشرون سنة كاملة فاذا قسمت مدّة الوحى اليه فى اليقظة وهى ثلاث وعشرون سنة الى مدّة الوحى اليه فى المنام وهى ستة أشهر وجدت مدّة بعثه الى حين وفاته على هذا ستة وأربعين جزأ فاتضح معنى الحديث وروى عن محمد بن أحمد بن عبد البر أنه قال بعث الله محمدا ﷺ وله يومئذ أربعون سنة فأتاه جبريل ليلة السبت وليلة الاحد ثم ظهر له بالرسالة
стр. 280
يوم الاثنين لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان بحراء وهو أوّل موضع نزل فيه القرآن نزل اقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الاكرم الذى علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم الى هذا ثم بحث أى ضرب جبريل بعقبه فى الارض فنبع منها ماء فعلمه الوضوء والصلاة ركعتين وقيل ثم جاء جبريل فى يوم الثلاثاء ثانى مبعثه فوافاه بأعلامكة فهمز جبريل بعقبه ناحية الوادى فنبع عين ماء فتوضأ وأرى رسول الله ﷺ الوضوء ثم قام جبريل فصلى به ركعتين وأراه الصلاة وفى ذلك اليوم فرض عليه الوضوء والصلاة ثم فارقه جبريل وعاد النبىّ ﷺ الى خديجة فأخبرها فغشى عليها من الفرح ثم أخذ بيدها وأتى بها الى العين فتوضأ ليريها الوضوء فتوضأت ثم قام فصلى وصلت معه وكانت أوّل من آمن وأوّل من صلّى فكانت ذلك أوّل فرضها ركعتين ثم انّ الله تعالى أقرّها فى السفر كذلك وأتمها فى الحضر* وقال مقاتل كانت الصلاة أوّل فرضها ركعتين بالغدوة وركعتين بالعشىّ لقوله تعالى وسبح بالعشىّ والابكار* قال فى فتح البارى كان النبىّ ﷺ قبل الاسراء يصلى قطعا وكذلك أصحابه ولكن اختلف هل افترض قبل الخمس شىء من الصلاة أم لا فقيل انّ الفرض كان صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها والحجة عليه قوله تعالى وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها انتهى* وقال النووى أوّل ما وجب الانذار والدعاء الى التوحيد ثم فرض الله من قيام الليل ما ذكر فى أوّل سورة المزمّل ثم نسخه بما فى آخرها ثم نسخه بايجاب الصلوات الخمس ليلة الاسراء كذا فى المواهب اللدنية* وقال رسول الله ﷺ يا خديجة هذا جبريل يقرئك السلام من ربك فقالت خديجة الله السلام ومنه السلام وعلى جبريل السلام وعن أبى هريرة قال أتى جبريل النبىّ ﷺ فقال يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معها اناء فيه ادام أو طعام أو شراب فاذا أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ومنى وبشرها ببيت فى الجنة من قصب لاصخب فيه ولا نصب رواه البخارى* وروى أبو قتادة عن النبىّ ﷺ أنه سئل عن صوم الاثنين فقال ذلك يوم ولدت فيه ويوم بعثت فيه واختلفوا فى أنّ نزول القرآن فى أى الاثانين كان على خمسة أقوال* أحدها لسبع خلت من رمضان وقد ذكرناه* والثانى لاربع وعشرين ليلة خلت من رمضان رواه قتادة* والثالث للثامنة عشرة ليلة خلت من رمضان رواه أبو أيوب عن أبى قلابة* والرابع انه كان فى رجب* روى عن أبى هريرة قال من صام يوم سبع وعشرين من رجب كتب الله له صيام ستين شهرا وهذا اليوم الذى نزل فيه جبريل على رسول الله ﷺ بالرسالة أوّل يوم هبط فيه* والخامس انه الثانى من ربيع الاوّل* وعن عائشة أنها قالت أوّل ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحى الرؤيا الصادقة وكان لا يرى رؤيا الاجاءت مثل فلق الصبح ثم حبب اليه الخلاء فكان يأتى حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالى ذوات العدد ويتزوّد لذلك ثم يرجع الى خديجة فتزوّده لمثلها حتى اذا جاء الحق وهو فى غار حراء فجاءه الملك فيه وقال اقرأ فقال رسول الله ﷺ ما أنا بقارئ فأخذنى فغطنى حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فأخذنى فغطنى الثانية حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فأخذنى فغطنى الثالثة حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى فقال اقرأ باسم ربك الذى خلق حتى بلغ ما لم يعلم فرجع بها يرجف فؤاده حتى دخل على خديجة فقال زمّلونى زمّلونى فزمّلوه حتى ذهب عنه الروع* وفى سيرة ابن هشام قال ابن اسحاق فى حديث حدّثه حتى اذا كان شهر رمضان خرج رسول الله ﷺ الى حراء كما كان يخرج لجواره ومعه أهله حتى اذا كانت الليلة التى أكرمه الله فيها بالرسالة ورحم العباد بها جاءه جبريل بأمر الله تعالى قال رسول الله
стр. 281
صلى الله عليه وسلم فجاءنى وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال اقرأ قال فقلت ما اقرأ قال فغتنى به بالتاء مكان الطاء فى الرواية السابقة حتى ظننت انه الموت ثم أرسلنى فقال اقرأ وهكذا الى ثلاث مرّات ثم قال له اقرأ باسم ربك الذى خلق الى قوله ما لم يعلم قال قرأتها ثم انتهى فانصرف عنى وهببت من نومى فكأنما كتب فى قلبى كتابا الى آخر الحديث* وفى المنتقى فقال يا خديجة مالى فأخبرها الخبر وقال خشيت علىّ فقالت له كلا ابشر فو الله لا يخزيك الله أبدا انك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتقرئ الضيف وتعين على نوائب الحق ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل وهو ابن عم خديجة وكان امرأ تنصر فى الجاهلية وكان يكتب الكتاب العربى* وفى رواية العبرانى يكتب بالعربية من الانجيل ما شاء الله أن يكتب وكان شيخا كبيرا قد عمى فقالت له خديجة أى ابن عم اسمع من ابن أخيك وقيل انّ خديجة قالت لابى بكر يا عتيق اذهب الى ورقة بن نوفل كذا فى سيرة مغلطاى فقال ورقة يا ابن أخى ما ترى فأخبره رسول الله ﷺ فقال ورقة هذا الناموس الاكبر الذى أنزل الله تعالى على موسى يا ليتنى فيها جذعا أكون حيا حين يخرجك قومك فقال رسول الله ﷺ أو مخرجىّ هم قال نعم لم يأت رجل قط بما جئت به الاعودى وان يدركنى يومك أنصرك نصرا مؤزرا فلم ينشب ورقة ان توفى وفتر الوحى فترة حتى حزن رسول الله ﷺ حزنا غدا منه مرارا كى يتردّى من رؤس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكى يلقى نفسه منه تبدى له جبريل فقال يا محمد انك رسول الله فيسكن له جاشه وتقرّ عينه فيرجع فاذا طالت عليه فترة الوحى غد المثل ذلك فاذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك* وفى المواهب اللدنية فترة الوحى عبارة عن تأخره مدّة من الزمان وذلك ليذهب عنه ما كان يجده ﵇ من الروع وليحصل له الشوق الى العود وكانت مدّة فترة الوحى ثلاث سنين كما جزم به ابن اسحاق* وفى تاريخ الامام أحمد ويعقوب بن سفيان عن الشعبى أنزل عليه النبوّة وهو ابن أربعين سنة فقرن بنبوّته اسرافيل ثلاث سنين قبل جبريل فكان يعلمه الكلمة والشىء ولم ينزل عليه القرآن على لسانه فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوّته جبريل فنزل عليه القرآن على لسانه عشرين سنة كذا رواه ابن سعد والبيهقى فقد تبين انّ نبوّته ﵇ كانت متقدّمة على رسالته كما قال أبو عمرو وغيره كما حكاه أبو أمامة بن النقاش فكان فى نزول سورة اقرأ نبوّته وفى نزول سورة المدّثر رسالته بالنذارة والبشارة والتشريع وهذا قطعا متأخر عن الاوّل لانه لما كانت سورة اقرأ متضمنة لذكر أطوار الآدمى من الخلق والتعليم والافهام ناسب أن يكون أوّل سورة أنزلت وهذا هو الترتيب الطبيعى* وفى المواهب اللدنية أيضا قد ذكر ابن عادل فى تفسيره انّ جبريل ﵇ نزل على النبىّ ﷺ أربعة وعشرين ألف مرّة ونزل على آدم اثنتى عشرة مرّة وعلى ادريس أربع مرّات وعلى نوح خمسين مرّة وعلى ابراهيم اثنتين وأربعين مرّة وعلى موسى أربعمائة وعلى عيسى عشر مرّات وزاد غيره ثلاث مرّات فى صغره وسبع مرّات فى كبره* وقال ﵇ فى حديث فترة الوحى بينا أنا أمشى اذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصرى فاذا الملك الذى جاءنى بحراء جالس على كرسى بين السماء والارض فرعبت منه فرجعت فقلت زمّلونى زمّلونى فأنزل الله تعالى يأيها المدّثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر فحمى الوحى وتتابع* وجاء فى التفاسير ان أبا ميسرة قال كان النبىّ ﷺ اذا برز سمع مناديا ينادى يا محمد فيمرّ هاربا فقال ورقة بن نوفل اذا سمعت فاثبت حتى تدرى ما يقال لك فبرز فنودى فقال لبيك فقيل له قل أشهد أن لا اله الا الله وأنّ محمدا رسول الله فقالها فقيل له قل الحمد لله رب العالمين وقرأ سورة الحمد الى آخرها والمروى فى الصحيح الثابت
стр. 282
انّ اقرأ باسم ربك أوّل ما نزل من القرآن وان صح هذا الحديث عن أبى ميسرة فلعل الملك أسمعه ذلك قبل أن يظهر له بحراء ثم كان الذى بدئ به من الوحى بعد ظهور الملك وحصول العلم بأنه رسول الله اليه الآيات من أوّل سورة اقرأ* روى عن خديجة أنها قالت لرسول الله ﷺ فيما تثبته فيما أكرمه الله به من نبوّته يا ابن عم أتستطيع أن تخبرنى بصاحيك هذا الذى يأتيك اذا جاءك قال نعم فجاء جبريل فقال يا خديجة هذا جبريل قد جاءنى قالت فقم فاجلس على فخذى اليسرى فقام فجلس فقالت هل تراه قال نعم قالت فتحوّل الى فخذى اليمنى فتحوّل فقالت هل تراه قال نعم قالت فتحوّل فاجلس فى حجرى فجلس قالت هل تراه قال نعم فألقت خمارها وقالت هل تراه قال لا قالت يا ابن عم اثبت وابشر فو الله انه الملك وما هو بشيطان* وروى انه أوّل ما تراأى له جبريل أتاه من خلفه فضربه برجله فاستوى جالسا ونظر يمينا وشمالا فلم ير أحدا ثم أتاه فضربه برجله ثم قال قم يا محمد فاذا برجل يسير بين يديه والنبىّ ﷺ تبعه ثم أخرجه من باب الصفا فلما كان بين الصفا والمروة أنشب رجله فى الارض ومد رأسه الى السماء ونشر جناحيه فملأ بهما ما بين المشرق والمغرب فاذا رجلاه مغموستان فى صفرة واذا جناحاه مغموستان فى خضرة عليه وشاحان من ياقوت أحمر أجلى الجبين واضح الجبهة براق الثنايا شعره كالمرجان شعر رأسه حبك مكتوب بين عينيه لا اله الا الله محمد رسول الله فلما نظر اليه النبىّ ﷺ رعب من عظم خلقه فقال له من أنت رحمك الله فانى لم أر شيئا قط أعظم منك خلقا ولا أحسن منك وجها قال أنا جبريل أنا الروح الامين الى جميع النبيين* وفى سيرة مغلطاى قال ابشر يا محمد أنا جبريل أرسلت اليك وأنت رسول هذه الامّة اقرأ يا محمد قال ما أقرأ ولم أقرأ قط فأخرج جبريل من تحت جناحه درنوكا من درانيك الجنة منسوجا بالدرّ والياقوت فوضعه على وجه محمد ﷺ ثم غمه حتى كاد أن يغشى عليه ثم خلى عنه ثم قال اقرأ يا محمد قال وما أقرأ وما قرأت شيئا قط فعاد اليه بالدرنوك فصنع به ما صنع فى المرّة الاولى فلما أفاق قال اقرأ يا محمد فتمنى الموت مما صنع به وخاف أن يقول لا أقرأ فيعود عليه بالدرنوك قال اقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الانسان من علق الى آخر السورة ثم قال لى انزل عن الجبل فنزلت معه الى قرار الارض فأجلسنى على درنوك وعليه ثوبان أخضران كذا فى سيرة مغلطاى ثم همز بعقبه الارض فنبعت عين ماء فتوضأ وتوضأ النبىّ ﷺ وصلّى وصلّى النبىّ ﷺ معه يقتدى بصنعه فكان ذلك أوّل فرض الصلاة ركعتين ركعتين ثم انّ الله تعالى أقرّهما فى السفر وأتمها فى الحضر* قال مقاتل كانت الصلاة أوّل فرضها ركعتين بالغداة وركعتين بالعشى كما مرّ فى سيرة مغلطاى ثم غاب عنه فقال رسول الله ﷺ قلت لما غاب عنى انى شاعر أو مجنون ولم يكن شىء أبغض الىّ من شاعر أو مجنون فقلت لا صعدن الى قلة هذا الجبل فأرمى نفسى فأموت فاذا أنا بجبريل قد سدّ ما بين خافقى السماء وهو يقول أين تريد يا محمد أنا خليلك وأخوك جبريل فشغلنى ما رأيت من جبريل ﵇ عما كنت هممت بنفسى فانحدرت من الجبل فأتيت باب خديجة فدققت الباب فوثبت خديجة الى الباب ففتحت لى الباب فلما أن نظرت الىّ استقبلتنى واعتنقتنى وقبلت ما بين عينىّ وقالت فداك أبى وأمى أرى لوجهك نورا لم أر مثله قط وأشم منك ريحا لم أشم مثلها قط فما الذى رأيت فأخبرها الخبر فقالت هذه كرامة الله اياك فأجلست رسول الله ﷺ ولم تدعه يخرج وقالت يا محمد اذا اتاك فأخبرنى فلما أتاه جبريل قال أتانى قالت ههنا الىّ فأقعدته على فخذها اليسرى قالت هل تراه قال نعم ثم أقعدته على فخذها اليمنى قالت هل تراه قال نعم ثم أدخلته بين جلدها ودرعها وأخرجت رأسه من جيبها وألقت خمارها عن رأسها وتحسرت وقالت
هل تراه قال لا قالت كما أنت يا محمد حتى آتى
стр. 283
ورقة بن نوفل فأتته وقالت نعمت صباحا يا ابن عم وكانت هذه تحية الجاهلية بمنزلة السلام عليك قال لها أخديجة أنت وكان ورقة قد عمى من الكبر قالت نعم قال مالك يا سيدة نساء قريش قالت أخبرنى عن جبريل ما هو قال قدّوس قدّوس ما ذكر جبريل فى بلدة لا يعبدون فيها الله قالت انّ محمد بن عبد الله أخبرنى انه أتاه قال فان كان جبريل هبط الى هذه الارض لقد أنزل الله اليها خيرا عظيما هو الناموس الاكبر الذى أتى موسى وعيسى بالرسالة والوحى قالت فأخبرنى هل تجد فيما قرأت من التوراة والانجيل انّ الله يبعث نبيا فى هذا الزمان قال نعم يبعث الله نبيا فى هذا الزمان يكون يتيما فيؤويه الله وفقيرا فيغنيه الله تكفله امرأة من قريش أكثرهم حسبا فقال لها نعتها مثل نعتك يا خديجة قالت فهل تجد غيرها قال نعم انه يمشى على الماء كما مشى عيسى ابن مريم وتكلمه الموتى كما كلمت عيسى ابن مريم وتسلم عليه الحجارة وتشهد له الاشجار وأخبرها بنحو قول بحيرا ثم انصرفت عنه وأتت عداسا الراهب وكان شيخا كبير السن وقد وقع حاجباه على عينيه من الكبر فقالت أنعم صباحا يا عداس قال وكانّ هذا الكلام كلام خديجة سيدة نساء قريش قالت أجل قال هلموا الىّ العمامة لا رفع بها حاجبى لا نظر الى خديجة ففعلوا فقال ادنى منى فقد ثقل سمعى فدنت منه ثم قالت يا عداس أخبرنى عن جبريل ما هو وسألت بمثل ما سألت ورقة فأجابها بمثل ما أجابها ورقة وقال فى آخره ولكن يا خديجة ان الشيطان ربما عرض للعبد فأراه أمورا فخذى كتابى هذا فانطلقى به الى صاحبك فان كان مجنونا فانه سيذهب عنه وان كان من الله فلن يضرّه فانطلقت بالكتاب معها فلما دخلت منزلها اذا هى برسول الله ﷺ مع جبريل قاعد يقرئه هذه الآيات ن والقلم وما يسطرون* ما أنت بنعمة ربك بمجنون* وانّ لك لاجرا غير ممنون وانك لعلى خلق عظيم* فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون* أى المجنون فلما سمعت خديجة قراءته اهتزت فرحا ثم قالت للنبىّ ﷺ فداك أبى وأمى امض معى الى عداس فقام معها الى عداس فلما أن سلم عليه أدناه وكشف عن ظهره فاذا خاتم النبوّة يلوح بين كتفيه فلما نظر عداس اليه خرّ ساجدا يقول قدّوس قدّوس أنت والله النبىّ الذى بشر بك موسى وعيسى أما والله يا خديجة ليظهرن له أمر عظيم ونبأ كبير فو الله يا محمد ان عشت حتى تؤمر بالدعاء لا ضربن بين يديك بالسيف هل أمرت بشىء بعد قال لا قال ستؤمر ثم تؤمر ثم تكذب ثم يخرجك قومك فشق ذلك على رسول الله ﷺ قال يا عداس وانهم ليخرجونى قال نعم ما جاء والله أحد بمثل ما جئت به الا أخرجه قومه وكان قومه أشدّ الناس عليه والله ينصرك وملائكته ثم انصرف عنه رسول الله ﷺ *
(صفة نزول الوحى)
* عن عائشة ان الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله كيف يأتيك الوحى فقال رسول الله ﷺ أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس وهو أشدّ علىّ فيفصم عنى وقد وعيت عنه ما قال وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا فيكلمنى فأعى ما يقول قالت عائشة ولقد رأيته ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وان جبينه ليتفصد عرقا* وفى الحديث أنه ﷺ أوحى اليه وهو على ناقته فبركت ووضعت جرانها بالارض فما تستطيع أن تتحرّك وانّ عثمان رضى الله عنه كان كاتب الوحى يكتب للنبىّ ﷺ لا يستوى القاعدون الآية وفخذ النبىّ ﷺ على فخذ عثمان فجاء ابن أمّ مكتوم فقال يا رسول الله ان بى من العذر ما ترى فغشيه الوحى فثقلت فخذه على فخذ عثمان حتى قال خشيت أن يرضها وأنزل الله غير أولى الضرر* وروى أنه ﷺ كان اذا نزل عليه الوحى وجد منه ألما شديدا ويتصدّع رأسه* وفى هذه السنة كانت وقعة قار بين ربيعة والفرس وولد رافع بن خديج قاله العتقى كذا فى سيرة مغلطاى*
رمى الشياطين بالشهب
(ومن حوادث مبعثه
стр. 284
صلى الله عليه وسلم رمى الشياطين بالشهب بعد عشرين يوما من المبعث) عن ابن عباس قال لما بعث الله محمدا ﷺ دحر الشياطين ورموا بالكواكب وكانوا قبل يستمعون لكل قبيلة من الجن مقعد يستمعون فيه وقال ابليس هذا أمر حدث فى الارض ائتونى من كل أرض بتربة فكان يؤتى بالتربة فيشمها ويلقيها حتى أتى بتربة تهامة فشمها وقال هاهنا الحدث* وفى المنتقى أوّل من فزع لذلك أهل الطائف فجعلوا يذبحون لآلهتهم من كان له ابل أو غنم كل يوم حتى كادت أن تذهب أموالهم ثم تناهوا وقال بعضهم لبعض ألا ترون معالم السماء كما هى لا يذهب منها بشىء* وفى المدارك الجمهور على انّ ذلك لم يكن قبل مبعث محمد ﷺ وقيل كان فى الجاهلية ولكن الشياطين كانت تسترق فى بعض الاوقات فمنعوا من الاستراق أصلا بعد مبعث النبىّ ﷺ وسيجىء فى حوادث السنة العاشرة من النبوّة*
انفصام طاق كسرى
ومن حوادث مبعثه ﷺ ما روى انه لما بعث الله نبيه ﷺ أصبح كسرى برويز ذات غداة وقد انفصمت طاق ملكه من وسطها فلما رأى ذلك أحزنه وقال شاهى بشكست يقول الملك انكسر ثم دعا كهانة وسحرته ومنجميه وقال انظروا فى ذلك الامر فنظروا ثم قالوا ليخرجن من الحجاز سلطان يبلغ المشرق والمغرب وتخصب منه الارض كأفضل ما أخصبت من ملك كان قبله* وفى دلائل النبوّة وشواهد النبوّة ان كسرى كان بنى على الدجلة بناء عظيما وأنفق فى عمارته مالا كثيرا فأصبح يوما فرأى ايوانه قد انصدع وخرب الماء البنيان وكان له ثلثمائة وستون رجلا من الحزاة العلماء ومن الكهنة والسحرة والمنجمين وكان فيهم رجل من العرب اسمه السائب بعث به اليه باذان من اليمن وكان يعتاف اعتياف العرب قلما تخطئ أحكامه فجمعهم كسرى وقال لهم انكسر ايوانى وخرب الماء بنيانى على دجلة من غير سبب ظاهر فانظروا فيه فخرجوا من عند كسرى لينظروا فى ذلك الامر فوجدوا طرق الكهانة والسحر والنجوم مسدودة عليهم فبات السائب فى ليلة ظلماء على ربوة من الارض يرمق برقا نشأ من أرض الحجاز ثم استطار حتى بلغ المشرق فلما أصبح رأى ما تحت قدميه فاذا هى خضراء فقال فيما يعتاف لئن صدق ما أرى ليخرجن من الحجاز سلطان يبلغ المشرق وتخصب عنه الارض كأفضل ما أخصبت عن ملك كان قبله فلما اجتمع الحزاة قال بعضهم لبعض والله ما حال بينكم وبين علمكم الا أمر جاء من السماء وانه لنبى بعث أو هو سيبعث من الحجاز يسلب ملك كسرى ويبلغ سلطانه المشرق ولئن نعيتم الى كسرى ملكه ليقتلنكم فأقيموا بينكم أمرا تقولونه فجاؤا كسرى فقالوا له انا قد نظرنا فى هذا فوجدنا حسابك الذين وضعت على حسابهم طاق ملكك قد أخطؤا فوضعوه على النحوس وانا سنحسب لك حسابا تضع عليه بنيانك فلا يزول قال فاحسبوا فحسبوا ثم قالوا له ابنه فبنى فعمل فى دجلة ثمانية أشهر وأنفق فيها من الاموال ما لا يدرى ما هو فلما تمّ البنيان قال لهم اجلس على سورها قالوا نعم فعمل مأدبة واجتمع أمراؤه وأركان دولته فأمر بالبسط والفرش والرياحين فوضعت عليها فبينما هم هناك انتسفت دجلة البنيان من تحته وغرق الناس وما فيه فلم يستخرج كسرى الا بآخر رمق فلما أخرج تغيظ لهم وغضب على الحزاة وقتل منهم قريبا من مائة وقال تلعبون بى وقال الباقون أيها الملك أخطأنا كما أخطأ الذين من قبلنا ولكن نحسب لك حسابا حتى تضعه على الوفاق من السعود قال انظروا فحسبوا له ثم قالو له ابنه فبنى وأنفق من الاموال ما لا يدرى ما هو ثمانية أشهر فلما تمّ قال لهم أخرج فاقعد قالوا نعم فركب برذونا وخرج فبينا هو يسير عليها اذ انتسفت دجلة البنيان فلم يدرك كسرى الا بآخر رمق فدعاهم فقال والله لامرن على آخركم ولا نزعن أكتافكم ولا طرحنكم بين أيدى الفيلة أو لتصدقنى ما هذا الامر الذى تلقون علىّ قالوا نكذبك أيها الملك حين خرجنا من عندك لننظر فى علمنا فوجدنا
стр. 285
الارض قد أظلمت علينا بالاقطار وسدّت علينا طرق علمنا ولم يمض لعالم منا علمه فعرفنا انّ هذا الامر حدث من السماء وانه قد بعث نبىّ من الحجاز أو سيبعث فيكون سببا لزوال ملكك فلما سمع كسرى ذلك تركهم ولها عنهم وعن دجلة حين غلبته* روى عن الحسن البصرى أنّ أصحاب رسول الله ﷺ قالوا يا رسول الله ما حجة الله على كسرى فيك قال بعث الله ملكا فأخرج يده من سور جدار بيته الذى هو فيه تلالأ نورا فلما رأى ذلك فزع فقال لا ترع يا كسرى انّ الله قد بعث رسولا وأنزل اليه كتابا فاتبعه تسلم دنياك وآخرتك قال سأنظر وسيجىء فى الموطن السابع مثل هذا وكيفية هلاك كسرى*
(ذكر أوّل من أسلم)
* وفيه اختلاف والمشهور انه أبو بكر وقيل علىّ ومن النساء خديجة ومن الموالى زيد ثم أسلم بلال وقيل أوّل من أسلم من الرجال أبو بكر ومن الصبيان علىّ ومن النساء خديجة ثم الزبير وعثمان وابن عوف وسعد وطلحة وقيل أوّل من أسلم بعد خديجة أبو بكر الصدّيق وهو قول العباس وابراهيم النخعى والشعبى كذا فى معالم التنزيل* وفى الاستيعاب وأسد الغابة عن الحسن وغيره أوّل من أسلم علىّ* وسئل محمد بن كعب القرظى عن أوّل من أسلم علىّ أو أبو بكر قال سبحان الله علىّ أوّلهما اسلاما وانما اشتبه على الناس لانّ عليا أخفى اسلامه عن أبى طالب وأبو بكر أسلم وأظهر اسلامه وقيل ينبغى أن يقال أوّل من آمن ورقة بن نوفل كذا فى مزيل الخفاء* وفى الكشاف آمن برسول الله ﷺ أى قيل النبوّة ورقة ابن نوفل وتبع الاكبر وحبيب بن شراجيل النجار وكان ينحت الاصنام وآمن برسول الله ﷺ وبينهما ستمائة سنة ولم يؤمن بنبى أحد الا بعد ظهوره قيل كان فى غار يعبد الله فلما بلغه خبر رسل عيسى أتاهم وأظهر دينه وقاول الكفرة فقالوا أو أنت تخالف ديننا فوثبوا عليه فقتلوه وقيل تواطؤه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره وقيل رجموه وهو يقول اللهمّ اهد قومى وقبره فى سوق انطاكية فلما قتل غضب الله عليهم فأهلكهم بصيحة جبريل ﵇* وعن رسول الله ﷺ سباق الامم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين على بن أبى طالب وصاحب يس ومؤمن آل فرعون* وقال ابن اسحاق كان أوّل من تبع رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد زوجته ثم كان أوّل ذكر آمن به علىّ وهو يومئذ ابن عشر سنين* وفى الرياض النضرة بعث النبىّ ﷺ يوم الاثنين وأسلم علىّ يوم الثلاثاء خرجه البغوى فى معجمه* وعن رافع قال النبىّ ﷺ بعثت يوم الاثنين وصلت خديجة آخر يوم الاثنين وصلّى علىّ يوم الثلاثاء من الغد ثم زيد بن حارثة ثم أبو بكر وهو يومئذ ابن ثمان وثلاثين سنة كذا فى المدارك وقيل سبع وثلاثين فلما أسلم أبو بكر جعل يدعو الى الاسلام فأسلم على يديه الزبير بن العوّام وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبى وقاص وعبد الرحمن بن عوف كذا فى شرح المقاصد* وقال رسول الله ﷺ ما دعوت أحدا الى الاسلام الا كانت عنده كبوة وتردّد الا أبا بكر ما أعتم حين ذكرته له وما تردّد فيه* وفى أسد الغابة عن خالد الجهنى عن عبد الله بن مسعود قال قال أبو بكر انه خرج الى اليمن قبل أن يبعث النبىّ ﷺ قال فنزلت على شيخ من الازد عالم قد قرأ الكتب وعلم من علم الناس كثيرا فلما رآنى قال أحسبك حرميا قال أبو بكر قلت نعم أنا من أهل الحرم قال وأحسبك قرشيا قال قلت نعم وأنا من قريش قال وأحسبك تيميا قال قلت نعم وأنا من تيم بن مرّة أنا عبد الله بن عثمان من ولد كعب ابن سعد بن تيم بن مرّة قال بقيت لى فيك واحدة قلت وما هى قال تكشف لى عن بطنك قلت لا أفعل أو تخبرنى لم ذاك قال أجد فى العلم الصحيح الصادق انّ نبيا يبعث فى الحرم يعاونه على أمره فتى وكهل أمّا الفتى فخوّاض غمرات ودفاع معضلات وأمّا الكهل فأبيض نحيف على بطنه شامة وعلى فخذه
следующие страницы →