Полный текст (908 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الاحمر والابيض والاسود والاصفر وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب كذا فى المصابيح* وفى الوفا بعث الله عزرائيل فقبض منها قبضة وكان ابليس قد وطئ الارض بقدميه فصار بعض الارض بين قدميه وبعض الارض موضع أقدامه فخلقت النفس مما مس قدم ابليس فصارت مأوى الشرّ ومن التربة التى لم يصل اليها قدم ابليس أصل الانبياء والاولياء* قال فى العوارف فكانت درّة رسول الله ﷺ موضع نظر الله تعالى من قبضة عزرائيل لم يمسها قدم ابليس وقيل لما خاطب الله تعالى السموات والارض بقوله ائتيا طوعا أوكرها الآية أجاب من الارض موضع الكعبة ومن السماء ما يحاذيها* وعن ابن عباس أصل طينة النبىّ ﷺ من سرّة الارض بمكة يعنى الكعبة وهو مشعر بأن ما أجاب من الارض درّته ﷺ ومن الكعبة دحيت الارض فصار النبىّ ﷺ هو الاصل فى التكوين* وقال فى العوارف عقبه وتربة الشخص مدفنه فكان مقتضى ذلك أن يكون مدفنه هناك لكن قيل لما تموّج الماء رمى الزبد الى النواحى فوقعت جوهرة النبىّ ﷺ الى ما يحاذى تربته الشريفة بالمدينة فكان مكيا مدنيا فلمكة الفضل بالبداية وللمدينة بالاستقرار والنهاية انتهى قال فصعد عزرائيل بالقبضة الى السماء فأمره فجعلها طينا أربعين سنة حتى صار لازبا ثم حمأ مسنونا أربعين سنة ثم تركه حتى يبس وصار صلصالا أربعين سنة فجعله جسدا موضوعا على طريق مكة للملائكة الذين يصعدون من الارض الى السماء أربعين سنة فكلما مرّ عليه ملأ عجبوا من حسن صورته ولم يكونوا رأوا قبل ذلك على صورة آدم شيئا من الصور حتى مرّ به ابليس فقال الشىء مّا خلق الله هذا أجوف يأكل الطعام فقال لاصحابه انى لأرى صورة مخلوق سيكون له شأن أرأيتم هذا الذى لم تروا على صورته شيئا من الخلق ان فضل الله عليكم هذا ماذا أنتم صانعون قالوا نطيع ربنا ولا نعصى له أمرا فقال ابليس فى نفسه لئن فضل علىّ لا أطيعه ولئن فضلت عليه لأهلكنه هذا ما فى بحر العلوم* وفى المشكاة عن أنس أن رسول الله ﷺ قال لما صوّر الله آدم فى الجنة تركه ما شاء الله أن يترك فجعل ابليس يطوف به ينظر ما هو فلما رآه أجوف عرف أنه خلق لا يتمالك رواه مسلم وعن ابن عباس أن ابليس مرّ على جسد آدم وهو ملقى بين الكعبة والطائف أى بوادى نعمان لا روح فيه فقال لامر ما خلق الله هذا ثم دخل من فيه وخرج من دبره وقال انه خلق لا يتمالك لانه أجوف ثم قال للملائكة الذين معه أرأيتم ان فضل هذا عليكم وأمرتم بطاعته ماذا تصنعون قالوا نطيع أمر ربنا قال ابليس فى نفسه والله لو سلطت عليه لاهلكنه ولئن سلط علىّ لأعصينه كذا فى معالم التنزيل* وقال محيى السنة أرى هذا الحديث مشكلا جدّا أى بين حديثى أنس تناف فقد ثبت بالكتاب والسنة أن آدم خلق من أجزاء الارض فدل على أنه أدخل الجنة وهو بشر حىّ وقال القاضى الاخبار متظاهرة على أن الله خلق آدم من تراب قبض من وجه الارض وخمر حتى صار طينا ثم تركه حتى صار صلصالا وكان ملقى بين مكة والطائف ببطن نعمان لكن لا ينافى ذلك تصويره فى الجنة لجواز أن تكون طينته لما خمرت فى الارض وتركت فيها حتى مضت عليها الاطوار واستعدّت لقبول الصورة الانسانية حملت الى الجنة فصوّرت ونفخ فيها الروح كذا ذكره الطيبى فى شرح المشكاة وكذا فى شرح المشارق* وقال وهب روى أن الله تعالى قال لعزرائيل أنت تصلح لقبض أولاده وسماه ملك الموت وسلطه على ذلك وكما جعله لقبض التراب الذى بدأ به خلقهم جعله لقبض أرواحهم وختم به عمرهم كذا فى بحر العلوم* روى أن عزرائيل لما قبض تلك القبضة من التراب خلط بعضها ببعض وجمعها بين مكة والطائف فطرت عليها قزعة أربعين سنة من بحر الاحزان وهو بحر تحت العرش يقال له بحر الاحزان ولذا قيل لا يمرّ على بنى آدم يوم بلا حزن* وفى بهجة النفوس فطرت عليها
стр. 37
الحزن تسعا وثلاثين سنة ثم مطرت عليها السرور سنة واحدة* وفى العرائس كان آدم جسدا ملقى على باب الجنة أربعين سنة وكان يمطر عليه الحزن ثم مطر عليه سنة واحدة السرور فلذلك كثرت الغموم فى أولاده وتصير عاقبتهم الى الفرح والراحة وفى هذا قيل
أىّ شئ يكون أعجب من ذا ... لو تفكرت فى صروف الزمان
حادثات السرور توزن وزنا ... والبلايا تكال بالقفزان
وكان الله يخمر طينته بيد القدرة من غير مشاركة الغير فجعل فى جبلته وطبيعته ما أراد وعن ابن مسعود عن النبىّ ﷺ أنه قال خلق الله آدم يوم الجمعة من كل تربة من البلاد رأسه من بيت المقدس وصدره من العراق ومقعده من بابل ويده اليمنى من البيت العتيق ويده اليسرى من فارس ورجليه وقدميه من أرض الهند وأرض يأجوج ومأجوج فلذلك اختلفت ألوان بنى آدم وفى رواية ابن عباس فرجه من بابل ويديه من أرض الكعبة ورجليه من أرض الهند وكليتيه من أرض الصحراء وعظامه من الجبال وأمعاءه من الجزائر وكبده من أرض الموصل وطحاله من أرض الحجاز وفخذيه من أرض اليمن وبطنة من أرض الطائف وظهره من أرض الشام ووجهه من أرض الجنة وعينيه من أرض الكوثر وقلبه من نور العرش كذا فى بحر العلوم* وكان فى الاوّل ترابا فعجن بالماء فصار طينا فمكث ما شاء الله فصار حمأ أى طينا تغير واسودّ من طول مجاورة الماء مسنونا منتنا فخلص فصار سلالة فصوّر فيبس فصار صلصالا أى طينا يابسا غير مطبوخ يصلصل أى يصوّت اذا نقر ثم غير ذلك طورا بعد طور حتى سوّاه ونفخ فيه من روحه كذا فى المدارك وأنوار التنزيل*
غريبة من الفتوحات
وفى الفتوحات المكية ان الله تعالى لما خلق آدم ﵊ الذى هو أوّل جسم انسانى تكوّن وجعله أصلا لوجود الاجسام الانسانية فضلت من خمير طينته فضلة خلق منها النخلة فهى أخت لآدم ﵇ وهى لناعمة وسماها الشرع لناعمة وشبهها بالمؤمن ولها أسرار عجيبة دون سائر النبات وفضل من الطينة بعد خلق النخلة قدر السمسمة فى الخلفاء فمدّ الله من تلك الفضلة أرضا واسعة الفضاء اذا جعل العرش وما حواه والكرسى والسموات والارضون وما تحت الثرى والجنات كلها والنار فى هذه الارض كان الجميع فيها كحلقة ملقاة فى فلاة من الارض وفيها من العجائب والغرائب ما لا يقدر قدره ويبهر العقول أمره وفى كل نفس يخلق الله فيها عوالم يسبحون الليل والنهار لا يفترون وفى هذه الارض ظهرت عظمة الله وعظمت عند المشاهد لها قدرته وكثير من المجالات العقلية التى قام الدليل الصحيح العقلى على احالتها موجود فى هذه الارض وهى مسرح عيون العارفين العلماء بالله تعالى وفيها يجولون وخلق الله من جملة عوالمها عالما على صورنا اذا أبصرهم العارف يشاهد نفسه فيهم وقد أشار الى مثل ذلك عبد الله بن عباس رضى الله عنهما فيما روى عنه فى حديث هذه الكعبة بيت واحد من أربعة عشر بيتا وان فى كل أرض من السبع الارضين خلقا مثلنا حتى ان فيهم ابن عباس مثلى وصدقت هذه الرواية عند أهل الكشف*
(ذكر الروح)
* قال فى أنوار التنزيل ويسئلونك عن الروح أى الذى يحيى به بدن الانسان ويدبره قل الروح من أمر ربى أى من الابداعيات الكائنة بكن من غير مادّة وتولد من غير أصل كأعضاء جسده اذا وجد وجدت بتكوينه على أن السؤال عن قدمه وحدوثه وقيل مما استأثر الله تعالى بعلمه لما روى أن اليهود قالوا لقريش سلوه عن أصحاب الكهف وعن ذى القرنين وعن الروح فان أجاب عنها أو سبكت فليس بنبىّ وان أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبىّ فسألوه فبين لهم القصتين وأبهم لهم أمر الروح وهو مبهم فى التوراة وقيل جبريل وقيل خلق أعظم من الملك وقيل القرآن ومن أمر ربى معناه من وجيه* وفى المواهب اللدنية
стр. 38
قد اختلف فى المراد بالروح فى قوله ويسئلونك عن الروح والجواب يدل على أنها شئ موجود مغاير للطبائع والاخلاط وتركيبها فهى جوهر بسيط مجرّد لا يحدث الا بمحدث وهو قوله تعالى كن فكان قال هى موجودة محدثة بأمر الله وتكوينه ولها تأثير فى افادة حياة الجسد ولا يلزم من عدم العلم بكيفيتها المخصوصة نفيه* قال فى فتح البارى قد تنطع قوم وتباينت أقوالهم فقيل هى النفس الداخل الخارج وقيل جسم لطيف يحل فى جميع البدن وقيل هى الدم وقد بلغت الاقوال فيها المائة ونقل ابن منده عن بعض المتكلمين أن لكل نبىّ خمسة أرواح ولكل مؤمن ثلاثة وقال ابن العربى اختلفوا فى الروح والنفس فقيل متغايران وهو الحق وقيل هما شئ واحد* وعن وهب روى أنه لما تم تخمير طينة آدم وعدّلت أجزاؤه وسوّيت أعضاؤه أراد الله أن ينفخ فيه الروح فأمرها أن تدخل فيه فقالت الروح مدخل بعيد القعر مظلم فقال له ادخل ثانيا فقال كذلك فقال له ثالثا فقال كذلك فقال له رابعا ادخل كرها واخرج كرهأ كذا فى بحر العلوم* روى أن الروح أدخلت فى جسد آدم الفخارى من قبل رأسه فكل عضو تحل فيه الروح حلولا سريانيا يصير لحما ودما ولما بلغت دماغه عطس فانتشرت فيه فنزلت لسانه وصدره فألهمه الله قوله الحمد لله فقال الله يرحمك ربك يا آدم* قال جعفر بن محمد مكثت الروح فى رأس آدم مائة عام وفى صدره مائة عام وفى ساقيه وقدميه مائة عام كذا فى المواهب اللدنية* وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال لما بلغت الروح صدره ولم تتمكن فيه بعد أراد أن يقوم وفى رواية لما دخلت الروح فى عينيه نظر الى ثمار الجنة ولما وصلت جوفه اشتهى الطعام فأراد أن يقوم الى ثمار الجنة قبل أن تبلغ رجليه وذلك قوله تعالى خلق الانسان من عجل وهذه الرواية تشعر بأن خلق آدم كان فى الجنة وقيل خلقه الله فى آخر النهار يوم الجمعة فأسرع فى خلقه قبل مغيب الشمس قال يا رب عجل خلقى قبل الليل فذلك قوله تعالى خلق الانسان من عجل* وفى المدارك وغيره العجل الطين بلغة حمير قال الشاعر
فى الصخرة الصماء منبته ... والنخل تنبت بين الماء والعجل
وفى بهجة الانوار دخلت الروح فى آدم من رجليه ويقال من دماغه فلما دخلت استدارت فيه مقدار مائتى عام ثم نزلت فى عينيه قيل الحكمة فيه ارادة الله تعالى أن ينظر آدم الى بدء خلقه وأصله حتى اذا تتابعت عليه الكرامات لا يدخله الزهو والعجب ثم نزلت الروح خياشيمه فعطس فقبل فراغ العطاس نزلت الى فمه ولسانه ولقنه بالحمد لله وذلك أوّل ما جرى على لسانه فأجابه ربه يرحمك الله يا آدم ثم نزلت الى صدره وشراسيفه فعجل بالقيام فلم يتمكن وذلك قوله تعالى خلق الانسان من عجل فلما وصلت الى جوفه اشتهى الطعام فهو أوّل حرص دخل فى جسد آدم ثم انتشر الروح فى جسده كله فصار لحما ودما وعروقا وعصبا ثم كساه لباسا من ظفر يزداد كل يوم حسنا فلما قارف الذنب بدّل هذا الظفر وبقيت منه بقية فى أنامله ليتذكر بذلك أوّل حاله ولذلك اذا ضحك الانسان فنظر الى ظفره نسى الضحك فلما أتم الله خلق آدم ونفخ فيه الروح قرطقه وشنفه وسوّره وألبسه من لباس الجنة وزينه بأنواع الزينة فخرج من ثناياه نور كشعاع الشمس ونور محمد ﷺ يلمع من جسده كالقمر ليلة البدر ثم رفعه على سرير وحمله على أكناف الملائكة وأدخله الجنة كما سيجىء* وفى بحر العلوم فلما نفخ الروح فى آدم صار فى رأسه وعينيه وأذنيه ولسانه ثم صار فى جسده كله حتى بلغ قدميه فلم يجد منفذا فرجع ليخرج من منخريه فعطس فقال له ربه قل الحمد لله رب العالمين فقالها آدم فقال يرحمك الله ولذلك خلقتك فلما انتهى الى ركبتيه أراد الوثوب فلم يقدر فلما بلغت قدميه وثب فقال الله تعالى وكان الانسان عجولا فصار بشرا ودما وعظما وعروقا وعصبا واحشاء*
(ذكر عيسى ومريم ويحيى)
يقال ان الله تعالى خلق من نفسين نفسين
стр. 39
من عطسة آدم عيسى ومن عطسة الاسد الهرّة روى أن آدم لما عطس أمر الله جبريل بأن يأخذها وفى رواية بكر بن قيس بفيه وأمره بحفظها الى زمان مريم حتى نفخ فيها فحملت بعيسى كذا فى بحر العلوم* وقصتها أنها لما حاضت اعتزلت مكانا شرقيا فى بيت المقدس أو شرقى دارها ولذلك اتخذ النصارى المشرق قبلة فاتخذت من دونهم حجابا وسترا وقعدت فى مشرقه للاغتسال من الحيض محجبة بشئ يسترها وكانت تتحوّل من المسجد الى بيت خالتها أو أختها اذا حاضت وتعود اليه اذا طهرت فبينما هى فى مغتسلها أتاها جبريل فى صورة شاب أمرد وضىء الوجه جعد الشعر سوىّ الخلق لتستأنس بكلامه ولعله لتهيج شهوتها فتنحدر نطفتها الى رحمها فدنا جبريل فنفخ فى جيب درعها فدخلت النفخة فى حوفها كذا فى أنوار التنزيل* قيل فى قوله لتهيج شهوتها فتنحدر نطفتها الى رحمها نظر* وفى المدارك فوصلت النفخة الى بطنها فحملت بعيسى وكانت مدّة حملها ستة أشهر وقيل تسعة أشهر كسائر النساء وقيل ثمانية ولم يعش مولود وضع لثمانية أشهر غيره وقيل كان الحمل ساعة واحدة فكما حملته نبذته قاله ابن عباس وقيل حملته فى ساعة وصوّر فى ساعة ووضعته فى ساعة* وفى لباب التأويل وضعته حين زالت الشمس من يومها انتهى وكان سنّ مريم حينئذ ثلاث عشرة سنة وقيل عشر سنين وقد حاضت حيضتين وقيل عشرين سنة كذا فى أنوار التنزيل والمدارك وغيرهما* وفى الباب التأويل كان سنها ست عشرة سنة وكانت قد حاضت حيضتين قبل أن تحمل بعيسى* وفى معالم التنزيل قال أهل التاريخ حملت بعيسى وهى بنت ثلاث عشرة سنة وولدته ببيت لحم من الارض المقدّسة لمضىّ خمس وستين سنة من غلبة الاسكندر على أرض بابل وتكلم فى المهد وهو ابن أربعين يوما وليلة روى أنه اشار بسبابته وقال بصوت رفيع انى عبد الله كذا فى المدارك وفى الحديث لم يتكلّم فى المهد الا ثلاثة عيسى ابن مريم وصاحب جريج والصبىّ الذى رأت أمّه راكب دابة فارهة حسن الهيئة فقالت اللهم اجعل ابنى مثله فسمع الصبىّ وهو يرتضع فترك الثدى وقال اللهم لا تجعلنى مثله ورأت جارية وهم يضربونها ويقولون لها زنيت سرقت وهى تقول حسبى الله ونعم الوكيل فقالت أم الصبىّ اللهم لا تجعل ابنى مثلها فترك الصبى الرضاع وقال اللهم اجعلنى مثلها* وجاء فى الخبر أيضا شاهد يوسف والذى فى قصة أصحاب الاخدود أن صبيا يرتضع قال لامّه حين امتنعت عن النار يا أمّه اصبرى فانّك على الحق فالحصر الذى وقع فى الحديث فى الثلاثة الاول اما لصحة تكلمهم فى المهد وعدم الاختلاف فيهم ووجوده فيمن عداهم فقيل انهم كانوا كبارا بلغوا حدّ الكلام واما لان النبىّ ﷺ كان أخبر بما فى علمه مما أوحى الله اليه فى تلك الحالة ثم بعد ذلك أعلمه الله بما شاء من ذلك فأخبر به كذا فى شرح المشارق* وفى أنوار التنزيل عن النبىّ ﷺ تكلم أربعة صغار ابن ماشطة بنت فرعون وشاهد يوسف وصاحب جريج وعيسى ابن مريم روى أن فرعون لما أمر بقتل ابن الماشطة وجزعت أمّه أنطقه الله تعالى فقال يا أمّه لا تجزعى وانظرى فوقك فنظرت فرأت الجنة فاطمأنت وأوحى الله تعالى الى عيسى ابن مريم ﵇ على رأس ثلاثين سنة وكانت نبوّته ثلاث سنين ورفعه الله من بيت المقدس ليلة القدر من شهر رمضان وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة* وفى الملل والنحل للشهرستانى عيسى ابن مريم هو المبعوث حقا بعد موسى ﵇ المبشر فى التوراة وكانت له آيات ظاهرة وبينات زاهرة مثل احياء الموتى وابراء الاكمه والابرص ونفس وجوده وفطرته آية كاملة على صدقه وذلك حصوله من غير نطفة سابقة ونطقه من غير تعليم سالف وجميع الانبياء بلاغهم ووحيهم بعد أربعين سنة وقد أوحى الله اليه انطاقا فى المهد وأوحى اليه ابلاغا عند الثلاثين وكانت مدّة دعوته ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيام فلما رفع الى السماء اختلف الحواريون وغيرهم فيه* وفى المدارك عن بعض العلماء أنه مرّ بالروم فقال
стр. 40
لهم لم تعبدون عيسى قالوا لانه لا أب له قال فآدم أولى لانه لا أبوين له قالوا كان يحيى الموتى قال فحزقيل أولى لان عيسى أحيا أربعة نفر وحزقيل أحيا ثمانية آلاف فقالوا كان يبرئ الاكمه والابرص قال فجر جيس أولى لانه طبخ وأحرق ثم قام سالما* وفى المدارك قال النبىّ ﷺ ينزل عيسى خليفة على أمّتى يدق الصليب ويقتل الخنزير ويلبث أربعين سنة ويتزوّج ويولد له ثم يتوفى وكيف تهلك أمّة وأنا فى أوّلها وعيسى فى آخرها والمهدى من أهل بيتى فى وسطها روى أنه قدم جذام وهم أهل مدين فقال النبىّ صلّى الله عليه سلم مرحبا بقوم شعيب وأصهار موسى لا تقوم الساعة حتى يتزوّج فيكم المسيح ويولد له* وفى ربيع الابرار عن أبى هريرة عن النبىّ ﷺ اذا أهبط الله عيسى من السماء فانّه يعيش فى هذه الامّة ما شاء الله ثم يموت بمدينتى هذه ويدفن الى جانب قبر عمر فطوبى لابى بكر وعمر فانهما يحشران بين نبيين كما سيجىء وعاشت أمّه مريم بعد رفعه ست سنين كذا فى معالم التنزيل* وفى أنوار التنزيل والمدارك فى نسب عيسى ابن مريم بنت عمران بن ماثان بن سليمان ابن داود بن ايشا من نسل يهوذا بن يعقوب ويحيى بن زكرياء أمّه سارة بنت عمران أخت مريم فعيسى ويحيى ابنا خالة وأما عمران أبو موسى وهارون فهو عمران بن يصهر بن فاهث بن عارى بن لاوى بن كعب بن يعقوب كذا فى كتاب الاعلام وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة وقيل كانت مريم من نسل هارون النبىّ أخى موسى ﵉ وبينهما ألف سنة وأمّ مريم حنة بنت فاقود امرأة عمران بن ماثان ولما ولدتها لفتها فى خرقة وحملتها الى المسجد ووضعتها عند الاحبار ابناء هارون وهم فى بيت المقدس كالحجبة فى الكعبة فقالت لهم دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لانها كانت بنت امامهم وصاحب قربانهم وكان بنو ماثان رؤس بنى اسرائيل وأحبارهم فقال لهم زكريا أنا أحق بها عندى أختها قالوا لا حتى نقترع فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين الى نهر فألقوا فيه أقلامهم وهى الاقلام التى كانوا يكتبون التوراة بها اختاروها للقرعة تبرّ كابها فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم فكفلها زكرياء ولما رأى من حال مريم فى كرامتها على الله ومنزلتها عنده رغب أن يكون له من ايشاع أخت مريم ولد مثلها فى الكرامة على الله وان كانت عاقرا فقد كانت أمّ مريم كذلك وكان زكرياء حينئذ ابن خمس وسبعين سنة أو ثمانين سنة وفى رواية كان له تسع وتسعون سنة فبشره الله بيحيى مصدّقا بكلمة من الله أى بعيسى مؤمنا به فهو أوّل من آمن بعيسى وذلك لان أمّه كانت حاملا وقد حملت مريم بعيسى فقالت لها أمّ يحيى يا مريم أحامل أنت فقالت كيف تقولين ذلك قالت انى أرى ما فى بطنى يسجد لما فى بطنك فذلك تصديقه له وايمانه به وكان يحيى أكبر من عيسى بستة أشهر وذلك أن مولد يحيى كان قبل مولد عيسى بستة أشهر ثم قتل يحيى قبل أن يرفع عيسى ﵇ كذا فى عرائس الثعلبى وستجىء قصة يحيى ﵇ ولم يرتكب يحيى سيئة قط وآتاه الله الحكم صبيا وهو فهم التوراة والفقه فى الدين وقبل النبوّة أحكم الله عقله فى صباه واستنبأه روى أن الصبيان دعوه الى اللعب وهو صبىّ فقال ما للعب خلقنا* وهذه القصة وقعت فى البين وفصلت اتصال الكلامين فلنرجع الى ما كنا فيه* يقال سمى آدم لانه خلق من أديم الارض ووجهها لان فى لونه أدمة وهى لون البرّ وقيل لان طينته مخلوقة من الماء والتراب من أدمت بين الشيئين اذا خلطتهما هذا على تقدير كونه عربيا كاشتقاق يعقوب من العقب وادريس من الدرس وابليس من الابلاس وأما على تقدير كونه أعجميا وهو الاقرب كآزر وشالخ بدليل منع الصرف فلا اشتقاق* وفى بحر العلوم للنسفى ان الكلبى ذكر عن أبى صالح عن ابن عباس أنه قال ان آدم لما هبط الى جبل الهند كان رأسه يمسح السحاب فصلع فأورث ولده الصلع وهو المشهور بين المؤرّخين وقالوا كان آدم يصعد الجبل فيسمع
стр. 41
تسبيح الملائكة فقصره الله تعالى حتى بلغ ستين ذراعا وهو مخالف لما رواه أبو هريرة عن النبىّ ﷺ أنه قال خلق الله آدم على صورته وطوله ستون ذراعا كذا فى حياة الحيوان* وزاد فى المشكاة فى سبعة أذرع عرضا وفى الصحيحين فكل من يدخل الجنة على صورة آدم فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن كذا فى المشارق واختلف فى أن المراد ذراع آدم أو الذراع المتعارف بين الناس الآن* وفى حياة الحيوان فى قوله ﷺ خلق الله آدم على صورته قال القاضى أبو بكر بن العربى المالكى العلامة يعنى على صفاته وليس لله خلق أحسن من الانسان فان الله خلقه حيا عالما قادرا مريدا متكلما سميعا بصيرا مدبرا حكيما وهذه صفات الرب تعالى وعن أبى أمامة أن رجلا سأل رسول الله ﷺ أنبيا كان آدم قال نعم قال كم بينه وبين نوح قال عشرة قرون صححه ابن حبان* وفى العمدة القرن مائة سنة لما روى أن النبىّ ﷺ وضع يده على رأس غلام وقال سيعيش هذا الغلام قرنا فقيل كم القرن قال مائة سنة فعاش مائة سنة وقيل القرن ثمانون سنة وقيل أربعون سنة* وفى المواهب اللدنية اختلفوا فى تحديد القرن كم مدّة من الزمان من عشرة أعوام الى مائة وعشرين لكن لم أر من صرّح بالتسعين ولا بمائة وعشرة وما عدا ذلك فقد قال به قائل* وقال صاحب المحكم القرن هو المتوسط من أعمار أهل كل زمن وهذا أعدل الاقوال روى ان آدم لم يكن له لحية وانما كانت لبنيه وأوّل من شاب منهم ابراهيم ﵇ وسيجىء كما ورد فى صفة أهل الجنة جرد مرد على صورة آدم ﵇ وروى فى بعض الاخبار أن آدم لما كثر بكاؤه على فراق الجنة نبتت لحيته والاصح هو الاوّل كذا فى المتقى*
نفيسة
وفى الخبر سيد الصور صورة آدم ﵇ وسيد الملائكة اسرافيل وسيد الانبياء محمد ﷺ وسيد الشهداء هابيل وسيد المؤذنين بلال وسيد الشهور رمضان وسيد الايام يوم الجمعة وسيد الليالى ليلة القدر وسيد المساجد المسجد الحرام وسيد البيوت الكعبة وسيد الجبال جبل موسى وسيد الانعام الثور وسيد الطيور النسر وسيد الوحوش الابل وسيد السباع الاسد كذا فى بحر العلوم* وفيه قال ابن عباس لما قالت الملائكة أتجعل فيها من يفسد فيها الآية أراد الله أن يظهر فضل آدم ﵇ فعلمه وأظهر فضله عليهم بعلمه ما لا يعلمونه ثم اختلف فى وجه تعليمه فقيل انه أرسل اليه ملكا من غير هؤلاء وأوحى اليه بذكر أسماء المخلوقات فسمعها وحفظها وقيل ألهمه فوقع فى قلبه فجرى لسانه بما فى قلبه بتسمية الاشياء من عنده* واختلف أيضا فى أنه جرى لسانه بتسميتها بلسان واحد أم بالالسنة كلها فقيل بلسان واحد ثم كل فريق تواضعوا على غير ذلك من الالسنة وقيل بالالسنة كلها التى يتكلم بها جميع الناس الى يوم القيامة* وعلم ذلك كله أولاده فلما تفرّقوا تكلم كل قوم منهم بلسان استسهلوه منها وألفوه ثم أنسوا غيره بعد تطاول الزمان وقيل أصبحوا وكل قوم منهم يتكلمون بلغة قد نسوا غيرها فى ليلة واحدة واختلفوا فى أنه كان تعليم الاسماء وحدها أو تعليمها بمعانيها ان هذا اسمه كذا ويستعمل فى كذا ونفعه كذا وضرّه كذا قال الربيع بن أنس وأبو العالية علمه أسماء الملائكة جبرائيل وميكائيل واسرافيل وعزرائيل وكذا كل ملك* وقال عبد الرحمن بن زيد علمه أسماء ذرّيته من وقت آدم الى انقراض العالم وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك علمه اسم كل شىء حتى القصعة والقصيعة والمغرفة وقال ابن عباس فى رواية علمه اسم كل عين وكل فعل* وقال مقاتل خلق كل شئ من الحيوان والجماد وغيرهما ثم علم آدم أسماءها فقال له يا آدم هذا فرس وهذا بغل وهذا حمار حتى أتى الى آخرها وقال سعيد بن جبير اسم كل جنس البعير والبقرة والشاة ونحوها وقال أبو موسى الاشعرى علمه صنعة كل شىء وقال الضحاك عن ابن عباس علمه أسماء المدن وأسماء القرى وأسماء
стр. 42
الطيور والشجر وأسماء ما كان وما يكون الى يوم القيامة وقيل أسماء المخلوقات كلها فى الارض وفى السماء من الحيوانات والجمادات والمطعومات والمشروبات وكل نعيم فى الجنة وقال عكرمة اسم الغراب والحمامة وقال حميد الشامى أسماء النجوم وقال الحسن البصرى علمه كل صنعة فعلمه صنعة الحديد الذى يعمل به فى الزرع عموما فحرث به وسقى حتى بلغ ثم حصده ثم داسه ثم ذرّاه ثم طحنه ثم عجنه ثم خبزه* وقال الامام القشيرى عموم قوله الاسماء يقتضى الاستغراق واقتران قوله كلها يوجب الشمول والتحقيق فلما علمه أسماء المخلوقات كلها على ما قاله المفسرون علمه أسماء الحق لكى يظهر للملائكة محل تخصيصه بأسماء المخلوقات وبذلك القدر بان رجحانه عليهم وأما انفراده بأسمائه فذلك سرّ لا يطلع عليه ملك* ومن ليس له رتبة مساواة آدم فى معرفة أسماء المخلوقات فأى طمع له فى مساواته فى معرفة أسماء الحق ووقوفه على أسرار الغيب فاذا كان التخصيص بمعرفة أسماء المخلوقات يقتضى أن يصلح لسجود الملائكة فما الظنّ بالتخصيص بمعرفة أسماء الحق تعالى فى استحقاق مزيد الاعزاز والاكرام* ثم عرضهم على الملائكة أى عرض أصحاب الاسماء أى المسميات وهم الملائكة والناس والجنّ والشياطين وغيرهم فاجتمع فى ذلك من يعقل ومن لا يعقل فلذلك جمع بالهاء والميم تغليبا للعقلاء على غيرهم وهى قراءة العامّة وفى قراءة أبىّ ثم عرضها وهو يرجع الى الاسماء* قال قتادة لما خلق الله تعالى آدم ﵇ همست الملائكة فيما بينهم وقالت لله أن يخلق من الخلق ما يشاء ولكن لن يخلق خلقا أفضل وأعلم منا فأظهر الله تعالى عجزهم وعلم آدم الاسماء وأمر الملائكة فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء أى أخبرونى بأسماء هؤلاء المسميات ان كنتم صادقين أنكم أعلم منه فلما عجزوا عن ذلك قالوا فى جوابه سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا قال وهب بن منيه ألهم الله آدم الاسماء فقال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فسمى كل أمّة باسمها من البهائم والبقاع والنبات وأمم البرّ على حدة وأمم البحر على حدة ثم فتح له السموات فسمى أهل كل سماء بأسمائهم فلما أنبأهم بذلك وعلموا فضله وعرفوا عجزهم قال الله لهم ألم أقل لكم انى أعلم غيب السموات والارض الآية ولما ظهر فضله عليهم بالعلم أمرهم بخدمته وهو قوله واذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم* اختلف فى هذا فقيل هم ملائكة الارض الذين هم كانوا مع ابليس طهر الله بهم الارض ممن أفسد فيها من الجان وقيل هم ملائكة السموات السبع وقيل هم جميع الملائكة ولذا قال كلهم أجمعون وقيل انه خطاب للملائكة ولغير الملائكة من عالم زمانهم ليسجدوا له جميعا والملائكة لما كانوا أشرف العالم حينئذ كان من عداهم تبعا لهم ثم اختلفوا فى تفسير هذا السجود قيل هو استسخارهم لآدم وولده لان الله تعالى سخر الملائكة له ولهم فى انزال المطر عليهم وحفظ آثارهم وكتب أعمالهم والعروج بها الى السماء لان السجود فى اللغة الفتور والانكسار وقيل هو التواضع وقيل ان السجود المأمور به كان الايماء دون السجود المستوفى فى الصلاة كالذى يفعله الناس فى لقاء عظمائهم من الخضوع والتواضع لهم تشريفا وتعظيما وليس بسجود تامّ ونقل هذا عن أبىّ بن كعب وابن عباس حيث قالا كان ذلك انحناء ولم يكن خرورا وقيل وهو قول الاكثرين وهو الظاهر من السجود هو السجود المستوفى المأمور بمثله فى الصلاة وهو وضع الجبهة على الارض بدليل ما فى آية أخرى فقعوا له ساحدين فدل على أنه أراد به الانحناء التامّ بالخرور والسقوط على الارض واختلفوا أيضا فى أنه كان على الدوام أو مرّة فمن جعله للاستسخار فهو فيه وفى ولده الى قيام الساعة ومن جعله تواضعا له فهو له الى آخر عمره ومن جعله فعلا واحدا تحية له فهو مرّة واختلف أيضا فى قوله لآدم ان الفعل كيف كان فى حقه قيل معناه فعل أقيم له تعظيما له وتشريفا وبيانا لقدره وقيل هو عبادة أقيمت لله تعالى لانه كان بأمره وكان آدم قبلة لها وفيه بيان قدره وتخصيصه لانه أمر به تشريفا لشأنه وقيل كان
стр. 43
الفعل تحية له لا عبادة له لانه لا عبادة الا لله تعالى وقال قتادة كان خدمة لله تعالى حرمة لآدم كصلاة الجنازة عبادة لله تعالى دعاء للميت وقيل معناه اسجدوا لاجل آدم أى شكرا لما خلق من خلق جديد وأصح ذلك كله أنه كان تحية لآدم على الخصوص ولو كان عبادة لله تعالى وآدم قبلة فى ذلك لما استكبر ابليس وانما كان تحية له وتعظيما له خاصة فلم ير له ابليس ذلك الاستحقاق فامتنع عنه واختلف أيضا فى أن الامر كان خطابا من الله للملائكة من غير واسطة أو كان بواسطة رسول من الله اليهم* واختلف فى أن هذا النوع من السجود الذى هو تحية وتعظيم لآدم هل كان مباحا لغير آدم بحال قيل ما كان مباحا لغيره كما لم يجب لغيره وقيل كان مباحا لغير آدم الى زمن يعقوب قال تعالى وخرّوا له سجدا وكان آخر من فعل له ذلك ثم نسخ وقيل بل بقى الى زمن النبىّ ﷺ حتى سجدت له الشجرة والجمل وقال له أصحابه نحن أحق بالسجود لك من هذه الاشياء فنعهم عن ذلك وقال لا ينبغى لمخلوق أن يسجد الا لله تعالى ولو أمرت أحدا أن يسجد لاحد لامرت الزوجة أن تسجد لزوجها* واختلف أيضا فى معنى الامر بذلك والحكمة فيه قيل هو لبيان فضيلة العلم واستحقاق العالم خدمة غيره له وقيل هو لبيان ضرر الطعن فى الغير وقيل هو لبيان استغنائه عن عبادتهم اياه وانكاره عليهم قولهم ونحن نسبح بحمدك ونقدّس لك فقال لهم لا حاجة لى الى عبادتكم فاخدموا عبدا من عبادى لم يعمل كثير عمل* قال وهب ابن منبه أوّل من سجد لآدم جبريل فأكرمه الله بانزال الوحى على النبيين خصوصا على سيد المرسلين ثم ميكائيل ثم اسرافيل ثم عزرائيل ثم سائر الملائكة وقيل أوّل من سجد لآدم اسرافيل فرفع رأسه وقد ظهر القرآن كله مكتوبا على جبهته كرامة له على سبقته على الائتمار* وأما موضع السجود فقد قيل كان فى الارض وقيل كان فى السماء وأما الوقت فقد قيل كما نفخ فيه الروح سجدوا له لقوله تعالى فاذا سوّيته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين والفاء للتعقيب وقيل بل كان بعد انباء آدم للملائكة بالاسماء واظهار فضله عليهم وايجاب خدمتهم له بسبب العلم وظاهر نظم الآية فى سورة البقرة يدل عليه* وفى تفسير شفاء الصدور لابى بكر النقاش عن بعضهم أنه قال كان سجود الملائكة لآدم مرّتين مرّة كما خلق بدليل قوله فقعوا له ساجدين ومرّة بعد ظهور فضله عليهم بعد العلم بالاسماء بدليل ما فى سورة البقرة وهذا قول تفرّد به هذا القائل ولم يوافقه أحد من المفسرين وقالوا لم يكن ذلك الامرّة واحدة والاظهر هو السجود بعد الانباء بالاسماء فأما الفاء فقد تكون للتعقيب مع التراخى كما فى قوله تعالى فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما كان ذلك بعد مدّة وكذا قوله تعالى فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه كان بعد مائتى سنة وأما مدّة السجود فقد قيل سجدوا فمكثوا فى سجودهم خمسمائة عام والسجود يتأدّى منا بالوضع وان قلّ وهذا التخفيف لاحد أمرين اما لضعفنا واما لعزنا قال الله تعالى خلق الانسان ضعيفا وقال ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين فكأنه قال أنت ضعيف فلا أكلفك فوق طاقتك وأنت عزيز فلا أرضى مشقتك فلما رفعوا رؤسهم من السجود بعد خمسمائة سنة رأوا آدم أدخل الجنة فتعجبوا فسجدوا مرّة أخرى وهذه السجدة كانت لله فمكثوا فى سجودهم خمسمائة سنة أيضا فلما رفعوا رؤسهم ورأوا آدم قد أهبط الى الارض وتوفى ودفن فى لحده قالوا الهنا وسيدنا مات آدم مع عزه وكرامته فأجيبوا كل نفس ذائقة الموت ومن ذلك الوقت الى يومنا هذا قريب من سبعة آلاف سنة لم يرقأ لهم دمع* وفى ليلة المعراج وجد النبىّ ﷺ أهل السموات فى البكاء*
قصة اباء ابليس
وأما قصة اباء ابليس فلما أمر الله الملائكة بالسجود وسجدوا امتنع ابليس فلم يتوجه الى آدم بل أعرض عنه وولاه ظهره وانتصب هكذا الى أن سجدوا ووقفوا فى سجودهم مائة سنة وفى رواية خمسمائة سنة ورفعوا رؤسهم وهو قائم معرض لم يندم
стр. 44
من الامتناع ولم يعزم على الاتباع ولما رأوه خذل ولم يسجد عادوا الى السجود ثانيا فكان هذا لله والاوّل لآدم وابليس يرى ذلك ولم يفعل ما فعلوه وهذا اباؤه*
(ذكر أخذ الميثاق)
* فى معالم التنزيل عن مقاتل وغيره من أهل التفسير لما خلق الله آدم مسح صفحة ظهره اليمنى فأخرج منه ذرّية بيضاء كهيئة الذرّ يتحرّكون ثم مسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذرّية سوداء كهيئة الذرّ فقال يا آدم هؤلاء ذرّيتك ثم قال لهم ألست بربكم قالوا بلى فقال للبيض هؤلاء للجنة برحمتى وهم أصحاب اليمين وقال للسود هؤلاء للنار ولا أبالى وهم أصحاب الشمال ثم أعادهم جميعا فى صلبه وفى الحديث ردّها اليه الاروح عيسى فانه أمسكه الى وقت خلقه ذكره المقدسى فى تاج المعانى* وفى المشكاة عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها الى يوم القيامة فجعل بين عينى كل انسان منهم وبيصا من نور ثم عرضهم على آدم فقال أى رب من هؤلاء فقال ذرّيتك فرأى رجلا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه فقال أى رب من هذا قال داود قال كم جعلت عمره قال ستين سنة قال رب زده من عمرى أربعين سنة فلما انقضى عمر آدم الا أربعين جاءه ملك الموت فقال آدم أولم يبق من عمرى أربعون سنة قال أولم تعطها ابنك داود فجحد آدم فجحدت ذرّيته ونسى آدم فأكل من الشجرة فنسيت ذرّيته وخطئ آدم فخطئت ذرّيته فمن يومئذ أمر بالكتاب والشهود رواه الترمذى* وفى المشكاة أيضا قال آدم أى رب فانى قد جعلت له من عمرى ستين سنة قال أنت وذاك ثم سكن آدم الجنة ما شاء الله ثم أهبط منها وكان آدم يعدّ لنفسه فأتاه ملك الموت فقال له آدم قد عجلت قد كتب لى ألف سنة قال بلى ولكنك جعلت لابنك داود ستين سنة* وفى عرائس الثعلبى قال يا رب كم عمره قال ستون سنة قال يا رب زده فى عمره قال لا الا أن تزيد أنت من عمرك فقد جف القلم بأعمار بنى آدم وكان عمر آدم ألف سنة فوهب له من عمره أربعين سنة فكتب الله عليه كتابا بذلك وأشهد عليه الملائكة فلما مضى من عمره تسعمائة وستون سنة جاءه ملك الموت ليقبضه فقال آدم عجلت يا ملك الموت قال ما فعلت بك استوفيت أجلك فقال آدم قد بقى من عمرى أربعون سنة قال انك قد وهبتها لابنك داود قال ما بعت ولا وهبت له شيئا فأنزل الله الملائكة وأقام الملائكة شهودا ثم ان الله تعالى أكمل لآدم ألف سنة ولداود مائة سنة* قال رسول الله ﷺ نسى آدم فنسيت ذرّيته وجحد آدم فجحدت ذرّيته فأمر الله تعالى بالكتاب والشهود من حينئذ وأهل القبور محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال وأرحام النساء فلا تقوم الساعة حتى يولد كل من أخذ عليه الميثاق* وفى بحر العلوم قوله مسح ظهر آدم بيده أى أمر به ملكا ففعل فخرجت ذرّيته كأمثال الذرّ حتى ملؤا العالم وهم كل مولود ولده ذكورهم واناثهم وأحرارهم وعبيدهم ومؤمنهم وكافرهم وأغنياؤهم وفقراؤهم وملوكهم ورعاياهم وعلماؤهم وعوامّهم ومن ولد ميتا ومن يموت طفلا ومن ينتهى الى الشيب ومن كان الى انقراض الدنيا فخرجوا كهيئة الذرّ وركب الله فيهم العقل والسمع والنطق وأخرج الطبقة الاولى عن يمين آدم وهم بيض يتلألؤن وقال هؤلاء أهل الجنة وبعمل أهل الجنة يعملون وأخرج الثانية عن شمال آدم وقال هؤلاء أهل النار وبعمل أهل النار يعملون وهو تفسير للرواية الاخرى السابقة وهى هؤلاء للنار ولا أبالى وهؤلاء للجنة ولا أبالى* واختلفوا فى موضع أخذ الميثاق قال ابن عباس ببطن نعمان واد الى جنب عرفة وعنه بحراء وقال ابن جبير كان بنعمان السحاب وهو بقرب عرفات كذا فى بحر العلوم* وفى المشكاة بنعمان يعنى عرفة قال ابن الاثير نعمان بفتح النون* وفى معجم ما استعجم نعمان بفتح أوّله واسكان ثانيه وادى عرفة الى منى كثير الاراك* وفى شفاء الغرام موضع مشهور فوق عرفة على طريق الطائف من عرفة وفيه مزارع حسنة وفيه أخذ الله الميثاق على ذرّية آدم على ما قاله ابن عباس
стр. 45
وروى ابن عباس أيضا بدهناء من أرض الهند وهو الموضع الذى هبط به آدم ﵇ وقال الكلبى بين مكة والمدينة والطائف وقيل بعد ما عرج به الى السماء على سرير من ذهب على أكتاف الملائكة على باب الجنة فى صحراء أرضها مسيرة ثلاثين ألف سنة كذا فى بحر العلوم* وقال السدّى أخرج الله آدم من الجنة ولم يهبط من السماء ثم مسح ظهره وأخرج منه ذرّيته* روى أن الله تعالى أخرجهم جميعا وصوّرهم وجعل لهم عقولا يعلمون بها وألسنا ينطقون بها كملهم قبلا يعنى عيانا وقال ألست بربكم قال الزجاج جاز أن يكون الله جعل لامثال الذرّ فهما تعقل به كما قال تعالى قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم روى أن الله تعالى قال لهم اعلموا أنه لا اله غيرى وأنا ربكم لا رب لكم غيرى لا تشركوا بى شيئا فانى سأنتقم ممن أشرك بى ولم يؤمن بى وانى مرسل اليكم رسلا يذكرونكم عهدى وميثاقى ومنزل عليكم كتبا فتكلموا جميعا وقالوا شهدنا أنك ربنا والهنا لا رب لنا غيرك فأخذ بذلك مواثيقهم ثم كتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم فلما قرّرهم بتوحيده وأشهد بعضهم على بعضهم أعادهم الى صلب آدم ﵇* وفى الكشاف وأنوار التنزيل وغيرهما فى تفسير قوله تعالى واذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذرّيتهم أى أخرج من أصلابهم نسلهم على ما يتوالدون قرنا بعد قرن من ظهورهم بدل من بنى آدم بدل بعض وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم أى ونصب لهم دلائل ربوبيته وركب فى عقولهم ما يدعوهم الى الاقرار بها حتى صاروا بمنزلة من قيل لهم ألست بربكم قالوا بلى فنزل تمكينهم من العلم بها وتمكنهم منزلة الاشهاد والاعتراف على طريق التمثيل ويدل عليه قوله تعالى قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة أى كراهة أن تقولوا انا كنا عن هذا غافلين* وفى بحر العلوم عن ابن عباس لما خلق الله آدم ظهر فى ظهره نور محمد ﷺ وكانت الملائكة خلفه ينظرون الى ذلك النور فقال آدم يا رب ما لهؤلاء ينظرون من خلفى الى ظهرى قال ينظرون الى نور محمد خاتم الانبياء الذى أخرجه من ظهرك قال يا رب اجعل نوره بحيث أراه فظهر فى سبابته فقال يا رب هل بقى فى ظهرى من هذا النور شئ قال نعم نور أصحابه قال يا رب اجعله فى بقية أصابعى فجعل نور أبى بكر فى الوسطى ونور عمر فى البنصر ونور عثمان فى الخنصر ونور علىّ فى الابهام وكان آدم ينظر الى تلك الانوار تتلألأ فى خلال أصابع يمينه الى أن أكل من الشجرة وعوتب بذلك فنقل ذلك كله الى ظهره* قال ابن عباس بعث الله تعالى الى آدم ملائكة من السماء معهم سرير من ذهب فحملوه على السرير حتى صعدوا به الى السماء فأدخلوه الجنة ضحوة الجمعة وقال محمد بن على الترمذى لما أكمل الله خلق آدم رفعه على أكتاف جبريل وميكائيل واسرافيل وعزرائيل والملائكة على سرير من ذهب ويقال من ياقوت أحمر له سبعمائة قائمة فقال لهم طوفوا به فى سمواتى ليرى عجائبها فيزداد يقينا فطافوا به مقدار مائة عام حتى وقفوا به على كل شئ من عجائبها ثم أمرهم أن يحوّلوا وجوههم من العرش اليه فيسجدوا له ففعلوا ولذلك تحمل جنازة أولاده بأربعة وسئل كعب كم طاف الملائكة بآدم فى السموات مكر ما قال ثلاث مرّات أوليها على سرير الكرم والثانية على أكتاف الملائكة والثالثة على الفرس الميمون وهو مخلوق من المسك الاذفر وله جناحان من الدرّ والياقوت والمرجان وجبريل آخذ بلجامها وميكائيل عن يمينه واسرافيل عن يساره فطافوا به السموات كلها وهو يسلم على الملائكة عن يمينه وعن شماله فيقول السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا ملائكة الله وهم يقولون وعليك السلام ورحمة الله وبركاته فقال يا آدم هذه تحيتك وتحية ذرّيتك فيما بينهم الى يوم القيامة
خلق حوّاء
قال وهب وجماعة خلق الله حوّاء خارج الجنة ثم أمرها بدخول الجنة ثم اختلف هؤلاء فقال بعضهم خلقها فى الارض وآدم بين مكة والطائف ثم حملا على سرير الى الجنة وقال بعضهم خلق الله آدم وأمر بحمله على سرير الى سماء الدنيا فلما وصل الى باب الجنة
стр. 46
وضع السرير وألقى عليه النعاس وخلقت حوّاء من ضلعه اليسرى ثم أمر بدخول الجنة وقال ابن عباس وابن مسعود وجماعة خلقها فى الجنة بعد دخول آدم فيها فالمرأة أصلها من الجنة ولهذا أبيح لها الحرير والذهب وهما لاهل الجنة ولهذا لا يمل الزوج من الزوجة الحسناء الصالحة كما لا يمل من نعيم الجنة* وفى تفسير الثعلبى ان آدم ﵇ لما هبّ من نومه رآها عنده أو قال عند رأسه كأحسن ما خلق الله فقال لها من أنت قالت أنا زوجتك خلقنى الله لك تسكن الىّ وأسكن اليك فقالت الملائكة عند ذلك يا آدم ما هذه قال امرأة قالوا لم سميت بذلك قال لانها خلقت من المرء قالوا وما اسمها قال حوّاء قالوا لم سميت حوّاء قال لانهما خلقت من الحىّ قالوا تحبها قال نعم فقالوا الحوّاء تحبينه قالت لا وفى قلبها أضعاف ما فى قلبه قالوا فلو صدقت امرأة فى حبها لزوجها لصدقت حوّاء* قال ابن عباس ان الله تعالى خلق حوّاء من آدم فى الجنة من ضلعه اليسرى يقال لها القصيرى وكان بين النائم واليقظان ولو كان فى النوم لم يعلم أنها خلقت منه فلم يعطف عليها ولو كان يقظان لتألم بذلك فلم يعطف عليها قال الشاعر
هى الضلعة العوجاء لست تقيمها ... ألا ان تقويم الضلوع انكسارها
أتجمع ضعفا واقتدارا على الهوى ... أليس عجيبا ضعفها واقتدارها
* وفى بحر العلوم قال الله تعالى يا آدم هذه زوجتك خلقتها منك لاجلك أفترضى قال رضيت هذه لحمى ودمى وزوجتى وقرّة عينى* وفى المواهب اللدنية فلما استيقظ ورآها سكن اليها ومدّيده لها قالت الملائكة مه يا آدم قال ولم وقد خلقها الله لى فقالوا حتى تؤدّى مهرها قال وما مهرها قالوا تصلى على محمد ثلاث مرّات* وذكر ابن الجوزى فى كتاب سلوة الاحزان أنه لما رام القرب منها طلبت منه المهر فقال يا رب ماذا أعطيها قال يا آدم صلّ على حبيبى محمد بن عبد الله عشرين مرّة ففعل* وفى رواية قالت الملائكة مه يا آدم حتى تنكحها فعند ذلك زوّجها الله اياه
خطبة نكاح آدم وحوّاء التي خطبها الله
وهذه خطبة نكاح آدم وحوّاء خطبها الله تعالى* الحمد ثنائى والعظمة ازارى والكبرياء ردائى والخلق كلهم عبيدى وامائى اشهدوا يا ملائكتى وحملة عرشى وسكان سمواتى انى زوّجت حوّاء أمتى عبدى آدم بديع فطرتى وصنع يدى على صداق تقديسى وتسبيحى وتهليلى يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها الآية* وفى المواهب اللدنية ثم ان الله تعالى أباح لهما نعيم الجنة ونهاهما عن شجرة الحنطة وقيل شجرة العنب وقيل شجرة التين كما سيجىء* وقال الضحاك أدخل آدم الجنة عند الضحوة وزاد غيره يوم الجمعة وأخرج منها ما بين الصلاتين فمكث نصف يوم من أيام الآخرة وهى الايام التى كل يوم منها ألف سنة فنصف اليوم خمسمائة سنة وهذا قول ابن عباس والكلبى وفيه خلاف سيجىء* وعن وهب بن منبه قال الله تعالى لآدم ﵇ يا آدم انطلق فانى قد نصبت لك فى بحبوحة الجنة سريرا لا ينبغى لاحد قبلك ولا بعدك أن يجلس على مثله طوله ما بين المشرق والمغرب سبع مرّات وله سبعمائة قائمة من قائمة الى قائمة مسيرة مائة عام وكان يجلس عليه آدم فى مقابلة شجرة الخلد وكان يولى وجهه عنها يتوقى أن يدخل عليه ما يسخط ربه وكانت حوّاء معه ولما أسكنهما جنة الخلد نهاهما عن أكل البرّ قال الله تعالى ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين* وفى بحر العلوم اختلفوا فى هذه الشجرة قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظى والحسن البصرى وعطية وقتادة ومحارب بن دثار ومقاتل هى شجرة البرّ الذى جعله الله رزق أولاده فى الدنيا وقال السدّى وابن مسعود وسعيد بن جبير وجعدة بن هبيرة هى الكرمة لافتتان أولاده بها وقال ابن جريج وحكاه عن بعض الصحابة انها التين وقال علىّ رضى الله عنه هى شجرة الكافور وقال الكلبى والدينورى هى شجرة العلم وهى علم الخير والشرّ من أكلها علم الاشياء وقيل علما بالاكل منها ظهور
стр. 47
عورتهما قال الله تعالى بدت لهما سوآتهما وقال محمد بن اسحاق هى شجرة الحنظل وقال أبو مالك هى شجرة النخلة وقال أبو جدعان هى شجرة الخلد التى كانت تتناول منها الملائكة وقال ابن عباس فى رواية هى شجرة الفردوس وكانت فى وسط الجنة فيها من ألوان الثمار كلها وقال الربيع بن أنس كانت شجرة من أكلها أحدث والجنة لم تكن موضع الحدث وقال أبو منصور لا تعرف ماهيتها الا بالوحى ولا وحى*
صفة شجرة الحنطة
وقال ابن عباس فى صفتها كانت شجرة الحنطة فيالها من شجرة ما أحسنها وأجملها خلقها الله على أحسن صورة فى الجنة كان من كل ذى لون فى ورقها لون ومن كل ذى طعم فى ثمرها طعم ومن كل ذى حسن فى صورتها حسن* وفى رواية عنه أوراقها من الحلل وأغصانها من الذهب وثمارها من نور العرش ألين من الزبد وأحلى من العسل وأشدّ بياضا من الثلج فاذا كان يوم القيامة يكون ممرّ المؤمنين عليها فيتعجبون من حسنها فتقول لهم الملائكة لا تمكثواها هنا فان الجبّار يريد أن يخلع عليكم خلع الزيادة فيتحيرون من حسنها فتناديهم الملائكة أنتم فى دار البقاء تعجبتم من هذه الشجرة مع وعد الرب اياكم الزيادة فكيف ملامتكم أباكم فحينئذ يقولون لا لوم على أبينا* وقال محمد بن علىّ الترمذى كان أصلها السنبلة وعليها من كل لون وثمر من التين والعنب وسائر الالوان كل حنطة ككلية البقر أحلى من العسل وألين من الزبد* وفى رواية الشجرة التى أكل منها آدم شجرة القمح لها سبعة أغصان على كل غصن سنبلة كل سنبلة ثلاثة أشبار فى كل سنبلة خمس حبات أخذ سنبلة وأخذ منها حبة أكلها آدم وحبة أكلتها حوّاء والثلاث نزل بها جبريل على آدم فى الدنيا وقطع كل حبة ستمائة قطعة فأصل قمح الدنيا منها يقال أوّل ما أكل آدم وحوّاء من نعيم الجنة العنب وآخر ما أكلا البرّ* روى أن ابليس لما رأى بعد ما صار ملعونا أن آدم وحوّاء فى طيب عيش ونعمة ورأى نفسه فى مذلة ونقمة حسدهما فهو أوّل من حسد وتكبر فأراد أن يدخل الجنة ليوسوس اليهما وذلك بعد ما أخرج منها فمنعه الخزنة فحلس على باب الجنة ثلثمائة سنة من سنى الدنيا وذلك ثلاث ساعات من ساعات الآخرة وابليس وان صار مطرودا من الجنة وممنوعا من دخولها لكن لم يمنع من السموات وكان يصعد الى السماء السابعة الى زمن ادريس فلما رفع ادريس الى السابعة منع منها ابليس وكان لا يمنع من السموات الاخر الى زمان عيسى ولما رفع عيسى الى السماء الرابعة منع منها ابليس ومما فوقها وكان يصعد الى الثالثة ولما أوحى الله الى محمد ﷺ منع من الثلاث الاخر أيضا فصار ممنوعا من السموات كلها* وفى كيفية دخوله الجنة اختلاف* قال فى معالم التنزيل وأنوار التنزيل اختلف فى أنه تمثل لهما فقاولهما بذلك أو ألقاه اليهما بطريق الوسوسة وانه كيف توصل اليهما بعد ما قيل له اخرج منها فانك رجيم فقيل انه منع من الدخول على وجه التكرمة كما كان يدخل مع الملائكة ولم يمنع من أن يدخل للوسوسة ابتلاء لآدم وحوّاء ﵉ وقيل قام عند الباب فناداهما وقيل تمثل بصورة دابة فدخل ولم تعرفه الخزنة وقيل أرسل بعض أتباعه فأزلهما وقيل دخل فى فم الحية حتى دخلت به والعلم عند الله* وعن وهب ابن منبه كان الطاوس مسكنه شجرة طوبى وكان اذا نشر جناحيه ظلل بهما سدرة المنتهى وكان يقول فى صياحه أنا الملك المتوّج الذى غمرت فى نعيم الجنة فلا أخرج منها أبدا وشجرة طوبى فى الجنة أصلها فى قصر النبىّ ﷺ ولها فى كل قصر غصن كالشمس فى الدنيا لها فى كل دار ضوء* وفى خبر عن النبىّ ﷺ ان بطحاءها ياقوت أحمر وترابها مسك أذفر ووحلها عنبر أشهب وكثبانها كافور أبيض وبسرها زمرّد أخضر واقناؤها سندس واستبرق وزهرتها رياط صفر وورقها برود خضر وثمارها حلل حمر وصنوها زنجبيل وعسل وعشبها زعفران مرتفع يتفجر من أصلها أنهار السلسبيل والرحيق والمعين ولو سار راكب الجواد فى ظلها مائة عام لم يقطعها وكان الطاوس يسكنها
стр. 48
ويطير ويخرج من باب الجنة كل يوم مرّة فخرج يوما فاذا شيخ قاعد وهو ابليس فقال له من أنت قال ابليس أنا من الملائكة الكروبيين من الصقح الاعلى ممن أعطى علم الغيب جئت أدخل الجنة فأنظر فيها وما أعدّ الله لاوليائه فيها* وفى العرائس وقف ابليس على باب الجنة وتعبد هناك ثلثمائة وستين سنة انتظارا لأن يخرج منها أحد يأتيه بخبر آدم وحوّاء فبينما هو جالس اذ خرج طائر موشى أى مزين يتبختر ويتمايل فى مشيته فلما رآه ابليس قال له أيها الخلق الكريم من أنت وما اسمك فما رأيت فيما رأيت من خلق الله أحسن منك قال أنا طائر اسمى طاوس قال من أين قال من حديقة آدم وبستانه قال ما الخبر عن آدم قال هو فى أحسن الحال وأطيب العيش هيئت له الجنان ونحن من خدّامه فقال هل تستطيع أن تدخلنى عليه قال من أنت قال أنا من الكروبيين عندى لآدم نصيحة أريد أن أؤدّيها اليه قال مالك لا تذهب الى رضوان ليدخلك عليه قال منعنى من الدخول قال ان رضوان لا يمنع أحدا من النصيحة قال نعم ولكن أريد أن أحفيها عنه قال النصيحة لا تكون مخفية والمخفية لا تكون نصيحة قال نحن معاشر الكروبيين لا نقول الا سرّا ان فعلت ما أقول أعلمك دعاء لن تشيب بعده أبدا قال ما أقدر على ذلك ولكن أدلك على من يقدر عليه قال افعل فجاء الطاوس الى الحية
صفة الحية
وكانت يومئذ عظيمة مثل الابل البختى وكانت من أحسن حيوانات الجنة لها أربع قوائم كقوائم الابل من زبرجد أخضر وفيها من كل لون* وفى رواية من بين أحمر وأصفر وأخضر تتلألأ تلألؤ القمر رأسها من الياقوت وعيناها من الزبرجد ولسانها من الكافور وفى رواية من المسك الابيض واسنانها من الدرّ وفى رواية نظم اللؤلؤ وناباها من اللؤلؤ الرطب وفى رواية مثل نابى الابل من المسنك بيضاء الظهر صفراء البطن وفى رواية جسدها من نور ووبرها من زعفران وعنقها كالقضبان الملوّنة وذوائبها كذوائب الجوارى الابكار وعرفها كجناح الطير فقال لها الطاوس ياحية ان ملكا على باب الجنة يقول عندى نصحية لآدم من يذهب بى اليه أعلمه دعوة فخرجت الحية اليه وقالت لابليس انى أدخلك الجنة ولكن أتخوّف من لحوق البلاء بى قال ابليس أنت فى ذمّتى وجوارى لا يلحقك مكروه قال النبىّ ﷺ أقتلوا الحية ولو كنتم فى الصلاة وانما أمرهم به ابطالا لذمّة ابليس فقالت الحية ان ابليس بسبب آدم أخرج من الجنة وأنا أخاف أن يصيبنى مثل ما أصابه قال ابليس أنا أعطيك جوهرة أينما تضعيها تكن لك جنة فأعطاها ابليس خرزة جعلتها فى فيها فما زالت تلك الخرزة فى قفاها فتخرج بالليل وتخرج تلك الخرزة من فيها وتضعها حيث شاءت فتستضىء بها* وفى العرائس قالت له الحية كيف أدخلك الجنة ورضوان اذا لا يمكننى من ذلك قال ابليس أنا أتحوّل ريحا فاجعلينى بين أنيابك فتدخلينى الجنة وهو لا يعلم قالت افعل فتحوّل ريحا ودخل فم الحية فأطبقت فاها فقال لها ابليس اذهبى بى الى شجرة البرّ فلما انتهت الحية الى حيث أمرها به ابليس جعل ابليس يتغنى بمزماره فلما سمع آدم وحوّاء صوت المزمار جاآ اليه يستمعانه فاذا هى الحية يخرج صوت التغنى من فيها فأعجبهما الصوت فتقدّما اليه شيئا فشيئا حتى وقفا عليه وهما يحسبان أن الحية هى التى تتغنى فقال لهما ابليس تقدما فقالا نهينا عن قرب هذه الشجرة فقال مانها كما ربكما عن هذه الشجرة الى آخره ولما لم يقبلا قول ابليس قاسمهما انى لكما لمن الناصحين قسما مؤكدا فهو أوّل من حلف كاذبا وأوّل من غش فلما سمعا اسم الله خدعا واغترا فدلاهما بغرور
أكل آدم من الشجرة
فسبقت الى الشجرة حوّاء وتناولت منها حبة فأكلتها وجاءت بها الى آدم وقالت انى أكلت منها وما ضرّتنى ولم يأكل آدم الى مائة سنة ولما لم ير ضررا ولا أثر اعلى حوّاء فبتأويل ظهر له وأمارة ثبتت عنده جعل حبة منها فى فيه فقبل أن يصل طعمها الى حلقه وجرمها الى جوفه بان عنه تاجه وطار من رأسه وتهافتت ثيابه التى كانت عليه من حرير
стр. 49
واستبرق وفى رواية كانت من نور وفى رواية كانت من جنس أظفاره ونودى فى الجنة عصى آدم ربه فغوى* وفى رواية لما دخل ابليس الجنة دنا من آدم وحوّاء يغنى بمزماره فسمعت حوّاء صوتا حسنا فجاءت ومعها آدم ينظران اليه وكان ابليس يتغنى بمزماره وينوح ويبكى نياحة وبكاء أحزنهما فهو أوّل من ناح فقالا له ما يبكيك قال أبكى عليكما لانكما تموتان وتفنيان وتفارقان ما أنتما عليه من النعمة والكرامة قالا وما الموت فنعت ابليس لهما الموت فقال تذهب الروح والقوّة وتعدم حركة الاعضاء ولا يبقى للعين رؤية ولا للاذن سماع وكذلك كل عضو يعطل عن عمله فوقع ذلك فى أنفسهما وأغتما فعند ذلك قال ابليس هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى وأشار الى الشجرة المنهى عنها فقالا قد نهينا عنها قال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة الا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين* وفى رواية حضر ابليس عند شجرة البرّ وأخذ حبة منها وجاء بها اليهما وقال انظرا الى هذه ليس فيها فاكهة ألطف وأطيب من هذه فكلا منها فقالا نهينا عنها فقال مانها كما ربكما الآية وقاسمهما انى لكما لمن الناصحين وأيكما بادر الى أكلها فله الغلبة على صاحبه فسبقت اليها حوّاء وأخذت منها خمس حبات فأكلت واحدة وخبأت واحدة وأتت الى آدم بثلاثة فقالت له أنا أكلت منها وكانت طيبة الطعم وما أصابنى منها مضرّة فأخذ آدم الحبات الثلاث فأعطى حوّاء واحدة وأمسك حبتين* قيل لاخفاء حوّاء احدى الحبات من زوجها آدم صار خباء النساء عن أزواجهنّ بعض الاشياء عادة لهنّ ولامساك آدم لنفسه حبتين من ثلاث واعطاء حوّاء واحدة منها شرع للذكر مثل حظ الانثيين فى الميراث* ولما أكل آدم طار من رأسه تاجه المكلل بالدرّ والياقوت والجواهر بجناحيه كطائر يطير وهو ينادى يا آدم طالت حسرتك وندامتك وانتفض السرير وخرج من تحتهما وقال انى أستحيى من الله أن أكون سريرا لمن عصى الله وتساقط ما عليهما من السوار والدملوج والخلخال والمنطقة المرصعة ونزع عنهما لباسهما وتهافتت ثيابهما وكانت من جنس ظفرهما وكان على آدم سبعمائة حلة وكانت عورتهما قبل ذلك مستورة ولم يعلما أن لهما قبل ذلك عورة* قال العتابى لم يكونا رأيا عورتهما الى ذلك الوقت وكان على سوآتهما نور اذا نظرا اليها غلب ذلك النور على أبصارهما ومنعهما من ابصارهما اياها فذهب ذلك النور أيضا فبدت لهما سوآتهما فلما رآياها فزعا وحسبا أن غيرهما أيضا يراها قال الحضرمى بدت لهما ولم تبد لغيرهما لئلا يعلم الاغيار من مكافأة الجناية ما علما ولو بدا للاغيار لقال بدت منهما وقال القاسم لماذا قاتناثر لباسهما فلما أكلا بدت لهما سوآتهما وتغير عليهما كل شئ فى الجنة* وفى رواية عن وهب بن منبه أنه قال لما توسطت الحية الجنة قالت لابليس اخرج قال لا أخرج حتى ينطق لسانك بما أريد فأين هذان الخلقان اللذان أدخلا الجنة فان لى اليهما حاجة قالت هذه حوّاء زوجة آدم وأنا أنيستها ومخدمتها فنطق ابليس على لسان الحية فقال يا حوّاء لم نهاكما ربكما عن تلكما الشجرة قالت لئلا نزعج من الجنة أبدا قال هذه شجرة الخلد من أكل منها خلد قالت فانك أنيستى ومخدمتى اذا عرفت هذا فهلا أخبرتينى قالت الآن أخبرتك فقومى وكلى وأطعمى زوجك ليكون لك الفوز والعز عليه فانى أحلف انى لكما لمن الناصحين فقامت مسرعة الى الشجرة فتناولت سبع حبات وناولت آدم خمس حبات فقال آدم يا حوّاء فأين العهد الذى أخذه الله علينا قالت أو ليست هذه الحية تحلف لنا بالله فأكل آدم فلما أكل آدم طار تاجه يخفخف أى يصفق بجناحيه كطائر يطير وهو ينادى يا آدم طالت حسرتك وندامتك وانتقض السرير وقال انزل فانى أستحيى من الله أن أكون سريرا لمن عصاه كما سبق فولى آدم هاربا فلم يمرّ بشجر ولا نهر الا نادى عصى آدم ربه حتى انتهى الى سدرة المنتهى وهو يهرب فتعلقت به الشجرة وقالت أين من الله المهرب ومدّ
стр. 50
يده ليتناول ورقة من أوراقها ليستر بها عورته فارتفعت الورقة فبكى فما قصدا شجرة ليأخذا من أوراقها الا امتنعت عنهما وقالت ما كنت لأستر من كشفه الله ودعتهما شجرة التين الى نفسها ترحما على حالهما فأخذا من ورقها وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة فيتخرّق ويتفرّق فبكيا ونودى من أعراه الله فلا ساتر له ومن تركه فلا ناصر له فتضرّعا وسألا الله أن يسترهما فلما أتياها ليأخذا الورق ثانيا اهتزت لآدم فسقط منها ثلاثة أوراق فجعلها آدم سترة له ثم اهتزت مرّة أخرى لحوّاء فتناثرت منها خمسة أوراق فجعلتها حوّاء سترة لها ولذلك شرعت الاكفان للرجال ثلاثة وللنساء خمسة وقال الله لشجرة التين لم أعطيتهما الورق فقالت يا رب انك لا تحرم من عصاك الرزق فما يكون لى أن أحرمه الورق فلذلك جعل الله شجرة التين بحيث لا يحمل عليها ولا يحرقها الناس ولا تأكل الحيوانات ورقها وقال الله تعالى لسائر الاشجار لم لا تدفعن الورق اليهما فقلن ما كنا لنكسو من أعريته فلذلك جعلها الله بحيث يحمل عليها وورقها يحرقه الناس وتأكل أوراقها الحيوانات فعاتب الله آدم وقال له لم أكلت من هذه الشجرة ألم أنهكما عن هذه الشجرة قال أطعمتنى حوّاء فقال لها لم أطعمته قالت دلتنى الحية فقال للحية لم فعلت قالت دلنى الطاوس فقال للطاوس لم فعلت قال أمرنى ابليس
معاقبة إبليس
فعاقب ابليس ولعنه وغير صفته وحالته وبدّل اسمه ومكانه وصورته فأوّل ما تغير منه صورته فقبح غاية القبح وكان له ستمائة ألف جناح مرصع بالجواهر ولباس من نور وكان مدّة ملك الارض ومدّة عالم الملائكة ومدّة خازن الجنان يطير من العرش الى الثرى وأهل السماء والارض ينظرون اليه* وكان بدء أمره أنه لما خلقه الله تعالى جعله تحت الارضين السبع على الثرى فعبد الله تعالى هناك ألف سنة فرفع الى الارض السابعة السفلى فعبد فيها ألفى سنة ثم الى التى فوقها وهى السادسة فعبد فيها ثلاثة آلاف سنة ثم فى الخامسة أربعة آلاف سنة ثم فى الرابعة خمسة آلاف سنة ثم فى الثالثة سنة آلاف سنة ثم فى الثانية سبعة آلاف سنة ثم فى الاولى ثمانية آلاف سنة ثم رفع الى السماء الدنيا فعبد فيها تسعة آلاف سنة ثم فى الثانية عشرة آلاف سنة ثم فى الثالثة احدى عشرة ألف سنة ثم فى الرابعة اثنتى عشرة ألف سنة ثم فى الخامسة ثلاث عشرة ألف سنة ثم فى السادسة أربع عشرة ألف سنة ثم فى السابعة خمس عشرة ألف سنة فذلك كله مائة وعشرون ألف سنة ثم قدّام العرش ضعف ذلك فذلك مائتان وأربعون ألف سنة لم يبق فى السموات والارض موضع شبر لم يسجد فيه ابليس فقال الهى هل بقى موضع لم أسجد فيه قال نعم هو فى الارض فاهبط فهبط فقال ما هو قال ذلك آدم فاسجد له فقال هل بقى موضع سوى آدم قال لا قال لم تأمرنى بسجوده وتفضله علىّ قال أنا المختار أفعل ما أشاء ولا أسأل عما أفعل فهابت الملائكة لما سمعوا ذلك وارتعدوا وارتعشوا وقيل رأى ابليس آدم طينا صوّر ووضع بين الطائف ومكة فعظم نفسه لزينته واحتقر آدم لطينته فزالت زينته وتبدّل اسمه وفسد حاله وسقطت منزلته وزال ايمانه وحبطت أعماله وبرئ منه ربه قال الله تعالى الا ابليس استكبر أى عدّ نفسه أكبر من أن يخدم غيره وقيل عدّ نفسه أكبر من أن يؤمر بهذا فانه عارض بقوله لم أكن لأسجد لبشر وبقوله أنا خير منه وقال أبو العالية لما ركب نوح السفينة اذا هو بابليس على كوثلها فقال له ويحك قد غرق الناس من أجلك قال فما تأمرنى قال تب قال سل ربك هل لى توبة فقيل له ان توبته أن يسجد لقبر آدم فقال تركته جيا وأسجد له ميتا وأما الطاوس فغضب الله عليه فعاقبه بمسخ رجليه وتغير صورته وأما الحية فغضب الله عليها فعاقبها بخمسة أشياء ألقى عنها القوائم وقال جعلت رزقك فى التراب وجعلتك تمشى على بطنك ولا يرحمك من يراك وفى رواية سيشدخ رأسك بالحجر من لقيك وجعلها تموت كل سنة فى الشتاء* وأما آدم فلما أكل
стр. 51
من الشجرة المنهىّ عنها ابتلاه الله بعشرة أشياء الاوّل معاتبته اياه بقوله ألم أنهكما عن تلكما الشجرة الآية الثانى الفضيحة فانه لما أصاب الذنب بدت سوأته وتهافت ما عليه من لباس الجنة الثالث أوهن جلده بعد ما كان كالظفر وأبقى من ذلك قدرا على أنامله ليتذكر بذلك أوّل حاله الرابع أخرجه من جواره ونودى انه لا ينبغى أن يجاورنى من عصانى الخامس الفرقة بينه وبين حوّاء السادس العداوة قال الله تعالى بعضكم لبعض عدوّ السابع النداء عليه بالنسيان قال الله تعالى فنسى ولم نجد له عزما الثامن تسليط العدوّ على أولاده وهو قوله تعالى وأجلب عليهم بخيلك ورجلك التاسع جعل الدنيا سجنا له ولا ولاده العاشر التعب والشقاء وهو قوله ان هذا عدوّ لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى فهو أوّل من عرق جبينه فى التعب
الخصال التى ابتليت بها حوّاء
وأما حوّاء فابتليت هى وبناتها بهذه العشرة وخمس عشرة خصلة سواهنّ الاولى الحيض يروى أنها لما تناولت الشجرة وادمتها قال الله تعالى ان لك علىّ أن أدميك وبناتك فى كل شهر مرّة كما أدميت هذه الشجرة وفى رواية قال أما أنت يا حوّاء فكما أدميت هذه الشجرة تدمين فى كل شهر* وفى المواهب اللدنية ولا دمينها فى الشهر مرّتين الثانية ثقل الحمل الثالثة الطلق وألم الوضع الرابعة نقصان دينها الخامسة نقصان عقلها السادسة أن ميراثها على النصف من ميراث الرجل قال الله تعالى للذكر مثل حظ الانثيين السابعة تخصيصهنّ بالعدّة الثامنة جعلهنّ تحت أيدى الرجال قال الله تعالى الرجال قوّامون على النساء التاسعة ليس اليهنّ من الطلاق شئ وانما هو للرجال العاشرة حرمن من الجهاد الحادية عشر ليس منهنّ نبىّ قط الثانية عشر ليس منهنّ سلطان ولا حاكم الثالثة عشر لا تسافر احداهنّ الا مع المحرم الرابعة عشر لا تنعقد بهنّ الجمعة الخامسة عشر لاسلام عليهنّ* ولما دل الطاوس ابليس لم يظهر شئ من البلاء وحملته الحية لم تظهر عقوبة وبادرت حوّاء الى الشجرة وأكلت منها لم يتغير حالها فلما أكل آدم بعد مائة سنة ظهر البلاء فذهبت عن الطاوس النعمة وعن الحية الصورة وعن حوّاء الصفة وعن آدم الدولة وهذا كله بسبب أكل آدم حبة بالنسيان أو التأويل فما بال من يأكل طول عمره الحرام بالقصد من غير تأويل وذلك لان حوّاء وغيرها كانت تبعا وآدم أصلا فلم يؤاخذ التبع بالزلة والاصل ثابت على الطاعة فلما زل الاصل أوخذ الاصل والفرع فكذلك حال العامّة مع الخاصة وحال الاعضاء مع القلب*
خروج آدم من الجنة
ثم قال الله لآدم وحوّاء اخرجا من جوارى فتضرّع آدم واعتذر وقال أتخرجنى من الجنة بخطيئة واحدة فلم تسمع معذرته وقال الهى ان كنت أكلتها بطوعى فعذبنى وان لم أتعمدها فاغفرلى فلم يقبل منه وقال لا يجاورنى من عصانى أخرج فرفع آدم طرفه الى العرش فاذا مكتوب لا اله الا الله محمد رسول الله قال يا رب بحق محمد ابنى اغفرلى فقال يا آدم كيف عرفت محمدا من ذرّيتك قال رأيت اسما مكتوبا مع اسمك على سرادق العرش لا اله الا الله محمد رسول الله فعلمت أن هذا نبىّ كريم عليك قال قد غفرت لك ذنبك بحق محمد ولكن لا يجاورنى من عصانى وجاء آدم الى باب الجنة ولما أراد الخروج نظر فرأى طيب الجنة وبهجتها وشجرة طوبى وأغصان سدرة المنتهى وظل العرش ونور حضيرة العزة وجمال الحور وبهاء القصور فبكى وودّع كل واحد منها حتى بكت عليه أشجار الجنة كلها الا العود فقيل له لم لم تبك فقال لم أكن لأبكى على من عصى الله فنودى أن كما عظمت أمرنا عظمناك ولكن هيئناك للاحراق قال يا رب ان عززتنى فما هذا الاحراق وان تحرقنى فما هذا الاعزاز فنودى أنت عظمتنا فلذلك يعظمونك لكن لما لم يحترق قلبك على محبنا يحرقونك* وفى بهجة الانوار كان آدم يفرّ من شجرة الى شجرة فلم يقبله الاشجرة العود فنودى قد قبلت من عصانى فقال الهى رحمته لانى علمت أن هذا عتاب لا عقاب قال الله تعالى لما أقبلت عليه ورحمته لاجلى جعلتك عزيزا فيما بين أولاده حتى
стр. 52
انهم يشترونك بوزن الدرهم ولكن لما قبلت بغير اذنى فبعزتى وجلالى لا جعلنك بحال لا يخرج منك طيب حتى تحرق بالنار ليكون ذلك الطيب مع الوجع فلما انتهى الى باب الجنة ووضع احدى رجليه خارج الباب قال بسم الله الرحمن الرحيم فقال له جبريل تكلمت بكلمة عظيمة فقف ساعة فربما يظهر من الغيب لطف فنودى جبريل أن دعه حتى يخرج فقال الهى دعاك رحيما فارحمه فقال ان أرحمه لا ينقص من رحمتى شئ وان يذهب لا يعاب عليه فخلّ عنه حتى يذهب ثم يرجع غدا فى مئات ألوف من أولاده عصاة حتى يشاهد فضلنا على أولاده ويعلم سعة رحمتنا قال الضحاك أدخل آدم الجنة عند الضحوة وأخرج منها ما بين الصلاتين كما مرّ وادخال آدم الجنة واخراجه منها وخلقه كان فى يوم الجمعة كذا فى المشكاة وفى مقدار مكثه فى الجنة خلاف قال ابن عباس مكث آدم فى الجنة نصف يوم من أيام الآخرة وهو خمسمائة عام وهو قول الكلبى وقال الحسن البصرى لبث فى الجنة ساعة من نهار وهى مائة وثلاثون سنة من سنى الدنيا* وفى المختصر الجامع عن وهب بن منبه مكث آدم فى الجنة ست ساعات وقيل خمس ساعات وقيل ثلاث قيل الصحيح انه خلق لمضىّ احدى عشرة ساعة من يوم الجمعة وهو من الايام التى كل يوم منها ألف سنة من سنى الدنيا فبقى قدر أربعين عاما من أعوامنا ثمّ نفخ فيه الروح وبقى فى الجنة بقية الثانية عشر ساعة من يوم الجمعة ومقداره ثلاثة وأربعون عاما وأربعة أشهر من أعوامنا ثم هبط الى الارض هذا قول الطبرى فخرج آدم وحوّاء من الجنة عريانين حوعانين غريبين معزولين آخذا كل منهما بيد الآخر فجاء جبريل وقال لآدم خل يدها فان الملك يأمرك أن تفارقها فلما خلاها فقد كل منهما الآخر فضرب آدم بيده على فخذه ووضعت حوّاء يدها على هامتها فجعلا يبكيان هذا يقول وافرقتاه وهذه تقول واغربتاه فلذا اذا دهم الرجال أمر غمهم يضربون أيديهم على أفخاذهم واذا دهم النساء شئ همهنّ يضعن أيديهنّ على رؤسهنّ وهذا ميراث للاولاد عن الجدّ والجدّة* وفى الانس الجليل كان هبوط آدم وحوّاء وقت العصر وبين هبوط آدم والهجرة النبوية ستة آلاف سنة ومائتان وستة عشر سنة على حكم التوراة اليونانية وهى المعتمد عند المحققين من المؤرّخين وفى ذلك خلاف* وفى أنوار التنزيل قلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ الخطاب لآدم وحوّاء لقوله تعالى اهبطا منها جميعا وجمع الضمير لانهما أصلا الانس فكأنهما الانس كلهم أولهما ولابليس خرج منها ثانيا بعد ما كان يدخلها للوسوسة أو دخلها مسارقة أو من السماء وهو قول مجاهد وقال ابن عباس والسدّى الخطاب لآدم وحوّاء وابليس والحية وعن ابن عباس فى رواية أخرى الخطاب لهؤلاء الاربعة والطاوس معهم فصاروا خمسة وهذا الامر وان انتظم فى كلمة لكن ما كان هبوطهم جملة بل هبط ابليس حين لعن بدليل قوله تعالى فى حق ابليس فاهبط منها وقال فاخرج منها وهبوط آدم وحوّاء والحمية والطاوس كان بعده بكثير من الزمان وأما المهبط ففى حياة الحيوان قال كعب الاحبار أهبط الله الحية باصبهان وابليس بجدّة وحوّاء بعرفة* وفى معالم التنزيل هبط ابليس بأيلة وحوّاء بجدّة وهبط آدم بسر نديب من أرض الهند على جبل يقال له نود وهو بأعلا الهند نحو الصين جبل عال يراه البحريون من مسافة أيام وفيه أثر قدم آدم مغموسة فى الحجر ويرى على هذا الجبل كل ليلة كهيئة البرق من غير سحاب ولا بدّ له فى كل يوم من مطر يغسل قدمى آدم ويقال ان الياقوت الاحمر يوجد على هذا الجبل تحدّره السيول والامطار الى الحضيض وبه يوجد الماس أيضا والعود* وفى عرائس الثعلبى قال ابن عباس أهبط الله آدم ﵇ الى الارض على جبل وادى سرنديب وذلك أن ذروته أقرب ذرى جبال الارض الى السماء وكانت رجلاه فى الارض ورأسه فى السماء يسمع دعاء الملائكة وتسبيحهم وكان آدم يأنس بذلك فهابته الملائكة واشتكت نفسه الى الله تعالى
стр. 53
فنقص الله قامته الى ستين ذراعا بذراع آدم وكان قبل ذلك يمس رأسه السحاب فصلع وأخذ ولده الصلع انتهى قال ابن اسحاق أهبط آدم وحوّاء على جبل بالهند يقال له واش عند واد يقال له نهبل عند الوهيج والمندل بلدان من أرض الهند وفى الترمذى فى حديث الدجال فيطرحهم بالنهبل وهو تصحيف والصواب بالميم كذا فى القاموس* وفى بحر العلوم روى أن آدم هبط بالهند وحوّاء بجدّة ساحل مكة وستجىء قصتهما وابليس بساحل بحر أيلة والحية باصبهان والطاوس ببيسان وفيه أيضا فى رواية قال أهبط آدم بالهند وحوّاء بالمزدلفة وابليس بكابل والحية بسجستان* وعن الحسن قال قال النبىّ ﷺ لما هبط ابليس قال وعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام الروح فيه قال الله تعالى وعزتى وجلالى لا أحجب عنه التوبة حتى يغرغر* وعن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله ﷺ قال ان الشيطان قال وعزتك لا أبرح أغوى عبادك ما دامت أرواحهم فى أجسادهم قال الرب وعزتى وجلالى وكرمى وارتفاعى وفى رواية وارتفاع مكانى لا أزال أغفر لهم ما استغفرونى ذكرهما فى بحر العلوم وفيه كان مهبط آدم على جبل سريديب فى شرقى أرض الهند يقال له باشم ويقال له واشم ويقال نود وأنبّت الله على ذلك الجبل أشجارا وأنبع مائة عين عذبة وجعل ترابها دواء وعرضه مائة فرسخ فى مائة فرسخ وفيه غار فيه عبادهم وقال أيضا هبط آدم من الجنة ورأسه يناغى السماء وكان أوّل شىء رآه آدم من القذر فى الدنيا عطس عطسة فسال أنفه فلما نظر اليه بكى أربعين عاما للقذر* وفى بحر العلوم أيضا عن وهب بن منبه قال قال رسول الله ﷺ خير الارض التى أهبط الله بها آدم وهى أرض الهند وفى رواية أطيب الارض قال وهب ان آدم ﵇ كان خصف عليه من ورق الجنة وهى التين فانتفع بها ثم هبط الى الارض حين هبط وهى عليه فلما أصابها ضحى الارض وريحها يبست تلك الورقة فتخاتت عليه فذرتها الريح فى بلاد الهند فمن هنالك عبقت الهند وفشافيها أصل الطيب* وفى رواية كان على آدم وحوّاء من أوراق التين قد تسترا بها فتناثرت فى الارض فما أصاب الظبى من أوراق آدم صار مسكا وما أصاب بقر البحر صار عنبرا ومن ورق حوّاء ما أصاب دود القز صار حريرا وما أصاب النحل صار عسلا فبقيت هذه الاربعة منهما ميراثا لاولادهما الى يوم القيامة كذا فى بحر العلوم وفيه أيضا قال وهب لما أهبط الله آدم من الجنة كان على رأسه اكليل من ريحمان الجنة يظلله من الشمس وعلى عورته ورقة التين كما سيجىء قال ابن عباس يبس الاكليل حين أصابه حرّ الشمس وتساقط منه الورق وذلك بأرض الهند فنبت منه هذا العود وكل طيب فى الهند فأصله من ذلك الورق والريحان* وذكر الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس أنه قال ان آدم هبط الى جبل الهند وكان رأسه يمسح السحاب فصلع فأورث ولده الصلع كما مرّ وكان يقرب منه دواب الوحش الى أن قتل قابيل هابيل وكانت يومئذ وحشيا وامتلأ طيبا ماثمة من شجر وجبل وواد من ريح الجنة فمن ثمة يجاء بالطيب من الهند وكان آدم قائما على الجبل يسمع أصوات الملائكة ويجد ريح الجنة وأهبط الى الارض وحط الى ستين ذراعا فقال آدم يا رب كنت جارك فى دارك آكل منها رغدا فأهبطتنى على هذا الجبل المقدّس فكنت أسمع أصوات الملائكة وأجد ريح الجنة وأرى ملائكتك كيف يحفون بعرشك فأهبطتنى الى الارض الى ستين ذراعا وذهبت الريح فأجابه الله تعالى يا آدم بمعصيتك كان ذلك ان لى حرما بحيال عرشى فانطلق فابن لى فيه بيتا ثم حف به كما رأيت ملائكتى يحفون بعرشى فهنا لك أستجيب لك ولولدك من كان منهم فى طاعتى فقال يا رب كيف لى بذلك المكان ولا أهتدى فقيض الله له ملكا وهو جبريل فتوجه به نحوه وكان آدم وجبريل كلما نزلا مكانا صار قرية وعمرانا وكل مكان تعدّياه ولم ينزلاه صار
стр. 54
مفازة وقفارا فقدما مكة وفى رواية صار كل مفازة يقربها آدم خطوة وكان قد قبض له ما كان فى الارض من محاص أو نجد فجعله خطوة ولم يضع قدمه فى شىء من الارض الاصار عمر انا فطوى له المفازة كذا فى بحر العلوم* وفى روضة الاحباب قيل كان تطوى له الارض فى كل خطوة اثنين وخمسين فرسخا حتى بلغ مكة فى زمن قليل فكل موضع أصابه قدمه صار عمرانا وما بين قدميه بقى مفازة وقفارا* وفى العرائس عن ابن عباس ان خطوته مسيرة ثلاثة أيام* وفى رواية كان يمشى بين الجبال والمفازة فكل موضع أصابه قدمه صار قرية عظيمة وكل موضع استقرّ فيه صار مدينة وكل موضع صلّى فيه صار مسجدا جامعا عظيما وستجىء كيفية بناء آدم الكعبة وحجه* ولما مضى له فى الدنيا مقدار خمسمائة عام كثر ولده ولد ولده وأرسله الله اليهم يحكم فيهم بحكم الله حتى توفاه الموت وأنزل عليه خمسين صلاة فى اليوم والليلة والزكاة والصوم والاغتسال من الجنابة وتحريم الميتة ولحم الخنزير وأنزل الله عليه الحروف المقطعة فى احدى وعشرين ورقة وهو كتاب آدم الذى يعلم بها ألف لسان بقدرة الله تعالى* قال وهب هبط آدم من الجنة ومعه بذر وغرس واجانة وعلى رأسه اكليل من ريحان الجنة يظلله من الشمس وعلى عورته ورقة التين وأعطى العلاة والكلبتين وثمانية أزواج من الابل والبقر والمعز والضأن وأعطى عصا موسى وقال الله تعالى له ولولده* لدوا للموت وابنوا للخراب* وفى المدارك قيل نزل آدم من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد السندان والكلبتان والميقعة والمطرقة والابرة وروى ومعه المرود والمسحاة* وفى بحر العلوم روى أن آدم أهبط ومعه خمسة أشياء أحدها العصا وهى من آس الجنة وسبب ذلك أنه كان يأكل من كل طعام فى الجنة فلا يصيبه شىء فلما أكل الحنطة بقيت فى أسنانه فاحتاج الى التخليل فأخذ عود آس فتخلل به فبقى معه فهبط وهو معه وتوارثته أبناؤه الى أن وصل الى موسى ﵊ فصارت معجزة له وثانيها خاتم كان معه فلما سقطت عنه ثيابه وذهب تاجه أخذه فجعله فى فمه فخرج معه وتناقلته الذرّية الى أن وصل الى سليمان ﵇ فصار قيد ملكه وثالثها الحجر الاسود وهو فى الاصل كان من جواهر الجنة قصده حين زلّ فأخذه وتمسك به فصار حجرا وهبط معه وصار من أركان الكعبة ورابعها قطعة من عود من شجر لم يبك عليه فعوتب وخوّف بالنار فاعتذر فجعل فيه الطيب وجعل معه قطعة منه وخامسها ورق التين وارى هو وحوّاء بذلك سوآتهما ولما تناثر ذلك وعريا فى الدنيا شكا آدم الى جبريل فجاءه بشاة من الجنة عظيمة لها صوف كثير وكانت قامة آدم الى قريب من السحاب وحوّاء مديدة أيضا لكن الشاة كانت كبيرة أيضا وقال لآدم قل لحوّاء تغزل من هذا الصوف وتنسج فمنه لباسك ولباسها فقالت حوّاء كيف وقع هذا العمل علىّ فاغتمت فجعلت نفقتها على آدم ولذلك لما كانت حوّاء سببا لاكل آدم من القمح وعريه جعل عليها أن تغزل وتكسوه ولما ثقل ذلك عليها جعلت نفقتها عليه ولما ثقل ذلك عليه جعل حظ الزوج فى الميراث ضعف حظ الزوجة فيه فغزلت حوّاء ذلك الصوف ونسجته واتخذت منه لنفسها درعا وخمارا ولآدم قيصا وازارا وكان ذلك أصل اللباس ثم توسع فيه الناس حيث شاؤا وزاد واما أرادوا* روى أن آدم أوّل ما هبط الى الدنيا قاسى الجوع مدّة ثم أكل الخبز من عمل نفسه وقاسى العرى مدّة ثم لبس الصوف من عمل حوّاء*
اتخاذ آدم الديك لمعرفة الاوقات
قال وهب لما قبل الله توبة آدم قال يا رب شغلت بطلب الرزق والمعيشة عن التسبيح والعبادة ولست أعرف مقدار ساعات التسبيح من أيام الدنيا فأهبط الله عليه ديكا وأسمعه أصوات الملائكة بالتسبيح فهو أوّل داجن اتخذه آدم من الخلق وكان الديك اذا سمع التسبيح فى السماء سبح فى الارض فيسبح آدم بتسبيحه وقال الله يا آدم قل الحمد لله كثيرا على كل حال حمدا يوافى نعمه ويكافئ
стр. 55
مزيده فلك به مثل تسبيح الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون* عن معاذ بن جبل أنه قال نهى رسول الله ﷺ عن قتل الديك الابيض وقال الديك الابيض اذا صاح يقول اذكروا الله يا غافلين* وروى عن النبىّ ﷺ أنه قال ان لله ديكا أبيض تحت العرش وفى رواية ان لله ديكا رجلاه تحت الارض السفلى ورأسه تحت العرش وله جناحان أبيضان اذا نشرهما جاوزا المشرق والمغرب فاذا جاء وقت الصلاة نشر جناحيه وصرخ بالتسبيح سبحان الملك القدّوس سبحان الحىّ القيوم فيسبح الديك فى الارض ذلك التسبيح ولما هبط آدم الى الارض اشتبهت عليه أوقات الصلوات فشكا الى جبريل فجاءه بديك أبيض من الجنة وانه مرّ على ذلك الملك فعرفه فلما هبط كان يسمع صوت ذلك الملك فيضرخ فيعرفه آدم وقال ﵊ عليكم بالديك الابيض فانه مؤذن وحارس وذلك كله فى بحر العلوم* وقال أبو سعيد كان لرسول الله ﷺ ديك أبيض كذا فى سيرة اليعمرى* وفى حياة الحيوان كما سيجىء فى الخاتمة قال ابن عباس بكا آدم وحوّاء على ما فاتهما من نعيم الجنة مائتى سنة ولم يأكلا ولم يشربا أربعين يوما ولم يقرب آدم حوّاء مائة سنة وقال وهب بن منبه لما هبط آدم الى الارض مكث يبكى ثلثمائة سنة لا يرقأ له دمع* وقال المسعودى لو أن دموع أهل الارض جمعت لكانت دموع آدم أكثر منها حين أخرجه الله من الجنة ذكرها فى المواهب اللدنية* وعن علقمة بن مرثد وابن حبان قالا لو أن دموع أهل الارض جمعت لكان دموع داود أكثر منها حين أصاب الخطيئة ولو أن دموع داود ودموع أهل الارض جمعت لكان دموع آدم أكثر منها حين أخرج من الجنة كذا فى بحر العلوم وقال مجاهد بكى آدم مائة عام لا يرفع رأسه الى السماء وأنبت الله من دموعه العود الرطب والزنجبيل والصندل وأنواع الطيب وبكت حوّاء حتى أنبت الله من دموعها القرنفل والافاوى كذا فى المواهب اللدنية* وقال شهر بن حوشب بلغنى أن آدم لما أهبط الى الارض مكث ثلثمائة سنة لا يرفع رأسه الى السماء حياء من الله تعالى* وفى بحر العلوم مكث آدم بالهند مائة سنة لا يرفع رأسه الى السماء يبكى على خطيئته وجلس جلسة الحزين مائة سنة* وفى عرائس الثعلبى قال الشعبى أنزل ابليس من السماء مشتمل الصماء عليه عمامة ليس تحت ذقنه منها شىء أعور فى احدى رجليه نعل* روى ابن المبارك عن خالد الحدّادىّ عن حميد بن هلال قال انما كره التخصر فى الصلاة والتخفف لان ابليس هبط متخصرا*
(ذكر كيفية انتقاله ﷺ من الاصلاب الطيبة الى الارحام الطاهرة وبالعكس)
* قال الله تعالى وتوكل على العزيز الرحيم الذى يراك حين تقوم وتقلبك فى الساجدين قال بعض المفسرين منهم ابن عباس وعكرمة أراد حين تقوم بالنبوّة ويرى تقلبك فى الساجدين فى أصلاب الموحدين من نبىّ الى نبىّ حتى أخرجك نبيا فى هذه الامّة وبيانها أن آدم ﵇ كان أوّل فرد من أفراد الانسان وكان سائر أفراده مندرجة فى صلبه بصور الذرّات كما ذكر فى قصة أخذ الميثاق فلما نفخ فيه الروح صار نور نسمة محمد ﷺ يلمع من جبهته كالشمس المشرقة لاشتمال صلبه على الجزء الذرّى الذى هو مادّة للبدن العنصرى المحمدى* وفى معالم التنزيل كان آدم يسمع من تخطيط أسارير جبهته نشيشا كنشيش الذرّ فقال يا رب ما هذا فنودى يا آدم هذا تسبيح محمد ولدك مزج بمائك ليكون لك ولدا وأنت له أبا فنعم الوالد ونعم المولود ثم انتقل ذلك الجزء الذرّى من صلب آدم الى رحم حوّاء ومنها الى صلب شيث ومنه الى رحم مخوايله ومنها الى صلب أنوش وهكذا كان ينتقل من أصلاب الطاهرين الى أرحام الطاهرات ومن أرحام الطاهرات الى أصلاب الطيبين وذلك النور أيضا كان ينتقل بتبعية ذلك الجزء الذرّى من جبهة الى جبهة وكان يؤخذ فى كل مرتبة عهد وميثاق على أن لا يوضع ذلك الجزء الا فى المطهرات فأوّل
стр. 56
من أخذ العهد آدم أخذه من شيث وشيث من أنوش وهو من قينان وهكذا الى أن وصلت النوبة الى عبد الله بن عبد المطلب فلما أودع ذلك الجزء فى صلبه لمع ذلك النور من جبهته فظهر له جمال وبهجة حتى كانت نساء قريش يرغبن فى نكاحه وستجىء قصة الخثعمية فى الطليعة الثالثة ان شاء الله تعالى وقد أسعد الله بتلك السعادة وشرّف بذلك الشرف آمنة بنت وهب فولد منها النبىّ ﷺ *
(ذكر نسبة أبوى نبينا محمد ﷺ
* هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف بن قصىّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤىّ بن غالب بن فهر بن مالك ابن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان رواه البخارى* قال ابن الاثير ذكر رزين أنه عن ابن عباس رضى الله عنهما وفى سيرة مغلطاى الى هنا مجمع عليه وما فوق ذلك مختلف فيه كما سيجىء*
(ذكر نسبة أمّ نبينا ﷺ
* هى آمنة بنت وهب ابن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرّة قرشية* وفى المنتقى زهرة هذه امرأة نسب اليها ولدها ولا يعرف أبوه فأقيمت فى التذكير مقام الاب* وفى المواهب اللدنية وأمّ وهب بن عبد مناف بن زهرة هى عاتكة بنت الاوقص بن مرّة من بنى سليم ذكره ابن قتيبة وقال أبو عمرو يعرف أبوها أى أبو عاتكة بأبى كبشة وينسب اليه رسول الله ﷺ فيقال ابن أبى كبشة وانما نسب اليه لانه كان يعبد الشعرى ولم يكن أحد من العرب يعبد الشعرى غيره خالف فى ذلك جميع العرب فلما جاء رسول الله ﷺ بخلاف ما كان عليه العرب قالوا هذا ابن أبى كبشة وقيل بل نسب الى أبى أمّه وهب وكان يدعى بأبى كبشة وقيل ان أباه من الرضاعة الحارث بن عبد العزى بن رفاعة السعدى زوج حليمة السعدية كان يدعى بأبى كبشة كذا فى ذخائر العقبى* وفى المنتقى وجز بن غالب بن الحارث هو أبو كبشة الذى كانت قريش تنسب رسول الله ﷺ اليه لانه جدّه من قبل أمّه وهو أوّل من عبد الشعرى
صفة الشعرى
وكان يقول الشعرى تقطع السماء عرضا ولا أرى فى السماء شمسا ولا قمرا ولا نجما يقطع السماء عرضا غيرها والعرب تظنّ أن أحدا لا يعمل شيئا الا بعرق ينزعه شبهه فلما خالف رسول الله ﷺ دين قريش قال مشركو قريش نزعه أبو كبشة* وفى المتقى أمّ وهب بن عبد مناف بن زهرة أبى آمنة هى قيلة ويقال هند بنت أبى قيلة وقيل عمرة بنت وجز ابن غالب بن الحارث بن عمرو بن ملكان وأمّها سلمى بنت لؤىّ بن غالب بن فهر بن مالك وأمّها مارية بنت كعب وأمّ وجز بن غالب السلافة بنت راهب بن بكير وأمّها بنت قيس بن ربيعة وأمّ عبد مناف ابن زهرة حمل بنت مالك وأمّ زهرة بن كلاب أمّ قصىّ وهى فاطمة بنت سعد بن سيل وأمّ آمنة أمّ النبىّ ﷺ برّة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصى بن كلاب وأمّ برة هى أمّ حبيب بنت أسد بن عبد العزى بن قصىّ بن كلاب قاله ابن قتيبة وقال أبو سعيد أمّ سفيان بنت أسد ابن عبد العزى بن قصىّ بن كلاب بن مرّة وأمّ حبيب هى برّة بنت عوف بن عبيد بن عويج بن عدىّ ابن كعب بن لؤىّ وأمّ برّة بنت عوف هى قلابة بنت الحارث بن صعصعة بن عائذ بن لحيان من هذيل كذا فى المواهب اللدنية* وفى المنتقى أمّ برّة بنت عوف بن قلابة بن الحارث بن مالك بن حباشة انتهى وأمّ قلابة هى هند بنت يربوع من ثقيف قاله ابن قتيبة وقال سعد انها بنت مالك بن عثمان من بنى لحيان فالجدّة الاولى والثانية والثالثة من أمّهات أمّه ﷺ قرشيات وأمّ أبى آمنة سلمية والرابعة لحيانية هذلية والخامسة ثقيفية ففى كل قبيلة من قبائل العرب له علقة نسب كذا فى المواهب اللدنية وأما فى المنتقى فقال أمّ قلابة أميمة بنت مالك بن غنم بن لحيان وأمّها دب بنت ثعلبة بن الحارث بن تميم ابن سعد وأمّها عاتكة بنت عاضرة بن عطيط بن جشم بن ثقيف وأمّها ليلى بنت عوف قال محمد
стр. 57
ابن السائب كتبت للنبىّ ﷺ خمسمائة أمّ فما وجدت فيهنّ سفاحا ولا شيئا مما كان من أمر الجاهلية كما مرّ منقولا عن الشفاء برواية ابن الكلبى فان بعض أهل الجاهلية كانوا اذا أرادوا النكاح يقولون عند الخطبة خطب ويقول أرباب المرأة نسكح وهو عندهم عبارة عن العقد ومن أمثالهم أسرع من نكاح أمّ خارجة* واعلم أن أقوال النسابين والمؤرّخين فى سلسلة نسب نبينا ﷺ الى عدنان متفقة وفيما فوق عدنان خلاف كثير بحسب كمية الاعداد وكيفية الاسماء* قال ابن دحية أجمع العلماء والاجماع حجة على أن رسول الله ﷺ انما انتسب الى عدنان ولم يتجاوزه انتهى والله أعلم ولله درّ القائل
ونسبة عز هاشم من أصولها ... ومحتدها المرضىّ أكرم محتد
سمت رتبة علياء أعظم بقدرها ... ولم تسم الا بالنبىّ محمد
ويرحم الله القائل ... وكم أب قد علا بابن ذرى شرف
كما علت برسول الله عدنان
وعن ابن عباس أنه ﷺ كان اذا انتسب لم يتجاوز معدّ بن عدنان ثم يمسك ويقول كذب النسابون رواه فى مسند الفردوس لكن قال السهيلى الاصح فى هذا الحديث أنه من قول ابن مسعود* وفى الاكتفاء عن ابن عباس كان النبىّ ﷺ اذا انتهى الى عدنان أمسك ثم يقول كذب النسابون قال الله تعالى وقرونا بين ذلك كثيرا* روى ابن مسعود أنه كان اذا قرأ ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم الا الله قال كذب النسابون يعنى انهم يدّعون علم الانساب ونفى الله علمها عن العباد* وعن ابن عباس أنه قال بين اسماعيل وبين عدنان ثلاثون أبا لا يعرفون* وذكر أبو الحسن المسعودى وآخرون بين عدنان وابراهيم نحوا من أربعين أبا وهذا أقرب فان المدّة بينهما طويلة جدّا لكن فى لفظها وضبطها اختلاف كثير كذا فى الجواهر المضيئة* وفى المنتقى وعدّ بعضهم بين معدّ واسماعيل أربعين أبا وفى رواية ثلاثين قرنا لا يعلمهم الا الله* وفى مورد اللطافة قيل بين عدنان وبين اسماعيل تسعة آباء وقيل سبعة* وفى الاكتفاء الصحيح المجمع عليه فى نسبه الى عدنان وما فوق ذلك مختلف فيه ولا خلاف فى أن عدنان من ولد اسماعيل نبىّ الله ابن ابراهيم خليل الله ﵉ وانما الاختلاف فى عدد من بين عدنان واسماعيل من الآباء فقلل ومكثر وكذلك من ابراهيم الى آدم ﵉ لا يعلم ذلك على حقيقته الا الله تعالى وكذلك الاختلاف فى أن عدنان من ولد ثابت بن اسماعيل أو من ولد قيدار بن اسماعيل وثابت يروى بالنون وبالثاء المثلثة روى أن مالك بن أنس كان يكره أن ينسب الانسان نفسه أبا أبا الى آدم وكذلك فى حق النبىّ ﷺ لانه لا يعلم أولئك الآباء الا الله تعالى كذا فى معالم التنزيل* وفى سيرة ابن هشام عدنان بن أدد بن مقوم بن ناحور بن تيرح بن يعرب بن يشجب* وفى سيرة مغلطاى وقيل يشجب ابن يعرب بن يشجب بن ثابت بن اسماعيل بن ابراهيم خليل الرحمن بن تارخ وهو آزر بن ناحور بن ساروح بن ارغو بن فالخ بن عيبر بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح بن لامك بن متوشلخ بن اخنوخ وهو ادريس النبى ﷺ فيما يزعمون والله أعلم وكان أوّل من أعطى النبوّة وخط بالقلم من بنى آدم ابن يرد بن مهلايل بن قينان بن يانش بن شيث بن آدم ﷺ * قال أبو محمد عبد الملك بن هشام حدّثنا زياد بن عبد الله البكائى عن محمد بن اسحاق المطلبى بهذا الذى ذكرت من نسب محمد رسول الله ﷺ قال ابن هشام وحدّثنى خلاد بن قرّة بن خلد السدوسى عن شيبان بن زهير بن شقيق ابن ثور عن قتادة بن دعامة أنه قال اسماعيل بن ابراهيم خليل الله ابن تارخ وهو آزر بن ناحور بن أسرع
стр. 58
ابن ارغو بن فالخ بن عابر بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح بن لامك بن متوشلخ بن اخنخ بن يرد بن مهلائيل بن قاين بن أنوش بن شيث بن آدم ﷺ وسردا الطبرى فى خلاصة السير النسب النبوى الابوى الى ابراهيم موافقا لما رواه ابن هشام عن البكائى* وفى الصفوة عدنان بن أدد بن الهميسع بن حمل بن نبت ابن قيدار بن اسماعيل بن ابراهيم وكذا فى المنتقى الا أن فيه قدّم نبتا على حمل وبعضهم يقول عدنان بن أدّ بن أدد كذا فى دلائل النبوّة* وابراهيم بن تارخ وهو آزر بن ناحور بن ساروح بن أرغو بن فالخ* وفى بعض الكتب فالغ بن عابر وهو هود بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح بن لامك بن متوشلخ بن ادريس بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم ﵉* وفى حديث أمّ سلمة عن النبىّ ﷺ عدنان بن أدد بن زيد بن برى بن اعراق الثرا قالت أمّ سلمة فزيد هو الهميسع وبرى هو نبت واعراق الثرا هو اسماعيل وقيل اعراق الثرا ابراهيم لانهم لما رأوه لم يحترق بالنار قالوا ما هو الا اعراق الثرا وزيد بالياء وقيل بالنون كذا فى دلائل النبوّة*
أولاد آدم الصلبية
روى عن ابن عباس أنه قال لم يمت آدم حتى بلغ أولاده وأحفاده أربعين ألفا الصلبية منهم أربعون عشرون منهم ذكورا وعشرون اناثا وقيل الاناث تسع عشرة والذكور احد وعشرون روى أن حوّاء كانت تلد فى كل بطن توأمين غلاما وجارية الا فى نوبة شيث فان النور المحمدى لما انتقل من آدم الى حوّاء حملت بشيث وحده لشرف نورا لنبوّة وهو المشهور وقيل كانت لشيث أيضا توأمة* وفى معالم التنزيل كان جميع ما ولدته حوّاء أربعين ولدا فى عشرين بطنا أوّلهم قابيل وتوأمته اقليميا وآخرهم عبد المغيث وتوأمته أمة المغيث* واختلفوا فى مولد قابيل وهابيل قال بعضهم غشى آدم حوّاء بعد مهبطهما الى الارض بمائة سنة فولدت له قابيل وتوأمته اقليميا فى بطن ثم هابيل وتوأمته لبودا فى بطن وكان بينهما سنتان* وفى المختصر يقال ان بعد مائة وعشرين سنة من هبوط آدم ولد له ولدان فى بطن واحد قابيل وهابيل فقتل هابيل قابيل على الرواية الصحيحة لان قابيل اشتق اسمه من قبول قربانه وهابيل من هبل* وهى مخالفة لما هو المشهور وقال محمد بن اسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الاوّل ان آدم كان يغشى حوّاء فى الجنة قبل أن يصيب الخطيئة فحملت بقابيل وتوأمته فلم تجد عليهما وجعا ولا طلقا حين ولدتهما ولم تر معهما دما فلما هبطا الى الارض تغشاها فحملت بهابيل وتوأمته فوجدت عليهما الوجع والطلق والدم* وفى بحر العلوم أوّل ولد ولد لآدم الحارث ولا أخت معه فى البطن ثم قابيل ومعه أخته اقليميا ثم هابيل وأخته ابودا ثم اسوف وأخته ثم شيث ثم انثى بعده فى بطن فزوّجها منه اسمها حروث ثم اباد وأخته ثم جنان وأخته ثم كرس وأخته ثم هون وأخته ثم نحود وأخته ثم سندل وأخته ثم بارق وأخته ثم كذا ثم كذا الى تمام أربعين بطنا عند محمد بن اسحاق* وقال وهب بن منبه مائة وعشرون بطنا وقيل خمسمائة بطن لتمام ألف ولد وبقى فيهم وفى أولادهم ألف لسان من العربية والعبرية والسريانية والفارسية والتركية والرومية والهندية والسغدية والخوارزمية وغيرها*
قتل قابيل هابيل
وفى المدارك روى أنه أوحى الله الى آدم أن زوّج كل واحد من قابيل وهابيل توأمة الآخر وكانت توأمة قابيل أجمل فحسد عليها أخاه هابيل وسخط فقال لهما آدم قرّ باقر بانا فأيكما قبل قربانه يتزوّجها ففعلا فقبل قربان هابيل بأن نزلت عليه نار فأكلته فازداد قابيل حسد او سخطا فقتله فتكا على غفلة منه* روى أن قابيل لما قتل أخاه أتاه ابليس فقال له انما أكلت النار قربان أخيك لانه كان يخدم النار ويعبدها فانصب أنت نارا تكون لك ولعقبك ففعل فقابيل أوّل من سنّ القتل وعبادة النار* وفى بحر العلوم قال وهب كان يولد لحوّاء فى كل بطن ذكر وأنثى فولد قابيل وأخته اقليميا ثم ولد هابيل وأخته لبودا فأمر آدم قابيل أن يتزوّج بأخت هابيل وأمر هابيل أن يتزوّج بأخت
стр. 59
قابيل فأبى قابيل وشح بأخته رغبة عن حكم الله تعالى وقال أنا أحق بأختى التى ولدت فى بطنى ونحن من أولاد الجنة وهابيل وأخته من أولاد الارض فغضب آدم غضبا شديدا وقال هذه معصية لله تعالى اذهبا فتحا كما الى الله تعالى وقرّ باقر بانا فأيكما تقبل قربانه فهو أحق باقليميا وكان هابيل صاحب غنم يرعاها فى الحرم وقابيل صاحب زرع يزرع خارجا من الحرم فقرب هابيل كبشا من أعظم غنمه وأسمنها وقرب قابيل سنبلا من أسمن زرعه وأطيبه فتقبل الله قربان هابيل وكانت تنزل نار من السماء فى سلسلة بيضاء ليس لها وهيج ولا دخان فتقبل قربان المحق وتدع قربان المبطل ولم يتقبل قربان قابيل فقال قابيل لهابيل ما بالك تقبل منك قربانك ولم يتقبل منى قال هابيل مالى بذلك من علم فامتلأ قابيل بذلك غيظا وحسدا لاخيه فقال هابيل انما يتقبل الله من المتقين فقال قابيل لاقتلنك فقال هابيل لم قال لان الله تعالى تقبل قربانك وردّ قربانى فأفلح حجتك وأدحض حجتى ويقول الناس بعد اليوم أنك خير منى قال هابيل لئن بسطت الىّ يدك لتقتلنى الآية* وفى العرائس أنكر جعفر الصادق أن يكون آدم زوّج ابنته من ابنه وقال لما أهبط آدم وحوّاء الى الارض وجمع بينهما ولدت حوّاء ابنة سماها عناق فبغت وهى أوّل من بغى على وجه الارض فسلط الله عليها من قتلها فولدت لآدم على اثرها قابيل ثم ولدت له هابيل فلما أدرك قابيل أظهر الله جنية من الجنّ يقال لها حمالة فى صورة انسية فأوحى الله تعالى الى آدم أن زوّجها من قابيل فزوّجها منه فلما أدرك هابيل أهبط الله حوراء فى صورة انسية وخلق لها رحما وكان اسمها بركة فلما نظر اليها هابيل وصفها فأوحى الله تعالى الى آدم أن زوّج بركة من هابيل ففعل فقال قابيل ألست بأكبر من أخى وأحق بما فعلت به منه فقال يا بنىّ ان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء فقال لا ولكنك آثرته بهواك فقال له آدم ان كنت تريد أن تعلم حقيقة ذلك فقرّبا قربانا الى آخر القصة وكان موضع القربان منى ومن أجل ذلك صار منى مذبح الناس فلما توجها راجعين وبلغا العقبة أراد قابيل أن يقتل هابيل فلم يدر كيف يقتله فعمد ابليس الى طائر فرضخ رأسه بحجر وقابيل ينظر اليه فعمد هو الى أخيه فدمغه بحجر فقتله فحين فعل ذلك أرعش جسده وسقط فى يده ولم يدر كيف يصنع وأصبح نادما وذلك كان أوّل من قتل وحمله على ظهره ثلاثة أيام وكان يطوف به حتى تروّح جسده وانتفخ بطنه وظهرت زهومته* وفى المدارك لما قتله قابيل تركه بالعراء لا يدرى ما يصنع به فخاف عليه السباع فحمله فى جراب على ظهره سنة حتى أروح وعكفت عليه السباع فبعث الله غرابا فأقبل يهوى حتى قتل غرابا آخر وجعل يحفر الارض بمنقاره ويبحث برجليه ثم ألقاه فى الحفرة ثم أثار التراب عليه حتى واراه وابن آدم ينظر اليه فقال يا ويلتا أعجزت ان أكون الآية* وفى المدارك روى أنه لما قتله اسودّ جسده وكان أبيض فسأله آدم ﵇ عن أخيه فقال ما كنت عليه وكيلا فقال بل قتلته ولذا اسودّ جسدك فالسودان من ولده* وفى العرائس كان لهابيل يوم قتل عشرون سنة واختلفوا فى مصرعه وموضع قتله وقال ابن عباس على جبل ثور وقال بعضهم على عقبة حراء وقال جعفر الصادق رضى الله عنه بالبصرة فى موضع المسجد الاعظم* وفى بحر العلوم لما رجع آدم من حجه ولم يجد هابيل وسأل عنه وقالوا لا ندرى مكث سبعة أيام ولياليها لا ينام فرأى بعد ذلك فى منامه ولده ينادى يا أبتاه يا أبتاه فاستيقظ وصاح وخرّ مغشيا عليه فجاء جبريل فأخذ برأسه وعزاه بالمصيبة وقال انه كان يصيح عند ما قتل وكذا يخرج من قبره يوم القيامة فقال آدم أنا برئ من قابيل فقال الله تعالى وأنا برئ منه أيضا ودل جبريل آدم على موضع مواراته فأتاه فبحثه فرآه مشدوخا ملطخا بالدماء فنادى يا حسرتاه يا أسفاه يا ولداه فبكى أهل السماء لبكائه وقالوا الآن كان استراح هذا المسكين من بكائه فقال الله تعالى دعوه فالدنيا دار البكاء* وفى العرائس صار
قابيل طريدا
стр. 60
شريدا فزعا مرعو بالا يأمن فأخذ بيد أخته اقليميا وهرب بها الى عدن من أرض اليمن* وفى بحر العلوم بعد ما دفن قابيل أخاه انطلق هاربا حتى أوى الى واد من أودية اليمن فى شرقى عدن فكمن فيه زمانا وبلغ آدم ما صنع قابيل فوجد آدم هابيل قتيلا ووجد الارض قد نشفت دمه فلعن الارض عند ذلك فمن أجل لعن آدم لا تنشف الارض دما بعد دم هابيل الى يوم القيامة وأنبتت الشوك ثم ان آدم احتمل ابنه على عنقه زمانا طويلا يد وربه فى البلاد ولا تجف دموعه ثم دفنه* وفى رواية لم يقتله حتى غاب آدم للحج ففعل ذلك ثم رجع آدم فلم يجد هابيل ووجد سائر أولاده ونوافله قد استقبلوه فقال أين هابيل فاعتل قابيل بشئ ثم ظهر له ذلك فلعن الارض بتنشيف دمه فأخرجت ما كانت نشفت وتزلزلت وهربت السباع الى الجبال وقالوا زال الامن من الناس فقد قتل الاخ أخاه وعق الولد أباه ودعا آدم على قابيل فأمر الله تعالى الارض بأن تخسفه فخسفته الى ركبتيه ثم كان من مناجاته يا رب أنت أرحم الراحمين لا تترك رحمتك لذنبى فأمر الله الارض أن تطلقه وأتاه ملك فكسر رجليه ويديه وقيده وغله وطاف به مجرورا على الارض فى الدنيا كلها سبع مرّات وكان يعذب فى هذه الطوفات فى الشتاء بجبال الثلج وفى الصيف بجبال النار ثم رماه بعض أولاده من نوافله بحجر فرضخه فقتله فصار الى النار فبئس القرار قال الله تعالى فى حاله فى جهنم وقول أهل النار ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجنّ والانس الآية* وفى حديث مقاتل باسناده عن علىّ كرّم الله وجهه لما أنكر قابيل قتل هابيل شهدت جوارحه وبعث الله ملكا فأخذه واستقبل به الشمس يدور معها حيث دارت يعذبه بالنار فى الصيف وبالزمهرير فى الشتاء ثمانين سنة ثم ألقاه الى الارض ثم أمر بخسفه فى الارض* قال العتابى سلط الله على قابيل الريح حتى ألقته الى أقرب موضع من الشمس وأشدّها حرّا فى الصيف حتى يحترق وفى الشتاء ألقته الى أبعد موضع من الشمس وأشدّها بردا وهكذا يحوّله ويعذبه الى يوم القيامة وهو قول مجاهد* وقيل ان قابيل كان من لقمة آدم التى نهى عنها فى الجنة فظهر ذلك فى ولده فصار اماما للكفرة والظلمة ويأجوج ومأجوج من نسله* وفى معالم التنزيل لما قتل قابيل هابيل وآدم حينئذ بمكة اشتاك الشجر وتغيرت الاطعمة وحمضت الفواكه ومرّ الماء واغبرت الارض وعن علىّ رضى الله عنه اغبرّت الارض وانتقصت الاشياء كلها يومئذ طعوم الثمار وضوء الشمس ونور القمر وريح الرياحين والطيب وعذوبة الماء ونبت العوسج فقال آدم قد حدث فى الارض شئ فأتى الهند فاذا قابيل قد قتل هابيل فبكى آدم وحوّاء وامتنع من غشيانها وناح آدم وحوّاء عليه بهذه الابيات وهو أوّل من قال الشعر والله أعلم
تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الارض مغبرّ قبيح
تغير كل ذى طعم ولون ... وقلّ بشاشة الوجه الصبيح
فوا أسفا على هابيل ابنى ... قتيلا قد تضمنه الضريح
وقابيل أذاق الموت هابيل ... فواجزنى لقد فقد المليح
وجاءت شهلة ولها أنين ... لها بلها وقابلها تصيح
لقتل ابن النبىّ بغير جرم ... فقلبى عند قتلته جريح
وجاورنا عدوّ ليس يفنى ... لعين لا يموت فنستريح
وقالت حوّاء رحمها الله تعالى
دع الشكوى فقد هلكا جميعا ... يهلك ليس بالثمن الربيح
وما يغنى البكاء عن البواكى ... اذا ما المرء غيب فى الضريح
فبك النفس منك ودع هواها ... فلست مخلدا بعد الذبيح
стр. 61
وقال لهما ابليس لعنه الله تعالى
تنح عن البلاد وساكنيها ... فبى فى الخلد ضاق بك الفسيح
وكنت بها وزوجك فى رخاء ... وقلبك من أذى الدنيا مريح
فما زالت مكايدتى ومكرى ... الى أن فاتك الخلد الربيح
فلولا رحمة الجبار أضحى ... بكفك من جنان الخلد ريح
تابعه الثعلبى فى قول آدم وتفرّد فى قول حوّاء وابليس ونقل ابن الاثير أيضا فى كتاب كامل التاريخ وصاحب زين القصص وغيرهما شعر آدم لكن قال صاحب الكشاف اسناده الى آدم كذب محض وقال الامام فخر الدين الرازى صدق صاحب الكشاف* وفى معالم التنزيل بعد ما نقل الشعر المذكور روى ميمون بن مهران عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال من قال ان آدم ﵇ قال شعرا فقد كذب على الله ورسوله فان محمدا والانبياء كلهم عليهم الصلاة والسلام فى النهى عن الشعر سواء ولكن لما قتل قابيل هابيل رثاه آدم وهو سريانى وقال لشيث يا بنىّ انك وصيى فاحفظ هذا الكلام ليتوارث فيرق الناس عليه فلم يزل ينتقل الى أن وصل الى يعرب بن قحطان وكان يتكلم بالعربية والسريانية وهو أوّل من تكلم بالعربية وكان يقول الشعر وفى القاموس يعرب بن قحطان أبو اليمن وأوّل من تكلم بالعربية فنظر فى المرثية فردّ المقدّم الى المؤخر والمؤخر الى المقدّم فوزنه شعرا وزاد فيه أبياتا منها
ومالى لا أجود بسكب دمعى ... وهابيل تضمنه الضريح
أرى طول الحياة علىّ غما ... فهل أنا من حياتى مستريح
وفى معالم التنزيل ولما مضى من عمر آدم مائة وثلاثون سنة وفى البحر العميق مائتان وثلاثون سنة وذلك بعد قتل هابيل بخمس سنين ولدت له حوّاء شيثا وفى المختصر تفسيره هبة الله يعنى انه خلف من هابيل وكذا فى العرائس عن جعفر الصادق* وفى البحر العميق وكان قيامه بالامر بعد آدم مائتين وثنتى عشرة سنة ومات وله تسعمائة واثنتا عشرة سنة واختلف فى نبوّته* وفى معالم التنزيل ان الله تعالى علم آدم جميع اللغات ثم تكلم كل واحد من أولاده بلغة فتفرّقوا فى البلاد واختص كل فرقة منهم بلغة وعن محمد بن جرير أن أنساب جميع بنى آدم اليوم تنتهى الى شيث لان نسل سائر أولاده قد انقطع فى الطوفان
*
قصة عنق وابنها عوج
وفى معالم التنزيل والعرائس وكانت احدى بنات آدم لصلبه عنق وكان مجلسها جريبا من الارض وفى العرائس وكان كل اصيع من أصابعها ثلاثة أذرع فى عرض ذراعين فى رأس كل اصبع منها ظفران حديدان مثل المنجلين وكان موضع جلوسها جريبا من الارض ويقال انها أوّل من بغى على وجه الارض فأرسل الله عليها أسودا كالفيلة وذئابا كالابل ونسورا كالحمر فسلطهم عليها فقتلوها وأكلوا لحمها وشربوا دمها انتهى فولد منها عوج وكان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعا وثلث ذراع* وفى العرائس كان طول عوج بن عنق ثلاثة وعشرين ألف ذراع وثلثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعا بذراع زمانه وكان يحتجز بالسحاب ويشرب منه ويتناول الحوت من قرار البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه اليها ثم يأكله* ويروى أن الماء طبق ما على الارض من جبل وفى موضع آخر منه علا الماء على رؤس الجبال بقدر أربعين ذراعا وقيل خمسة عشر ذراعا وما جاوز ركبتى عوج* وفى موضع آخر منه كان الماء الى حجزته كما سيجىء* وفى القاموس عوج بن عوق بضمهما رجل ولد فى منزل آدم فعاش الى زمن موسى ﵇ وذكر من عظم خلقه شناعة* وفى القاموس أيضا عوق كنوح والدعوج الطويل ومن قال عوج بن عنق فقد أخطأ* وفى الانس الجليل عوج ابن عناق نسبة لامّه عناق بنت
стр. 62
آدم وهى أوّل من بغى على وجه الارض وعمل الفجور والسحر وجاهرت بالمعاصى وولدت عوجا الجبار ولم يغرقه الطوفان ولم يبلغ بعض جسده وطلب السفينة ليغرقها* وفى معالم التنزيل عاش ثلاثة آلاف سنة حتى أهلكه الله على يد موسى وذلك ان الله وعد موسى ﵇ أن يورثه وقومه الارض المقدّسة وهى الشام* وفى عمدة المعانى الارض المقدّسة أى المطهرة وهى دمشق وفلسطين وبعض الاردن وقيل الشام كلها وسيجىء أمرهم الله تعالى بالسير الى أريحاء من أرض الشام وهى الارض المقدّسة وكان لها ألف قرية وفى كل قرية ألف انسان وكان لا يحمل عنقودا من عنهم الا خمسة أنفس فى خشبة بينهم ويدخل فى شطر الرمانة اذا انزع حبها خمسة أنفس قال ابن عباس اريحاء قرية الجبارين كان فيها قوم من بقية عاد يقال لهم العمالقة ورأسهم عوج بن عنق وقيل بلقاء* وفى معالم التنزيل سمى أولئك القوم جبارين لامتناعهم لطول قامتهم وقوّة أجسادهم وكانوا من العمالقة وبقية قوم عاد وقال الله يا موسى انى كتبتها لكم دارا وقرارا فاخرج اليها وجاهد من فيها من العدوّ فانى ناصرك عليهم وخذ من قومك اثنى عشر نقيبا من كل سبط نقيبا كفيلا على قومه بالوفاء منهم على ما أمروا به فاختار موسى النقباء وسار ببنى اسرائيل حتى قربوا من أريحاء وبعث هؤلاء النقباء يتجسسون الاخبار ويعلمون علمها فلقيهم رجل من الجبارين يقال له عوج بن عنق وكان طول قامته وعمره ما ذكرنا وعلى رأسه خرمة حطب فأخذ النقباء الاثنى عشر وجعلهم فى حزمته وانطلق بهم الى امرأته وقال انظرى الى هؤلاء الذين يزعمون أنهم يزيدون قتالنا وطرحهم بين يديها وقال لأطحننهم فقالت امر أنه بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم ففعل ذلك* وروى أنه جعلهم فى كمه وأتى بهم الى الملك فنثرهم بين يديه وقال الملك ارجعوا فأخبروا بما رأيتم ثم انه جاء وقوّر صخرة من الجبل على قدر معسكر موسى فرسخا فى فرسخ وحملها ليطبقها عليهم فبعث الله الهدهد فقوّر الصخرة بمنقاره فوقعت فى عنقه فصرعته فأقبل موسى وهو مصروع فقتله* وفى الانس الجليل والعرائس فأرسل الله طيرا فنقر الصخرة فنزلت من رأسه الى عنقه ومنعته الحركة فوثب موسى وكانت وثبته عشرة أذرع وطوله عشرة أذرع وطول عصاه مثل ذلك ولم يلحق الاعرقوبه وهو مصروع وضرب كعبه فقتله وتركه بموضعه وأردم عليه التراب والرمل فكان كالجبل العظيم فى صحراء مصر وجاءت جماعة كثيرة من بنى اسرائيل فقطعوا رأسه بعد جهد جهيد بالخناجر ووضعوا ضلعا من أضلاعه على نيل مصر فجسرهم سنة كذا فى العرائس* وروى أن كل واحد من وثبة موسى وطوله وطول عصاه أربعون ذراعا* وهذه القصة لغرابتها أوردت فى البين فلنرجع الى ما كنا بصدده* روى ان آدم عاش تسعمائة وستين سنة وقيل ألف سنة وفى حياة الحيوان كان طول آدم ستين ذراعا وعاش ألف سنة الاستين عاما وفى المختصر الاسبعين عاما* وفى الانس الجليل تسعمائة وثلاثين سنة وكان وصيه شيث ومدّة مرضه أحد عشر يوما وتوفى بمكة يوم الجمعة وصلّى عليه جبريل واقتدى به الملائكة وبنو آدم* وفى رواية صلّى عليه شيث بأمر جبريل ودفن بمكة فى قبر لحد له فى غار أبى قبيس وهو غار يقال له غار الكنز قاله وهب* وفى العرائس قال ابن اسحاق فى مشارق الفردوس عند قرية هى أوّل قرية كانت فى الارض وكسفت عليه الشمس والقمر تسعة أيام ولياليها* وفى بحر العلوم عن ابن عباس أنه قال لما فرغ آدم من الحج رجع الى الهند فمات على نود بالهند ودفن بها وعن ثابت البنانى حفروا لآدم ودفنوه بسر نديب من الهند فى الموضع الذى أهبط عليه وصححه الحافظ عماد الدين بن كثير فى تفسيره والزمخشرى فى الكشاف* وفى المدارك لما توفى آدم غسلته الملائكة وحنطته وكفنته فى وتر من الثياب وحفروا له قبرا ولحد او دفنوه بسر نديب من الهند وقالوا
стр. 63
لبنيه هذه سنتكم وقيل ان قبره فى مغارة بين بيت المقدس ومسجد ابراهيم وعن ابن عمر أنه قال رأسه عند الصخرة ورجلاه عند مسجد الخليل وتوفيت حوّاء بعد آدم بسنة وقيل بثلاثة أيام ودفنت الى جنب آدم فى ذلك الغار ولم يزل قبر آدم هناك الى زمان الطوفان ولما حدث الطوفان حمله نوح وقيل حملهما فى تابوت معه فى السفينة وجعله معترضا بين الرجال والنساء قاله مقاتل* ولما انقضى الطوفان دفنه فى مدفنه الاوّل* وفى رواية ابن عباس دفن ببيت المقدس وقيل عند مسجد الخيف حكاه الذهبى ومسجد الخيف حكاه عروة بن الزبير* وفى المختصر الجامع قيل ان سام بن نوح أخرجه من السفينة وحمله الى منى ودفنه عند منارة مسجد الخيف* وفى الانس الجليل نزل جبريل على آدم اثنتى عشرة مرّة وقام بالامر بعد آدم شيث ويقال شاث ومعناه هبة الله ويقال عطية الله كذا فى سيرة مغلطاى وكانت ولادة شيث بعد مضىّ مائة وعشرين سنة لآدم بعد قتل هابيل بخمس سنين كذا فى كامل التاريخ* وفى رواية كان مولده لمضىّ مائتى سنة وخمس وثلاثين سنة من عمر آدم وقيل غير ذلك وكان شيث أجمل أولاد آدم وأشبههم به وأحبهم اليه وأفضلهم* وقال ابن عباس كان معه توأم ولما حضرت آدم الوفاة عهد الى شيث وعلمه ساعات الليل والنهار وعلمه العبادات فى كل ساعة منها وأعلمه بالطوفان وصارت الرياسة بعد آدم اليه وأنزل الله تعالى عليه خمسين صحيفة واليه تنتهى أنساب بنى آدم كلهم اليوم وزوّجه الله مخوايله البيضاء بيت آدم فى حياته وكانت جميلة كأمّها حوّاء وخطب جبريل وشهدت الملائكة وكان آدم وليها فولدت أنوش بن شيث ويقال يانش ومعناه الصادق وكانت مدّة عمر شيث تسعمائة واثنتى عشرة سنة ومات لمضىّ ألف ومائة واثنتين وأربعين سنة من هبوط آدم ودفن فى غار أبى قبيس الى جنب أبويه وانتقلت رياسة الخلوّ بوصيته الى ابنه يانش وقام مقام أبيه قريبا من ستمائة سنة وعاش تسعمائة وخمسين سنة وقيل كان جميع عمرة تسعمائة وخمس سنين وكان مولده بعد أن مضى من عمر أبيه شيث ستمائة وخمس سنين كذا فى كامل التاريخ وولد لا نوش قينن بالقاف ويقال قينان ومعناه المتولى ولد من أخت أبيه نعمة بنت شيث بعد مضى تسعين سنة من عمر أنوش كذا فى الكامل* وفى سيرة ابن هشام قاين وقام مقام أبيه قريبا من خمس وتسعين سنة وعاش تسعمائة واثنتى عشرة سنة كذا فى الكامل وقيل تسعمائة وثنتين وستين سنة وولد لقينان مهليل بن قينان ويقال مهلائيل ومعناه الممدّح وفى الكامل وغيره مهلائيل أوّل من بنى المدّن واستخرج المعادن وأمر أهل زمانه باتخاذ المساجد وبنى مدينة بابل بالعراق ومدينة السوس بخوزستان وكانتا أوّل ما بنى على وجه الارض وما بنيت قبلهما مدينة وكان مأوى بنى آدم فى المغارات والغيض كذا فى نظام التواريخ* وفى التوراة أن مهلائيل ولد بعد أن مضى من عمر آدم ﵇ ثلثمائة وخمس وتسعون سنة وعاش ثمانمائة وخمسا وتسعين سنة ونسابو الفرس قالوا مهلائيل بن قينان هو شنج الذى ملك الاقاليم السبعة كذا فى كامل التاريخ* وفى نظام التواريخ كثر الناس فى زمان مهلائيل وكان من كثرة الناس فى زحمة ففرّقهم مهلائيل فى أقطار الارض وجاء هو مع أولاد شيث الى أرض بابل* وفى كامل التاريخ مهلائيل هو أوّل من استنبط الحديد وعمل منه الادوات للصناعات وقدّر المياه فى مواضع المنافع وحض الناس على الزراعة واعتماد الاعمال وأمر بقتل السباع الضارية واتخاذ الملابس من جلودها والمفارش وبذبح البقر والغنم والوحش وأكل لحومها وانه بنى مدينة الرىّ وهو أوّل من استخدم الجوارى وأوّل من قطع الشجر وعملها فى البناء* ذكروا أنه نزل الهند وتنقل فى البلاد وعقد على رأسه تاجا وذكروا أنه قهر ابليس وجنوده ومنعهم الاختلاط بالناس وتوعدهم على ذلك وقتل مردتهم فهربوا من خوفه الى المفاوز والجبال فلما مات
عادوا وقبل انه سمى شرار الناس شياطين واستخدمهم
стр. 64
وملك الاقاليم كلها وانه كان بين مولد هو شنج وملكه وبين موت كيومرث مائتا سنة وثلاث وعشرون سنة وقال أهل التوراة ان أوّل من اتخذ الملاهى من ولد قابيل رجل يقال له توبال اتخذها فى زمان مهلائيل ابن قينان واتخذ المزامير والطنابير والطبول والعيدان والمعازف فانهمك ولد قابيل فى اللهو وولد لمهلائيل يرد بمثناة تحتية مفتوحة ثم راء مهملة وذال معجمة كذا فى الكامل ويقال يارد ويقال الرائذ ومعناه الضابط ولد بعد ما مضى من عمر آدم أربعمائة وستون سنة وكان هو القائم بوصية أبيه وعاش تسعمائة وثنتين وستين سنة وكل هؤلاء ولدوا فى حياة آدم
* (ذكر ملوك الفرس متفرّقة ومشاهير الانبياء والحكماء الذين كانوا فى أيامهم)
**
(ذكر كيومرث)
* فى نظام التواريخ للشيخ ناصر الدين البيضاوى اتفق أهل التواريخ على أن أوّل الملوك كيومرث وزعم بعض المؤرّخين أن كيومرث هو آدم ﵇ ولم يصدّقهم الآخرون وأورد الغزالى فى كتاب نصائح الملوك أن كيومرث أخو شيث وقال جماعة ان كيومرث من أولاد نوح وقيل هذا أظهر وعلى التقادير كلها ان كيومرث هو أوّل الملوك فى الارض ويقال ان كيومرث أوّل من بنى المدن ابتنى مدينتين احداهما اصطخر وكان أكثر مقامه بها والثانية دماوند وكان يقيم بها أحيانا وعاش ألف سنة وكان ملكه قريبا من أربعين سنة ووصى بملكه لابن ابنه هو شنج
*
(ذكر هوشنج)
* وكان هو شنج صاحب علم وعدل وله كتاب فى الحكمة العملية ويدّعى الاعاجم أنه نبىّ ومن غاية عدله لقبوه بيشداد يعنى كثير العدل ووضع تاجا على رأسه واستخرج الحديد من الحجر وصنع منه آلات وزاد فى عمارة اصطخر التى هى دار ملكه وبنى مدينتين بابل وسوس ويقال ان بابل بناء الضحاك ويقال ان هو شنج كان مشتغلا بالعبادة فى الجبال حتى ان بعض الشياطين ضربوا رأسه بالحجر وهو فى السجود فأهلكوه وكان كيومرث يتضرّع الى الله حتى أخبر ليلة فى النوم عن حال هو شنج فقصد كيومرث تلك الجماعة من الشياطين فأهلكهم وبنى فى مقامهم مدينة بلخ من خراسان كذا فى نظام التواريخ*
(ذكر طهمورث)
* ولما توفى هو شنج قام مقامه سبطه طهمورث الذى هو ولىّ عهده وملك الاقاليم السبعة وعقد على رأسه تاجا وكان محمودا فى ملكه مشفقا فى رعيته وانه ابتنى شابور فى فارس وكهن فى مرو وبنى فى خطة اصفهان قمرين وساروية ونزلها وتنقل فى البلدان وانه وثب على ابليس حتى ركبه فطاف عليه فى أدانى الارض وأقاصيها وأفزعه ومردته حتى تفرّقوا وكان أوّل من اتخذ الصوف والشعر للبس والفرش وأوّل من اتخذ زينة الملوك من الخيل والبغال والحمير وأمر باتخاذ الكلاب لحفظ المواشى وغيرها وأخذ الجوارح للصيد وكتب بالفارسية وان موارسب ظهر فى أوّل سنة من ملكه ودعا الى ملة الصابئين كذا قال أبو جعفر وغيره من العلماء انه ركب ابليس وطاف عليه والعهدة عليهم وانما نحن نقلنا ما قالوا قال ابن الكلبى أوّل ملوك الارض من بابل طهمورث وكان لله مطيعا وكان ملكه أربعين سنة وهو أوّل من كتب بالفارسية وفى أيامه عبدت الاصنام وأوّل ما عرف الصوم فى ملكه وسببه أن قوما فقراء تعذر عليهم القوت فأمسكوا نهارا وأكلوا ليلا ما يمسك رمقهم واعتقدوا به تقرّبا الى الله تعالى وجاءت الشرائع به كذا فى الكامل* وفى نظام التواريخ وقع فى زمانه قحط فأمر الاغنياء أن يقنعوا بعشائهم ويعطوا غذاءهم للفقراء فوضع سنة الصوم ويقال ظهر فى زمانه فناء عظيم وكل من مات له حبّ صوّر صورته فبقى منه عبادة الاصنام
ذكر ادريس ﵇
وتزوّج يرد اغثوث وقيل بزوره فولدت له (اخنوخ) ابن يرد بهمزة وحذفها وحاء مهملة مفتوحة ونون وبعد الواو خاء معجمة وقيل بخاءين معجمتين ونون وواو
стр. 65
وفى آخره خاء معجمة كذا فى الكامل* وفى سيرة ابن هشام أهنخ ويقال أخنخ وهو ادريس سمى به لكثرة درسه الكتب فى صحف آدم وشيث كذا فى لباب التأويل والعرائس* واشتقاقه من الدرس على تقدير كونه عربيا ويمنعه منع صرفه* وفى الانس الجليل أدرك ادريس من حياة جدّه شيث عشرين سنة ويقال ان ولادته كانت فى زمن آدم قبل وفاته بمائة سنة وقيل حين توفى آدم كان قد مضى من عمر ادريس ثلثمائة وستون سنة* وفى المختصر ولد بعد وفاة آدم بمائة وستين سنة والجمهور على أن ادريس أوّل نبىّ بعث بعد آدم بمائتى سنة وما مضى من عمره فى النبوّة مائة وخمس سنين وأنزل عليه ثلاثون صحيفة ونزل عليه جبريل أربع مرّات كذا فى الانس الجليل وكان على شريعة آدم وكان خياطا وهو أوّل من خط بالقلم* قال أبو الحسين بن فارس فى كتابه فقه اللغة يروى أن أوّل من كتب الكتاب العربى والسريانى والكتب كلها آدم ﵇ قبل موته بثلثمائة سنة كتبها فى طين وطبخه ولما أصاب الارض الغرق وجد كل قوم كتابا فكتبوه فأصاب اسماعيل الكتاب العربى وكان ابن عباس يقول أوّل من وضع الكتاب العربى اسماعيل كذا فى البرهان للزركشى وكان ادريس أوّل من خاط الثياب ولبس المخيط وكان من قبله يلبسون الجلود وهو أوّل من نظر فى علم النجوم والحساب وحكماء اليونان ينسبون اليه فى علم الهيئة والنجوم والحساب ويسمونه هرمس الحكيم وهو عظيم عندهم كذا فى نظام التواريخ وهو أوّل أولى العزم وأوّل من اتخذ السلاح وقاتل الكفار وأوّل من اتخذ السبى والاسر وكان يسير الى حرب أولاد قابيل ويسبيهم ويستعبدهم وقيل ذلك كله كان فى حياة آدم* قال العلماء ان ادريس صعد الى السماء وعلم دور الافلاك وطبائع الكواكب وخواصها ثم نزل وكان ذلك معراجا له ولما مضى من عمر ادريس ثلثمائة سنة وثمان سنين توفى آدم وفى التوراة ان الله تعالى رفع ادريس بعد ثلثمائة سنة وخمس وستين سنة من عمره بعد أن مضى من عمر أبيه خمسمائة وسبعة وعشرون سنة وعاش أبوه بعد ارتفاعه أربعمائة وخمسا وثلاثين سنة تمام تسعمائة وثنتين وستين سنة وعاش يرد بعد مولد ادريس ثمانمائة سنة كذا فى الكامل ويقال انه قبضت روحه فى السماء الرابعة وصلت عليه الملائكة وبدنه فى السماء الرابعة وتصلى عليه الملائكة كلما هبطت وقيل انه مات ثم أحياه الله وأدخله الجنة وهو فيها الآن وسيجىء وقال قوم انه نبئ بعد آدم بمائتى سنة ورفع وله أربعمائة وخمس وستون سنة والاوّل أشهر* وفى لباب التأويل والمدارك وكان سبب رفعه الى السماء الرابعة على ما قاله كعب الاحبار وغيره أنه سار ذات يوم فى حاجة فأصابه وهج الشمس فقال يا رب انى مشيت يوما فكيف من يحملها مسيرة خمسمائة عام فى يوم واحد اللهم خفف عنه من ثقلها وحرّها فلمّا أصبح الملك وجد من خفة الشمس وحرّها ما لا يعرفه فسأل الله عن سبب ذلك فقال ابن عبدى ادريس سألنى أن أخفف عنك حملها وحرّها فأجبته قال يا رب فاجمع بينى وبينه واجعل بينى وبينه خلة فأذن له حتى أتى ادريس فقال له ادريس اشفع لى عند ملك الموت ليؤخر أجلى فأزداد شكرا وعبادة فقال الملك لا يؤخر الله نفسا اذا جاء أجلها وأنا مكلمه فرفعه الى السماء ووضعه عند مطلع الشمس ثم أتى ملك الموت وقال لى اليك حاجة صديق لى من بنى آدم يتشفع بى اليك لتؤخر أجله فقال ملك الموت ليس ذلك الىّ ولكن ان أحببت أعلمته أجله فيقدّم لنفسه قال نعم فنظر فى ديوانه فقال انك كلمتنى فى انسان ما أراه يموت أبدا قال وكيف ذلك قال لا أجده يموت الا عند مطلع الشمس قال أنا أتيتك وتركته هناك قال انطلق فما أراك تجده الا وقد مات فو الله ما بقى من أجل ادريس شئ فرجع الملك فوجده ميتا* قال وهب كان يرفع لادريس كل يوم من العبادة مثل ما يرفع لجميع أهل الارض فى زمانه فعجب مبنه الملائكة
стр. 66
وحبب اليهم واشتاق اليه ملك الموت فاستأذن ربه فى زيارته فأذن له فقال لملك الموت أذقنى الموت يهن علىّ ففعل باذن الله فحيى بعد ساعة ثم رفعه الى السماء وقال أدخلنى النار فأزداد رهبة ففعل ثم قال أدخلنى الجنة فأزداد رغبة ففعل فقال له أخرج الى مقرّك فتعلق بشجرة وقال ما أخرج منها فبعث الله ملكا حكما بينهما قال له الملك مالك لا تخرج قال لان الله تعالى قال كل نفس ذائقة الموت وقد ذقته وقال وان منكم الا واردها وقد وردتها وقال وما هم منها بمخرجين فلست أخرج فأوحى الله الى ملك الموت باذنى دخل وبأمرى لا يخرج فهو حىّ هنالك* واختلفوا فى أنه حىّ فى السماء أم ميت فقال قوم هو ميت وقال قوم هو حىّ وقالوا أربعة من الانبياء فى الاحياء اثنان فى الارض وهما الخضر والياس واثنان فى السماء وهما عيسى وادريس* وفى فصوص الحكم الياس هو ادريس كان نبيا قبل نوح وقد رفعه الله مكانا عليا فهو فى قلب الافلاك ساكن وهو فلك الشمس ثم بعث الى قرية بعلبك وبعل اسم صنم وبك اسم سلطان تلك القرية وكان هذا الصنم المسمى بعلا مخصوصا بالملك وكان ادريس الذى هو الياس قد مثل له انفلاق الجبل المسمى لبنان من اللبانة وهى الحاجة عن فرس من نار وجميع آلاته من نار فلما رآه ركب عليه فسقطت عنه الشهوة فكان عقلا بلا شهوة ولم يبق له تعلق بما يتعلق به الاغراض النفسية* وفى الكشاف قيل الياس هو ادريس النبىّ وقراءة ابن مسعود وان ادريس لمن المرسلين فى موضع الياس وقرئ ادراس وقيل هو الياس بن ياسين من ولد هارون النبىّ أخى موسى وبعل علم لصنم كمناة وهبل وقيل كان من ذهب وكان طوله عشرين ذراعا وله أربعة أوجه فتنوا به وعظموه حتى أخدموه أربعمائة سادن وجعلوهم أنبياء وكان الشيطان يدخل فى جوفه ويتكلم بشريعة الضلال والسدنة يحفظونها ويعلمونها الناس وهم أهل بعلبك من بلاد الشام وبه سميت مدينتهم بعلبك وقيل بعل الرب بلغة اليمن انتهى كلام الكشاف فلما رفع ادريس الى السماء وقع الاختلاف بين الناس وفتر الوحى الى زمان نوح
*
(ذكر ملك جمشيد)
* وفى زمان اخنوخ ملك جمشيد والشيد عندهم الشعاع وجم القمر لقبوه بذلك لجماله وهو أخو طهمورث وقيل انه ملك الاقاليم السبعة وسخر له ما فيها من الجنّ والانس وعقد التاج على رأسه وأمر بعمل السيوف والدروع وسائر الاسلحة وآلة الصناع من الحديد وبعمل الابريسم وغزله والقطن والكتان وكلّ ما يساغ غزله وحياكته وصبغه ألوانا ولبسه وصنف الناس أربع طبقات طبقة مقاتلة وطبقة فقهاء وطبقة كتابا وصناعا وحرّاثين واتخذ طبقة منهم خدما كذا فى الكامل* وفى نظام التواريخ زاد جمشيد فى عمارة مدينة اصطخر وعظمها حتى كان حدّها من حفرك الى آخر رامجرد مقدار اثنى عشر فرسخا فى الطول وعشرة فراسخ فى العرض واليوم ظللها وأساطينها باقية يقال لها چهل مناره أى ذات أربعين مناره ولم يخبر أحد بمثلها فى العالم ولما تم بناؤها سار اليها مع الملوك والعظماء وفى ساعة بلوغ الشمس نقطة الاعتدال الربيعى جلس على السرير ووعد الناس بالعدل والاحسان وسمى ذلك اليوم نوروز يعنى يوم جديد فمدّة ملكه بلغت الى قرب سبعمائة سنة وأبطره الملك والنعمة وغلبته الحماقة والتجبر فدعا الناس الى عبادته وصنع الاصنام على صورته وبعثها الى أطراف العالم ليعبدوها فسلط الله عليه شدّاد بن عاد حتى بعث اليه ابن أخيه ضحاك بن علوان حتى قلع جمشيد وقطعه قطعا قطعا
ذكر متوشلخ
وكان ادريس بن يرد قد تزوّج هدانة ويقال ادانة كذا فى الكامل ويقال تزوّج بروحا فولدت له (متوشلخ) بن اخنوخ بفتح الميم وبالتاء المعجمة باثنتين من فوق وبالشين المعجمة وبحاء مهملة وقيل بخاء معجمة كذا فى الكامل وكان لادريس حين تزوّج خمس وستون سنة وكان متوشلخ أوّل من ركب الفيل وانه سلك رسم أبيه اخنوخ فى الجهاد فعاش بعد ما ولد
стр. 67
لمك سبعمائة سنة وكان مدّة عمر متوشلخ تسعمائة وسبعا وعشرين سنة وقيل غير ذلك فولد لمتوشلخ لمك ابن متوشلخ ويقال لامك بفتح الميم وكسرها وقيل كان لمتوشلخ ابن آخر غير لمك يقال له صابى وبه سميت الصابئون وكان لامك رجل أشقر أعطى قوّة وبطشا ونكح بأصح الروايتين شمخاء بنت أنوش وقيل قينوش ابنة مراكيل بن مخويل ويقال مراكيل بن مخاويل أو مخاويل بن اخنوخ وهو ابن مائة وسبع وثمانين سنة فولدت له (نوحا) ابن لمك ﵇ وكان له يوم ولد نوح خمسمائة وخمس وتسعون سنة
ذكر نوح ﵇
وكان مولد نوح بعد موت آدم بمائة وست وعشرين سنة فبعث الله نوحا وهو ابن أربعمائة وثمانين سنة فدعا قومه مائة وعشرين سنة ثم أمره الله تعالى بصنعة الفلك فصنعها وركبها وهو ابن ستمائة سنة وغرق من غرق ثم مكث بعد السفينة ثلثمائة وخمسين سنة وروى عن جماعة من السلف انه كان بين آدم ونوح ﵉ عشرة قرون كلهم على ملة الحق والكفر بالله حدث فى القرن الذى بعث اليهم فيه نوح فأرسله الله تعالى وهو أوّل نبىّ بعث بالانذار فى الدعاء الى التوحيد وهو قول ابن عباس وقتادة كذا فى الكامل* وفى معالم التنزيل وأنوار التنزيل كان لمك وشمخاء أبوا نوح مؤمنين قيل سمى نوحا لكثرة ما ناح على نفسه* وفى تفسير القشيرى فى الخبر أن نوحا ﵇ كان اسمه يشكر ولكثرة ما كان يبكى أوحى الله اليه يا نوح كم تنوح فسموه نوحا وان ذنبه انه كان يوما مرّ بكلب فقال ما أوحشه فأوحى الله تعالى اليه أن اخلق أنت أحسن من هذا فكان يبكى معتذرا من مقالته تلك* وفى حياة الحيوان كان اسمه عبد الجبار وانما سمى نوحا لنوحه على ذنوب أمّته* وفى ربيع الابرار بكى نوح ثلثمائة سنة لقوله ان ابنى من أهلى* وفى الانس الجليل اسمه عبد الغفار وولد بعد مضىّ ألف وستمائة واثنتين وأربعين سنة من هبوط آدم وكان بعد رفع ادريس الى السماء بمائة وخمس وسبعين سنة* وفى العرائس أرسله الله الى ولد قابيل ومن تابعهم من ولد شيث وهو ابن خمسين سنة* وفى معالم التنزيل عن ابن عباس أنه بعث بعد أربعين سنة ولبث فى قومه يدعوهم تسعمائة وخمسين سنة فآمن به ثمانون نفسا من الرجال والنساء* قال عون بن شدّاد ان الله تعالى أرسل نوحا وهو ابن ثلثمائة وخمسين سنة فلبث فيهم ألف سنة الا خمسين عاما ثم عاش بعد ذلك ثلثمائة وخمسين سنة كذا فى الكامل قال ابن عباس وعاش بعد الطوفان ستين سنة وكان عمره ألفا وخمسين سنة وقال مقاتل بعث وهو ابن مائتين وخمسين سنة وكان عمره ألفا وأربعمائة وخمسين سنة والى هذا القول أشار الزمخشرى فى ربيع الابرار روى الضحاك عن ابن عباس أنه قال ان نوحا كان يضرب ثم يلف فى لبد ثم يلقى فى بيته فيرون أنه قدمات ثم يخرج فيدعوهم حتى أيس من ايمان قومه فدعا عليهم فأجاب الله دعاءه وأمر أن يصنع الفلك
صفة سفينة نوح
قال نوح يا رب وما الفلك قال بيت من خشب يجرى على وجه الماء حتى أغرق أهل معصيتى وأريح أرضى منهم قال يا رب وأين الماء قال يا نوح انى على ما أشاء قدير قال يا رب وأين الخشب قال اغرس من الشجر فغرس وأتى على ذلك أربعون سنة وكف فى تلك المدّة عن الدعاء فلم يدعهم فأعقم الله تعالى أرحام نسائهم فلم يولد لهم ولد فلما أدرك الشجر أمره الله أن يقطعه فقطعه وجففه وقال يا رب كيف أتخذ هذا البيت قال اجعله أزور على ثلاث صور رأسه كرأس الديك وجؤجؤه كجؤجؤ الطير وذنبه كذنب الديك مائلا واجعلها مطبقة واجعل لها أبوابا فى جنبها واجعلها ثلاث طبقات واجعل طولها ثمانين ذراعا وعرضها خمسين ذراعا قال قتادة وطولها فى السماء ثلاثون ذراعا والذراع الى المنكب كذا فى حياة الحيوان ومعالم التنزيل* وفى رواية أوحى الله تعالى الى نوح أن عجل بصنعة السفينة فقد اشتدّ غضبى على من عصانى فاستأجر نوح نجارين يعملون معه وأولاده حام وسام ويافث معه ينحتون السفينة فجعل طولها فى هذه الرواية ستمائة وستين ذراعا وعرضها ثلثمائة وثلاثين ذراعا
стр. 68
وعلوّها فى السماء ثلاثة وثلاثين ذراعا وهذا قول ابن عباس* وفى رواية الضحاك وطلاها بالقار من داخلها وخارجها وشدّها بالدسر وهى المسامير الحديد وفجر له عين القار يغلى غليانا حتى طلاها به هذا كله فى عرائس الثعلبى وعن زيد بن أسلم أنه قال مكث نوح مائة سنة يغرس الاشجار ويقطعها ومائة سنة يعمل الفلك وقيل غرس الشجر أربعين سنة وقطعة أربعين سنة كما مرّ وعن كعب الاحبار أن نوحا عمل السفينة فى ثلاثين سنة وفى رواية لمادنا هلاك قومه أتاه جبريل وقال ان ربك يأمرك أن تصنع الفلك قال وكيف أصنع ولست بنجار قال فان ربك يقول اصنع فانك بعينى* وفى الكشاف كان لله معه أعينا يكلؤه أن يزيغ فى صنعته عن الصواب وأن يحول بينه وبين عمله أحد من أعدائه فأخذ القدوم فجعل يصنع ولا يخطئ وقيل أوحى الله اليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر كما مرّ فلما أمره الله أن يصنع الفلك أقبل نوح على عمل الفلك ولها عن قومه وجعل بقطع الخشب ويضرب الحديد ويهيئ ما يحتاج اليه الفلك من القار وغيره وجعل قومه يمرّون به وهو فى عمله فيسخرون منه ويقولون يا نوح صرت نجارا بعد النبوّة وروى أنهم كانوا يقولون يا نوح ماذا تصنع فيقول أصنع بيتا يمشى على وجه الماء فيضحكون منه استهزاء بعمل السفينة فانه كان يعملها فى برّية بمهمه فى أبعد موضع من الماء وفى وقت عز الماء عزة شديدة* وفى روضة الاحباب روى أن نوحا لما أمر باتخاذ السفينة جاء جبريل بشجر الساج وأمره بغرسه فغرسه فأدرك واستوى بعد عشرين سنة أو أربعين سنة ولما أدرك قطعه وتركه حتى يبس فجاء جبريل فعلمه صنعة السفينة فاشتغل هو وبنوه الثلاثة وأجير آخر بعمل السفينة* وفى حياة الحيوان أوّل من اتخذ الكلب للحرس نوح ﵇ قال يا رب أمرتنى أن أصنع الفلك وأنا فى صناعته أصنع يوما فيجيئون بالليل فيفسدون كل ما عملت فمتى يلتئم لى ما أمرتنى به قد طال علىّ أمرى فأوحى الله اليه يا نوح اتخذ كلبا يحرسك فاتخذ نوح كلبا وكان يعمل بالنهار وينام بالليل فاذا جاء قومه ليفسدوا بالليل هجمهم الكلب فينتبه نوح ويأخذ الهراوة ويثب لهم فينهزمون منه فالتأم له ما أراد* وفى بعض الكتب المنزلة لما أمر الله نوحا بقطع الاشجار وقلع الالواح قطعها وقلع منها مائة ألف وأربعة وعشرين ألف لوح بعدد الانبياء ﵈ وكان على كل لوح اسم نبىّ من الانبياء أوّلهم آدم وآخرهم محمد ﷺ فكان على اللوح الاوّل اسم آدم وعلى الثانى اسم شيث وعلى الثالث اسم ادريس وعلى الرابع اسم نوح وعلى الخامس اسم هود وعلى السادس اسم صالح وعلى السابع اسم ابراهيم الى مائة ألف وأربعة وعشرين ألفا وكان كلما قلع لوحا يظهر عليه اسم نبىّ وأوحى الله الى نوح انه ناقص من سفينتك أربعة ألواح لا بدّ لها منها لتكمل وان نهر النيل شجرة فارسل اليها من يأتى بها فقال نوح لاولاده ذلك فلم يجبه أحد منهم فقيل لنوح أن قل ذلك لعوج بن عنق فانه عليه قوىّ ويقدر على السير اليه فقال نوح ذلك لعوج وشرط عليه أن يشبعه فذهب عوج اليها وجاء بها فقدّم اليه نوح ثلاثة أقراص من شعير فضحك عوج متعجبا وقال يا نوح كيف أشبع بهذا وأنا آكل كل يوم اثنى عشر ألف قرص وما أشبع قيل ان عوج لم يشبع من طعام قط ولم يسع فى لباس قط فقال نوح يا عوج قل بسم الله الرحمن الرحيم وكل فقال عوج بسم الله وأكل نصف قرص وشبع وبقى قرصان ونصف ثم ان نوحا قلع من تلك الشجرة أربعة ألواح وكمل بها السفينة وكان مكتوبا على اللوح الاوّل اسم أبى بكر وعلى الثانى اسم عمر وعلى الثالث اسم عثمان وعلى الرابع اسم علىّ رضى الله عنهم أجمعين فقال نوح يا جبريل من هؤلاء قال هؤلاء أصحاب محمد خاتم النبيين فكما ان سفينتك لم تكمل بدون هذه الالواح كذلك لم يكمل أمر أمة محمد بدون هؤلاء الاربعة قال ابن عباس اتخذ نوح السفينة فى سنتين
стр. 69
وكان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسين ذراعا وسمكها ثلاثين ذراعا وكانت من خشب الساج وجعل لها ثلاثة بطون فحمل فى البطن الاسفل الوحوش والهوام وفى البطن الاوسط الدواب والانعام وركب هو ومن معه من ولد آدم فى البطن الاعلى وجعل الذرّ معه فى الطبقة العليا شفقة عليها لضعفها لئلا يصل اليها شئ وحمل معه ما يحتاج اليه من الزاد* وفى معالم التنزيل انها كانت ثلاث طبقات الطبقة السفلى للدواب والوحوش والطبقة الوسطى فيها الانس والطبقة العليا فيها الطير وروى عن الحسن أنه قال كان طولها ألفا ومائتى ذراع وعرضها ستمائة ذراع* وفى بعض الكتب كان عرضها أربعمائة ذراع ولها سبعة أطباق والمعروف أن طولها ثلثمائة ذراع واختلفوا فى التنور فى الآية قال عكرمة والزهرى قيل لنوح اذا رأيت الماء فار على وجه الارض فاركب السفينة فالمراد بالتنور فى الآية وجه الارض وروى عن علىّ رضى الله عنه أنه قال فار التنور أى طلع الفجّر الصبح وقيل فار التنور مثل كناية عن اشتداد الامر كقولهم حمى الوطيس أى اشتدّ الامر وقال الحسن ومجاهد والشعبى انه التنور الذى يخبر فيه ابتدأ منه النبوع على خرق العادة عن ابن عباس كان تنورا من حجارة وقيل من حديد كانت حوّاء تخبز فيه فصار الى نوح فقيل لنوح اذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب السفينة أنت وأصحابك* وفى رواية قال نوح يا رب ما علامة الطوفان قال علامته أن يفور تنور امرأتك أو ابنتك وينبع الماء من بين النار ويرتفع كالقدر ويفور فلما نبع الماء من التنور أخبرته امرأته فركب* وفى المدارك أخرج سبب الغرق من موضع الحرق ليكون أبلغ فى الانذار والاعتبار واختلفوا فى موضع التنور فقال مجاهد والشعبى كان فى ناحية الكوفة وقالا اتخذ نوح السفينة فى جوف مسجد الكوفة وكان التنور على يمين الداخل مما يلى باب كندة وكان فوران الماء منه علما لنوح وانه من ذلك الموضع ركب السفينة وقال مقاتل كان ذلك تنور آدم وكان بالشام فى موضع يقال له عين وردة بقرب بعلبك* وفى انوار التنزيل كان بعين وردة من أرض الجزيرة وعن ابن عباس أنه كان بالهند وأدخل معه كل من آمن به واختلفوا فى عدد أصحاب السفينة قال قتادة وابن جريج ومحمد بن كعب القرظى لم يكن فى السفينة الاثمانية نوح وامرأته وثلاث بنين له سام وحام ويافث ونساؤهم فجميعهم ثمانية وقال الاعمش كانوا سبعة نوح وثلاث بنيه وثلاث كنائن له وقال ابن اسحاق كانوا عشرة نوح وبنوه سام وحام ويافث وستة أناس ممن كان آمن به وأزواجهم جميعا وقال مقاتل كانوا اثنين وسبعين نفرا رجلا وامرأة وبنيه الثلاثة ونساءهم فجميعهم ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء وعن ابن عباس كان فى سفينة نوح ثمانون رجلا أحدهم جرهم وحمل نوح معه جسد آدم وجعله معترضا بين الرجال والنساء كما مرّ وأمر نوح أن لا يعلو ذكر على أنثى ما داموا فى السفينة فأصاب حام امرأته فى السفينة فدعا نوح عليه فغير الله نطفته فجاءت منه السودان ووثب الكلب على الكلبة فدعا نوح عليهم فقال اللهم اجعلهم عسرا كذا فى العرائس* وعن ابن عباس لما أمر نوح بالحمل فيها قال يا رب كيف أحمل فيها قال من كل زوجين اثنين فحشر الله اليه الوحوش والسباع والطير من البرّ والبحر والسهل والجبل ليحملها قال ابن عباس أرسل الله المطر أربعين يوما وليلة فأقبلت الوحوش والطيور الى نوح حين أصابها المطر وسخرت له فجعل يضرب بيديه فى كل جنس فيقع الذكر فى يده اليمنى والانثى فى يده اليسرى فيحملهما فى السفينة وعنه أوّل ما حمل نوح الذرّة* وفى العرائس أوّل ما حمل معه من الطيور الدرّة وآخره الحمار ودخل بصدره وتعلق ابليس بذنبه فلم تستقل رجلاه فجعل نوح يقول ادخل فينكص حتى قال نوح ويحك ادخل وان كان الشيطان معك كلمة زلت على لسانه فلما قالها نوح خلى الشيطان سبيله فدخل ودخل الشيطان معه قال نوح ما أدخلك علىّ يا عدوّ الله قال ألم تقل
стр. 70
ادخل وان كان الشيطان معك قال اخرج عنى يا عدوّ الله قال مالك بد أن تحملنى معك وكان فيما يزعمون فى ظهر الفلك* وفى تفسير القشيرى جاء فى القصة ان ابليس تعرّض له وقال احملنى معك فى السفينة فأبى نوح ﵇ فقال يا شقى تطمع فى حملى اياك وأنت رأس الكفرة فقال ابليس يا نوح أما علمت أن الله أنظرنى الى يوم القيامة وليس ينجو اليوم أحد الا من فى هذه السفينة فأوحى الله الى نوح أن احمله وكان ابليس مع نوح فى السفينة* وفى تفسير القشيرى ان الحية والعقرب أتيا نوحا فقالتا احملنا فقال نوح لا أحملكما فانكما سبب البلاء والضرر فقالتا احملنا ونحن نضمن لك أن لا نضرّ أحد اذكرك فمن قرأ حين خاف مضرّتهما سلام على نوح فى العالمين انا كذلك نجزى المحسنين انه من عبادنا المؤمنين ما ضرّتاه كذا فى حياة الحيوان* وعن زيد بن أسلم عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال لما حمل نوح فى السفينة من كل زوجين اثنين قال أصحابه وكيف نطمئن أو تطمئن المواشى ومعنا الاسد فألقى الله عليه الحمى فكانت أوّل حمى نزلت الى الارض فهو لا يزال محموما وفى هذا المعنى قيل شعر
وما الكلب محموما وان طال عمره ... ألا انما الحمى على الاسد الورد
وعن وهب بن منبه لما أمر نوح أن يحمل من كل زوجين اثنين قال يا رب وكيف أصنع بالاسد والبقر وكيف أصنع بالعناق والذئب وكيف أصنع بالحمام والهرّة قال من ألقى بينهم العداوة قال أنت يا رب قال فانى أؤلف بينهم فلا يتضرّرون أوردهما فى حياة الحيوان* وفى أنوار التنزيل حمل فيها من كل نوع من الحيوانات المنتفع بها وقال الحسن لم يحمل نوح الا ما يلد أو يبيض فأمّا ما يتولد من الطين من حشرات الارض كالبق والبعوض والذبات فلم يحمل منها شيئا فلما دخل وحمل معه من حمل تحرّكت ينابيع الغوط الاكبر وأمطرت السماء كأفواه القرب فجعل الماء ينزل من السماء وينبع من الارض حتى كثر واشتدّ وكان بين ارسال الماء واحتمال الماء الفلك أربعون يوما وليلة فعلا الماء رؤس الجبال بقدر أربعين ذراعا وقيل خمسة عشر ذراعا ولما كثر الماء فى السكك خشيت أمّ الصبىّ عليه وكانت تحبه حبا شديدا فخرجت به الى الجبل حتى بلغت ثلثه فلما بلغها ارتفعت حتى بلغت ثلثيه فلما بلغها ذهبت حتى استوت على الجبل فلما بلغ الماء رقبتها رفعت الصبىّ بيديها حتى ذهب الماء بها فلو رحم الله منهم أحدا لرحم أمّ الصبىّ* قال الضحاك كان نوح اذا أراد أن يجرى السفينة قال بسم الله جرت واذا أراد أن ترسو قال بسم الله رست قال الله تعالى بسم الله مجراها ومرساها ان ربى لغفور رحيم* وفى العمدة من ركب البحر فأمانه من الغرق أن يقول بسم الله مجراها ومرساها ان ربى لغفور رحيم وما قدروا الله حق قدره والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون وكذا فى المعجم الكبير للطبرانى وعمل اليوم والليلة لابن السنى ومسند أبى يعلى الموصلى* وفى معالم التنزيل والعرائس فلما كثرت أرواث الدواب أوحى الله تعالى الى نوح أن اغمز ذنب الفيل فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة فأقبلا على الروث فأكلاه فلما وقع الفأر جعل يفسد فى السفينة ويقرض الحبال لانه توالد فى السفينة فأوحى الله اليه أن اضرب بين عينى الاسد فضرب فخرج من منخره سنور وسنورة فأقبلا على الفأر* وفى حياة الحيوان شكوا الفأر فقال الفو يسقة تفسد علينا طعامنا ومتاعنا فأوحى الله تعالى الى الاسد فعطس وفى موضع آخر منها فمسح نوح ﵇ على جبهة الاسد فعطس فخرجت الهرّة منه فتخبأت الفأرة منها* وفى روضة الاحباب روى أن السفينة كانت مطبقة وكانت ظلمة الهواء بحيث لا يتميز النهار من الليل قال ابن عباس خلق الله على حرف السفينة كهيئة خرزتين نيرتين تتحرّك احداهما كالشمس والاخرى مثل القمر ومن حركتهما يعلم الليل والنهار وأوقات
стр. 71
الصلوات* وفى معالم التنزيل ان نوحا كان نجارا صنع السفينة وركبها لعشر مضت من رجب وجرت بهم السفينة ستة أشهر ومرّت بالبيت وطافت به سبعا وقد رفعه الله من العرق وبقى موضعه وفى رواية انها طافت به سبعين مرّة وقد أعتقه الله من الغرق* وفى العرائس طافت السفينة بأهلها الارض كلها فى ستة أشهر لا تستقرّ على شىء حتى أتت الحرم فلم تدخله ودارت بالحرم أسبوعا وقد رفع الله البيت الذى كان حجه آدم صيانة له من الغرق وهو البيت المعمور وخيأ جبريل الحجر الاسود فى جبل أبى قبيس فلما طافت السفينة بالحرم ذهبت فى الارض تسير بهم حتى انتهت الى الجودى وهو جبل بالجزيرة من أرض الموصل فاستقرّت عليه قال مجاهد تشامخت الجبال وتطاولت لئلا ينالها الماء قعلا فوقها خمسة عشر ذراعا وتواضع الجودى لامر ربه فلم يغرق ورست السفينة عليه* وفى الكشاف عن قتادة استقلت بهم السفينة فى رجب لعشر خلون منه وكانت فى الماء خمسين ومائة يوم واستقرّت على الجودى شهرا وهبط يوم عاشوراء* وفى معالم التنزيل قيل طافت بهم على تمام وجه الارض مرّتين حتى استوت على الجودى وهو جبل بالجزيرة بقرب الموصل وقيل بالشام وقيل بآمد روى أن نوحا بعث الغراب ليأتيه بخبر الارض ولينظر هل غرقت البلاد فوقع على جيفة طافية على وجه الماء فاشتغل بها فلم يرجع فدعا عليه نوح بالخوف فعلقت رجلاه وخوّف من الناس فلذلك لم يألف البيوت فبعث الحمامة فجاءت بورق زيتون فى منقارها ولطخت رجليها بالطين فعلم نوح أن الماء قد غيض والبلاد قد جفت فطوّقها بالخضرة التى فى عنقها ودعا لها بالانس وأن تكون فى أمان ومن ثمة تألف البيوت والآدميين* وفى حياة الحيوان ان ورشانا أخبر نوحا ﵇ بنقص الماء لما كان فى السفينة* وفى معالم التنزيل قيل ما نجا من الكفار من الغرق غير عوج بن عنق كان الماء الى حجزته كما مرّ وكان سبب نجاته أن نوحا احتاج الى خشب الساج للسفينة ولم يمكنه نقلها فحملها عوج اليه من الشام وهو بالكوفة فنجاه الله من الغرق لذلك كما مرّ* وفى العرائس لما خرج نوح ومن معه من السفينة اتخذ بناحية باقور من أرض الجزيرة موضعا ابتنى هنا لك قرية سموها بسوق ثمانين لانه كان يبنى فيها بيتا لكل انسان ممن معه وهم ثمانون فهى الى اليوم تسمى سوق ثمانين* وفى العرائس قال أهل التاريخ أرسل الله الطوفان لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر آب من الشهور الرومية لمضىّ ستمائة سنة من عمر نوح ولتتمة ألفى سنة وفى رواية ثلاثة آلاف سنة ومائتين وستة وخمسين سنة* وفى المختصر واثنان وأربعون سنة بدل خمسين سنة من لدن أهبط الله آدم ﵇ وركب نوح ومن معه فى السفينة لعشر خلون من رجب وخرجوا منها فى العاشر من المحرّم فلذلك سمى يوم عاشوراء وأقاموا فى الفلك ستة أشهر فلما هبط نوح ومن معه سالمين صام نوح وأمر جميع من معه من الانس والوحوش والدواب والطير فصاموا شكرا لله تعالى ويقال ان نوحا ومن معه كانت أظلمت أعينهم فى السفينة من دوام النظر فى الماء فأمر بالاكتحال يوم عاشوراء الذى خرجوا فيه من السفينة عن ابن عباس رضى الله عنهما قال قال رسول الله ﷺ من اكتحل بالاثمد يوم عاشوراء لم ترمد عينه أبدا* وفى الانس الجليل كان الطوفان بعد هبوط آدم بالفى سنة ومائتين واثنين وأربعين سنة وعمر نوح ألف وأربعمائة وخمسون سنة وهو الموافق للآية وفى المختصر ولد نوح فى السنة المائتين وسبع وثمانين من عمر لك وعاش نوح فى الدنيا تسعمائة وخمسين سنة وولد بعد وفاة آدم بتسعمائة سنة وثنتى عشرة سنة وكان الغرق فى سنة ستمائة من عمر نوح وكان بين الطوفان وهبوط آدم ألفان ومائتان واثنان وأربعون سنة* وفى العرائس عاش نوح بعد الطوفان ثلثمائة وخمسين سنة وكان جميع عمره ألف سنة الا خمسين عاما ثم قبضه الله اليه هذا قول أكثر العلماء وكذا هو
стр. 72
فى التوراة وقال عون بن أبى شدّاد عاش نوح ﵇ بعد الطوفان ألف سنة الا خمسين عاما وقبل الطوفان ثلثمائة وخمسين سنة فعلى هذا القول كان مبلغ عمر نوح ألفا وثلثمائة سنة* وفى ربيع الابرار كان نوح فى بيت من شعر ألفا وأربعمائة سنة فكلما قيل له يا رسول الله لو اتخذت بيتا من طين تأوى اليه قال أنا ميت غدا فتاركه فلم يزل فيه حتى فارق الدنيا ويروى أنه قيل لنوح حين حضرته الوفاة كيف رأيت الدنيا قال كبيت له بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر* روى أنه لما كثر أولاد نوح وذراريهم وكانوا ساكنين بعد نوح بالموصل الى بابل سنين وكان كلام جميعهم بالسريانية فاقتضت الارادة الالهية تعمير البلاد بأصناف العباد فتغايرت ذات ليلة ألسنتهم وتناكرت أفئدتهم فأصبحوا يوما وقد تبلبلت ألسنتهم وتكلم كل واحد منهم باللسان الذى عليه أعقابهم اليوم فلم تعرف فرقة منهم كلام الاخرى فحرجوا من بابل كل فرقة بأهليهم يهيمون فى الارض فتفرّقوا فى البلاد والاقطار واتخذوا منها القرى والامصار فتوالدوا فيها وتكاثروا واشتهر كل مكان باسم ساكنيه* وفى الانس الجليل لما خرج نوح من السفينة قسم الارض بين أولاده الثلاثة سام ويافث وحام أعطى ساما الحجاز واليمن والشام والجزيرة وأعطى يافثا المشرق وأعطى حاما المغرب* وفى الوفاء عن ابن عباس لما خرج الناس من السفينة نزلوا طرف بابل وكانوا ثمانين نفسا فسمى الموضع سوق الثمانين كما مرّ وطول بابل مسيرة عشرة أيام واثنى عشر فرسخا فمكثوا بها حتى كثروا وصار ملكهم نمرود بن كنعان بن حام فلما كفروا تبلبلوا وتفرّقت ألسنتهم على اثنين وسبعين لسانا ففهم الله العربية منهم عمليق وطسم ابنى لاود بن سام بن نوح وعادا وعبيل ابنى عوص بن ارم بن سام وثمود وجديس ابنى جائر بن ارم بن سام وقنطور بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام فنزلت عبيل يثرب ويثرب اسم عبيل ثم أخرجوا منها ونزلوا الجحفة فجاءهم سيل أجحفهم منه فسميت الجحفة وقال أبو القاسم الزجاج أوّل من سكن المدينة عند التفرّق يثرب بن فانية بن مهلائيل بن عوم بن عبيل بن عوص بن ارم بن سام بن نوح ﵇ وبه سميت يثرب* وروى عن ابن عباس ما يدل عليه وقال ياقوت كان أوّل من زرع بالمدينة واتخذ بها النخل وعمر بها الدور والآطام واتخذ بها الضياع العماليق وهم بنو عملاق بن أرفخشد بن سام بن نوح وكانت العماليق ممن انبسط فى البلاد فأخذوا ما بين البحرين وعمان والحجاز الى الشام ومصر وجبابرة الشام وفراعنة مصر منهم* وفى الوفاء الحجاز بالكسر مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها* وفى المختصر وكان أوّل من خرج منهم من بابل ولد يافث بن نوح وكانوا سبعة اخوة منهم الترك والخوز والصقالبة والتاريس ومنسك وكار والصين فسلكوا مطلع الشمس مما يلى المشرق وتسوقهم ريح الجنوب والصبا فتفرّقوا فى تلك الارض الى الشمال وتكلم كل واحد منهم بلسان عليه ولده الآن ثم من بعدهم ولد حام بن نوح وكانوا أيضا سبعة اخوة منهم السند والهند والحبش والقبط والبجه فسلكوا وايمنة عن مطلع الشمس مما يلى الغرب تسوقهم ريح الدبور حتى انتهوا الى بلدان يسمونها بهم اليوم وتكلموا باللسان الذى عليه أولادهم الآن وأقام سام بن نوح ببابل حتى تغيرت أحوالهم واختلفت أقوالهم وتفرّقت كلمتهم وله أولاد وبنون ذوو جمال وعقل منهم أكبرهم سنا وأكثرهم جمالا وعقلا وأفضلهم كلاما وكمالا عالم بن سام والنضر بن سام وكان أحرصهم عملا والاسود ابن سام وكان أعزهم نفسا ولهم أولاد كثيرة منهم عراق بن عالم وكرمان بن ايرج بن سام وخراسان ابن عالم وفارس بن أسود وروم بن الاسود وأرمن بن يوزخ بن سام وهيطل بن عالم فطلبوا منه هؤلاء البلاد التى عليها أعقابهم الى الآن فلم يبق فى مملكة بابل الا ولد أرفخشد بن سام بن نوح* وأما ولد ارم بن سام بن نوح احتقروا الناس بما أنعم الله عليهم من اللسان العربى والقوّة والبطش عند تبلبل
стр. 73
الالسنة وكانوا سبعة اخوة وهم عاد وكان أعظمهم بطشا وأقواهم وثمود وصحار وطسم وجديس وجاشم ووبار وقد احتقروا الناس وملكوا على أنفسهم شديد بن عمليق بن عاد وأخاه عمليق العمالقة شدّاد بن عاد ولما وقع التخالف والتبلبل ببابل أوّل من رحل عاد بن ارم وولده وسار نحو المشرق فسمع مناديا فى الهواء يا عاد خذيمنة فلذلك سموا باليمن فسار أمام ولده فسبق الى أرض اليمن واستوطنها وفرّق ولده فيها ثمّ تبعه أخوه ثمود فى أهله وماله فسار حتى نزل بين الحجاز والشام وكان ذا ماء وشجر ثم تبعهما أخوهما طسم فى أهله وماله وولده وسار نحو عمان والبحرين وهو أمامهم حتى أتى عمان فرأى بلادا واسعة كثيرة الماء والكلا فنزلها وفرّق أولاده فيها ثم تبعهم أخوهم جديس فسار بأهله وولده حتى أتى اليمامة فرأى بلادا واسعة طيبة التربة قريبة الماء فنزل فيها وكان يسمى اذ ذاك جو فوجه بعض ولده الى هجر فاحتوى عليها فنزل بها ثم تبعهم أخوهم صحار فى ولده وماله وأهله ولزم السمت الذى سلكه أخوه عاد فسار حتى نزل تهامة والحجاز وأقام بها وفرّق أولاده فيما بين الطائف الى جبلى طى ثم تبعهم أخوهم جاشم وكان أجملهم وجها فسار أمام قومه يقفو آثار صحار حتى لحقه وقد استوطن تهامة والحجاز حتى أقام معه بها وتفرّق أولاده فيما بين الحرم الى حدّ سفوان ثم تبعهم أخوهم الاصغر وبار بأهله وسار الى رمل عالج على شاطئ بحر القلزم بحر كثير الخير فهؤلاء العرب السالفة الاولى الذين انقرضوا الى آخرهم وهؤلاء الذين احتقروا الناس لكثرتهم وتفرّقوا وملكوا عليهم شديد بن عمليق بن عاد وانه كان أشدّ رجل فى الجبابرة من ولد عاد وأعقلهم* وفى نظام التواريخ اعلم أن لارم أخى أرفخشد سبعة بنين عاد وثمود وصحار وطسم وجديس ووبار فسار عاد الى اليمن وثمود الى ما بين الحجاز والشام وصحار الى أراضى طى وطسم الى عمان والبحرين وجديس الى أرض يمامة وجاشم الى ما بين الحرم وسفوان ووبار الى أرض سميت به وكثر أولاد عاد حتى استولوا وكان كبيرهم عمليق بن عاد ولما توفى ملك شدّاد وشديد من أولاد عاد وغلبا فبعث الضحاك الى أرض بابل وفارس ليقهر جمشيد فنزل الضحاك هناك وشرع فى الظلم فأرسل الله تعالى هود بن خلد بن الخلود بن عيص بن عمليق فدعا عادا فلم يلتفت اليه شدّاد فأهلكهم الله تعالى بالريح العقيم وملك مرثد بن شدّاد وآمن بهود ﵇ وكان معه بحضر موت حتى توفيا* قال وكان نوح نبيا مرسلا من أولى العزم وأوّل نبى نسخت شريعته شريعة من قبله فنسخت شريعة آدم وكان ادريس على شريعة آدم ويدعو الخلق اليها* وفى معالم التنزيل كان نوح أطول الانبياء عمرا وجعلت معجزته فى نفسه فانه عمر ألف سنة أو أكثر ولم ينقص له سنّ ولم تشب له شعرة ولم تنقص له قوّة ولم يصبر نبىّ على أذى قومه مثل ما صبر هو على أذى قومه على طول عمره*
(ذكر الضحاك)
* الفرس تقول له بيور اسب واژدرهايى والعرب تنقله وتعربه وتسميه الضحاك فى الكامل قال ابن هشام وابن الكلبى ملك الضحاك بعد جمشيد فيما يزعمون ألف سنة ونزل السواد فى قرية يقال لها برس فى ناحية طريق الكوفة وملك الارض كلها وسار بالجور والتعسف وبسط يده فى القتل وكان أوّل من سنّ الصلب والقطع وأوّل من وضع العشور وضرب الدراهم قال بلغنا أن الضحاك هو النمروذ وان ابراهيم الخليل ولد فى زمانه وانه صاحبه الذى أراد احراقه وتزعم الفرس أن الملك لم يكن الا للبطن الذى منه أو شهنج وجم وطهمورث وان الضحاك كان غاصبا وانه غصب أهل الارض بسحره وخبثه وكان ساحرا فاجرا ويهوّل عليهم بالحيتين اللتين كانتا على منكبيه وقال كثير من أهل الكتب ان الذى كان على منكبيه كانا لحمتين طويلتين كل واحدة منهما كرأس الثعبان وكان يسترهما بالثياب ويذكر على طريق التهويل انهما حيتان تقتضيانه الطعام وكانتا تتحرّكان تحت ثوبه اذا جاعتا ولقى الناس منه جهدا شديدا وذبح
стр. 74
الصبيان لان اللحمتين اللتين كانتا على منكبيه كانتا تضربان فاذا طلاهما بدماغ انسان سكنا وكان يذبح كل يوم رجلين فلم يزل الناس كذلك حتى اذا أراد الله اهلاكه وثب رجل من العامّة من أهل اصفهان يقال له كابى الحدّاد بسبب ابنين له أخذهما أصحاب الضحاك بسبب اللحمتين اللتين كانتا على منكبيه وأخذ كابى بيده عصا فعلق بطرفها جرابا كان معه ثم نصب ذلك العلم ودعا الناس الى مجاهدة الضحاك ومحاربته فأسرع الى اجابته خلق كثير لما كانوا فيه من البلاء وفنون الجور فلما غلب كابى تفاءل الناس بذلك العلم وعظموه وزادوا فيه حتى صار عند ملوك العجم علمهم الاكبر الذى يتبرّكون به وسموه درفش كابيان فسار كابى بمن اتبعه والتفت اليه فلما أشرف على الضحاك قذف فى قلب الضحاك منه الرعب فهرب من منازله وخلى مكانه فاجتمع الاعاجم الى كابى وكان افريدون بن القيان مستخفيا من الضحاك فواقى كابى ومن معه فاستبشروا بموافاته فملكوه وصار كابى والوجوه لافريدون أعوانا على أمره وبعض الفرس يزعم أن افريدون قتله يوم النيروز فقال العجم عند قتله امروز نوروز أى استقبلنا الدهر بيوم جديد فاتخذوه عيدا فلما ملك افريدون وأحكم ما يحتاج اليه واحتوى على منازل الضحاك سار كابى أثره فأسره بدماوند فى جبالها وكان أمره يوم المهرجان فقال العجم آمد مهرجان لقتل من كان يذبح*
(ذكر افريدون)
* فى الكامل هو افريدون القيان وهو من ولد جمشيد وزعم بعض نسابة الفرس ان نوحا هو افريدون الذى قهر الضحاك وسلب ملكه وزعم بعضهم أن افريدون هو ذو القرنين صاحب ابراهيم الذى ذكره الله تعالى فى كتابه العزيز وأما باقى نسابة الفرس فانهم ينسبون افريدون الى جمشيد الملك وان بينهما عشر آباء كلهم يسمون القيان خوفا من الضحاك وانما كانوا يميزون بألقاب لقبوها وكان يقال لاحدهم القيان صاحب البقر الحمر والقيان صاحب البقر البلق وأشباه ذلك وكان افريدون أوّل من ملك الفيلة وامتطاها ونتج البغال واتخذ الاوز والحمام وردّ المظالم وأمر الناس بعبادة الله تعالى والانصاف والاحسان وردّ على الناس ما كان الضحاك غصبها من الارضين وغيرها الا ما لم يوجد له صاحب فانه وقفه على المساكين وهو أوّل من نظر فى علم الطب وكان له ثلاثة بنين اسم الاكبر سلم والثانى طورج والثالث ايرج فخاف أن يختلفوا بعده فقسم ملكه بينهم أثلاثا وجعل ذلك فى سهام كتب أسماءهم عليها وأمر كل واحد منهم فأخذ سهما فصارت الروم وناحية العرب لسلم وصارت الترك والصين لطورج وصارت العراق والسند والهند والحجاز وغيرها لايرج وهو الثالث وكان يحبه وأعطاه التاج والسرير ومات افريدون ونشأت العداوة بين أولاده من بعده ولم يزل التحاسد ينمو بينهم الى أن وثب طورج وسلم على أخيهما ايرج فقتلاه وابنين كانا لايرج وملكا الارض بينهما ثلثمائة سنة وكان ملك افريدون خمسمائة سنة انتهى فتزوّج نوح عمورة وكانت من الصالحات القانتات فولدت له ساما الصحيح عند أهل الاخبار وأهل التوراة ان ساما وحاما ويافث ولدوا لنوح بعد أن مضى من عمره خمسمائة سنة وقال قتادة ووهب بن منبه ان الناس كلهم من ذرّية نوح ولذا يقال له آدم الثانى* وفى معالم التنزيل عن ابن عباس لما خرج نوح من السفينة مات من كان معه من الرجال والنساء الا أولاده ونساءهم ونزل جبريل عليه خمسين مرة وقبره بكرك نوح وكان لنوح أربعة بنين الاوّل سام ولد بسلمى قبل الطوفان بثمان وتسعين سنة وهو بكر أبيه ووصيه وولىّ عهده كذا فى العرائس* وفى رواية كان سام الاوسط وكان يافث أسنّ منه وانما قدّم لان الانبياء من نسله وولد له ارم وأسود وأرفخشد وعويلم ولاود* وسام أبو العرب وفارس والروم وكان هو القيم بعد نوح فى الارض ومن ولده الانبياء كلهم عربهم وعجمهم وجعل فى ذرّيته النبوّة والكتاب واليمن كلها من ولده وعاد وثمود وطسم وجديس والفرس من ولده وقد مرت الاشارة
стр. 75
اليه ونزل بنوه سرّة الارض ووسطها وهو الحرم وما حوله من اليمن الى عمان وفيها بيت المقدس والنيل والفرات ودجلة وسيحون وهو الذى اختط مدينة القدس وأسس مسجدها وكان ملكا عليها ومات وعمره ستمائة سنة والثانى يافث وهو أبو الترك ويأجوج ومأجوج والخوز والصقالبة ومنازلهم شمالى الارض للروم والصقالبة وترخان والترك الى الصين ويأجوج ومأجوج والثالث حام وسكن هو وبنوه وذرّيته غربى النيل الى ما وراء وهو أبو السودان من الحبشة والزنج والنوبة* والفرنج والقبط من ولد قوط بن حام قيل كان نوح ﵇ نائما وانكشفت عورته فمرّ به حام فضحك ولم يسترها فلذلك قطع الله النبوّة من نسله وجعله ونسله سودا* وفى بهجة الانوار غير الله لون حام ابن نوح اذ نظر الى عورة أبيه وكان أخبر نوح فدعا عليه وسوّده الله مثل الزنج والحبشة وقدمر أن حاما أصاب امرأته فى السفينة فدعا عليه نوح فغير الله نطفته فجاءت منه السودان كذا فى العرائس ثم مرّ به يافث فلم يسترها ولم يضحك ثم مرّ به سام فسترها ولم يضحك فلذلك جعل الله النبوّة فى نسله والرابع يام ويقال له كنعان وهو أيضا ابنه الصلبى عند الجمهور وقيل كان ربيبه وابن امرأته واغلة وكان هو وأمّه كافرين فغرقا فى الطوفان ولم يبق له نسل وتزوّج سام امرأة لم يوجد مثلها فى الجمال والعفاف فى زمانها فولدت له أرفخشد ويقال انفخشد ومعناه مصباح مضىء كذا فى سيرة مغلطاى وتسميه الفرس هوشنك وعاش أرفخشد أربعمائة وخمسا وستين سنة* وفى الكامل زعم أهل التوراة أن أرفخشد ولد لسام بعد أن مضى من عمره مائة سنة وسنتان وكان جميع عمر سام ستمائة سنة ثم ولد لارفخشد شالخ بعد أن مضى من عمر أرفخشد خمس وثلاثون سنة وكان عمر أرفخشد أربعمائة وثمانيا وثلاثين سنة ومن نسله قحطان وفالغ قيل العبريون من نسل فالغ والعرب من نسل قحطان وكان اسمه يرد* وفى لباب التأويل اسمه يقطن ولا طعامه الناس فى القحط قيل انه يقحط القحوط ويطردها بسخائه فاشتهر بقحطان فتزوّج ارفخشد مرجانة فولدت له شالخ ومعناه الرسول وعاش أربعمائة وستين سنة* وولد لشالخ عابر ويقال له عيبر بمهملة ومثناة ساكنة ثم موحدة مفتوحة بعد أن مضى من عمر شالخ ثلاثون سنة كاملة وكان عمر شالخ كله أربعمائة وثلاثا وثلاثين سنة كذا فى الكامل ويقال عاش أربعمائة وأربعا وستين سنة وكان ولد بعد مضى ستمائة وتسع وستين سنة من عمر نوح وعند البعض عابر هو هود النبىّ ﵇ المبعوث الى عاد الاولى وهم عقب عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح ﵇ سموا عادا باسم أبيهم كما سموا بنو هاشم باسمه وثمود وجديس ابنا عاد بن ارم بن سام بن نوح وطسم وعملاق وأميم بنولاود بن سام بن نوح عرب كلهم
ذكر ارم
كذا فى سيرة ابن هشام نقلا عن ابن اسحاق روى أنه كان لعاد ابنان شدّاد وشديد فلكا وقهرا ثم مات شديد وخلص الامر لشدّاد فلك الدنيا ودانت له ملوكها فسمع بذكر الجنة فبنى ارم على مثالها فى بعض صحارى عدن فى ثلثمائة سنة وكان عمرة تسعمائة سنة وهى مدينة عظيمة لم يخلق مثلها فى البلاد وقصورها من الذهب والفضة وأساطينها من الزبرجد والياقوت وفيها أصناف الاشجار والانهار ولما تم بناؤها سار اليها بأهل مملكته فلما كان على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا* وعن عبد الله بن قلابة أنه خرج فى طلب ابل له فوقع عليها فحمل ما قدر عليه مماثمة وبلغ خبره معاوية فاستحضره فقص عليه فبعث الى كعب الاحبار فسأله فقال هى ارم ذات العماد وسيد خلها رجل من المسلمين فى زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عقبه خال يخرج فى طلب ابل له ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال والله هذا ذلك الرجل كذا فى الكشاف وغيره وهو مخالف لما ذكره ابن الجوزى فى الصفوة من أن كعب الاحبار مات سنة ثنتين وثلاثين فى خلافة عثمان* روى أنه بعث الله هودا ﵇ الى عاد وكانوا قوما
следующие страницы →