← Тараджим

Тараджим · id 9788

معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب

الحموي، ياقوت

Полный текст (3 532 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

بهذا السبب ألف ألف درهم أو ما يقاربها. وكان والده القاضي الأشرف أبو المحاسن يوسف بن إبراهيم من أهل الفضل البارع والبلاغة المشهورة، وكان ينوب بحضرة السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب عن القاضي الفاضل في جماعة من الكتاب، وكان حسن الخطّ على طريقة ابن مقلة، فاتفق أن طال مقامه بالشام في صحبة السلطان وأراد الرجوع إلى مصر طلبا للراحة ونظرا في مصالحه، فطلب من السلطان إذنا فقال: يحتاج في ذلك إلى إذن صاحبك، فكتب العماد إلى القاضي يلتمس غيره ليؤذن له فقد طاعت غيبته عن أهله، فكتب القاضي في الجواب كتابا يقول فيه: وأما التماس العوض عن الأشرف القفطي فكيف لي بغيره، وهو ذو لسان صهصلق منطيق، وخاطر ينفق في سعة كل مضيق؟ وكتب إلى القاضي الفاضل رقعة وضمّنها البيت المشهور: نميل على جوانبه كأنا ... إذا ملنا نميل على أبينا فكتب القاضي الجواب وضمنه: فديتك من مائل كالغصون ... إذا ملن أدنين مني الثمارا وتزهّد والده وترك العمل وأقام باليمن إلى أن مات بها في رجب سنة أربع وعشرين وستمائة. وحدثني- أدام الله علوه- قال: حججت في موسم سنة ثمان وستمائة «١» ، وكان والدي في صحبتي، فصادفت بمكة جماعة من أهل بلدنا، وكنت بعيد العهد بلقاء أحد منهم، فرآني رجل فالتحق بي كما جرت العادة، ثم عاد إلى من في صحبته من بلدنا فأخبرهم بنا فجاءوا هم إلى منزلنا فقضوا حقّنا بالسلام والسؤال والحرمة، ثم انصرفوا إلى رحالهم فجاء كلّ واحد منهم بما حضره لم يحتفلوا له، وكان فيما جاؤونا به ظرف كبير مملوء عسلا وآخر سمنا على جمل وهو وقره، فألقاه في خيمتنا، فأمرت الغلمان أن يعملوا منه حيسا فيكثروا على عادة تلك البلاد، وأكلنا وأكثرنا زيادة على ما جرت به عادتنا، ثم طفنا بالبيت وعدنا إلى رحالنا ونمت، فرأيت في النوم كأني في الحرم أطوف وإذا رجل شديد الأدمة مشوّه الخلقة، فأخذ بيدي وأخرجني من الحرم

стр. 2032

من باب إبراهيم فإذا به قد وقفني على الظرفين بعينهما لا أرتاب بهما فقال لي: أتعرف هذين؟ فقلت: نعم هذان ظرفان جاءنا بهما رجل على سبيل الهدية، أحدهما سمن والآخر عسل، فقال لي: ليس الأمر كذلك ثم حطّ يده على بطنهما وعصر، فخرج من فمهما نار أحسست بلفحها في وجهي، وجعلت أمسح فمي من شدة حرهما، وانزعجت من هول ما رأيت، وقمت من فراشي خائفا فما استطعت النوم إلى الغداة، واجتمعت بمهديهما وكان يعرف بابن أبي شجاع فقلت له: أخبرني عن هذين الظرفين ما خبرهما؟ فقال: اشتريتهما وجئت بهما، فقلت: يا هذا هل فيهما شبهة؟ فتحلّف أنهما من خالص ماله، فأخبرته بالحال فبكى حينئذ ومدّ يده فأخذ بيدي وعاهدني أن يخرج من عهدته وقال: والله ما أعرف أنّ في مالي شبهة إلا أنّ لي أختين «١» ما أنصفتهما في تركة أبيهما، وأنا أعاهد الله أنني أرجع من وجهي هذا وأعطيهما حتى أرضيهما؛ قال الصاحب- أدام الله علوّه: فعلمت أنها لي موعظة، فعاهدت الله أن لا آكل بعدها من طعام لا أعرف من أين وجهه، فكان لا يأكل لأحد طعاما ويقول: الناس لا يعرفون بواطن الأمور، ويظنونني أفعل «٢» ذلك كبرا ومن أين لي بما يقوم بعذري عندهم؟! ثم كنت بعد ذلك في حضرته بمنزله المعمور وقد عاد من القلعة بحلب فقال لي: جرت اليوم طريفة، فقلت له: هات خبرها أدام الله إمتاعنا بك، فما زلت تأتي بالطرائف والطرف، فقال: حضرت اليوم في مجلس الملك الرحيم أتابك طغرل الظاهري وحضرت المائدة وفيها طعام الملوك: شواء وشرائح وسنبوسج وحلاوات وغيرها كما جرت العادة، فتأملته فنفرت نفسي منه ولم تقبله مع كوني قد قارب الظهر ولم أتغدّ، فلم أنبسط ولا مددت يدي إليه، فقال لي: مالك لا تأكل؟ وكان قد عرف عادتي فقلت له: إن نفسي لا تقبل هذا الطعام ولا تشتهيه، فقال لعلك شبعان، قلت: لا والله إلا أنني أجد في نفسي نفرة منه، فأشار إلى غلام فدخل داره وجاء بمائدة عليها عدة غضائر من الدجاج فلم تقبل نفسي إلا دجاجة واحدة معمولة بحبّ «٣»

стр. 2033

رمان، فمددت يدي إليها وتناولت منها قال: فرأيت أتابك وهو يتعجّب، فقلت له: ما الخبر؟ فقال: اعلم انه ليس في هذا الطعام شيء أعلم من أين وجهه، وهو من عمل منزلي غير هذه الدجاجة، والباقي فجاءنا من جهة ما نفسي بها طيبة، وتشاركت أنا وهو في تلك الدجاجة مع بغضي لحبّ الرمان، وكان أتابك لا يأكل إلا من مال الجوالي فقط. فجعلت أعجب من ذلك، فقال- أدام الله علوّه: اعلم أنني لا أحسب هذا كرامة لي، ولكني أعدّه نعمة من الله في حقي، فإن امتناعي لم يكن عن شيء كرهته ولا ريب اطلعت عليه، ولكن كان انقباضا ونفرة لا أعرف سببها ولا الابانة عن معناها. كان صفي الدين الأسود كاتب الملك الأشرف «١» عند نزول الملك الأشرف بحلب قد عرض كتابا له يعرف بالتذكرة لابن مسيلمة (وكان معروفا بالبغاء) أحد كتاب مصر يشتمل على قوانين الكتابة وآيين الدولة العلوية وأخبار ملوك مصر المتقدمين في اثني عشر مجلدا ودفع له فيه ما سمح ببيعه، وعرض على الصاحب الكبير العالم جمال الدين الأكرم- أدام الله علاه وكبت أعداءه- فأراد شراه، واتفق رحيل الملك الأشرف إلى نواحي «٢» الجزيرة فأرسل إليه ثمنه وزيادة في مثله وافرة، فلما علم صفي الدين أن المشتري هو الوزير- أدام الله علوه- ضنّ بالكتاب واعتبط، واحتج وخلط، وزعم انه قدمه للخزانة الأشرفية، فكتب الصاحب الوزير إلى أبي علي القيلوي «٣» - وكان وسيطه في شرى الكتاب المذكور- ما هذه نسخته. العزة لله وحده: أتاني كتاب من حبيبي فشاقني ... إليه وزاد القلب وجدا إلى وجد وكدت لما أضمرت من لاعج الهوى ... ووجدا على ما فات أقضي من الوجد وقفت على الكتاب الكريم الصادر عن المجلس السامي القضائي العزي لا زالت سيادته تتجدد، وسعادته تتأكد، وفواضله تتردد، وفضائله عن مجلسه تصدر وفي المجالس تورد، وعلمت إشارته في التذكرة المسيلمية والنية في حملها إلى الخزانة

стр. 2034

الأشرفية، ولقد زفّت إلى أجلّ خاطب، ورقت بعد انحطاطها إلى أسنى المراتب، فانها وإن كانت بكر فكر أكابر، فما هي إلا بنت عدّة آباء ولدت على فراش عواهر، كان عليه البغاء في العالمين علامة، أعني ابن مسيلمة ذا الداء وأسأل الله السلامة، فجاءت ذات غرام لا يشفي قطمها إلا السودان، وأردت أن أكون ناكحها الثاني لا تفاق الألوان، وأبى الله لها أن تهدى إلّا إلى المقرّ الأرفع، وأن تضع الابتناء بالبغي من الهمام الأروع، ولست يائسا على عدمها، ولا راج شفاء كلمي بكلمها: تحمّل أهلها عنّي فبانوا ... على آثار من ذهب العفاء «١» وكأني بساميه عرض هذا الكتاب على من لا أسميه، فقرن حاجبيه ولوى شفتيه ولمس عثنونه تعجبا وأمال عطفيه تطرفا وقال: أذكرتني سجع الكهان، وأسمعتني قعقعة صعصعة بن صوحان، والله المستعان على ما يصفون، وإنما هي نفثة صدرت عن صدر مصدور فاز «٢» نافثها بصفقة المغبون. وأما سؤاله عما حصل من الكتب في غيبته: فما هي إلا البحر جاد بدرّه ... ومكّنني من لجّه وسواحله حصل من نفائسها أعلاق نفيسة، وأضحت على بعد المراحم عليها موقوفة حبيسة، لو امتدّت يد إليها لشلّت، ولو سعت إليها قدم لما أقلّت جثّتها ولا استقلت، لا ابن العديم يعدمها، ولا القيلوي يقللها ولا الصفي يصطفيها ولا المجد يختزلها: خلا لك الجوّ فبيضي واصفري وتعداد المجدد منها يقصر عنه الكتاب، ويقصّر دونه الخطاب، والله الموفق. [٨٥٦] أبو علي المنطقي: لم أظفر باسمه وهو مجيد؛ قال الخالع: هو من أهل البصرة

стр. 2035

وتنقل عنها في البلاد، ومدح عضد الدولة وابن عباد، وانقطع مدة من الزمان إلى نصر بن هارون ثم إلى أبي القاسم العلاء بن الحسن الوزير. وكان جيد الطبقة في الشعر والأدب، عالما بالمنطق قوي الرتبة فيه، وجمع ديوانه وكان نحو ألفي بيت، ومولده سنة ست وثلاثين وثلاثمائة ومات بشيراز بعد سنة تسعين وثلاثمائة وكان ضعيف الحال محارفا «١» ضيق الرزق. وجدت على حاشية الأصل ما هذا صورته «٢» : إنا لله وإنا إليه راجعون، ما يحتاج مستدلّ على أن الأرزاق ليست بالاستحقاق بأقوى من هذا الرجل، فانه لو وفّي حقه لكان أعظم قدرا من المتنبي، لأنه ليس بدونه في الشعر جودة وصحة معنى ومتانة لفظ وحلاوة استعارة وسلاسة كلام، وكان مع ذلك مزاحا طيب العشرة حادّ النادرة، وأصيب بعينه في آخر عمره، وله في ذلك أشعار كثيرة. وهذا القدر حكى الخالع من خبره ولم يعرف غير ذلك. ومن شعره «٣» : يا ريم وجدي فيك ليس يريم ... بين الضلوع وان رحلت مقيم لا تحسبي قلبي كربعك خاليا ... فبه وإن عفت الرسوم رسوم تبلى المنازل والهوى متجدّد ... وتبيد خيمات ويبقى الخيم ومن شعره لما أصيب ببصره: ما للهموم إذا ما هيمها وردت ... عليّ لم تفض من ورد إلى صدر كأنما وافق الأعشاب رائدها ... لدى حماي فقد ألقى عصا السفر ان يجرح الدهر مني غير جارحة ... ففي البصائر ما يغني عن البصر وله في الخمر: وقهوة مثل رقراق السراب غدا ... جيب المزاج عليها غير «٤» مزرور

стр. 2036

تختال إن بثّ فيها الماء لؤلؤه ... ما بين عقدين منظوم ومنثور سللتها مثل سلّ الفجر صارمه ... وأحجم الليل في أثواب موتور كأنها إذ بدت والكأس تحجبها ... روح من النار في جسم من النور إذا تعاطيت محزونا أبارقها ... لم يعدني كلّ مفروح ومسرور أمسي غنيا وقد أصبحت مفتقرا ... كأنما الملك بين الناي «١» والزير وله في نصر بن هارون: تنال علاه ما السها عنه عاجز «٢» ... ويسقي نداه من تجاوزه القطر ويصنع في الأعداء خوف انتقامه ... من القتل ما لا تصنع البيض والسمر لأعطيت حتى استنزر الغيث فعله ... وأمّنت حتى قيل لم يخلق الذعر وله فيه أيضا: به تخضرّ أغصان الأماني ... ويجبر عنده الأمل الكسير وتبسم نائبات الدهر عنه ... كما ابتسمت عن الشّنب الثغور لقد سهلت بك الأيام حتى ... لقال الناس لم تكن الوعور وكيف أخاف دهرا أنت بيني ... وبين صروفه أبدا سفير وله من قصيدة في ابن معروف: في البرق لي شاغل عن ملة البرق ... بدا وكان متى ما يبد لي يشق منفرا سرب نومي عن مراتعه ... كأنما اشتقّ معناه من الأرق أخو الثنايا التي بالقلب مذ ظعنت ... أضعاف ما بوشاحيها من القلق ما كان يسرق من حرز الجفون كرى ... لو أنه من لماها غير مسترق وله: نوار وهي نوار من مساعفتي ... وهند وهي ببيض الهند تعتصم

стр. 2037

تربان إن تك من جدواهما تربت ... يد المحبّ فوجدان الهوى عدم غضّ المحيا إذا لاحظت وجنته ... كادت لحاظك في ديباجها تسم وله يعاتب: صافيت فضلك لا ما أنت باذله ... وعاشق الفضل يغرى كلما عذلا إني أعيذك من قولي لسائله ... لقد «١» حدوت ولكن لم أجد جملا وله في صمصام الدولة: لا عضّني الدهر الخؤون فانه ... ما زال قبل رقاك صلّا أرقما أنتم بحار جاريات بالندى ... لكنها في الروع جارية دما وله: ليث أبو شبلين لم يسلمهما ... كرم الجدود ولا سموّ جدود للمجد سرّ لم يضيّع فيهما ... والراح سرّ في جنى العنقود وله: أكفكم تعطي ويمنعنا الحيا ... وأقلامكم تمضي وتنبو الصوارم وإن أبا العباس إن يك للعلا ... جناحا فأنتم للجناح القوادم مضى وبقيتم أبحرا وأهلة ... وزهر الربى يبقى وتمضي الغمائم وله: قولي يقصّر عن فعالك ... تقصير جدّك عن كمالك والحمد ينبت كلّما ... هطلت سماء من نوالك وله: كأنّ دبيبها في كلّ عضو ... دبيب النوم في أجفان ساري صدعت بها رداء الهمّ عني ... كما صدع الدجى وضح النهار

стр. 2038

وله من قصيدة في عضد الدولة يذكر الصدق: ما زلت تنصف في قضاياك العلا ... قل لي فما بال الضحى يتظلّم أهديت رونقه إلى جنح الدجى ... فاعتنّ أشهب وهو طرف أدهم حتى كأنّ الليل صبح مشرق ... وكأنّ ضوء الصبح ليل مظلم هي ليلة لبست رضاك فأشرقت ... من بعد ما كانت بسخطك تظلم ما كان في ظن امرىء من بعدها ... أن الملوك على الليالي تحكم وله: أنام جفون الحقد والحقد ساهر ... وأيقظ طرف المجد والمجد نائم إذا أشكلت يوما لغات انتقامه ... على معشر فالمرهفات تراجم ومن شاجر الأيام عن مأثراتها «١» ... فأمضى لسانيه القنا والصوارم وله من قصيدة: وقفنا بها والشوق يطوي قلوبنا ... لواعجه والصبر غير مطاوع سقيت رجوع الظاعنين فاننا ... نجلّك عن سقيا الغمام الهوامع فجعنا بأبكار المنى يوم خاطبت ... ربوعك أبكار الخطوب الفواجع ومنها: وخيل إذا كظّ «٢» الطراد أراحها ... أصابت بحرّ الطعن برد الشرائع تكاد ترى بالسمع حتى كأنما ... نواظرها مخلوقة في المسامع إذا ما دجا ليل الكريهة أطلعت ... نجوم قنا يغربن بين الأضالع وله: على عجل ألمّ به الخيال ... فانّ كراه بعدكم محال فبات معانقا والجيد وهم ... ومرتشفا وأحلى الريق آل

стр. 2039

لدى ليل كأن النجم فيه ... على خدّ الظلام الجون خال يضام الرمح ليس له مدار ... ويكبو الطرف ليس له مجال طبعت على الوفاء المحض قدما ... كما طبعت على القطع النصال ومنها: توسمت القوابل فيه مجدا ... فقالت أول البدر الهلال وأطرب ما يكون إلى العطايا ... إذا غنّى فأسمعه السؤال مصاحب همة خفّت عليها ... من الأيام أعباء ثقال كرمت فلو سألناك المساعي ... وهبت وغيرها تهب الرجال وأكرم من قراك فتى عليه ... بنو الدنيا وأمهم عيال وقال في الوزير ابن صالحان: على الطيف أن يغشى العميد المتيما ... وليس عليه ردّ نوم «١» تصرّما خيال سرى يبغي خيالا ومغرم ... بلبس قميص الليل يمّم مغرما دنا والظلام الجون غضّ شبابه ... فأهدى إليه الشيب لما تبسما أتلك اللآلى من «٢» ثناياه ألّفت ... عليه عقودا أم تقلّد أنجما أما والحمى إن الكرى لسميّه ... على مقلتي مذ أخلقت جدّة الحمى لأشكل حتى ما يعود بنو الهوى ... معالمه الأنضاء إلا توهما وليل أكلنا العيس تحت رواقه ... بأيدي سرى تثني الرواسم أرسما بهيم نضونا برده وهو مخلق ... وكنا لبسناه قشيبا مسهّما هداها إلى مغنى الوزير نسيمه ... ومن شرف الأخلاق أن تتنسما يصوب على العافين مزن بنانه ... فيكبت حسادا وينبت أنعما

стр. 2040

وله: غيّ الهوى للصبّ غاية رشده ... فذريه من حلّ الملام وعقده قرّبت مركب وعظه، ولجاجه ... في الحبّ ينتج قربه من بعده والليل تكحل مقلتاه باثمد ... والأفق يزهر دره في عقده فكأن زنجيا تبسّم ثغره ... إسفار ذاك اللون في مربدّه تعب الفتى جسر إلى راحاته ... يفضي، ونهضة جده في جدّه وإذا ابن عزم لم يقم متجردا ... للحادثات فصارم في غمده فالسيف سمّي في النوائب عدّة ... لمضائه فيهنّ لا لفرنده ومن المدح: نثني عليه وان تكرّم غيره ... فتراه مشكورا بما لم يسده علما بأنّ بني السماح تعلموا ... منه فكلّ صنيعة من عنده وفي عضد الدولة: أربع الصبا غالتك بعدي يد الصبا ... وصعّد طرف البين فيك وصوبّا لئن رمقت عين النوى حور عينه ... فبنّ لقد غادرن قلبا معذبا تأوّدن قضبانا ولحن أهلة ... وغازلن غزلانا ولا حظن ربربا ومنها: رددت شباب الملك نضرا ولم يزل ... بغيرك مغبرّ المفارق أشيبا فلو كانت الأيام قبلك رحّبت ... بشخص لقالت إذ تراءيت مرحبا وله قصيدة إلى أبي بكر العلاف يتشوقه: كأن البين ترب الموت لكن ... توارى في الضنا لا في الثياب ولولا أنّ فرط الشوق واش ... بحبك لاستزدتك ضعف ما بي جمعت غرائب الآداب حتى ... إذا قرنت إلى النعم الرغاب ظللت مناديا في كلّ أفق ... بصوت البذل حيّ على انتهاب

стр. 2041

وله من قصيدة في العلاء بن الحسن الوزير: أعاطي كؤوس اللهو كلّ غريرة ... إذا ما انثنت قدّت فؤادك بالقدّ تلاحظ عن سحر وتحسر عن دجى ... وتسفر عن صبح وتبسم عن عقد إذا نثرت أيدي الصبا درّ لفظها ... نظمن على الأحشاء عقدا من الوجد كما نظمت كفا أبي القاسم العلا ... نظام لآلي السمط بالنثر للرفد إذا اتصلت أقلامه بظباته ... تقطّع ما بين الطوائل والحقد فلا يهنأ الأعداء أنّ مكانه ... خفيّ فقد تخفى الشرارة في الزند وله: نعم لو انّ الناس ورق حمائم ... لغدت لهم بدلا من الأطواق ومواهب تمضي ويبقى ذكرها ... سمة على وجه الزمان الباقي وله: أراعك صدق الطيف أم كذب الحلم ... وكم من خيال وشك إلمامه لمم سرى والدجى قد حال صبغ قميصه ... وفي ذيله نار من الصبح تضطرم كأن نهوض الفجر في أخرياته ... بديء بياض الشيب في أسود اللمم أمين على سرّ المعالي وسيفه ... على مهج الأعداء في الروع متهم وله من قصيدة في الدلجي: لأصبرنّ على ما سامني زمني ... صبر الكريم على الإقلال اكثار مدحت قوما فان حاض اللسان بهم ... فسوف يعقب ذاك الحيض إطهار إذا المعمّر ترب المجد ألثمني ... ركني يد ثمد ما تسديه تيار يد هي الغيث أو فيها مواطنه ... فكلّ ما صافحته فهو نوّار هناك أخطب والعليا منابرها ... منصوبة وجبين الدهر خرار وله: وأبناء حاجات أدارت عليهم ... يد السير كأس الأين والليل دامس

стр. 2042

يميسون فوق الميس حتى كأنهم ... شروب تساقى والرحال المجالس أصاخوا وقد غنيتهم باسم ماجد ... لأقلامه تعنو الرماح المداعس ولما بلغناه تهلّل عارض ... سقى صوبه الدنيا ومثواه فارس وقال في الوزير ابن صالحان: هل البرق إلا زفرة تتضرّم ... وعبرة مشتاق تسحّ وتسجم تبسّم حتى كاد يبكي وربما ... تراءى فأبكى البارق المتبسم ولما ألم الطيف شكّك أينا ... لدقة شخصينا الخيال المسلّم مزجت كؤوس الريق منه بأدمعي ... فبتّ أسقّى قهوة مزجها دم فليت فؤادي ذاب في جفن مزنة ... بها رويت من دار ظمياء أرسم وخرق رحيب الباع لو نيط طوله ... بعروة عمر لم تكد تتصرم رميت فما أشويت ثغرة نحره ... وما كلّ ما ترمى به العيس أسهم بلغنا بها مغناه وهي أهلة ... فلاحت لنا أخلاقه وهي أنجم وله يمدح: يصيخ إليّ الليل حتى كأنما ... سرى إبلي في مسمعيه سرار وكم خامل أمطاه حارك رتبة ... حراك ويعلو الترب حين يثار ويا ليت ان تقرر عيون ركائبي ... ولا غرو غايات السيول قرار مددت إلى طعن الكماة عزائما ... طوال العوالي بينهن قصار فما كرمت كرمان حتى افتككتها ... ولا أصحرت حتى ارتجتك صحار إذا صدّ وجه البحر عنها تيقنت ... بأنك بدر في يديه بحار وله: جذل بما يعطيهم فكأنما ... أخذ المؤمل من نداه عطاء عفو تسيل به الشعاب كأنما ... فيه الذنوب وقد طفون غثاء

стр. 2043

وله: ولما استرد الصبح عارية الدجى ... تولّى بطيئا والدموع عجال ولم أر لابن الشوق كالليل سلّما ... إلى حاجة في الصبح ليس تنال كريم تبقّت من سجاياه فضلة ... فأضحت على خديه وهي جمال وله: ودار وغى ثنتها مقربات ... براقعها شحوب أو سهوم نزلت بعسكر للطير فيه ... عساكر حول حومتها تحوم بحيث سرائر الأغماد تبلو ... وقلب النقع للساري كتوم تصالحت الحتوف على الأعادي ... وبيضك للطلى منها خصوم إذا أوردتها صدرت رواء ... وخلّت هام قوم وهي هيم وله: إن كتم الليل حدّث العبق ... عنها وبعض الحديث ينتشق ردّي على العين فهي طامعة ... كأس رقاد أراقها الأرق وله: عليّ إذا غنّيت أن تطرب العلا ... فليت فؤادي للسرور منادم ويجهل قولي فيك قوم ولم يكن ... ليفهم أيك ما تقول الحمائم وله: غداة صدقت فكذّبتني ... ولولا الشقاوة لم أصدق وقد كنّ ماطلننا حقبة ... فليت المطال علينا بقي وله: دمن مرضن من البلى فكأنما ... تأتي الرياح طلولها عوّادا من كلّ مدنفة الرسوم كأنها ... من قبل كانت للمحبّ فؤادا إن لم يطر شرر السّرى مني فلا ... قدحت يدي للمكرمات زنادا

стр. 2044

في كلّ ليل ثاكل لصباحه ... وكأنما كسي الظلام حدادا داج إذا زرّت عليّ جيوبه ... كنت الحسام وكانت الاغمادا أحسن بأخلاق الظلام وان خلا ... وجها تعوّض بالشحوب سوادا جمل ولكن ما يلذّ ركوبه ... إلا امرؤ يجد المنى أقتادا يلقاه نشوان الجفون وإنما ... باتت مدامة مقلتيه سوادا وله: منازل ذات الوقف إني لواقف ... عليك وماء القلب لا الدمع ذارف بليت ولم يبل الجديد من الهوى ... وحلت وما حال الغرام المحالف أنزفا جفوني والحيا عنك ممسك ... ويرفق وجدي والبلى بك عانف وقالوا انتشى من غير كأس ولو سقوا ... هوى لدروا أن السّلاف السوالف ضعائف كرات اللحاظ وإنما ... تبرّح بالجلد القويّ الضعائف وله: ليت النوى تركتنا في يد العذل ... فالسقم بؤس ولكن ليس كالأجل صار الصدود لها أمنية معها ... ومن لذائق طعم الموت بالعلل والقلب أول من شطّ الفراق به ... فأين مسرح هذا الخوف والوجل وله في عضد الدولة: لو أنّ بعض سماحها في مزنة ... يوما لأورق من نداها الجلمد يا راقد الأسياف إلّا عن وغى ... جفن الورى في حومتيه مسهّد ما بال خيلك ما تقات سوى السرى ... وظباك في غير الطّلى ما تغمد عادات بيض الهند عندك أن ترى ... حمرا كما مسّ اللجين العسجد وله: ولم أر مثل الدهر مسدي نعمة ... يجود بها عفوا ويأخذها غصبا إذا كنت عذر الدهر في سوء ما جنت ... يداه فذنب ان تعدّ له ذنبا

стр. 2045

وله: مضيء فرند القول ماضي شباته ... فلو لم يكن وشيا لقيل مهنّد يفارق فاه وهو في الحسن جوهر ... ويلقى عداه وهو في الوقع جلمد وله: خرق تصول يد الزمان فيتّقى ... ويجود أقوام سواه فيشكر معط على شكر الصنيع وكفره ... ما كلّ ما سقت الغمائم يثمر دامت لك النعمى ودمت لآمل ... آرابه عن روض غيرك تذعر وبقيت ما بقي القريض فانه ... علق على كرّ الخطوب معمّر وله: قرم بخدّ الحيا من جوده خجل ... كما بقلب الردى من بأسه وجل في رأيه من غراري سيفه عوض ... وفي عطاياه من صوب الحيا بدل وله: ظلّت تعضّ لتوديعي أناملها ... فخلتها نظمت درّا على عنم يا ربّ لائمة في الحبّ لو علمت ... أني ألذّ ملامي فيك لم تلم وله: إني إذا ما الخلّ خادعه ... عني الزمان فحال عن عهدي جانبته ولو انه عمري ... وقطعته ولو انه زندي وله: أتيتك طوع الشوق أمس فردّني ... على عقبي عذر له المجد لائم وقالوا ثنت أجفانه عنك غفوة ... ولا غرو قد تغفى الأسود الضراغم ولكن نسيم الراح نمّ وربما ... أتتك بما لا ريب فيه النمائم ولو لم يكن ظرف العلا عدت منشدا ... وانت إذا استيقظت أيضا لنائم

стр. 2046

وله: يد موسى تذمّ صحبة فيه ... هو يمحو سطور ما توليه يبعث النائل الحليم فيقفو ... هـ بمنّ على العفاة سفيه ليت أن المشيب مهديه موسى ... وهو مسترجع لما يهديه كأخيه الزمان يأخذ ما يع ... طي وما ضلّ مقتد بأخيه وله: وما قلت إلا ما علمت ولم أكن ... كحامد ورد لم يذق طعم غبّه وذنب زماني أهله غير أنني ... أراك له عذرا محا شطر ذنبه [٨٥٧] علي بن يوسف يعرف بابن البقال يكنى أبا الحسن: قال أبو عبد الله الخالع: هو من أهل بغداد وممن نادم المهلبي ونفق عليه، وكانت له محاضرة حسنة وبضاعة في الأدب صالحة، وطبقة في الشعر جيدة، يذهب مذهب النامي في التطبيق والتجنيس وطلب الصنعة، وكان بكثرة نوادره ومزاحه مستطابا متقبّلا، وكان حسن اليسار جميل الزيّ يلبس الدرّاعة، وخلّف لما مات ما يزيد على مائة ألف درهم، وكانت وفاته في أيام شرف الدولة بن عضد الدولة، ومنزله في سكة العجم من الزبيدية بالجانب الغربي من مدينة السلام، وخلّف ابنة وزوجة، فأحبت امرأته أحد بني المنجم وزوّجت ابنتها به فأنفقت المال عليه، وماتت الزوجة ولازمته أمها تخدمه كما تخدم المنقطعات. قال: وكان ابن البقال بخيلا جشعا، وكان يلقاني في أيام عضد الدولة فيقول: يا سيدي ما عندك من حديث الشعراء؟ فأقول: قد أمر لهم بمال ولك بجائزة سنية منها كذا وكذا ومنها كذا وكذا، وأكثر عليه فيقول: منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى ... وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا

стр. 2047

ولقيني مرة والسلاميّ معي فسألني عن مثل ذلك فأجبته بمثل الجواب المقدم ذكره، فقال له السلامي، يكذب، والله ما أمر إلا بقطع أيديهم وأرجلهم فقال: «حوالينا الصدود ولا علينا» . وأنشد الخالع لابن البقال يعاتب بعض أصدقائه: وإني في استعطاف رأي محمد ... عليّ ومدّي نحو معروفه يدي لكالمبتغي من بعد تسعين حجة ... تقمّصها رجع الشباب المجدد سأشكو اعتداء منك لولاه ما درت ... صروف الليالي في الهوى كيف تعتدي فلله قلبي حين أدعو إلى الهوى ... وأعلم حقا أنه غير مهتدي وله «١» : ولما وقفنا للوداع ودوننا ... عيون ترامى بالظنون ضميرها أماطت عن الشمس المنيرة برقعا ... فغيّبنا عن أعين الناس نورها وله: يا مذنبا ويقول إني مذنب ... ما إن سمعت بظالم يتظلّم لك صورة ذلّ الجمال لحسنها ... تقضي بجور في النفوس وتحكم ومن العجائب أنّ طرفك مشعر ... سقما وأنت بسقمه لا تعلم وله: يا طرفها هب لطرفي لذة الوسن ... واستبق ما لا يقلّ الثوب من بدني حاشاك فيّ من الشكوى وان ذهبت ... عيني من الدمع أو قلبي من الحزن ولا أقول ولو أتلفتني أسفا ... يا ليت ما كان من حبيك لم يكن وله: لئن كان طرفي فاز منك بنظرة ... لقد عاد طرفي بالبلاء على قلبي جعلت الهوى ذنبي فان كنت مذنبا ... به فاليك العذر من ذلك الذنب

стр. 2048

ولما رأيت البعد منك مقربي ... تباعدت كي أحظى على البعد بالقرب محمد لا تجمع إلى الهجر غدرة ... فحسبي الذي بي من فراقك يا حسبي وله يمدح المهلبي: أنوار أنت كما دعيت نوار ... لم تقض منك قضاءها الأوطار يا لحظة لحظ الحمام معيدها ... ما كان منك لناظر إنظار وإذا تساقطك الحديث تخاله ... كأسا عليك من العقار تدار إني ذكرتك والغرام مواصل ... نفسا عليك يهيجه التذكار متوقد منه الضمير كأنما ... نيرانه من وجنتيك تعار هو في الجفون إذا مرته زفرة ... ماء يمور وفي الجوانح نار ولربّ ليل من ذراك خماره ... للنجم فيه من الغمام خمار قد قلت حين طلعت فيه ببدره ... أرأيت كيف تشابه الأقمار يا صاحبيّ قفا بنجد عبرة ... حيث الدموع إذا ابتدرن بدار في منزل لبست بما لبس البلى ... منّي المشيب غدائر وعذار ولئن محتك يد الخطوب لما امّحى ... لهوى ديارك في الفؤاد ديار ولربما اهتزت ربوعك بالندى ... وتنفست بنسيمك الأسحار ومنها في المدح: وإذا بدا يوم الكريهة ضاحكا ... فهناك تسكب دمعها الأعمار حتى إذا بصروا بعقد لوائه ... عقدت مهابتها بها الأسرار في شرب هيجاء إذا اصطبحوا القنا ... فالطعن سكر والحمام قمار لهم من البيض الرقاق تحية ... في حوسها ومن الدماء عقار نهضت بعبء الملك منك عزائم ... للدهر بين عثارهن عثار لك هضبة في الملك قحطانية ... طرق الحوادث نحوها أوعار كجبال أندية الوقار إذا احتبوا ... وليوث ملحمة الوغى إن ثاروا

стр. 2049

عجبا لأبناء المهلب إنهم ... لم يعدلوا في المجد حتى جاروا لم يطوهم دهر مضى إلا لهم ... بالجود في آثاره آثار فعطاؤك الرزق المقسّم في الورى ... والدهر أنت وسيفك المقدار وله أيضا في المهلبي: لعينك إذ سار الخليط المغوّر ... على كلّ واد دمعة تتحدّر نعم إن رسما بات تطوي به النوى ... محاسن كانت بالأوانس تنشر أرى وانيا من عبرة كيف لا يني ... وعلّم طرفا راقدا كيف يسهر وقفنا ومن ألحاظنا وقلوبنا ... لنا رائدا شوق مسرّ ومظهر يحلي ربى آرامه ونحورنا ... جفون بسمطيها من الدمع جوهر فمن بين معقود يبين فرنده ... علينا ومحلول عليهنّ ينثر وسرب رمين النجم في أخرياته ... بسافرة من وجهها الشمس تسفر بدت ويمين الصبح يبدو لثامه ... فلم يدر ليل أي صبحيه أنور ومادت فقلنا الغصن جادت به النقا ... بما آد من مجرى الوشاح المؤزّر أعاطل أجياد الأماني من التي ... بها الوفر إمّا استهلك العرض أوفر لئن عدّ فخرا لبسك المجد من أب ... فلبس الفتى من نفسه المجد أفخر وما ينفع الملتاح يورد موردا ... إذا كان ظمآنا عن الورد يصدر آلا بادرا عون التواني بدلجة ... يذلّ لها خدّ من العيس أصعر أما تريان الليل يحدو ظلامه ... بوجه القبيصيّ الصباح المنور فتى يمتري سجلي نداه وبأسه ... لهاذم تدمي أو غمائم تمطر وكالدهر لا يدري الذي هو رائم ... بخطب إذا ما أمّه كيف يحذر ويوم رماه النقع منه بليلة ... كواكبها فيه الأسنّة تزهر طبعن من الأحقاد في كلّ مأزق ... فلا حائن إلّا لها منه مضمر دلفت كأن الموت كان مؤامرا ... سيوفك منه والنفوس تقطّر

стр. 2050

بمجر له في كلّ فجّ طليعة ... وفي كلّ أرض منه ذيل يجرّر سحبت رداء الموت فيه بوقعة ... رداء الفتى فيه من الطعن أقمر وأضحكت منه الجوّ والنقع كاتم ... به الشمس عن شمس بها البيض تشهر بحيث شفوف الأتحميّ مفاضة ... إذا زعزع الخطيّ والتاج مغفر تفرق في تفريقها الهام والتقى ... على قدر فيها الحمام المقدر عزائم يرمين الخطوب كأنما ... يقارع منها عسكر الدهر عسكر وله في المهلبي أيضا: عندي لذا الدهر إعقابي إساءته ... بالصفح إن أعقب الإصرار بالندم أمست منازل من حيّت مصافحة ... أيدي النحول عليها أيدي القدم ولو ملكت لها السقيا وهامدها ... تكفكف المحل عنه أدمع الرحم لقلت للسحّ من أيدي الوزير إذا ... حللت ناحلة الأطلال لا ترم اليعربيّ الذي خلّى الطريق له ... من يأخذ [الناس] رعبا منه باللقم يزاحم الليل ليل من جحافله ... ويقذف الوهدات الجرد بالأكم أطار منهم قذاة في عيونهم ... لو أنها في جفون الدهر لم ينم أبقى له الخوف من أشغال يقظتهم ... ما بات يرسله ليلا إلى الحلم عافت سيوفك في الهيجا لحومهم ... فهن يأكلن منها إكلة البشم وله أيضا فيه: روعة بالفراق قبل الفراق ... شرقت بالدموع منها المآقي جدّ جدّ البكا فأهدين باقي ال ... دمع منها إلى كرى غير باق فاض تندى به الخدود ولو غا ... ض لأمست منه الحشا في احتراق وعذارى تريك من سربها العي ... ن رنوّ الأحداق للأحداق مخطفات لو شئن من هيف الخ ... صر تبدّلن خاتما من نطاق

стр. 2051

حاليات تبدي المعاصم والسو ... ق وتخفي الأجياد في الأطواق لا تغرّنك غفلة الدهر فالعز ... مة إمضاؤها مع الإطراق قد أرانا ابتسامه الدهر لما ... أطلع الجود شمسه بالعراق بالمصفّى اللباب والأروع الب ... سّام بشرا والفاتق الرتاق ومعير معاندي الملك حدّا ... قاضيا في شقاقهم والنفاق حين حرّ الهوى بحران والبي ... ض لها من غمائم الهام ساق بعد ما زعزع الجزيرة بالخ ... طيّ يكرعن في الدماء الرقاق وأطارت بجوّ سنجار للمو ... ت ظباه نارا بلا إحراق في غمام من العجاج ووبل ... يسم الأرض من حميم العتاق حين والى بها شوازب يفضي ... ن إلى كلّ دارة من طراق كالحات كأنما نفث الصا ... ب العوالي منهنّ في الأشداق وكان ابن البقال يترفع عن الاختلاط بالشعراء ويتكبر عليهم، وكان الرؤساء يكرمونه ويقومون له إذا دخل إليهم، وكان ابن العميد يقدّمه على الناس كلهم ويعظمه، وأحضره المهلبي فأنشده بحضرة المتنبي قصيدة فيه؛ قال فحدثني الإمام الهاشمي قال قال لي المتنبي: ما رأيت ببغداد من يجوز أن يقطع عليه اسم شاعر إلا ابن البقال. قال ابن عبد الرحيم: وحدثني الأستاذ أبو الحسين ابن محفوظ، وقد جرى ذكر ابن البقال، فقال: كان أقل ما فيه الشعر، فغلب عليه وعرف به، وانه كان يضطلع بعلوم كثيرة من جملتها الكلام، وكان قويا فيه مقدّما في المعرفة به، وكان يقول بتكافؤ الأدلة، وهو بئس المذهب.

стр. 2052

[٨٥٨] عمارة بن حمزة الكاتب ، من ولد أبي لبابة، مولى عبد الله بن العباس ﵄، مولى السفاح ثم مولى أبي جعفر المنصور: وكان تياها معجبا جوادا كريما معدودا في سراة الناس، وكان فصيحا بليغا، وكان أعور دميما، وكان المنصور والمهدي بعده يقدّمانه ويحتملان «١» أخلاقه لفضله وبلاغته وكفايته ووجوب حقه، وولي لهما أعمالا كبارا، ومات [ ... ] «٢» . وله تصانيف منها: كتاب رسالة الخميس التي تقرأ لبني العباس. وكتاب رسائله المجموعة. وكتاب الرسالة الماهانية معدودة في كتب الفصاحة الجيدة. وكان يقال بلغاء الناس عشرة: عبد الله بن المقفع وعمارة بن حمزة وخالد بن يزيد وحجر بن محمد بن محمد بن حجر وأنس بن أبي شيخ وسالم بن عبد الله ومسعدة والهزبر بن صريح وعبد الجبار بن عدي «٣» وأحمد بن يوسف بن صبيح. قال أبو عبد الله محمد بن عبدوس «٤» : قلد أبو العباس السفاح عمارة بن حمزة بن ميمون من ولد أبي لبابة مولى عبد الله بن العباس ضياع مروان وآل مروان خلا ضياع لولد عمر بن عبد العزيز فانها لم تقبض وضياع من والاهم وساعدهم. وقال الخطيب «٥» : عمارة من ولد عكرمة مولى ابن عباس، جمع له بين ولاية

стр. 2053

البصرة وفارس والأهواز واليمامة والبحرين والعرض، وهذه الأعمال جمعت للمعلى بن طريف صاحب نهر المعلى ولمحمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس. وكان «١» عمارة سخيا سريا جليل القدر رفيع النفس كثير المحاسن، وله أخبار حسان، وكان أبو العباس يعرف عمارة بالكبر وعلوّ القدر وشدّة التنزّه، فجرى بينه وبين أمّ سلمة بنت يعقوب بن سلمة المخزومية زوجته كلام فاخرته فيه بأهلها، فقال لها أبو العباس: أنا أحضرك الساعة على غير أهبة مولى من مواليّ ليس في أهلك مثله، ثم أمر باحضار عمارة على الحال التي يكون عليها، فأتاه الرسول في الحضور فاجتهد في تغيير زيه فلم يدعه، فجاء به إلى أبي العباس وأم سلمة خلف الستر، وإذا عمارة في ثياب ممسكة قد لطّخ لحيته بالغالية حتى قامت واستتر شعره فقال: يا أمير المؤمنين ما كنت أحبّ أن تراني على مثل هذه الحال، فرمى إليه بمدهن كان بين يديه فيه غالية فقال: يا أمير المؤمنين أترى لها في لحيتي موضعا؟ فأخرجت إليه أمّ سلمة عقدا كان له قيمة جليلة وقالت للخادم: أعلمه أنني أهديته إليه، فأخذه بيده وشكر أبا العباس ووضعه بين يديه ونهض، فقالت أم سلمة لأبي العباس، إنما أنسيه، فقال أبو العباس للخادم: الحقه به وقل له هذا لك فلم خلّفته؟ فاتبعه الخادم، فلما وصل إليه قال له: ما هو لي فاردده، فلما أدّى الرسالة قال له: إن كنت صادقا فهو لك، وانصرف الخادم بالعقد وعرّف أبا العباس ما جرى وامتنع من ردّه على أم سلمة وقال: قد وهبه لي، فاشترته منه بعشرين ألف دينار. وكان عمارة يقول «٢» : يخبز في داري ألفا رغيف في كلّ يوم يؤكل منها ألف وتسعمائة وتسعة وتسعون رغيفا حلالا وآكل منها رغيفا واحدا حراما وأستغفر الله. وكان يقول: ما أعجب قول الناس فلان ربّ الدار إنما هو كلب الدار. وكانت نخوة «٣» عمارة وتيهه يتواصفان ويستسرفان، فأراد أبو جعفر أن يعبث به،

стр. 2054

وخرج يوما من عنده فأمر بعض خدمه أن يقطع حمائل سيفه لينظر أيأخذه أم لا، ففعل ذلك وسقط السيف ومضى عمارة ولم يلتفت. وحدث ميمون بن هارون «١» عمن يثق به أن عمارة بن حمزة كان من تيهه إذا أخطأ يمضي على خطائه ويتكبر عن الرجوع ويقول: نقض وإبرام في ساعة واحدة؟ الخطأ أهون من ذلك. وكان عمارة بن حمزة يوما يماشي المهدي في أيام المنصور ويده في يده، فقال له رجل: من هذا أيها الأمير؟ فقال أخي وابن عمي عمارة بن حمزة، فلما ولّى الرجل ذكر المهدي ذلك لعمارة كالمازح، فقال عمارة: إنما انتظرت أن تقول مولاي عمارة فأنفض والله يدي من يدك، فضحك المهدي. وحكي عن عمارة بن حمزة أنه قال: انصرفت يوما من دار أبي جعفر المنصور بعد أن بايع للمهدي بالعهد إلى منزلي، فلما صرت فيه صار إليّ المهدي فقال: قد بلغني أن أمير المؤمنين قد عزم على أن يبايع لأخي جعفر بالعهد بعدي، وأعطي الله عهدا لئن فعل لأقتلنه، قال: فمضيت من فوري إلى أمير المؤمنين فلما دخلت عليه قال: هيه يا عمارة ما جاء بك؟ قلت: أمر حدث أنا ذاكره لك، قال فانا أخبرك به قبل أن تخبرني، جاءك المهدي فقال لك كيت وكيت، قلت: والله يا أمير المؤمنين لكأنك كنت ثالثنا، قال قل له: نحن أشفق عليه من أن نعرضه لك يا أبا عبد الله. وقال محمد بن يزداد «٢» : قلّد المنصور عمارة بن حمزة الخراج بكور دجلة والأهواز وكور فارس وتوفي المنصور سنة ثمان وخمسين ومائة وعمارة يتقلد جميع هذه الكور. وبلغ موسى «٣» الهادي حال بنت لعمارة جميلة فراسلها فقالت لأبيها ذلك، فقال: ابعثي إليه في المصير إليك وأعلميه أنك تقدرين على إيصاله إليك في موضع

стр. 2055

يخفى أثره، فأرسلت إليه بذلك، وحمل موسى نفسه على المصير إليها، فأدخلته حجرة قد فرشت وأعدّت له، فلما حصل فيها دخل عليه عمارة فقال له: السلام عليك أيها الأمير، ماذا تصنع ها هنا، أتخذناك وليّ عهد فينا أو فحلا لنسائنا؟ ثم أمر به فبطح في موضعه وضربه عشرين درّة خفيفة وردّه إلى منزله، فحقد الهادي ذلك عليه، فلما ولي الخلافة دسّ عليه رجلا يدّعي عليه أنه غصبه ضيعته المعروفة بالبيضاء بالكوفة وكان قيمتها ألف ألف درهم؛ فبينا الهادي ذات يوم قد جلس للمظالم وعمارة بن حمزة بحضرته إذ وثب الرجل فتظلّم منه «١» فقال له الهادي: قم فاجلس مع خصمك، وأراد إهانته، فقال: إن كانت الضيعة لي فهي له، وان كانت له فهي له، ولا أساوي هذا النذل في المجلس، ثم قام وانصرف مغضبا. وقلّد المهدي عمارة بن حمزة الخراج بالبصرة، فكتب إليه يسأله أن يضمّ إليه الأحداث مع الخراج، ففعل ذلك وقلده الأحداث مضافة إلى الخراج. وكان عمارة أعور دميما فقال فيه بعض أهل البصرة: أراك وما ترى إلا بعين ... وعينك لا ترى إلا قليلا وأنت إذا نظرت بملء عين ... فخذ من عينك الأخرى كفيلا كأني قد رأيتك بعد شهر ... ببطن الكفّ تلتمس السبيلا ومدحه سلمة بن عياش فقال: بلوت وجربت الرجال بخبرة ... وعلم ولا ينبيك عنهم كخابر فلم أر أحرى من عمارة فيهم ... بودّ ولا أوفى بجار مجاور وأكرم عند النائبات بداهة ... إذا نزلت بالناس إحدى الدوائر تمسّك بحبل من عمارة واعتصم ... بركن وفيّ عهده غير غادر كأنّ الذي ينتابه عن جناية ... يمتّ بقربى عنده وأواصر

стр. 2056

فنعم معاذ المستجير ومنزل الكريم ومثوى كلّ عان وزائر ولعمارة شعر منه ما أنشده الجهشياري «١» : لا تشكون دهرا صححت به ... إن الغنى في صحة الجسم هبك الأمام أكنت منتفعا ... بغضارة الدنيا مع السقم وكرهه «٢» أهل البصرة لتيهه وعجبه، فذكر الأرقط أنه رفع أهل البصرة على عمارة أنه اختان مالا كثيرا، فسأله المهدي عن ذلك فقال: والله يا أمير المؤمنين لو كانت هذه الأموال التي يذكرونها في جانب بيتي ما نظرت إليها، فقال: أشهد إنك لصادق، ولم يراجعه فيها. ودخل صالح بن [عبد] الجليل «٣» الناسك على المهديّ فوعظه وأبكاه طويلا، وذكر له سيرة العمرين، فأجابه المهدي بفساد الزمان وتغيّر أهله وما حدث لهم من العادات، وذكر له جماعة من أصحابه وما لهم من الأموال والنعمة، وذكر فيهم عمارة ابن حمزة وقال: بلغني أن له ألف دواج بوبر سوى ما لا وبر فيه وسوى غيرها من الأصناف التي يتدثر بها. وكان الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك شديد الكبر عظيم التيه والعجب فعوتب في ذلك فقال «٤» هيهات هذا شيء حملت عليه نفسي لما رأيته من عمارة بن حمزة، فإن أبي كان يضمن فارس من المهديّ فحلّ عليه ألف ألف درهم، فأخرج ذلك كاتب الديوان فأمر المهدي أبا عون عبد الله بن يزيد بمطالبته وقال له: إن أدّى إليك المال قبل أن تغرب الشمس من يومنا هذا وإلا فائتني برأسه، وكان متغضبا عليه، وكانت حيلته لا تبلغ عشر المال، فقال لي: يا بنيّ إن كانت لنا حيلة فليس إلا من قبل عمارة بن حمزة وإلا فأنا هالك، فامض إليه، فمضيت إليه فلم يعرني الطرف، ثم

стр. 2057

تقدم من ساعته بحمل المال فحمل إلينا، فلما مضى له شهران جمعنا المال فقال أبي: امض إلى الشريف الحرّ الكريم فأدّ إليه ماله، فلما عرّفته خبره غضب وقال: ويحك أكنت قسطارا لأبيك؟ فقلت: لا ولكنك أحييته ومننت عليه، وهذا المال قد استغنى عنه، فقال: هو لك، فعدت إلى أبي فقال: لا والله ما تطيب نفسي لك به، ولكن لك منه مائتا ألف درهم، فتشبهت به حتى صار خلقا لي لا أستطيع مفارقته. وحدث «١» أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني في كتاب له صنفه في السخاء، حدثنا القاضي الحسين بن إسماعيل، حدثنا عبد الله بن [أبي] سعد الوراق، حدثني هارون بن محمد بن إسماعيل القرشي قال، أخبرني عبد الله بن أبي أيوب المكي قال: بعث أبو أيوب المكي بعض ولده إلى عمارة بن حمزة فأدخله الحاجب، قال: ثم أدناني إلى ستر مسبل فقال: ادخل، فدخلت فإذا هو مضطجع محوّل وجهه إلى الحائط، فقال لي الحاجب: سلّم، فسلمت ولم يردّ عليّ السلام، فقال الحاجب: اذكر حاجتك، فقلت له: جعلني الله فداك أخوك أبو أيوب يقرئك السلام ويذكر دينا بهظه وستر وجهه ويقول: لو لاه لكنت مكان رسولي يسأل أمير المؤمنين قضاءه عني، فقال وكم دين أبيك؟ فقلت: ثلاثمائة ألف درهم فقال: وفي مثل هذا أكلّم أمير المؤمنين؟! يا غلام احملها معه، وما التفت إليّ ولا كلّمني غير هذا. قال الدارقطني حدثنا حسين بن إسماعيل، حدثنا عبد الله بن أبي سعد «٢» ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن سليمان «٣» الهاشمي، حدثنا محمد بن سلام الجمحي، حدثني الفضل بن الربيع قال «٤» : كان أبي يأمرني بملازمة عمارة بن حمزة، قال: فاعتلّ عمارة، وكان المهديّ سيء الرأي فيه، فقال له أبي يوما: يا أمير المؤمنين مولاك عمارة عليل وقد أفضى إلى بيع فرشه وكسوته. فقال: غفلنا عنه، وما كنت أظنّ أنه بلغ إلى هذه الحالة، احمل إليه خمسمائة ألف درهم يا ربيع وأعلمه أنّ له عندي بعدها ما يحبّ، قال: فحملها أبي من ساعته وقال لي:

стр. 2058

اذهب بها إلى عمك وقل له: أخوك يقرئك السلام ويقول: أذكرت أمير المؤمنين أمرك فاعتذر من غفلته عنك وأمر لك بهذه الدراهم وقال لك عندي بعدها ما تحبّ، قال: فأتيته ووجهه إلى الحائط فسلمت فقال لي: من أنت؟ فقلت له: ابن أخيك الفضل بن الربيع، فقال: مرحبا بك، وأبلغته الرسالة فقال: قد كان طال لزومك لنا وقد كنا نحبّ أن نكافئك على ذلك ولم يمكّنا قبل هذا الوقت، انصرف بها فهي لك، قال: فهبته أن أردّ عليه، فتركت البغال على بابه وانصرفت إلى أبي فأعلمته الخبر، فقال لي: يا بنيّ خذها بارك الله لك فيها فليس عمارة ممن يراجع، فكان أولّ مال ملكته. قال ابن عبدوس «١» : وكان الماء زائدا في أيام الرشيد، فركب يحيى بن خالد والقواد ليعرّفهم المواضع المخوفة من الماء ليحفظوها، ففرّق القواد وأمر باحكام المسنّيات، وسار إلى الدور فوقف ينظر إلى قوة الماء وكثرته فقال قوم: ما رأينا مثل هذا الماء، فقال يحيى: قد رأيت مثله في سنة من السنين، كان أبو العباس خالد- يعني أباه- وجهني فيها إلى عمارة بن حمزة في أمر رجل كان يعنى به من أهل جرجان «٢» ، وكانت له ضياع بالريّ، فورد عليه كتابه يعلمه أن ضياعه تحيّفت فخربت، وأن نعمته قد نقصت وحاله قد تغيرت، وأن صلاح أمره في تأخيره بخراجه سنة، وكان مبلغه مائتي ألف درهم، ليتقوى به على عمارة ضيعته ويؤديه في السنة المستقبلة، فلما قرأ أبي كتابه غمّه وبلغ منه، وكان بعقب ما ألزمه إياه أبو جعفر من المال الذي خرج عليه، فخرج به عن ملكه واستعان بجميع إخوانه فيه، فقال: يا بنيّ من هاهنا نفزع إليه في أمر هذا الرجل؟ فقلت: لا أدري، فقال: بلى عمارة بن حمزة، فصر إليه وعرّفه حال الرجل، فصرت إليه وقد مدّت دجلة، وكان ينزل في الجانب الغربي، فدخلت إليه وهو مضطجع على فراشه فأعلمته ذلك، فقال لي: قف غدا بباب الجسر، ولم يزد على ذلك، فنهضت ثقيل الرجلين، وعدت إلى أبي العباس والدي بالخبر، فقال لي: يا بني تلك سجيته، فإذا أصحبت فاغد لوعده، فغدوت إلى باب الجسر وقد جاءت دجلة في تلك الليلة بمدّ عظيم قطع الجسور،

стр. 2059

وانتظم الناس من الجانبين جميعا ينظرون إلى زيادة الماء، فبينا أنا واقف إذا بزورق قد أقبل والموج يخفيه مرة ويظهره أخرى، والناس يقولون: غرق غرق، نجا نجا، حتى دنا من الشطّ «١» ، فإذا عمارة بن حمزة في الزورق بلا شيء معه، وقد خلّف دوابّه وغلمانه في الموضع الذي ركب منه، فلما رأيته نبل في عيني وملأ صدري، فنزلت وعدوت إليه فقلت: جعلت فداك، في مثل هذا اليوم؟! وأخذت بيده فقال: أكنت أعدك وأخلف يا ابن أخي؟ اطلب لي برذون كراء «٢» ، قال فقلت: برذوني، فقال هات، فقدمت إليه برذوني فركب وركبت برذون غلامي وتوجه يريد أبا عبيد الله، وهو إذ ذاك على الخراج، والمهدي ببغداد خليفة للمنصور، والمنصور في بعض أسفاره؛ قال: فلما طلع على حاجب أبي عبيد الله دخل بين يديه إلى نصف الدار ودخلت معه، فلما رآه أبو عبيد الله قام عن مجلسه وأجلسه فيه وجلس بين يديه، فأعلمه عمارة حال الرجل وسأله إسقاط خراجه وهو مائتا ألف درهم وإسلافه من بيت المال مائتي ألف يردّها في العام المقبل، فقال له أبو عبيد الله: هذا لا يمكنني، ولكني أؤخره بخراجه إلى العام المقبل، فقال له: لست أقبل غير ما سألتك، فقال أبو عبيد الله: فاقنع بدون ذلك حتى توجدني السبيل إلى قضاء حاجة الرجل، فأبى عمارة، وتلوّم أبو عبيد الله قليلا، فنهض عمارة فأخذ أبو عبيد الله بكمه وقال: أنا أحتمل ذلك في مالي، فعاد إلى مجلسه وكتب أبو عبيد الله إلى عامل الخراج باسقاط خراج الرجل لسنته والاحتساب به على أبي عبيد الله وإسلافه مائتي ألف درهم ترتجع منه في العام المقبل. فأخذت الكتاب وخرجنا فقلت له: لو أقمت عند أخيك ولم تعبر في هذا المدّ، قال: لست أجد بدا من العبور، فصرت معه إلى الموضع ووقفت حتى عبر: هذي المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا ودخل «٣» عمارة يوما على المهدي فأعظمه، فلما قام قال له رجل من أهل المدينة من القرشيين: يا أمير المؤمنين من هذا الذي أعظمته هذا الاعظام كله؟!

стр. 2060

فقال: هذا عمارة بن حمزة مولاي، فسمع عمارة كلامه فرجع إليه فقال: يا أمير المؤمنين جعلتني كبعض خبّازيك وفرّاشيك ألا قلت عمارة بن حمزة بن ميمون مولى عبد الله بن عباس ليعرف الناس مكاني؟! [٨٥٩] عمر بن إبراهيم بن محمد بن محمد بن أحمد بن علي بن الحسين بن علي بن حمزة بن يحيى بن الحسين ذي الدمعة ابن زيد الإمام الشهيد بن علي زين العابدين بن الحسين السبط بن علي بن أبي طالب ﵈، يكنى أبا البركات، من أهل الكوفة: إمام من أئمة النحو واللغة والفقه والحديث، مات فيما ذكره السمعاني في شعبان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة في أيام المقتفي، ودفن في المسبّلة التي للعلويين، وقدّر من صلى عليه بثلاثين ألفا، وكان مولده في سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة. أخذ النحو عن أبي القاسم زيد بن علي الفارسي عن أبي الحسين ابن عبد الوارث عن خاله أبي علي الفارسي، وأخذ عنه أبو السعادات ابن الشجري وأبو محمد ابن بنت الشيخ. قال السمعاني: وكان خشن العيش صابرا على الفقر قانعا باليسير، سمعته يقول: أنا زيديّ المذهب، لكنّي أفتي على مذهب السلطان، يعني أبا حنيفة. سمع ببغداد أبا بكر الخطيب وأبا الحسين ابن النقور، وبالكوفة أبا الفرج محمد بن علّان الخازن وغيره، ورحل إلى الشام وسمع من جماعة، وأقام بدمشق وحلب مدة، قال: وحضرت عنده وسمعت منه، وكان حسن الإصغاء سليم الحواس، ويكتب خطا مليحا سريعا على كبر سنّ، وكنت ألازمه طول مقامي بالكوفة في الكرّات

стр. 2061

الخمس، ما سمعت منه في طول ملازمتي له شيئا في الاعتقاد أنكرته عليه، غير أني كنت يوما قاعدا في باب داره، وأخرج لي شدّة من مسموعاته، وجعلت أفتقد فيها حديث الكوفيين، فوجدت فيها جزءا مترجما بتصحيح الأذان بحيّ على خير العمل، فأخذته لأطالعه فأخذه من يدي وقال: هذا لا يصلح لك، له طالب غيرك، ثم قال: ينبغي للعالم أن يكون عنده كل شيء فإنّ لكلّ نوع طالبا. وسمعت يوسف بن محمد بن مقلد يقول: كنت أقرأ على الشريف عمر جزءا فمرّ بي حديث فيه ذكر عائشة فقلت ﵂ فقال لي الشريف: تدعو لعدوة علي أو تترضى على عدوة علي؟! فقلت: حاشا وكلّا ما كانت عدوة علي. وسمعت أبا الغنائم ابن النرسي يقول: كان الشريف عمر جاروديّ المذهب لا يرى الغسل من الجنابة. وسمعته يقول: دخل أبو عبد الله الصوري الكوفة فكتب بها عن أربعمائة شيخ، وقدم علينا هبة الله بن المبارك السقطي فأفدته عن سبعين شيخا من الكوفيين وما بالكوفة اليوم أحد يروي الحديث غيري ثم ينشد: إني دخلت اليمنا ... لم أر فيها حسنا ففي حر امّ بلدة ... أحسن من فيها أنا قال المؤلف: وحكي أن أعرابيين مرّا بالشريف عمر وهو يغرس فسيلا، فقال أحدهما للآخر: أيطمع هذا الشيخ مع كبره أن يأكل من جنى هذا الفسيل؟ فقال الشريف: يا بنيّ كم من كبش في المرعى وخروف في التنور، ففهم أحدهما ولم يفهم الآخر فقال الذي لم يفهم لصاحبه: أيش قال؟ قال إنه يقول: كم من ناب يسقى في جلد حوار، فعاش حتى أكل من ثمر ذلك الفسيل. وللشريف تصانيف: منها كتاب شرح اللمع. وكان إبراهيم بن محمد أبو الشيخ أبي البركات أيضا شاعرا أديبا ذا حظ من النحو واللغة وهو مذكور في بابه «١» . قال تاج الإسلام: سمعت عمر بن إبراهيم بن محمد الزيدي يقول: لما خرجنا

стр. 2062

من طرابلس الشام متوجهين إلى العراق خرج لوداعنا الشريف أبو البركات ابن عبيد الله العلوي الحسني، ودّع صديقا لنا يركب البحر إلى الإسكندرية، فرأيت خالك يتفكر فقلت له: أقبل على صديقك، فقال لي: قد عملت أبياتا اسمعها، فأنشدني في الحال: قربوا للنوى القوارب كيما ... يقتلوني ببينهم والفراق شرعوا في دمي بتشديد شرع ... تركوني من شدّها في وثاق قلعوا حين أقلعوا لفؤادي ... ثم لم يلبثوا كقدر الفواق ليتهم حين ودعوني وساروا ... رحموا عبرتي وطول اشتياقي هذه وقفة الفراق فهل أح ... يا ليوم يكون فيه التلاقي قال في «تاريخ الشام» : حكى أبو طالب ابن الهراس الدمشقي، وكان حج مع أبي البركات، أنه صرح له بالقول بالقدر وخلق القرآن، فاستعظم أبو طالب ذلك منه وقال: إن الأئمة على غير ذلك، فقال له: إن أهل الحق يعرفون بالحق ولا يعرف الحقّ بأهله، قال هذا معنى حكاية أبي طالب. [٨٦٠] عمر بن بكير: كان صاحب الحسن بن سهل خصيصا به ومكينا عنده يسائله عن مشكلات الأدب، وكان راوية ناسبا اخباريا نحويا، وله عمل الفراء «كتاب معاني القرآن» وذكر ذلك في أخبار الفراء. قال محمد بن إسحاق: وله من الكتب كتاب الأيام يتضمن يوم الغول. يوم الظهر. يوم أرمام. يوم الكوفة. غزوة بني سعد بن زيد مناة. يوم مبايض. حدث ميمون بن هارون قال حدثني أبو الحسن محمد بن عمر بن بكير قال «١» :

стр. 2063

كان أبي بين يدي المنتصر وهو أمير وأحمد بن الخصيب كاتب المنتصر [فدخل الحاجب فقال: أيها الأمير، هذا الحسن بن سهل بالباب، فالتفت إليه أحمد] «١» فقال: دعنا من الرسوم الداثرة والعظام البالية، فوثب عمر بن بكير فقال: أيها الأمير إن للحسن بن سهل عليّ نعما عظاما وله في عنقي منن جمة، فقال: ما هي يا عمر؟ قال: ملأ يا أيها الأمير منزلي ذهبا وفضة، وأدنى مجلسي حتى زال عن مجلسه، وخلع عليّ فألحقني برؤساء أهل العلم كأبي عبيدة والأصمعي ووهب بن جرير وغيرهم، وقد أقدرني الله بالأمير على مكافاته، وهذا من أوقاته، فإن رأى الأمير أن يسهل إذنه ويجعل ذلك على يدي وحبوة لي وذريعة إلى مكافاة الحسن، فعل. فقال يا أبا حفص بارك الله عليك فمثلك يستودع المعروف، وعندك يتم البر، ومثلك يرغب الأشراف في اتخاذ الصنائع، وقد جعلت إذن الحسن إليك فأدخله في أيّ وقت حضر من ليل أو نهار، ولا سبيل لأحد من الحجاب عليه. فقبل أبي البساط، ووثب إلى الباب فأدخل الحسن وأتكأه على يده، فلما سلم على المنتصر أمره بالجلوس فجلس وقال له: قد صيرت إذنك إلى أبي حفص، ورفعت يد الحاجب عنك، فاحضر إذا شئت من غدوّ أو رواح، وارفع حوائجك، وتكلّم بكل ما في صدرك؛ فقال الحسن: أيها الأمير والله ما أحضر طلبا للدنيا ولا رغبة فيها ولا حصرا عليها، ولكن عبد يشتاق إلى سادته، وبلقائهم يشتد ظهره وينبسط أمله وتتجدد نعم الله عنده، وما أحضر لغير ذلك، وأحمد بن الخصيب يتقد غيظا «٢» ، فقال له المنتصر: فاحضر الآن أيّ وقت شئت، فأكبّ الحسن على البساط فقبله شكرا ونهض. قال أبي: ونهضت معه، فلما بعدنا عن عين المنتصر بلغني أن المنتصر قال: هكذا فليكن الشاكرون، وعلى أمثال هذا فلينعم المنعمون. وقال الحسن لعمر: يا أبا حفص، والله ما أدري بأيّ لسان أثني عليك، فقال: سبحان الله وأنا أولى بالشكر والثناء عليك والدعاء لك، خولتني الغنى، وألبستني النعمى في الزمان الصعب وفي الحال التي كان يجفوني فيها الحميم، فجزاك الله عنّي وعن ولدي أفضل الجزاء؛

стр. 2064

فقال الحسن: والهفتا ألا يكون ذلك المعروف أضعاف ما كان، لا درّ درّ الفوت، وتعسا للندم وأحواله، ولله درّ الخريمي حيث يقول «١» : ودون الندى في كلّ قلب ثنية ... لها مصعد حزن ومنحدر سهل وودّ الفتى في كلّ نيل ينيله ... إذا ما انقضى لو أنّ نائله جزل ثم قال لي أبي: يا محمد اخرج معه أعزه الله حتى تؤديه إلى منزله؛ قال أبو الحسن: فخرجت معه فلم أزل أحادثه حتى جرى ذكر رزين العروضي الشاعر، وكان قد امتدحه بقصيدة فمات رزين قبل أن يوصلها إلى الحسن، فقلت: أيد الله الأمير كان شاعرا من أهل العلم والأدب مدح الأمير بقصيدة وهي في العسكر مثل، ومات قبل ان يسمعها الأمير، قال: فأسمعنيها فأنشدته إياها وأولها «٢» : قرّبوا جمالهم للرحيل ... غدوة أحبتك الأقربوك خلّفوك ثم مضوا مدلجين ... منفردا بهمّك ما ودعوك وفيها: من مبلغ الأمير أخي المكرمات ... مدحة محبرة في ألوك تزدهي كواسطة في النظام ... فوق نحر جارية تستبيك يا ابن سادة زهر كالنجوم ... أفلح الذين هم أنجبوك إذ نعشت مدحهم بالفعال ... محييا سيادة ما أولوك ذو الرئاستين أخوك النجيب ... فيه كلّ مكرمة وفيك ذو الرئاستين وأنت اللذان ... يحييان سنّة غازي تبوك لم تزالا حيا للبلاد ... والعباد ما لكما من شريك

стр. 2065

أنتما إن أقحط العالمون ... منتهى الغياث ومأوى الضريك يا ابن سهل الحسن المستغاث ... وفي الوغى إذا اضطرب الفكيك ما لمن ألحّ عليه الزمان ... مفزع لغيرك يا ابن الملوك لا ولا وراءك للراغبين ... مطلب سواك حاشا أخيك والقصيدة غريبة العروض. قال أبو الحسن: وأنا والله أنشده وعيناه تهمي على خده فتقطر على نحره ثم قال: والله ما أبكي الا لقصور الأيام عما أريده لقاصدي، ثم جعل يتلهف ويقول: ما الذي منعه من اللقاء؟ تعذّر الحجاب أم قعود الأسباب؟ فقلت: اعتلّ- جعلني الله فداءك- علة توفي فيها، فجعل يترحم عليه ثم قال: والله لا أكون أعجز من علقمة بن علاثة حيث مات قبل وصول النابغة «١» إليه بالقصيدة التي رحل بها إليه حيث يقول: فما كان بيني لو لقيتك سالما ... وبين الغنى إلا ليال قلائل الأبيات ... فبلغت الأبيات علقمة فأوصى له بمثل نصيب ابن له، ولكن هل لهذا الشاعر وارث؟ قلت: نعم بنية، قال: تعرف مكانها؟ قلت: نعم، قال: والله ما يتسع وقتي هذا لما أنويه، ولكن القليل والعذر يسعنا، ثم دعا غلاما وقال: هات ما بقي من نفقة شهرنا، فأتى بألفي درهم في صرة، فدفعها إليّ وقال: يا أبا الحسن خذ ألفا وأعط الصبية ألفا، فأخذت الألفين وانصرفت وعملت بما أمرني به. ومات الحسن بن سهل بسر من رأى في ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائتين في أيام المتوكل. قال المؤلف: ما نسب إلى علقمة في هذه الحكاية غلط لان الوارد عليه هو الحطيئة، وكان علقمة واليا على حوران، فلما قاربه مات علقمة، فقال الحطيئة الأبيات، لكن هكذا في هذه الحكاية ولا أدري كيف حالها.

стр. 2066

[٨٦١] عمر بن أحمد بن أبي جرادة يعرف بابن العديم العقيلي يكنى أبا القاسم ويلقب كمال الدين، من أعيان أهل حلب وأفاضلهم، وهو عمر بن أحمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله بن أحمد بن يحيى بن زهير بن هارون بن موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن أبي جرادة صاحب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، واسم أبي جرادة عامر بن ربيعة بن خويلد بن عوف بن عامر بن

стр. 2067

عقيل، أبي القبيلة، بن كعب بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. وبيت أبي جرادة بيت مشهور من أهل حلب: أدباء شعراء فقهاء عباد زهاد قضاة يتوارثون الفضل كابرا عن كابر وتاليا عن غابر، وأنا أذكر قبل شروعي في ذكره شيئا من مآثر هذا البيت وجماعة من مشاهيرهم، ثم أتبعه بذكره ناقلا ذلك كلّه من كتاب ألفه كمال الدين، أطال الله بقاءه، وسماه «الأخبار المستفادة في ذكر بني أبي جرادة» وقرأته عليه فأقرّ به. سألته أولا لم سميتم ببني العديم؟ فقال: سألت جماعة من أهلي عن ذلك فلم يعرفوه، وقال: هو اسم محدث لم يكن آبائي القدماء يعرفون بهذا ولا أحسب إلا أن جدّ جدي القاضي أبا الفضل هبة الله بن أحمد بن يحيى بن زهير بن أبي جرادة- مع ثروة واسعة ونعمة شاملة- كان يكثر في شعره من ذكر العدم وشكوى الزمان فسمي بذلك، فإن لم يكن هذا سببه فلا أدري ما سببه. حدثني كمال الدين أبو القاسم قال حدثني جمال الدين أبو غانم محمد بن هبة الله بن محمد بن أبي جرادة عمي قال: لما ختمت القرآن قبّل والدي ﵀ بين عينيّ وبكى وقال: الحمد لله يا ولدي هذا الذي كنت أرجوه فيك، حدثني جدّك عن أبيه عن سلفه أنه ما منا أحد إلى زمن النبي ﷺ إلّا من ختم القرآن. قال المؤلف: وهذا منقبة جليلة لا أعرف لأحد من خلق الله شرواها، وسألت عنها قوما من أهل حلب فصدقوها. وقال لي زين الدين محمد بن عبد القاهر بن النصيبي: دع الماضي واستدلّ بالحاضر فإنني أعدّ لك كلّ من هو موجود في وقتنا هذا وهم خلق ليس فيهم أحد إلا وقد ختم القرآن، وجعل يتذكرهم واحدا واحدا فلم يخرم بواحد. حدثني كمال الدين أطال الله بقاءه قال: وكان عقب بني أبي جرادة من ساكني البصرة في محلّة بني عقيل بها، فكان أول من انتقل منهم عنها موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عامر أبي جرادة إلى حلب بعد المائتين للهجرة وكان وردها تاجرا.

стр. 2068

وحدثني قال حدثني عمي أبو غانم محمد بن هبة الله بن محمد بن أبي جرادة قال: سمعت والدي يذكر فيما يأثره عن سلفه أن جدنا قدم من البصرة في تجارة إلى الشام فاستوطن حلب. قال: وسمعت والدي يذكر أنه بلغه أنه وقع طاعون بالبصرة فخرج منها جماعة من بني عقيل وقدموا الشام فاستوطن جدنا حلب. قال: وكان لموسى من الولد محمد وهارون وعبد الله فأما محمد فله ولد اسمه عبد الله ولا أدري أعقب أم لا، وأما العقب الموجود الآن فلهارون وهو جدّنا، ولعبد الله وهم أعمامنا. فمن ولد عبد الله القاضي أبو طاهر عبد القاهر بن علي بن عبد الباقي بن محمد ابن عبد الله بن موسى بن أبي جرادة، وهو من سادات هذا البيت وأعيانهم، ومات في جمادى الأولى من سنة ثلاث وستين وأربعمائة، فقال القاضي أبو الفضل هبة الله بن أحمد بن أبي جرادة يرثيه، وكانت قد توفيت قبل وفاة والد القاضي أبي الفضل أخته بأيام قلائل فتوجع للماضين: صبرت لا عن رضى مني وإيثار ... وهل يردّ بكائي حتم أقدار أروم كفّ دموعي وهي في صبب ... وأبتغي برد قلبي وهو في نار ما لليالي تعرّي جانبي أبدا ... من أسرتي وأخلائي وأوزاري تلذّ طعم مصيباتي فأحسبها ... تظما فيروي صداها ماء أشفاري محاسن جدت للأرض الفضاء بها ... وطالما صنتها عن لحظ أبصار وواضح كسنا الاصباح أنقله ... من رأي عيني إلى سرّي واضماري إن الردى اقصدتني غير طائشة ... سهامها في فتى كالكوكب الواري رمته صائبة الأقدار من كثب ... وما رمت «١» عظم أقدار وأخطار وهي قصيدة غراء طويلة. ومنهم أبو المجد عبد الله بن محمد بن عبد الباقي بن محمد: شيخ فاضل أديب شاعر، له معرفة باللغة والعربية، سمع بحلب أستاذه أبا عبد الله الحسين بن عبد الواحد بن محمد بن عبد القادر القنسريني المقرىء مؤلف «كتاب التهذيب في اختلاف

стр. 2069

القراء السبعة» وسمعه ولده الشيخ أبو الحسن علي بن عبد الله، وله أشعار حسان منها: توسوس عن علّتيّ الزمان ... ففي كلّ يوم له معضله فلو جعلوا أمره ليلة ... إليّ لأصبح في سلسله ومات الشيخ أبو المجد بحلب في حدود سنة ثمانين وأربعمائة. ومنهم ولده الشيخ أبو الحسن علي بن عبد الله بن محمد بن أبي جرادة: صدر زمانه وفرد أوانه، ذو فنون من العلوم، وخطه مليح جدا على غاية من الرطوبة والحلاوة والصحة، وله شعر يكاد يختلط بالقلب ويسلب اللب لطافة ورقة، تصدّر بحلب لافادة العلوم الدينية والأدبية متفردا بذلك كله، ورتب «غريب الحديث» لأبي عبيد على حروف المعجم، رأيته بخطه، وشرع في شرح أبياته شروعا لم يقصر فيه، ظفرت منه بكراريس من مسوداته لأنه لم يتم. سمع بحلب والده أبا المجد وأبا الفتح عبد الله بن إسماعيل الحلي وأبا الفتيان محمد بن سلطان بن حيوس الشاعر وغيرهم، ورحل عن حلب قاصدا للحج في ثالث شعبان سنة ست عشرة وخمسمائة، ووصل إلى بغداد وسمع بها أبا محمد عبد الله بن علي المقرىء وغيره، ولم يتيسر للناس في هذا العام حجّ فعاد من بغداد إلى حلب، ثم سافر إلى الموصل بعد ذلك في سنة إحدى وثلاثين وسمع بها، وأدركه تاج الإسلام أبو سعد عبد الكريم بن محمد السمعاني فسمع منه بحلب هو وجماعة وافرة، وذكره السمعاني في «المذيل لتاريخ بغداد» . قال المؤلف: وقد ذكرته في هذا الكتاب في موضعه «١» بما ذكره السمعاني به. حدثني كمال الدين قال سمعت والدي ﵀ يقول: كتب الشيخ أبو الحسن ابن أبي جرادة بخطه ثلاث خزائن من الكتب لنفسه، وخزانة لابنه أبي البركات، وخزانة لابنه أبي عبد الله، ومن شعره (أنبأنا به تاج الدين زيد بن الحسن الكندي) من قصيدة يصف فيها طول الليل: فؤاد بالأحبّة مستطار ... وقلب لا يقرّ له قرار وما أنفكّ من هجر وصدّ ... وعتب لا يقوم له اعتذار

стр. 2070

وعين دمعها جمّ غزير ... ولكن نومها نزر غرار كأن جفونها عند التلاقي ... تلاقيها الأسنة والشفار وهذا حالها وهم حلول ... فكيف بها إذا خلت الديار أبيت الليل مرتفقا كئيبا ... لهمّ في الضلوع له أوار كأن كواكب الفلك اعتراها ... فتور أو تخوّنها المدار منها: فيا لك ليلة طالت ودامت ... فليس لصبحها عنها انسفار أسائلها لأبلغ منتهاها ... لعلّ الهم يذهبه النهار ومات الشيخ أبو الحسن في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة عن ثماني وثمانين سنة. ومنهم ولده أبو علي الحسن بن علي بن عبد الله بن محمد بن أبي جرادة: وكان فاضلا كاتبا شاعرا أديبا، يكتب النسخ طريقة أبي عبد الله ابن مقلة، والرقاع طريقة علي بن هلال، وخطه حلو جيد جدا خال من التكلف والتعسف، سمع أباه بحلب، وكتب عنه السمعاني عند قدومه حلب، وسار في حياة أبيه إلى الديار المصرية واتصل بالعادل أمير الجيوش وزير المصريين وأنس به، ثم نفق بعده على الصالح بن رزيك، وخدمه في ديوان الجيش، ولم يزل بمصر إلى ان مات بها في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، ومن شعره في صدر كتاب كتبه إلى أخيه عبد القاهر في سنة ست وأربعين وخمسمائة: سرى من أقاصي الشام يسألني عنّي ... خيال إذا ما زار يسلبني منّي تركت له قلبي وجسمي كليهما ... ولم يرض إلا أن يعرّس في جفني وإني ليدنيني اشتياقي إليكم ... ووجدي بكم لو أنّ وجد الفتى يدني وأبعث آمالي فترجع حسّرا ... وقوفا على ضنّ من الوصل أو ظن فليت الصبا تسري بمكنون سرنا ... فتخبرني عنكم وتخبركم عني وليت الليالي الخاليات عوائد ... علينا فنعتاض السرور من الحزن
следующие страницы →