← Сира

Сира · id 9789

تثبيت دلائل النبوة

القاضى عبد الجبار

Полный текст (708 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

عصره: أليس انما يعرف الاخبار من تأخر عمن تقدم؟ فقال: بلى، قالوا له: أليس اليهود الذين كانوا مع محمد ﷺ وفي زمانه قد علموا ان موسى قد قال إن شريعته مؤبدة؟ فقال بلى: فقيل له: فلم لم يقولوا لمحمد انت قد زكيت موسى وصدقته ووثقته وهو قد قال ووصى بأن شريعته مؤبدة؟ وفي هذا كفاية في كذبك وبطلان قولك، وهذا امر ظاهر بيّن يستدركه رعن النساء فضلا عن عقلاء الرجال، فأين كانوا عنه وقد خرجوا معه وفي عداوته الى شدائد الامور، من شتمه وهجوه والغدر به ومساعدة قريش في محاربته وبذل الاموال والمهج في مكارهه؟ فقال: قد قالوا ذلك له وأقاموا الحجة به عليه، فقيل له: من اين لك العلم بهذه الدعوى؟ فقال: قد علمت ذلك، فقيل له: فلم لم يعلمه خصومك كما علمته؟ فقال: مجّته الاسماع، فقيل له: ما تزيد على الدعاوى: فإنك ادعيت ان ذلك قد كان، فقيل لك من اين لك العلم به ولم لا علمه خصومك؟ فادعيت ان الاسماع مجّته، فانتقلت من الدعوى الى دعوى، وقرنت الدعوى بدعوى، ولا فرق بين دعواك هذه وبين دعوى من ادعى ان اليهود حين قالوا هذا له أحيا الله موسى وهرون وأظهر على ايديهما الآيات والمعجزات فكاشفا محمدا وشافهاه وأقاما الحجة عليه بمشهد من اليهود ومن اصحابه، وان ذلك قد كان وعلم ولكن مجّته الاسماع، فما اتى بشيء. واعلم ان اقوى حجج اليهود هو دعواهم ان موسى نص على ذلك ووصى به وقد مر/ لك الكلام عليه من غير وجه فما يحتاج في الرد على اليهود اكثر منه. فإن قيل: فأنتم قد طالبتم هذه الطوائف التي ادعت هذه الدعاوى وادعت العلم بها، فقلتم لليهود والنصارى: لو كان علمكم بالصلب لهذا الشخص

стр. 142

قد حصل لكم بإخبار جماعات كثيرة شاهدت ذلك لعلمنا ذلك بخبركم وبسماعنا منكم كما علمتم بإخبارنا لكم قتل جعفر وحمزة وعمر وعثمان وعلي ﵃، وقلتم: لو نصّ موسى النص الذي تدعونه وكنتم قد علمتم ذلك بإخبار الجماعات لكم لعلمنا ذلك بخبركم كما علمتم بإخبارنا اياكم عن نبينا ان شريعته مؤبدة. وقلتم للامامية وطبقات الرافضة: لو كان النبي نص على ما تدعون ووصى امته بذلك وفرضه عليهم، وكان اعتقادكم لذلك علما حصل لكم من قبل الجماعات التي اخبرتكم بذلك، لعلمنا ذلك باخباركم إيانا وسماعنا منكم كما علمتم وعلمنا نص عمر على اهل الشورى، وكما علمتم وعلمنا نص اهل المدينة على الامام علي رضى الله عنه بالخلافة بعد عثمان، وكما علمتم وعلمنا نص ابي بكر على عمر، ونصّ معاوية على يزيد، ونص عبد الملك على الوليد، ونص المنصور على المهدي، فلم لا علم اليهود والنصارى والرافضة ان هذه الامور لم تكن كما علمتم. قيل له: لو كانت، لجاءت مجيء امثالها مما ذكرناه وتحصّل العلم بها لنا كحصوله في تلك الأمور، وإنما يعلم ان ذلك لم يكن بما يستدل به كما استدللنا، ومن لم يستدل جاز ان يعتقد ان ذلك قد كان وإن لم يكن لتركه النظر والاستدلال، ويكون اعتقاده لذلك ليس بعلم وخبره ليس بصدق وإن ظنه علما وصدقا. ولسنا ندّعي على هذه الطوائف انها كلها/ قد علمت وكابرت، وهذا يكون الاصل فيه ان يخبر به الواحد والاثنان او النفر القليل، فيقولون: أخذنا هذا عن جماعات كثيرة فيصدقهم من سمعهم وبحسن الظن بهم، ويأتي «١» من بعد هؤلاء فيصدقهم، ويكثر من يعتقد ذلك، ويقول: من

стр. 143

قبلي قد اخذ هذا عن جماعات، فتكثر اهل هذه الدعاوى بعد ذلك ويغترون بكثرتهم. وربما كان اصل المقالة تأويل آية من كتاب او من قول من يقتدى به فيعتقد التالي له انه نص فيقول: قد نص موسى او عيسى او محمد صلى الله عليهم على كذا في آية كذا في يوم كذا ويذكر ذلك القول. وذاك القائل ما اراد بقوله ما أراده هذا المتأول ولا قصد قصده. مثل ما اولت القرامطة في قوله ﵎ «وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً «١» » قالوا: فقد أخبر أن من دخل مكة يأمن من القتل والخوف ونحن نرى الناس فيه يخافون ويقتلون، فقد ظهر كذبه، فإنا قد قتلنا المسلمين فيه، ولكن اتباع محمد ﷺ حمير لا يعقلون «٢» . والله ﵎ ما اراد ما ظنوا، ولا هذا خبر وإن كان لفظه لفظ الخبر، وإنما هو امر بأن من دخله فينبغي ان يؤمن ولا يخاف ولا يحل لأحد ان يخيفه. وهذا مثل قوله «وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ «٣» » وما اشبهه، فإن ظاهر هذا الخبر ومعناه الامر، أي يجب على المطلقة ان تتربص، وعلى الوالدة ان ترضع. ولكن الباطنية يقصدون البوادي والعجم ومن لم يشتغل بالعلم فيخدعونه بأنواع الخدائع، ويحلفونهم على كتمان ما يسمعون، فيغترون بهم. وهم افسدوا من بالبحرين، وكان ابتداء امرهم معهم التشيع، ثم رقوهم درجات الى ان جاؤوهم وجاهروهم/ بتكذيب الانبياء، فصار بتلك النواحي عداوة الاسلام مناكدة الى هذه الغاية. ولإفراط جهل هؤلاء ما تم عليهم، وإلا ففي نصّ القرآن جواز القتل

стр. 144

في المسجد الحرام. أما تسمع قوله «وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ» «١» فأي شأن أبين من هذا. ومثله قوله : «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ» «٢» وقد قتل قوم ممن آمن بالنبي ﷺ قبل الهجرة وقتل فيه منهم قبل الفتح، وقد قتل هو ﷺ يوم الفتح فيه قوما، والأمر في ذلك ظاهر، ولا يذهب مثل هذا إلا على الغاية في الغافلة. فإن كان الامر على ما ظنه هؤلاء الجهال، فكيف لم تقل قريش والعرب واليهود والنصارى وأعداء رسول الله الذين كانوا معه وهم في طلب عثرة تكون له مثل ما قاله هؤلاء الجهال وأنكروا عليه ذلك. ومما قاله هؤلاء الزنادقة ايضا: أن محمدا قد رجع عما كان يدّعيه من اليقين في امره وأظهر الشك بقوله في كتابه: «وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ» «٣» وقال: «فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ» «٤» . فقيل لهم: إن كان أفاد بهذا الذي ظننتم، فلم لا كان أعداؤه من قريش والأعراب واليهود والنصارى انكروا ما انكرتم؟. وكذا نقول لمن قال: إن اصحاب محمد صلى الله عليهم وسلم ارتد وابعده، فقيل له: من أين لك هذا؟ قال من نصّ القرآن لأنه قال: «أَفَإِنْ ماتَ

стр. 145

أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ» «١» ، فيقال له: انت اسوأ حالا في هذا من اولئك، لأن هذا ليس بخبر ولا ظاهره الخبر، وانما ظاهره الاستفهام، والله لا يستفهم لأنه بكل شيء عليم، وانما المراد به التثبيت والتنبيه كما قال: «وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ» «٢» اي لا يخالدون ولا ينبغي/ لهم الخلود، وكذلك اولئك لا يرتدون ولا ينبغي لهم ان يرتدوا. ولما قال بعض المبتدعة بالتشبيه، وتأولوا النصوص قلنا لهم هذا. وقد كثرت البدع والكذب على الانبياء بما لم يقولوه ولا أرادوه، ويدعون المبتدعة أن لهم سلفا امثالهم حتى يتصلوا بالانبياء فتغرهم كثرتهم وتغرهم زعماؤهم. على ان النصارى لو رجعت الى أخبارها والى ما في أناجيلها الأربعة لعلمت أن المقتول المصلوب غير المسح، اذا كانت هذه الأناجيل معولهم. لأنهم لما انتهوا الى ذكر المقتول المصلوب والصلبوت قالوا: إن اليهود «٣» قصدوا في خميس الفسح الى هيريدس صاحب فيلاطس ملك الروم، وقالوا: هاهنا رجل منا قد أفسد أحداثنا وغرّهم ولنا عليك في الشرط ان تمكننا ممن هذه سبيله لننفذ حكمنا فيه؛ فقال لأعوانه: اذهبوا مع هؤلاء فهاتوا خصمهم، فخرج الاعوان مع اليهود فصاروا بباب هذا السلطان، فأقبل اليهود على الأعوان فقالوا لهم: هل تعرفون خصمنا فقالوا: لا، فقال اليهود

стр. 146

ولا نحن نعرفه، ولكن امشوا معنا فإنا لا نعدم من يدلنا عليه. فمشوا، فلقيهم يهوذا سرخوطا وكان احد خواص المسيح وثقاته وكبار اصحابه واحد الإثني عشر، فقال لهم: أتطلبون يسوع الناصري قالوا: نعم، قال: فمالي عليكم إن انا دللتكم عليه؟ فحلّ بعض اليهود عن دراهم كانت معه فعد ثلاثين درهما وسلمها اليه وقال: هذه لك. فقال لهم: هو كما قد علمتم صديقي وأستحي ان اقول هذا هو، ولكن كونوا معي وانظروا الى الذي اصافحه وأقبّل رأسه، فاذا أرسلت يدي من يده فخذوه. فساروا معه وقد كثر الناس ببيت المقدس واجتمعوا اليه لإقامة هذا العيد من كل مكان فصافح يهوذا سرخوطا رجلا وقبّل رأسه/ وأرسل يده من يده وغاص في الناس، فأخذه اليهود والاعوان، فقال المأخوذ: ما لكم ولي؟ وجزع جزعا شديدا؛ فقالوا له: السلطان يريدك، فقال: مالي وللسلطان؟ فجاؤا به فأدخلوه على هيريدس وقد طار عقله خوفا وجزعا وهو يبكي فما يملك نفسه، فرجمه هيريدس لما رأى به من الخوف، فقال لهم: خلوا عنه، واستدناه واقعده وبسطه وسكّن منه وقال له: ما تقول فيما يدّعي هؤلاء عليك من انك المسيح ملك بني اسرائيل، هل قلت هذا او دعوت اليه؟ فأنكر ان يكون قال هذا او ادعاه ومع هذا فما يسكن قلقه، وهيريدس يسكّنه ويقول له: اذكر ما عندك [من حجة «١» ] إن كان لك، فلا يزيد على إنكاره وانه لا يقول ذلك، وانهم هم الذين يقولون ذلك لا هو، وانهم قد ظلموه بهذه الدعوى وتقوّلوا عليه، فقال هيريدس لليهود: ما أراه

стр. 147

يوافقكم ولا يقول ما تدعونه وما أراكم إلا متقولين عليه ظالمين له، هاتم الطست والماء لأغسل يدي من دم هذا الرجل. ووجه فيلاطس ملك الروم الكبير الى هيريدس يقول له: بلغني ان اليهود رفعوا اليك خصما لهم فيه أرب ومعرفة فأنفذه الي لأفاتحه وأنظر ما عنده، فأنفذه اليه؛ فأدخل على فيلاطس وهو في حالة من الجزع والخوف والفلق، فسكّنه الملك وسأله عما ادعاه عليه اليهود من انه المسيح، فأنكر ان يكون فال ذلك ولم يزل يسائله ويباسطه ليذكر ما عنده وما معه وليسمع منه حكمة او يستفيد منه أدبا او وصية فما وجد عنده شيئا، ولا زاده على القلق والخوف والجزع والبكاء والانتحاب فرده الى هيريدس وقال له: ما وجدت في هذا الرجل ما قيل فيه وما عنده خير، ونسبه الى النقص/ والغباء، فقال هيريدس: الآن هو الليل فاذهبوا به الى الحبس، فذهبوا به. فلما كان من الغد بكر اليهود وأخذوه وشهروه تلك الشهرة، وعذّبوه ونالوه بأنواع العذاب، ثم ضربوه في آخر النهار بالسوط، وجاؤوا به الى مبطخة ومبقلة «١» وصلبوه وطعنوه بالرماح ليموت بسرعة، وما زال يصيح بأعلى صوته وهو مصلوب على خشبة: يا إلهي اخذلتني؟ يا إلهي لم تركتني؟ الى ان مات. وان يهوذا سرخوطا لقي اليهود وقال لهم: ماذا صنعتم بالرجل الذي اخذتموه امس؟ قالوا: صلبناه، فتعجب من هذا واستبعده، فقالوا له: قد فعلنا، وإن اردت ان تعلم ذلك فصر الى المبطخة الفلانية، فصار الى هناك، فلما رآه قال: هذا دم بريء، هذا دم زكيّ، وشتم اليهود، وأخرج الثلاثين درهما الذي اعطوه دلالة فرمى بها في وجوههم وصار الى بيته

стр. 148

فخنق نفسه «١» .

стр. 149

فانظر كم في هذا من عجب: منها إقرار اليهود والروم انهم ما عرفوه، واخرى ان الذي دلّ عليه لو كان ظاهر العدالة لما عرف بخبره ولا بشهادته شيء، واخرى جزعه وقلقه وإنكاره، ولو كان هو المسيح لأخبر بذلك ولقال: انا هو الذي بشّر بي الانبياء، وانني كذا وكذا، سيما والحاكم بينه وبين اليهود ملك الروم وهم اعداء اليهود، وكان قد اقام الحجة عليهم، هذا لو كان نبيا «١» ، فكيف وهو عند النصارى إله، فإن الانبياء يبدؤون الدعوى والحجة عند من لم يسأل ذلك فكيف بمن يسأل ويرغب اليهم. وأخرى ان يهوذا سرخوطا قال: هذا دم بريء، وبرىء منهم ورد الدراهم ورجع الى بيته وقتل نفسه ندما على ما كان منه. فقلنا للنصارى: فكم في هذا من دلالة على ان المقتول المصلوب غير المسيح، فأنتم لا الى/ حجج العقول ترجعون، ولا الى ما كتبتم وسطرتم تتدبرون، ولا على ما نعلم تعولون، ولكنكم تمشون مكبّين على وجوهكم. وفي الانجيل معهم ان المسيح اخذ صندوقا يخزن فيه الذهب والفضة وكان خازنه يهوذا سرخوطا الساعي به، وان امرأة زانية اهدت اليه طيبا

стр. 150

قيمته ثلثمائة دينار، وجعلت تمسح به قدميه وتمسح شعرها بأسفل قدميه، وان شمعن جاء وأنكر ذلك عليه، وقال: هذا سرف وفساد، وكان ينبغي ان تتصدق بثمن هذا على الفقراء «١» . ولهذا ما قالت طائفة من اليهود ان يسوع «٢» بن مريم هذا الذي يعتقد المسلمون والنصارى ربوبيته الذي صلب وقتل هو ابن يوسف النجار، وهو رجل من اليهود برّ تقيّ صارت له رئاسة في اليهود، فحسده بعضهم للرئاسة وسعى به وأذلّه الى ان قتل مصلوبا. وهو ما ادّعى ما يقوله النصارى ولا ما يقوله المسلمون من انه المسيح وانه نبي. قالوا ألا ترون انه قد سئل عن ذلك عند هيريدس وعند فيلاطس وأنكر ذلك كله، ولو كان نبيا لاحتج بحجة وآيات، والبشارات به وأنه مولود من غير ذكر. قالوا: ومما يؤكد هذا، ان النصارى قد كتبت في اناجيلهم ان يسوع هذا قال لأصحابه: ما يقول الناس فيّ؟ قالوا: منهم من يقول: إنك إليّا ومنهم من يقول: انك يوحنا الصائغ، قال: فأنتم اصحابي ما تقولون فيّ ومن انا عندكم؟ قالوا: الذي عندنا انك المسيح، قال: لا تقولوا هذا. قالت هذه الطائفة من اليهود: أما ترونه قد نهاهم ان يقولوا «٣» انه المسيح، فما الذي يبقي بعد هذا من البيان. قالوا: وقد خاصمه اليهود ثلاث سنين، ورفعوه الى الملوك فما حصل عليه إقرار انه ادّعى انه المسيح

стр. 151

ولا انه نبيّ، ولا شهد عليه بذلك وليّه/ ولا عدوّه. والآيات والمعجزات التي تدعيها النصارى له لا أصل لها ما ادعاها هو ولا احد من اصحابه في زمانه ولا في الفرق الذين يلونهم، وإنما ادعي له ذلك بعد مضيه ومضيّ أصحابه بالأزمان والأحقاب، كما ادعت النصارى ذلك لبولص اليهودي «١» وهو معروف الحال والحيل والكذب والسقوط، وكما ادّعوا ذلك لجورجس «٢» والابامرقس «٣» ، وكما يدّعونه في كل زمان لرهبانهم ورواهبهم وكله لا أصل له. فاحفظ رحمك الله هذا فانه يؤكد الحال في ان المسيح لم يصلب، وأن المصلوب غيره صلى الله عليه، وهو شديد على النصارى من كل وجه. وفي الانجيل ان المسيح كان قائما في ناحية في موضع الصلب، وأن مريم ام المسيح جاءت الى الموضع فنظر اليها المصلوب فقال لها وهو على الخشبة: هذا ابنك، وقال للمسيح: وهذه امك، وأن مريم اخذت بيده ومضت من بين الجماعة «٤» . وفي الانجيل ايضا ان المسيح مات من غير ان يمسه شيء، وفيه ان امرأة سامرية قالت للمسيح: انت رجل يهودي ونحن لا نسقي اليهود الماء، فقال

стр. 152

لها: صدقت ايها المرأة في جميع ما قلت. وفيه أن المسيح قال لأصحابه: إن الكهنة والربانيين جلسوا على كرسي موسى وهم يفتونكم فاقبلوا منهم فتياهم ولا تعملوا مثل أعمالهم، فإنهم يقولون وما يعملون. وفيه ان مريم المجدلانية ومريم الاخرى إنما امتنعتا من بعثة الطيب لسيدنا المسيح يوم السبت للسّنة في حفظ السبت. وفيه ان المسيح قال: شبهت جلوس هذه القبيلة السوء بصبيان جلوس في السوق يناديهم اصحابهم: غنينا لكم فلم ترقصوا ونحنا لكم فلم تبكوا، اتاكم يحيى لا يأكل ولا يشرب/ فقلتم: لا يأكل ولا يشرب، وأتاكم من البشر اكول شروب فقلتم: اكول شروب يدخل بيوت الزناة ويجالس الخطائين. وفيه انه مرّ «١» على شمعون الصفا فقال له: يا شيطان. وفيه أنه قال لبني إسرائيل: يا حيّات، اولاد الافاعي، تقرؤون الكتاب ولا تعقلون، تغسلون خارج الإناء وداخله مملوءة قذرا، تطلبون البر والبحر والسهل والجبل صاحبا لكم، فلو أوجدتموه علّمتموه طرائقكم حتى يصير شرا منكم، فلا أنتم دخلتم ملكوت السماء، ولا تركتم الناس يدخلون ملكوت السماء اذ لم تدخلوا. فإن قال قائل: لعمري قد تبيّن ان النصارى قد قالت في عيسى بن مريم ﵇: انه ليس بنبي ولا رسول لله ولا بعبد صالح، وانه إله

стр. 153

ورب وخالق ورازق، وان الله ثالث ثلاثة، وانه قتل وصلب. وقد قال صاحبكم في كتابكم: «أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ» «١» فقالت النصارى: فهذا كذب، فانا وإن قلنا فيه انه إله فما قلنا في امه انها إله. قيل له: ما خبر عنهم انهم قالوا ذلك، وما هاهنا خبر فيقع فيه صدق او كذب، وإنما قال «أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ» وليس هذا خبرا، ولا من لا يعرف من العربية قليلا ولا كثيرا، وإنما ظاهر هذا القول الاستفهام والاستعلام، والله جل ثناؤه لا يجوز عليه ذلك، لأنه إنما يستعلم ويستفهم من لا يعلم ما استفهم وسأل عنه، وإنما معناه التقرير لاستخراج الجواب من المسؤول. وهذا كقوله لموسى صلى الله عليه: «وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى» «٢» وهو اعلم بذلك من موسى. ولقوله لإبليس: «ما مَنَعَكَ/ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ» «٣» واذ أمرك، وهو اعلم من إبليس بالمانع له فقال للمسيح: هل قلت هذا في نفسك او في امك الوالدة لك وهي اخص الناس بك وأوجبهم حقا عليك وأجلهم عندك، لتتبين براءة ساحته ﵇ من كل وجه. فقد بطل ما ظنه السائل من ان هذا خبر وهذا جواب شاف كاف. وأيضا ففي النصارى من قد قال بمعنى هذا وان لم يصرح بلفظه، لأنهم قالوا إن مريم صفت حين قبلت الجوهر الإلهي وولدته، وكل جوهر لا يقبل

стр. 154

إلا ما في جوهره وسنخه «١» ولا يلد إلا ما في جوهره، وهذا جواب ثان بين نيران فيهم من قد صرح بذلك. وهذا بين في كتب البيعة الموجودة بكور الاهواز وغيرها من كور العراق بالقلم السرياني، وقد ترجم منه في رسالة كتبها عبد يسوع بن بهرين اسقف حران والرقة والمصيّر بعد ذلك مطرانا على الموصل والجزيرة الى قس يعقوبي يقال له بادوس: انت لا تنكر ان البتول الطاهرة إله كما تراه انت، بل إنسان كما نراه نحن» . وهذا تصريح من هؤلاء بأن مريم إله والنسطورية تخالفهم في ذلك وتجادلهم، وهذا بيّن وانما ينكره من لا يعرف أقاويل النصارى وحقيقة النصرانية. وعلى ان هذه الطوائف الثلاث منهم من يقول في مريم انها ام المسيح بن الله في الحقيقة ووالدته في الحقيقة، لا ام لابن الله الالهي، ولا والدة لابن الله غيرها، ولا أب لابنها إلا الله، ولا والد لابنها إلا الله، وان الله اختارها لنفسه ولولادة ولده وابنه من سائر النساء، ولو كانت كسائر النساء/ لما ولدت إلا عن وطء الرجال لها، وانما اختصت بهذا لأنها حبلت بابن الله وولدت ابن الله الذي لا ابن له في الحقيقة إلا هو ولا ولد له إلا هو، وأنها على العرش جالسة عن يسار الرب والد ابنها، وابنها عن يمينه. وهم يدعونها ويسألونها سعة الرزق وصحة البدن وطول العمر وغفران الذنوب، وان تكون لهم عند ابنها ووالد ابنها سورا وسندا وذخرا وشفيعا وركنا. فلو ان انسانا عظّم انسانا عشر هذا التعظيم وقال فيه عشر هذا القول لجاز في

стр. 155

لغة العرب بل في كل لغة ان يقال قد اتخذه إلها. ألا ترى الى قول الله تعالى «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ «١» » وهم ما صاموا لهم ولا صلوا ولكن قلدوهم، فحرموا عليهم الحلال فحرموه، وأحلوا لهم الحرام فاستحلوه، وهذا دون ما قالوه في مريم. وفي هذا المعنى قوله ﷺ : «تعس عبد الدنيا وتعس عبد الدرهم تعس عبد الخميصة «٢» » لما غلب عليه حب ذلك وشغفه به صار كالعبد له، فلو لم يكن معنا تلك النصوص فيمن قال منهم إنها إله فكان معنا خبر ونص أنهم ما قالوا انها إله لجاز مع هذا التعظم ان يطلق، فكيف وما اخبر انهم ما قالوا انها إله، ولقد عظموها ورفعوها على الملائكة والأنبياء وقالوا فيها ما يقال في الإله، وسألوها ما يسأل الإله من العافية والكفاية في الدنيا والآخرة كما قد تقدم لك ذلك حتى ان اليعقوبية لتقول في مناجاتها لمريم ﵇: يا مريم يا والدة المسيح كوني لنا سورا وسندا وذخرا وركنا، والنسطورية تقول: يا والدة المسيح كوني لنا كذلك، ويأنون مسألة اليعقوبية ويقولون لليعقوبية: لا تقولوا/ يا والدة الله وقولوا يا والدة المسيح، فتقول اليعقوبية لهم: فالمسيح عندنا وعندكم إله في الحقيقة فأي فرق بيننا وبينكم في معنى هذا، ولكنكم أردتم ان تمخرقوا عند من لا يعرف هذا من قولنا وقولكم فتوهمونه انكم تتنزهون عن هذا وأنكم تقاربون المسلمين في التوحيد. واعلم ان أفجاج النصارى يعتقدون ان الله اختار مريم لنفسه ولولده

стр. 156

وتحظّاها كما يختار الرجل المرأة ويتحظاها لشهوته لها، وقد حكاه النظّام والجاحظ، وقال: إنما يفصحون بهذا عند من يثقون به. وقد قال ابن الأخشيد هذا عنهم في «المعونة» وقال: اليه يشيرون، ألا ترى انهم يقولون لو لم يكن والدا لكان عقيما والعقم آفة، وهذا قول جميعهم والى البضاع يشيرون. وانت تجد ذلك في كتاب «المعونة» «١» وفي كتاب الجاحظ على النصارى، وأظن ابا جعفر الإسكافي قد ذكر هذا في كتابه على النصارى، وكل من خالط الرهبان وأرباب البيع وطاولهم وأنسهم عرف ذلك منهم. فإن قال قائل: ادعيتم ان هذه الطوائف قد خالفت المسيح في الأصول والفروع وقد عرفنا بما ذكرتم مخالفتهم له في الاصول فمن اين لكم انهم قد خالفوه في الفروع؟ قيل له: كان المسيح يتدين بالطهارة، وبغسل الجنابة، وبوجوب غسل الحائض، وهذه الطوائف لا تختلف بأن ذلك ليس بواجب، وان للانسان ان يصلي وهو غير مطهر وغير مستنج، ويصلي وهو جنب، ولا يختلفون في ان الجنابة والبول والغائط وغير ذلك لا يقطع الصلاة، وان المصلي له ان يصلي وهو يبول وهو يتغوط وهو يجامع وان كان الجماع في زنى، فما هذا شيء يقطع الصلاة ولا يفسدها/ بل الافضل عندهم ان يصلي وهو جنب وهو يتغوط ويبول ويضرط، لأن ذلك ابعد من صلاة المسلمين واليهود، وكل هذا خلاف صلاة المسيح. وكان المسيح يقرأ في صلاته ما كان الانبياء وبنو اسرائيل قبله وفي زمانه، وفي زمانه يقرؤون من كلام الله ومن قول الله من التوراة ومن زبور داود،

стр. 157

وهذه الطوائف من النصارى انما تقول في صلاتها كلاما قد لحنه لهم الذين يتقدمون ويصلون بهم، فجرى مجرى النوح والأغاني فيقولون: هذا قداس فلان، ينسبونه الى الذين وضعوه. وهم يصلّون الى المشرق وما صلى المسيح الى ان توفاه الله إلا الى المغرب وبيت المقدس، وقبله داود والانبياء «١» بنو اسرائيل، وقد اختتن المسيح واوجب الختان كما اوجبه من قبله موسى وهارون والانبياء، وما صام هو واصحابه الى ان خرج من الدنيا الا اليوم الذي صامه بنو اسرائيل. فأما هذه الخمسون يوما التي تصومها النصارى، وصوم نينوي، وصوم العذارى، فما صام شيئا منها قط، ولا اكل في الصوم ما يأكلونه، ولا حرّم فيه ما يحرمونه، ولا اتخذ يوم الاحد عيدا قط، ولا بنى بيعة قط، ولا عطل يوم السبت ساعة واحدة، ولا اكل خنزيرا قط بل حرمه ولعن أكلته كما فعل الانبياء قبله. والنصارى تزعم انه رقى مريم المجدلانية فأخرج منها سبع شياطين، وان الشياطين قالت له: اين نأوي؟ فقال لها: اسلكي هذه الدابة النجسة، يعني الخنازير. وحرّم ذبائح من ليس من اهل الكتاب وحرم مناكحتهم، وسار في المناكح والطلاق والمواريث والحدود سيرة الانبياء قبله، وليس عند هؤلاء النصارى على من زنى او لاط او افترى او سكر حدّ البتة ولا عذاب في الدنيا ولا في الآخرة/. وفي الجملة إن المسيح جاء لإحياء التوراة وإقامتها، وقال: إنما جئتكم

стр. 158

لأعمل بالتوراة وبوصايا الانبياء قبلي، وما جئت ناقضا بل متمما، ولأن تقع السماء على الارض ايسر عند الله من ان تنقض شيئا من شريعة موسى، ومن نقض شيئا من ذلك يدعى ناقصا في ملكوت السماء. وما زال هو وأصحابه كذلك الى ان خرج من الدنيا وقال لأصحابه اعملوا كما رأيتموني اعمل ووصوا الناس بما وصيتكم به، وكونوا معهم كما كنت معكم، وكونوا لهم كما كنت لكم. وما زال اصحابه بعده على ذلك وكذلك، ثم الذين بعد القرن الاول من اصحابه، ثم من بعدهم بالدهر الطويل. ثم اخذوا في التغيير والتبديل، والبدع في الدين، وطلب الرئاسة، والتقرب الى الناس بما يهوون، ومكايدة اليهود وشفاء الغيظ منهم وإن كان فيه ترك الدين. وهذا بين في الاناجيل التي معهم وإليها يرجعون، وفي كتابهم المعروف بكتاب افراسكس «١» ، فان فيه ان قوما من النصارى خرجوا من بيت المقدس وأتوا انطاكية وغيرها من الشام؛ فدعوا الناس الى سنة التوراة، والى تحريم ذبائح من ليس من أهلها، والى الختان، والى اقامة السبت، والى تحريم الخنزير، والى ما حرمته التوراة. وان ذلك شق على الامم واستثقلوه، فاجتمع النصارى ببيت المقدس، وتشاوروا فيما يحتالون به على الامم ليجيبونهم ويطيعونهم، فأوجب رأيهم مداخلة الامم والترخص لهم والانحطاط في اهوائهم، وترك مخالفتهم، والاختلاط بهم، والأكل من ذبائحهم، والتخلق بأخلاقهم، وتصويبهم فيما هم عليه. وانشؤوا في ذلك كتابا. وقد قال بولس في الكتاب الذي يسمونه السليح: انا قلت لهم الى كم تهودون الناس؟ وقال في السليحين: كنت مع اليهودي يهوديا ومع الرومي روميا،

стр. 159

ومع الارمائي ارمائيا «١» . وبولس هذا عندهم اجلّ من موسى وهارون وداود وجميع الانبياء، وإذا قرئت رسائله وكلامه في البيعة قاموا قياما اعظاما واجلالا له ولكلامه؛ ولا يفعلون ذلك بالتوراة التي هي عندهم كلام المسيح وهو كتبها لموسى وأرسله الى خلقه وخلق له البحر وقلب له العصا حية، ولا في الاناجيل وفيها كلام المسيح. وهو يقول لليهود: التوراة سنة حسنة لمن عمل بها، ويقول للروم وغيرهم من اعداء موسى والأنبياء: التوراة مهبجة للبشر، وإذا وضع عن الناس شرائع التوراة فقد كمل بر الله وتمّ فضله، هذا كله مع النصارى وأعظم منه وأفحش. وقد عملوا عمل المسيح بالتوراة ووصيته الناس بالعمل بها. انظر كيف ينسلخ الناس من العمل بشرائع الانبياء الذين يدعون انهم عليها ويخرجون منها، واعتبر وكن على حذر، فقد بدت هذه السيرة في هذه الأمة، فكم فيهم ممن قد عطل وصايا النبي ﷺ ونبذ سنته وهجر كتابه لأنه زعم انه مغير مبدل، وآخر يقول له باطن غير ما عليه الفقهاء والعلماء، الى غير ذلك من انواع البدع التي قد نشأت في الاسلام وغلب اهلها بالكثرة اهل الحق فيبدعونهم ويسبونهم وينفروا عنهم، وهكذا تتغيّر ملل الانبياء ﵈ ويموت العلم، كما قال رسول الله ﷺ : إن الله لا يقبض العلم انتزاعا من صدور الرجال، ولكن يموت العلم بموت العلماء، فاذا ماتوا اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» «٢» . / ثم

стр. 160

المستأكلة ومن تكسب بالدين، وقد قال الله : «يا ايها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون اموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله» فهؤلاء العباد وهؤلاء العلماء وقد عرفك الله حال كثير منهم، فكيف بمن ليس بعالم ولا عابد. فاحذر كما حذرك الله، واقبل وصية رسول الله ﵇. واعلم ان دين المسيح وديانات الرسل ﵈ لم تتغير ولم تتبدل جملة واحدة ولكن شيئا بعد شيء، وفي كل عصر وفي كل حين حتى تكامل تغيرها، وما زال اهل الحق فيها يقلون وأهل الباطل يكثرون حتى غلبوا ومات بهم الحق. فكان اصحاب المسيح بعده مع اليهود وبني اسرائيل في كنائسهم يقيمون صلاتهم وأعيادهم في مكان واحد وبينهم الخلاف في شأن المسيح، وكانت الروم تملكهم، وكانت النصارى تشكو اليهود الى ملوك الروم، وتبدي لهم الضعف الذي فيهم وتسترحمهم فيرحمونهم، وكثر هذا فكانت الروم تقول لهم: بيننا وبين اليهود عهد ان لا نغير اديانهم، فلو خرجتم من أديانهم وفارقتموهم وصليتم الى المشرق كما نصلي وأكلتم ما نأكل واستبحتم مما نبيح نصرناكم وأعززناكم، ولم يكن لليهود عليكم سبيل بل صرتم اعز منهم. قالوا: نفعل. قالوا فاذهبوا فهاتوا اصحابكم وهاتوا كتابكم. فجاؤا بأصحابهم فأخبروهم بما كان بينهم وبين الروم، وقالوا لهم هاتوا الانجيل وقوموا حتى نصير اليهم، فقال اولئك لهم: بئس ما صنعتم ولا يحل لنا ان نمكن الروم الانجاس من الانجيل وقد خرجتم انتم من الدين/ بإجايتكم الروم، ولا يحل لنا مخالطتكم، بل وجبت البراءة منكم ومنعكم من الانجيل والوصول اليه.

стр. 161

فوقع بينهم الخلاف الشديد. وعادوا اولئك الى الروم وقالوا لهم: أعدونا «١» على اصحابنا هؤلاء قبل اليهود، وخذوا لنا منهم كتابنا، فاستتر اولئك من الروم وفروا في البلاد. فكتب الروم فيهم الى عمالهم بنواحي الموصل وبجزيرة العرب. فطلبوا، فوقع منهم قوم فأحرقوا وقوم فقتلوا، واجتمع الذين أجابوا الروم وتشاوروا فيما يعتاضون عن الانجيل إذ قد فاتهم، فتقرر رأيهم على أن ينشئو انجيلا. وقالوا إنما التوراة موالد الانبياء وتواريخ اعمارهم فنبني الانجيل على ذلك، ويذكر كل واحد منا ما حفظه من ألفاظ الانجيل ومما تحدث به النصارى عن المسيح. فكتب قوم انجيلا. ثم أتى من بعدهم قوم وكتبوا انجيلا، وكتبوا عدة أناجيل، وسقط عنهم الكثير مما في الأصل. وكان فيهم الواحد بعد الواحد ممن يعرف امورا كثيرة في الانجيل الصحيح فأمسكوا عنها لتتم رئاستهم، ولم يكن في ذاك ذكر الصليب ولا الصلبوت، وهم يزعمون انها كانت ثمانين انجيلا، فلم تزل تقل وتختصر حتى بقي منها اربعة اناجيل لأربعة نفر عمل كل واحد في عصره انجيلا، وجاء من بعده فرآه مقصرا فعمل انجيلا هو عنده أصح من انجيل غيره واقرب الى الصحة. ثم ليس فيها انجيل بلغة المسيح التي كان يتكلم بها هو وأصحابه وهي العبرانية لغة ابراهيم الخليل وسائر الأنبياء، بها تكلموا وبها نزلت كتب الله على هؤلاء وغيرهم من بني اسرائيل، وبها خاطبهم الله، فتركها هؤلاء. وقد قالت العلماء لهم: عدو لكم معشر النصارى عن اللغة العبرانية وهي لغة المسيح والأنبياء قبله ﵈/ الى صائر اللغات حتى

стр. 162

ما من نصراني يتلو هذه الأناجيل في فرض من فروضه بلغة العبراني حيلة ومكيدة وفرارا من الفضيحة. فقال الناس لهم: انما وقع العدول عنها لما قصده أصحابكم الأولون من الادّغال في المقالات، واحتيالا في تدليس ما وضعوه من الأكاذيب وسترا لما احتالوا طلبا للرئاسة، وذلك ان العبرانية هم كانوا اهل الكتاب واهل العلم في ذلك الزمان، فغيّر هؤلاء النفر اللغة بل عدلوا عنها كلها لئلا يفهم اهل العلم مذهبهم وقصدهم لسترها فيفتضحوا قبل تمكن مذهبهم ولا يتم لهم. فعدلوا الى لغات كثيرة ما تكلم المسيح وأصحابه بها، وليس اهلها من اهل الكتاب، ولا لهم علم بكتب الله وشرائعه، كالروم والسريانيين والفرس والهند والارمن وغيرهم من الأعاجم، وتلبيسا واحتيالا لستر العورة وتمام البغية في طلب الرئاسة من اولئك القوم القليل الذين طلبوها بالدين. ولولا دلك للزموا لغة ابراهيم وولده والمسيح الذين بهم قامت البيّنة، وعليهم أنزلت الكتب، وكان ذلك أولى بإثبات الحجة على بني اسرائيل وكفرة اليهود اذا ادعوا بلسانهم، ونوظروا بلغتهم التي لا يمكنهم دفعها. فاعرف هذا فانه اصل كبير. واعلم رحمك الله، ان هذه الطوائف الثلاث من النصارى لا تعتقد ان الله أنزل على المسيح انجيلا ولا كتابا بوجه من الوجوه، بل عندهم ان المسيح خلق الأنبياء وأنزل عليهم الكتب، وارسل اليهم الملائكة. وانما معهم اربعة أناجيل لأربعة نفر، كتب كل واحد منهم انجيله في زمانه، وجاء من بعده فما رضي انجيل غيره، وكان انجيله أولى. وهم يتفقون في مواضع ويختلفون/ في مواضع، وفي بعضها ما ليس في بعض، وهي حكايات قوم رجال ونساء من اليهود والروم وغيرهم انهم قالوا كذا، وفعلوا كذا، وفيها من المحال والباطل والسخف والكذب الظاهر والتناقض البيّن شيء كثير. وقد تتبعه

стр. 163

الناس وأفردوه، واذا قرأه المتأمل عرف ذلك. وفيها شيء من كلام المسيح ووصاياه وأخباره قليل. فإنجيل منها عمله يوحنا، وانجيل منها عمله متى، ثم جاء بعدهما مرقس فما رضي بانجيليهما، ثم جاء بعدهم لوقا فما رضي بتلك الاناجيل فعمل انجيلا آخر، وكان عند كل واحد من هؤلاء ان صاحبه الذي تقدم وعمل انجيلا أنه قد ضبط أشياء وأخل بأشياء، وغيره اعرف واضبط. ولو كان من قبله قد ضبط واصاب لما احتاج ان يعمل هو انجيلا آخر غير انجيل صاحبه، وليس احد هذه الاناجيل شرحا للآخر، كما يشرح من تأخر كتاب من تقدم فيحكي كلامه على وجهه ثم يشرحه. فاعرف هذا وانما وضعه لأن غيره قد قصر. وعند هؤلاء الطوائف من النصارى ان هؤلاء الاربعة اصحاب المسيح وتلاميذه، وهم لا يعلمون ولا يدرون من هم ولا معهم في ذلك إلا الدعوى فقط، بل قد ذكر لوقا في انجيله انه ما رأى المسيح، فقال لوقا مخاطبا للذي عمل له انجيله وهو آخر من عمل من الاربعة: «عرفت رغبتك في الخير والعلم والأدب فعملت هذا الانجيل لمعرفتي ولأني كنت قريبا الى الذين خدموا الكلمة ورأوها» «١» . فهو قبل كل شيء قد أفصح بأنه ما رأى الكلمة- يعنون بالكلمة المسيح- ثم ادعى انه رأى من رأى المسيح، وليس هاهنا إلا دعوى بأنه رآهم ولو كان ثقة لما علم بخبره شيء، ومع هذا فقد ذكر ان انجيله أولى من انجيل غيره/. فلو تأمل النصارى لعلموا انهم ليسوا على شيء من هذه الأناجيل التي معهم، ولا معهم علم مما يدعيه اربابها

стр. 164

والواضعون لها، وان الامر في ذلك على ما ذكرنا. وهو معلوم مذكور في انصرافهم عن ملة المسيح الى مذاهب الروم وتغريرهم وتعجلهم المنافع بسلطانهم واموالهم. وقد كان بولص هذا يهوديا خبيثا شريرا، ساعيا في الشر، ومعينا للأشرار، وثائرا في الفتن، طالبا للرئاسة والدولة، محتالا فيها بكل وجه، وكان يقال له وهو يهودي: شاؤول، وكان يعين على النصارى. ثم خرج عن بيت المقدس وغاب غيبة طويلة، وعاد الى بيت المقدس وأخذ يعين النصارى على اليهود ويقول لهم: قولوا كذا، واصنعوا كذا، وفارقوهم وقاربوا الامم التي تعادي اليهود. فقال له اليهود: كيف صرت نصرانيا وما الذي دعاك الى هنا؟ فقال: الله ﵎ دعاني الى ذلك، وكان من قصتي اني خرجت من بيت المقدس أريد دمشق، فأدركني الليل بظلمته رهبّت ريح عظيمة وذهب بصري، وناداني الرب وقال لي: يا شاؤول أتلاطم الأشقاء تؤذي اصحاب ابني؟ فقلت: يا رب قد تبت، فقال لي: ان كان كما تقول فاذهب الى حاييم اليهودي الكاهن ليرد اليك بصرك، فذهبت اليه وخبرته، فمسح يده على بصري فسقط منه مثل قشور البيض وفلوس السمك، وأبصرت كما كنت، وان الله استدعاني اليه الى السماء، فأقمت عنده في السماء اربعة عشر يوما، ووصاني بأشياء كثيرة، وقال لي: فيكم أمورا قبيحة لا اقولها لكم «١» . فسخر منه اليهود وتعجبوا من حمقه وقحته، وصاروا به الى صاحب

стр. 165

قيصر ملك الروم عليهم، وكانوا إذ ذاك/ مغلوبين مع الروم. فقالوا له: أما تعرف شاؤول هذا؟ فقال: بلى، اعرفه بالشر وهو يجيئنا في السعايات بالناس. فقالوا له: انه قد ادعى كذا وكذا، وذكروا له ما قال. فاغتاظ الرومي منه وأمر به فبطح ليضرب، فقال له: اتضرب روميّا؟ فقال: أو رومي انت؟ قال: نعم، انا على دين قيصر ملك الروم وبرىء من اليهودية، فكف عنه لدخوله في دين الملك، وقال له: هاهنا مركب يأخذ الى القسطنطينية وأنت رومي وعلى دين الروم، فكن هناك ان كنت كما تقول، فقال: افعل، أنفذني الى بلاد الروم. فصار الى القسطنطينية، وتردد الى الروم، ولزم باب الملك وأغرى الروم باليهود، وذكرهم عداوتهم لهم، وما صنع بنو اسرائيل بهم، ومن قتلوا منهم، وخوّفهم شر اليهود، وانهم لا يأمنون دولتهم والكرّة عليهم، وذكر لهم كثرة اموالهم. ومن عادة الروم لا تحتجب نساؤهم عن الرجال، وتركب امرأة الملك في موكب الملك مكشوفة الوجه، وتخاطب الناس، وتأمر وتنهي، فتقرب بولس هذا اليها وخاطبها في شأن اليهود. ومن عادة الروم أن لا يحل للرجل ان يتزوج بأكثر من امرأة واحدة ثم لا يفرق بينهما طلاق ولا هرم ولا عيب من العيوب بوجه ولا سبب، ولا يحل له غيرها الى ان تموت. ونساء الروم تبغضن ديانات الانبياء من بني اسرائيل لما فيها من إباحة الطلاق وأن للرجل ان يتزوج ما أطاق المؤونة. فقيل الشاؤول: انت من امة هذا سبيلها، فقال: لا، وما يحل للرجل اكثر من امرأة واحدة على احكام الروم، فنفق على النساء بهذا. وقرب من امرأة الملك فخاطبت الملك في غزو بين اسرائيل، وذكرت له ما يقول شاؤول، وسألته ان يسمع منه ففعل. وتقرب اليهم/ بأن تسمي بولص وهو

стр. 166

من اسماء الروم، والروم تكره الختان شديدا في الرجال والنساء، وتبعض الامم الذي تفعله. فقالوا لبولص في ذلك، فقال: نعم، هو ما ترون، وما يجب عليكم ختان، وإنما يجب على بني اسرائيل فانها امة قلفتها في قلوبها. والروم تأكل الخنزير، فقال: ما هو حرام وما يحرم على الانسان شيء يدخل جوفه وإنما يحرم عليه الكذب الذي يخرج منه، وبنو اسرائيل لا تأكل ذبائح الوثنيين ومن ليس من اهل الكتاب والروم ليس كذلك، فصوّبهم بولص في هذا ونفق عندهم بكل شيء وما خالفهم في شيء، وكانت ديانات الروم اذ ذاك مننشرة أكثرهم يعظم الكواكب ويعتقد فيها انها تحيي وتميت وتنفع وتضر ولهم عندها هياكل وقرابين، ومنهم من كان على دين اليونانين من ان هذه الكواكب حية ناطقة رازقة وهي الأرباب، ويعتقدون صحة السحر، بالجملة إن دياناتهم كلها باطلة ضعيفة فاسدة. وكان بولص يذكر لهم فضل المسيح وزهده وانه كان مجاب الدعوة وكان يحيي الموتى، فكانوا يجتمعون اليه ويستمعون منه، وكان محتالا لا خبيثا، وكان الروم تصلي الى مشرق الشمس ولا ترى وجوب الوضوء ولا غسل الجنابة ولا الحائض ولا التوقي من البول والغائط والدم ولا تراه فحشا، وان الروم تزوج الوننيين وسائر الامم وبنو اسرائيل لا تفعل ذلك، فقالت الروم لبولص في ذلك، فقال: تزوج المؤمنة بالكافر فانها تطهره ولا ينجسها والولد بينهما طاهر. وقال: هذا انما تحرمه التوراة، والتوراة شر كلها واذا وضع عن الناس شرائع التوراة فقد كمل برّ الله وتم فضله. فاختلع بولص من ديانات المسيح/ وصار الى ديانات الروم. فاذا تبينت الامر وجدت النصارى تروموا ورجعوا الى ديانات الروم ولم تجد الروم تنصروا. ثم قبل الملوك سعايات بولص باليهود واخذ برأيه فيهم، فصار اليهم وقتل

стр. 167

منهم القتل العظيم واخذ اموالهم واستصفاهم وعاد من عندهم بالرغائب، فقامت سوق بولص فيهم وازدادوا له حبا، وهذا الملك الذي غزا بني اسرائيل يقال له ططّس «١» . وقد كان للروم ملك يقال له بيلاطس خرج الى الشام بعد المسيح ﵇ وبعد اصحابه بالمدد الطويلة، وكانت له امرأة ببلاد الروم فماتت، فأراد ان يتزوج امرأة مكانها، ومن عادة الروم ان يعترض الرجل المرأة اذا اراد التزويج ويقلبها ويستقصي تفتيشها فإن صلحت له تزوجها، وان لم تصلح تركها. فوصف لبيلاطس امرأة بحران يقال لها هيلانة «٢» تكون في فندق بحرّان- والفندق هو الخان- فأشخصها وقلبها وارتضاها وتزوجها- وكانت نصرانية- فحظيت عنده، وسألته إعزاز النصارى والاحسان اليهم، فقال لها: إن اليهود يزعمون ان اصحابك هؤلاء اصحاب حيل وطلاب دنيا ورئاسة، فقالت: كذبوا، وانما اجيئك بهم لتراهم. فأنته بجماعة من الرهبان وقالت له: انظر اليهم والى مسكنتهم وضعفهم لتعلم كذب اليهود عليهم. فرحمهم ورقّ لهم وظن الجميل بهم، فأعزهم وصانهم ومكّن لهم في ممالكه بالشام وبلاد الروم، واحسن اليهم، فانبسطوا وكثروا واستطالوا على اليهود/. وكان لهذا الملك اولاد من المرأة التي كانت قبل هيلانة، وولد له من هيلانة هذه ابن يقال له قسطنطينوس. وقد كان امر بولص عظم ببلاد الروم مع العامة والغوغاء واستهواهم بما يجري مجرى الرقى والطب والشعبذة والسحر، والروم الارمن تصدق بهذا كله وهي امة مفرطة الجهل بعيدة مما يستدرك بالفكر والنظر، يغلب عليها

стр. 168

الفدامة والبلادة سيما في العامة فهي لا تعرف إلا المهن والصنائع، وان كانت ملوكها تتقدم في ظاهر الحياة الدنيا وتدبير الملك. ففطن بعض ملوكهم لبولص وتصفج احواله وحصّله وعلم انه محتال ممخرق طالب دنيا ورئاسة، فأحضره وسأله عن الختان فذمه وذم اهله ومن يفعله فسأله عن المسيح هل اختتن؟ وهل كان مختونا؟ وهل كان اصحابه من الحواريين كذلك؟ قال: نعم ثم كشف عنه فإذا هو مختون، ووجده قد ساعد الروم في دياناتها وهي خلاف ديانات المسيح واصحابه وانها كفر وضلال عند المسيح واصحابه، وقد كان اصحاب بولص في رجله داء الفيل وهو يدعي انه يطبّ ويبرىء فأمر الملك به فصفع وحلقت لحيته وصلب. فقال لهم: لا تصلبوني طولا كما صلب ربنا المسيح، ولكن اصلبوني عرضا. والملك الذي صنع هذا ببولص يقال له بيرن، ففترت النصرانية ببلاد الروم وانكسروا. وملك اولاد بيلاطس بعده، وانتهى الملك الى ابنه قسطنطينوس، وكان ظاهره على ديانات الروم غير ان والدته هيلانة هذه قد/ غذته بحب الصليب، وعودته عادة النصارى وما يقولونه في المسيح، وظهر في جسمه برص وكانت الروم لا تملّك عليها من به برص، بل كان محرما عندها تمليك البرص. فغمّه ذلك وأهمه وكتمه وانطوى على قمع الروم وصرفها عن هذا الرأي في كراهة تمليك البرص، وكانت تغزوهم امم فاتفق غزو السرجان والبربر إياهم فعبّا عساكره على هياكل الكواكب، وقصد الى مشيخة الروم والراسخين في ديانات الروم وانفذهم الى العدو، ولم يستظهر لهم على عدوهم بالمكائد والجواسيس كما يفعل الملوك ومن يدبر العساكر فتم عليهم ما يكرهون من القتل وانهزام من بقي فكان يظهر الحزن والكابة ويقول: قد استظهرنا وعبّأنا على هياكل الكواكب التي تعظمها وقد عظمتها آباؤنا قبلنا، وقربنا لها القرابين، وما نراها تنفعنا

стр. 169

ولا تغني عنا، وما زال يدبرهم بهذا التدبير ويقول هذا القول، وانه ما ينبغي ان يعبد احد ما لا ينفعه، وهذا وقت الحاجة واوان الشدة فما تدفع هذه الكواكب عنا، فينبغي ان يستبصر الانسان ويعبد ما ينفعه ويدفع عنه. ثم قال: هاهنا امرأة رأت في منامها قائلا يقول لها استنصروا بهذا، واخرج اليهم صليبا. واتفق موت امير الجند الذي غزاهم فانصرفوا عنهم، فقال هو ومن كان على رأيه وهواه هذا ببركة الصليب. وكانت عادة الروم ان تجعل على راياتها الأهلة وما هو على صورة الهلال تبركا بالقمر والنجوم ولأن القمر/ اخف الكواكب سيرا، فحطوها وجعلوا مكانها الصلبان فهم على هذا الى هذه الغاية. ثم ابتدأ في التدبير في نقل الروم عن تعظيم الكواكب الى تعظيم الصلبان، وكان الفلاسفة في بلدهم كثيرين، وكانوا يعظمون الكواكب، ويدعون انها حية ناطقة، ويستطيلون على الناس، ويدلون على الملوك، ويدعون انهم أخص الخاصة، ولا يتكسبون، ويعتادون البطالة، ويعولون على اموال الناس، ويفسدون الأحداث ومن يصغي اليهم من ملك او سوقة، ويدعون العزائم والطلسمات وانهم ينفعون بها ويضرون، وانهم يدركون علم المغيبات بصنعة النجوم، ويهولون بالهندسة والأشكال. وكان قسطنطينوس هذا خبيثا مفكرا صبورا متصفحا امر هؤلاء الفلاسفة وما يدعونه في النجوم والطلسمات فوجده باطلا كله، وجد القوم محتالين ممخرقين ومفسدين، فابتدأ في قتلهم على طبقاتهم، وفي احراق كتبهم وابطال هياكلهم. فمكث على ذلك حتى خلت أبنيته منهم، وكانت مدينة الفلاسفة فما بقي منها إلا حرّاث ودبّاغ وصبّاغ، وجعل الهياكل التي كانت للكواكب بيعا، وأسكنها الرهبان وقال: هؤلاء المساكين أرجى من اولئك الجهال الممخرقين الكذابين، وسلط

стр. 170

الرهبان والعامة عليهم في كل مكان، لا يظهرون بكتاب طب ولا هندسة إلا أحرق وبادر على من كان على رأي الفلاسفة فتبرأ منهم، وأعان عليهم، وانبسطت أمه هيلانة في ذلك، وبسطت الرهبان والنصارى/ واستعدتهم «١» من كل مكان فجعلتهم اصحاب اخبار لابنها وأعوانا، واستظهرت بهم، واظهر هو تعظيم المسيح والصليب، وأقام ديانات الروم على حالها كما كانت من الصلاة الى المشرق وغيرها مما تقدم ذكره، فما أزال إلا عبادة الكواكب وما زاد إلا تعظيم المسيح والقول بربوبيته، وتعظيم الصليب. ولم يكن هذا بالبعيد عن الروم لأن من اعتقد في الكواكب وهي جماد موات أنها أرباب وتنفع وتضر لم يبعد عنهم ان يقولوا في انسان حي عاقل مميز قد قيل لهم انه كان يحيي الموتى، وانه إله، وانه وابوه وزوجته خلقوا الكواكب. وكان هذا سهلا على اهل المغرب، ألا ترى ان القبط ومن بمصر كانوا يعتقدون إلهية فرعون وانه لا إله لهم غيره. وسار قسطنطينوس هذا الى الجزيرة فقصد حرّان وأعمالها وكانوا في تعظيم الكواكب أشدّ مما كان بأثينية وبلاد الروم، فوضع فيهم السيف حتى أبادهم، وهرب من هرب منهم في الجبال فطلبهم بنفسه، وكانوا يعيبون البرص فكان له فيهم فضل حرص، فقال له قواده: لا تبعث في طلبهم فان الثلج الذي في هذه الجبال سيهلكهم، فان بقيت منهم بقية جعلناهم حجامين للروم وجميع النصارى واصحاب الصوامع والرهبان ليعرف منهم حقيقة النصرانية وما ينبغي ان يقرر مما يؤخذ الناس به فلا يتجاوزونهم، وان من تجاوزه قتل. فاجتمع عنده نحو ألفين من رؤسائهم وقرّر أشياء

стр. 171

من تسبيحة الإيمان، وكان فيهم من يخالف اولئك ويقول: كلمة الله/ مخلوقة وان المسيح كلمة الله وكان هناك إيرلس ومقدنيوس، وأونامس، وأولو فريانوس واصحابهم، ممن يقول: الكلمة مخلوقة وكلام الله وقوله خلق من خلقه، فشغبوا عليهم ووقف الأمر وبطل ذلك التقرير. ثم اجتمع بعد ذلك ثلثمائة وثمانية عشر رجلا بنيقية من بلاد الروم وعملوا تسبيحة ايمانهم التي قد ذكرت، فأتوا بها قسطنطينوس فأخذها وعمل عليها وأخذ الناس بها فمن لم يقبلها قتله. فاحتاج اولئك ان يظهروا قبولها خوف السيف، وأبطل ما سواها عن التقرير، وحصل من كان على دين المسيح في كل مكروه، واخذوا بتعظيم الصليب وأكل الخنزير وديانات الروم، وكان من لا يأكله يقتل. وكان في الصابئين من اهل حران من لا يأكل الباقلاء ويزعم انه عدو للفلك لأنه مكعّب والفلك كروي، فكان يطبخ الباقلاء في ابواب البيع ويجمع الناس إليها ويقال لهم: اخرجوا ولا يبقى منكم احد إلا اكل الباقلاء ومن لم يأكله قتل ورمى برأسه، وهناك سيّافة قد جردوا سيوفهم فمن لم يأكله قتلوه. ولم يزل قسطنطينوس في الملك خمسين سنة مشغولا بقتل من لم يعظم الصليب ولم يقل بربوبية المسيح حتى تأكد ذلك وتمكن، واوصى الملوك بعده بذلك وأكد عليهم وعهد فيه اليهم وقال: هو أولى من تعظيم الكواكب وآراء الفلاسفة، وأوثق هذا العهد على اولاده وقواده واوليائه وجعل الملك في اولاده. والروم يصفونه بالحزم والشهامة/ وانه فيهم كأردشير بن بابل «١»

стр. 172

ملك فارس في الفرس. وقام اولاده بعده في الملك فأكدوا عهوده وقرروا في كل حين شيئا بعد شيء في النصرانية الى ان جاء ملك منهم فرأى ان يجعل يوم الأحد عيدا لهم يجتمعون فيه كما لليهود يوم السبت، وكان هذا بعد قسطنطينوس بالدهر الطويل. وعملوا لذلك سنهودس، وكان للروم واليونان عيدا يسمونه ميلاد الزمان وهو عند رجوع الشمس في كانون، فجعلوه ميلاد المسيح وزادوا ونقصوا، وهو عيد لهم عظيم وهو الذي يقيمه النصارى ويسمونه الميلاد وليلة الميلاد وهذا سببه وأصله، وما كانت النصارى في زمن المسيح واصحابه من بعده يعرفون هذا العيد ولا يقيمونه. وكان للروم والصابئين ايام يصومونها تجرى مجرى التقرب الى الكواكب يمسكون فيها عن اكل اللحم، فلما صاروا الى القول بإلهية المسيح أقاموها ثم زادوا فيها من اشياء ونقصوا، وهم اليوم يصومونها خمسين يوما الى زوال الشمس ثم يفطرون في بعض الأيام، هكذا يصومون ببلاد الروم. والروم هم الأصل في هذه الطوائف الثلاثة من النصارى، ثم تفرعت منهم اليعقوبية أصحاب يعقوب، ثم من بعد اليعوبية النسطورية وهم اصحاب نسطورس وهم يختلفون في الصيام، فإن هؤلاء الذين بالعراق لا يصومون في كل يوم نصفه كما تصوم الروم، ولهم ايام، أعني الذين ببلاد الاسلام، ينظرون فيها بعد صلاة العصر يتحسون الخمر في البيعة وهو القربان عندهم، وقد قال بولص: إن دم هذا الشراب هو دم الربّ وهذا/ البرشان هو لحم الرب فمن

стр. 173

ارتاب في ان هذا لحم الرب ودمه فلا يأخذه ولا يذقه وان ذلك لا يحلّ له. والبرشان «١» هي اقراص تخبز وتحمل الى البيعة وتثرد في الخمر وتؤكل تقربا. والمسيح ﵇ ما صام هو وأصحابه إلا الصوم الذي صامه بنو اسرائيل. قالت هذه الطوائف من النصارى: إن كان المسيح ما صام هذه الايام الخمسين فقد صام حين اسره الشيطان اربعين يوما بلياليها فجعلناها نحن خمسين يوما، قلنا: هبنا صدقناكم في ذلك فمن اين وجب عليكم مثل ذلك وانتم تقولون ان موسى صام ثمانين يوما بلياليها فلم يطعم فيها شيئا البتة وكان ذلك في دفعتين، وزعمتم ان ايليا «٢» صام اربعين يوما بلياليها فما وجب على قوم موسى الصيام الذي صامه موسى ولا عليكم صيام ذلك. وبعد، فقد عاد المسيح اليكم حين اطلقه الشيطان وبقي معكم فما صام صومكم هذا ولا امركم به ولا صام هو واصحابه إلا صوم بني اسرائيل، فعطلتم الصوم الذي تعلمونه يقينا وصمتم صوما ما صامه ولا امركم به. وفي انجيلهم ان الشيطان اسر المسيح وحصره اربعين يوما ليمتحنه، وان المسيح امسك عن الأكل والشرب خوفا من ان تتم عليه حيلة الشيطان، وانه قال له وهو معه وفي يده: إن كنت ابن الله فقل لهذه الصخور تصير خبزا، فقال له المسيح مجيبا: أن مكتوب أنّ حياة الانسان لا تكون بالخبز بل بكل كلمة تخرج من الله. ثم ساقه الشيطان الى مدينة بيت المقدس فأقامه

стр. 174

على قرنة الهيكل وقال له: إن كنت ابن الله فارم نفسك/ من هاهنا فانه مكتوب ان الملائكة توكل بك فلا تعثر رجلك بالحجر، قال المسيح: ومكتوب لا تجرب الله إلهك. ثم ساقه الى جبل عال فأراه جميع ممالك الدنيا وزخرفتها وقال له: إن خررت على وجهك لي ساجدا جعلت هذه الدنيا كلها لك كما جعلتها لمن قبلك، فقال له المسيح: اغرب ايها الشيطان فانه مكتوب اسجد للرب إلهك. ثم بعث الله ملكا اقتلع الشيطان من مكانه ورماه الى البحر وأطلق السبيل للمسيح «١» . فهذا من الجهل الذي خبرتك انه مكتوب في اناجيلهم وهو زعموا حجتهم في صومهم، فهل سمعت بشيطان يأسر إلهه ويحصره وينقله من مكان الى مكان ويطمع في إلهه ان يستعبده والشيطان لا يقدر ان يأخذ حمار اليهودي، وعند النصارى انه قد اخذ ربه الى ان جاء الملك فخلصه وفك اسره. وعند النصارى ان المسيح لما ظهر ربط الشيطان عن الخلق وأطفأ ثائرته وأزال اذاه وشرّه، وهاهنا يقولون اشد ما كان قوة عليه وتسلطا عليه وهو ربه وإلهه، ففكر واعجب. وكان للروم والصابئين دخن وبخورات في الهياكل للكواكب والأصنام،

стр. 175

وهي قائمة عند النصارى ما عطلوها، وهي في البيع يسمونها دخنة مريم وبخور مريم، وما عرفته مريم ولا المسيح ساعة قط ولا اصحابه، ولا استعملوا ذلك، فجعلوا هذا بخور مريم كما جعلوا صومهم للمسيح، وكما جعلوا الخمر والقربان لحمه ودمه. وكانت الروم مع عبادتها الكواكب تعظم الأصنام وتصورها في الهياكل، فبقيت على ذلك/ بعد اجابتها الى تعظيم الصليب، وما كان منهم في ذلك قصور، والمسيح وأمه وأصحابه عوضا من تلك الأصنام. ثم تركوها شيئا شيئا على الايام والدهور. وهم كانوا يستبيحون الزنا ولا يمتنعون منه فبقوا على ذلك بعد تعظيم المسيح فهو مبثوث بينهم وفي مدنهم وأسواقهم منتشر، يقولون: المرأة اذا لم يكن لها زوج ولم تختر الزواج وآثرت الزنى فهي املك بنفسها ولها ان تفعل ذلك، والملك يسعر ذلك، ويقيم له الحكام والولاة فلكل إنزالة تكون من الرجل فلس واحد، وكل اربعة افلس قيمتها دانق فضة. وللقحاب في بلدانهم اسواق كثيرة، ولهن دكاكين، تفتح حانوتها وتتزين وتجلس على بابه بارزة مكشوفة. وليس عندهم في كشف السوءة والعورة من الرجال والنساء تحريم ولا خطر، بل المرأة الحرة منهم تزف الى زوجها راكبة فتمر بالناس في الاسواق مكشوفة الوجه والرأس، وقد ارسلت ضفائرها وتجدلت بها، وأبدت محاسنها كلها لينظر كل احد اليها، ويقال ان الغالب على ذوات الازواج العفاف، فأما من ليست بزوج فحالها كما وصفنا، وربما كانت تزني في بيت ابويها، ومن جاء من هؤلاء الزواني بولد حملته الى البيعة ان شاءت وسلمته الى البطرك والمطران والقس، وقالت: قد وهبت هذا للمسيح ليكون خادما له وقيّما في البيعة، فيجزونها خيرا ويقولون لها: قديسة

стр. 176

طاهرة مباركة، هنيئا لك رضى المسيح وثوابه ويدعو الناس لها ويهنئوها بالثواب، وهناك من المرضعات والكاملات لمثل اولاد «١» الزنا هؤلاء جماعة. وهم يأبون الختان، / ويخصون الاطفال، وإذا سبوا المسلمين نظروا الى اطفالهم فخصوا منهم القطعان الكبيرة وألقوهم، فيموت منهم الكثير. وهم يدعون الرأفة والرحمة وكانوا في اول الاسلام يحترزون على الاسارى لقوة الاسلام وضعفهم ليفادوا بهم، فلما ساءت سيرة ملوك الاسلام وقلت مبالاتهم به، وصار يغزوهم مثل علي بن حمدان «٢» سيف الدولة، ومن بمصر اعداء المسلمين يقبضون اوقاف الثغور، هان المسلمون على الروم، وهم يقولون دولة الاسلام قد زالت منذ نحو ثمانين سنة، وأنت اليوم في نحو سنة خمس وثمانين وثلثمائة. ثم عدت الى ذكر سيرة النصارى، وليس الخصاء من شريعة التوراة ولا إباحة الزنا لتعلم ان الروم ما تنصرت ولا اجابت المسيح، بل النصارى ترومت وارتدّت عن دين المسيح وعطلت اصوله وفروعه وصارت الى ديانات اعدائه وهو ما عليه هذه الطوائف الثلاث من النصارى، فعلوا هذا طلبا للرئاسة وعاجل الدنيا كما قد وجدته في كتبهم وفي إقرارهم مما تقدم ذكره لك.

стр. 177

وهذا التثليث الذي للنصارى قد كانت فلاسفة الروم تنحو نحوه من ان العقل والعاقل والمعقول تصير شيئا واحدا، ويقولون: هو من المثلث، وهو من فيلسوف قديم «١» . وقد قال رسول الله ﷺ : «حب الدنيا رأس كل خطيئة «٢» » وقال كعب بن مالك الانصاري سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما ذئبان جائعان ارسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه» وقال ابن عمر: قال/ رسول الله ﷺ : ما ذئبان ضاريان في خظيرة وثيقة يأكلان ويفريان «٣» بأسرع هلاكا من حب الشرف والمال في دين المرء المسلم «٤» » . ومثل صنيع بولص مع الروم في مساعدتهم على دينهم ومفارقة دين المسيح صنع ماني القس، وهو رئيس المنانية «٥» ، وهذا كان بعد بولص بالدهر الطويل، وكانت له الرئاسة، وصار مطرانا على النصارى بالعراق في مملكة الفرس بعد ان كان قسّا، واختلط بالفرس، ومدح الانوار وذم الظلام على ما يذهب اليه المجوس، ومدح زرادشت نبيّ المجوس، وقال: النور اختاره وأرسله

стр. 178

الى المشرق، وأرسل المسيح الى الغرب. وذم ابراهيم وإسماعيل والانبياء الذين صدقهم المسيح، وكانت الفرس تبرأ منهم، فساعدهم ماني وتقرب اليهم بذمهم وقال: الشيطان ارسلهم، وكان من يكتب: من ماني عبد اليسوع كما كان بولص يكتب، وكان يتشبه به ويقفو اثره. وأخذ الآبستاق وهو كتاب زرادشت نبيّ المجوس «١» ، وهو كتاب ليس بلغة الفرس ولا بلغة من اللغات البتة، ولا يدري احد ما هو وهو الزمرمة، وإنما يحكون لفظه وإن كانوا لا يدرون ما هو. فادعى ماني القس انه قد وقف عليه وعلم ما هو، وادعى ماني انه رسول النور، فوضع لهم جهالات، وقال: هذا تفسير الآبستاق، واستهووا العامة وقامت سوقه فيهم وأطاعوه، وادعوا له بالمعجزات والآيات. فأخذه بعض ملوك الفرس ليمتحنه، وفتش عن احواله، فاذا هو كذاب وممرق طالب رئاسة يتقرب الى الفرس/ والمجوس بما يهوونه لينفق عليهم مما ليس هو من دين المسيح، فقتله كما فعل ذلك الملك ببولص. وبقي اصحاب ماني بعده يدّعون نبوته ويقررون رسائله وإنجيله، ولعل رسائله تزيد على السليحين ورسائل بولص، وكثير من هذه الطوائف الثلاث يعتقد مذهبه وما يكاد يظهره خوفا من النصارى ومن المسلمين ممن منهم في بلاد الاسلام، لأنه لا ذمة المنانية عند المسلمين «٢» . ومن سيرتهم ان النساء الديرانيات العابدات ومن انقطع الي البيع والعبادة،

стр. 179

يطفن على العزّاب والرهبان، ويخرجن الى الحصون التي فيها الرجال العزاب يبيحون لهن انفسهن ابتغاء وجه الله والدار الآخرة والرحمة بالعزاب، ومن فعل هذا منهن كان عندهن مشكورا محمودا على هذا الفعل ويدعا له، ويقال لها: لا ينسى لك المسيح هذه الرأفة والرحمة. وعندهم انه لا يحل للرجل اكثر من امرأة واحدة، ولا يحل له أن يتسرى ولا بطأ بملك اليمين، فإن صادق امرأة أو خادمة لم يكن بذلك بأس ولا عار، وهذا مشهور ببلاد الروم كشهرة الزنى. ولقد تحدث مصبح الطائي، وأبو عبد الله الحسين بن الصقر، وعبد الرحمن صاحب ابن الزيات وغيرهم من الغزاة، وممن اقام بالقسطنطينية السنين الكثيرة في الأسر وغير الأسر، فإنهم لطول الشقاء وعدم من بعثت المسلمين في فداء او غزو، اظهروا النصرانية تقية، وانتشروا بينهم، واختلطوا بهم. فحدث من حدث منهم بعض من تنصر من الشجعان بعد الشدة وطول الشقاء، قال: فأعطاني الملك وأجزل وقال لخدمه وأعوانه: / انظروا لهؤلاء المتنصرة نساء من ذوي اليسار يتزوجون بهن لتحسن احوالهم، فقال رجل منهم: فلانة قد مات ابوها، ولها ضيعة ومواش وأموال كثيرة نزوجها بهذا، وأشار اليّ، فزوجوني بها. فاذا هناك جمال ومال كثير فأقمت معها مسرورا ثم ضرب الملك بعثا على جماعة انا منهم ليخرج الى مكان فيه زرع مستحصد يخاف عليه العدو أن يمنعهم منه، ويكون مقامنا اربعين يوما، ثم يأتي بعدنا عسكر يقوم مقامنا ونرجع الى اهلنا. فخرجنا، وأقمنا هذه المدة، ثم جاء العسكر فسألت بعض الواردين عن اهلي ومنزلي، فقال لي: قد تزوجت امرأتك بعد خروجك، فاستثبتّ ذلك جيدا ممن ورد فأخبرت بهذا،

стр. 180

فأخذني ما اقامني وأقعدني؛ فلما رجعت الى البلد عدلت عن منزلي ونزلت سوق الدواب، فسأل اهلي عن الواردين من اهل عسكرنا فأخبروهم بسلامتي وورودى، فتعرفوا مكاني فإذا ام امرأتي قد جاءتني ومعها موكب عظيم من نساء الجيران عليهن البزة الفاخرة والحلي، فقالت لي حماتي: ما لك عدلت عن منزلك وأهلك ونزلت هاهنا ونحن نتعرف أخبارك ونشتاقك، فقلت: وما اصنع بامرأة غبت عنها فتزوجت بعدي، أنا عليّ أن ادخل على الملك واكسر بحضرته سيفي وأقطع زناري وأعرفه ما جرى عليّ. فقالت «١» لي اخطأ من قال هذا، ما تزوجت امرأتك وكيف تتزوج رومية بزوجين، إنما ذلك صديقها، لما غبت جاء ونزل عندها. فلما علمنا بقدومك حمل فراشه وانصرف، واستشهدت بأولئك النسوة والجيران، فشهدن انه ليس بزوج وإنما هو صديقها، وإذا ليس/ عندهم ان بهذا بأسا ولا عارا. ثم اقبلت حماتي تقول: لي قم الى بيتك فانظر الى المكنوز والنبيذ وما خلفته تجده لم ينقص بل هو محفوظ موفر، وإذا هي تبشرني [فيما إذا] «٢» أن صديق امرأتي قد كفاني مؤونتها في غيبتي وتسرني بهذا أوتمن به عليّ. وقال اولئك النساء وهن حليلات وأزواج كبار الناس، قم عافاك الله الى بيتك، فما ها هنا شيء يكره ولا ينكر، فقمت وحملت اثقالي وصرت الى منزلي وأنا مقيم على امرأتي، وما اجد شيئا، وزالت الغيرة. ثم قال يا ابا الفتح: ما يدخل احد بلاد الروم إلا وقد طابت نفسه باتخاذ امرأته الأصدقاء، وزال عما كان عليه وامحت الغيرة من قلبه، وزال عن الحمية وما كان عليه وهو مسلم.
следующие страницы →