القديم الذي كان عليه آباؤنا. فخرج من عنده وهو يقول: تغيّر أبو أحيحة، ما هو إلا الكبر، ما اجترىء عليه بهذا حتى أنسوا ضعفا. ففر خالد إلى أرض الحبشة.
وإنما ذكرت لك طرفا يسيرا من صنيعهم بفتيانهم وأولادهم ومهجهم إذا اسلموا، وشدة الرؤوساء منهم على من لم يبالغ في ذلك، فأمّا ما صنعوا بأبي بكر مع حلمه ونبله وسعة جاهه وكثرة خلّانه من ساداتهم، ثم بمن يليه طبقة طبقة، فأعظم من كل عظيم.
وباب آخر [حول الآية الكريمة «وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ» وكيف ورثها أصحاب الرسول ﷺ ]
وهو قوله : «وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ، إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ، وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» «١» . فورثها أصحاب محمد ﷺ كما قال وكما أخبر، وفيه مع كونه دلالة على نبوة محمد ﷺ لما في الكتب التي أنزلها الله عليهم، ان النبيّ الأخير من ولد إسماعيل بن هاجر بن إبراهيم، القائم من فاران، هو أعز وأعلى وأقهر من جميع النبوات، وأن أتباعه الصالحين يرثون الأرض ويحيون الحق ويميتون الباطل ويذلون الجبابرة كما هو مذكور في الكتب ذكرا تقدم به الحجة عند العلماء، وقد ذكره من أسلم، مثل عبد الله بن سلام ومن يليه طبقة طبقة، وللعلماء فيه كتب مفردة، مثل أحمد بن يحيى بن المنجم/ المعروف بالنديم، ومثل أبي عبد الله محمد بن زيد الواسطي الكاتب، ومثل أبي بكر الزهيري الكاتب، ومثل ابن قتيبه، وغيرهم، فإنهم ذكروا تلك المواضع من تلك
стр. 352
الكتب، وما فيها من البشارات والإشارات، فإن أردتها وجدتها، وإن كان فمعك ما يغنيك عنها «١» .
وفي هذا أيضا دلالة على صحة إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وأتباعهم وشيعهم، فإن الله قد شهد لهم بالصلاح وهم ورثوا الأرض. فإن قيل فقد ورثها بعضهم ممن «٢» ليس هو في مثل حالهم عندكم، حتى انتهى ذلك إلى القرامطة والروم وأشباههم، ومن يقرب حاله من حالهم، فإنهم قد غلبوا على كثير من الأرض. قيل له: لو ملكوا الأرض كلها لم يقدح ذلك في هذا العلم ولم يؤثر في هذا الخبر، لأنه ما قال: لا يرثها إلا الصالحون، ولا تخرج من أيدي الصالحين.
ومثله قال موسى لقومه: «اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» «٣» ، ومثله قوله: «أَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها، وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا» «٤» ، وقد خرجت من أيدي بني إسرائيل وملكها بخت نصرّ وملوك الروم وأمثالهم من الكفرة، وهذا غير مشكل.
وقوله في آخر الآية: «وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» «٥» يزيدك علما بأن المراد، أن الوارثين «٦» للأرض هم أهل دينه والقائمون بشريعته،
стр. 353
وهذا خبر وبشرى ووعد، وإخبار الله لا يكذب، ووعده لا خلف له.
فشهد لمن قدّمنا بالصلاح، وعند الإمامية وطبقات الرافضة أن أبا بكر وعمر وعثمان والبدريين والمهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم وأعانوهم على وراثة الأرض حتى أبادوا الأمم وغلبوا ملوك الفرس والروم والترك وغيرهم من أمم الشرك كانوا اكفارا مشركين طلاب دنيا لا طلاب دين/ وأنهم غيروا القرآن، وعطّلوا النصوص، وبدلوا الشريعة من الطهارة والأذان والصلاة والمواقيت والصوم والمواريث والنكاح والطلاق، ورفعوا ما كان ووضعوا ما لم يكن، وشهادة الله لهم بخلاف قول هؤلاء فيهم.
وأنت وإن كنت قد عرفك الله بعقلك بطلان دعاويهم عليهم فاعرفه أيضا بالسمع، فقد أتاك الله به في غير موضع من القرآن ومن غير القرآن. وفي قوله : «لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ» «١» دلالة أيضا على طهارتهم وعمق إيمانهم وبراءة ساحتهم، فهم أظهروا الدين، وأخذوا الممالك والأمصار ممن قبلهم، والذين من بعدهم إلى طاعتهم رجعوا، وبأمرهم سفكوا الدماء، وبقولهم أخذوا وأعطوا، فلو كانوا مبطلين لما كان الظاهر هو دين رسول الله ﷺ على الدين كله، بل كان ما ذهب اليه هؤلاء الصحابة ظاهرا، ودين رسول الله ﷺ الذي تدعيه الرافضة خاملا خفيا ميتا، فإن الذي يقول الإمامية أنه الحجة وأن الحق معه قد كان مغلوبا مقهورا، قد أسكته بزعمهم الخوف عن النطق بالحق والدعاء إلى دين النبي، وألجأه إلى تصديق الكاذبين وتكذيب الصادقين، وموالاة المشركين. والذي قرّره هؤلاء الصحابة من الدين والشريعة والقرآن هو الظاهر على الأديان، القائم به الحجة إلى الآن.
стр. 354
فإذا قد أخلف هذا الوعد من قوله: «لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ» ، فاعلم ذلك ففيه أتم كفاية.
وهم يقولون: ما ظهر بعد، وإنما يتم ظهوره بقيام صاحب الزمان. وجواب هذا: السكوت عنه والتعجب منه، فإنه ليس مع المكابرة مناظرة.
وقد علم المتأمل كذب من ادّعى أن دين رسول الله ﷺ كان في زمن أبي بكر وعمر وعثمان ذليلا ميتا قد أطفىء نوره وقلعت أصوله. / وقد علمنا أن في زمان هؤلاء كسرت الأصنام، وهدمت بيوت النيران وتعطل «١» النوروز والمهرجان وعيد السلامة وعيد الصليب، وتمزق التقويم «٢» وكسر الاصطرلاب، ولما انضاف إلى ذلك من جميل أفعالهم فقد تيقّنّا أن هذا هو المراد من دين الإسلام وهو معنى ظهوره.
ومن عجيب الأمور أن أصحاب الزنجاني القاضي قد تستروا بالتشيع، وهم من عداوة النبي ﷺ والطعن عليه وإخراج الناس من دينه بكل حيلة، إذا أرادوا التشفي منه قالوا لنا: الآن انحلّ أمره وبطل دينه، وأوردوا ما قد ظهر من تعطيل الحدود وأخذ المكوس وارتكاب المحرمات وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويقولون: انظروا إلى وجوه قريش واعتصامهم بالتقويم والاسطرلاب، ورجوعهم إلى أرباب هذه المقالات، وتدبرهم بهم دون الاستخارة بالقرآن والرجوع إلى وصايا نبيهم، وغير ذلك مما قد ارتكبه الملوك والخاصة. ولو استطعنا تسمية أصحاب الزنجاني وذكر القرشيين الذين
стр. 355
قد سلكوا هذه السبيل والأمصار التي غلب عليها هذا لكان أشفى وأبين، ولكنا لا نقدر على ذلك من الخوف، والله المستعان.
وباب آخر [حول الآية الكريمة «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» ]
من آياته، لما أنزلت: «وأنذر عشيرتك الأقربين» ، فجمعهم وقام فيهم وخطبهم ودعاهم إلى مفارقة دين آبائهم، وذكر لهم مالهم في ذلك من نعيم الجنة إن أجابوا، وما عليهم من عاجل العقاب إن أبوا، وأن الله يبعث عليهم جندا من جنوده يجاهدونهم مع رسوله ونصرة لدينه مع ما عليهم من عاجل «١» العقاب، فغضبوا ونفروا ومشوا إلى أبي طالب يشكون ويتوعدون، وأنهم أكثر جندا. وقد ذكر الله ذلك في قوله حاكيا عنهم:
«أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً» «٢» إلى قوله: «جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ» ، وهذا نزل بمكة قبل الحرب فكان كما قال، فانظر في أي حال توعدهم بهزيمتهم، وعلى أيّ وجه أورده على قلوبهم وأثارهم وغاظهم وأوجعهم، فإنها حال كان فيها في قبضتهم وأسيرا في أيديهم، وهم القوم الذين لا صبر لهم على ضيم، ولا ينامون على وتر، ولا يقيمون على مكابرة الغيظ، كيف يقصر الله أيديهم عنه، ويقيه كيدهم وشرهم، وتلك حالهم، فاحفظ هذا وأمثاله.
واعلم أن أعداء رسول الله ﷺ اجتمعوا وجمعوا كيدهم وقرؤوا كتابه، فزعموا أنه ﷺ في ابتداء أمره وهو مقيم بمكة ما خالف قومه
стр. 356
ولا أغضبهم ولا أغاظهم، بل كان مصوّبا ومقاربا لهم، ألا ترون أنه قال لهم: «وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» «١» وأنه قال لهم: (لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ، لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ) «٢» . قالوا: وإنما توعد بالحرب وزال عن هذا حين صار بالمدينة وفي جماعة. وهذا يقوله ابن الراوندي حين اجتمع مع لاوى اليهودي، وساعدهما أمثالهما من الأشقياء حين نظروا ودبّروا وكادوا المسلمين، فانصرفوا عن الضرورات بالتأويلات وسمّوا الكتاب الذي ضمنوه هذا وأمثاله كتاب الدامغ «٣» .
وكل عاقل سمع الأخبار يعلم علما يقينا لا يرتاب به، أنه ﷺ حين ادّعى النبوة وساعة انتحل الرسالة كاشف بدعوة الاخلاص، وأكفر كلّ من خالفه، وادّعى أنه يظهر ويغلب، وأنه يصير في جماعات وعساكر، وأنه يقتل أعداءه ومخالفيه ويذلهم، وأن العقبى تكون له. ثم أكّد ذلك بأن جعله قرآنا يتلى.
فمما نزل بمكة من ذلك، قوله: «أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ، سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ» «٤» ، وقوله: «جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ» «٥» ، وقوله: «وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ، إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً» «٦» ،
стр. 357
أي تغلب ولا/ تغلب، وقوله: «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ» «١» إلى قوله: «وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ» ، فإنهم قد كانوا بمكة يقاتلون أشد القتال، وكانت محنة المسلمين فيها أغلظ، فإنهم كانوا يضربون ويداسون ويحبسون ويجتمع النفر بعد النفر منهم فيدفعون عن أنفسهم، سيّما حين أسلم عمر، فإنهم عزوا به ونهنه عنهم قليلا، ثم ما أطاقوا المقام. وأمثال هذه من الآيات مما نزل بمكة كثير.
ثم في قوله: «وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» إكذاب لهم وتضليل لهم، وهو كقول الرجل لخصمه إذا أراد الرفق به لينقاد له ولينظر فيما معه إذا كان مدلا بحجته: أحدنا مبطل وأحدنا ضال هالك، لا يشك عاقل أن هذا تعريض بخصمه.
وكذا قوله: «لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ» هو في هذا القول أشد ما كان في في إقامة الحجة عليهم، فتأمل قوله : «فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ» «٢» إلى قوله: «وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ» إلى ما بعد ذلك، وإنما هو كقول الرجل لخصمه إذا ظهرت حجته واتضح قوله وبان بطلان ما أتى به خصمه: ما بعد هذا كلام، وما بعد هذا مقال، وما بيننا حجة. وما يحتاج إلى شاهد ولا دليل.
فمن أبين فضيحة ممن طعن على رسول الله ﷺ بمثل هذا بعد أن جمعوا كيدهم واستفرغوا وسعهم، ولكنهم لشدة إفلاسهم وقلة حيلتهم وخيبة
стр. 358
سعيهم لم يجدوا في الطعن عليه إلا التكذّب عليه والبهت له.
وهم الذين قالوا في قوله: «وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ» «١» ، قالوا: قد أظهر الشك في أمره ورجع عن قوله، وكل عاقل سمع أخباره يعلم باضطرار من قوله وقصده أن لا حقّ إلا ما كان معه/ ومنه ومن عنده ومع أتباعه إلى يوم القيامة، يعلم هذا من قصده قبل العلم بنبوته، ولهذا نظائر مما يذكرونه، وإنما ذكرت هذا لك لتعرف مقدار كيد الخصوم وظهور فضيحتهم، وهؤلاء هم الغايات في التجريد في طلب معايبه والتفرغ لذلك، يمدّ بعضهم بعضا ويعين بعضهم بعضا، ولهم من يزيح عللهم بالأموال من من اليهود والنصارى وغيرهم من أعداء رسول الله ﷺ وممن يتستر بالتشيع، فقد كانوا يأخذون ابن الراوندي وأمثالهم، فيزيحون عللهم، ويجمعون الكتب لهم، ويأتونهم بمن يعينهم ويكتب عنهم ولهم.
وباب آخر [حول الآية الكريمة «وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ» ]
مما جاء من آياته، وما أخبر به عن سلامته وقيام حجته وظهور أمره ودينه على الدين كله، قوله في سورة بني إسرائيل وهي مكية: «وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً، وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً» ، «٢» فتأمل ما في هذا القول من امتهان الخصم وإذلاله وتهيجه وإغضابه وإثارته والعلو عليه، وأنه مفتضح لا حجة معه ولا حراك به، وهم أشد الناس حرصا على
стр. 359
تكذيبه وفضيحته واستئصاله وإطفاء نوره.
ومثله قوله: «قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ» «١» أي: قد أخرسهم حقك وأسكتهم وأماتهم فما يجدون سبيلا إلى تكذيبك، وهذا أشد على قريش والعرب من ضرب السيوف ووقع السهام، وهم المعروفون بغلظ الأكباد والفرار من العار.
ومثله قوله: «إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ» «٢» وقوله: «وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ» «٣» ، فتأمل في هذا فإنه قول مختصر وفيه معان عظيمة، ولقد قال/ ﷺ : (أوتيت جوامع الكلم واختصر لي اختصارا) .
ولو بلغهم دون هذا عن ملك الصين أو الروم لما صبروا حتى يذبّوا عن مجدهم وينضحوا عن أنفسهم، فكيف عمّن هو معهم وفي قبضتهم ومنهم، وقد ادّعى ما فيه كل الرئاسة والسؤدد، وما ترك شيئا يغيظهم ويغضبهم ويسقط من أقدارهم وأقدار آبائهم إلا وقد أتى به وارتكبه، وألجأهم إلى تكذيبه وإقامة حجة عليه، فما وجدوا إلى ذلك سبيلا.
ولقد كان يبلغهم أن كسرى ملك فارس يسفه أحلام العرب ويستخف عقولهم، فيقلقهم ذاك ويحزنهم، ويرسلون إليه من يستأذنه في النطق بين يديه فيما بلغهم عنه، ولا يصبرون وإن كانوا مقهورين مغلوبين والملوك تتحيّفهم وتستركهم «٤» ، وليس أحد يبكي من الهجاء ويحزن من الضيم
стр. 360
غير العرب وسيما قريش، فكيف بهم مع رجل يقيم على هجومهم خمسا وعشرين سنة بكتاب يتلو فيه ليلا ونهارا مثل قوله: «أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ» ،»
وقوله: «أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا، أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا» «٢» ومثل قوله: «مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ» «٣» ، ومثل قوله: و «لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها، أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ، أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ» «٤» ، ومثل هذا كثير، فتأمل تجده، وتأمل ما في هذا من الادلال بالحق والدعاء إلى البحث والنظر، وعرض ما معه على عقول العقلاء لينظروا/ فيما أتاهم به، والمبطل لا يفعل هذا.
فتأمل مذاهب النصارى والمجوس فإنهم يمتنعون عن البحث والنظر والتفتيش والقياس، وكذا يصنع الفلاسفة، فإنهم ينهون أصحابهم عن المتكلمين ويقولون: هؤلاء سوفسطائية، ويقتصرون على الرضا عن أنفسهم والعجب بما معهم.
وانظر إلى هذه الطائفة: القرامطة التي قد طبقت الأرض، وفيها الملك، واستهوت الأمم، كيف يحلفون من يجيبهم على كتمان ما يلقونه إليه، وأن لا يخرج به إلى أحد، ولا يشكو ما به إلى أحد، ولا يعرض ما معه على أحد لينظر
стр. 361
ما عنده، هذا مع الملك القاهر والتستر بالاسلام، فتأمل ما في هذا.
ولقد ضاقت قريش ذرعا بما يسمعونه منه ﷺ ليلا ونهارا، ويتربصون به الموت فلا يموت، ويرومون قتله مع وحدته فلا يتم. فأجمع رأيهم على هجرته وهجرة الأدنين من بني هاشم، مؤمنهم وكافرهم، إلا من جرّد في قصده مثل تجريدهم، وترك مبايعتهم ومناكحتهم، ومنعهم من ابتياع ما يؤكل ويشرب، والتضييق عليهم والإساءة إليهم، وحصرهم في شعب من شعاب مكة، حتى يقتلوا محمدا أو يسلموه اليهم حتى يقتلوه أو يمثلوا به. وتحالفوا على ذلك، وكتبوه في صحيفة علقت في بيت الله الحرام بمكة. فمكث ﷺ ومن معه من أهله في ذلك الشعب أربع سنين متواليات في الحصار الشديد، لا يدخل إليهم ما يتقوتونه إلا بالحيلة والمسارقة، ولا يقدر أن يخرج منهم إنسان في حاجة إلا عن غفلة من المشركين أو ليلا.
وقد شملهم الخوف فلا يأمنون إلا من موسم إلى موسم، وأهله/ يتضرعون إليه بأن يلين لقومه من قريش و، يمسك عن عيب آلهتهم، أو يرجع عن تضليل آبائهم، ويخوفونه فلا يلين، ولا يزداد إلا شدة وصرامة. ثم أخبرهم بعد أربع سنين: أن ربي أوحى إليّ أني قد سلطت الأرضة على الصحيفة التي كتبها المشركون فأكلت كل موضع منها فيه ذكر عقوق أو قطيعة وتركت ما سوى ذلك، فقال له عمه أبو طالب وكان كافرا مقيما على دين قريش: يا ابن أخي، انظر ما تقول، فإني لست آمن إن لم يكن الأمر حقا أن يشتد علينا قومنا ويزيد أذاهم لنا، فقال له رسول الله ﷺ : ما قلت لك إلا حقا، فامض لشأنك.
فنزل أبو طالب وقريش في أنديتها، فلما رأوه قالوا له: نرجو أن تكون يا أبا طالب جئت لصلاح وخير، وأن يكون ابن أخيك قد أقصر عن شأنه وما نكره من أمره، قال أبو طالب: للخير والصلاح جئت. فلما استقر به مجلسه
стр. 362
قال: إن محمدا أخبرني، وو الله ما كذب قط قبل أن يقول إن ربه أرسله فكيف الآن، إن ربه أوحى اليه في هذه الليلة أنه سلط الأرضة على الصحيفة التي تمالأتم على كتبها علينا فأكلت منها كل موضع فيه ذكر عقوق وقطيعة ومأثم، فانظروا فيما ذكر، فإن كان الأمر على ما قال فعلام تستجيزون ما أنتم عليه.
فأحضرت الصحيفة وفتحت، فوجد الأمر على ما أخبر به النبي ﷺ عن ربه، فخزي المشركون، وفرح المسلمون، وفرّج الله عن بني هاشم، فخرجوا من الحصار الذي كانوا فيه، وعادوا إلى ما كانوا عليه، وكان هذا من الفتوح العظيمة.
والأمر في شأن هذه الصحيفة معروف، يعرفه أهل العلم كمعرفتهم بما كتبه النضر بن الحارث بن كلدة من أخبار رستم واسفنديار «١» ، حين دخل/ إلى الفرس يشكو إليهم رسول الله ﷺ ، ويأتي بما يعارض به القرآن. وكالعلم بما كتبه رسول الله ﷺ إلى كسرى ملك فارس مع عبد الله بن حذافة السهمي «٢» ، وبما كتبه إلى قيصر مع دحية بن خليفة الكلبي «٣» وبما كتبه إلى المقوقس ملك مصر مع حاطب بن أبي بلتعة «٤» ، وبما كتبه إلى النجاشي ملك الحبشة. فأهل العلم لا يرتابون بشيء من أمر هذه الصحيفة، كما لا يرتابون بما قدمنا ذكره. فاعرف
стр. 363
هذا فإنه باب من أعلامه، ولا تظنه من أخبار الآحاد والنفر، وإنه جاء مجيء ما قدمنا ذكره من تلك الأمور التي جاءت مجيء القرآن، ولها نظائر.
وإنما أردنا ذكر شدة قريش على رسول الله ﷺ والمسلمين تلك السنين، فقد كانوا منهم في مثل النار المتأججة.
واستأذن الصحابة رسول الله ﷺ في الهجرة والفرار لما يلقون من الأذى، فأذن لهم، غير أبي بكر، فإنه احتبسه لنفسه، وقال له: أقم عليّ، فلعل الله يأذن لي في الهجرة فتكون معي، فأقام. ومات أبو طالب، واشتدت قريش على رسول الله ﷺ ، وقالوا: إلى كم نصبر على سبّ محمد لنا ولآبائنا وآلهتنا، وإلى كم لا نناجزه، فإما حبسناه، أو أخرجناه إلى حيث نرى، أو قتلناه، خذوا فيما يريحنا منه، وقدموه ولا تؤخروه. فاجتمعوا ودخلوا دار الندوة، وكتموا سرهم، ولم يدخل معهم إلا من انتخبوه من ثقاتهم. فقال قائلهم: انظروا في شأن هذا الرجل، فو الله ليوشكنّ أن يواتيكم في أمركم بمن قد بايعه من أصحابه، وقد تسمعون وعيده، وأنه يملككم ويملك الأرض. فقال قائل منهم: شدوه وثاقا واحبسوه، فيكون أسيرا في أيديكم إلى أن يموت، وقال بعضهم: أخرجوه من بين أظهركم لتستريحوا منه؛ وقال قائل ليس هذا/ برأي. حتى قال أبو جهل: فإني أشير برأيي: أرى أن يؤخذ من كل قبيلة غلاما شابا، ثم يعطى كل غلام منهم سيفا صارما، فيضربونه ضربة رجل واحد حتى يقتلوه، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها، فلا أظن بني هاشم يقومون على حرب قريش كلها، فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل فوديناه لهم «١» ، وقطعنا عنا شأفته واسترحنا منه.
стр. 364
فأجمعوا على هذا الرأي، ورسول الله ﷺ لا يعلم ذلك، ولا أحد من المسلمين. فأتاه جبريل فأخبره بما عزموا عليه، وأمره بالهجرة. فاجتمعوا ببابه ينتظرون اجتماع الفتيان ليقتلوه في ليلته، فخرج وهم ببابه وهو يتلو: «وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ» «١» وجعل على رؤوسهم التراب، ومضى إلى بيت أبي بكر في الهاجرة، وقد كان يأتيه في كل يوم مرة، فأتاه في ذلك اليوم مرتين: في الهاجرة وفي ساعة مبكرة، وخلا بأبي بكر وأخبره بما عزمت عليه قريش، وبما أتاه جبريل به، وقال له: إنّ ربي قد أمرني بالهجرة وأن آخذك معي، فبكى أبو بكر مسرورا.
وقد كان أبو بكر أعدّ راحلتين يعلفهما ورق التمر منذ أخبره رسول الله ﷺ بأنه ينتظر أمر ربه في الهجرة. فخرجا جميعا من بيت أبي بكر، وصار إلى الغار، وطلبته قريش فلم تجده صبيحة ذلك اليوم، وطلبت أبا بكر فلم يجده، فتحرقوا والتهبوا، وهاجوا يطلبونه ويطلبون أبا بكر بمكة وشعابها وجبالها، وجعلوا لمن أتاهم برسول الله ﷺ مائة ناقة، ولمن أتاهم بأبي بكر مائة ناقة، أسيرين أو مقتولين. وقد كان رسول الله ﷺ قال لعلي بن أبي طالب ﵁ تغشّ: ببردي ونم في مضجعي فإنه لا بأس عليك، ولن يصلوا إليك. وصار رسول الله ﷺ وأبو بكر إلى الغار، وسارت قريش في طلبهما ومعهم قائف «٢» .
وحين دخل/ رسول الله ﷺ وأبو بكر الغار، ضربت العنكبوت على بابه بعشاش بعضها على بعض، فلما انتهوا إلى فم الغار ومعهم القائف يطلب آثارهما، فلما انتهى إلى ثور انقطع الأثر، فقال قائل منهم: ادخلوا الغار،
стр. 365
فقال أميه بن خلف: وما أراكم للغار، إن عليه لعنكبوتا كانت قبل ميلاد محمد، فمذ ذاك نهى النبي ﷺ عن قتل العنكبوت، وقال: إنها جند من جنود الله. وتحرق أبو جهل على فوات النبيّ ﷺ ، واستبد أسفه، وقال: أما والله إني لأحسبنه قريبا يرانا، ولكن بعض سحره قد أخذ على أبصارنا «١» .
صفة حديث الغار من الجمع بين الصحيحين:
قال أبو بكر: أسرينا ليلتنا كلها، حتى قام قائم الظهيرة، وخلا الطريق، فلا يمر فيه أحد، حتى رفعت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليه الشمس بعد، فعولنا عندها، فأتيت الصخرة فسويت بيدي مكانا ينام فيه رسول الله ﷺ في ظلها، ثم بسطت عليه فروة، ثم قلت: نم يا رسول الله وأنا أنقض لك ما حولك. فنام، وخرجت أنقض ما حوله «٢» ، فإذا أنا براع مقبل بغنمه إلى الصخرة يريد منها الذي أردناه، فلقيته، فقلت: لمن أنت يا غلام، فقال لرجل من أهل المدينة، فقلت أفي غنمك لبن، قال: نعم، قلت: أفتحلب لي، قال: نعم. فأخذ شاة فقلت له: انفض الضرع من الشعب والتراب والقذى، قال: فرأيت البراء يصرف بيده على الآخرى ينفض، فحلب لي في قعب معه كتبة «٣» من لبن، قال: ومعي أداوة أرتوي فيها للنبي ﷺ ليشرب منها ويتوضأ، قال: فأتيت النبي ﷺ وكرهت أن أوقظه «٤» من نومه، فوقفت حتى استيقظ فصببت على اللبن من الماء حتى برد أسفله، فقلت يا رسول الله، اشرب من هذا اللبن، قال: فشرب حتى رضيت، ثم قال: ألم يأن
стр. 366
الرحيل، قلت: بلى، قال: فارتحلنا بعد ما زالت الشمس.
واتبعنا سراقة بن مالك ونحن/ في جلد من الأرض «١» فقلت يا رسول الله أتينا، فقال: «لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا» «٢» فدعا عليه رسول الله ﷺ فارتطمت إلى بطنها أذى، فقال: إني قد علمت أنكما دعوتما عليّ فادعوا الله لي، فالله لكما عليّ أن أردّ عنكما الطلب. فدعا رسول الله ﷺ ، فنجا، فرجع لا يلقى أحدا إلا قال: قد كفيتم ما هاهنا، ولا يلقى أحدا إلا ردّه، ثم قال: وهذه كنانتي فخذ سهما منها فإنك ستمر بإبلي وغلماني في مكان كذا وكذا فخذ منها حاجتك، قال: لا حاجة لي في إبلك. فقد منا المدينة ليلا، فتنازعوا أيهم ينزل عليه، فقال: أنزل على بني النجار أخوال عبد المطلب، أكرمهم بذلك.
فصعد الرجال والنساء فوق البيوت، وتفرق الخدم والغلمان الطرق ينادون:
ايا محمد، يا رسول الله، جاء محمد، جاء رسول الله «٣» .
فهذا من آياته العظيمة الباهرة، قد نطق بذلك القرآن، فقال :
«وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ» «٤» .
ولقد يئست قريش من رسول الله، وقالوا إنه لا محالة مقتول، لما لجّ المشركون وألحوا وقصدوا لهذا الكيد. وقد كان فيهم من يكره أذاه والعنف به
стр. 367
وإن لم يصدقه، منهم جبير بن مطعم «١» ، فإنه كان عنده أنهم سيقتلوه، فخرج حتى لحق بدير من الديارات فكان فيه حتى لا يشهد قتله. فأقام عندهم، فسألوه عن خبره ولأي شيء أقام عندهم، فأخبرهم، وقص عليهم قصة رسول الله ﷺ ، وساق دعوته. فعجبوا لذلك، وقال له رئيسهم: تعرف شبهه لو تراه مصورا، فقال: نعم، إنما عهدي به قريب. فأراه صورا مغطاة، فجعل يكشف صورة صورة فيقول: أتعرف، فيقول: لا، حتى كشف عن مثل صورته، فقال جبير: ما رأيت شيئا أشبه بشيء من هذه الصورة به، كأنه طوله/ وحسنه وبعد ما بين منكبيه. فقال له الرئيس: فتخاف أن يقتلوه، فقال:
أظنهم قد فرغوا منه، فقال له الرئيس: لا والله لا يقتلونه، وليقتلن منهم من يريد قتله، وإنه لنبي، وليظهرنّه الله، ولكن قد وجب حقك علينا فامكث ما بدا لك. فمكث عندهم حينا.
ثم قدم مكة، فوجد رسول الله ﷺ قد نجا من أيديهم وهرب إلى المدينة، فتعجب من قول رئيس الدير، وازداد بصيرة بشأن رسول الله ﷺ . فقالت له قريش حين قدم مكة وقد خرج رسول الله ﷺ ونجا من كيدهم: قد تبين لنا أمرك، وعرفنا شأنك، هلم أموال الصبية التي عندك التي استودعكها أبوك، قال: ما كنت لأفعل هذا حتى أموت، يعيّر بها ولدي في أمانة، ولكن أدفعها اليهم. فقالوا: إن عليك عهدا لله وميثاقه لا تأكل من طعامه، قال:
نعم.
فقدم المدينة وقد بلغ رسول الله ﷺ الخبر، فدخل عليه فقال له فيما
стр. 368
يقول: إني لأراك جائعا، هلموا طعاما، قال جبير: لا آكل حتى أخبرك، فإن رأيت أن آكل أكلت. فحدثه بما أخذوا عليه، فقال له رسول الله ﷺ :
فأوف بعهد الله ولا تأكل من طعامنا ولا تشرب من شرابنا. وتحدث جبير بحديث أهل الدير وما كان من الصورة، وأنه رأى مع صورة النبي صورة أبي بكر قد أخذ بعقب رسول الله ﷺ قال: فقال أهل الدير: فهل تعرف هذا الذي أخذ بعقبه، قلت: نعم، قالوا: نشهد أن صاحبكم نبيّ وأن هذا الخليفة من بعده.
ولعظم شأن هذه الآية ما قد أعاد الله ذكرها، فقال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ، أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ، فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ، إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» «١» فذكر المؤمنين بهذه الآية، وعظم هذه المعجزة، وما احتملت عليه، مع نجاته منهم، وما أغشى أبصارهم حين خرج وهم ينظرونه، وسلامة عليّ ﵁ كما قال له، وما كان من نسج العنكبوت. وفي الحديث الصحيح، أن أبا بكر نظر إلى أقدام المشركين فقال: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدمه لأبصارنا، فقال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما.
وانظر إلى قوله : «إِلَّا تَنْصُرُوهُ» ، أي: فقد عرفتم نصري له حين هاجرتم وتركتموه مع صاحبه وحيدين، فأبطلت كيد المشركين مع
стр. 369
كثرتهم ووحدته، وصدقت وعدي بمنعي عنه وعصمتي له، وأكذبت أقاويلهم، وهو معنى قوله: «وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا» فتأمل هذا ففيه آيات بينات باهرات، وهذا الخطاب والعذل والاستزادة إنما هي للمؤمنين. ألا تسمع قوله: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» . وأيضا فلا يجوز أن يقول للعدو: «إلا تنصروه» .
ولقد قال العلماء من السلف: إن الله أفرد أبا بكر الصديق بفضل الصبر على جميع المؤمنين من غير تأثيم لهم، كأنه يقول: لو صبرتم مثل صبره ولم تترخصوا لكان ذلك أفضل، فإن أبا بكر يفضل صبره عليهم. وقوله:
«لا تحزن» ليس بنهي، وإنما هو بشرى، كقوله لموسى وهرون: «لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى» «١» وكقوله لأم موسى: «وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ» «٢» وقوله: «إن الله معنا، بالنصر والتأييد، كما قال: «إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ» «٣» . وأبو بكر في هذا الحزن ممدوح لأنه خاف على رسول الله ﷺ الأذى والعنف من المشركين، فجازاه الله بأن بشره أنه/ معهما بالنصر والتأييد. قال أهل العلم في قوله: «فأنزل الله سكينته عليه» ، يعني على أبي بكر، فأما النبي ﷺ فقد كانت السكينة عليه قبل ذلك.
ومن حديث عبد الملك بن عمير، عن أسيد بن صفوان، أن علي بن أبي طالب ﵁ قال وهو يثني على أبي بكر حين توفى: كنت ثاني اثنين، وصاحبه، والمنزل عليه السكينة، ورفيقه في الهجرة والمواطن الكريمة. وقالوا
стр. 370
في قوله: «وأيده بجنود لم تروها» : إنه أيد أبا بكر كما يؤيد المؤمنين من غير أن يروهم، وبشره رسول الله ﷺ بذلك فعلمه وتيقنه بتعريفه إياه. وإنما ذكرنا حال أبي بكر عند ذكر الآية التي هو مذكور فيها، ولأن الخصوم يسألون عن ذلك، ولحاجتك اليه، ولأن الطاعنين على أبي بكر بمثل هذا هم الطاعنون على رسول الله ﷺ بما قدمنا وبأمثاله من الآيات التي يسألون عنها، وجعلوا الطعن على أبي بكر وأمثاله من المهاجرين والأنصار وآكد الطرق إلى تكذيبه، والطعن عليه، والإيحاش منه، والتنفير عنه، وأيسرها التشكيك في صدقه ونبوته، وهم: أبو شاكر الديصاني، وأصحابه: الحداد، وأبو عيسى، وابن الراوندي، والحصري «١» ولكلهم كتب في الطعن على رسول الله ﷺ ، وفي نصرة الإمامية وطبقات الرافضة، ولأن الطريق في العلم ببراءة أبي بكر والمهاجرين والأنصار مما رموهم به، كالطريق في العلم ببراءة رسول الله ﷺ مما رموه به.
وباب آخر [ما في الآية الكريمة إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ» من وعد تحقق]
من آياته، قوله لرسوله ﷺ : «إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ» «٢» ، ومعاد الرجل بلده، وسمي معادا لأنه ينصرف في البلاد ويضرب في الأرض ثم يعود إليه، وكذلك مثاب الرجل منزله، لأنه يثوب اليه «٣» . ومنه قول الله : «وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً» يريد أنهم يثوبون اليه كل سنة وفي كل حين، أي يعودون للحج والعمرة. وهذه
стр. 371
الآية نزلت على رسول الله ﷺ حين خرج من مكة يريد المدينة، فكان خروجه منها محزونا لمفارقة وطنه، فبشره الله بالظهور والغلبة، وأعلمه أنه يعود إلى مكة، فكان كما قال وكما أخبر.
وباب آخر [ما في الآية «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ ... » من تحد دائم لم يستطع أحد الوقوف أمامه]
من آياته، وهو قوله : «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً» «١» ، فما أتوا بمثله مع حاجتهم إليه، فانظر كيف يقطع الشهادة أنهم لا يأتون بمثله، وهذا من التحدي المهيج الذي يغيظ ويغضب، وفي هذا غيوب كثيرة لا يأتي بمثلها حذاق المنجمين ولا يتفق مثلها بالتبخيت ولا بالتخرص «٢» .
فإن قيل: فما تنكرون أن يكونوا قد أتوا بمثله، قيل له: لو أتوا بمثله لجاء ذلك مجيء القرآن، ولكان العلم به كالعلم بالقرآن، ولجاء مجيء أمثاله من الأمور التي كانت بينهم وبينه، وما قاله لهم وقالوه له.
فإن قيل: فإن الغلبة والدولة منعت من إظهار ذلك ونشره ونقله والتحدث به لأنه ظهر وقهر في حياته، وقام أبو بكر بعده فقتل مسيلمة، وردّ الردة، وأسر طليحة، وغزا فارس والروم، وأذل أعداء محمد ﷺ في كل مكان، وأسكتهم وأخرصهم «٣» ، وأعز أولياءه وأهل طاعته، وكذا من أتى بعده من
стр. 372
الخلفاء والملوك، وبعد، وكيف تنقلون ذلك وتذكرونه وأنتم تكرهونه وفيه بطلان قولكم ودينكم.
قيل له: إنك ما تزيدنا على الدعاوى الخالية من كل حجة، وإذا أثبتنا لك بطلان دعواك الأولى انتقلت إلى دعوى أخرى. فإنك قلت في الأول: أتوا بمثله، فقلنا لك: فأين هو وأين العلم به، فانتقلت فادعيت أن الغلبة والدولة/ منعت من إظهاره ونقله، فدعواك الثانية كالأولى.
على أن دليلنا هذا قد دلّ على أنهم ما أتوا بمثله، ولا بما يقاربه، ولا بما يدانيه، ما هناك شيء ينقل ولا يذكر ولا يكتم ولا يستر، ولا فرق بين من ادّعى هذا أو ادعى أن مائة ألف قد أتوا بمثله، وإنما الدولة قهرتهم ومنعتهم من إظهار ما أتوا به.
على أن الدول والممالك لا تأتي ولا نغطّي على الأمور التي قد كانت ووقعت، ولا يطمع عاقل في كتمان ما هذا سبيله وإن ضره ظهوره، وساءه انتشاره، وأسقط من قدره. ألا ترى أن رسول الله ﷺ لما ادّعى النبوة، وأكفر الأمم وفرض مجاهدتهم، وأباح دماءهم وأموالهم وحريمهم، قد ساءهم ذلك وضرهم، وأسقط من أقدارهم، وذهب برئاستهم؛ وقد ودوا أن ذلك لم يكن، فما كتموه، ولا طمعوا في طيّه وتزميله، بل هم تحدثوا بذلك لكل أحد، ونقلوه وعرفوه، وأدوه إلى من لا يسمعه، لأنه ﷺ لم يكن حين ادعى ذلك ودعا اليه له أتباع يخالدون ذلك ويدونونه وينقلونه، وإنما كان يفعل ذلك عدوه.
وتأمل ذلك بالشعر الذي هجي به، ومن هجاه من الشعراء، وما كان له معه من ضربه وسبّه وأذيته، ومن قتلوا من أعمامه ومن أصحابه، ومن
стр. 373
ادّعى بعده ومعه النبوة، فإن المسلمين قد نقلوا ذلك وخلدوه ودوّنوه وإن غمهم وساءهم. وانظر إلى الكتب التي صنفت في تكذيبه وفي الطعن عليه وعلى إخوانه من الأنبياء، التي صنفت في دولة الإسلام، وأشد ما كان الإسلام شوكة وغلبة، كالتي عملها الحدّاد والورّاق وابن الراوندي والحصري والكندي والرازي وأمثالهم «١» ، وادّعوا أن فيها الحجة والبرهان في إبطال الربوبية وتكذيب الأنبياء. وأنت تراها مبثوثة ظاهرة. تباع في أسواق المسلمين، لا يسقط منها حرف. والمسلمون/ كلهم قد كرهوا ذلك وغمّهم، وودّوا أنه لم يكن، وإنما كان يضعها الواحد بعد الواحد مستخفيا خائفا لا يظهر ادعاءها، ولا يعلن وضعه لها، بل يكتم اسمه ويكنى عن ذكره، وإنما يلقيه إلى الواحد بعد الواحد من أمثاله، كما صنع أبو عيسى بكتبه، وترجمتها تصنيف الغريب المشرقيّ، وهي من الظهور اليوم على ما ترى، حتى إنها لتبلغ مشارق الأرض ومغاربها. فالعدو ينشرها للاحتجاج بها، والمسلمون ينشرونها لنقضها والإجابة عنها. فعلمت أن الدولة والممالك لا تؤثر في العلم بالأمور التي قد كانت ووقعت، وبهذا تعلم أنه ما كان لرسول الله ﷺ زلة ولا هفوة ولا سقطة ولا غدرة، ولا زلت له قدم، ولا بارت له حجة، ولا أخجله خصم. يزيدك بذلك علما، أن معاوية وأشباهه من بني أمية قد عادوا أمير المؤمنين وبني هاشم، وغلبوهم، واستولوا على ملك الدنيا، وعظموا نفوسهم بكل ما قدروا عليه، فما أمكنهم أن يجعلوا لمعاوية منزلة لم تكن له وهو سيدهم، ولا أن يجعلوه من البدريين السابقين، ولا من أهل الشجرة، ولا من أهل الشورى،
стр. 374
ولا من المهاجرين ولا من الأنصار، وقد ودّوا أن يكون له شيء من ذلك أو من هذه المنازل. ولا أمكنهم أن يخرجوه من جملة الطلقاء وأبناء الطلقاء، ولا أمكنهم أن يخرجوا أمير المؤمنين عن منازله: من كونه من السابقين والبدريين والفقهاء والعلماء والزهاد، ومن العشرة ومن أهل الشجرة، ومن أهل الشورى، وممن اختاره المهاجرون والأنصار للإمامة بعد عثمان، ولا أن يغطّوا على ما سنّه عليّ وفرضه ودعا إليه، من محاربتهم ومجاهدتهم، وقد ودوا أن ذلك لم يكن، وقد ضرهم ذلك كل الضرر، فتعلم أن الدول والممالك لا تؤثر في العلم بالأمور/ التي قد كانت ووقعت.
وتأمل ما كان لمعاوية من احتيالاته في التوصل إلى الملك، في إطعام عمرو ابن العاص مصر، وبادعائه زيادا، وبمن استماله ببذل الدنيا له، كذي الكلاع «١» وخالد بن المعمر»
، ومصقلة بن هبيرة «٣» ، وأشباه ذلك، وما كان لملك ملك مما هذه سبيله.
فانظر إلى بني العباس لما غلبوا على أعدائهم من بني أمية، ما أمكنهم أن يغطوا على المحاسن التي كانت لهم، ولا أمكن أعداء بني العباس أن يغطوا على المحاسن التي كانت لهم، من إقامة المواسم وعمارة الثغور، وغير ذلك من
стр. 375
محاسنهم. وأنت تجد ما يكون من مساوىء الملوك، وما يكون من غدرهم وظلمهم، وما يلحق كل نقص وفضيحة بهم ظاهرا في دولتهم، مع بقاء مملكتهم واتصال عزهم. فتأمل ذلك شيئا فشيئا تجده ظاهرا مكشوفا، وإن كان ذلك مهيجا لهم، ومسقطا لأقدارهم، وقادحا في نبلهم ورئاستهم، وقد ودّوا أن ذلك لم يكن، روي عن عمر بن عبد العزيز ﵁، قال:
إذا رأيت القوم ينتحون في دينهم دون الجماعة، فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة «١» .
وتأمل أحوال هؤلاء الباطنية الذين قد تستروا بالإسلام «٢» ، وبقراءة القرآن، وبالصلاة والصيام والحج، وإظهار التحقق بأهل البيت، وقد أوثقوا أمورهم بالكتمان وبأخذ الأيمان والعهود على من أجابهم، وتجنبوا استدعاء الأدباء والعلماء والفقهاء، وسلكوا الواسطة، وقصدوا الأطراف البعيدة التي قد استولى على أهلها الغافلة والجهل والقوة، وقصدوا أهل الترفه والعجب والشغل بالدنيا والملك، وتسمّوا بالاسم الحسن من أنهم الشيعة، وغرّوا المسلمين، فانظر إلى فضائحهم مع هذه الأمور كلها.
فإن أبا القاسم الحسن بن الفرح بن حوشب/ بن زاذان الكوفي النجار «٣» ، عرف أهل عدن لاعة وجبال لاعة من أرض اليمن، وأنهم شيعة، فصار إليهم مع أبي الحسين محمد بن علي بن الفضل من أهل جيشان والجند والمذيخرة من أرض اليمن «٤» . وكان هذا أحد المياسير والرؤسا من الشيعة من أهل تلك
стр. 376
البلاد، فمكن لابن حوشب، وتساعدا على الدعوة، وكل واحد منهما بمكانه، وتسمى ابن حوشب بالمنصور من آل أحمد، وتسمى الآخر بالولي. ومكثا مدة يتستران بإقامة الشريعة، ثم ظهر منهما الإباحة، وليلة الافاضة، وأولاد الصفوة، ونكاح الأمهات والأخوات والبنات، والمشاركة في الزوجات، وتعطيل الشرائع، وشتم الأنبياء عند التمكن والقدرة. ثم ظهر بين ابن حوشب وبين ابن الفضل من المشاتمة، وبرىء كل واحد من صاحبه، ودعا كل واحد منهما إلى نفسه بأنه إله وربّ، وغزا، وقصد العلويين بالمكاره والقتل وسبي الذرية.
وقد كان نصب هذين، الحسين بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القداح «١» الذي زعم أنه الإمام، وهو خليفة محمد بن اسماعيل بن جعفر «٢» ، وقال لهذين وغيرهما ممن خرج معهما إلى اليمن: إذا ملكتم وغلبتم خرجت إليكم، وجعلنا الملك باليمن، والمهدي يظهر باليمن، وهكذا روينا عن أهل البيت.
فلما تمكنوا باليمن، أخرج اليهم ابن ميمون القداح الحسين الأهوازي الداعية من قبله، فطلب منهم مالا يحملونه اليه، فأعطوه مرة بعد مرة، ثم رجع إليهم وعرّفهم أن الحجة خليفة محمد بن اسماعيل يخرج إليهم لينصروه، فشتموه وردوه، فقالوا: قد عرفنا أن هذا كله مخرقة، وهو عرّفنا بهذا، فلم نسلم الملك اليه، فقال لهم: على كل حال هو عرفكم هذا وخلصكم من الشرائع
стр. 377
والإسلام، فاشكروا له وأطيعوه، فشتموه وشتموا من وجّه به. فرجع الرسول إلى الحسين بن أحمد/ وعرّفه أن القوم قد أظهروا الباطن وعملوا به وفطنوا له، وتشاتموا وتفاضحوا بينهم. ثم صمد يحيى بن الحسين العلوي ﵁ لجهاد هم. وقد كان ابن حوشب هلك وبقي ابن الفضل، فهلك هو وابنه أمام يحيى بن الحسين العلوي كما هو مذكور، وفضائحهم مشهورة عند أهل العلم.
ومن عند ابن حوشب انبثت دعوتهم باليمن والمغرب.
ثم تأمل فضيحتهم بالبحرين، فإن داعية لهم خرج إلى من بها من الشيعة، وقال: أنا رسول المهدي إليكم، وقد قرب خروجه، فأعدوا واستعدوا، واحملوا اليه زكواتكم وأعشاركم وفضول أموالكم. فاجتمعوا، وكانوا نحو ثمانمائة، وأعطوه ما طلب. وغاب عنهم ورجع اليهم وأخبرهم عن المهدي:
أن للأشياء كلها بواطن، وأن خاصة المهديّ لا يحرم عليهم شيء، وأن المهدي قد أحل لكم كل شيء، وأنه يحل للمؤمن أن يشارك أخاه في ماله وأصله «١» ، وأن علامة إيمانه أن تطيب نفسه بذلك كله. وكان فيمن أجابهم: أبو سعيد الحسين بن بهرام الجنابيّ «٢» ، وكان يبيع الطعام والدقيق بالراذة من أرض البحرين، وكان شريرا فاسقا جاهلا لا يعرف من كتاب الله شيئا، ولا من سنة نبيه، ولا شيئا من الأدب، ولا شغل له إلا بالمعاش.
وكان له صديق منهم يعرف بإبراهيم الصائغ داعية لهم، قد وجهوه غير مرة إلى ناحية فارس والأهواز. وكان يظنهم شيعة، فجاء يوما إلى أبي
стр. 378
بكر زكريا يحيى بن نبهان فقال له: اعلم أن هؤلاء القوم على ضلال، كنت مع أبي سعيد الجنابي وقد جاءه رجل من أهل جنابة يقال له يحيى بن علي، فأكلنا عنده فلما فرغنا، قام فأخرج امرأته ثم أدخلها مع يحيى هذا في بيت، وقال لها: إن أرادك الولي فلا تمنعيه نفسك فإنه أحق بك مني. فمضى يحيى ابن نبهان بإبراهيم الصائغ إلى هذا الأمير: علي بن مسمار/ فأخبره بما وقف عليه، فأرصد عليّ بن مسمار لذلك وتعرفه، فأخذ الرجل فضربه بالسوط، وحلق رأسه ولحيته، ثم خلى سبيله، وطلب أبا سعيد فهرب إلى جنابة، وبحث عنهم وعن أحوالهم فإذا هم يتسترون بالتشيع ويعطلون الشريعة. وبقي أولاد ابي سعيد وأصهاره في البحرين، فبحث الناس عن أحوالهم وأحوال بني سنبر وأمثالهم فإذا هم على هذه الحال.
ثم تمكنوا، وعاد أبو سعيد بعد أن صار إلى النيل وسواد الكوفة، ومعه الدعوة ورجالها، مثل حمدان بن الأشعث، «١» وهو المعروف بقرمط، واليه ينسب القرامطة، وخال ابن أبي المليح القرني، وخال عيدان. وقد كان بالبحرين يحيى الطمامي داعية لهم، فلما تمكن أفسد وغدر، وأظهر الإباحة، وكان شريك أبي سعيد الجنابي في الدعوة، فوثب عليه أبو سعيد وغدر به وقتله، واستولى على الأمر، وغدر بالناس لما ملكهم، وأظهر من الإباحة وتعطيل الشرائع ما هو مذكور. وقال إنه رسول الأمين الإمام حجة الله على خلقه، وهو محمد بن عبد الله بن محمد بن الحنفية، وهو مقيم في بعض هذه الجبال، وهو المهدي، وأنه في سنة ثلاثمائة للهجرة يخرج ويملك الأرض
стр. 379
كلها. وكان هذا القول والوعد من أبي سعيد في سني نيّف وثمانين ومائتين للهجرة. وكان يقسم قصور بغداد على أصحابه، ويحلف لهم أنه يدخل بهم إليها. ويملكها. فلما كان في سنة ثلاثمائة، قتل أبا سعيد خادم كان لأبي الفضل العباس بن عمرو الغنوىّ في الحمام «١» ، وكذبت أخباره، وظهرت فضائحه، فخجلوا لذلك خجلة يالها، وتحيروا.
وقد كان علي بن عيسى بن داود بن الجراح «٢» وزير المقتدر بالله كاتب أبا سعيد يقول له: زعمت أنك رسول المهديّ، وقد قتلت العلويين، وسبيت آل الأخيصر العلويين، ومن باليمامة، واسترققت العلويات، وغدرت بأهل البحرين. وقد كان حاصر أهل هجر أربع سنين ومنعهم الأقوات، وحبس عنهم الماء، ثم وصل/ اليهم وما بهم رمق فأتى عليهم، وقتلهم عن آخرهم. وقد كان صنع بأهل القطيف شبيها بذلك، وغدر بهم أقبح غدر.
فأجاب ولد أبي سعيد علي بن عيسى عن كتابه بأن أهل البحرين بغوا علينا، وغدروا بنا، ورمونا، وقالوا: إنا نشترك في أزواجنا، ونرى الإباحة وتعطيل الشريعة، وقد كذبوا علينا، ونحن قوم مسلمون وما نحل من اتهمنا بغير الإسلام.
فكتب اليهم عليّ بن عيسى: إن كنتم صادقين فأطلقوا من في أيديكم من أسارى المسلمين، فأطلقوا منهم نحو ثلاثين ألفا، وأظهروا الإسلام والصلاة وقراءة القرآن، وخجلوا من الفضيحة.
стр. 380
ومما كانوا يقولونه ويقوله أبو سعيد من خروج المهدي في سنة ثلاثمائة لحقهم الخجل والفضيحة. وكان بنو بسطام، وبنو القاسم بن عبد الله، والعزاقريّ وأمثالهم يستولون على دولة المقتدر بالله «١» ، وكانوا يتشيعون. فراسلوا أولاد أبي سعيد وقالوا لهم: أنتم خرجتم أيام المعتضد والمكتفي، فلما صار الأمر إلى هذا الصبي المقتدر بالله قعدتم، قوموا فنحن كتابه وأصحابه، والدولة لكم، ولا يوحشنكم قتل أبي سعيد وما كان منه، فإن الناس قد تناسوا ذلك.
فقالوا: هذا الرجل علي بن عيسى رجل صالح، وما دام هو الناظر فما نختار مخالفته. فلما قبض السلطان على عليّ بن عيسى، أطلق من ببغداد والكوفة من الشيعة الطيور إلى البحرين بذلك، فغزوا البصرة على غفلة وغدروا بهم أقبح غدرة، ثم غزوا الكوفة، وسرّ بهم الشيعة وقالوا: أبو طاهر بن أبي سعيد وليّ الله وحجة الله وخليفة المهديّ بالبحرين، يخرج عن قرب، وأبو طاهر خليفته، وهو الذي يأخذ الأرض له ويكون ملكه بالبحرين. فبادر من أهل الكوفة وسوادها خلق كثير، وقالوا: نهاجر إلى بلد المهدي قبل ظهوره، فنقلوا أموالهم وعيالهم، ومن منهم ببغداد والكوفة وسوادها يراعون أمر المقتدر، وينقلون أخباره إلى أبي طاهر بن أبي سعيد.
وقد كان حصل لأبي/ طاهر من أموال الحجاج والخراسانية والكوفة والبصرة بيوت كثيرة، وأطمعه الشيعة ببغداد في السلطان، وعرّفوه ضعفه، وأن النجوم تدل على أن أبا طاهر يغلب السلطان، وأنه يدخل بغداد ويستولي على الملك. فتحمل أبو طاهر، وحمل أهله وعياله، وسار يريد بغداد، وقال:
أنا أدخلها وأدخل دار الخلافة على هذا الحمار، وأشار إلى حمار أسود كان
стр. 381
في كراعه. وسار ونزل ظهرا بالكوفة، ولقيه بن أبي الساج فهزمه «١» ، ونادى مناديه أن يكون لنا وقعة مع مؤنس الخصّى برصافة الكوفة ونهزمه «٢» ويستغنى أهل الكوفة من ذلك النهب، وأسير فأدخل بغداد في يوم ثلاثاء، وفي يوم طشّ «٣» ، واستكتب عليّ بن عيسى، واستعمل على الشرطة أبا الهيجاء عبد الله بن حمدان. وجلس بظهر الكوفة يقسم قصور بغداد على أصحابه، ويتماسكون ويختارون. فلم يخرج مؤنس من الكوفة ورحل من بغداد ونزل بطباطبا، وهي من بغداد على فراسخ يسيرة.
وطال انتظار أبي طاهر له، وكان من ببغداد من الشيعة قدر راسلوا أبا طاهر أنه ما بقي عند السلطان إلا مؤنس الخصي، وهو الذي يلقاك. وهو أضعف من ابن أبي السّاج بألف طبقة، وأنت تهزمه وتدخل بغداد. فصبر مؤنس ولم يبرح من طباطبا، وأبو طاهر يراسله: ما انتظارك؟ وإن كنت رجلا فابرز، ومؤنس لا يبرح. فسار أبو طاهر وعبر الفرات، وجاء فنزل بالقرب من مؤنس، فانقلبت بغداد، وعبر الكثير من أهل الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي، إلا من كان من الشيعة. وانحدر كثير منهم وأحدروا عيالهم إلى البصرة. وخرج إلى أبي طاهر من أهل بغداد من الشيعة وغيرهم من الكتاب سرا، وبشروه بضعف السلطان، وأنهم قد قلبوا له بغداد بالأراجيف. وقالوا له: بغداد بلد عظيم، وإن لم ترهب أهله بالقتل لم تملكه، فقال: نبيح
стр. 382
المؤمنين القتل فيه ثلاثة أيام، قالوا لا تصنع هذا، ولكن سبعة أيام، وتنظم جانبي دجلة/ بالمصلين من بني هاشم، والقراء، والفقهاء، الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فقال: كذا نفعل.
وأظهر من بالكوفة لعن بني العباس والسلف، وخرج أبو الغيث بن عبيدة العجلي في ثلاثين ألفا، وأقام أبو القاسم عيسى بن موسى حتى عيدان في البقلية أصحابه «١» ، وأظهروا الخلاف، وقالوا: ظهر الحق وقام المهدي وانقضت دولة بني العباس والفقهاء والقراء وأصحاب الحديث، وقال قائلهم: ما بقي شيء ينتظر وما جئنا لإقامة دولة، ولكن لإزالة شريعة. فقيل لهم: إن الخصي قد قطع قنطرة نهر بطباطبا، فقالوا: قد عبر أبو طاهر الفرات فلا يعبر نهر بطباطبا، وإنما هو كالساقية بالإضافة إلى الفرات.
فسار أبو إسحاق ابراهيم بن ورقاء الشيباني الأمير، وكان رجلا صالحا لا يعين السلطان إلا فيما يحل ويحسن. فسار إلى الفرات في السماريات «٢» ، ومنع القرامطة من العبور ومن ورود الماء، فضاق صدر أبي طاهر من تأخرهم عنه، فرحل عن مؤنس ورجع إلى الفرات، وصاعد نحو الرقة يقتل وينهب من ظفر به، وقد ظن بعض الناس أنه كان يتوقع من بالمغرب من القرامطة أن يوافيه لوعد بينهم، فما جاءه أحد، فرجع إلى الأحساء، وكذبت أخباره تلك كلها، وكانت لهم من الفضائح ما لا يكاد يحصى.
وكان أصحابه ومن بالكوفة وسوادها له على أحسن طاعة، لا يشكون أنه وليّ الله وحجة الله، فلما رجع بتلك الخيبة، وقد كذبت أخباره وأقاويله، أخذ
стр. 383
خواصه يلقون إلى من معه من البوادي إذا قالوا لهم: قتلنا عيالنا واقتسمنا قصور بغداد ثم رجعنا خائبين، وقد قتل ابن أبي الساج صناديدنا وعيون من بقي منا، فيقولون مرة: لهذا القول وهذه المواعيد باطن، ومرة يقولون: إن في كتب الحدثان والملاحم أنا نرجع، ومرة يقولون: سرنا بأمر، وأمثال هذا من الحيل والمخاريق.
/ ثم سار من البحرين إلى مكة، فوصل اليها في عشر ذى الحجة وبها الحجاج من أهل الدنيا كلها، والإسلام أكثر ما كان، فمنعه من بمكة من الحجاج وغيرهم من دخولها، ونقلوا صناديق البيت إلى ناحية دار ابن داود، وحاربوه أياما. فلما لم يطقهم، أظهر أنه جاء حاجا ومتقربا إلى الله، وأنه لا يحل لهم أن يمنعوه من بيت الله، وأنه أخوهم في الإسلام، وأظهروا أنهم محرمون، ونادوا بالتلبية، واستدعى من قريش من أهل مكة من راسلهم بهم، هو أبو الإمام بها والقاضي في يومنا هذا، فقالوا: كيف تكون حاجا وأنت في عشية ورودك الحرم قد قتلت المسلمين، فقال: هذا كان بغير أمري ولا رضاي، وقد يكون مثل هذا من الأتباع ومن معرة العساكر، ووجه اليهم بخاتمه وسوطه ليؤمنهم، وحلف لهذا القرشي بالأيمان الغليظة أنه قد أمنهم على دمائهم وأموالهم وحرمهم، وأنه لا يؤذي أحدا منهم، وأنه ما جاء إلا ليحج، إلا أصحاب الجند والسلطان فإنه لا يؤمنهم، وقال: أنا لا أغدر ولا أغر من نفسي، ولو أردت ذلك لأمنت أصحاب السلطان ثم غدرت بهم، ولكن لا أؤمنهم، لأنهم يشربون الخمر، ويلبسون الحرير، ويعينون السلطان الذي يحجب عنه الرعية، ويظلم اليتيم والأرملة، ويشرب الخمر، ويسمع القيان. فازداد الناس به اغترارا، وقبلوا أمانه، وأفرجوا له حتى دخل، ووضعوا السلاح.
стр. 384
فلما دخل وتمكن وسكن الناس، وثب بهم أغرّ ما كانوا، وقال لأصحابه:
ضعوا السيف واقتلوا كل من لقيتم، ولا تشتغلوا إلا بالقتل. فلم يزل كذلك ثلاثة أيام، ولاذ المسلمون بالبيت، وتعلقوا بأستار الكعبة، فما نفعهم ذلك، وقتلوهم في المسجد الحرام وفي البيت، وما زالوا يقتلونهم ويقولون لهم:
«ومن دخله كان آمنا» ، أفامنون أنتم يا حمير، أما ترون كذب صاحبكم.
وأمروا من يصعد لقلع الميزاب، فصعد وهو يقول مستهزئا: / هو في السماء وبيته في الأرض. وسلب البيت، وقلع الحجر الأسود، وأبو حفص عمر ابن زرقان صهر أبي سعيد واقف حذاء البيت والسيف يأخذ الناس، وهو على فرسه يضحك ويتلو: «لِإِيلافِ قُرَيْشٍ» حتى [وصل] «١» إلى قوله: «وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ» قال: ما آمنهم من خوفنا، ظهر الباطن يا أهل مكة، حجّوا إلى البحرين، وهاجروا إلى الأحساء من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها.
ثم أمر أصحابه بالنهب، فجمع شيئا عظيما من العين والورق والجوهر والطب، ومن متاع مصر واليمن والعراق وخراسان وفارس وبلدان الإسلام كلها، وحمل مقدار مائة ألف جمل، وأحرق الباقي، وسبى من العلويات والهاشميات وسائر الناس نحو عشرين ألف رأس، وسار إلى الأحساء، فكانت حادثة في الإسلام لم يكن مثلها قط، وأحصوا القتلى عند الدفن، فكانوا عشرين ألف وثمان مائة. ولعلك تستكثر مائة ألف جمل لما ترى في زمانك من سوء حال الإسلام والمسلمين، وإذا تأملت الحال في ذلك الزمان استقللتها، فإن الإسلام إذ ذاك قد كان من السعة ما كان، مستوليا على الدنيا إلا القليل، وكان يسار أهله على حال عظيمة، وإذا تصورته استقللت ذلك، وإذا تأملت خراسان
стр. 385
وحدها، والمسلمون يصلون من نواحي الصين، ثم من نواحي الهند، وكابل ثم عمان، ومشجر عمان، ثم اليمن، وجزيرة العرب وهي أوسع من بلاد الروم، ثم المغرب من الأندلس، والقيروان، والمغرب تشبه لكثرة رجالها وجمالها وبلدانها بخراسان، وأما أذربيجان فيشبه من السعة بما يقارب فارس أو العراق، وإنما ذكرت ذلك لأنا أردنا لا نخلى ما نقوله من حجة، وإن كان الناس قد ذكروه.
فلما صار أبو طاهر إلى البحرين، سلم الأمر إلى ذكيرة الأصفهاني المجوسي «١» وجمع الناس بالبحرين، وقال: معشر الناس إنا كنا ندخل عليكم بحسب أهوائكم، مرة بمحمد، / ومرة بعليّ، ومرة بإسماعيل بن جعفر، ومرة بمحمد بن إسماعيل، وبالمهديّ «٢» ، وهذا كله باطل، وهو سر كنا نكتمه ومن قبلنا منذ ستين سنة، واليوم قد أظهرناه، وهذا إلهنا وإلهكم، وربنا وربكم، يعني ذكيرة الأصفهاني، فإن عاقب فبحق، وإن عفا فبفضل، أظهروا اللعن على الكذابين: آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ومحمد معشر الأجمين، يعني بالأجمعين قسّين وجنبلا «٣» ، وعرج عمن كان عندهم بالبحرين ومن سواد الكوفة وأهل الكوفة، وقال:
معشر الدعاة والخاصة، اذكروا ما عندكم، فذكروا معنى ما جرى بين عبد الله بن ميمون بن ديصان بن سعيد الغضبان وبين محمد بن الحسين بن جهار بخنان المعروف ببندار من أعمال الحيلة على المسلمين، والتستر بالتشيع، والدعاء إلى المهديّ، فإذا وقع التمكن، وصاروا في ملك وسيف، أظهروا تكذيب
стр. 386
الأنبياء، وتعطيل الشرائع، وقتلوا المسلمين، مما هو مذكور في كتاب ابن رزام، وكتاب عطية، وغيرهما من العلماء «١» .
فأخذهم ذكيرة بلعن الأنبياء جهارا في الأسواق، وتقدم بإحراق المصاحف وبراءة الذمة ممن ترك عنده شيئا من المصاحف أو التوراة والانجيل وجمع هذا كله، وأمر بطرحه في الحشوش، والاستنجاء به، ونادى بنكاح الأمهات، والبنات، والأخوات، وذوات المحارم، وبإباحة اللواط، وبأن تطعن البهائم في خواصرها إلى أن تموت، ثم تموت، وبأشياء كثيرة يطول شرحها، وهي مذكورة في كتب العلماء، وقال لهم: تأهبوا فإني سائر إلى العراق لاستئصال دين محمد وقتل أتباعه، فقد انقضت دولته، وقد أحييته ثلاث مرات، واستتبته من إضلال الناس فما تاب، فالعنوه والعنوا الكذابين، يعني الأنبياء. فكانت الأصوات ترتفع بذلك في الأسواق وقتل بني زرقان وبني سلمان ومن وجوه عسكره في مدة ثمانين يوما سبعمائة رجل/، وأمرهم بأن يعرضوا عليه نساءهم من بيت أبي سعيد وغيره، فعرضوهن فاختار منهن من أراد، فكان فيمن اختار زينب بنت أبي سعيد امرأة عمر بن زرقان، وقد كان قتل زوجها، وكان له منها ابن، فأمر ذكيرة أبا طاهر بذبحه، فأخذه أبو طاهر خاله فذبحه.
ثم بعد مدة، قال أبو دلف لأم أبي طاهر: إن ذكيرة الأصبهاني قد عزم على قتل ابنك وإخوتك؛ وكان لأبي طاهر خمسة إخوة، وهم ولد أبي سعيد، فاتفق قتلهم له نهارا، فماج القصر لذلك، فقال لهم الحسن ابن سنبر: أغلقوا باب القصر، فأغلق، وأشرف على الناس فقال: ما لكم اجتمعتم؟ قالوا: بلغنا أنكم قتلتم الإله، قال: قد فعلنا ذاك، قالوا له:
стр. 387
ولم قتلتموه، قال: ما نريد أن نذكر لكم السبب في ذلك فأمسكوا، وقال لهم ابن سنبر: إن شئتم أن تذهبوا فاذهبوا، فما نعرفكم السبب. ثم قال لهم: يا قوم لا تفضحونا وأنفسكم، ولا تشمتوا بنا المسلمين وبكم، وارجعوا عن جميع ما قاله لكم أبو طاهر إلى ما كنتم عليه وكنا من قبل ذلك، من أنّا أصحاب المهدي؛ والدعاة إلى المهدي، والمؤمنون والشيعة، فإنه كنا نحدّث أن ستكون للمؤمنين زلة وهي هذه، فالله الله في أنفسنا وأنفسكم، فما أدخلناكم في شيء إلا بعد أن دخلنا فيه. قالوا نريد أن نراه إن كان مقتولا، وخافوا أن لا تكون حيلة من جملة حيلهم وكذبهم الذي كان لأبي طاهر، ففتحوا الباب وأدخلوهم، فرأوا ذكيرة مقتولا، وجاءت زينب بنت أبي سعيد امرأة ابن زرقان، فشقت جوفه، واستخرجت كبده فأكلتها، وكانت فضيحة عظيمة. فقال ابن سنبر لأبي طاهر: فرق المال في الرؤساء وأرضهم، فإن هذه سقطة عظيمة سقطناها، فوجه/ أبو طاهر في الليل إلى الرؤساء وتلافاهم، وخضع لهم، ولم تكن عادته.
ثم إنه غزا بعد قتل ذكيرة ونهب، وجاء إلى الكوفة. فصار أصحابه لا يمتثلون أمره كما كان، وقد كانوا لا يخالفونه في شيء البتة، وكان أي شيء نهبوه أو غنموه يسلموه اليه ولا يخونونه في شيء منه. لأنه حجة الله، وأن المال يجبيه للمهديّ، فصار بعد قصة ذكيرة لا يعطونه ما ينهبونه وصاروا يشربون، ويسمعون القيان، ويطلبون المواخير، وإذا جاءهم العرفاء، وقالوا لهم: هاتوا ما غنمتم، لم يعطوهم، وإذا قالوا لهم: السيد يأمركم بكذا، قالوا: ناك السيد أمه، وفي است أم السيد، فرحل بهم راجعا إلى البحرين، فقال العويمل العقيلي وغيره لبني عمهم: يا ويحكم، اعتزلوا هذا الكذاب بن الكذاب فإنه يصير بكم إلى البحرين ويسترهن
стр. 388
عيالاتكم، ويطالبكم بما غنمتم، ويأخذه منكم ويستعبدكم. فبلغه قوله، فأخذه وقيده، ورجع إلى الأحساء، فقتل من أصحابه وثقاته نحو أربعمائة، وأقام بالأحساء وقال: قد نهيت عن الغزو، وأمرت بعمارة الأحساء فأخذ المسلمين الذين أسرهم واستعبدهم بالعمارة. وأقام مدة، ثم غزا وأقام ناحية من الكوفة، ووكل بالعسكر من يراعيه لئلا يدخل اليه غريب، وطمع أن يعود أصحابه كما كانوا، فما فعلوا، ودخل على أهل السواد من الكوفة ومن كان يلتجىء اليه من المتشيعين من الحزن والفضيحة وشماتة الأعداء ما قتلهم حزنا.
وكان مثل عيسى بن موسى ختن عبدان وأصحابه وأمثاله، يعاتبون أبا طاهر وأصحابه بينهم سرا، فيقول لهم: ما الحيلة، ما اخترنا هذا لأنفسنا، وقولوا لنا من كان من أهل هذه الدعوة لم تكن له سقطة وفضيحة.
ألم يفتضح المنصور بن حوشب/ بعدن لاعة، ألم يفتضح الوليّ ابن الفضل بجيشان «١» ، ألم يفتضح سعيد بسجلماسة، حتى شيخ المشائخ أبو موسى هرون وهو شيخ الشيعة، وقال لسعيد في وجهه: ويلك، أنت الغاوي لا المهدي، تزني، وتلوط، وتشرب الخمر، وتكذب، وتغدر، وتسفك الدم، ويلك، أي شيء أنت، وابن من أنت، قال: قد قال لكم أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا الكوفي الداعية أني أنا المهدي، فجاؤا بأبي عبد الله، فقالوا له: هذا هو المهدي، فقال: لا، فقال له سعيد: ألم تقل لأهل العسكر بسجلماسة: هذا هو المهدي الذي
стр. 389
كنت أدعو اليه، فأقبل أبو عبد الله على أبي موسى والجماعة فقال: يا هؤلاء غلطت كما يغلط الناس، أنا رجل من أهل الكوفة من الشيعة، وكنا نذهب إلى إمامة موسى بن جعفر وولده، فرجع ابن حوشب ورجعنا لما مات الحسن العسكري، ووقع علينا من دعانا إلى إمامة محمد بن اسماعيل بن جعفر، ولقيت الإمام من قبل محمد بن اسماعيل بالكوفة، وودعته وخرجت إلى ابن حوشب باليمن، وبين يدي الإمام بالكوفة غلامان. فقال لي حين ودعته: يا أبا عبد الله، هذان إماماك، فمن دعاك منهما فأجبه. فخرجت إلى اليمن، ومنها إلى مكة، ومنها اليكم إلى المغرب.
وبلغنا أن الإمام قد مات وخلف ولده، وكانت الكتب تأتيني من هذين، وفيها بعض العلامات التي كانت بيني وبين الإمام، فظننته المهديّ وما هو بالمهديّ، ولكنه رجل سوء، كذاب، شرّير، عدو الله، وعدوّ رسوله، وعدوّ أهل بيته، وعدو الشيعة، وعدو المهدي. فوافق سعيد أبا عبد الله على غدراته وأكاذيبه وما كان له في كتامة، وتشاتما وانفرد سعيد ومعه الأموال، وأعمل الحيلة، وقتل أبا عبد الله/ وشيخ المشائخ.
وقام أبو زكريا محمد بن أحمد بن زكريا «١» أخو أبي عبد الله وكان أجل منه وأخص بسعيد وأعلم بالدعوة، فنادى على سعيد بأنه كذاب عدو لرسول الله ﷺ وأهل بيته، وواقفه وتشاتما، وما زال ينادي عليه برقادة وأرض المغرب إلى أن دس عليه من قتله.
وقام أبو ذاكي تمام بن معارك، وكان أخص الناس بسعيد وأوثقهم عنده ووجها في الشيعة، فما زال ينادي: احذروا هذا المشرقي الكذاب فإنه
стр. 390
لا دين له إلى أن بذل سعيد الأموال في العبيد والجهال إلى أن قتل أبا ذاكي وأصحابه.
أو ليس حين مات سعيد وقام ابنه قد رجع عنه خاصته، وقالوا هذا أكفر من أبيه. أو ليس قد أظهروا بأرض المغرب شتم نبيّ العرب وأصحابه فقالوا: العنوا الغار ومن حوله، العنوا عائشة وبعلها؛ ولعنوا جميع الأنبياء وأظهروا الباطن كله، وبعثوا الدعاة، فدعوا إلى سعيد أنه إله حق، وأنه خالق رازق، وأنه هو الذي فتق ورتق وأمات وأحيا. ونكحوا البنات، حتى كان مثل أبي الأسود وأبو طاعة من الدعاة قد نكحوا بناتهم؛ حتى ذهبت الشيعة إلى أبي يزيد مخلد بن كرّاد وهو من الشراة «١» وشكوا اليه ذهاب الإسلام بهؤلاء المشارقة، وقالوا: هذا وإن كان من الشراة فليس ينكر الربوبية ولا يكذب الرسل ولا يلعن الأنبياء ومعه حفظ الأموال، فساروا معه إلى ابن سعيد بعد موت أبيه، فأنفذ اليه ابن سعيد عسكرا بعد عسكر، فما زال يهزمهم إلى أن وافى باب المهدية فأغلق بابه دونه، فأخذ الحلقة بيده وهو شيخ كبير لا يمكنه لعجزه وكبره أن يركب فرسا، فكان يركب حمارا، فحاصر ابن سعيد في المهدية مع عساكره فمات في حصاره/ فرقا منه.
وقام اسماعيل ابنه من بعده وحاصرهم صاحب الحمار حتى أكلوا براذينهم، وحتى ذلوا له وخضعوا؛ وقد دوخهم خمس سنين، واستولى مع عجزه وضعفه على أكثر ممالكهم، إلى أن تمت حيلته عليه.