أبا بكر وعمر عليه. قال: وقال قائل لشريك بن عبد الله «١» : أيهما أفضل؟ ابو بكر أم علي؟ فقال: ابو بكر، فقال له السائل: أتقول هذا وانت من الشيعة؟ فقال: نعم، إنما الشاعي من قال مثل هذا، والله لقد رقى امير المؤمنين هذه الأعواد فقال: ألا ان خير هذه الأمة بعد نبيّها ابو بكر وعمر، أفكنا نردّ قوله؟ أفكنا نكذبه؟ والله ما كان كذابا.
ذكر هذا ابو القاسم البلخي في النقض على ابن الراوندي إغراضه على ابي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، في كتابه «في نظم القرآن وسلامته من الزيادة والنقصان» . وينبغي ان تعلم ان الذين وضعوا هذا انما قصدوا به رسول الله ﷺ وأهل بيته لشدة عداوتهم له وتستروا بالتشيع، وكان غيظهم على ابي بكر وعمر وعثمان وتلك الجماعة لأنهم هم الذين اشتملوا على رسول الله ﷺ في حياته ونصروه، ثم كانوا بعد وفاته أشد نصرة في دينه منهم في حياته، وأحدقوا بأبي بكر/ فغزاهم، وقتل مسيلمة، وأسر طليحة، ورد الردة، وغزا فارس والروم، وأذلّ أعداء رسول الله ﷺ بكل مكان. واستخلف عمر، فأزال ملك فارس وهو أشد الملوك وأدخل ملكه في الاسلام، وألحق ملوك الروم بجبال الروم وخلجانها وأخرجهم من الشام ومصر ومن الجزيرة وأدخل هذه الممالك في الاسلام، وقتل الشرك وأماته وأحيا الاسلام وبثّه ونشره وبسطه وبناه وشيّده وجعله عاليا على الأديان كلها وظاهرا على أمم الشرك جميعها. فغاظهم ذلك أشدّ الغيظ، ولم يمكنهم المكاشفة بشتم رسول الله ﷺ ، فاشتفوا
стр. 72
منه بشتم هؤلاء وغرّوا من لا يعرفهم وقالوا لهم: ما هذا القرآن بشيء، وهو مغيّر لا تقوم به حجة، والاسلام مبدّل، والفقهاء جهّال كفار، الى غير ذلك مما هذا سبيله وشرحه يطول، فاغترّوا بهم وقبلوا منهم وصدّوهم عن الاسلام فأوردوهم ما أصدروهم. وانت تجد كثيرا من ذلك في التفسير لأبي علي «١» ، وفي نقضه الإمامة على ابن الراوندي، وفي غيرهما من كتبه، وفي كتب غيره من المعتزلة والله أعلم.
باب آخر [من اعلامه ﷺ انقضاض الكواكب بمكة]
فمن أعلامه التي حدثت وهو ﷺ بمكة، انقضاض الكواكب وامتلاء السماء بها من كل جانب على وجه انتقضت به العادة وخرج عن المعتاد. وهذه آية عظيمة، وبيّنة جليلة، وواضحة جسيمة.
وقد نطق القرآن بها فقال حاكيا عن الجن: «وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ/ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً. وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً» «٢» .
فان قيل ومن أين لكم هذا وقد سبقكم زمانه ونحن لا نؤمن بكتابكم ولا نقرّ بنبيّكم؟ وخبرونا عن طريق معرفتكم بذلك هل هو ضرورة
стр. 73
أم اكتساب؟ قيل له: العلم بذلك طريقه الاستدلال والاكتساب، ويتهيأ لكل عاقل من كافر ومؤمن ان يعرف ذلك ويجب عليه ان يعرف، وسبيله سهلة قريبة، فمن نظر واستدل عرف، ومن لم يستدل لم يعرف.
والدليل على ان ذلك قد كان، ان رسول الله ﷺ قد تلا هذه السورة واحتج بذلك على العدوّ والوليّ، فعلمنا انه أمر قد كان ووقع، فإن الحجة به قد قامت وظهرت وقهرت، لأنه لا يجوز ان يقصد عاقل الى قوم يدعوهم الى صدقه ونبوته ويحرص في أجابتهم الى طاعته والانقياد له ويريد منهم ذلك ثم يقول: من علامة نبوتي ودلائل رسالتي ان النجوم لم تكن تنقض وانها الآن قد انتقضت، وهو يعلم انهم يعلمون ان هذا أمر لا اصل له وأنه قد كذب فيما ادعى. هذا لا يقع من عاقل كائنا من كان، فكيف بمن يدعي النبوة، وعقله العقل المعروف الراجح الموصوف، ثم يقصد الى امر ظاهر مكشوف في السماء البارزة للخلق أجمعين المشاهدة للأولين والآخرين، سيما والعرب أعلم الناس بالكواكب والأنواء ومطالعها وسيرها، والثابت الراكد الذي/ لا يغيب منها. وقد كتب الناس عنهم علمهم بذلك، ودونوا منه شيئا كثيرا، وأكثرهم مأواه تحت السماء، هي تسقفهم، ورؤيتهم لها ولكواكبها امر دائم متصل لا يفتر، وقد سبقوا رسول الله ﷺ في السن والزمان والعلم بالكواكب، فكيف يقدم على قوم هذه سبيلهم فيدعي هذه الدعوى وهم من العداوة له والطلب لعثراته وزلاته، ولأمر ينفرون به اصحابه عنه على حال لا مزيد عليها؟ فأين كانوا عن هذا الكذب الظاهر الذي لا ينفع معه صدق يقدمه ولا صدق يكون بعده؟ ومن هذه سبيله لا يكون لها رئاسة، ولا يتبعه احد، ولا يكون له قدر. وقد يتبعه قوم عقلاء ألبّاء «١» فضلاء لأنه
стр. 74
نبي ولأنه صادق، وطاعة لله وتقربا الى الله، واستبدلوا باتباعه بالعز ذلا وبالراحة كدا ابتغاء مرضات الله، وتكلفوا في اجابته بتلك الشدائد التي قد قدمنا شرحها، فكيف اقاموا عليه وهو يكذب هذا الكذب الظاهر.
وهناك من اعدائه قريش والعرب واليهود والنصارى وكيدهم عظيم، كيف لم يوافقوا على هذا ويجمعوا الناس عليه؟ وكيف لم يقولوا لأصحابه وهم إخوانهم واولادهم ومنهم: يا هؤلاء، فارقتم أديانكم، وجهلتم اسلافكم، واكفرتم آباءكم وشهدتم عليهم بالفضيحة، طاعة لرجل فرض عليكم مجاهدة الأمم، وبذل دمائكم واموالكم في ذلك، وألزمكم التكاليف الشديدة من شريعته، وهو يكذب هذا الكذب الظاهر البارز للعقول/ والأبصار؟ وفي تركهم لذلك دليل على صحة هذه المعجزة.
وأعجب الامور انه يتلو عليهم قول الله جل وعز: «فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ «١» » اي لا يجدوا بك كذابا، ولا يجدون في قولك كذبا وإن حرصوا على ذلك واستفرغوا وسعهم، ولو قدروا ان يجدوا له عثرة او ذلة او ادنى شبهة لما واثبه قبل الناس كلهم إلا اصحابه، ولا قبله إلا خاصته وثقاته وبطانته.
فإن قيل: فلعلهم لم يفعلوا هذا به وإن وقفوا على كذبه لئلا يفضحوا أنفسهم ويشمتوا عدوهم، ولئلا يقول الناس لهم خدعتم فامسكوا لهذا.
قيل له: هذا لا يسأل عنه مميز، لأنه إن كان قد كذب فأقاموا عليه وقد عرفوا كذبه، فقد تعجلوا الفضيحة بإقامتهم عليه وأشمتوا بنفوسهم
стр. 75
الاعداء، [وخسروا الدنيا والآخرة «١» ] .
وجواب آخر:
وهو ان هؤلاء الذين اتبعوا الاعلام التي كانت معه من القرآن وغيره وقد شهدوا على انفسهم وآبائهم بأنهم كانوا في ضلال وباطل وفضائح وما استنكفوا من الرجوع عن ذلك، فلو حسوا «٢» بأدنى شبهة فضلا عن كذب لبادروا ورجعوا وكان ذلك اروح لهم، وأخف عليهم، وأبين في عذرهم وقيام حجتهم، فان مراجعة الحق اولى من التمادي في الباطل.
وجواب آخر:
وهو انهم لو وقفوا على امر يرتاب به لسألوه عنه، وعنف بعضهم بعضا في الاقامة عليه وفي ترك قتله والبراءة منه، / ولأذاعوه وأظهروه وإن ضرهم وغمهم وساءهم، فان الجماعة الكبيرة لا يجوز ان تكتم ما قد عرفت وإن ساءهم وإن ضرّهم وإن ذهب برئاستهم وحطّ من اقدارهم. فأعرف هذا فانه اصل كبير. هذا فيما يقفون عليه خاصة، فكيف بأمر الشهب وهو شيء يعرفه الناس عامة من وليّ وعدوّ، فتعلم انها آية عظيمة وحجة ظاهرة.
وانظر كيف اوردها وأدلّ على العدوّ والولي واستطال بها فقال: «قل أوحي اليّ انه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا، يهدي الى الرشد فامنا به ولن نشرك بربنا احدا. وأنه تعالى جدّ ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا. وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا، وأنا ظننا ان لن
стр. 76
تقول الانس والجن على الله كذبا. وأنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا. وأنهم ظنوّا كما ظننتم ان لن يبعث الله احدا.
وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا. وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا. وأنا لا ندري اشرّ اريد بمن في الارض ام اراد بهم ربهم رشدا» فانظر كيف ذكر هولها وعظمتها وارتياع الجن والانس لحدوثها، وانهم لا يدرون لأي شيء حدثت وهل حدوث ذلك لعذاب اهل الارض بذنوبهم، ام لموعظتهم وإرشادهم.
وقد جاء مع هذا ايضا ان «١» الكواكب لما انتقضت اخذ الناس في الخروج من/ اموالهم، وقالوا: ما حدث هذا إلا لفناء الدنيا وانقضاء مدتها، فقال عبد نائلة بن عمر والثقفي «٢» لأهل ثقيف: أمهلوا فإن افادة المال بعد اتلافه تشق وتصعب، فانظروا الى الكوكب المنقضة، فإن كانت من الكواكب المعروفة المتقدمة فهو لفناء الدنيا، وإن كانت كواكب الآن حدثت والآن خلقت فهو لأمر. فحدثت إحدى الليالي، فنظروا فإذا هي كواكب الآن حدثت، فأمسكوا عن اموالهم وترقبوا ما يأتيهم من الاخبار، فاذا قد اتاهم ان رجلا من قريش بمكة قد زعم ان الله ارسله الى خلقه لينذرهم، فقالوا: لعل هذا الانقضاض شاهد لهذا المنذر، وتبركوا برأي هذا الرجل المشير وصار مفخرا له ولولده من بعده، حتى يقولوا لثقيف ابونا الذي حبس عليكم اموالكم.
стр. 77
فإن قيل: او ليس قد ذكر ان في شعر الشراء الأولين ذكرا لانقضاض الكواكب، وفي كتب العجم ذكر لذلك.
قيل له: إن ابا علي وابنه ابا هاشم «١» واصحابهما قالوا: ما ننكر ان يكون قد كان قبل مبعث النبي شيء من انقضاض الكواكب، ولكنا قد علمنا بالدليل الذي قدمنا انه قد حدث عند مبعث النبي شيء انتقضت به العادة، وامتلأت السماء به، فتلك الزيادة على الامر المعتاد هي الحجة؛ فصار ذلك بمنزلة الطوفان، فإن الماء قد كان قبل نوح ﵇ يزيد زيادات كثيرة معروفة معتادة، فلما جاء نوح صلى الله عليه زاد/ الماء زيادة انتقضت به العادة وخرج عن الأمر المعتاد، فكانت تلك الزيادة هي الآية وهي الحجة. فليس في شعر الشعراء ولا فيما وجد في كتب القدماء مطعن في هذه الدلالة، ولا تكذيب لهذا الخبر، وهذا جواب سديد شاف كاف، لأن النبي ﷺ انما احتج بامتلاء السماء بالشهب لا بالأمر المعتاد، هذا لا يفعله عاقل ولا يقع منه كائنا من كان، فكيف بمن يدعى الصدق والنبوة ويريد من الناس كلهم تصديقه واتباعه، فلا يجوز ان يحتج عليهم بأمر قد عرفوه قبل ان يخلق ويخلق آباؤه فيقول: هذا من آياتي ومن اجلي حدث وبسبب تصديقي خلق، فيكون بمنزلة من قال: من الدلالة على نبوتي ان الشمس ما كانت تطلع عليكم وانها الآن قد صارت تطلع.
فأما ابو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ﵀، فانه يذكر في كتاب «الحيوان» انقضاض الكواكب، وذكر ما فيه من الآية والحجة في النبوة،
стр. 78
وذكر الشعر الذي ذكر في هذا المعنى لهؤلاء الشعراء، فقال هو وابراهيم النظّام وغيرهما: إنه ليس في هذا الشعر امر بيّن قد اراد به صاحبه انقضاض الكواكب ولكنه امر محتمل. وذكروا في بعض هذا الشعر أنه مولد وقد قيل في الاسلام، قاله بعض الزنادقة ونسبه الى الأوائل، وذكروا في بعضه ان قائله وان كان كافرا جاهليا فقد ادرك المبعث وأوائل المبعث؛ فأبطلوا ان يكون في هذا متعلق/ او يحتاج فيه الى جواب.
واستبعد ابو عثمان ان يكون هذا امر قد كان ظاهرا قبل الاسلام، قال:
وإلا فأين كان القدماء من الشعراء، كامرىء القيس ومن تقدمه، وكنانة وزهير «١» وشعراء القبائل القديمة، كيف لم يذكروا هذا في اشعارهم وهو أمر بارز لأبصارهم؟ وهم قد شهوا بالحيات والعقارب والجعلان والخنافس والبراغيث وبالقمل وبكل شخص وبكل ما دب ودرج؟ وليس ببعيد ما قاله. فأما جواب أبي علي واصحابه: فما نبالي ولو كان الشعر ملء الدنيا للأوائل، فما له في هذا تأثير.
قال ابو عثمان: وأما ما يدّعى من ذكر الشهب في كتب العجم الاوائل فهو امر لا سبيل الى العلم به لأنها منقولة في الاسلام، وانما نقلها الواحد بعد الواحد من أعداء الاسلام، ومن هو اشد الناس حرصا على تكذيب النبي ﷺ وتشكيك المسلمين، فهو لو كان عدلا مسلما ما علم ذلك بخبره، فكيف وحاله ما وصفنا؟.
وبعد فمن اين لنا انه عليم باللغتين ويقصد واضعي الكتب حتى يوثق بنقله وبأخباره؟ وهو كما قال ابو عثمان، فإن هذه الكتب التي وضعت في الاسلام،
стр. 79
ونسب بعضها الى الهند، وبعضها الى الروم، وبعضها الى اليونانية، وبعضها الى القبط، وبعضها الى النبط، وبعضها الى الفرس، فانما وضعها الواحد بعد الواحد، وزعم انه وجده لأهل تلك اللغة، وزعم انه عالم بتلك اللغة فنقله، فهو امر لا يقع به علم وليس معنا اكثر من دعوى هذا الواضع، فبمقدار ما يكتبه ويترجمه ويلقيه الى الورّقين فيدور/ في ايدي الناس فيقول من لا علم له ولا عادة له بمجالسة المعتزلة ومن اخذ عنهم ومن لا سبيل له الى طرق اهل العلم: هذا من كتب الأوائل؛ فاعرف هذا، فانه باب كبير وكل احد أمس الحاجة اليه فان الجهل وترك التأمل غالب على الناس، وأعداء الاسلام كثير، وهم بينهم، يكيدونهم بأنواع الكيد من حيث لا يشعرون.
فمن ذلك خطب ورسائل ووصايا وحكم وضعت في ايام بني العباس ونسبت الى أمم العجم، لا سبيل الى العلم بما ادعوا واضعوها من أنهم وجدوها للأوائل، وانما كان غرضه شغل الناس عن القرآن وعن عهود رسول الله ﷺ ووصايا السلف بعده، ولعله انما اخذ ذلك وحصّل معانيه من القرآن ومن حديث رسول الله ﷺ ، وغيّر اللفظ ونسبه الى أمم العجم والعلماء. وأهل التحصيل يتهمون عبد الله بن المقفع فيما وضعه من «كليلة ودمنة» وكتاب «اليتيمة» ، وما زعم انه وجده للفرس، فقالوا: ما معنا في هذا اكثر من الدعوى، وهو رجل بليغ اللسان بليغ العلم، فارسي الأصل، قد جرى من المجوسية على عرق، فقد كان فيها طويلا، وهو كثير الرواية لآداب العرب وعلومها، متعصب لقومه، قد أسلم بعد الكبر، وكان متهما في دينه.
стр. 80
وهكذا قالوا في أبان بن عبد الحميد اللاحقي «١» . وقد وضع سهل بن هارون بن رهبونة «٢» الكاتب الفارسي صاحب المأمون، كتاب «ثغرة وثعلة» ، يعارضه به كتاب «كليلة ودمنة» ، وجعله على ألسن الطير والبهائم، وذكر فيه حكم العرب كما صنع ابن المقفع «٣» في كليلة ودمنة عن هذا/ الذي سماه برزوي الطبيب، فقدمه في صدر الكتاب كأنه ما أراد إلا تشكيك أهل الديانات وأتباع الأنبياء صلى الله عليهم في اديانهم. وقد دار في أيدى قوم من المنجمين كتاب زعموا انهم وجدوه لجابان منجّم كسرى ملك فارس، وقد أخبر فيه بزعمهم أن نبوّة تحدث في العرب يكون مدة صاحبها كذا وكذا سنة. فذكر ايام رسول الله ﷺ ، ثم ايام ابي بكر الصديق، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃، ولم يذكر اسماءهم، وفصل من أحوالهم وسيرهم وأعمالهم شيئا كثيرا. فافتتن به المنجمون حتى ظنوا ان «٤» صنعتهم حق، وأنها تؤدي الى علم، وفتنوا بذلك خلقا كثيرا مما لا يدري من الامراء والوزراء وطبقات الكتاب، وجعلوا ذلك شاهدا لصنعة النجوم ونفقوها، فجرى ذلك بحضرة رجل من علماء المعتزلة فقال للمنجم الذي احتج بذلك في صحة صنعة النجوم وهو إسحق بن فليت اليهودي احد
стр. 81
رؤساء المنجمين في زمانه ببغداد، وكان يتقدم عند كثير منهم على رؤساء منجمي زمانه ومن كان في عصره كابن زكريا «١» النوبختي، وكابن فرخان شاه النصراني «٢» وغلام زحل «٣» : من اين لك يا أبا الطيب ان هذا الكتاب وضعه جانان لكسرى؟ فقال هذا مشهور دائر بين المنجمين لا يشكون فيه، فقال له: عن هذا وصحته سألتك، هل هو اكثر من انك وجدت كتابا مكتوبا منسوبا الى جانان منجم كسرى؟ من اين ان هذا كما كتبه هذا الكاتب وأخبر به هذا المخبر وما معنا وما معكم اكثر من الدعوى؟ وانما هذا رجل وجد كتابه في الاسلام/ وفي ايام بني العباس وفي زمان الديلم منها، وادعى فيه انه قديم وجده فارسيا فنقله، وانما وضعه بعد ان مضت ايام رسول الله ﷺ وأيام خلفائه وايام بني امية والصدر الكبير من بني العباس وعرف ذلك وتيقّنه، فوضع الكتاب بعد ذلك، وحذف اسماء القوم ليظن انه قد وضعه قبل ان يخلقهم الله، فيدعي من يقرأ كتابه ممن لا علم له له الصدق والحذق، ولصنعة النجوم الصحة. وإلا فأرنا إن كان قد اخبر فيه عمّن يأتي من الخلفاء او غيرهم، او ذكر ايامهم واعمارهم على التحقيق كما ذكرها عمن تقدم، حتى يكون لك في ذلك شبهة، فتحير ابن فليت من هذا بعد الخطاب الطويل، ولان بعد شدته، وسكن بعد نزوته، وقال: لعل الأمر ان يكون كما قلت، فقال له المعتزلي: ما اسرع ما رجعت عن تلك الدعاوى، فقال: انا اخبرك، قد قرأت اربع نسخ من
стр. 82
هذا الكتاب المنسوب الى هذا الرجل، وكلها مختلفة، وقد ذكر فيها ان البيت يسقط حجّه وتعظيمه، وانا اتوقع كل سنة واسأل عن الحاجّ فاذا هو لا ينقطع حجّه. ولم يكن بنا قول ابن فليت ولا استدلاله فانه ليس بشيء قوي، ويمكن الخصم ان يدّعي ان ذا سيكون، او يشغب بغير هذا، ولكن الذي ذكره واضع الكتاب ليس في صنعة النجوم شيء منه ومن الاصابة على طريق التفصيل، وانما تتفق لهم الإصابات عن غير علم كما تتفق للعّابين الخاتم والزوج والفرد، وللمتفائلين/ برؤية الثعلب، وللمتطيرين بالغراب والبوم، وما يتفق لهؤلاء من الاصابة اكثر واحسن واسرع لحذاق منجمي الملوك، وهذا يكفيك في بطلان صنعة النجوم، ولم نكن في الرد عليهم، ولكن عرض هذا فذكرناه، وستجد في الرد عليهم اكثر من هذا.
ولكن ذكر الكتاب المنسوب الى جانان وامثاله، يضعه أعداء الأنبياء ليشكوا في اخبارهم، وليجعلوا صوابهم جاريا مجرى إصابة المنجمين، ولينفقوا صنعة النجوم، وليرغبوا الناس في الفزع اليهم وفي التعويل عليهم ويستأكلوهم، ولتتم حيلتهم عليهم وهذا الجنس يسميه المنجمون الهاذور، وانت تجد هذا كثيرا، فيقولون: قال ما شاء الله ابن أبري اليهودي «١» في القرانات كذا وكذا وقد صح، وقال الحسن بن سهل والفضل للمأمون «٢» : كذا وكذا قبل
стр. 83
أن يكون فكان كذلك.
وربما وقع لبعض المؤرخين والاخباريين ممن لا علم له بصنعة الكلام مثل هذه الكتب والاخبار فيذكرها ويضمنها كتبه، فيقرؤها من لا علم له ولا سأل العلماء عنها فيتحير ويضل. وقد صنع الناس في الاسلام مثل هذا، فقصدوا الى امور قد كانت ووقعت فعملوا فيها اشعارا ونسبوها الى قوم قد تقدموا وادعوا انهم قد عرفوها قبل ان تكون، كما صنعوا في قصيدة نسبوها الى رجل يقال له ابن ابي العقب ذكر فيها دولة بني العباس وكيف ابتداؤها، وذكر جماعة من خلفائهم واين ماتوا واين قبورهم، وادعوا انه اخذ هذا عن الأئمة وعن الاوصياء، وهو امر لا اصل له وكذب لا يشك/ فيه، وانما سبيله ما ذكرنا، فاعرف ذلك فانه باب كبير، والمخرق به والمشاكل به كثير، وللجهل به ضلت طوائف من هذه الأمة ممن خالف المعتزلة من طوائف الشيع وغيرهم.
وهذه سبيل الكتب المنسوبة الى اليونانية كأفلاطن وأرسطاطالس وغيرهم، فانها نقلت في الاسلام، وناقلوها ومدرسوها انما هم الواحد بعد الواحد الذين لا يعلم بأخبار جماعتهم شيء، وهم مع هذا أعداء رسول الله ﷺ وأشد الناس حرصا على التشكيك في الاسلام وصدّ اهله عنه، وهم يتسترون بالنصرانية والنصارى لا يرضونهم، ويشهدون عليهم بالالحاد وتعطيل الشرائع والطعن في الربوبية وفي جميع النبوات، وقد حرموهم ونهوا عنهم، كقسطا
стр. 84
ابن اقا «١» ، وحنين بن اسحق وابنه اسحق «٢» ، وقويرى «٣» ، ومتى بن يونس «٤» ، ويحيى بن عدي «٥» ، وهؤلاء مع قلتهم ما جمعهم زمان واحد.
وكان يوحنا القس «٦» مدرس أقليدس والمجسطي وغيره يقول: قد حذف الذين نقلوا كتب هؤلاء كثيرا من ضلالهم وفاحش غلطهم عصبية لهم وابقاء عليهم، واعاروهم واعطوهم ما ليس لهم من معاني الاسلاميين وبيانهم، والعدو اذا كان متدينا لم يؤمن حنقه، فكيف بمن لا يعتقد معادا، ولا يرجو حسابا، ولا يخاف عقابا.
ثم عدت الى ما كتب عليه من ذكر الشهب.
وقد تصفح العلماء الكتاب المعروف بالعلوي»
المنسوب الى ارسطالس
стр. 85
فإنه نقله بعض هؤلاء لبعض الخلفاء من بني العباس ليتحفه به، فما وجدوا فيه ذكرا مصرحا لانقضاض الكواكب، وإنما هو قول محتمل يتأوله بعضهم ويدعى انه أراد به ذلك، وهو بأنه شيء يثور من الارض ويرقى الى الجو/ أشبه.
وقد كان هرون الرشيد ضغط الروم وحاصرهم في بلادهم واذلهم الى ان اجابوا الى اداء الجزية واتقوه بها فأخذها منهم، وكتب اليهم كتابا بيّن لهم توحيد الله وانفراده بالقدم وصدق نبيّه ﷺ ، وذكر فيه قطعة كافية حسنة من اعلام النبوة وأنفذه الى ملك الروم مع رجل من المعتزلة إما معمّر او غيره، والكتاب إنشاء ابي الربيع محمد بن الليث الكاتب القرشي «١» ، وهو موجود في رسائل تاج الاصفهاني «٢» لا اشك، وقد حدثني بعض اهل العلم انه مذكور في «المنثور والمنظوم» لابن ابي طاهر «٣» . وقد ذكر في هذا الكتاب آية الشهب وانقضاض الكواكب واستوفى الحجة فيها، ولم ينفذ هذا الكتاب الى ملك الروم إلا بعد تصفح كتب الاعاجم واستقصاء كل ما يمكن
стр. 86
ان يقال، لتعلم صحة هذه الآية وخوض العلماء فيها قديما.
وقد قال ابو علي ﵀ واصحابه كما قد ذكرنا عنهم ما لا يضرنا ولو ذكر الاوائل كلهم الحجة في الزيادة الناقضة للعادة وامتلأ السماء به عند مبعثه.
وقد جاء في الاثر ان كوكبا انقض فقال النبي ﷺ : ما كنتم تقولون في هذا في الجاهلية «١» ؟ فقال اصحاب ابي علي لأصحاب ابي عثمان «٢» : هذا يدل على انه قد كان لانقضاض الكواكب اثر ثم زاد في المبعث زيادة انتقضت العادة به، فقال اصحاب ابي عثمان: إنما اراد النبي ﷺ بقوله لهم: ما كنتم تقولون في ذلك في الجاهلية، يريد قبل اسلامهم وقبل تصديقهم له. وعلى كلا القولين فالآية ثابتة والحجة قائمة، وليس/ في هذا خلاف في كونها ووقوعها.
وأما ارسطالس هذا فلا معول على ما يقوله، وإن كان اصحابه قد صدقوا عليه فهو غير كامل العقل، لأنهم حكوا عنه ان هذه الاجسام العلوية من الشمس والقمر والكواكب لا يجوز ان تنقسم ولا تتجزأ ولا تتبعض، وان الشمس ليست حارة ومحال ان تكون حارة، وان هذه الاجسام محال ان تكون حارة او باردة، او رطبة او يابسة، او ثقيلة او خفيفة، او لينة او خشنة، ومحال ان تكون هذه الكواكب اكثر مما هي بكوكب واحد، او ينقص منها كوكب واحد، ومحال ان تكون الشمس اكثر مما هي او اقل، ومحال ان يكون لها لون او ريح او طعم.
стр. 87
وهذا الذي احاله هذا الرجل جوازه قائم في العقل، يعلمه كل عاقل من عالم وجاهل، ونظار وغير نظار، فإن كان عاقلا وبلغ به المحل واللجاج الى أن ركب هذه المجاحدة والمكابرة فيما هو في فطر العقول كلها وفي اوائلها، فمن يعده او يعتد بقوله او يذكره فيمن يرد عليه ويتتبع عوراته وهو عورة كله من اوله الى آخره؟ ولو لم يكن له من الجهل والخروج من العقل إلا هذا لكفاه وأغناه، بل لو قسمت هذه الجهالة على جميع اهل الارض، من اولهم الى آخرهم لحطت منازلهم، واسقطت اقدارهم، حتى لا يعدوا فيمن ينقض عليه ويرد قوله. كيف، وله من الجهالات المستخفة المسقطة غير هذا مما إن طلبته وجدته ووقفت عليه.
ومن جهله انه اعتقد ان السماء والشمس والقمر والكواكب، عاقله مميزة سميعة بصيرة ضارة نافعة تحيي وتميت/، وان كل حادثة في هذا العالم من فعلها وتأثيرها. والعلم بأن السماء والشمس والقمر والنجوم جمادات وموات كالعلم بأن شعاع الشمس وشعاع القمر وضوء الكواكب والبرق والغيم والريح والمطر والبحر والماء والهواء والارض والنار جماد موات، ولا فرق بين من ادعى في الارض والنار والماء والهواء والنبات ذلك او ادعاه في الكواكب، بل كانت دعواه في الطعام والشراب والهواء واشباه ذلك انها حية قادرة نافعة ضارة تحيي وتميت اجدر وأدخل في الشغب ممن ادعى ذلك في الشمس والقمر والسماء والكواكب، فيقول: وجدت الهواء حيث كان جاز ان يكون معه الحيوان، وحيث لا يكون لا يكاد يوجد حيوان، وإذا ركد مرض الأصحاء ونهك المرضى وتعفن عنده الثمار والطعام والنبات، فعلمت انه حيّ سميع بصير قادر يحيي ويميت.
ثم يصير الى الماء فيقول: عند وجوده يوجد الحيوان والنبات وعند عدمه
стр. 88
يتلف الحيوان والنبات، فعلمت انه حي ناطق سميع بصير نافع ضارّ.
ثم يصير الى الارض ومرافقها فيذكر منها مثل ذلك، لما فيها من النبات والمعادن.
وكذلك في النار قال: ألا ترى انها تعقد شيئا كالبيض وما أشبهه، وتحل شيئا كالنحاس والرصاص والذهب والفضة وما أشبه ذلك، وتبيض شيئا وتسود شيئا، فعلمت ان هذه الأشياء كلها حية ناطقة سميعة بصيرة فعالة.
وهذا قول ماني، حتى قال في اجسام العالم كلها وفي كل جزء منها، حتى قال ذلك في الحديد والحجارة والحطب. والمنانية تقول في الاصوات التي تسمع عند قلي السمسم والباذنجان واصوات/ غليان القدور واصوات الحطب عند التشقيق، هذا كله صراخ وضجيج منها، لما تجره من الآلام.
والمنانية تزعم ان الفلاسفة عنها اخذت هذه المذاهب، وانما ذكرت لك بهذا المكان لتعرف مقدار عقول الزنادقة والملحدة، ولولا فتنة قوم من الرؤساء والكتاب والوزراء بهم لما ذكرناهم، ولكن هؤلاء لغافلتهم وسوء تمييزهم قد اغتروا بهم لما ذكرناهم. وصارت هذه الباطنية تدعو اليهم، وتضع الروايات الكاذبة عن اهل البيت فيهم، فوجب ان نذكرهم بما فيهم ويصدق عليهم، ليعرفهم الناس.
وباب آخر [دعوة رسول الله على مضر وإمساك القطر عنهم]
ومن آياته ﷺ ، انهم لما كذبوه وآذوه في نفسه واصحابه دعا عليهم فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر، وابعث عليهم سنيّ كسنيّ يوسف ﷺ ،
стр. 89
فأمسك عنهم القطر حتى جفّ النبات والشجر وماتت الماشية، وحتى اشتووا القد «١» وأكلوا العلهر «٢» ، وتفرقوا في البلاد لشدة الحال. فوفد حاجب ابن زرّارة الى كسرى فشكا اليه ما نالهم، وسأله ان يأذن له في الرعي بالسواد ورهنه قوسه، وهي قصة معروفة نزل بها القرآن وجرى فيها الخوض، وهو قوله : «فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ، يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ «٣» » . والدخان الجدب «٤» ، ثم سمي دخانا لأن الغبار يرتفع في عام الجدب فيكون كأنه دخان، ولذلك سميت سنة الجدب غبراء لارتفاع الغبار فيها، وهذا شيء قد كان ومضى، ولا يجوز ان يكون هذا مما لم يأت، لأنه يقول: «يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ «٥» » . ثم ورد على نسق/ «إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ، يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ» يعني يوم بدر، وهذا كله يدل على ان الدخان قد انقضى ومضى، وانه بدعائه، لأن العذاب في الآخرة لا يجوز ان ينكشف ولا يخف. وقد قال في هذا: «إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ» والعود الى المعاصي في الآخرة لا يقع ايضا. وكان انكشاف العذاب عنهم بدعائه ايضا، فأتاهم الغيث وكثر، ثم عادوا الى طغيانهم.
стр. 90
قال اصحاب عبد الله بن مسعود «١» : كنا عند عبد الله جلوسا وهو مضطجع بيننا، فأتى رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن إن قاصّا عند ابواب كندة- يعني الكوفة- يقصّ، يزعم ان آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام. فقال عبد الله: - وجلس وهو غضبان- ايها الناس اتقوا الله، ومن علم شيئا فليقل بما يعلم، ومن لا يعلم فليقل الله أعلم، فإن الله قال لنبيه ﷺ : (قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) «٢» . إن النبي ﷺ لما رأى من الناس إدبارا قال:
اللهم سبعا كسنيّ يوسف صلى الله عليه، فأخذتهم سنة حصدت كل شيء حتى اكلوا الجلود المنتنة والجيف، وينظر احدهم الى السماء فيرى دخانا من الجوع؛ فأثاه ابو سفيان بن حرب، فقال: يا محمد إنك حيث تأمر بالطاعة وبصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم. قال ابن مسعود:
فكانت الدخان سنين كسنيّ يوسف ﵇ فكشف عنهم، اما ترونه قال: (إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ) بعد ان قال له: فارتقب فارتقب ﷺ ووقع، ثم دعا فكشف. والبطشة/ الكبرى يوم بدر. وقد مضت آية الروم وآية الدخان والبطشة واللزام.
باب
ومن آياته بمكة، أنه ﷺ لما جمعهم ووعظهم ودعاهم الى اتباعه ومفارقة ما هم عليه من ديانات آبائهم ردّوا قوله، ومشى بعضهم الى بعض وقالوا:
стр. 91
(امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ، أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً؟) «١» وتوعدوه بكثرتهم وعزهم وأموالهم، ووثقوا بذلك، وغرهم ما رأوا من ضعف رسول الله ﷺ ووحدته وتوعدهم رسول الله وهو في تلك الحال، فأنزل الله (جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ) فكان كما أخبر وكانت العقبى له.
فتأمل الامر في ذلك تجده عظيما لأنه توعدهم بالحرب قبل الحرب وقبل الجماعة وفي حال الضعف، وهو معهم وفي أسرهم وفي قبضتهم، فبعثهم على قتله واستئصاله، وهيّجهم على بذل المجهود واستفراغ الوسع في مكارهه، وهذا لا يقع من عاقل إلا ان يكون واثقا بالله، ساكنا الى تنزيله ووحيه.
واذا وفّيت النظر حقه لم تجد لرسول الله ﷺ في اخوانه من النبّيين والمرسلين صلوات الله عليهم اجمعين نظيرا في الضعف والوحدة، ومن خالف قومه تلك المخالفة وهاجهم وأسخطهم ذلك الاسخاط، واخبرهم بما سيكون من قوته وغلبة الجبابرة من الأمم قبل ان يكون ذلك او يكون له امارة تقتضى، فصارت الامور في القوة والظهور الى ما قال، فابتدأ ابتداء الشمس وامتدّ امتداد النهار.
باب [ما كان بمكة حين بكى الرسول عليهم قوله تعالى: اقتربت الساعة]
مما كان بمكة، حين تلا عليهم سورة «اقتربت الساعة» وقص عليهم أمة أمة من الذين كذبوا الرسل، وما نزل بهم من النكال والبوار، الى ان انتهى الى قوله: (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ
стр. 92
جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ. سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ «١» فكان إدلالهم بكثرتهم وكثرة من يساعدهم على عداوته ومحاربته، وانه ان صارت له جماعة فجموعهم أكثر، والأموال والسلاح والكراع والعدة معهم لا معه، فكان ظاهر الرأي ومقتضى الحزم ان يكون لهم لا له، إلا ان يكون من الله مالك القلوب وناقض العادات لأنبيائه، فكان كما قال، وكانت العقبى له.
باب آخر [ما نزل بمكة من قوله تعالى «فاستمسك الذي اوحى اليك ... » ]
مما نزل بمكة قوله: «فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ» «٢» أي شرف ونبل وجلالة، فهو عز ومعجز. ثم قال: «وسوف تسألون» أي عن شكر هذه النعمة، فكان كما أخبر وكما فسر فان القرآن بانت آياته، وظهرت بيناته، وقامت حجته، وكملت النعمة على رسول الله ﷺ وعلى صحابته به، فشرفوا وعزوا بمكانه، وذلك من الأمور البينة الواضحة؛ فانك تجد الفقهاء والعلماء قد أجلّوا القرآن ومن قرأ القرآن ومن عرف علوم القرآن، ولهذا قال لقريش في ابتداء المبعث: «قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ» «٣» يريد القرآن، وانه عز ونبل وشرف، وستشرف به امم ممن/ تمسك به ودعا اليه، وقد فاتكم ذلك لإعراضكم، فكان ذلك كما أخبر.
стр. 93
وفي هذا المعنى قوله «أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى» «١» فتأمل ما في هذا، فإنه ﷺ ما عرف العزّ بالأبوين كما يعرف من رباه أبواه؛ فان أباه مات وهو حمل، وماتت أمه وهو رضيع، فاواه الله اكرم إيواء، فلما كمل، آتاه النبوة وعصمه وصانه، وأخبره ان الآخرة خير له من الأولى، فإنّ آخر أمره في عاجل الدنيا في النصرة والعزّ، وثواب الآخرة خير من الأولى؛ «وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى» ، أي ذاهبا عن النبوة لا تدري ما هي ولا تعرف القرآن.
وفي مثل هذا المعنى قوله : (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ.
وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ. الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ. وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ) فإن ذكره ارتفع بالصدق والوفاء وقيام الحجة، فما وجد له اعداؤه كذبة ولا ذلة ولا هفوة مع حرصهم على ذلك، وما بارت له حجة، ولا زلّت له قدم، ولا أسكته خصم، مع كثرة الخصوم له، وطلب العلل وطول المجادلة.
باب آخر [من اعلامه قوله «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ» ]
من أعلامه، وهو قوله «قُلْ: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً» «٢» وفي هذا إخبار عن غيوب كثيرة، لأنه قال لكل واحد من الإنس والجن:
إنك لا تأتي بمثل هذا القرآن ولا أحد يأتي بمثله في كل حال منفردين ولا مجتمعين، فما أتوا به مع حاجتهم الى ذلك وشدة حرصهم عليه، أفمن هذا تعجب؟ أم من إقدامه على الإخبار بذلك وهو لا يعرف العرب كلها ولا
стр. 94
يحصى قبائلها/ ورجالها ونساءها، والفصاحة والبلاغة مثبوتة في رجالها ونسائها وعبيدها وإمائها وعقلائها ومجانينها، وقد علم ﷺ أنهم في اللغة والبلاغة قبله، وهو منهم تعلم، وهو عاقل، فلولا أنه قد تيقن أنهم لا يأتون بذلك لما أقدم على الإخبار بذلك، سيما والذي ادّعاه امر عظيم وخطب جسيم، وهو النبوة والصدق والعصمة ونفاذ امره في النفوس والأموال ووجوب طاعته على كل احد الى ان تقوم الساعة، وحجته في ذلك كله هذا القرآن؛ وهذه من الآيات التي نزلت بمكة، ولو نزلت بالمدينة او أين نزلت لكانت الحجة بذلك قائمة لا تأثير للأماكن في ذلك ولا للأزمنة، وإنما نذكر الأماكن لأن الأعداء لما أفلسوا وافتضحوا، أخذوا في تشكيك الملوك والمترفين ومن يحب الرّخص ومن لم ينظر ويتأمل ويسمع من العلماء، أن هذا القول إنما قاله في آخر امره وفي آخر عمره.
واعلم أن القرآن حجة من ثلاثة أوجه: فكل سورة منه حجة من طريق الفصاحة والبلاغة، وهو حجة لما فيه من الاخبار بالغيوب، وهو حجة لما فيه من التنبيه على دلائل العقول، فإن ذلك جاء على طريقة انتقضت به العادة، وقد مرّ بك طرف منه في المصباح «١» ، ولعل اكثر منه ان يرد عليك، فانما انت في ذكر الإخبار بالغيوب وما يجري مجراها، ثم نصير الى البابين الآخرين والى مسائل الخصوم في ذلك والأجوبة عنه إن شاء الله.
من دلائله وإعلامه ﷺ ، وهو إخباره عما في الكتب المنزلة وما تضمنته من/ خلق آدم صلى الله عليه، وما كان له مع الملائكة صلوات الله عليهم،
стр. 95
ومع ولده، ومع ابليس، وما كان لنوح مع قومه، ثم ابراهيم، وإسحق، ويعقوب، والاسباط، وعيسى، وأيوب، وموسى، وهرون، وغيرهم من النبيين صلوات الله عليهم اجمعين، وهو ما قرأ تلك الكتب ولا عرف ما فيها ولا اختلف الى اهلها ولا اختلفوا اليه، فتعلم انه ما علم ذلك إلا بوحي الله اليه واطلاعه عليه، وهي اخبار كثيره لا يقع الصدق فيها إلا بالوحي من الله .
فإن قيل: أين لكم انه ما قرأ الكتب، ولا كان يختلف الى اهلها ولا اختلفوا اليه وأنتم ما أدركتم زمانه، وقد قال له عدوه: «وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا «١» » وقالوا: «إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ «٢» » ؟
قلنا: ما ادّعينا ان خصومه ما ادّعوا ذلك عليه، وليس دعواهم حجة عليه، بل لما انقطعوا وقامت حجته ادّعوا هذا عليه، ونحن وإن لم نكن في زمانه ﷺ ، فقد علمنا انه ما قرأ هذه الكتب ولا اكتتبها ولا اختلف الى اهلها، ولا اختلفوا اليه، ولا تلقى ذلك عن احد من الناس، لأنه ما من أحد يطلب فنا من الفنون إلا وله في ذلك تارات وطبقات؛ فأول ذلك ان يكون طالبا وسائلا عمن عنده هذا الادب وهذا الفن من العلم والادب، ثم يختلف الى اهله ويصحبهم، فيكون تارة مبتدئا، ثم متوسطا ثم ماهرا متقدما. وكل هذه الاحوال معروفة معلومة لأهل زمانه، لا يجوز ان يذهب عليهم، ولا يجوز ان يخفى ولا يكتم عن احد كائنا من كان. فلو كان قد
стр. 96
تعاطاه ﷺ / ثم اكتتم عليه، لكان ذلك من اكبر آياته وأعظم معجزاته، فاذا العادة قد انتقضت به، فقد اعطاه الخصم اكثر مما ادّعى، ولو جاز ان يخفى ذلك ويتستر على احد من الناس، لما استتر ذلك على محمد ﷺ لأن عدوّه وطالبه والمتتبع لأمره والمفتش عن احواله من قريش والأقربين من أهله ومن دهاة اليهود والنصارى وغيرهم كثير، والطلب منهم شديد ودعواه النفسية عظيمة، وقد ادّعى عليم الفرية والكذب ولنفسه الصدق، وحجته عليم ألا يكذب في شيء ولا يناقض، ثم إن الذين اتبعوه لأنه نبي وصادق.
وقد عرف عدوه ووليّه منشأه ومتقلبه ومثواه، ومعهم سافر، وبينهم تربى ونشأ، وأزواجه إنما هنّ بنات اعدائه وأوليائه الذين اعتقدوا صدق نبوته، وهن ممن يعتقد صدقه ونبوته، فمن هذه سبيله، يتعلم الكتابة بالقلم الواحد او بالأقلام المختلفة، ويكتب ويقرأ، ويختلف الى اهل هذه اللغات ويصحبهم ويأخذ عنهم، ويتستر ذلك على اهله ونسائه وعدوه ووليه؟ هذا لا يعتقده من تأمل الامور وتدبرها. بل لو كان ذلك له ﷺ يوما واحدا او ساعة واحدة، لعلم به الأولون والآخرون للاحوال التي اختص بها مما قدمنا ذكره. ولا فرق بين من ادّعى هذا عليه، او ادعى انه قد كان مرة تهوّد وأظهر اليهوديّة، وخرج فأقام مرة ببابك، ومرة ببيت المقدس، وأنه كان مرة تنصّر ولبس المسوح وأقام في البيع، وخرج مرة وأقام ببلاد الروم وصام صوم النصارى وأفام أعيادهم وكان يحلق وسط رأسه كصنع الرهبان، وأن ذلك/ كله تم له وخفي على اهله ونسائه وعدوه ووليه.
فتأمل رحمك الله هذه الآية فإنها عظيمة جليلة، ولو لم يكن له الا هي لكفت وأغنت. وانظر كيف يقول، قد اقتص قصة نوح ﵇ ثم قال في آخرها: (تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ. ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا
стр. 97
قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا. فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ «١» ) وانظر كيف يقول له:
إن هذا ليس من علمك ولا من علم قومك، والعدوّ والوليّ يسمع ذلك.
وتأمل قوله في قصة يوسف ﵇ (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ، وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ) «٢» ثم عزاه وقال له: آياتك بيّنة وحجتك قائمة وإن عصوك، فما هاهنا شبهة في مخالفتك، ولا أمر يصدّ عن اتباعك، ولست اول من قامت حجته فلم يتبع، فقال له: «وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ. وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ. وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ» «٣» .
وانظر كيف يدل ويستطيل ويصول على العدو والولي بأن هذا إنما ناله بالوحي، وانه ما قرأ كتابا ولا خط، وأنه قد كان في غفلة من هذا فقال:
«وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ. وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ» «٤» .
وقال له في أول سورة يوسف: «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ» «٥» . ثم يقول في آخر السورة: «لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ
стр. 98
يُؤْمِنُونَ» «١» .
وتأمل قوله في سورة القصص: «وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ «٢» » الى قوله: «وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ. وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ» وانظر الى هذا الاحتجاج بأنه ما نال هذا ولا عرفه إلا بوحي من الله.
وانظر الى قوله في سورة طه: «وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ، أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى «٣» » . فتأمل هذا الاستعلاء على العدو والولي بأن من آياته وعلاماته ما في الصحف الأولى.
وكان مما طعن به ابن الراوندي في هذه الآية ان قال: إن كان معرفته بهذا دلالة على نبوته فمعرفة اليهود بذلك دلالة على نبوتهم، وهذا جهل من هذا الأحمق، لأن اليهود قد قرؤوا ذلك وكتبوه واخذوه عن آبائهم وشاهدوه فلا يكون حجة لهم، وهذا ما قرأه ولا كتبه ولا اخذه عنهم ولا عن احد من الناس كما دلت عليه العقول، فهو حجة عليهم وعلى غيرهم، ولو ان إنسانا ادعى النبوة، وجعل دلالته بأن اخبرك عن كتاب معك ما قرأه ولا وقف عليه وإنما وقفت انت عليه فيما لا يقع بالاتفاق ولا بالحدس، لكان ذلك دلالة في نبوته ولم يكن دلالة لك، وكذلك إذا اخبرك عما اكلت وشربت وادخرت، ولكن اشتبه على هذا الملحد لفرط جهله وبعده من التحصيل، ولولا ان الاشعرية والرافضة والنصارى والزنادقة يرون هذا الرجل بعين المحصلين لما ذكرنا اسئلته لركاكتها، ولكنه صنف شيئا للمشبهة،
стр. 99
وشيئا/ للمجبرة، وشيئا للرافضة، فسروا به لنقصهم، وشهدوا له بالحذق لفرط غباوتهم وانهم لا يعرفون الاسلام وأهله، فمن اظهر لهم التصويب قبلوه لضعفهم وسوء احوالهم، وقبله اليهود والنصارى وحذقوه، لأنه شتم محمدا رسول الله وأظهر تكذيبه، وهو فقد شتم ابراهيم واسحق ويعقوب وموسى وهارون ويحيى وعيسى وجميع النبيين صلوات الله عليهم اجمعين وكذبهم، ولكن اليهود والنصارى بلا حجة ولا بصيرة في مخالفتهم المسلمين، فمن عادى محمدا ﷺ تولوه وإن كان عدوا لأنبيائهم، كما لا بصيرة لأهل بدع الاسلام من المشبهة والمجبرة والرافضة. وهذه السور مثل القصص وهود ويوسف من المكيات فاعلم ذلك.
باب آخر [من اعلامه اخباره عن النصرانية ومذاهبها]
من آياته وأعلامه، وهو إخباره عن النصرانية ومذاهب النصارى من هذه الطوائف الثلاث منهم، وهي الباقية القائمة الراهنة في قولهم ان المسيح عيسى ابن مريم هو الله، وان الله ثالث ثلاثة؛ فان هذه الطوائف الثلاث من الملكية واليعقوبية والنسطورية «١» ، لا يختلفون في ان المسيح عيسى بن مريم ليس بعبد صالح ولا بنبي ولا برسول، وانه إله في الحقيقة، والله في الحقيقة، وانه هو خلق السموات والارض والملائكة والنبيين، وانه هو الذي أرسل الرسل وأظهر على ايديهم المعجزات، وان للعالم إلها هو آب والد لم يزل، غير مولود، وانه قديم خالق رازق، وإله هو ابن مولود، وانه ليس باب ولا والد، وانه قديم حيّ خالق رازق، وإله هو روح قدس ليس باب والد
стр. 100
ولا ابن مولود/ وانه قديم حيّ خالق رازق، وان الذي هو ابن نزل من السماء، وتجسم من روح القدس ومن مريم البتول، وصار هو ابنها إلها واحدا ومسمى واحدا وخالقا واحدا ورازقا واحدا، وحبلت به مريم وولدته، وأخذ وصلب وألم «١» ، ومات ودفن، وقام بعد ثلاثة ايام وصعد الى السماء وجلس عن يمين ابيه. فحكى قولهم في ان المسيح هو الله وان الله ثالث ثلاثة.
وهكذا مذهبهم في الحقيقة ولا يكادون يفصحون به، بل يدافعون عن حقيقته ما امكنهم، حتى ان ارباب المقالات واهل العناية به من المصنفين لا يكادون يحصلون مذهبهم، وإنك لتجد النظّارين منهم والمجادلين عنهم اذا سألتهم عن قولهم في المسيح، قالوا: قولنا فيه انه روح الله وكلمته مثل قول المسلمين سواء، او يقول: إن الله واحد. وتجده ﷺ وقد حكى حقيقة مذهبهم، ولم يكن من المجادلين ولا من المتنبئين، ولا ممن يقرأ الكتب ويلقى اهلها، ولا من المتكلفين، ولا كانت مكة والحجاز اذ ذاك بلاد فيها شيء من هذا، فانتشر هذا عنه ﷺ ، وفتش الناس عنه بعد ذلك فوجدوا الأمر كما قال وكما فصل، بعد الجهد وطول الاستقصاء في الطلب والتفتيش. وما اكثر ما تلقى منهم فيقول: ما قلنا في المسيح انه الله، ولا قلنا: إن الله ثالث ثلاثة، ومن حكى هذا عنا فقد أخطأ وكذب، ليعلم ان وقوف محمد ﷺ هذا انما هو من قبل الله ، وان ذلك من آياته.
فإن قيل: فإن قولهم في هذا وأن الله ثلاثة أقانيم جوهر واحد، كقول المسلمين بسم الله الرحمن الرحيم، وكقولهم في الله أنه حيّ قادر عالم.
قيل له: هذا غلط على النصارى، وليس قولهم في التوحيد من قول
стр. 101
المسلمين بسبيل، وإنما يقول هذا من يروم المغالطة والفرار من فحش المقالة، / لأن الله عند المسلمين هو الرحمن وهو الرحيم وهكذا العالم القادر، وهي ذات واحدة لها صفات كثيرة، وأسماء كثيرة. وعند النصارى، أن الله الوالد ليس هو الابن المولود، ولا يجوز ان يكون الأب الوالد ابنا مولودا، ولا الابن المولود أبا والدا، وكذا روح القدس، ومن قال غير هذا فليس من النصارى؛ فان بليت منهم بمن هذه سبيله أعني الجحود لهذه المقالة الفاحشة فقل: إن كنت تريد أن هذا قولك وكذا تختار فما يدفعك عن هذا؟ فأما ان يكون هذا قولا للنصارى فهذا كذب وبهت، ولو أسلم نصارى عصرنا كلهم لما خرج هذا من ان يكون قولا لمن سبق وتقدم من هذه الطوائف الثلاث، فاعلم ان هذا هو مذهبهم في التثليث، قد حصل العلم به ولهم فيه ضرب أمثال، وذلك في تسابيحهم وأقاويلهم في عباداتهم، ألا ترى انهم يقولون في تسبيحة القربان في الساعة التي يكونون فيها خاضعين يتوقعون بزعمهم نزول روح القدس لقبول فاتور القربان: ليتم علينا وعليكم نعمة الرب يسوع المسيح بن مريم ومحبة الله الآب ومشاركة روح القدس أبدا الى دهر الداهرين.
ويقولون في تسبيحتهم التي يسمونها تسبيحة الإيمان التي وضعت بنيقية»
من بلاد الروم، وهذا كان بعد المسيح ﵇ بنحو ثلاثمائة سنة، حين جمعهم قسطنطانوس ابن فيلاطس «٢» ملك الروم، الذي امه هيلانة الحرّانية
стр. 102
الفندقية، جمعهم ليعملوا تقريرا في ايمانهم يحملون الناس عليه ويأخذونهم به فمن أبى قتلوه، واجتمع عنده نحو ألفي رجل، فقرروا تقريرا ثم رفضوه، ثم اجتمع ثلثمائة رجل وثمانية عشر رجلا وهم يسمونهم الآباء، فقرروا هذا التقرير، وهم يسمونه سنهودس/، فكان تقريرهم لهذه التسية وهي أصل الأصول عند جميع هذه الطوائف لا يتم لأحد منهم عندهم إيمان إلا بها وهي:
«نؤمن بالله الأب الواحد، خالق ما يرى وما لا يرى، وبالرب الواحد يسوع المسيح بن الله بكر أبيه وليس بمصنوع، إله حق من إله حق، من جوهر أبيه الذي بيده اتقنت العوالم وخلق كل شيء، الذي من أجلنا معشر الناس ومن أجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسد من روح القدس ومن مريم البتول، وصار انسانا، وحبلت به مريم البتول وولدته، وأخذ وصلب وقتل امام فيلاطس الرومي، ومات ودفن وقام في اليوم الثالث كما هو مكتوب، وصعد الى السماء وجلس عن يمين ابيه، وهو مستعد للمجيء تارة اخرى للقضاء بين الأموات والأحياء.
ونؤمن بالرب الواحد روح القدس، روح الحق الذي يخرج من ابيه، روح محييه، وبمعمودية واحدة لغفران الخطايا، وبجماعة واحدة قديسيّة سليحيّة «١» جاثلقية، وبقيام أبداننا، وبالحياة الدائمة الى أبد الآبدين» .
فتأمل هذا الشرح وهذا التفصيل والكشف في التثليث والتشبيه، وكيف
стр. 103
يعتقدون في الله حقيقة المدبرين المصنوعين من النزول والصعود والولادة وغير ذلك.
فان قالوا: فانا لا نقول انها ثلاثة آلهة، فكيف يحكون عنا التثليث؟
قلنا لهم: انكم قد أعطيتمونا معنى التثليث وأشعتموه واستوفيتم حقائقه، ومنعتم/ بعض العبارة عنه، ألا ترون انكم تقولون إله هو أب والد حيّ قادر قديم عالم خالق رازق، وإله هو ابن مولود كلمة حي قديم خالق رازق ليس باب ولا والد ولا يجوز ان يكون والدا ولا أبا، وإله روح قدس حي عالم قديم خالق رازق. ثم قلتم هي ثلاثة أقانيم، فقلتم في كل واحد منها انه إله ورب وقديم، وامتنعتم من الاقرار بالجملة وقد أعطيتم التفصيل، وما مثال ذلك إلا كمن قال: عبد الله العربي «١» رجل وانسان وجسم وشخص، وخالد الفارسي «٢» رجل وانسان وجسم وشخص، وزيد الرومي رجل وانسان وجسم وشخص، قلنا: فهولاء ثلاثة رجال، وثلاثة أناس، وثلاثة اشخاص، وثلاثة اجسام. فقلتم: لا، بل هم رجل واحد. قلنا: لا يؤثر امتناعكم من اطلاق هذه العبارة في شيء قد أشيعت حقيقته. وفيهم من يمتنع من ان يقول في كل واحد من هذه الثلاثة انه غير صاحبه، ثم يقولون:
ما شبهنا ولا مثلنا، فكانوا كالمشبهة الذين يقولون: إله يصعد وينزل ويقعد على العرش، ثم يقولون: ليس كمثله شيء.
والذي يمنع النصارى من اطلاق القول بأنها ثلاثة آلهة متغايرة مختلفة وان كانوا قد اعطوا معنى ذلك، إلا لأنهم صدقوا بكتاب الله التي صدق
стр. 104
بها المسيح ﵇، وهي مملوءة بتوحيد الله وتفرده بالقدم، وانه لا يشبه الأشياء، وانما هذه البدع ابتدعوها بعد المسيح، فأرادوا حمل بدعتهم في الشرك على ما في كتب الله فلم يتم ذلك وحصلوا على محض الشرك والتشبيه/.
فإن قيل: قد لعمري صدقتم فيما حكيتم من التثليث، فإن الملكية تقول فيه: إنه إله حق من إله حق من جوهر ابيه، وان القتل والصلب والولادة وقعت عليه بكماله؛ واليعقوبية تقول: حبلت مريم بالإله، وولدت الإله، وقتل الإله، ومات الإله، فما عندكم في النسطورية؟ فإنهم قد قالوا في المسيح انه مركب من نوعين وأقنومين «١» وطبعين، من إله ومن انسان، وان الولادة والقتل إنما وقعتا بالانسان وهو الذي يسمونه الناسوت.
قيل له: لو كانت النسطورية تقول في المسيح كما يقول المسلمون لما قدح ذلك في الخبر ولا اثر في العلم لأن التثليث قد وقع، كيف والنسطورية ترجع الى القول في المسيح الى قول اخوانهم من الملكية واليعقوبية، فيقال للنسطورية قد قلتم إنه إله حق من إله حق من جوهر ابيه، وقلتم إنه إله تام من إله تام، ثم قلتم إن لاهوته مولود من قبل الأب وناسوته مولود من قبل الأم، والولادة قد احاطت به من كل وجه ومن كل جهة؛ وايضا فإنكم تمدحون الإله بالولادة كما يمدحه المسلمون بتنزيهه عن الولادة، وتقولون لو لم يكن والدا لكان عقيما، وكل حى لا يكون والدا فإنما ذاك لنقص وآفة وعاهة.
فلا ينبغي ان تغالطوا عن حقيقة قولكم.
ثم يقال لهم: اخبرونا عن مريم هل حبلت بالمسيح في الحقيقة، وولدت
стр. 105
المسيح في الحقيقة، وربت المسيح واطعمت المسيح في الحقيقة، وهي/ ام المسيح في الحقيقة؟ فإن قالوا: ولدت ناسوت المسيح او حبلت ناسوت المسيح قلنا: لم نسألكم عن هذا، فإن ناسوت المسيح عندكم ليس هو المسيح وإنما المسيح هو اللاهوت، ولاهوت المسيح عندكم ليس هو المسيح إنما هما مجموعهما المسيح، اجيبونا، فان كانت مريم قد ولدت المسيح في الحقيقة وحبلت بالمسيح في الحقيقة، فقد حبلت بالإله والانسان وولدت الإله والانسان، وهي ام الإله والانسان، وقد قتل الإله والانسان، وألم الإله والانسان، ومات الاله والانسان؛ فقد تبين ان قولكم وقول الملكية واليعقوبية في ذلك سواء. وإن قالوا ما ولدت المسيح في الحقيقة، ولا هي ام المسيح في الحقيقة قلنا لهم: فليس هذا قول احد من النصارى ولا قول المسلمين ايضا بل هو قول اليهود، فانهم قالوا: إن مريم ما حبلت به.
وإن قالوا: نقول هي أم المسيح على المجاز، ومات المسيح في المجاز، قلنا لهم: لم نسألكم عن المجاز، إنما سألنا عن الحقيقة، فانه على هذا التقدير ربما ايضا يكون حمل مريم من غير ذكر مجاز، وإحياؤه المؤتى مجاز، وجميع ما يدعونه له مجاز، وهذا لا سبيل اليه، لأنهم إن قسموا أفعاله من من لاهوته وناسوته وجب ذلك كله، لأنه اذا احيا الموتى وأظهر الآيات فانما ذلك فعل اللاهوت واللاهوت وحده ليس بمسيح، واللاهوت ما رآه الناس فلا يجوز ان يقال رأى المسيح، وإذا أكل وشرب ونام واستيقظ فذلك فعل الناسوت والناسوت وحده ليس بالمسيح، فقد وجب/ جميع ما قدمناه
وهم لا يصيرون اليه ولا يلتزمونه، ومن صار اليه خرج عن النصرانية وعن جميع اقوال المثلاثة. وقد علمت ان حقيقة قولهم ما في تسبيحة ايمانهم وهي اصل الاصول، وليس لأحد من طوائفهم عنها ولا عن شيء منها
стр. 106
معدل، وإنما وضعت حين صار الملك الى هذا القول، وحين خالفهم آريوس «١» الافصاح بالمذهب ولرفع التأويل والأوهام في المقالة.
وعند هذه الطوائف الثلاثة، ان المسيح صار مسيحيا وإلها خالقا رازقا معبودا حين بشّر الملك امه وساعة الحمل به، فاتحد به الإله فصار جميعا مذ ذاك مسيحا واحدا وإلها واحدا، وأن الاتحاد ما انتفض عندهم ولا بطل، ولا خرج عن المسيحية والإلاهية لا في حال الحبل ولا في حال الولادة ولا في حال النوم ولا في حال الأكل ولا في حال البول والتغوّط ولا في حال المرض ولا في حال القتل ولا في حال الموت، وأنه في جميع هذه الأحوال مسيح وإله ورب معبود وخالق ورازق ومدبّر.
ويقولون: هو احيا نفسه بعد الموت لأنه محال عندهم ان يحيي الموتى غير المسيح، وقد علمت تسبيحة الايمان وتفصيلها فارجع اليه، ففيه أتم كفاية لتعلم مغالطة النسطورية وجميع من يجادل عن النصرانية. وقد قال فولوص «٢» - وهم عندهم فوق الانبياء وقد ذكر صنيع اليهود بالمسيح-:
стр. 107
لو علموا لما صلبوا رب المجد الذي له الحمد والبركات ابد الدهر. وقال/ ايضا:
الذي ليس بمعاين عوين، والذي ليس بمحسوس حس، والعالي على الزمان أبتدىء، وابن الله صار ابن الانسان، وألم الذي لم يكن يألم ووالده الله، فتأمل ما في هذا فانه يفصح بأن الله لم يكن يعاين فصار يعاين، ولم يكن يحسّ فصار يحسّ ويدرك، وأنه كان قبل الزمان فابتدىء وصار في الزمان، وألم الذي لم يكن يألم، وابن الله صار ابن الانسان، وصار ابن الانسان ابن الله ووالده الله، وهذه صفات المسيح الذي هو عندهم الله وابن الله. قالوا:
وقد قال الآباء- وقد ذكروا ما صنع فيلاطس الرومي واليهود-: انهم لما صلبوا رب المجد عرفوه.
قالت النصارى هذه كلها اقاويلنا وفيها حقيقة مذهبنا.
قالوا وقد قال الفاضل ياوانس: المساوى للأب جاء الى العالم في الرحم البتول، وكان قبل ان يكون آباؤه ابراهيم وإسرائيل وداود، وهو ابن الله قبل ان يدعى ابن ابراهيم وداود. وقالوا: فهذه حقيقة ديننا، فان جاء فيه ان الله انسان او من جنس الناس، او أنه يتقلب في الصور والهيئات وينتقل ويتشكل لم ننفر من ذلك، ولم ندع ما اسسه الأباء والقدوة لما يوجب الجدل ويلزم في النظر. فتأمل هذا، وقولهم: المساوي للآب جاء الى العالم في الرحم البتول وكان قبل ان يكون آباؤه ابراهيم وإسرائيل وداود وهو ابن الله قبل ان يدعي ابن ابراهيم وداود، لتعلم ان اعتقادهم وقولهم ان هذا الذي ولدته مريم هو ابن الله وهو الله، وأنه مثل الأب الذي في/ السماء على العرش عندهم، وأن هذا هو الذي لم يزل، وأن الذي حدث وتجدد ولادة مريم له، وأن ابراهيم وإسرائيل وداود انما صاروا آباءه من قبل امه لأنها
стр. 108
من بني اسرائيل، وأنه كان ابن الله قبل ان يكون ابن ابراهيم وإسرائيل وداود.
قالوا: وقد قال علماؤنا ومن هو القدرة عند جميع طوائفنا: يسوع في البدء لم يزل كلمة، والكلمة لم تزل لدى الله، والله هو الكلمة، ويسوع هو عيسى بالسريانية «١» . قالوا: فذاك الذي ولدته مريم وعاينه الناس وكان بينهم هو الله وابن الله وهو كلمة الله.
قالوا: وقد قال يوحنا السليح «٢» : إنا نبشركم بالذي لم يزل من قبل، وأنا رأيناه بأعيننا، وحسسناه بأيدينا. قالوا: فما فيمن هو الحجة لجماعتنا الا من يكشف الامر كشفا لا يتعرض لتأويله الا من يكابر عقله.
فعندهم ان القديم الأزلي خالق السماوات والأرض هو الذي عاينه الناس بأبصارهم، ولمسوه بأيديهم. قالوا وقد قال أرميا النبي وقد ذكر المسيح والبشارة به: هذا الهنا ولا نعوذ معه غيره، وانه في آخر الزمان تراءى على الأرض وتردد مع الناس، فتأمل هذا الكشف.
قالوا: وقد قال بطرس «٣» وهو بكر ايماننا واصل بيعتنا لما سئل عن ابن الله لا عن ابن الناس، وعن كلمة الله لا عن كلمة الناس فقال: هو الذي كان بين الناس وتردد معهم، وأبرأ الذين نكأهم الشرير.
قالوا: وقد خاطب الناس/ من بطن أمه مريم، فقال للأعمى: أنت
стр. 109
مؤمن بابن الله، قال الاعمى: ومن هو حتى أؤمن به؟ قال: قد رأيته وهو المخاطب لك، قال: آمنت يا سيدي، وخر ساجدا. قالوا: فما الذي بقي من الافصاح بأن الذي حبلت به مريم وكان في بطنها هو الله وابن الله وكلمة الله.
قالوا: وقد قالت ام يحيى بن زكريا- وقد دخلت على مريم وهي حبلى بالمسيح، وام يحيى حبلى به- ان هذا الذي في بطني قد سجد للذي في بطنك. قالوا: فما الذي يبقى في البيان في ان الإله المعبود الذي هو الله وابن الله وكلمة الله هو الذي حبلت به مريم وولدته.
قالوا: ولما عمّده يوحنا في الأردن تفتحت ابواب السماء ونادى الأب:
هذا ابني وحبيبي الذي سررت به نفسي. ونزل روح القدس في صورة حمامة ورفرفت على رأس المسيح، قالوا: فالمتعمد هو الله الابن، والمنادي هو الأب، والنازل هو روح القدس، وانظر كيف يفردون كل واحد منهم بصنع غير صنع صاحبه.
قالوا: وفي البشارة به حين قال جبريل لمريم: ها انت تحبلين وتلدين، قالت له: كيف يكون هذا وما مسني رجل؟ فقال لها: ربنا معك، والهنا معك، وأيدي العلي تحلّ عليك، وروح القدس تأتيك، والذي يولد منك قدوس وابن الله يدعى، قالوا: فقد خبّرها بأنها تحبل بابن الله لا بابن الناس، وانها تلد ابن الله لا ابن الناس، وان الله معها. قالوا ولا نريد بقولنا معها ومع ابنها بمعنى التأييد والنصر والمعونه كما يكون الله/ مع الأنبياء والصالحين والمؤمنين، لأن المسيح عند طوائفنا الثلاث ليس بنبي ولا بعبد صالح، بل هو رب الأنبياء وخالقهم وباعثهم ومرسلهم وناصرهم ومؤيدهم
стр. 110
ورب الملائكة؛ ولا هو معها ومع ابنها بمعنى الخلق والتدبير والتقدير كما يكون مع سائر إناث الحيوان من الناس والكلاب والحمير والخنازير بالخلق والصنع والتقدير، ولكنه معها لحبلها به ولاحتواء بطنها عليه، فلهذا فارقت جميع اناث الحيوان، وفارق ابنها جميع النبيين، فصار الله وابن الله الذي نزل من السماء وحبلت به مريم وولدته والمولود منها الها واحدا ومسيحا واحدا وربا واحدا وخالقا واحدا مذ وقت بشارة جبريل ﵇ لها، لا يقع بينهما فرق، ولا يبطل الاتحاد بينهما بوجه من الوجوه، ولا في الحبل، ولا في الولادة، ولا في حال نوم، ولا مرض، ولا صلب، ولا موت، ولا دفن، بل هو متحد به في حال الحبل، فهو على تلك «١» الحال: مسيح واحد، وخالق واحد واله واحد، وفي حال الولادة كذلك، وفي حال الموت والصلب كذلك.
قالوا: فمنا من يطلق في لفظه وعبارته حقيقة هذا المعنى، فيقول: مريم حبلت بالإله، وولدت الإله، ومات الاله؛ ومنا من يمنع هذه العبارة ويعطي معناها وحقيقتها، فيقول: مريم حبلت بالمسيح في الحقيقة، وولدت المسيح في الحقيقة، وهي ام المسيح في الحقيقة، والمسيح إله في الحقيقة، ورب في الحقيقة، وابن الله في الحقيقة، وكلمة الله في الحقيقة، لا ابن لله في الحقيقة إلا هو، ولا أب للمسيح في الحقيقة إلا هو، ولا أم للمسيح إلا مريم. قالوا: فؤلاء يوافقون في المعنى قول من قال/ فيها: إنها حبلت بالإله، وولدت الإله، وقتل الاله وألم الاله، ومات الاله، وانما يمنعون اللفظ والعبارة فقط.