الخطبة الثالثة: الأحداث العظام التي سبقت ميلاد النبي ﷺ -
عباد الله! يقول الله : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩]؟
عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة الحبيب محمَّد ﷺ ، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون حول العناصر التالية:
العنصر الأول: أحوال مكة قبل بعثة النبي ﷺ .
العنصر الثاني: الأحداث العظام التي سبقت ميلاد النبي ﷺ
العنصر الثالث: دروس وعظاتٌ وعبر.
العنصر الأول: أحوال مكة قبل مولد النبي ﷺ وقبل بعثته .
الناس في مكة قبل بعثة النبي ﷺ كانوا في ضلال مبين؛ يتقلبون في
ظلمات الشرك والجهل.
والله ﵎ أخبرنا بأحوال الناس قبل بعثة النبي ﷺ فقال:
стр. 37
﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢].
ورسولنا ﷺ يخبرنا بأحوال الناس قبل بعثته فيقول ﷺ : "ألا إن ربي أمرني أن أعلِّمكم ماجهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبداً حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً، وإنَّ الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب .. الحديث" (١).
وها هو الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب ﵁ يصور لنا أحوال الناس في مكة قبل بعثة النبي ﷺ ، فيقول للنجاشي: "أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحُسن الجوار .. " (٢).
عباد الله! فالناس في حاجة إلى أن يرسل الله ﵎ إليهم رسولاً يخرجهم من هذه الظلمات التي يتقلبون فيها.
العنصر الثاني: الأحداث العظام التي سبقت ميلاد النبي ﷺ -
أولى هذه الأحداث: قصة حفر عبد المطلب لزمزم، والذي يخبرنا بهذه
стр. 38
القصة هو الصحابي الجليل علي بن أبي طالب ﵁ فيقول: (قال عبد المطلب: إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت فقال: احفر طيبة، قال: قلت: وما طيبة؟ قال: ثم ذهب عني، فلما كان من الغد رجعت إلى مضجعي، فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر برَّة. قال: فقلت: وما برَّة؟ قال: ثم ذهب عني، فلما كان الغدُ رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال: احفر المضنونة، قال: فقلت: وما المضنونة؟ قال: ثم ذهب عني فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه؟ فجاءني فقال: احفر زمزم قال: قلت: وما زمزم؟ قال: لا تنزف أبداً -أي لا ينقطع ماؤها- ولا تُذم، تسقي الحجيج الأعظم وهي بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم، عند قرية النمل، فلما بُين له شأنها، ودل على موضعها، وعرف أنه قد صدق، غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث بن عبد المطلب، ليس له يومئذ ولد غيره، فحفر فيها، فلما بدا لعبد المطلب الطيُّ كبَّر، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته فقاموا إليه، فقالوا: يا عبد المطلب إنها بئرُ أبينا إسماعيل وإن لنا فيها حقاً، فأشركنا معك فيها، قال: ما أنا بفاعل إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم؛ فقالوا له: فأنصفنا فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها، قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه، قالوا: كاهنة بني سعد. قال: نعم، قال: وكانت بأشراف الشام، فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني أبيه من بني عبد مناف وركب من كل قبيلة نفر من قريش.
قال: والأرض إذ ذاك مفاوز، قال: فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشام فني ماء عبد المطلب وأصحابه، فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش، فابوا عليهم، فقالوا: إنا بمفازة، ونحن نخشى على أنفسنا مثل ما أَصابكم، فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم وما يتخوف على نفسه وأصحابه، قال: ماذا ترون؟ قالوا: ما
стр. 39
رأيُنا إلا تبعٌ لرأيك، فمُرنا بما شئت.
قال: فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه بما بكم الآن من القوة، فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته ثم واروه، حتى يكون آخركم رجلاً واحداً، فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركبٍ جميعاً، قالوا: نِعم ما أَمرتْ به، فقام كلُّ واحدٍ منهم فحفر حفرته، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشاً، ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه: والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت، لا نضرب في الأرض، ولا نبتغي لأنفسنا لعجز، فعسى الله أن يرزقنا ماءً ببعض البلاد، ارتحلوا، فارتحلوا. حتى إذا فرغوا ومن معهم من قبائل قريش ينظرون إليهم ما هم فاعلون، تقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها، فلما انبعثت به، انفجرت من تحت خفها عينٌ من ماء عذب، فكبَّر عبد المطلب وكبر أصحابه، ثم نزل فشرب وشرب أصحابه، واستقوا حتى ملأوا أسقيتهم، ثم دعا القبائل من قريش، فقال: هلمّ إلى الماء، فقد سقانا الله فاشربوا واستقوا، فجاءوا فشربوا واستقوا ثم قالوا: قد والله قضى لك علينا يا عبد المطلب، والله لا نخاصمك في زمزم أبداً، إن الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشداً، فرجع ورجعوا معه، ولم يصلوا إلى الكاهنة، وخلوا بينه وبينها (١).
عباد الله! حدث عظيم وما منكم إلا وقد شرب من هذا البئر، لا ينقطع أبداً مهما أخذ منه، فهو يتدفق بأمر الله يسقي الحجيج.
عباد الله! ومن الأحداث التي حدثت قبل مولد النبي ﷺ .
стр. 40
قصة نذر عبد المطلب بأن ينحر أحد أبنائه.
عن ابن عباس ﵄ أنه قال: " .. كان عبد المطلب بن هاشم نذر إن توافى له عشرة رهط -أي أعطاه الله عشرة أولاد- أن ينحر أحدهم، فلما توافى له عشرةٌ، أقرع بينهم أيهم ينحرُ، فطارت القرعة على عبد الله بن عبد المطلب والد رسول الله ﷺ وكان أحب الناس إلى عبد المطلب، فقال عبد المطلب: اللهم هو أو مائة من الإبل، ثم أقرع بينه وبين الإبل، فطارت القرعة على المائة من الإبل" (١).
عباد الله! والحادث يوحي بما خطهُ القدر الإلهي من ميلاد النبي ﷺ من أبيه عبد الله بن عبد الطلب، فقد حفظ اللهُ حياة عبد الله بما صرف عبد المطلب عن نحره.
وتزوج عبد الله بن عبد المطلب من آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، وحملت آمنة برسول الله ﷺ .
عباد الله! ومن الأحداث العظام التي سبقت مولد النبي ﷺ ، قصة أصحاب الفيل، وهذه القصة مشهورة تعرفونها وقد ثبتت في الكتاب والسنة: قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ [سورة الفيل].
قال ابن كثير ﵀: هذه من النعم التي امتن الله بها على قريش فيما صرف عنهم من أصحاب الفيل الذين كانوا قد عزموا على هدم
стр. 41
الكعبة ومحو أثرها من الوجود، فأبادهم الله وأرغم آنافهم وخيب سعيهم وأضل عملهم، وردهم بشرِّ خيبة، وكانوا قوماً نصارى، وكان دينهم إذ ذاك أقرب حالاً مما كان عليه قريش من عبادة الأصنام، ولكن كان هذا من باب الإرهاص والتوطئة لمبعث رسول الله ﷺ ، فإنه في ذلك العام ولد على أشهر الأقوال. ولكن الله لم ينصر قريشاً على الحبشة لخيرتهم عليهم بل صيانة للبيت العتيق الذي شرفه الله وعظمه ووقره ببعثة خاتم الأنبياء محمد ﷺ (١).
عباد الله! وقد جاءت الأحاديث عن رسول الله ﷺ تشير إلى قصة الفيل فمنها.
قال ﷺ : "فضل الله قريشاً بسبع خصال:
١ - فضلهم بأن عبدوا الله سنين لا يعبده إلا قرشيٌ.
٢ - وفضلهم بأن نصرهم يوم الفيل وهم مشركون.
٣ - وفضلهم بأن نزلت فيهم سورة من القرآن لم يُدخل فيهم غيرهم (لإيلاف قريش)
٤ - وفضلهم بأن فيهم النبوة.
٥ - والخلافة.
٦ - والحجابة.
٧ - والسقاية" (٢).
стр. 42
الشاهد: أنه نصرهم على أصحاب الفيل وهم مشركون.
ولما خرج النبي ﷺ زمن الحديبية حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حَل حَل- كلمة تقال للناقة إذا تركت السير -فألحت- أي تمادت على عدم القيام وهو من الإلحاح فقالوا: خلأت القصواء، خلأت القصواء -أي حرنت- فقال النبي ﷺ : "ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخُلق، ولكن حبسها حابسُ الفيل" (١).
ولما فتح الله على رسوله مكة قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه، وقال: "إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين" (٢)، وفي ذلك إشارة إلى قصة أصحاب الفيل.
العنصر الثالث: دروس وعظات وعبر .
عباد الله! نقول على سبيل الاختصار:
أولاً: الكعبة هي بيت الله وهي أول بيت وضع للناس، من حاول أن يعتدي عليها أهلكه الله .
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢)﴾ [الفيل: ١ - ٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾ [الحج: ٢٥].
ولذلك نقول لأعداء الإِسلام ولكل من يحاول أو تسول له نفسه أن
стр. 43
يفكر أن يعتدي على مقدسات المسلمين أو على بيت الله، فإن الله ﵎ له بالمرصاد.
ثانياً: الكعبة هي قبلة المسلمين والنبي ﷺ هو إمام المتقين.
فانظروا عباد الله! كيف حفظ الله ﵎ الكعبة من أصحاب الفيل لأنها ستكون بعد بعثة النبي ﷺ هي القبلة التي يتوجه إليها المسلمون في صلاتهم فحفظها ﵎.
النبي الكريم هو الذي يقود البشرية إلى سعادة الدنيا والآخرة ولذلك إذا أراد الله شيئاً هيأ له الأسباب، فمن الذي حفظ عبد المطلب وهو في الصحراء أن يموت عطشاً إنه هو الله لأنه سيخرج من هذا الرجل عبد الله وهو والد النبي ﷺ .
ومن الذي حفظ عبد الله من النحر والذبح إنه هو الله لأنه سيخرج من هذا الرجل رسول الله ﷺ الذي سعادة البشرية تتوقف بإرساله، والذي يُخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، فاعتبروا يا أولي الأبصار، وتشرفوا بأنكم تنتموا إلى هذا الدين العظيم، وأنكم من أتباع سيد ولد آدم وهو محمَّد ﷺ .
عباد الله! ها هو رسولنا ﷺ في بطن أمه في حفظ الله ورعايته، في أي عام ولد؟ وكيف ولد؟ وأين ولد؟ وكيف تربى؟ وأين تربى؟ وما هي الآيات الساطعات التي ظهرت عندما وضعته أمه، هذا الذي نعرفه في الجمع القادمة -إن شاء الله تعالى- إن كان في العمر بقية.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
стр. 44
الخطبة الرابعة: الآيات الجسام التي ظهرت ليلة مولده ﷺ -
أيها الإخوة عباد الله! يقول الله : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩].
وموعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة الحبيب محمَّد ﷺ .
وفي هذا اللقاء رسولنا ﷺ يخبرنا عن نفسه:
جاء نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا له: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك؟ قال: "نعم، أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى ﵉، ورأتْ أمي حين حملت بي؛ أنه خرج منها نور أضاء له قصور الشام" (١).
فمع هذا الحديث، نعيش وإياكم هذا اليوم.
عباد الله! في قوله ﷺ : "أنا دعوة أبي إبراهيم".
تعالوا بنا لنستمع إلى إبراهيم ﵇ -هناك عند الكعبة- وهو
يدعو بهذه الدعوة.
стр. 45
قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ [البقرة: ١٢٧ - ١٢٩].
دعا إبراهيم ﵇، ومرت الأيام والأعوام وقد استجاب الله -تعالى- دعوته، وبعث في الأميين -أي: في العرب- رسولاً منهم، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢].
عباد الله! وفي قوله ﷺ : "وبشرى عيسى"، أي: وأنا بشرى عيسى ﵇، فها هو عيسى ﵇ يبشر أمته برسولنا ﷺ ، والله ﵎ يخبرنا بذلك في كتابه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦].
وأهل الكتاب من اليهود والنصارى يعلمون ذلك، وكانوا ينتظرون أن يخرج النبي منهم فلما خرج من العرب حسدوهم على ذلك وكفروا به، فإنهم يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم، فلما جاءهم رسولنا ﷺ بالبينات، قالوا هذا سحر مبين.
عباد الله! ويقول ﷺ : "ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نورٌ أضاء له قصور الشام".
عباد الله! لما نجا عبد الله بن عبد المطلب من الذبح وفداه عبد المطلب بمائة
стр. 46
من الإبل زوجه من أشرف نساء مكة نسباً، وهي آمنة بنت وهب، ولما حملت آمنة برسول الله ﷺ ، سافر عبد الله بن عبد المطلب للتجارة، فأدركته منيته وهو راجع من سفره بالمدينة فدفن بها عند أخواله "بني عدي بن النجار" ولم ير الرسول ﷺ أباه.
عباد الله! ولد ﷺ يتيماً يوم الاثنين من شهر ربيع الأول
قال أعرابي: يا رسول الله، ما تقول في صوم يوم الاثنين؟ فقال ﷺ : "ذاك يوم ولدت فيه، وأنزل عليَّ فيه" (١).
وكان مولده ﵊ عام الفيل وهو المجمع عليه.
عن قيس بن مخرمة قال: "ولدت أنا ورسول الله ﷺ عام الفيل" (٢).
عباد الله! أما الآيات التي ظهرت ليلة مولده ﵊:
عن حسان بن ثابت ﵁ قال: والله، إني لغلام يفعةٌ -أي: إذا شبَّ ولم يبلغ-، ابن سبع سنين أو ثمان، أعقل كلَّ ما سمعت، إذ سمعت يهودياً يصرخ بأعلى صوته على أطمةً بـ (يثرب): يا معشر يهود! حتى إذا اجتمعوا إليه قالوا له: ويلك مالك؟ قال: طلع الليلة نجم أحمد الذي ولد به" (٣).
ترقب بدقة من اليهود من قبل أن يولد رسول الله ﷺ ، وبعد أن ولد رسول الله ﷺ ، وبعد أن بعث ﷺ واليهود يحسدون العرب على ما منّ الله ﵎ عليهم ببعثة هذا الرسول الكريم.
стр. 47
وعن أسامة بن زيد ﵁ قال: قال زيد بن عمرو بن نفيل، قال لي حبر من أحبار الشام: "قد خرج في بلدك نبي، أو هو خارج، قد خرج نجمه، فأرجع فصدقه واتبعه" (١).
عباد الله! ومن الآيات التي ظهرت عند ولادته ﷺ ، أن أمه رأت نوراً خرج منها أضاء لها قصور الشام، كما قال ﷺ : "ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء له قصور الشام" (٢).
قال ابن رجب ﵀: "وخروج هذا النور عند وضعه إشارة إلى ما يجيء به من النور الذي اهتدى به أهل الأرض وأزال به ظلمة الشرك منها، كما قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]. وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف:١٥٧] (٣).
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦].
وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ [الصف:٨ - ٩].
стр. 48
عباد الله! وفي قوله ﷺ : "أضاء له قصور الشام". قال ابن كثير ﵀: وتخصيص الشام بظهور نوره إشارة إلى استقرار دينه وثبوته ببلاد الشام، ولهذا تكون الشام في آخر الزمان معقلاً للإسلام وأهله وبها ينزل عيسى ابن مريم ليكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويحكم في الناس بشريعة الإِسلام، ولهذا جاء في "الصحيحين" عن رسول الله ﷺ قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" (١).
والشام هي أرض فلسطين والأردن وسوريا ولبنان وجزء من العراق، وهذه أرض مباركة قد بارك الله فيها في كتابه الكريم في ثلاثة مواضع:
الموضع الأول: قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١].
الموضع الثاني: قال تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١)﴾ [الأنبياء: ٧١].
الموضع الثالث: قال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء: ٨١].
قال ابن جرير الطبري: الأرض التي باركنا فيها، يعني الشام.
стр. 49
عباد الله! وجاءت الأحاديث النبوية الكثيرة تخبر عن فضائل الشام.
يقول ﷺ : "طوبى لأهل الشام، طوبى لأهل الشام، طوبى لأهل الشام قالوا: يا رسول الله وبم ذلك؟ قال- ﷺ : "تلك ملائكة الله باسطوا أجنحتها على الشام" (١).
وقال ﷺ : ستُجندون أجناداً، جند بالشام، وجند بالعراق وجند باليمن"
فقام رجل فقال: خر لي يا رسول الله! فقال: "عليكم بالشام .. فإن الله قد تكفل لي بالشام وأهله".
قال ربيعة: فسمعت أبا إدريس يحدث بهذا الحديث. يقول: "ومن تكفل الله به فلا ضيعه عليه" (٢).
وقال ﷺ : "إني رأيت عمود الكتاب، انتزع من تحت وسادتي فنظرت فإذا هو نور ساطع عُمدَ به إلى الشام، ألا إن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام" (٣).
وقال ﷺ : "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة" (٤).
نسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم من الطائفة المنصورة.
عباد الله! قد سمعتم عن الآيات التي أخبرنا الله فيها أنه قد بارك في بلاد الشام وقد سمعتم عن الأحاديث التي قد جاءت تتكلم عن فضل الشام، وهاهم اليهود يدنسون بلاد الشام فما من تبرج ولا شرك ولا فساد إلا
стр. 50
ووراءه اليهود.
عباد الله! إن الله لا ينصر قوم حتى ينصروه في أنفسهم، قال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾ [محمد: ٧].
أما آن الأوان يا أمة الإِسلام عامة، ويا أهل الشام خاصة، أن نعود إلى الله؟ أظن أنه قد آن الأوان.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].
اللهم أعز الإِسلام والمسلمين.
стр. 51
الخطبة الخامسة: ميلاده ﷺ ونشأته
أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى ﷺ .
وحديثنا في هذا اللقاء سيكون حول العناصر التالية:
العنصر الأول: ميلاد المصطفى ﷺ ونشأته .
العنصر الثاني: رسولنا ﷺ في مهمة تجارية إلى بلاد الشام.
العنصر الثالث: الله يحفظ رسوله ﷺ في شبابه من أقذار الجاهلية.
العنصر الرابع: دروس وعظات وعبر.
العنصر الأول: ميلاد المصطفى ﷺ ونشأته.
ولد ﷺ يتيماً في يوم الإثنين من شهر ربيع الأول وذلك عام الفيل، وأول من أرضعته ثويبة أمَة عمه أبي لهب (١).
ثم استُرضع ﷺ في بني سعد بن بكر، وكان من عادة العرب أن يلتمسوا المراضع لمواليدهم في البوادي ليكون أنجب للولد.
стр. 52
فجاءت نسوةٌ من بني سعد بن بكر يطلبن أطفالاً يرضعنهم فكان ﷺ من نصيب حليمة السعدية.
وهناك في بادية بني سعد بن بكر حصلت له ﷺ حادثة شق الصدر.
عباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى رسول الله ﷺ وهو يخبرنا عن ذلك.
جاء نفر من الصحابة ﵃ إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! أخبرنا عن نفسك. قال: "نعم، أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأتْ أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام، واسترضعت في بني سعد بن بكر، فبينما أنا مع أخٍ لي خلف بيوتنا نرعى بَهماً لنا، إذ أتاني رجلان -عليهما ثياب بيض- بطست من ذهب، مملوء ثلجاً، ثم أخذاني فشقا بطني، واستخرجا قلبي فشقاه، فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها، ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه، ثم قال أحدهما لصاحبه: زِنه بعشرة من أمته. فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: زنه بمئة من أمته فوزنني بهم فوزنتهم ثم قال: زمنه بألف من أمته. فوزنني بهم فوزنتهم، فقال: دعه عنك فوالله لو وزنته بأمته لوزنها" (١).
وعن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﵇ وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، واستخرج منه علقة [سوداء] فقال: هذا حظ الشيطان. ثم غسله في طَسْت من ذهب بماء زمزم، ثمّ لأمَه، ثم أعاده في مكانه وجاء الغلمان يسعون إلى أمِّه -يعني ظئره- فقالوا: إن محمداً قد قتل. فاستقبلوه وهو منتقع اللون.
стр. 53
قال أنس: وقد كنت أرى ذلك المخيط في صدره (١).
بعد هذه الحادثة أشفقت مرضعته عليه فأعادته إلى أمه، وعاش ﷺ عند أمه ومرت الأيام والسنين وأخذته أمه وذهبت به إلى المدينة لزيارة أخوال أبيه؛ بني عدي بن النجار وبينما هي عائدة أدركتها منيتها في الطريق، فماتت بالأبواء- قرية بين مكة والمدينة- ودفنت هناك.
عباد الله! وعاد الرسول ﷺ وقد نزل من بطن أمه يتيماً لم ير أباه، وها هو قد فقد أمه، ثم عاد إلى جده عبد المطلب وكفله جده، ورق له رقةً لم تعهد له في ولده، ومرت الأعوام ثم توفي عبد المطلب وكان عمر النبي ﷺ ثماني سنوات فكفله شقيق أبيه أبو طالب وكان به رحيماً وكان أبو طالب مُقلاً في الرزق، فعمل النبي ﷺ برعي الغنم؛ مساعدةً منه لعمه.
فقال ﷺ : "ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم"، فقال أصحابه: وأنت، فقال: "نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة" (٢).
وسئل ﷺ : أكنت ترعى الغنم؟ قال: "نعم وهل من نبي إلا رعاها" (٣).
ثم بعد ذلك اشتغل رسول الله ﷺ بالتجارة.
العنصر الثاني: رسولنا ﷺ في مهمة تجارية إلى بلاد الشام .
عن أبي موسى الأشعري قال: "خرج أبو طالب إلى الشام ومعه رسول
стр. 54
الله ﷺ في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب -يعني: بحيرى- هبطوا فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج ولا يلتفت إليهم. قال: فنزل وهم يحلون رحالهم، فجعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد النبي ﷺ فقال: هذا سيد العالمين، وهذا رسول رب العالمين. يبعثه الله رحمةً للعالمين.
فقال له أشياخ من قريش: وما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجداً، ولا يسجدون إلا لنبي وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه، ثم رجع فصنع لهم طعاماً، فلما أتاهم به -وكان هو في رعية الإبل- فقال: أرسلوا إليه. فأقبل وغمامة تظله، فلما دنا من القوم قال: انظروا إليه عليه غمامة! فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، قال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه.
قال: فبينما هو قائم عليهم وهو ينشدهم ألا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم، إن رأوه عرفوه بالصفة فقتلوه، فالتفت، فإذا هو بسبعة نفر من الروم قد أقبلوا، قال: فاستقبلهم فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليه ناس، وإنا أخبرنا خبره إلى طريقك هذه.
قال: فهل خلفكم أحدٌ هو خير منكم؟ قالوا: لا، إنما أخبرنا خبره إلى طريقك هذه. قال: أفرأيتم أمراً أراد الله أن يقضيه؟ هل يستطيع أحدٌ من الناس رده؟ فقالوا: لا. قال: فبايعوا وأقاموا معه عنده قال: فقال الراهب:
стр. 55
أنشدكم الله أيكم وليه؟
قالوا: أبو طالب. فلم يزله يناشده حتى ردّه.
... وزوّده الراهب من الكعك والزيت" (١)
العنصر الثالث: الله يحفظ رسوله ﷺ في شبابه من
أقذار الجاهلية .
حادثة شق الصدر هي تطهير لرسولنا ﷺ من حظ الشيطان ولذلك لم يتلوث رسول الله ﷺ في شبابه بأقذار الجاهلية.
ومن الأمثلة على ذلك:
أولاً: صانه الله عن شرك الجاهلية، وعبادة الأصنام.
عن زيد بن حارثة قال: كان صنم من نحاس- يقال له: (إساف) و (نائلة). يتمسح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله ﷺ طفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال رسول الله ﷺ : "لا تمسه" قال زيد: فطفنا، فقلت في نفسي: لأمسنه حتى أنظر ما يكون فمسحته، فقال رسول الله ﷺ : "ألم تنه؟! " قال زيد: فوالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب، ما استلم صنماً قط حتى أكرمه الله- تعالى- بالذي أكرمه وأنزل عليه" (٢).
وقال- ﷺ لخديجة: أي خديجة، والله لا أعبدُ اللات والعزى" (٣).
стр. 56
ثاثياً: حفظ الله -تعالى- رسوله ﷺ من أن يأكل الذي ذُبِحَ على النصب -أي: التي يذبحونها لغير الله-.
فكان ﷺ لا يأكل ما ذبح على النصب، ووافقه في ذلك زيد بن عمرو ابن نفيل.
عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي- ﷺ لقى زيد بن عمرو ابن نفيل بأسفل (بلدح) -واد قبل مكة أو جبل بطريق جده- قبل أن ينزل على النبي ﷺ الوحي، فَقُدِّمتْ إلى النبي- ﷺ سُفرةٌ، فأبى أن يأكل منها. ثم قال زيد: إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه. وأن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله، إنكاراً لذلك وإعظاماً له" (١).
ثالثاً: حفظ الله -تعالى- رسوله ﷺ من أن تبدو عورته أو يظهر عرياناً.
عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما بُنيت الكعبة ذهب النبي ﷺ وعباس ينقلان الحجارة، فقال العباس لرسول الله ﷺ : اجعل إزارك على عاتقك من الحجارة. ففعل، فخرّ إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء، ثم أفاق. فقال: إزاري إزاري فشُدَّ عليه إزاره وفي لفظ قال: "فحله فجعله على منكبيه فسقط مغشياً عليه فما رؤي بعد ذلك عرياناً ﷺ (٢).
رابعاً: وفق الله رسوله ﷺ للوقوف بعرفة قبل البعثة، مخالفة لما ابتدع
стр. 57
قومه من رأي الحُمس -والأحمسُ الشديد على دينه- وكانت قريش تسمى الحُمُسْ وكان الشيطان قد استهواهم فقال لهم: إنكم إذا عظمتم غير حَرَمِكم استخف الناس بحرمكم، فكانوا لا يقفون بعرفة يوم عرفة، وكان سائر الناس تقف بعرفة، وكانت شريعة محمَّد ﷺ بعد ذلك الوقوف بعرفة، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩].
وعن محمَّد بن جبير عن أبيه جبير بن مطعم قال: أضللت بعيراً لي، فذهبت أطلبه يوم عرفة، فرأيت النبي ﷺ واقفاً بعرفة فقلت: هذا والله من الحمس فما شأنه ها هنا" (١).
فكان رسول الله ﷺ يقف بـ (عرفات) قبل أن يوحى إليه، وهذا توفيق من الله تعالى له.
العنصر الرابع: دروسٌ وعظات وعبر .
أولاً: في قوله ﷺ : "ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم".
وفي ذلك إشارة على أن الرجال لا يقعدون عالة على الناس بل يعملون ليأكلوا من عمل أيديهم، فالأنبياء يعملون في رعي الغنم ليكتسبوا مالاً يعيشون منه ولم يجلسوا متواكلين عالة على القوم.
وفيه إشارة إلى الإحسان إلى الحيوان.
وفيه إشارة أن الذين يرعون الغنم ويحافظون عليها، ويصبرون عليها ويرحمونها؛ يستطيعون بعد ذلك أن يرعوا الأمم والشعوب، ولذلك ما من
стр. 58
نبي إلا وقد رعى الغنم في بداية حياته؛ لأن من وفق في رعي الغنم وفق في رعاية الأمم والشعوب.
وعليه فإنه عندما بعث رسولنا ﷺ رعى الأمة وحافظ عليها، وأخذ بأيد الأمة ناصحاً أميناً يقودها إلى جنة عرضها السموات والأرض.
ثاتيأ: وفي قول الراهب بحيرى لأبي طالب: إني أخاف على هذا النبي من اليهود والروم؛ دليل على عداوة اليهود والنصارى للنبي- ﷺ قبل بعثته وبعد بعثته، وقد أخبرنا الله بعداوتهم في كتابه فقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]، وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة:١٠٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧].
فأهل الكتاب عامة واليهود خاصة يبغضون رسول الله ﷺ والمسلمين ويعملون بالليل والنهار للقضاء على الإِسلام والمسلمين، وكما سيمر معنا في الحديث عن السيرة المحاولات الكثيرة التي حاولتها اليهود ليتخلصوا من رسول الله ﷺ وعلى سبيل المثال:
يقول أبوهريرة ﵁: لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله ﷺ شاة فيها سم. فقال رسول الله ﷺ : "اجمعوا إليَّ من كان ها هنا من اليهود"، فجُمعوا له. فقال لهم رسول الله ﷺ : "إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقيَّ عنه؟ " فقالوا: نعم يا أبا القاسم: فقال لهم رسول الله ﷺ : "من أبوكم" قالوا: أبونا فلان.
فقال رسول الله ﷺ : "كذبتم، بل أبوكم فلان" فقالوا: صدقت وبررت،
стр. 59
فقال: "هل أنتم صادقيَّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ ". فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا. فقال لهم رسول الله ﷺ : "من أهل النار؟ ". فقالوا: نكون فيها يسيراً ثم تخلفوننا فيها. فقال ﷺ : "اخسئوا فيها، والله لا نخلفكنم فيها أبداً. ثم قال لهم: "هل أنتم صادقيَّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ " قالوا: نعم. فقال: "هل جعلتم في هذه الشاة سماً؟ " فقالوا: نعم فقال: "ما حملكم على ذلك؟ " فقالوا: أردنا إن كنت كاذباً نستريح منك، وإن كنت نبياً لم يضرك" (١)
قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [لمائد ة: ٨٢].
اللهم رد المسلمين إلى دينك رداً جميلاً.
стр. 60
الخطبة السادسة: الأحداث الجسام قبل بعثة النبي ﷺ -
أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى ﷺ ، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون حول الأحداث الجسام التي كانت قبل بعثة المصطفى ﷺ .
عباد الله! وسنقتصر في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- على ثلاثة أحداث فقط.
الحدث الأول: شهوده ﷺ حلف الفضول .
الحدث الثاني: زواجه ﷺ من خديجة ﵂.
الحدث الثالث: بناء الكعبة وقضية التحكيم.
الحدث الأول: شهوده ﷺ حلف الفضول.
عباد الله! أما شهوده ﷺ حلف الفضول فقد قال ﷺ : "شهدت مع عمومتي حلف المطيبين، فما أحبه أن أنكثه، وأن لي حمر النعم" (١).
وقال ﷺ : "ما شهدت حلفاً لقريش إلا حلف المطيبين وما أحب أن لي حمر النعم وأني كنت نقضته" (٢).
عباد الله! والمراد بحلف المطيبين في الأحاديث هو حلف الفضول، وهذا الحلف كان في دار عبد الله بن جدعان، فاجتمعوا وتعاهدوا ألا يجدوا بمكة
стр. 61
مظلوماً من أهلها وغيرهم ممن دخلها إلا قاموا معه، وكانوا على الظالم حتى يردوا عليه مظلمته.
فهو تحالف على التناصر قبل الإِسلام والأخذ للمظلوم من الظالم.
الله أكبر: في الجاهلية قبل الإِسلام الناس لا يحبون الظلم ويقفون في وجه الظالم، فما بالنا في هذا القرن قرن الحضارة والتقدم -زعموا- لا أرى أحداً يقف في وجه الظالم، ويقول له اتق الله، ولا أحد يقف مع المظلوم، ولكن نقول لا غرابة في ذلك فالكفار ملة واحدة اجتمعوا على إبادة الإِسلام والمسلمين، ولكن لن يصلوا أبداً إلى ما أرادوا، فالأمة الإِسلامية إن رجعت إلى دينها استطاعت أن تسير بهذا العالم إلى سعادة الدنيا والآخرة، أما يوم أن انصرفت الأمة عن دينها -إلا من رحم ربي- فكان ما كان.
فيا أمة الإِسلام عودوا إلى دينكم، فرسولنا ﷺ يقول: "إذا تبايعتم بالعينة (١) وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" (٢).
فالنصر لا يأتِ إلا من عند الله قال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
الحدث الثاني: زواجه ﷺ من خديجة ﵂ -.
عباد الله! أما زواجه ﷺ من خديجة ﵂ فقد كان ﷺ في بداية حياته يرعى الغنم. قال ﷺ : "ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم" فقال له أصحابه: وأنت يا رسول الله؟ قال: "وأنا رعيتها لأهل مكة بالقراريط" (٣)، ثم اشتغل ﷺ بعد ذلك بالتجارة.
стр. 62
عباد الله! "كانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال تستاجر الرجال من مالها وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم، وكانت قريش قوماً تجاراً فلما بلغها عن رسول الله ﷺ ما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مالها إلى الشام تاجر أو تعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، فقبله رسول الله ﷺ ، وخرج في مالها ذلك وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام" (١).
عباد الله! ولما رجع إلى مكة، ورأت خديجة في مالها من البركة ما لم تر قبل هذا، وأُخبرت بشمائله الكريمة وجدت ضالتها المنشودة فتحدثت بما في نفسها إلى صديقتها، وهذه ذهبت إليه تفاتحه أن يتزوج خديجة فرضي بذلك، وكلم أعمامه فذهبوا إلى عم خديجة وخطبوها إليه وعلى إثر ذلك تم الزواج، وكان سنها إذ ذاك أربعين سنة.
وكانت يومئذ أفضل نساء قومها نسباً وثروة وعقلاً، وهي أول امرأة تزوجها رسول الله ﷺ ، ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت ﵂ وكل أولاده منها سوى إبراهيم" (٢).
عباد الله! تعالوا بنا لنتعرف على أم المؤمنين خديجة ﵂ من خلال الأحاديث والآثار الصحيحة.
أولاً: منزلة خديجة من نساء العالمين .
قال ﷺ : "حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت
стр. 63
خويلد، وفاطمة بنت محمَّد، وآسية امرأة فرعون" (١)، وقال ﷺ : "خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد" (٢).
ومعنى خير نسائها: أي: أن كل واحدة منهما خير نساء الأرض في عصرها.
ثانياً: منزلة خديجة عند رسول الله ﷺ -.
قالت عائشة ﵂: "ما غرت على نساء النبي ﷺ إلا على خديجة وإني لم أدركها"، قالت: وكان رسول الله ﷺ إذا ذبح الشاة فيقول: "أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة" قالت: فأغضبته يوماً فقلت: خديجة؟ فقال رسول الله ﷺ : "إني قد رزقت حبها" (٣).
وقالت عائشة ﵂:- "ما غرت للنبي- ﷺ على امرأة من نسائه ما غرت على خديجة لكثرة ذكره إياها، وما رأيتها قط" (٤)، وقالت عائشة ﵂: "لم يتزوج النبي ﷺ على خديجة حتى ماتت" (٥).
وقالت عائشة ﵂: "استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله ﷺ فعرف استئذان خديجة فارتاح لذلك، فقال: اللهم! هالة بنت خويلد، فغرت فقلت: وما تذكر من عجوز من عجائز قريش، حمراء الشدقين، هلكت في الدهر، فأبدلك الله خيراً منها" (٦)
стр. 64
ثالثاً: منزلة خديجة في الجنة:
عن ابن عباس ﵄ قال: خط رسول الله ﷺ في الأرض أربعة خطوط، قال: "تدرون ما هذا؟ " فقالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله ﷺ : "أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمَّد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران" (١).
رابعاً: جبريل ﵇ يقرئ خديجة السلام من ربها ويبشرها بقصر في الجنة:
عن أبي هريرة ﵁ قال: "أتى جبريل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله هذه خديجة قد أتت، معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب" (٢).
خامساً: خديجة ﵂ هي التي قالت لرسول الله ﷺ عندما نزل عليه الوحي في غار حراء: "كلا والله لا يخزيك الله أبداً؟ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق" (٣).
وهي ﵂ التي آمنت به وصدقته، ووقفت معه تواسيه بنفسها وبمالها.
стр. 65
الحدث الثالث: بناء الكعبة وقضية التحكيم .
عباد الله! أما بناء الكعبة وقضية التحكيم. فكانت قبل بعثة النبي ﷺ بخمس سنوات على الراجح. فالله يقول في كتابه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٦ - ٩٧].
وعن أبي ذر ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن أول مسجد وضع في الأرض. قال: "المسجد الحرام" قلت: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى" قلت: وكم بينهما؟ قال: "أربعون سنة" (١).
فيا أمة الإِسلام! كما أنكم لا تقصّرون أبداً في بيت الله الحرام، فاحذروا أن تقصِّروا في المسجد الأقصى، فالله سائلكم يوم القيامة عن تقصيركم في هذا المسجد الذي دنسته اليهود على مسمع من الجميع.
عباد الله! وأما قصة بناء البيت الحرام فهي:
قال ابن عباس ﵄: "ولما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان جاء إبراهيم بها -أي بأم إسماعيل- وبابنها إسماعيل- وهي ترضعه حتى وضعها عند البيت، عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحدٌ، وليس بها ماء، فوضعها هنالك، ووضع عندهما جراباً فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم قفّى إبراهيم منطلقاً، فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مراراً وجعل لا يلتف إليها فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا ثم رجعت فانطلق إبراهيم، حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الكلمات، ورفع يديه فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ
стр. 66
رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ [إبراهيم: ٣٧]، وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء، عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى -أو قال: يتلبط، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فلم تر أحداً، وأخذت أم إسماعيل تنتقل من الصفا إلى المروة فعلت ذلك سبع مرات إلى أن ظهر الماء بإذن الذي يقول للشيء كن فيكون، فشربت أم إسماعيل وأرضعت ولدها فقال لها الملك -وهو جبريل ﵇ لا تخافوا الضيعة فإن ها هنا بيت الله، يبنيه هذا الغلام وأبوه وإن الله لا يضيع أهله"
ومرت الأيام وكبر إسماعيل ﵇ وتزوج وكان إبراهيم ﵇ يذهب لزيارتهم أحياناً، ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلاً له تحت دوحة قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد ثم قال: يا إسماعيل! إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك قال: وتعينني؟ قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني ها هنا بيتاً. وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها.
قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾ (١).
стр. 67
عباد الله! ومرت الأيام وانهدم البيت بسبب الأمطار أو بحريق أصابه، فبنته قريش وشارك النبي ﷺ في بناء الكعبة.
عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "لما بُنيت الكعبة ذهب النبي ﷺ والعباس ينقلان الحجارة، فقال العباس للنبي ﷺ : اجعل إزارك على رقبتك تقك من الحجارة فخرّ إلى الأرض وطمحت عينه إلى السماء ثم أفاق فقال: إزاري إزاري، فشد عليه إزاره".
عباد الله! قريش تبني في البيت ولما وصلوا إلى المكان الذي يوضع فيه الحجر الأسود تشاجروا من يضعه؟ فاتفقوا أن يحكم بينهم أول من يدخل من هذا الباب فدخل رسول الله ﷺ من باب بني شيبة فأمر بثوب فوضع الحجر في وسطه، وأمر كل فخذ أن يأخذوا بطائفة من الثوب، فرفعوه، وأخذه رسول الله ﷺ فوضعه" (١).
وسألت عائشة ﵂ رسول الله ﷺ عن الحِجْر أمن البيت هو؟ قال: "نعم" قالت: فلم لم يدخلوه في البيت؟ قال: "إن قومك قصرت بهم النفقة" قالت: فما شأن بابه مرتفعاً؟ قال: "فعل ذلك قومك لِيُدخلوا من شاؤوا، ويمنعوا من شاؤوا، ولولا أن قومك حديث عهدهم في الجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم لنظرت أن أدخل الجَدْرَ -أي الحجر- في البيت، وأن ألزق بابه بالأرض" (٢).
اللهم زد الكعبة شرفاً وتكريماً.
стр. 68
الخطبة السابعة: البشارات بنبوة النبي- ﷺ قبل بعثته
عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى ﷺ .
وحديثنا في هذا اللقاء سيكون حول البشارات التي جاءت تخبر بنبوة محمَّد ﷺ قبل بعثته.
أمة الإسلام! رسولنا محمَّد ﷺ في الملأ الأعلى، خاتم النبيين من قبل خلق آدم ﵇.
سئل ﷺ : متى كتبت نبياً؟ قال: "كتبت نبياً وآدم بين الروح والجسد" (١).
وسئل ﷺ : متى وجبت لك النبوة؟ قال: "بين خلق آدم ونفخ الروح فيه" (٢).
ثم جاءت البشارات من جميع الأنبياء، وفي الكتب السماوية، ومن علماء أهل الكتاب تخبر بنبوة محمَّد ﷺ قبل بعثته، فتعالوا بنا يا عباد الله! لنستمع إلى هذه البشارات.
أولاً: ليزداد الذين آمنوا إيماناً.
ثانياً: ليكون ذلك حافزاً لإيمان أهل الكتاب عندما يقرأون أو يسمعون
стр. 69
التبشير ببعثته ﷺ في كتبهم وعلى لسان جميع الرسل.
أولاً: بشارات الأنبياء بنبوة محمَّد ﷺ -.
بشرى في دعوة إبراهيم ﵇، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ [البقرة: ١٢٩] [البقرة:١٢٩].
وبشرى عيسى ﵇، قالت تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾ [الصف: ٦].
وقال الصحابة ﵃: يا رسول الله! أخبرنا عن نفسك قال ﷺ : "نعم، أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى ﵇ ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء له قصور الشام" (١).
عباد الله! فذكره ﷺ دعوة إبراهيم ﵇ الذي تنسب إليه العرب، ثم بشرى عيسى الذي هو خاتم أنبياء بني إسرائيل يدل هذا على أن من بينهما من الأنبياء بشروا به أيضاً، وقد أخبرنا الله بذلك في كتابه فقال جل شأنه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ
стр. 70
الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ [آل عمران: ٨١].
قال ابن عباس ﵄: "ما بعث الله نبياً إلا أخذ عليه الميثاق: "لئن بعث محمَّد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق: لئن بعث محمَّد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه" (١). وفي هذا دليل يا عباد الله! أن جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بشروا برسولنا ﷺ وأمروا باتباعه" (٢).
ثانياً: بشارات الكتب السماوية بنبوة محمَّد ﷺ -.
أخبرنا الله في كتابه أن محمداً ﷺ بشر به في التوراة والإنجيل، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧].
وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ
стр. 71
فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩].
ومن الأمثلة على ذلك: أن محمداً ﷺ بشر به في التوراة والإنجيل:
١. عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة، قال: أجل؛ والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي! إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء؟ بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح بها أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً" (١).
ولكن لماذا لم يؤمنوا به؟ حسداً من عند أنفسهم.
٢. دخل النبي ﷺ على رجل من اليهود ناشر التوراة يقرؤها، يعزي بها على نفسه عن ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجملهم، فقال رسول الله ﷺ : "أنشدك بالذي أنزل التوراة؛ هل تجدني في كتابك ذا، صفتي ومخرجي؟ " فقال برأسه هكذا؛ أي: لا. فقال ابنه: أي والذي أنزل التوراة؛ إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقال ﷺ : "أقيموا اليهودي عن أخيكم" ثم ولي كفنه
стр. 72
والصلاة عليه (١).
الشاهد: أن هذا الفتى في اللحظات الأخيرة قال: إي والله إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك ولكن كتموا ذلك حسداً وبغياً.
٣. وعن عوف بن مالك الأشجعي قال: انطلق النبي ﷺ يوماً وأنا معه، حتى دخلنا كنيسة اليهود بالمدينة يوم عيد لهم، فكرهوا دخولنا عليهم فقال ﷺ لهم: "يا معشر اليهود! أروني اثني عشر رجلاً يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ يحط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي غضب عليهم"، قال: فأسكتوا ما أجابه منهم أحدٌ! ثم رد عليهم، فلم يجبه منهم أحد فقال ﷺ : "أبيتم! فوالله، إني لأنا الحاشر، وأنا العاقب، وأنا النبي المصطفى، آمنتم أو كذبتم" ثم انصرف وأنا معه، حتى إذا كدنا أن نخرج، فإذا رجل من خلفنا يقول: كما أنت يا محمَّد! فقال ذلك الرجل: أي رجل تعلموني فيكم يا معشر اليهود؟ قالوا: والله؟ ما نعلم أنه كان فينا رجل أعلم بكتاب الله منك ولا أفقه منك، ولا من أبيك قبلك، ولا من جدك قبل أبيك. قال: فإني أشهد له بالله أنه نبي الله الذي تجدونه في التوراة. فقالوا: كذبت! ثم ردوا عليه قوله، وقالوا فيه شراً، فقال رسول الله ﷺ : "كذبتم، لن يقبل قولكم، أما آنفاً فتثنون عليه من الخير ما أثنيتم، وأما إذ آمن فكذبتموه وقلتم فيه ما قلتم، فلن يقبل قولكم"، قال: فخرجنا ونحن ثلاثة: رسول الله ﷺ ، وأنا،
стр. 73
وعبد الله بن سلام وأنزل الله تعالى فيه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)﴾ [الأحقاف: ١٠] (١).
الشاهد يا عباد الله! أن عبد الله بن سلام علم من التوراة أن هذه الصفات التي جاء بها محمَّد ﷺ موجودة عندهم في التوراة، فلما وجدها في رسول الله ﷺ آمن وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وخرج مع رسول الله ﷺ فالحمد لله على نعمة الإِسلام والسنة.
ثالثاً: بشارات علماء أهل الكتاب بنبوة محمَّد ﷺ -
الله يخبرنا بذلك في كتابه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣)﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٣]
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾ [البقرة: ١٤٦] وقال تعالى عن القسيسين والرهبان: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤)﴾ [المائدة: ٨٣ - ٨٤].
стр. 74
ومن الأمثلة على ذلك:
١. سلمان الفارسي ﵁ أخبر في قصة إسلامه الطويلة:
"أنّ راهب النصارى عندما حضرته الوفاة طلب منه سلمان أن يوصيه، فقال الراهب: أي بني والله ما أعلمه بقي أحد على مثل ما كنا عليه آمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلك زمان نبيٍّ يُبعث من الحرم، مهاجره بين حرتين إلى أرض سبخة ذات نخل، وإن فيه علامات لا تخفى، بين كتفيه خاتم النبوة، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة فإن استطعت أن تخلص إلى تلك البلاد فافعل فإنه قد أظلك زمانه".
"ثم قص سلمان خبر قدومه إلى المدينة واسترقاقه، ولقائه برسول الله حين الهجرة، وإعطاءه له طعاماً على أنه صدقة فلم يأكل منه الرسول، ثم إعطاءه له طعاماً على أنه هدية وأكله منه، ثم رؤيته خاتم النبوة بين كتفيه وإسلامه على أثر ذلك" (١).
٢. وقال هرقل ملك الروم: "فإن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم إني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه" (٢).
٣. وقال رجال من الأنصار: "إن مما دعانا إلى الإِسلام -مع رحمة الله تعالى
стр. 75
وهداه لنا- لما كنا نسمع من رجال يهود، كنا أهل شرك أصحاب أوثان وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه تقارب زمان نبي يبعث الآن؛ نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فكنا كثيراً ما نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله رسول الله ﷺ أجبناه حين دعانا إلى الله، وعرفنا ما كانوا يتوعدننا به، فبادرناهم إليه، فآمنا به وكفروا به، ففينا وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾ [البقرة: ٨٩] " (١).
٤. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن شيخ من بني قريظة قال لي: هل تدري عمّ كان إسلام ثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعيد، وأسد بن عبيد؟ - نفر من بني هدل إخوة بني قريظة؛ كانوا معهم في جاهليتهم، ثم كانوا سادتهم في الإِسلام- قال: قلت: لا والله. قال: فإن رجلاً من اليهود من أرض الشام يقال له: ابن الهيِّبان قدم علينا قبل الإِسلام بسنين، فحلّ بين أظهرنا، لا والله؛ ما رأينا رجلاً قط لا يصلي الخمس أفضل منه، فأقام عندنا، فكنا إذا قحط عنا المطر قلنا له: اخرج يا ابن الهيبان! فاستسق لنا. فيقول: لا والله؟ حتى تقدموا بين يدي مخرجكم صدقة.