منار القاري
شرح مختصر
صحيح البخاري
تأليف حمزة محمد قاسم
راجعه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط
عني بتصحيحه ونشره بشير محمد عيون
الجزء الأول
مكتبة دار البيان
ص. ب ٢٨٥٤ - هاتف ٢٢٩٠٤٥
دمشق - الجمهورية العربية السورية
مكتبة المؤيد
ص. ب ١٠ - هاتف ٧٣٢١٨٥١
الطائف - المملكة العربية السعودية
стр. 2
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
بيروت
١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م
стр. 3
تقديم الكتاب
لصاحب الفضيلة خادم السنة النبوية الشيخ عبد القادر الأرناؤوط
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إنَّ الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن هذا الكتاب العظيم الذي جمعه أمير المؤمنين في الحديث، الِإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، المتوفى سنة (٢٥٦) هـ حيث قوّى عزمه على ذلك أستاذُه أمير المؤمنين في الحديث والفقه الِإمام أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه المتوفى سنة (٢٣٨) هـ حيث قال الِإمام البخاري: كنا عند إسحاق بن راهويه، فقال: لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح سنة رسول الله ﵌، قال: فوقع ذلك في قلبي، فأخذتُ في جمع الجامع الصحيح، فجمعه وسمَّاه (الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله صلى الله علمه وآله وسلم وسننه وأيامه) والتزم أن لا يورد فيه إلا حديثاً صحيحاً، وقصد من جمعه لهذا الجامع الذبَّ عن رسول الله ﵌ والدفاع عنه، والرد على الجهمية والمعطلة وبعض الطرق المنحرفة. ولما انتهى من جمعه عرضه على شيخه الِإمام
стр. 4
أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلى بن المديني وغيرهم، فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة. وقد اتفق العلماء على أن هذا الجامع أصح كتاب في حديث رسول الله ﵌.
وقد اعتنى بهذا الجامع الصحيح كثير من أهل العلم من المتقدمين ومن المتأخرين: فشرحه علماء كثيرون، واختصره أئمة آخرون، لا مجال لذكر أسمائهم لكثرتها.
ولقد سمت هِمَّة الأستاذ الجليل فضيلة الشيخ حمزة محمد قاسم فاختصر الجامع الصحيح اختصاراً وسطاً، ثم قرَّر بعد اختصاره أن يشرحه شرحاً مبسطاً يستفيد منه طلاب العلم، فقام بذلك حق قيام، جزاه الله تعالى خيراً، وسمى شرحه هذا (منار القاري في شرح مختصر البخاري) واعتمد في شرحه على الأئمة المتقدمين الذين شرحوه من الفقهاء والمحدثين.
وإن الأخ في الله الشارح لهذا الجامع الصحيح حفظه الله. درس على أفاضل من علماء المدينة وتخرج من القسم العالي (١) من مدرسة العلوم الشرعية بالمدينة المنورة، ولقد أتى في شرحه لكتابه هذا بما قاله العلماء في المذاهب الأربعة وسواها، وذكر ما قاله الجمهور من الفقهاء ومن خالفهم في ذلك.
وفي شرحه لأحاديث العقائد ذكر توحيد الربوبية والأسماء والصفات، وتوحيد الِإلهية والعبادة، دون تشبيه أو تمثيل أو تعطيل، بأسلوب سهل، على عقيدة السلف الصالح، وأهل السنة والجماعة التي تلقوها عن رسول الله ﵌ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، وهي العقيدة
стр. 5
السليمة، والطريقة المستقيمة التي ينبغي على كل مسلم أن يسلك سبيلها، وأن يسير على نهجها. وقد بحث حفظه الله تعالى في القضاء والقدر بحثاً جيداً على طريقة أهل السنة والجماعة، وأقوال الأئمة المجتهدين، والعلماء المحققين.
وبين بوضوح كل ما يتعلق بالعقائد، والأحكام، والمعاملات، والحدود، والأخلاق، وعرَّف السنة والبدعة، وسنة رسول الله ﵌، وسنة الخلفاء الراشدين، وما استقر عليه عمل الصحابة، وقد توسَّع في المعاملات، والطب، والأدب، والرقاق، والاعتصام بالكتاب والسنة، فنقل أشياء جديدة عرفت في عصرنا الحاضر، في المواضيع الاجتماعية والأمور الطبية التي يستفيد منها طلاب العلم والشباب المثقف في هذا العصر.
وقد ختم شرحه هذا بآخر حديث ختم به الِإمام البخاري ﵀ صحيحه هذا، وهو حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم".
فكان ختاماً حسناً، وشرحاً واضحاً يستفيد منه العام والخاص، فجزاه الله تعالى خيراً.
إن الشارح حفظه الله جاء إلى دمشق الشام ليقوم بطبع هذا الكتاب وتفضل علي وزارني في داري جزاه الله تعالى خيراً. وأطلعنى على عمله المبارك، فقدَّمه إليّ، وطلب مني أن أقرأ كتابه هذا، وأن أراجعه وأنظر في أحاديثه وشرحه، وأن أبدي ملاحظاتي عليه، فاستجبت لذلك على ضعفي، وقرأته من ألفه إلى يائه، ومن أوله إلى آخره، فوجدته كتاباً جيداً نافعاً إن شاء الله لطلاب العلمٍ والقراء الذين يطلعون عليه، وقد رتبه ترتيباً حسناً، ونظمه تنظيماً دقيقاً، وشرحه شرحاً جيداً لا لبس فيه ولا غموض.
стр. 6
فوضعت عليه بعض الملاحظات، وعلقت بعض التعليقات على الأحاديث النبوية، وربما أبدلت حديثاً بحديث، أو ذكرته بلفظه جاء في المصادر التي نقل عنها، وَرَجعت في ترجيح أقوال العلماء إلى قول أهل السنة والجماعة، وأهل العلم بالسنة من المحققين والمدققين من المتقدمين والمتأخرين، هذا وقد أضاف حفظه الله بعمله هذا إلى المكتبة الِإسلامية كتاباً حافلاً بالخير والبركة جعله الله تعالى في صحيفة أعماله، وصحيفة من شارك فيه، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الاعتقاد الصحيح، والسبيل المستقيم، وأن يوفقنا لاتباع سنة رسول الله ﵌ وطريقته وهديه، وأن يجعل عملنا هذا خالصاً لوجهه الكريم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
دمشق ١٧ ربيع الأول ١٤٠٩ هـ
الموافق ٢٧ تشرين الأول ١٩٨٨ م
خادم السنة النبوية
عبد القادر الأرناؤوط
стр. 7
كلمة شكر وتقدير ...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله على نعمه العظام، وآلائه الجسام؛ والحمد لله الذي وفقني لخدمة سنة المصطفى خير الأنام، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه ورسله، سيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه البررة الكرام، ما توالت الأيام وتتابعت السنون والأعوام.
وبعد. يسرني في هذه اللحظة المباركة التي أقدم فيها كتابي هذا إلى القراء، أن أوجه خالص شكري وتقديري وامتناني إلى صاحب الفضيلة المحدث الكبير، والعالم السلفي الجليل، الشيخ عبد القادر الأرناؤوط على تفضله مشكوراً بمراجعة أحاديث هذا الكتاب سنداً ومتناً، وتدقيق معانيها وفقهها وأحكامها وتذييل حواشيه بإرشاداته القيمة وتعليقاته العلمية المفيدة وآرائه الصائبة، فأفاض عليه من غزارة علمه، وسعة اطلاعه، ما هو جدير بفضيلته وأهل له، وكل تعليق ختم بـ (ع) فهو لفضيلته.
جزاه الله عن الحديث وأهله خير الجزاء، ونفع به الِإسلام والمسلمين.
ويطيب لي في هذه المناسبة السعيدة، أن أنوه بالجهود الكبيرة التي بذلها الأستاذ الجليل السيد بشير محمد عيون صاحب دار البيان في خدمة هذا الكتاب، حيث قام بإعداده وطبعه وإخراجه، وأشرف عليه في جميع مراحله، وعني كل العناية بتحقيق نصوصه وتدقيق ألفاظه وكلماته، وراجعه مرات ومرات، فله مني وللأستاذ الفاضل السيد حسن السماحي الذي قام بتصحيحه
стр. 8
وترقيمه جزيل الشكر وعاطر الثناء، وعميق التقدير، وأتمنى لهؤلاء السادة الأفاضل كل نجاح وتوفيق فيما يبذلونه من نشاط واسع في خدمة الكتب الدينية وإحياء التراث الإسلامي، وعلى الأخص ما يتعلق منه بالحديث النبوي الشريف والسنة المحمدية المطهرة وعقيدة السلف الصالح.
سدد الله خطاهم ووفقهم لما يحبه ويرضاه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
دمشق ١٢ ربيع الأول سنة ١٤٠٩ هـ
المؤلف
حمزة محمّد قاسم
стр. 9
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الكتاب
الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمداً عبده ورسوله. أرسله الله بالهدى ودين الحق على فترةٍ من الرسل، وقلةٍ من العلم، وضلالةٍ من الناس.
وصلّى الله على سيدنا محمدٍ الذى أرسله الله إلى الثقلين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً.
وبعد فإنّ أصدقَ الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد بن عبد الله ﷺ ، وأشرف العلوم علم السنة المحمدية، ودراسة أحاديث رسول الله ﷺ رواية ودراية، فقهاً وأحكاماً، فالكتاب والسنّة توأمان. وقد كان جبريل ينزل بالسنّة كما ينزل بالقرآن. فهي وحي إلهي منزل، وهي المرجع الأول في تفسير القرآن الكريم، والمصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي.
ولذلك كان لعلم الحديث مكانته السامية، وكان لأهل الحديث مكانتهم المرموقة بين العلماء. ويكفيهم شرفاً أن النبي ﷺ نوَّه بشأنهم، ودعا لهم بالوجاهة بين الناس، فقال ﷺ كما في حديث زيد بن ثابت ﵁: "نَضَّرَ اللهُ امرءاً سَمِعَ مِنَّا حديثاً فَحَفِظَهُ حتَّى يُبلغَه، فرُبَّ حامِل فَقهٍ إلى مَنْ هُوَ أفْقَهُ مِنْه، وَرُب حَامِل فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيْهٍ" أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وقال حديث حسن.
стр. 10
وقد استجاب الله تعالى دعوة نبيه ﷺ لأهل الحديث كما قال سفيان بن عيينة ﵀: فما من أحد يطلب حديثاً إلا وفي وجهِه نضرةٌ. والمراد أنه لا يوجد أحد من طلاب الحديث إلاّ وقد منحه الله تعالى نشاطاً وقوةً في جسمه، وصفاءً في لونه، وبهجةً في صورته ووجاهةً بين الناس. وإنما دعا له النبي ﷺ بهذه الدعوة المباركة، لأنه سعى في تجديد سنة المصطفى، فكان جزاؤه من جنس عمله، أفاده القسطلاني.
قال بعض السلف: ويرجى لأهل الحديث أن يفوزوا بنضرة النعيم في الدار الآخرة. ولا عجب فأهل الحديثِ هم خلفاء النبي ﷺ على سنته.
وقد كانت أمنية عمري أن يمنَّ الله عليَّ بخدمة "صحيح البخاري" وما زال هذا الحُلُم يراود مخيلتي سنين طوالاً، حتى وافتني الفرصة، وتحقق الأمل، فوفّقني الله تعالى إلى تأليف هذا المختصر الذي لخصته من صحيح البخاري، ووضعت عليه شرحاً وسطاً يقع في خمس مجلدات أو في خمسة أجزاء، تحرّيت فيه أن يكون محقِّقاً للغرض، مشتملاً على ما لا بدَّ منه، من ترجمة بعض الرواة، وشرح معنى الحديث، وبيان فقهه وأحكامه، وتخريجه (١)، ومطابقته للترجمة.
وحرصت أن يكون - قدر الإمكان - بأسلوب سهل، وعبارة واضحةٍ، قريبةٍ من القراء، وفي متناول مداركهم. وبذلت جهدي في تحْقيقه معتمداً على أوثق المصادر الإسلاميّة. فإنْ أصبت فبفضل من الله (وما توفيقي إلا بالله) وإنْ أخطأت فالمؤلفون عُرْضة للزلل، ومن ألَّف فقد استُهدِف.
وسميته "منار القاري شرح مختصر البخاري" أسأل اللهَ ربَّ العرش العظيم، أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، ويمنحه القبول، وينفع به القرّاء.
стр. 11
وإنّي لأطمع أن يشملني قوله ﷺ "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث، صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وَأَصْلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصْلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) اللَّهم إني أسألك أن تمنّ علينا وعلى والدينا وأوْلادنا وآل بيتنا ومشايخنا وأقاربنا وأصدقائنا، وعلى جميع المؤمنين والمؤمنات بعفوك وغفرانك، ورحمتك ورضوانك. (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) وصلّى الله على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.
حمزة محمّد قاسم
стр. 12
" لمحات عن البُخاري وكتابه الجامع الصحيح "
" الإمام البخاري: ترجمته، حياته، مؤلفاته "
عصر البخاري:
ظهر البخاري في القرن الثالث الهجري الذي ازدهرت فيه العلوم الإِسلامية، وأصبح لها مراكز متعددة بالمدينة ومكة (١) والبصرة والكوفة وبغداد عاصمة الخلافة ومركز العلوم والحضارة، في ذلك العصر الذي نمت فيه المذاهب الفقهية وتطورت علوم القرآن من تفسير وغيره، وأُلفت الكتب المتعددة في السيرة والتاريخ والطبقات، ووضعت علوم العربية لخدمة القرآن الكريم.
أما علوم الحديث: فقد بلغت في هذا العصر قِمَّة مجدها، وظهر فيه أعلام السنة وكبار المحدثين، منهم أحمد بن حنبل وعلي بن المديني ومُسْلم بن الحجاج والترمذي وابن ماجة وأبو داود، كل هؤلاء ظهروا في هذا العصر الذهبي للعلوم الإِسلامية وألفوا المسانيد والمجاميع وتركوا تراثاً إسلامياً ضخماً في الحديث وعلومه.
ولم يكن هذا العصر عصر بداية الحديث وتدوينه وإنما كان عصر تطوره وازدهاره، أما بداية تدوينه فقد كانت في القرن الثاني الهجري، عندما أمر عمر بن عبد العزيز بجمع الحديث خشية ضياعه، وكتب إلى واليه أبي بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم كتاباً يأمره فيه أن ينظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ وسنته فيكتبه خوفاً من أن يندرس هذا العلم بذهاب العلماء (٢) فكان
стр. 13
أوَّل من استجاب لهذه الدعوة إمام المحدثين في ذلك العصر محمد بن مسلم بن شهاب الزُّهري، فكتب فرائد في علم الحديث، حتى عدّه بعضهم واضع مصطلح الحديث. وكان أوَّل من جمع الأحاديث والآثار.
ثم اقتفى المحدثون أثره ونهجوا نهجه، واقتصروا في أوَّلِ الأمرِ على مجرد تدوين الحديث وجمعه، ثم خطوا خطوة جديدة انتقلوا فيها من مرحلة التدوين إلى مرحلة التنسيق والترتيب الفقهي، فوزعوا الأحاديث على أبواب الفقه الإسلامي، فهذا كتاب الصلاة وأبوابها، وهذا كتاب الزكاة وأبوابها، وهذا كتاب الصوم وأبوابه، وهكذا إلى آخره.
وكان من الروّاد الأوائِل في تنسيق الأحاديث وترتيبها ابن جريج ومالك وعبد الله بن المبارك وعبد الرزّاق (١)، ثم جاء من بعدهم النسائي وابن ماجة وغيرهم، وفي مقدمتهم الإمامان الجليلان محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم ابن الحجاج القشيري.
البخاري، نسبه، ولادته، نشأته:
البخاري هو حجة الإسلام وقدوة الأَنام وأمير المحدثين الأَعلام، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن المغيرة بن "بَرْدِزْبَة" (٢) الجعفي، أَسلم جدّه المغيرة على يد ابن اليمان الجعفي والي بخارى، ولذلك نسب إليه. وكان والده إسماعيل من ثقات المحدثين، كما ترجم له ابن حبان، وذكر عنه البخاري أنه سمع من مالك، وصحب ابن المبارك، وكان محدِّثاً ورعاً صالحاً تقياً. ولد البخاري عند صلاة الجمعة من اليوم الثالث عشر من شوال سنة ١٩٤ هـ ببلدة بخارى من أسرة كريمة، وأراد الله أن ينشأ يتيماً في حجر أمّه، وكانت صالحة فأَنفقت
стр. 14
عليه من مال أبيه، وأحسنت تربيته فنشأ نشأة علمية صالحة، ولاحظته العناية الإِلهية منذ صغر سنه، فقد روي أنّه ذهبت عيناه في صغره، فأخذت أمُّه تضرع إلى الله تعالى، وتبتهل إليه حتى استجاب دعاءها وردّ إليه بصره، وأسلمته أمه إلى الكتاب، فحفظ فيه القرآن الكريم، وظهرت عليه آثار النجابة، ورزقه الله تعالى قلباً واعياً، وحافظة قوية، وألهمه حفظ الحديث، فأخذ منه بحظٍ وافر وهو لم يبلغ العاشرة من عمره، وتردد على علماء بلده، وما إنْ بلغ السادسة عشرة حتى حفظ عدداً كبيراً من كتب الأئمة وكيع وابن المبارك وغيرهم من أعلام عصره.
رحلاته العلمية: كان البخاري واسع الطموح قوي الرغبة في طلب العلم، أفنى عمره كله في رحلته الطويلة بين العواصم الإسلامية للالتقاء بالمحدثين والسماع منهم، فبدأ رحلته بالحج برفقة أمّه وأخيه أحمد الذي كان أكبر منه سنّاً، وأقام بمكة زمناً، ثم طاف على معظم مراكز الحديث في العالم الإِسلامي وسمع من مشايخه في خراسان والحجاز ومصر والشام، ودخل المدينة المنوّرة، وصنَّف في روضتها الغراء كتابه "التاريخ الكبير" وقال ﵀: قلّ اسم في التاريخ إلاّ وله عندي قصة. ودخل بغداد ثماني مرات، وكان يجتمع فيها كل مرة بالِإمام أحمد، فيحثه على الإقامة فيها.
كثرة شيوخه: لا شك أن هذه الرحلة الطويلة كانت سبباً في كثرة مشايخ البخاري وكلهم من أعلام المحدثين ذوي الثقة والعدالة. قال رحمه الله تعالى: "كتبت عن ألف وثمانيْن نفساً، ليس منهم إلاّ صاحب حديث. وكان بعض مشايخه ﵀ من التابعين، وبعضهم من أتباع التابعين، وهم الطبقة الوسطى من مشايخه.
تلامذته: أخذ عن البخاري وسمع منه خلق كثيرٌ حتى قال الفربري: سمع
стр. 15
منه كتاب البخاري سبعون ألف رجل، وكان من أعْلام تلاميذه الترمذي
والنَسائي ومسلمٌ وابن خزيمةِ وأبو زُرعة.
سعة حفظه: كان ﵀ في الحفظ نادرة زمانه، وأعجوبة دهره، ولم يكن له نظير في عصره، بل كان آية من آيات الله في أرضه، رُوِى عنه أنه كان ينظر في الكتاب فيحفظه من نظرة واحدة، قال رحمه الله تعالى: أحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائَتَيْ أَلفِ حديثٍ غير صحيح، وروى أبو العباس البغدادي "أن البخاري لما قدم بغداد اجتمع به محدثوها وأَرادوا امتحان حفظه، فعمدوا إلى مائة حديث قلبوا متونها وأسانيدَها، وجعلوا إسناد هذا لهذا ودفعوا لكل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم أن يلقوا ذلك إلى البخاري، فلما انعقد المجلس من كبار علماء العراق وخراسان، قام إليه رجل فسأله عن حديث منها، فقال البخاري: لا أعرفه، فما زال يلقى إليه واحداً واحداً (١)، والبخاري يقول: لا أَعرفه، ثم قام إليه ثان وثالث ورابع حتى فرغوا كلهم، فالتفت إلى الأَول فقال: أمَّا حديثك الأول فقلت: كذا، وصوابه كذا، وحديثك الثاني كذا، وصوابه كذا، حتى أَتى على تمام العشرة فرد كل متنٍ إلى إسْنَادِهِ، وفَعَل بالآخرين مثل ذلك، قال الحافظ: فما العجب من رده الخطأ إلى الصواب فإنّه كان حافظاً، بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقوه.
ثناء أهل العلم عليه: لقد أجمع علماء الإِسلام على أن البخاري قد فاز بقَصَب السبق، وتفوّق على غيره في علم الحديث حتى أصبح يلقَّب بأمير المؤمنين في الحديث، وشهد له بذلك أهل العلم في جميع العصور قديماً وحديثاً، فقال الإمام أحمد ﵀: ما أخرَجَت خراسان مثل محمد بن إسماعيل، رواه الخطيب بإسناد صحيح.
стр. 16
واعترف له بالفضل جميع أئِمة عصره، فقال الدارمي: لقد رأيت العلماء بالحرمين والحجاز والشام والعراق فما رأيت فيهم أَجمع من محمد بن إسماعيل.
وقال قتيْبة بن سعيد: جالست الفقهاء والزهاد والعباد، فما رأَيت منذ عقلْت مثل محمد بن إسماعيل، وهو في زمانه كعمر في الصحابة.
وأما مكانته في الحديث وعلو منزلته بين المحدثين، فقد قال عنه الحافظ ابن كثير: البخاري إمام المحدثين في زمانه، والمقتدى به في أَوانه، والمقدم على سائِر أقْرانه.
وقال السبكي: البخاري إمام المسلمين وقدوة المؤْمنين، وشيخ الموحدين، والمعوَّل عليه في حديث سيد المرسلين، وكتب إليه أهْل بغداد شعراً قالوا فيه:
المُسْلِمُونَ بِخَيْرٍ مَا بَقِيْتَ لَهُمْ ... وَلَيْسَ بَعْدَكَ خَيْرٌ حِيْنَ تُفْتَقَدُ
وقال فيه أبو مصعب: لو أدركتَ مالكاً ونظرت إلى وجهه ووجه محمد بن إسماعيل لقلت كلاهما واحدٌ. وهكذا اشتهر البخاري، وأصبح حديث الدنيا، وتطلعت إليه الأنظار، وأجع العلماء على محبته وتقديره، واشتاقت إلى رؤيته القلوب، وشخصت الأبصار حتى قال أبو سهيل: أكثر من ثلاثين عالماً من علماء مصر يقولون: حاجتنا في الدنيا النظر إلى وجه محمد بن إسماعيل.
وقال يحيى بن جعفر: لو قَدِرْتُ أن أزيد من عمري في عمر محمد بن إسماعيل لفعلت، فإن موتي يكون موت رجل واحد، وموت محمد بن إسماعيل فيه ذهاب العلم.
صفات البخاري وشمائله: كان البخاري ﵀ ربعة القوام، عظيم الحياء والشجاعة والورع والزهد، كثير الجود وتلاوة القرآن، أنفق المال الذي ورثه عن والده على طلبة العلم، وكان شغوفاً بتلاوة القرآن يختم في رمضان في كل
стр. 17
يوم ختمةً قال محمد ابن أبي حاتم.
وفاة البخاري: عاد البخاري أخيراً إلى مسقط رأسه (بخارى) وتلقَّاه أهلها بالحفاوة والتقدير. إلاّ أنَّ أميرها خالد بن أحمد الذهلي سأله أن يحضر إلى منزله ليحدِّث أولاده بالجامع الصحيح، فامتنع، وقال كلمته المشهورة: لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب السلاطين، فإن كانتْ له حاجة فليحضر إلى مجلسي. فغضب عليه الوالي، ونفاه عن بخارى. فدعا عليه بقوله: اللهم أرهم ما قصدوني به في أنفسهم وأولادهم وأهاليهم، فلم يأت شهر على ذلك الوالي حتى عُزِّرَ به، وأركب على أتان ونودي عليه في أسواق بخارى. أما البخاري فإنه سار إلى سمرقند بدعوة من أهلها، فوقعت بسببه فتنة، فتوقف بقرية خَرْتَنْك، على ثلاثة فراسخ من سمرقند، ومرض هناك ووافاه أجله المحتوم، ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين ومائتين من الهجرة النبوية.
مؤلفات البخاري كثيرة منها:
١ - الجامع الصحيح أو صحيح البخاري.
٢ - الأدب المفرد.
٣ - القراءة خلف الإِمام.
٤ - التاريخ الكبير.
٥ - التاريخ الأوسط.
٦ - التاريخ الصغير.
٧ - خلق أفعال العباد.
٨ - أسامي الصحابة.
٩ - كتاب الضعفاء.
قال القسطلاني: وسارت مؤلفات البخاري مسير الشمس، ودارت
стр. 18
الدنيا، فما جحد فضلها إلاّ الذي يتخبطه الشيطان من المس.
الجامع الصحيح - أو صحيح البخاري:
صحته: لا شك أن هذا الجامع الصحيح المشهور بصحيح البخاري هو أجل كتب الإِسلام بعد كتاب الله شاناً وأعلاها منزلة، وأصح كتب الحديث على الإطلاق، وهو الكتاب الذي خلّد اسم البخاري، ودخل به التاريخ من أوسع أَبوابه، وأصبح ذكره على كل لسان على مر العصور والأَزمان، لأنه خطا في كتابه هذا خطوةً عظيمة وانفرد بميزة لم يشاركه فيها غيره، حيث اقتصر فيه على أصح الصحيح من حديث رسول الله ﷺ ، واشترط في الأحاديث التي أخرجها شرطاً لم يشترطه سواه، وقد كان المحدثون قبله لا يعنون إلا بجمع ما وصل إليهم من الحديث، تاركين البحث عن رواته إلى القرّاء، فلما ظهر البخاري أراد أن يجرِّد الصحيح من الأحاديث في كتاب على حدة، ليريح الطالب من عناء البحث، فأَلَّف كتابه هذا الذي اقتصر فيه على الحديث الصحيح، الذي ينطبق عليه شرطه هو دون سواه، قال ابن الصلاح: أوَّلُ من صنف الصحيح أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي مولاهم، وتلاه أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري ... ثم إِن كتاب البخاري أصح الكتابين وأكثرها فوائد.
فصحيح البخاري أصح من صحيح مسلم، لأن شرط البخاري أَقْوى، فقد اشترط فيما يخرجه من الأحاديث " اللقيا " بين الراوي ومن روى عنه، بينما لم يشترط مسلم سوى " المعاصرة بينهما "، ولهذا قال العسقلاني: أما رجحان البخاري من حيث الاتصال فلاشتراطه أن يكون الراوي قد ثبت له لقاء من روى عنه، واكتفى مسلم بمطلق المعاصرة. أهـ. ولهذا أجمعوا على أنه أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى.
стр. 19
قال البخاري رحمه الله تعالى: سمعت شيخي إسحاق بن راهويه يقول: لو جمعتم كتاباً مختصراً في الصحيح من سنّة رسول الله ﷺ ، فوقع ذلك في نفسي أو في قلبي، فأخذت في جمع "الجامع الصحيح" ورأيت النبي ﷺ في المنام، وكأني واقف بين يديه وبيدي مروحة أذب عنه، فسألت بعض المعبّرين فقال: أنت تذب عنه الكذب (١)، فهو الذي حملني على إخراج الجامع الصحيح.
وقد تحرى في صحته ما أمكنه التحري وبذل في ذلك أقصى الجهد ومكث فيه سنوات طويلة، قال ﵀: " صنفت الجامع في ست عشرة سنة، وجعلته حجةً فيما بيني وبين الله، ما أدخلت فيه حديثاً حتى استخرت الله تعالى، وصليت ركعتين وتيقنت صحته. وأكد ابن الصلاح أن الأحاديث التي انفرد بها البخاري ومسلم أحاديث مقطوع بصحتها، تفيد (٢) العلم اليقينى لتلقي الأمة كلَّ واحد من كتابيهما بالقبول، ويقول الأستاذ أحمد محمد شاكر " الحق (٣) الذي لا مرية فيه عند أهْل العلم بالحديث من المحققين، أن أحاديث الصحيحين صحيحة كلها، ليس في واحد منها مطعن أو ضعْف "، أهـ.
ولقد كان من العوامل التي ساعدت البخاري على أن يكون الرائد الأَوَّلَ في تجريد الأحاديث الصحيحة كما قال أحمد أمين في ضحى الإِسلام: أنه رزق خصلتين بارزتين مكَّنتاه من غرضه:
стр. 20
الأولى: حافظة قويّة لاقطة خاصةً (١) فيما يتعلق بالحديث، فقد بالغ الرواة في كثرة ما كان يحفظه عن ظهر قلبه من أَحاديث بسندها، فروي عنه أنه كان يحفظ في صباه سبعين ألف حديث وأكثر، ولا يجيء بحديث عن الصحابة والتابعين إلا ويعرف مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم وأوصافهم، ومهما كانت هذه الأخبار التي رويت عنه فإنها تدلنا على قدرته في الحفظ، وكان يستعين على حفظه بالتقييد، فقد رووا عنه أنه كان يقول ما تركت حديثاً في البصرة إلا كتبته.
الثانية: مهارة فائِقة في تعرف الرجال ونقدهم، وقد وضع في ذلك كتابه " التاريخ " لتمييز الرجال، ورووا عنه أنه قال: قَلَّ اسْمٌ قي التاريخ إلا وله عندي قصة.
أما عدد أحاديث صحيح البخاري: فقد ذكر ابن الصلاح (٢) أنها سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثاً بالأحاديث المكررة (٣)، وقيل إنها بإسقاط المكرر أربعة آلاف حديث وتبعه النووي في مختصره ... وقال القاري (٤): الذي حققه الحافظ في شرح البخاري، أن جملة أحاديثه مع التعاليق والمتابعات والشواهد والمكررات تسعة آلاف وإثنان وثمانون حديثاً، وبإسقاط المكرر تبلغ أَحاديثه المرفوعة إلى النبي ﷺ أَلفين وستمائة وثلاثاً وعشرين، وتبلغ ثلاثيات البخاري وهي أعلى الأسانيد مع المكرر اثنين وعشرين حديثاً، وبإسقاط المكرر ستة عشر حديثاً.
стр. 21
أما ثناء الناس عليه: فقد أَجمع علماء الإِسلام على تلقي هذا الكتاب الصحيح بالقبول، لأنه الكتاب المبارك الذي جمع بين دُفتَيْهِ السنّة الصحيحة، ولا شك أن صاحبه رحمه الله تعالى عندما أسماه " الجامع المسند الصحيح " قد عنى بالفعل أن يكون هذا الكتاب مطابقاً لعنوانه، فنفَّذ ما وصفه به بكل دقة وعناية، والتزام، ولهذا حظي الكتاب بما لم يحظ به غيره، من تقدير علماء الإسلام وإعجابهم به شرقاً وغرباً، فأثنوا عليه بالغ الثناء، ووصفوه بما يليق به، فقال الذهبي في تاريخ الِإسلام: أما جامع البخاري الصحيح فأجل كتب الإسلام، وأفضلها بعد كتاب الله وهو أعلى في وقتنا هذا إسناداً للناس.
وقال شيخ الإِسلام ابن تيميّة: ليس تحت أديم السماء كتاب أصح من البخاري ومسلم بعد القرآن (١).
وشارك الشعراء في الثناء على هذا الكتاب العظيم، والتغني بمدحه فقال العجلى:
كأنَّ البخاري في جمعه ... تلقى من المصطفى ما كتبْ
فلله خاطره ما وعَى ... وساق فرائده وانتخبْ
وقال الجرجاني في وصفه:
أسانيدُ مثلُ نجوم السماء ... أمَامَ متونٍ كمثل الشُّهُبْ
به قام ميزانُ دينِ النبي ... ودانَ له العُجْمُ بعد العربْ
وخير طريق إلى المصطفى ... ونور مبين لكشف الريبْ
صحيح البخاري لو أنصفوه ... لما خط إلاّ بماء الذهبْ (٢)
نفعنا الله به ووفقنا للعمل بما فيه والله أعلم.
стр. 22
قال البخاري:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - " باب كيف كان بدءُ الوحي إلى رسول الله ﷺ - " (١)
ــ
(بسم الله الرحمن الرحيم)
١ - " باب كيف كان بدءُ الوحي إلى رسول الله ﷺ "
أقول وبالله التوفيق: جرت عادة المصنِّفين على إطلاق لفظ الباب على مجموعة من المسائل العلمية المشتركة في حكم واحد، وعلى هذا جرى البخاري حيث ذكر في هذا الباب الأحاديث المتعلقة بالوحي، وكيف بدأ وتدرج من مرحلة إلى أخرى، ومن رؤيا منامية إلى وحي صريح. كما ذكر فيه الأحاديث المتعلقة بالوحي المحمدي وتقرير صحته وثبوته وصدقه. ولا شك في أن تصدير البخاري. كتابه بباب بدء الوحى أمر في غاية المناسبة، والإِبداع والتوثيق العلمي. فإنّ فيه إشارة صريحة إلى أن ما بين دفتيه من أحاديث النبي ﷺ هو وحى إلهي، وكذلك السنة الصحيحة كلها. قال يحيى بن كثير: كان جبريل ينزل بالسنَّة كما ينزل بالقرآن، أخرجه الدارمي، وقال : (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)، وقال النبي ﷺ : " ألا إني أوتيت الكتاب ومثله ". أما الوحي فله معنيان معنى لغوي ومعنى شرعي وإنْ شئتَ قلت: له في اللغة معان عديدة، وله شرعاً معنى واحد. فالوحي لغة يأتي لعدة معان وهي:
(أ) الإشارة الحسية باليد والعين وغيرهما، كما قال الشاعر:
стр. 23
نظرت إليْها نظرةً فَتَحَيَّرَتْ ... دَقَائِق فِكْري فِى بَدِيْع صِفَاتِهَا
فَأوحَى إِلَيْهَا الطرفُ أنَّي أحبّهَا ... فأثَّر ذَاكَ الوَحيُ في وَجنَاتِهَا
ومنه قوله تعالى: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا).
(ب): الكتابة كقول لبيد (١):
فمدافعُ الرَّيَّان عُرِّي رَسْمُها ... خَلَقاً كما ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلاَمُها
(فالْوُحِىُّ جمع وَحْيٍ وهو الكتابة)، وإنما سميت الإِشارة والكتابة وحياً لدلالتهما على المعنى بسرعة لا يدانيهما فيها غيرهما. والعرب تسمي السرعة وحياً، فيقولون: تَوَحَّى الرجل إذا جاء بسرعة، فهما يرجعان إلى أصل واحد وهو السرعة.
(جـ) الإِلهام القلبي وهو ما يلقيه الله في قلب الإنْسان من علم، أو أمر، أو نهي. كما قال تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ).
(د) التسخير الغريزى للحيوان (٢) كقوله تعالى: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ): أي أنَّ الله سخرها عن طريق الغريزة أنْ تصنع هذه الأشياء
العجيبة.
(هـ) الوسوسة الشيطانية، ومنه قوله تعالى: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ). وإنما سمي " الإلهام " و " التسخير الغرْيزي " و " الوسوسة الشيطانية " وحياً، لأنّها إعلام في خفاء، والعرب تسمي الإعلام الخفي
стр. 24
وَحْياً، قال الكسائي: تقول وحيت إليه إذا كلمته بكلام تخفيه عن غيره. أما الوحي شرعاً: فهو إعلام الله تعالى لنبيٍّ من أنبِيَائه بالشريعَة الْمنْزَلَةِ عليه، وما يتعلق بها من أخبار وأحكام سواءً كان هذا الإِعلام الإِلهي مَناماً أو إلهاماً أو كلاماً بواسطة أو بغير واسطةٍ. وِإنما سمي إعلام الله لأنْبِيَائِهِ وحياً لأمرين:
أولاً: لأنه يأتي غالباً إِلى الأنبياءِ في سرِّية وخفاءٍ، وأصل الوحي في اللغة " الإِعلام الخفي ".
ثانياً: أنه غالباً مما يتم في سرعةٍ شديدةٍ حتى أنَّ القسطلاني قال: والتلقي من الملك، وفهم النبي ﷺ ما أُلقي إليه كأنه في لحظة واحدة، بل أقرب من لمح البصر، ولذلك سمي وحْياً لأن الوحي في اللغة الإِسْراع. والحاصل أنه سُمِّيَ وحياً لما يتصف به غالباً من الخفاءِ والسرعة، حتى قال بعضهم: الوحي شرعاً هو إلقاء الله تعالى الكلام أو المعنى في نفس النبي بخفاء وسرعة.
ولكن هذا التعريف في الحقيقة، لا ينطبق على الوحي في كل الأَحوال، فليس كل وحي يأتي إلى النبي ﷺ في سرعة وخفاء، فقد يأتي أحياناً عَلانيةً، ويلقاه جبريل أمام أصحابه، فيرونه ويشاهدونه، ويسأل النبيَّ ﷺ ويجيبه ﷺ وهو بين أظهرهم، وَيقولُ لهم النبي ﷺ : " هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم ". وقد تطول مدة نزول الوحي، ويستغرق فترة من الزمن، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، فالسرية والسرعة ليست صفة لازمة للوحي، ولا حالة مطرِّدَة فيه، وإنما هي حالة أغلبية والله أعلم.
أنواع الوحي: قال ابن القيم: وكمل الله له ﷺ من مراتب الوحي مراتب عديدة.
стр. 25
أحدهما: الرؤيا الصادقة، وكانت مبدء وحيه (١)، كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.
الثانية: ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه (٢) من غير أن يراه، كما قال ﷺ : " إنّ روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله، فإن ما عند الله لا ينال إلاّ بطاعته ".
الثالثة: أنه ﷺ كان يتمثل له الملك رجلاً فيخاطبه حتى يعي ما يقول، وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة أحياناً.
الرابعة: أنه كان يأتيه في مثل صلصلة الجرس، وكان أشده، عليه فيلتبس به الملك حتى أن جبينه ليتفصد عرقاً في اليوم الشديد البرد. وحتى إن راحلته لتبرك به إِلى الأرض إذا كان راكبها، ولقد جاءه الوحي مرّة كذلك وفخذه على فخذ زيد بن ثابت، فثقلت عليها حتى كادت ترضها.
الخامسة: أن يرى الملك في صورته (٣) التي خُلق عليها فيوحى إليه ما شاء الله أن يوحيه، وهذا وقع له مرتين، كما ذكر الله ذلك في سورة النجم.
السادسة: ما أوحاه الله إليه وهو فوق السموات ليلة المعراج. من فرض الصلاة وغيرها.
стр. 26
السابعة: كلام الله له، منه وإليه بلا واسطة ملك، كما كلم الله تعالى موسى بن عمران، وكلَّم أيضاً نبينا ﷺ ليلة المعراج، قال ابن القيم: وقد زاد بعضهم مرتبة ثامنة وهي تكليم الله له كفاحاً، " مباشرة دون حجاب " وهذا على مذهب من يقول: إنه ﷺ رأَى ربه (١) ﵎، وهي مسألة خلافية بين السلف والخلف، وقد بدأ الخلاف في هذه المسألة منذ عهد الصحابة ﵃، فعائِشةُ وجماعة من الصحابة يقولون: لم ير النبي ﷺ ربه، وابنُ عباس ومن وافقه يقولون: رأى ﷺ ربه، ليلة المعراج، وروى الخلال في " كتاب السنة " عن المروزي أنه قال: قلت لأحمد: يقولون إنَّ عائشة قالت: " من زعم أنّ محمداً رأى ربَّه فقد أعظم على الله الفرية " فبأي معنى تدفع قولها قال بقول النبي ﷺ : رأيت ربي (٢)، وقال ابن كثير: وصرح بعضهم بالرؤية بالعين، واختاره ابن جرير وبالغ فيه (٣) وقال النووي في شرح مسلم: الراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله ﷺ رأى ربه بعيني رأسه (٤)، لحديث ابن عباس وغيره، حيث قال " أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمّدٍ ﷺ وإثبات هذا لا يأخذونه إِلا بالسماع من رسول الله ﷺ (٥).
عناصر الوحي: لا شك أنّ الوحي يتألف من عنصرين هما: كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فالسنة توأم القرآن، والمصدر الثاني للتشريع الإسلامي، وهي وحي إلهي من أنكرها فقد أنكر نبوة محمد ﷺ وكفر بشهادة أن محمداً رسول الله؛ لأنها لا تتحقق إلا بتصديق الرسول ﷺ فيما جاء به، والعمل
стр. 27
بسنته، ومن لم يعمل بالسنة لم يعمل بالقرآن؛ لأنه خالف قوله (وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا). ولا تتحقق طاعة الله إلّا بطاعة نبيه ﷺ ؛ لقوله (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) وقوله ﷺ : " من أطاعنى فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله " أخرجه البخاري. وقال يحيى بن كثير: كان جبريل ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن. وفي الحديث عن المقدام بن معدي كرب قال: قال النبي: ﷺ " ألا إني أُوتيت الكتاب ومثله " إلى أن قال ﷺ : " وإنّ ما حرم رسول الله كما حرم الله " أخرجه أبو داود. وقال طاووس رحمه الله تعالى: وقيل: لم يسن رسول الله ﷺ شيئاً قط إلا بوحي، فمن الوحي ما يتلى، ومنه ما يكون وحياً إلى رسول الله ﷺ فيسن به (١).
من هو أول الأنبياء ومن أول الرسل؟
لا خلاف بين أهل العلم في نبوة آدم ﵊، فقد اتفقوا على أَنه نبي، وأنه أوّل الأنبياء، لثبوت ذلك بالأحاديث الصحيحة، قال الأستاذ الصابوني (٢) وقد ورد في السنة الصحيحة ما يدل على نبوته صراحة وذلك في حديثين:
الأول: عن أبي سعيد الخدرى ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدى لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشقّ عنه الأرض ولا فخر "، رواه الترمذي.
الثاني: عن أبي ذر الغفاري ﵁ أنه قال: قلت يا رسول الله
стр. 28
أي الأنبياء كان أول؟ قال: آدم، قلنا: يا رسول الله ونبي كان؟ قال: نعم، نبي يكلَّم، قلت: يا رسول الله كم المرسلون؟ قال: ثلاثمائة وبضعة عشر جَمَّاً غفيراً .. رواه أحمد. قال: ولهذه الأدلة نرى علماء المسلمين متفقين على نبوته، لم يخالف في ذلك أحد، والله تعالى أعلم " قال " وأما رسالته فالأمر فيها مختلَفٌ فيه، فيرى بعض العلماء أنه رسول، وأنه أرسل إلى ذُرِّيته، ويرى الآخرون أنه لم يكن رسولاً، وإنَّما كان نبيّاً، ويستدل هؤلاء بحديث الشفاعة الوارد في صحيح مسلم أن الناس يذهبون إلى نوح يقولون له أنت أوّل رسل الله إِلى الأرض، فلو كان آدم رسولاً لما ساغ هذا القول.
والرأي الأرْجح أنه من الرسل. ومن أقوى الأدلة على رسالته قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) فقد روي عن الحسن وابن عباس ﵄ تفسير الإِصطفاء في الآية بالاختيار للرسالة، كما أخرجه ابن عساكر وابن جرير (١)، وهذا يدل على أن آدم أوّل الرسل، قالوا: إنما لم يذكر اسمه مع الرسل في قوله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) إلخ لأن الوحىَ الذي أنزل عليه كان غالباً حول الأمور الكونية (٢)، لا التشريعية والله أعلم.
...
стр. 29
١ - عَنْ عائِشَةَ ﵂:
أنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَام سأل رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! كَيْفَ يَأتِيكَ الْوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أحْيَاناً يَأتِيني مِثْلَ صَلْصَلَةِ
ــ
١ - الحديث: أخرجه الشيخان
راوية الحديث: هي أم المؤمنين السيدة عائشة ﵂، عقد عليها النبي ﷺ بمكة قبل هجرته، وعمرها ست سنوات، ودخل عليها بالمدينة في شوّال من السنة الثانية وعمرها تسع سنوات.
ولها مناقب عظيمة، فمن مناقبها أنها حبيبة المصطفى ﷺ ، وأن الوحي كان ينزل عليه في فراشها، ونزلت براءتها من السماء، وتوفي النبي ﷺ في حجرها، ودفن في حجرتها، وكانت من الستة المكثرين من رواية الحديث، وهم أبو هريرة وعائشة وابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك ﵃. روت عن النبي ﷺ ألفاً ومائتين وعشرة أحاديث في حين أنها لم تتجاوز الثامنة عشرة عند وفاته ﷺ . وكانت مرجعاً للناس في الفقه والفتيا والكتاب والسنة، كما كانت موضعٍ تقدير الخلفاء، توفيت في رمضان سنة خمس وخمسين للهجرة مخلّفة بعدها تراثاً إسلامياً ضخماً يُعَدُّ مصدراً من مصادر التشريع الإِسلامي.
معنى الحديث: تُحدثنا السيدة عائشة ﵂ " أن الحارث بن هشام " ابن المغيرة الخزومي شقيق أبي جهل، أسلم ﵁ يوم الفتح، وأصبح من فضلاء الصحابة، خلّف اثنين وثلاثين ولداً منهم عبد الرحمن بن الحارث، أحد الفقهاء السبعة، وحضر اليرموك واستشهد فيها. " سأل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! كيف يأتيك الوحي؟ " أي أن الحارث ابن هشام ﵁ سأل النبي ﷺ هذا السؤال ليتعرّف على كيفية
стр. 30
الْجَرَس" وَهُوَ أشَدُّهُ علَيَّ، فَيَفْصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وأحْيَاناً
ــ
نزول الوحى، لأن الوحي هو مصدر هذا الدين، ولأن التعرف عليه والتأكد منه مما يقوِّي الإيمان ويزيد في اليقين. أما النبي ﷺ فقد عُني بسؤاله هذا لأهميته، وأجابه عنه " فقال رسول الله ﷺ : " أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس " أي أن للوحي صوراً مختلفةً، ومن هذه الصور أنه يأتي " في بعض الأوقات " على شكل صوت قوي غريب مبهم، يشبه دقات الجرس. لو سمعه الإِنسان العادي لم يفهم منه شيئاً، ولكن النبي ﷺ كان يعي هذا الصوت، ويفهم معناه، فور انتهائه. لأنّ الله تعالى الذي علَّم آدم الأسماء كلها قد هداه إلى معناه، وأقدره على فهمه.
أما مصدر هذه الصلصلة وصوت من هي؟ فالظاهر أنها صوت المَلَك الوكل بالوحي، لما جاء في رواية أخرى للبخاري أن النبي ﷺ قال " يأتي الملك أحياناً في مثل صلصلة الجرس " أي يأتي الملك بالوحي أحياناً، فيكلم النبيَّ ﷺ بصوت مثل صلصلة الجرس (١). وقد كان هذا النوع من الوحي يأتي بأصوات مختلفة، وربما أَتى كدويّ النحل، وكان الصحابة ﵃ يسمعونه أحياناً، فقد روى عمر في حديثه أنه ﷺ إِذا نزل عليه الوحي يُسْمَعُ عنده كدويّ النحل، أخرجه الترمذي، والنُسائي والحاكم والبيهقي وأبو نعيم بإسناد جيد، قال القاضي (٢): وما جاء مثل ذلك يجري على ظاهره، وكيفيّة ذلك مما لا يعلّمه إلاّ الله سبحانه، ومن أطلعه الله على شيءٍ من ذلك من ملائكته ورسله، قال ﷺ " وهو أشده على " أيْ والوحي على هذه الصورة أشد أنواع الوحي على نفس النبي ﷺ ، وذلك كما أفاده الحافظ أمر
стр. 31
يَتَمَثَّلُ لِىَ الْمَلَكُ رَجُلاً فيُكَلِّمُني، فأعيَ ما يَقُولُ" قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: ولقَدْ رَأيتُهُ ينزلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ في اليوْمِ الشَّديدِ الْبَرْدِ، فَيَفْصِمُ
ــ
" واضح " لأن الفهم من كلام مثل صلصلة الجرس، أَشكل " وأصعب " من الفهم من الكلام العادي بالتخاطب المعهود. قال ﷺ " فيفصِمُ عنّي وقد وعيت عنه ما قال " أي فلا يكاد ينتهي هذا الصوت المبهم الشبيه بالصلصلة وينقطع الإرسال إلا وقد فهِمْتُ ما يعنيه، وماذا قال فيه، لأن الله الذي علم آدم الأسماء كلها قد هدى نبيه ﷺ ، وأقدره ومكّنه من فهم هذه الصلصلة، ثم قال " وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً " أي وفي بعض الأوقات يصل إليَّ الوحي عن طريق الالتقاء الشخصي بالمَلَكِ الذي يحمله، فيأتي الملك إلى النبي ﷺ في صورة إِنسان من البشر، ويراه النبي ﷺ عياناً، ويكلمه ويسمع منه كلاماً واضحاً جليًّا، ويلتقي به حقيقةً لا خيالاً، قال ابن خلدون: وفي هذه الحالة (١) ينتقل الملك من الروحانية المحضة إلى الصورة البشرية، وكان غالباً ما يأتي على صورة دحية الكلبي، أوسم العرب، ولا غرابة في ذلك، فإن الملائكة تتشكل كيف شاءت، لأنّها أجسام نورانية لطيفة قادرة بإذن الله على التشكل بأشكال مختلفة، إلاّ أنها لا تتشكل إلاّ بالصور الشريفة.
والملك كما يقول السيد رشيد رضا: قد منحه الله تعالى قوة التصرف في مادته وصورته، فالملائكة تكبر وتصغر كيف شاءت بإقدار الله تعالى لها على ذلك.
" فيكلمني فأعي ما يقول " أي فيبلغنى ذلك الملك الوحْي الذي جاء به من عند الله تعالى بكلام صريح واضح، فأفهمه في الحال، وهو معنى قوله: " فأعي ما يقول " لأن المضارع المقترن بالفاء يدل على الحال. "قالت عائشة ﵂: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم
стр. 32
عَنْهُ، وإنَّ جَبينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقاً.
ــ
عنه" أي فينقطع عنه " وإن جبينه ليتفصد عرقاً " أي يسيل العرق من جبينه بغزارة شديدة، كما يسيل الدم من العِرْقِ المفصود. بسبب ما يكابده من شدة الكرب والمعاناة، وما يبذله من جهد أثناء نزول الوحي عليه، وقد وردت في وصف ما يعانيه النبي ﷺ عند نزول الوحي أحاديث كثيرة، ففي الحديث الصحيح أنه ﷺ كانت تأخذه عند الوحي الرحضاء " أي يتقاطر منه مثل عرق الحمى " وفي حديث عبادة بن الصامت " كان نبي الله إذا أنزل عليه كرب تربد وجهه " وهذه الشدة التي يعانيها مصداق قوله تعالى (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) أي ثقيلاً عند تلقيه وحياً، والالتزام به عملاً ولكن هذه المشقة تهون وتزول متى تكرر نزول الوحي، فتذهب متاعبه ومشقته، وتبقى حلاوته وعذوبته. كما أفاده فضيلة الأستاذ الشعراوي في فتاويه (١) والله أعلم.
ويستفاد من الحديث ما يأتي:
أولاً: تنوع الوحي إلى أنواع مختلفة، فمن أنواعه: أن يسمع النبي ﷺ صوتاً مثل صوت الجرس أو دويّ النحل ومنها التقاء الملك بالنبي ﷺ متمثلاً في صورة إنسان من البشر يبلغه عن الله ما شاء الله أن يبلغه له من أمر أو نهي أو خبر أو بشارة أو نذارة أو غيرها. وقد يلتقي به في سمع من الصحابة فيسأله ويُجيبُهُ ثم يعرفهم به ﷺ بقوله: " هذا جبريل جاء يعلمكم أمر دينكم " كما في حديث جبريل المشهور.
ثانياً: بيان ثقل الوحي وشدته على النبي ﷺ سيما ما كان منه مثل صلصلة الجرس.
стр. 33
٢ - عَنْ عَائِشَةَ أمِّ الْمُؤْمِنينَ ﵂ قَالَتْ:
أوَّلُ مَا بُدِىءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْوَحْي الرؤيَا الصَّالِحَة في النَّوْمِ، فَكَانَ لا يَرى رؤيا إِلا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إليْهِ الْخَلاءُ،
ــ
ثالثاً: إثبات وجود الملائكة وقدرتهم على التشكل بأشكال مختلفة والمطابقة: في قوله ﷺ : " أحياناً، وأحياناً " فإنّه يدل على أن للوحي صوراً مختلفة.
٢ - الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي
معنى الحديث: تحدثنا السيدة عائشة ﵂ في هذا الحديث، عن بَدْءِ نزول الوحي على نبينا ﷺ فتذكر لنا أن أول ما أوحي إليه في البداية هو الرؤيا الصالحة والصادقة، التي اقتصر عليها الوحي مدة ستة أشهر، من ربيع الأول إلى شهر رمضان المبارك حيث جاءه الوحي الصريح. وإنما اقتصر الوحي في بدايته على الرؤيا فقط مراعاةً لسنّة التدرج، وتلطفاً وإيْناساً له ﷺ ، ورفقاً به، لئلا يَفْجَأهُ الملك يقظةً فيشق عليه. " فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصبح (١) " أي فكانت رؤياه ﷺ كلها صحيحة صادقة، لا يرى رؤيا إلاّ تحقَّقَ تفسيرها وظهر، كما يظهر الصباح في هذا الوجود، لأنَّ رؤيا الأنبياء ليست من أضغاث الأحلام، وإنّما هي حق ووحي من الله.
وأفئدة الأنبياء كأجهزة الاستقبال (٢) المعدة لالتقاط الأنباء في كل حين، فهي مستعدة لتسجيل ما يقذفه الملك فيها يقظة أو مناماً. " ثم حبب إليه الخلاء " أي حَبب الله تعالى لنبيّه العزلة والانفراد عن الناس، والانقطاع لعبادة الله
стр. 34
وَكَانَ يَخْلُو بغَارِ حِرَاءَ، فَيَتَحنَّثُ فِيهِ -وَهُوَ التُّعَبُّدُ اللَّيَالِي ذَوَاتِ الْعَدَدِ- قَبْلَ أنْ يَنْزِعَ إلى أهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ، وَهُوَ في غَارِ حِرَاءَ، فجاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأ، قَالَ: مَا أنَا بِقَارِىءٍ، قَالَ: فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي
ــ
تصفيةً لقلبه، وتزكية لروحه، وإبعاداً له عن الباطل وأهله. فاختار ﷺ لنفسه هذه العزلة عن رغبة وعاطفة، حيث وجد فيها لذة الروح، وسلوة النفس، ومتعة القلب، بالأنس بالله تعالى، وذلك من مقدمات نبوته. " فكان يخلو بغار حراء " (١) أي فكان ﷺ يذهب إلى غارٍ منزوٍ في جبل حراء، على يسار الذاهب إلى منى، وعلى بعد ثلاثة أميال من مكة، فينفرد في ذلك الغار، لكْي يجمع بين الخلوة والتعبد والنظر إلى بيت الله الحرام، ولا تجتمع هذه المزايا العظيمة إلاّ في غار حراء الذي يطل على الكعْبة، فيمكنه من النظر إليها، والنظرُ إلى البيت عبادَة. " فيتحنث فيه " أي فيكثر هناك من عبادة الله تعالى ليالي وأياماً عديدة، ولا يمكن القطع في كيفية عبادته ﷺ لأنّه لم يرو شيء عن ذلك في الأخبار الصحيحة، ولكنّ الذي يرجحه المحققون من أهل العلم أنه كان يتعبد بالتفكير والتأمل في هذا الكون ومُبْدِعه، والفكر عبادة " قبل أن يَنْزِعَ إلى أهله " (٢) أي فيمكث هناك في غار حراء فترة من الزمن حتى يحن إلى أهله، ويقوى اشتياقه إليهم، ويفرغ زاده " ثم يرجع إلى خديجة " أي فإِذا اشتد به الحنين إلى أهله، وانتهي ما معه من الزاد عاد إِلى خديجة مرَّة أخرى. " فيتزود لمثلها " أي فيأخذ من خديجة زاداً جديداً، يصطحبه معه إلى غار حراء. " حتى جاءه الحق " أي واستمر سيدنا محمد
стр. 35
الْجَهْدَ، ثُمَّ أرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرأ، فقُلْت: مَا أنَا بِقَارِىء، فأخذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيةَ، حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ، ثمَّ أرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرأ، فَقُلْتُ: مَا أنا بقَارِىءٍ، فأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقَالَ: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) فَرَجَعَ
ــ
ﷺ على الخلوة والتعبد، حتى أشرقت عليه أنوار النبوة، ونزل عليه الوحي الصريح، يوم الاثنين السابع عشر من رمضان، فأتاهُ ملك الوحي جبريلُ ﵇ -حقيقة لا خَيالاً- مرسلاً من ربِّ العزة، وكان ﷺ قد أَتمَّ الأربعين من عمره وتلك سنة الله في الأنبياء، لا يأْتيهم الوحي حتى يتم نضجهم الجسمي والعقلي والنفسي ببلوغ أربعين سنة.
قال الشاعر:
وَأتتْ عَلَيْهِ أرْبَعُوْنَ فَأشْرَقَتْ ... شَمسُ النُبُوَّةِ مِنْهُ فِي رَمَضَانِ
" فقال اقرأ " أي فلم يشعر إِلّا وجبريل شاخصٌ أمامَ عينيْهِ يقول له: اقرأ. قال في فيض الباري: وهذا الأمر بالقراءة من باب التلقين والتلقي، كما يقول المعلم لتَلميذه: اقرأ، ومعناه: خذْ عَنّي ما ألقيه إليك من القراءة.
" قال ما أنا بقارىء " أي كيف أستطيع القراءة وأَنا أُمي لا أقدر عليها ولا علم لي بها " قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد " أي فأمسك بي ذلك الملَكُ، وضمني ضمة شديدة، حتى بلغ مني أقصى ما تتحمله الطاقة البشرية.
وإنما فعل ذلك إيناساً له، وتقوية لنفسه، وتنشيطاً لقلبه، على تلقي الوحي الإلهي. " ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارىء " أي ثم أطلقني، وأمرني بالقراءة ثانياً، فقلت: ما أنا بقارىء، وهو تأكيد للجواب الأول، ومتضمن لمعناه " فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارىء " أي ماذا تريد مني أن أقرأ. "فأخذني
стр. 36
بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيلدٍ فَقَالَ: زَمِّلُونِي، زَمِّلُوْني فَزَمَّلُوهُ حتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَديجَةَ وأخبَرَهَا الْخَبَرَ: لَقَدْ خَشيتُ علَى نَفْسِي، فقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: كَلَّا، وَاللهِ
ــ
فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) " أي إِقرأ ما أقولُه لك، وأبلغه إليك مستعيناً باسم الله وحوله وقوته، وِإقداره لك على القراءة، فإن الخالق العظيم الذي وهب الوجود لكل موجود، وأوجد الأشياء على غير مثال سابق، قادرٌ على تمكينك من القراءة دون أن تتوفر فيك أسبابها.
(خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ) وهذا تأكيد للمعنى الأول، وجوابٌ لقوله ﷺ ما أنا بقارىء، لما قال النبي ﷺ لجبريل: ما أنا بقارىء، قال الله تعالى له: وما يمنعك من القراءة وإن كنت أُميّاً لا تملك أسبابها؟. فإِن الذي خلق هذا الإنسان الحي العاقل المفكر من علقة جامدة، قادر على أن يمنحك القراءة والعلم وأنت أمي. (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) أيْ اقرأ وأنت واثق من أن ربك الكريم الأكرم، الواسع العطاء، الذي أنعم عليك بالنبوة دون كسب واختيار، قادر على أن يمنحك القراءة والعلم، وأنت أُمي لا قدرة لك عليها، ولا تملك اسبابها. فإن النبوة هبة إلهية يمنُّ الله بها على من يشاء من عباده، كما قالت الرسل لمن أنكر عليهم نبوتهم (إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ). وإن الذي وهبك النبوة دون كسب، هو الذي أكرمك بالقراءة والعلم دون سبب، ليكون ذلك آية واضحة على صدق نبوتك، كما قال الشاعر:
كَفَاكَ بِالْعِلْمِ فِي الأمِّيِّ مُعْجِزَةً ... فِي الجَاهِلِيَّةِ وَالتَأدِيْبِ فِي اليُتُمِ
" فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده " أي فعاد النبي ﷺ بهذه الآيات، وبهذه الأمور العجيبة إلى خديجة، يضطرب قلبه بين جنبه خوفاً
стр. 37
مَا يُخْزِيكَ الله أبداً، إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضِّيفَ، وتُعِيْنُ على نوائب الحق. فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حتى أتتْ به وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَل بنِ أسَد بْنِ عبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ،
ــ
مما وقع له، ويرتعش جسمه فزعاً، لأن الخوف الشديد يرتجف له الفؤاد تلقائياً، ويذهب بالحرارة الباطنة، ويعقبه البرد والقشعريرة، والرِعشة البدنية.
وكذلك جميع الانفعالات النفسيّة تنعكسُ على أعضاء الجسم الداخلية والخارجية، ولذلك ارتعد قلبه ﷺ بسبب شدة الخوف، وارتجف جسمه.
وإنما قال يرجف فؤاده، ولم يقل: يرجف قلبه، لأن الفؤاد وعاءُ القلب، فإذا حصلت الرجفة للوعاء حصلت لما في داخله من باب أولى، فهو أبلغ " فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: زمّلوني زمّلوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع " أي فدخل على خديجة، وجسمه يرتجف وينتفض من القشعريرة وهو يقول: غطوني بالثوب، فغطه خديجة حتى ذهب خوفه، وأحس بالدفء، فهدأ جسمه. " فقال لخديجة وأخبرها الخبر، " أي قصَّ عليها ما وقع له في حراء قائلاً: " لقد خشيت على نفسي " أي لقد خفت على نفسي مما حدث لي اليوم في حراء، وهذه هي طبيعة الإنسان إذا رأى ما يفاجأ به (١)، فقد حكى الله عنٍ موسى أنه خاف من سحر السحرة كما قال تعالى: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى) " فقالت له خديجة: كلا " أي: لا داعي لهذا الخوف والقلق، فليس الشيء الذي رأيته من الأشياء الكريهة التي تستوجب الخوف والهلع والفزع. " والله ما يخزيك الله أبداً " (٢). أي أقسم بالله أنه لن يصيبك هوان أو مكروه، أو ينالك ذلٌّ أو فضيحة مدى
стр. 38
وَكَانَ امْرَأً تنَصَّرَ فِى الْجَاهِليَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ العِبْرانِيَّ فَيَكْتُبُ مِنَ الإنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ ما شَاءَ اللهُ أنْ يَكْتُبَ، وكانَ شيخَاً كَبِيراً قَدْ عَمِيَ،
ــ
الحياة لأنّك على جانب عظيم من مكارم الأخلاق، " وصنائع المعروف تقي مصارع السوء، " إنك لتصل الرحم " أي تحسن إلى أقاربك بالبذل والعطاء، والخدمة والسماحة، وطلاقة الوجه، وقد كان ﷺ شديد الحرص على الإحسان إلى قرابته، ولو كانوا كفاراً. فإنّه لما جيء إليه بالشيماء (١) بنتِ حليمة السعديّة في سبايا هوازن بسط لها رداءه، وقال لها: إن أحْببت أقمت مكرَّمَة مُحَبَبّةَ (٢) أو رجعت إلى أهلك، فاختارت أهلها، فأعطاها عبداً وجارية (٣). " وتحمل الكَلَّ " بفتح الكاف وتشديد اللام، وهو في الأصل الثقل ويطلق على الإنسان العاجز عن مؤنة عياله، لثقل أعباء الحياة عليه، أي وتساعد العجزة والضعفاء، وتعينهم، وتحمل عنهم أعباء حياتهم، فإنْ كانوا فقراء أعطيتهم، وبذلت لهم من مالك، وإن كانوا مرضى واسيتهم، وإن كانوا في ضيق فرجته عنهم، ثم إنك تحمل من الصعاب والشدائد ما لا يحمله غيرك، لما فطرك الله عليه من الشجاعة والصبر على المكاره. " وتكسب المعدوم " (٤) قال عياض: رويناه عن الأكثر بفتح التاء مضارع كسب، وعن بعضهم بضمها مضارع أكسب. اهـ. أمّا بفتح التاء فمعناه أنّها وصفته ﷺ بحسن الحظ في التجارة، فهي تقول له: إنك تكسب من المال ما لا يكسبه غيرك، وتربح في تجارتك ما لا يربحه سواك، وقد كانت العرب لا سيما قريش يتمدحون بكسب المال.
стр. 39
فقالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِن ابْنِ أخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ:
ــ
وأما بضم التاء فمعناه أنه ﷺ جواد كريم، يعطي الناس ما لا يعطيهمٍ غيره، وقيل المعدوم هو الإِنسان الضعيف العاجز عن الكسب. سُمِّيَ معدوماً لعجزه عن التصرف فتكون ﵂ قد وصفته بمساعدة العجزة والضعفاء، والبذل لهم من ماله، ويحتمل أنها أرادت كل هذه المعاني، فإنّها كلها تنطبق عليه ﷺ " وتقري الضيف " أي وتقوم بضيافة الضيْف، وتكريمه بما يليق به، والقِرى بكسر القاف: الطعام الذي يقدَّم للضيف، فهي تصفه بإكرام الضيْف، وتقديم الطعام له، والقيام بواجبه، والترحيب به، وطلاقة الوجه عند مقابلته. " وتعين على نوائب الحق " أي وتعين الناس عند وقوع الحوادث، وتقف من ذلك في جانب الحق فتناصر المظلوم، وتأخذ على يد الظالم، وتسعف الملهوف، وتجير من استجار بك، قال العيني: النوائبُ جمع نائبة، وهي الحادثة، والنازلة خيراً أو شراً، وإنما قال: نوائب الحق لأنّها تكون في الحق وفي الباطل، والنبيّ ﷺ لا يعين على باطل، فلا يعين ظالماً على ظلمه. هذا وقد شملت هذه الأوصاف المحاسن كلها. وكأنّها ﵂ أرادت أن تصفه بالكمال الإنساني الذي لا يشوبه نقص. وهكذا الأنبياء كما قال الأستاذ الغزالي: يكملهم الله من جميع النواحي الأخلاقية والنفسية والعقلية، لأن النبوة امتداد في جميع المواهب، بخلاف العظمة أو العبقرية، فإنّها قلما تخلو من شائبة نقص.
" فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل " أي ذهبت به إلى ورقة بن نوفل " ابن عم خديجة " لأن والدها خويلد بن أسد ووالده نوفل ابن أسد أخوان " وكان امرءاً تنصّر في الجاهلية " أي اعتنق النصرانية، وترك عبادة الأوثان، وذلك أنه سافر مع زيد بن نوفل إلى الشام، واتصل بالرهبان، ودرس عليهم وأخذ عنهم النصرانيّة، ولم يكن يوجد من المتدينين إلا قليل
стр. 40
يا ابْنَ أخِى مَاذا تَرَى؟ فأخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَبَر مَا رَأى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الذي نَزَّلَ اللهُ عَلَى مُوسَى. يَا لَيْتَنِي فيهَا جَذَعاً، لَيْتَنِي أكونُ حَياً إذْ يُخْرِجُكَ قَومُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
ــ
وهو منهم " وكان يكتب الكتاب العبراني " أي يعرف الكتابة العبرية ويجيدها كما يعرف لغَتها لأنها لغة الكتب السابقة، وسميت عبرية لأن إبراهيم نطق بها بعدما عبر النهر فارّاً من النمرود، قال العيني: وكان آدم يتكلم باللغة السريانية، وكذلك أولاده من الأنبياء وغيرهم، غير أن إبراهيم حُوِّلَتْ لغته إلى العبرانية حين عبر النهر. " فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب "، أي يكتب منه الشيء الكثير، من أَيِّ موضع شاء بالعبرانية أو العربية كما أفاده السنوسي، ويُترجم إلى العربية إن شاء. " وكان شيخاً كبيراً قد عمَي " أيْ فقد بصره عندما كَبِرَ سِنَّهُ " فقالت له خديجة يا ابن عَمِّ اسمع من ابن أخيك " ولم تقل من محمد تلطفاً منها وتحبيباً لابن عمها فيه حتى يقبل عليه ويُعْنَى بشأنه " فقال ورقة يا ابن أخي ماذا ترى " ولم يكن ابن أخيه نسباً، ولكن أراد إشعاره بعظم منزلته لديه، وأنه حل من نفسه في المعزّة والمحبّة منزلة ابن أخيه منه، فأطلق عليه ذلك مجازاً، كقول العرب " يا أخا العرب ". " فأخبره رسول ﷺ " أي قص عليه قصته " فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزّل الله علىَ موسى " أي طمأنه وبشره بأنّ ما رآه هو الملك الذي كان ينزل على موسى بالوحي، قال ابن دريد: الناموس هو صاحب سر الوحي، وقال القاري (١): وأهل الكتاب يسمون جبريل بالناموس " يا ليتني فيها جذعاً " بالذال المعجمة المفتوحة والنصْب على الأكثر، أي ليتني أكون شاباً قوياً عندما يخرجك قومك، لأساهم في نصرتك، والدفاع عنك، والجذع من المعز ما