← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9794

منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري

حمزة قاسم

Полный текст (1 976 стр.). Показаны 1961–1976 · переход к 1966.

стр. 1961

ويجعلهما شيئاً واحداً، فيجعل الأمر بطاعة الرسول مندرجاً في الأمر بطاعته، ليبين أن طاعته سبحانه لا تتحقق إلاّ بطاعة الرسول ﷺ ونلمح ذلك في قوله تعالى: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) وقوله : (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) وقوله: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ويجعل الخروج ولو مرة عن حد الاتباع والتسليم للرسول ﷺ ضلالاً واضحا وانحرافاً لا شك فيه فيقول: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا). ثالثاً: أن السنة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإِسلامي. قال الإِمام الشافعي: " إن الله سبحانه قد قرن الإِيمان به بالإِيمان برسوله ﷺ ، والإِيمان بمحمد ﷺ بوجوب طاعته في أقواله وأفعاله ومقرراته أما الآراء التي تتعارض مع الاحتجاج بالسنة، فإنها آراء مشبوهة تعود إلى مذاهب هدامة نشأت بالبصرة في القرن الثاني للهجرة، وعاشت فيها وفرّخت وقد ذكر الإمام الشافعي أنه لقي زعماء هذه الطائفة بالبصرة واطلع على آرائهم. ويذكر الإِمام الشافعي " أن جملة (١) الآراء التي قامت في عصره حول السنة النبوية ثلاثة الأول: ينكر الاحتجاج بالسنة جملة، فلا حجة إلاّ في القرآن، ولا دليل إلّا ما كان مستمداً منه معتمداً عليه. الثاني: ينكر خبر الآحاد، ويقصر الاحتجاج على القرآن والحديث المتواتر. الثالث: لا يقبل من السنة إلاّ ما كان بياناً لحكم قرآني، لأن السنة في زعم هؤلاء لا حجة في ذاتها، وإنما هي مبينة للقرآن فقط، واحتج هؤلاء المنكرون لكون السنة مصدراً تشريعياً بأمور: منها: أن القرآن تكفل بتشريع الأحكام، فلا حاجة إلى مصدر آخر. ومنها: قوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) ومنها: أنّ السنة لو كانت تشريعاً

стр. 1962

عاماً كالكتاب لأمر ﷺ بتدوينها وقد أجيب عن هذه الشبهات الباطلة كلها بأجوبة حاسمة: أما الأولى: فليس صحيحاً أن القرآن تكفل بتشريع الأحكام كلها، لأنه ليس فيه إلاّ بعض الأحكام الشرعية العامة، وهناك الكثير من الأحكام الجزئية التفصيلية لا وجود لها في القرآن. كأركان الصلاة. وشروطها ومبطلاتها، وواجباتها، ونصاب الزكوات، وأحكام الصوم، ومفطرات الصائم، وأحكام المعاملات، والكثير من أحكام الجنايات، وتفاصيل الأحكام الشخصية. وأما الثانية: وهي الاستدلال بقوله تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) على أن القرآن قد بين كل شيء. فالجواب أن المراد بذلك أصول العقائد والقواعد الكلية العامة، كوجوب الصلاة والزكاة والحج وتحريم الفواحش لا الأحكام الجزئية التفصيلية فإنها غير موجودة. أما الثالثة: وهي قولهم: لو كانت السنة تشريعاً لأمر بتدوينها ولم ينه عنه، فالجواب أن هذا النهي كان في صدر الإِسلام لأنه ﷺ خشي من اختلاط السنة بالقرآن، وقد أمر ﷺ بكتابة حديثه لمن لم يتقنه، كما روى عبد الله بن عمرو بن العاص أنه كان يكتب الأحاديث، فلامه الناس على ذلك، فسأل النبي ﷺ فقال: " اكتب فوا الذي نفسي بيده ما خرج من بينهما -أي شفتيه الشريفتين- إلّا حق ". اهـ. والله أعلم. رابعاً: دل قوله ﷺ : " وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم " على أن الشيء المأمور بفعله واجب بشرط الاستطاعة والقدرة عليه، وبقدر ما يقدر عليه منه، فما لا يدرك كله لا يترك جله. قال الجرداني: ويستفاد منه: أن من عجز عن بعض المأمور به لا يسقط عنه المقدور عليه، بل يجب عليه الإِتيان به، وهذا هو معنى قول الفقهاء: إن الميسور لا يسقط بالمعسور، فإذا عجز عن غسل بعض الأعضاء في الوضوء، أو عن مسحها في التيمم، أتى بالممكن، وصحت عبادته، وإذا عجز عن القيام في الصلاة بأن حصل له أي مشقة شديدة تذهب الخشوع أو كماله، صلّى قاعداً، فإن عجز عن القعود بهذا المعنى اضطجع على جنبه إلى آخره. الحديث: أخرجه

стр. 1963

الشيخان، وأبو داود، مع اختصار بعض ألفاظه. والمطابقة: في قوله ﷺ : " فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم " حيث دلّ ذلك على وجوب العمل والاقتداء بسنن رسول الله ﷺ كما ترجم له البخاري. ***

стр. 1964

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ " كتاب التوحيد والرد على الجهمية " التوحيد: لغة مصدر وحّد يوحّد، وهو الحكم بأن الشيء واحد. وأما التوحيد شرعاً: فهو الاعتقاد بأن الله واحد في ذاته وصفاته وأفعاله وعبادته. قال ابن القيم ﵀: أما التوحيد الذي دعت إليه الرسل، ونزلت به الكتب السماوية، فهو نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات، وتوحيد في الطلب والقصد. فالأول: هو إثبات حقيقة ذات الرب تعالى، وصفاته، وأفعاله، وتكلمه بكتبه وتكليمه لمن شاء من عباده. وإثبات عموم قضائه وقدره، وحكمته، وقد أفصح القرآن عن هذا النوع جد الإِفصاح، كما في أول سورة الحديد، وسورة طه، وآخر الحشر، وأول تنزيل السجدة، وآل عمران. والثاني: وهو طلب التوحيد في القصد والألوهية كما تضمنته سورة الكافرون، وأول سورة تنزيل الكتاب وجملة سورة الأنعام وغالب سور القرآن، فإن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته، وهو التوحيد العلمي، وإما دعوة الرسل إلى عبادته وحده، وهو التوحيد الطلبي. قال الحافظ: وليس الذي أنكروه على الجهمية مذهب الجبر خاصة، وإنما الذي أطبق السلف على ذمهم بسببه إنكار الصفات حتى قالوا: إن القرآن ليس كلام الله وإنه مخلوق. وامتنعوا عن وصف الله بأنه شيء أو حي أو عالم أو مريد، حتى قال جهم بن صفوان: لا أصفه بوصف يجوز إطلاقه على غيره. قال: وأصفه بأنه خالق ومحيي ومميت وموجود. أما جهم بن صفوان الذي عُني البخاري عناية خاصة بالرد على مذهبه، وتفنيد معتقده، فقد أخذ عقيدته الفاسدة عن الجعد بن درهم، وإن لم يعاصره، ولهذا قال البخاري: بلغني أن جهماً كان يأخذ عن الجعد بن درهم، وكان خالد

стр. 1965

١٠٤٧ - " بَابُ قَوْلِ اللهِ تعَالَى (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) ١١٩٨ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَقولُ الله : أنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأنا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وَإنْ ذَكَرَنِي في مَلأٍ، ذَكَرْتُهُ في مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وِإنْ تَقَرَّبَ إليَّ شِبْرَاً تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِرَاعاً، وإِنْ تَقَرَّبَ إليَّ ذِرَاعاً تَقرَّبْتُ إليْهِ بَاعاً، وإِنْ أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ". ــ القسري وهو أمير العراق قد خطب فقال: إني مضحٍّ بالجعد بن درهم، لأنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً، قال الحافظ: وكان ذلك في خلافة هشام بن عبد الملك. ١٠٤٧ - " باب قول الله تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) " ١١٩٨ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ في هذا الحديث القدسي الذي يرويه عن ربه " أنا عند ظن عبدي بي " قال الحافظ: أي أنا قادر على أن أعمل به ما ظن أني عامل به، وهذا خاص بالعبد المؤمن، " فإن ذكرني " بالتسبيح والتهليل أو غيره " في نفسه " أي منفرداً عن الناس " ذكرته في نفسي " أي ذكرته بالثواب والرحمة في نفسي دون أن أطْلِع على ذلك أحداً من ملائكتي " وإن ذكرني في ملٍأ " أي في جماعة من الناس " ذكرته في ملٍأ خير منهم " وهم الملائكة " وإن تقرّب إلى بشبر " أي وإن تقرب إلي بالطاعات مقدار شبر " تقربت إليه ذراعاً " أي تقربت إليه بالرحمة والإِنعام مقدار ذراع " وإن تقرب إلى ذراعاً تقربت إليه باعاً " أي مقدار باع " وإن أتاني يمشي أتيته هرولة " أي وإن أتاني بالطاعات ماشياً أتيته بالرحمات مسرعاً، قال في

стр. 1966

" المصباح " هرول أسرع في مشيه، وهو بين المشي والعدو. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: الترغيب في حسن الظن في الله تعالى، قال الكرماني: في السياق إشارة إلى ترجيح جانب الرجاء على جانب الخوف، وهو كما قال المحققون من أهل العلم: خاص بالمحتضر، ويؤيد ذلك قوله ﷺ : " لا يموتن أحدكم إلاّ وهو يحسن الظن بالله " أخرجه مسلم. وأما قبل الاحتضار (١) فقد اختلف العلماء أيهما أفضل الخوف أم الرجاء على ثلاثة أقوال: (أ) الخوف أفضل (ب) الرجاء أفضل، (ج) الاعتدال أفضل، وقد قيل: الخوف والرجاء جناحا المؤمن، ومعنى حسن الظن بالله كما قال القرطبي: ظن القبول عند التوبة، والإِجابة عند الدعاء، والمغفرة عند الاستغفار، والثواب عند فعل العبادة بشروطها، تمسكاً بصادق وعده، ويؤيده قوله ﷺ : " ادعو الله وأنتم موقنون بالإِجابة ". اهـ. ثانياًً: إثبات أن لله تعالى " نفساً وذاتاً " لقوله تعالى: " ذكرته في نفسي " وهو ما تنكره الجهمية، حيثَ يقولون: إن الله ليس بشيء ولا حي، قال ابن بطال: " والمراد بنفس الله ذاته " والذي عليه أهل السنة أن لله ذاتاً موصوفة بصفات الكمال، قال في " شرح الطحاوية ": وليس في الخارج ذات غير موصوفة، فإن هذا محال، وقال ابن بطال: أسماء الله تعالى على ثلاثة أضرب. أحدها: يرجع إلى ذاته وهو الله. والثاني: يرجع إلى صفة قائمة به كالحي. والثالث: يرجع إلى فعله كالخالق وطريق إثباتها السمع. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي وابن ماجه. والمطابقة: في قوله: " ذكرته في نفسي ". ...

стр. 1967

١٠٤٨ - " بَابُ كَلامِ الرَّبِّ يَوْمَ القِيَامَةِ مَعَ الأَنبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ " ١١٩٩ - عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدٌ ﷺ قَالَ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ في بَعْضٍ، فَيأتُونَ آدَمَ فَيقُولُونَ: اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، ولَكِنْ عَلَيكُمْ بإبْراهِيمَ، فَإِنَّهُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، فَيَأتُونَ إبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بموسَى، فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللهِ، فَيَأتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُ: لَستُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى، فَإِنَّهُ رُوحُ اللهِ، وَكَلِمَتُهُ، فَيَأتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ، فيأتُونِي، فَأقولُ: أنا لَهَا، فأسْتَأذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي، ويُلْهِمُني مَحَامِدَ أحْمَدُهُ بِهَا لا تَحْضُرُني الآنَ، فأحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحامِدِ، وأَخرُّ ــ ١٠٤٨ - " باب كلام الرب يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم " ١١٩٩ - معنى الحديث: أنه إذا كان يوم القيامة، وجمع الخلق في المحشر، ودنت الشمس من الرؤوس، واشتدت الحرارة، وتصبب العرق، وأصاب الناس من الكرب ما أصابهم كما قال ﷺ في الحديث: " وماج الناس " أي اضطربوا من هول ذلك اليوم، فأخذوا يلتمسون الشفاعة عند الأنبياء واحداً واحداً، وكل واحد منهم يعتذر عن الشفاعة قائلاً: لست أهلاً لها ويذكر شيئاً يراه ذنباً ويقول: إن ربي قد غضب اليوم غضباً شديداً حتى يصلوا إلى محمد ﷺ فيجيبهم إلى طلبهم، ويتصدى للشفاعة ويقول: " أنا لها " قال ﷺ :

стр. 1968

لَهُ سَاجِداً، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، واشْفَعْ تُشْفَّعْ، فأقُولُ: يَا رَبِّ أمَّتي أمَتِي، فَيُقَالْ: انْطَلِقْ فأخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمانٍ، فأنْطَلِقُ، فأفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ، فأحْمَدُهُ بتِلْكَ المَحَامِدِ، ثمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِداً، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، واشفَعْ تُشَفَّعْ، فأقُولُ: يَا رَبِّ أمَّتِي أمَّتِي، فيُقَالُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مثْقالُ ذَرَّةٍ أوْ خَرْدَلَةٍ مِنْ إيمَانٍ، فأنطَلِقُ، فأفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ، فَأَحْمَدُهُ بتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أخِرُّ لَهُ سَاجِداً، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأسَكَ، وقُل يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، فأقُولُ: يا رَبِّ أمَّتِي أمَّتِي، فَيَقُولُ: انْطَلِقْ، فأخْرِجْ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ أدْنَى أدْنَى أدْنَى مِثقَالِ حَبَّةِ خَرْدَل مِنْ إيمان فأخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ، فأنْطَلِقُ فَأفْعَلُ".

стр. 1969

من أمرني الله بإخراجهم، وشفعني فيهم " ثم أعود فأحمده " كما صنعت في المرة الأولى " فيقال: ارفع رأسك " الخ كما قيل في المرة السابقة " فيقال: انطلق، فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة " أي مقدار نملة من أعمال الإِيمان " ثم أعود فأحمده " للمرة الثالثة " فيقال: يا محمد ارفع رأسك " أي فيجيبني بما أجابني في المرّة السابقة، ويأذن في بالشفاعة للمرة الثالثة " فيقول: انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان " أي من كان في قلبه مقدار أصغر حبة خردل من أعمال الإِيمان بعد التوحيد والتصديق بالأركان. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: إثبات كلام الله تعالى (١) مع أنبيائه صلوات الله عليهم يوم القيامة بدليل تكليمه لنبيه محمد ﷺ بقوله: " ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفّع " وهو ما ترجم له البخاري. ثانياًً: إثبات الشفاعة للنبي ﷺ يوم القيامة بدليل قوله " اشفع تشفّع " قال القاضي عياض: شفاعات نبينا ﷺ القيامة خمس شفاعات: الأولى: العامة: وهي التي تكون لفصل القضاء وإراحة الناس من المحشر. الثانية: في إدخال قوم الجنة بغير حساب. الثالثة: في قوم من أمته استوجبوا النار بذنوبهم، فيشفع فيهم نبينا ﷺ وهذه الشفاعة هي التي أنكرتها المبتدعة الخوارج والمعتزلة. الرابعة: فيمن دخل النار من المذنبين فيخرج بشفاعة نبينا وغيره من الأنبياء والملائكة وإخوانهم من المؤمنين - وهذه الشفاعة أنكرتها المعتزلة أيضاً. الخامسة: في زيادة الدرجات في الجنة الأهلها. قلت: وقد دل حديث الباب على شفاعتين: الشفاعة العامة، والشفاعة لِإخراج العصاة من النار بدليل قوله: " فيقال له: انطلق فأخرج من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان " إلخ. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله :

стр. 1970

١٠٤٩ - " بَابُ قَوْلِ الله تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) " ١٢٠٠ - عنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَالَ النبي ﷺ : "كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إلى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى ــ " ارفع رأسك، وسل تعط واشفع تشفّع ". ١٠٤٩ - " باب قول الله تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) وأن أعمال بني آدم وأقوالهم توزن " ١٢٠٠ - مقدمة وتمهيد: هذا الحديث حديث جليل أراد به النبي ﷺ بيان فضائل الذكر عامة، وفضائل التسبيح خاصة. قال ابن القيم (١): وفي ذكر الله أكثر من مائة فائدة، منها أن الذكر يرضي الرحمن، ويطرد الشيطان، ويزيل الهم، ويجلب السرور، ويقوي القلب والبدن، وينوّر الوجه والقلب، ويجلب الرزق، ويكسو الذاكر المهابة والحلاوة، ويورث محبة الله تعالى والمعرفة والقرب وحياة القلب، ويحط الخطايا، ويرفع الدرجات. والذكر يحدث الأُنس، ويوجب تنزيل الملائكة، وغشيان الرحمة، وحفوف الملائكة بالذاكرين، ويسعد الذاكر وجليسه، ويؤمن العبد من الحسرة يوم القيامة، وهو أيسر العبادات، وغراس الجنة، ونور للعبد في دنياه وفي قبره ويوم حشره. قال ابن القيم: والذكر رأس الولاية وطريقها، وأكرم الخلق على الله من لا يزال لسانه رطباً بذكر الله. ومجالس الذكر مجالس الملائكة، ورياض الجنة، والذكر يعين على طاعة الله، ويسهّل كل صعب، وأفضل الذكر القرآن، ثم الثناء على الله تعالى بالتهليل والتكبير والتسبيح والتحميد، وكلها قربة إلى الله تعالى، توزن

стр. 1971

اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ في المِيْزَانِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ الله العَظِيمَ". ــ في ميزان العبد يوم القيامة - كما في حديث الباب. معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " كلمتان حبيبتان إلى الرحمن " أي هناك جملتان صغيرتان من ألفاظ الذكر محبوبتان، محبوب قائلهما عند الله تعالى كأشد ما يكون الحب، مرضي عنه كل الرضا، مقرب إليه غاية القرب، من واظب على هاتين الكلمتين مع اعتقاد معناهما والعمل بمقتضاهما ترقى في درجات القرب، حتى يصل إلى مقام الحب الإِلهي، فيكون من الذين يحبهم الله ويحبونه " خفيفتمان على اللسان " أي هاتان الكلمتان المحبوبتان سهلتان ميسورتان على اللسان، ينطق بهما في خفة ويسر، ويجريان عليه دون مشقة أو عناء، لقلة حروفهما، وسلاسة ألفاظهما، وعذوبة كلماتهما " ثقيلتان في الميزان " أي ولكنهما على الرغم من صغرهما وخفتهما وسهولة جريانهما على لسان الذاكرين ثقيلتان في ميزان الله تعالى، حيث يجاء بهاتين الكلمتين على صورة جسمين مضيئين مشرقين في أجمل صورة رأتها العين، فتوضعان في كفة الحسنات التي تسع ما بين المشرق والمغرب، وما بين السموات والأرض، فتملآنها وترجحانها على كفة السيئات: " سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم " أي هاتان الكلمتان هما " سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم " لأن سبحان الله تملأ نصف الكفة، والحمد لله تملأ نصفها الثاني، فتثقلان الميزان، وترجحان كفة الحسنات على كفة السيئات، ومعنى " سبحان الله " أنزه الله تنزيهاً كاملاً عن كل ما لا يليق به من النقائص والعيوب وقبيح الصفات، وكل ما يخطر بالبال من مشابهة المخلوقات، فهو المقدس في ذاته وصفاته وأفعاله، وأما قوله " وبحمده " فالواو للحال، أي أنزّه الله عما لا يليق به حال كوني أصفه وأثني عليه بما هو موصوف

стр. 1972

به من صفات الكمال والجمال، فأجمع بين أمرين إثبات صفات الله تعالى، وتنزيهه عن مشابهة المخلوقين " سبحان الله العظيم " وهي جملة تأكيدية لقوله " سبحان الله أتى بها لتأكيد التنزيه والتقديس الذي ضل فيه المشركون، ثم وصفه بالعظمة بعد وصفه بالحمد، ليجمع بين صفات الجمال من رحمة وإحسان، وصفات الجلال من عظمة وقدرة وقهر وسلطان. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن التسبيح والتحميد من أفضل الأذكار وأحبها إلى الله تعالى. فتستحب المداومة على قول: " سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم لما يؤدي إليه ذلك من الوصول بالعبد إلى مقام الحب الإِلهي، وتثقيل ميزانه يوم القيامة، وترجيح كفة حسناته. ثانياًً: أن هذا الذكر المبارك متضمن لتوحيد الأسماء والصفات على الوجه الصحيح المطلوب من العباد، لأن قول العبد " وبحمده " إثبات لجميع صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه، ووصفه بها نبيه. وقوله: " سبحان الله " تنزيه لله عن مشابهة المخلوقين، وهذا هو معنى توحيد الصفات، إثبات للصفات دون تشبيه، وتنزيه لله تعالى بدون تعطيل، وهو مذهب أهل السنة والجماعة. اهـ. ثالثاً: أن الوزن والميزان من الحقائق، وأن أعمال بني آدم وأقوالهم توزن يوم القيامة، ويكون لها ثقل يرجح كفة الحسنات على كفة السيئات، والصحيح الذي عليه جمهور أهل السنة: أن الوزن حقيقي، والميزان حقيقي، وهو ما ترجم له البخاري، وقد وصفه في السنّة الصحيحة الثابتة، بأن له -كما قال القرطبي (١) - كفتين ولساناً، وأن كل كفة منهما طباق السموات والأرض، قال: ولو جاز حمل الميزان على ما ذكروا من الإِنصاف والعدل، لجاز حمل الصراط على الدين الحق، والجنة والنار على ما يرد على الأرواح دون الأجسام، والشياطين والجن

стр. 1973

على الأخلاق الذميمة، وهذا كله باطل فاسد، لما جاء عن الصادق المصدوق، وقال حنبل بن إسحاق: من أنكر الميزان فقد رد على الله ورسوله. وقال شارح الطحاوية (١): والذي دلت عليه السنة أن ميزان الأعمال له كفتان مشاهدتان. وذكر البغوي (٢) في تفسيره أن الله تعالى ينصب ميزاناً له لسان وكفتان، كل كفة بقدر ما بين المشرق والمغرب، وأخرج ابن مردويه عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " خلق الله كفتي الميزان مثل السموات والأرض، فقالت الملائكة: يا ربنا من تزن بهذا؟ فقال: أزن به من شئت " (٣) قال النفراوي في شرح الرسالة: (٤) وقد بلغت أحاديث الميزان مبلغ التواتر، وانعقد عليه إجماع أهل الحق، وأنه ميزان حِسِّى له كفتان ولسان. أما ما هو الشيء الذي يوزن؟ فإن أهل العلم اختلفوا على ثلاثة أقوال. الأوّل: أنه يوزن العامل مع عمله، ويشهد له ما روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إني ليؤتى بالرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، قال: اقرءوا إن شئتم: (فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) الثاني: أن الذي يوزن هو صحائف الأعمال، وقد نقل الآلوسي (٥) عن القاضي عياض أن هذا هو قول الجمهور، ولعله أراد أنّه قول أكثر أهل العلم، واستدلوا بحديث عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله سيخلص رجلاً من أمتى على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجَّلاً كل سجلٍّ مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أفلك عذر؟ قال: لا، يا رب، فيقول: بلى،

стр. 1974

إن لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم عليك اليوم، فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً عبده ورسوله، فيقول: أحضر وزنك، فيقول: يا رب وما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تُظْلَم، قال: فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، قال: فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء " أخرجه الترمذي وابن ماجة وأحمد في " مسنده " فهذا الحديث يعرف بين أهل العلم بحديث البطاقة، ويدل على أن الذي يوزن هو صحائف الأعمال. الثالث: أن الذي يوزن هو نفس الأعمال، وهو مذهب المحققين من أهل العلم. قال الصنعاني (١): " وذهب أهل الحديث والمحققون إلى أن الموزون نفس الأعمال وأنها تجسد في الآخرة، وعلى رأس القائلين بذلك ابن عباس ﵄ حيث قال: " يؤتى بالأعمال الصالحة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة، فتوضع في الميزان، وهذا هو القول الصحيح الذي صححه الحافظ، واختاره ابن تيمية في " العقيدة الواسطية " حيث قال: " وينصب الموازين فتوزن بها أعمال العباد " (٢) وقال في " شرح الطحاوية " (٣) وقد وردت الأحاديث بوزن الأعمال نفسها كما في " صحيح مسلم " عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : " الطهور شطر الإِيمان، والحمد لله تملأ الميزان " وفي الصحيح وهو خاتمة كتاب البخاري: " كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم " ولا شك أن هذا الحديث الذي جعله البخاري مسك الختام نص صريح على وزن الأعمال. قال صاحب " المنار " (٤): والحق عند أهل السنة أن الأعمال حينئذ تجسد، أو تجعل في

стр. 1975

أجسام، فتصوّر أعمال الطائعين في صورة حسنة، وأعمال المسيئين في صورة قبيحة، ثم توزن، وفي حديث جابر مرفوعاً: " يوضع الميزان يوم القيامة، فتوزن الحسنات والسيئات، فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال حبة دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال حبة دخل النار " (١) أما وقت الوزن فإنه بعد الحساب، وهو تكملة له، ومكان الميزان بين الجنة والنار، والقائم به جبريل ﵇، حيث يأخذ بعمرده مستقبلاً العرش، وهناك ملك ينادي بصوت يسمعه الخلائق: سعد فلان، وشقي فلان، ويعلن عن نتيجة الوزن. وهل هو ميزان واحد أو موازين؟ هذه مسألة خلافية أيضاً، والأصح أنه ميزان واحد، والمراد بالجمع الموزونات وهي متعددة. الحكمة في وزن الأعمال: قال الخازن (٢): فإن قيل: أليس الله يعلم مقادير أعمال العباد، فما الحكمة في وزنها؟ فالجواب: أن في ذلك حِكَماً كثيرة، منها إظهار العدل، وأن الله لا يظلم عباده، ومنها: تعريف العباد ما لهم من خير وشر، وحسنة وسيئة، وفائدة تعريفهم بمقادير أعمالهم كما قال الشيخ عبد الله ابن الزكي في " ختم صحيح البخاري " أنهم لو دخلوا الجنة قبل الموازنة ربما ظن المطيع أنه نال الدرجات في الجنة عن استحقاق، وتوهم المعذب أن عذابه فوق ذنبه، فتوزن أعمالهم ليقفوا على مقادير أجرها، فيعلم الصالح أن ما ناله من الدرجات بفضل الله، لا بمجرد عمله، ويتيقن المجرم أن ما ناله من العذاب دون ما ارتكب من الحرام. المناسبة في البدء والختام: وأخيراً ما وجه المناسبة في بدء البخاري صحيحه بحديث " إنما الأعمال بالنيات " وختمه بحديث " كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، سبحان الله وبحمده، سبحان الله

стр. 1976

العظيم" هذا ما تطرق إليه المحدث الشيخ عبد الله ابن الزكي حيث قال في " ختم صحيح البخاري " (١): ولما كانت النية سابقة للعمل، بدأ بها في المقال رعاية للمقام، وختم بحديث موازين الأعمال لأنها انتهاء غاية التمام. فالبخاري بدأ بالنية التي يتوقف عليها صلاح العمل وفساده، وختم بالميزان الذي يتبين به مصير الإِنسان من سعادة أو شقاء، تنبيهاً للقارىء إلى إخلاص النية في البداية، لما يترتب عليه من ثقل الميزان في النهاية، وذلك غاية المرام وحسن الختام والله أعلم. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: " ثقيلتان في الميزان " حيث دل ذلك على وزن أعمال بني آدم، وهو ما ترجم له البخاري. وقد تم الفراغ من تأليف هذا الكتاب - بمدينة المصطفي ﵊، في أيام عيد الفطر المبارك من عام ألف وأربعمائة وثمانية هجرية، نحمدك اللهم يا من بنعمته تتم الصالحات، على ما وفقتنا إليه من إتمام هذا الشرح، ونسألك ونضرع إليك وأنت القائل: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) أن تمنحه القبول، وتنفع به الناس، وأن تجعله لنا ذخراً في الدار الآخرة، إنك سميع مجيب، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ...