Полный текст (279 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
الأنس بذكر الله
جمع وترتيب
محمد حسين يعقوب
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
إِنَّ الحَمْدَ لله، نَحْمَدُهُ ونستعينُهُ ونستغفِرُهُ، ونعوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أنفسِنا، ومِنْ سَيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يَهْدِهِ الله فلا مُضِل لَه، ومَنْ يُضلِلْ فلا هَادِيَ لَه، وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَه إِلَّا الله، وَحْدَهُ لا شريكَ لَه، وأَشْهَدُ أَن مُحَمدًا عبدُهُ ورسولُه.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]
стр. 3
أما بَعْدُ:
فَإنَّ أَصْدَقَ الحديثِ كِتابُ الله، وَأَحْسَنَ الهَدْيِ هَدْيُ محمَّد ﷺ ، وشَرّ الأمورِ مَحَدَثَاتُها، وكُل مُحْدَثَةٍ بِدْعَة، وكُل بِدْعَةٍ ضَلالَة، وكُل ضَلالَةٍ في النار.
ثَّم أما بَعْدُ:
فإِخْوَتي في الله ..
والَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَأَ النَّسْمَةَ؛ إِني أُحِبُّكُم في الله، وأسألُ اللهَ ﷻ أن يجمعَنا بهذا الحُبَّ؛ في ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّه، اللهُمَّ اجعلْ عملَنا كُلَّهُ صالِحًا، واجعلْهُ لوجهِكَ خَالِصَا، ولا تجعلْ لأَحَدٍ غَيْرِكَ فيهِ شيئًا.
قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١]
وقال رسول الله ﷺ :"أَلا نبَّئُكُمْ بِخَيرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَرْضَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا في درَجَاتِكُمْ، وَخَيرِ لَكُمْ مِنْ إِعْطَاءِ الذَّهبِ وَالْوَرِقِ، وَمِن أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ
وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟! " قَالُوا: وَمَا ذاكَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ:
"ذكْرُ اللهِ" (صحيح، سنن ابن ماجه: ٣٧٨٠).
стр. 4
قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا تَسْتَقِل الشمْس فَيَبقَى شَيء مِنْ خَلْقِ اللهِ إِلا سَبَّحَ اللهَ بِحَمْدهِ إِلا مَا كَانَ مِنْ الشَيَاطِينِ وَأَغْبِيَاءُ بني آَدَمَ" قال الوليد: فسألت صفوان بن عمرو: ما أغبياء؟
فقال: الغباء: شرار خلق الله.
(رواه ابن السني، وحسنه الألباني في صحيح الجامع: ٥٥٩٩)
وقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الدُنْيَا مَلْعُونَة مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلا ذكْرَ الله وَمَا وَالاهُ أَوْ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلمًا" (حسن، سنن الترمذي: ٢٣٢٢)
عن عبد الله بن الحارث ﷺ أنه سأل كعباً ﵁ عن قول الله : ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] , و ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] , فقال: هل يؤذيك طرفك؟ قال: لا، قال: فهل يؤذيك نفسك؟ قال: لا، قال: فإنهم ألهموا التسبيح كما ألهمتم النفس والطرف.
أخي الحبيب ..
قال رسول الله ﷺ : "إِن لِلإسلامِ صُوَى وَمَنَارًا كمَنَارِ الطَّرِيقِ" (رواه الحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع: ٢١٦٢).
إن للإسلام صُوىَ، والصوى جمع صوَّة، وهي الأحجار العظيمة التي توضع على جنبتي الطريق تميزه وتحدده، والمنار هي العلامات التي يهتدي بها السائر على الطريق،
стр. 5
فإذا كان للإسلام صوّى ومنارًا؛ فإن من صوى الإِسلام ومناراته: ذكر الله.
يقول العلماء: إن في الطريق إلى الله علامات ومنارات، من رآها وعاشها وعاناها؛ فقد سلك الطريق إلى الله، ومن لم يشعر بها ولم يعشها ولم يعالجها؛ فإنه لم يبرح مكانه، ولم يسلك طريقه، وأنَّى له الوصول وهو لم يبرح المنزل؟! فالذكر علامة مميزة وشامة مزيمّة لطريق السائرين، فهو زاد القلوب وقُوتُهَا، وحياة الأفئدة وبهجتها، وسعادة الأرواح وانتعاشتها، والذكر روح الإيمان وزيادته، ودليل اليقين وعلامته، وسر التوكل وشارته، بل إن الذكر هو أهم عوامل السعادة والتوفيق في هذه الحياة الدنيا.
تأمل معي - أيها الحبيب اللبيب - قول الله : ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾. [يس: ٣٨ - ٤٠].
فالشمس والقمر والنجوم والأفلاك والأرض والمجرات وكل الكون بما فيه حتى ذرات الثرى، والهواء، والسحب، والرياح، والبرق، والرعد، الكل يسبح بحمد الله ويلهج بذكره.
стр. 6
قال ﷺ : ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤] وهذه المخلوقات بتسبيحها وذكرها لله يدبرها ويصلح حياتها ويرزقها ويعينها، فإذا ترك هذا
الكون التسبيح اختل نظامه وفسد دورانه، قال : ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وقال ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١].
لذا قال أبو بكر ﵁: ما صيد من صيد ولا قطع من شجر إلا بتضييعه التسبيح.
فكذلك الإنسان إذا سبَّح الله وذكره؛ أصلح الله حياته وسيرها بتوفيقه وتسديده، وإذا ترك العبد التسبيح فسدت حياته وكانت عذاباً، وعاش في هذه الدنيا مطرودا مهانًا، قال : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨].
فاعلم أن حياة قلبك وبهجه نفسك، وسعادتك ولذتك في ذكر الله القلب يحيا، والروح تنتعش والإيمان يزداد، والحب يعظم بذكر الله.
стр. 7
قال ذو النون المصري ﵀: والله ما طابت الدنيا إلا بذكره، وما طابت الآخرة إلا بعفوه، وما طابت الجنة إلا برؤية وجهه الكريم.
إن ألذ ما في الدنيا، وأهنأ ما في الحياة، وأمتع ما في الوجود ذكر الله، قال بعض السلف: مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها!! قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: ذكر الله وطاعته.
وكان شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ يجلس بعد صلاة الصبح إلى وضح النهار يذكر الله، لا يكلم أحداً ولا يلتفت، فإذا قضى ذكره قال: هذه غدوتي، إن لم أتغدها سقطت قوتي.
أُخَيَّ: إن أردت حصنًا حصينًا يطرد عنك الشيطان، ويحفظك من الكيد والعدوان؛ فالزم ذكر الله، ففي حديث يحيى بن زكريا ﵇ أنه قال: "وَآمُرُكُمْ بِذِكْرِ الله
كثِيرًا، وَإِن مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلِ طَلَبَهُ العَدُوُّ سِرَاعَا في أَثَرِهِ فَأتى حِصْنًا حَصِينًا فَتَحَصَّنَ فِيهِ، وَإِن الْعَبْدَ أَحْصَنُ مَا يَكُونُ مِنْ الشيطَانِ إِذَا كَانَ في ذِكْرِ الله" (صحيح، مسند الإِمام أحمد: ٤/ ١٣٠).
وقال ابن عباس ﵄: الشيطان جاثمٌ على قلب ابن آدم إذا سها وغفل وسوس، وإذا ذكر الله خنس.
стр. 8
وذكر الله - يا بني - ينجيك من عذاب الله، وبه يغفر لك ذنبُك، ويقوى على الحق قلبُك، قَالَ رَسُولىُ الله:"ومَا عَمِلَ آميٌ عَمَلاً قَط أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ الله مِنْ ذِكْرِ اللهِ".
(حسن، مسند الإِمام أحمد: ٥/ ٢٣٩)
وإذا ذكرت الله ذكرك، قال الملك : ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢].
ولا أدري أي قلبِ هنا؟!
قلب أمرئ يسمع هنا الوعد ثم يتخلف عن ذكر الله!!
قال بعض السلف: إني أعلم متى يذكرني ربي، قيل متى وكيف؟ قال: أما قرأتم قول الله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢].
واعلم أن أخطر ما في الغفلة وترك الذكر أنك إن لم يذكرك ربك افترسك الشيطان، واستولى عليك، قال الملك : ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٦، ٣٧].
ولهذا - أخي الحبيب - لما أمر الله بالذكر أمر بالإكثار منه شرطاً فرضًا، وعفَق الفلاح والنجاة بهذا الذكر الكثير، قال الله ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣].
стр. 9
وشرط إخراجك من الظلمات إلى النور وحصول وعد الله الحق المبين لك دوام الذكر، وكثرة الذكر.
وإذا كان شرط خاصة المؤمنين، عباد الله، أهل النور، الذين أخرجوا من الظلمات كثرة الذكر، ففي المقابل أخص صفات المنافقين التكاسل عن الطاعات والرياء وقلة الذكر، قال الله : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢].
فحصل الفرقان بين هؤلاء وهؤلاء .. المؤمنون يذكرون الله على كل حال كثيراً وبإخلاص، والمنافقون لا يذكرون الله إلا قليلاً ورياء وبتكاسل.
فاحذر أن تكون من المنافقين، طفر قلبك بذكر الله، واملأ عمرك بذكر ربك، واجعل ذكر الله دأبك وديدنك في كل وقت وعلى أي حال، ولا تغفل عن ذكر الله أبداً فتندم وتخسر.
وذكر الله خير الأعمال، وأفضل الأعمال، وأجلها، وأعظمها؛ وإنما شُرِعت الشرائع أصلاً لإقامة ذكر الله، قال الله : ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، وقال في الحج:
﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٢٨].
стр. 10
وذكر الله من أحب الأعمال إلى الله، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَحَب الْكَلامِ إِلَى اللهِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لله، وَلا إِلَهَ إِلا الله، وَاللهُ "كبَرُ لا يَضُرُّكَ بِاَيِّهِن بَدَأْتَ" (صحيح مسلم: ٢١٣٧).
وذكر الله غراس طيب، وثمر حلو في جنات النعيم، قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدهِ؛ غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَة في الجَنَّةِ" (صحيح، سنن الترمذي: ٣٤٦٥)، وقال رسول
الله ﷺ : "لَقِيتُ لَيلَةَ أُسْرِيَ بِي إِبْرَاهِيم الخَلِيلُ ﵇ فَقَالَ: يَا مُحَمَّد، أَقرِئ أُمتَكَ السَّلام، وَأَخْبِرْهُمْ أَن الجَنَّةَ طَيبَةَ الترْبَةِ، عَذْبَةُ المَاءِ، وَأَنها قِيعَان، وَأَنَّ غِرَاسَهَا: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لله، وَلا إِلَهَ إِلا الله، وَاللهُ أَكْبر" (حسن، سنن الترمذي: ٣٤٦٢).
وقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلا الْمِيزَانَ وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لله تَمْلاَنِ أَوْ تَمْلا مَا بَينَ السمَاوَاتِ وَالأرْضِ".
(صحيح مسلم: ٢٢٣)
وكم يتملكني الإعجاب والانبهار بحال أولئك الصادقين الذين ضُمِّخَت قلوبهم وحياتهم بذكر ربهم!! فهم لا يفترون وكأنهم ملائكة يسبحون الليل والنهار وهم لا يسأمون.
قيل لعمير بن هانئ ﵀: ما نرى لسانك يفتر، فكم تسبح كل يوم؟ قال: مائة ألف تسبيحة، إلا أن تخطئ الأصابع.
стр. 11
وكان أبو هريرة ﵁ يسبح كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة.
وكان حسان بن عطية ﵀ إذا صلى العصر يذكر الله في المسجد حتى تغيب الشمس.
وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ لتلميذه ابن القيم ﵀ مرة: لا أترك الذكر إلا بنية إجمام النفس وإراحتها؛ لأستعد بتلك الراحة لذكر آخر.
فلذلك - أخي الكريم - قَوَّ بناء إيمانك بالذكر، أسس أعمدة يقينك بذكر الله، طهر قلبك واغسل درَنَ ذنبك بذكر الله ، واذكر الله يذكرك.
وهذا كتاب خاص للأذكار لم أجعله ككتب وكتيبات ورسائل الأذكار التي اطلعت عليها، فيها يسوق المؤلف الذكر فقط، وإنما أردت هذا الجزء تعليمًا بأن أذكر الحديث لمعرفة ثواب وأجر هذا الذكر وتعظيمه، ثم أضفت كليمات يسيرة تسبق كل ذكر أو تعقبه تحفيزًا للعمل وتنشيطًا للهمة.
وقد حرصت كل الحرص في هذا الكتاب وفي غيره ألا أسوق إلا حديثاً صحيحًا، وأكون على ثقة تامة من صحته؛ فخذها واعمل بها مطمئنًا واثقا مصدِّقًا.
стр. 12
حبيبي في الله .. أخي، هيا استشعر قرب ربك منك، ومعية الله لك عند ذكرك له، استشعر حقيقة الحب ونعيم القرب وقرة العين بذكر الله.
قال ﷺ : "يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بيِ، وَأَنا مَعَهُ إِما ذَكَرَني" (صحيح البخاري: ٦٩٧٠)، وقال : "أنا مَعْ عَبْدي مَا ذَكَرَني وَتَركَتْ بي شَفَتَاهُ".
(صحيح، سنن ابن ماجه: ٣٧٩٢).)
فإذا كان الله معك يجالسك فأي نعيم في الدنيا أكمل من هذا النعيم؟! وأي لذة في الدنيا مثل هذه اللذة؟! عد - أخي - إلى رياض الخلوة، وتقلب في الذاكرين، وأسبل دموع عينيك حبا وشوقًا لرب العالمين، أَمِط عن قلبك ران النوم وتسلل من معسكر النائمين، وانطرح على بساط القرب، واهنا بنسيم السحر؛ تجد جنة ونعيمًا في الأسحار حيث تلهج قلوب الأبرار بذكر الملك الجبار، وتشتاق إلى
قربه، وترجو مودته وحبه، ومن ذاق عرف.
حقاً إخوتاه .. يكاد شعر المرء يشيب، ويكاد عقله يطيش من جلال هذا المعنى: أن يكون الله معك .. تذكره فيذكرك ..
تتلو كلامه فيحدثك، وتدعوه فيجيبك، وتناديه فيلبيك، هذه قمة استشعار الإنس والقرب، فإياك أن تموت ولم تأنس بربك،
стр. 13
إياك أن تموت قبل أن تذوق هذا النعيم فتتحسر.
إخوتي في الله .. من ذاق هذا الإنس واستشعره لم تكن لذته وشهوته إلا في الانفراد والخلوة بعيدًا عن الناس، ويكون أثقل شيء عليه ما يعوق هذا الإنس ويعطله، قيل لبعض الحكماء: متى يذوق العبد طعم الإنس بالله؟ فقال: إذا صفا الود، وخلصت المعاملة، قيل: متى يصفو الود؟ فقال: إذا اجتمع الهم فصار همَّا واحلَما في الطاعة ..
نعم إخوتاه .. في الإنس بذكر الله قرة العين، وطمأنينة القلب، وسعادة النفس، ومن قرت عينه بالله قرت به كل عين.
وبعد، فإن الهدف من هذا الجزء ليس استقصاء الأذكار وسردها فقط - وإن كنت فعلاً قد اجتهدت في ذلك - ولكن المقصود الفعلي لهذا الجزء هو التعليم بمعنى: اللهم للأذكار، والإدراك لمعانيها، والإحساس بلذتها، والسعادة بالحرص على المواظبة عليها، فلا تُفَوَّت كلمة من هذا الكتاب دون فهم
وعمل وتدبر فهو كتاب للدراسة والفقه والتعليم، فافقه.
هذا ذكر الله، بين يديك مقدماته وأصوله، وضوابطه ومتمماته، وما عليك إلا العمل .. هنينًا لك يا ابن الإِسلام، صفا جما المشرب - فتضلَع واشكر الملك الوهاب ..
стр. 14
تمهيد
الحمدُ لله رَبِّ العَالَمِين، والصَّلاةُ والكلامُ على أشرفِ المرسلين سيِّدِنا محمَّد وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين.
رَبّ يَسِّرْ وأَعِنْ وتَمِّمْ بِخَيرِ يَا كَرِيمُ إخوتي في الله، والذي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَأَ النسْمَةَ إني أُحِبُّكُم في الله، أسأل الله أن يرزقنا وإياكم الصدق والإخلاص، والعفو والعافية، في الدين والدنيا والآخرة.
أما بَعْدُ:
قال الله : ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَل تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]
وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾. [الأحزاب: ٤١]
وقال: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥].
стр. 15
وقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
وقال : ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠].
وقال رسول الله ﷺ : "مَثَلُ الذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالذي لا يَذكُرُ رَبّهُ مَثَلُ الْحَيَّ وَالمَيَّتِ" (صحيح البخاري: ٦٠٤٤).
وقال رسول الله ﷺ : "أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا في درَجَاتِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُم، وَخَيرٍ لَكُمْ مِنْ إِعْطَاءِ الذهبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيرِ لَكُمْ مِنْ أن تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ
فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُم وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُم؟ " قَالُوا: بَلَى، قَالَ: "ذكْرُ اللهِ تَعَالَى" (صحيح، سنن الترمذي: ٣٣٧٧).
وقال ﷺ : "يَقُولُ الله تَعَالَى: أَنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي؛ فَإِنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ؛ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وَإِنْ ذَكرَنِي في مَلإ؛ ذَكَرْتُهُ في مَلأ خَيرِ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلي
بِشِبْرِ؛ تَقَربتُ إِلَيهِ ذرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَي ذرَاعًا؛ تَقَرَّبْتُ إِلَيهِ بَاعًا، وإنْ أتاني يَمْشِي أَتَيتُهُ هَرْوَلَةَ" (صحيح البخاري: ٦٩٧٠).
стр. 16
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرِ ﵁ أَنَّ أَعْرَابِيا قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : إِن
شَرَائِعَ الإسْلام قدْ كَثُرَتْ عَلَى، فَأَنْبِئْنِي مِنهَا بِشَيءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ، قَالَ: "لا يَزَالُ لِسَانُك رَطْبًا مِنْ دكْرِ الله" (صحيح، سنن الترمذي: ٣٣٧٥).
وقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا مِنْ قَوْمٍ اجْتَمَعُوا يَذْكُرُونَ اللهَ لا يُرِيدونَ بذلِكَ إِلا وَجْهَهُ إِلا نَادَاهُمْ مُنَادٍ من السمَاءِ: أَنْ قُومُوا مَغْفُورًا لَكُم؛ قَدْ بُدَّلَتْ سَيئَاتُكُمْ حَسَنَاتِ".
(رواه الإِمام أحمد، وصححه الألباني في صحيح الجامع: ٥٥٠٧)
وقال ﷺ : "مَنْ قَعَدَ مَقْعَدَا لَمْ يَذْكُرْ اللهَ فِيهِ؛ كَانَتْ عَلَيهِ مِنْ الله تِرَة" (صحيح، سنن أبي داود: ٤٨٥٦).
بعد كل الآيات والأحاديث السابقة، لا بد لي أن أقول: إن قضية ذكر الله ليست مسألة من مسائل الفقه أو الفروع في دين الإِسلام، بل إني أعتقد - والله أعلم - أن ذكر الله هو نفس الدين، فهو علاقة العبد بربه ، ولذلك لا أغالي إذا قلت: إن أصح المؤمنين إيمانًا وأعمقهم يقينًا هم أكثرهم لله ذكرًا.
ولك أن تتأمل حياة رسول الله ﷺ ، فإنك تعجب لهذا التفاني في كثرة ذكر الله وإخلاصه فيه، حتى يقول - فداه أبي وأمي ونفسي - رسول الله ﷺ : "إنهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لأسْتَغْفِرُ اللهَ في الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّة" (صحيح مسلم: ٢٧٠٢)، أي إنه لا يغفل أبدًا مطلقًا، وإذا حصل هذا الغين اليسير الطارئ استغفر له مائة مرة.
стр. 17
انظر إلى أي حركة في حياته ﷺ تجدها لا تخلو من ذكر، وهذا ما ستدركه جيداً بيقين إذا درست هذا الكتاب بفهم ووعي، ولذلك وبحق أقول لك يا ابن الإِسلام: لا بد أن تتعلم .. لا بد - أن تفهم، فليست القضية في حفظ النصوص وإيرادها فقط؛ وإنما القيمة في اللهم والعمل مع العلم، فلابد من علم بفهم، وعمل بنية؛ لكي يؤتي العلم والعمل ثمرتهما، فإذا كان الأمر كذلك؛ فاعلم أن للذكر: أنواعًا متعددة مختلفة المراتب متفاوتة التأثير:
أنواع الذكر
الأول: أعلى الذكر القرآن الكريم
قال : ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ [ص: ١]،
ووقال : ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٥٢)﴾.
قال علي ﵁: كَانَ ﷺ يَقْرَأ الْقُرْآن عَلَى كُل حَال مَا لَمْ
يَكُن جُنُبَا. (حسن، سنن الترمذي: ١٤٦).
وفِيهِ دَلالَة عَلَى أنهُ إِما كَانَ الْحَدَث الأَصْغَر لا يَمْنَعهُ عَنْ قِرَاءَة القُرْآن وَهُوَ أَفْضَلُ الذكر كَانَ جَوَاز مَا عَدَاهُ مِنْ الأَذْكَار بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى.
стр. 18
وقال سفيان ﵀: أفضل الذكر تلاوة القرآن في الصلاة، ثم تلاوة القرآن في غير الصلاة، ثم الذكر.
والقرآن هو أحسن الحديث، وهو الطيب من القول، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِن لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنْ النَّاسِ" قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: "هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ أَهلُ اللهِ وَخَاصتُهُ".
(صحيح، سنن ابن ماجه: ٢١٥)
وقال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩]، قال مطرف بن عبد الله ﵀: هذه آية القراء.
الثاني: ذكر أسماء الرب وصفاته ، والثناء عليه بهما، وتنزيهه وتقديسه عما لا يليق به وهذا نوعان:
أولاً: إنشاء الثناء عليه بها: وهذا النوع هو المذكور في الأحاديث، نحو: "سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لله، وَلا إِلَهَ إِلا الله، وَاللهُ أَكْبَرُ " و"سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمدهِ" و"لا إِلَهَ إِلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الحمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءِ قَدِير لا ونحو ذلك.
وأفضل هذا النوع أجمعه للثناء وأعمه نحو: "سُبْحَانَ الله عَدَدَ مَا خَلَقَ في السَّمَاءِ، وَسُبحَانَ اللهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ في الأرْضِ،
стр. 19
وَسُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ بَيْنَ ذَلِكَ، وَسُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ مَا هُوَ خَالِق"، كل هذا أفضل من مجرد قولك: "الْحَمْدُ لله".
ويدل على ذلك حديث جويريه ﵂ فعَنْها أن النبِى ﷺ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةَ حِينَ صَلى الصُبْحَ وَهِيَ في مَسْجِدِهَا ثُم رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى وَهِيَ جَالِسَة فَقَالَ:
"مَازِلْتِ عَلَى الْحَالِ التِي فَارَقْتُكِ عَلَيهَا؟ " قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: "لَقَدْ قُلْتُ بَعدكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلاثَ مَرَّاتِ لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ عَمَدَ خَلْقِهِ، ورِضَا نَفْسِهِ، وزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كلِمَاتِهِ" (صحيح مسلم: ٢٧٢٦).
وأيضاً عن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقاصٍ ﵁ أنّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ وَبَيْنَ يَدَيْهَا نَوًى أَوْ حَصَى تُسَبَّحُ بِهِ فَقَالَ: "أُخْبِرُكِ بِمَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيكِ مِنْ هَنَا أَوْ أَفضَلُ؟! فَقَالَ: سُبْحَانَ الله عَددَ مَا خَلَقَ في السَّمَاءِ، وَسُبْحَانَ اللهِ عَلَدَ مَا خَلَقَ في الأرْضِ، وَسُبْحَانَ اللهِ عددَ مَا خَلَقَ بَينَ ذلِكَ، وَسُبْحَانَ اللهِ عَددَ مَا هُوَ خَالِقْ، وَاللهُ أكبَرُ مِثْلُ فَلِكَ، وَالْحَمْدُ لله مِثْلُ ذَلِكَ، وَلا إِلَهَ إِلا اللهُ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوّةَ إِلا بِاللهِ مِثْلُ ذلِكَ".
(أخرجه ابن حبان، وصححه شعيب الأرناؤوط في سنن ابن حبان: ٨٣٧)
وهكذا كلما كان الذكر أجمع وأشمل وأعم كان أفضل بدليل الأحاديث السابقة.
стр. 20
ولذلك فإن أفضل الذكر هو الوارد في النصوص الصحيحة فإنها جامعة شاملة وذلك لسببين:
أولاً: لأنّ فيه متابعة للرسول ﷺ ،وحكم العبادات توقيفية كما هو معلوم.
وثانيًا: لأنّ رسول الله ﷺ هو أعلم الناس بربه وقد أوتي جوامع الكلم، وهو لا ينطق عن الهوى، فهذه الثلاثة العظيمة من مآثره وخصوصياته تُلزِمك أن تلزم قوله وتعتقد اعتقاداً جازمًا أن أفضل الذكر ما ورد عنه، ودعك عند ذلك من تأليف المؤلفين واختراع المخترعين وبدع المبتدعين، نعم لا نقول: إنه لا يجوز غيره، ولكننا نعتقد بيقين أنه ليس هناك أهم ولا أفضل ولا أجمع ولا أحسن منه: فافهم.
الثالث: الخبر عن الرب بأحكام أسمائه وصفاته ، نحو قولك: الله يسمع أصوات العباد ويرى حركاتهم، ولا تخفى عليه خافية من أعمالهم، وهو أرحم بهم من آبائهم
وأمهاتهم، وهو على كل شيء قدير، وهو أفرح بتوبة عبده من رجل وجد راحلته بعد أن فقدها ويئس من العثور عليها.
وأفضل هذا النوع: الثناء عليه بما أثنى به على نفسه، وبما أثنى عليه به رسول الله ﷺ من غير تحريف، ولا تعطيل،
стр. 21
ومن غير تشبيه، ولا تمثيل.
وهذا النوع أيضًا ثلاثة أنواع: حمد، وثناء، وتمجيد.
فالحمد لله: الإخبار عنه بكمال صفاته مع محبته والرضا به، فلا يكون المحب الساكت حامدًا، ولا المثني عليه بلا محبة حامدًا حتى تجتمع له المحبة والثناء.
فإن كرر الحامد شيئًا بعد شيء؛ كانت ثناءًا.
فإن كان المدح بصفات الجلال والعظمة والكبرياء والملك؛ كان تمجيدًا.
وقد جمع الله لعبده الأنواع الثلاثة في أول سورة الفاتحة، فَإِذَا قَالَ العَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: قَالَ الله تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ قَالَ الله تَعَالَى: أَثنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وإذا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾؛ قَالَ: مَجَّدَنِيِ عَبْدِي، وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قَالَ: هَذَا بَينِي وَبَيْنَ عَبدِي وِلِعبدي مَا سَأَلَ، فَإذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾؛ قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ.
(صحيح مسلم: ٣٩٥)
стр. 22
الرابع: ذكر أمره ونهيه وأحكامه ، وهو أيضًا نوعان:
أحدهما: ذكره بذلك إخبارًا عنه بأنه أمر بكذا، ونهي عن كذا، وأحب كذا، وسخط على كذا، ورضي كذا، فهذا ذكر أمره ونهيه.
ولذلك قيل: إن لم تكن مجالس الحلال والحرام هي مجالس الذكر فلا أدري ما هي.
الثاني: ذكره عند مخالفة أمره ونهيه، وذلك بالحياء من الله والخوف من عقابه، بمعنى أن الإنسان في حياته قد تفجؤه أحوال يتقاعس فيها عن أمر الله بتثبيط الشيطان له وتخذيله وتكسيله، أو بتجريئه على معصية الله أثناء الغفلة، وحينها إذا ذكر العبد ربه فإنه ينشط للعبادة كما قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١].
أو إنه يتراجع عن المعصية ويستغفر ويتوب كما قال : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، فإذا اجتمعت للعبد كل هذه الأنواع من الذكر؛ كان ذكره أفضل الذكر وأجله وأعظمه فائدة.
стр. 23
الخامس: ومن ذكره أيضًا ذكر آلائه وإنعامه وأياديه، ومواقع فضله على عبيده وهذا أيضًا من أجل أنواع الذكر، قال : ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٦٩]، وهذا نوع عظيم أيضًا من أنواع الذكر؛ فإنه يجمع الذكر والشكر، قال آمرًا نبيه زكريا ﵇ حين بشره بالولد: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١].
السادس: ذكر الدعاء والاستغفار: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَفْضَلُ الذكْرِ لا إِلَهَ إِلا الله وَأَفْضَلُ الدعَاءِ الحَمْدُ لله" (حسن، سنن الترمذي: ٣٣٨٣).
الذكر أفضل من الدعاء، فالذكر ثناء على الله بجميل أوصافه وآلائه وأسمائه، والدعاء سؤال العبد حاجته، فأين هذا من هذا؟! ولهذا كان المستحب في الدعاء أن يبدأ الداعي بحمد
الله والثناء عليه بين يدي حاجته ثم يسأل حاجته.
فالدعاء الذي تقدمه الذكر والثناء أفضل وأقرب إلى الإجابة من الدعاء المجرد فإن انضاف إلى ذلك إخبار العبد بحاله ومسكنته وافتقاره واعترافه: كان أبلغ في الإجابة وأفضل فإنه يكون قد توسل الداعي إلى الرب بصفات كماله وإحسانه وفضله.
стр. 24
السابع: ذكر الرعاية: -
مثل قول الذاكر: الله معي، والله ناظر إليّ، والله شاهدي، ونحو ذلك مما يستعمل لتقوية الحضور مع الله، وفيه رعاية لمصلحة القلب ولحفظ الأدب مع الله والتحرز من الغفلة والاعتصام من الشيطان والنفس، والأذكار النبوية تجمع كل هذه الأنواع السابقة؛ فإنها متضمنة للثناء على الله والتعرض للدعاء والسؤال والتصريح به والثناء والمدح والتمجيد وغير ذلك.
والأذكار النبوية متضمنة أيضًا لكمال الرعاية ومصلحة القلب والتحرز من الغفلات والاعتصام من الوساوس والشيطان.
إذا عرفت أنواع الذكر وحرصت - أيها الحبيب المحب - على الجمع بينها: ليجتمع فيك الخير، فكيف تذكر الله ذكرًا يجتمع فيه هذا الخير؟
كيفية الذكر:
أي أخيّ .. إنما تتفاوت أجور الذاكرين حسب كيفية حصول الذكر منهم.
الذكر يكون بالقلب واللسان تارة، ويكون بالقلب وحده تارة وهي الدرجة الثانية، ويكون باللسان وحده تارة وهي الدرجة الثالثة، وأفضل الذكر: ما تواطأ عليه القلب واللسان.
стр. 25
وإنما كان ذكر القلب وحده أفضل من ذكر اللسان وحده؛ لأنّ ذكر القلب يثمر المعرفة، ويهيج المحبة ويثير الحياء، ويبعث على المخافة، ويدعو إلى المراقبة، ويرفع العبد عن التقصير في الطاعات، والتهاون في المعاصي والسيئات، وذكر اللسان وحده لا يوجب شيئًا من ذلك الإثمار، وإن أثمر شيئًا منها فثمرته ضعيفة، ولذلك ينبغي أن يحرص المسلم كل الحرص على أن يكون الذكر باللسان مصحوبًا بحضور القلب.
وقد يبدو ها هنا إشكال يطرحه البعض في سؤال: هل أترك الذكر إن لم يحضر القلب؟
والجواب: لا؛ فهذا من تلبيس الشيطان، ولكن اجتهد في إحضار القلب واستيعابه للذكر بأمور:
أولًا: التفكر في معنى الذكر.
ثانيًا: استحضار مشهد معية الله: "أَنا مَعَ عَبْدِي حَيثُمَا ذكَرَنِي وَتَحَرَكَت بِي شَفَتَاهُ" (صحيح، سنن ابن ماجه: ٣٧٩٢).
ثالثًا: الأخذ بالأسباب في هدوء المكان والبعد عن الشواغل وإصلاح النية.
رابعًا: التفكر في الأجر الحاصل ابتداء من ذكر الله لك، حتى الوعد الحاصل على نفس الذكر المذكور.
стр. 26
ثم بعد الاجتهاد وبذل الوسع واستنفاذ الجهد، وبذل الطاقة لحضور القلب، إن لم تتمكن فاذكر الله بلسانك واستمر، ومع الاستمرار وإظهار الافتقار والتألم والتضرع لله سيحضر القلب حتمًا، ولا تقل: حاولت، بل اصبر ثم صابر ثم رابط، ومن أدام دق الباب، فتح الكريم له.
ويكون الذكر أفضل وأكمل وأكثر أجرًا حين يكون بحضور القلب والبعد عما يشغل، حتى يستحوذ الذكر على القلب واللسان والهمة والعقل، فكأن كل ذرة في العبد تسبح بحمد الله وتذكره، وتنطق بحمده وتمجده.
فهذا هو الذكر التام الذي يحصل به الأجر التام: فاحرص واجتهد ولا تقل: سأحاول، بل قل: أنا لها، هو ذاك.
ومن أسباب حصول الحضور القلبي الانضباط بضوابط الذكر، ومن أهمها: الالتزام بالهيئة الشرعية، والألفاظ المأثورة عن رسول الله ﷺ وحده دون الخروج عن ذلك.
من ضوابط الذكر:
يعمر الصالحون خلواتهم بالعبادة والذكر والمناجاة، ورفع الشكوى إلى مولاهم البر الرحيم، واستمطار رحمته وغياثه ، ولا شك أن الثناء على الله ودعاءه
стр. 27
بما صح عن رسول الله ﷺ هو الأفضل مطلقًا والأحسن والأسلم، كما سبق أن ذكرنا وأوضحنا.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: (لا ريب أن الأذكار والدعوات من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على التوقيف والاتباع، لا على الهوى والابتدل، فالأدعية والأذكار النبوية هي أفضل ما يتحراه المتحري من الذكر والدعاء، وسالكها على سبيل أمان وسلامة، والفوائد التي تحصل بها لا يعبر عنها لسان، ولا يحيط بها إنسان، وليس لأحد أن يسن للناس نوعًا من الأذكار والأدعية غير المسنون ويجعلها عبادة راتبة، يواظب الناس عليها كما يواظبون على الصلوات الخمس، بل هذا ابتداع في الدين لم يأذن الله به.
ومع هذا، ففي الأدعية الشرعية، والأذكار الشرعية غاية المطالب الصحيحة ونهاية المفاسد العلية، ولا يعدل عنها إلى غيرها من الأذكار المحدثة المبتدعة إلا جاهلٌ، أو مفرطٌ، أو متعدٍ) (مجموع الفتاوى: ٢٢/ ٥١٠).
ولا شك أن باب الدعاء توقيفي لا ينبغي الخروج فيه عما رسمه الشارع في الجملة، والمقصود بالدعاء هنا الأدعية الراتبة التي تتكرر، ويلازمها المكلف، أو التي تختص بوقت معين أو وظيفة معينة، أو صفة معينة.
стр. 28
أما مطلق الأدعية التي تحصل من المكلف بدون تحرِّ وملازمة، فهي ليست توقيفية، ويجوز فيها الاجتهاد والدعاء والذكر بما يشاء حتى ولو أنشاه من عند نفسه، أو اقتبسه من غيره، لكن الأفضل الالتزام بالمأثور، وإلا فقد استبدل الداعي الذي هو أدنى بالذي هو خير.
قال النووي ﵀ في قول النبي ﷺ : "ثُمَّ يَتَخَيَّرُ من الْمسأَلَةِ مَا شَاءَ": (وفيه أنه يجوز الدعاء بما شاء من أمور الآخرة والدنيا ما لم يكن إثمًا، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور).
أهمية الذكر:
(١) الذكر جلاء القلوب:
قال أبو الدرداء ﵁: لكل شيء جلاء، وإن جلاء القلوب ذكر الله .
ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما، وجلاؤه بالذكر. فإنه يجلوه حتى يجعله كالمرآة البيضاء، فإذا تُرِكَ الذكر صَدِى القلب، فإذا ذكر العبد ربه جلاه.
وصدأ القلب بأمرين: الغفلة والذنب ..
وجلاؤه بشيئين: الاستغفار والذكر.
فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته، كان الصدأ متراكبًا على قلبه، وصدؤه بحسب غفلته، وإذا صدئ القلب، لم تنطبع
стр. 29
فيه صور المعلومات على ما هي عليه، فيرى الباطل في صورة الحق، والحق في صورة الباطل: لأنه لما تراكم عليه الصدأ أظلم، فلم تظهر فيه صورة الحقائق كما هي عليه.
فإذا تراكم عليه الصدأ واسودَّ، وركبه الران: فسد تصوره وإدراكه، وعندئذٍ لا يقبل حقًا، ولا ينكر باطلاً، وهذه أعظم عقوبات القلب، وأصل ذلك من الغفلة واتباع الهوى: فإنهما يطمسان نور القلب ويعميان بصيرته.
(٢) الذكر عبادة عظيمة الأجر، فأجره لا يقاربه شطء ولا يقارنه:
وتتضح أهمية الذكر من خلال فضله وما أعده الله للذاكرين له ﷺ من النعيم في الدنيا والآخرة، كما تظهر أهميته من فوائده العظيمة التي تحصِّن الإنسان وتحفظه وتقويه وتعينه على عبادة الله عبادة يرضاها الله .
أحوال الذاكرين:
ويتفاوت الأجر على الذي تفاوتًا عظيمًا وذلك حسب مراتب الذاكرين، فكلما كانت همَّتك في الذكر أعلى كان أجرك أعظم، قال الله : ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١].
стр. 30
قال ابن جرير ﵀: قوله : ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ قال: هو ذكر الله في الصلاة وفي غير الصلاة، وقراءة القرآن.
قال الله : ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]، أي: بالليل والنهار، في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال.
وثبت في الصحيح عن عائشة ﵂ أنها قالت: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَتكِئُ في حِجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ.
(صحيح مسلم:٣٠١)
وقالت: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحيَانِهِ.
(صحيح مسلم: ٣٧٣)
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: إني أقرأ القرآن في صلاتي، وأقرأ على فراشي.
وعن عائشة ﵂ قالت: إني لأقرأ حزبي وأنا مضطجعة على السرير.
ولا شك أن أفضل الذاكرين هو الذي اجتمع في حقه كل أنواع العبادة، فالذكر أثناء الصلاة أفضل من الذكر خارجها، والصائم الذي يصلي ويذكر الله أفضل هؤلاء، وهكذا.
стр. 31
كثرة الذكر:
الذكر هو باب الله الأعظم المفتوح بينه وبين عبده ما لم يغلقه العبد بغفلته.
قال الحسن البصري ﵀: تفقدوا الحلاوة في ثلاثهَ أشياء: في الصلاة، وفي الذكر، وقراءة القرآن، فإن وجدتم، وإلا فاعلموا أن الباب مغلق.
وحقاً ما عرف قدر جلال الله من فتر لحظة عن ذكره.
ولك في النبي ﷺ أسوة حسنة، قالت عائشة ﵂: كَانَ النبي ﷺ يَذْكُرُ الله عَلَى كُلِّ أَحيَانِهِ (صحيح مسلم: ٣٧٣).
ولم تستثن حالة من حالاته، وهذا يدل على أنه كان يذكر ربه تعالى في حال طهارته وجنابته، وأما في حال التخلي فلم يكن يشاهده أحد يحكي عنه، ولكن شرع لأمته من الأذكار قبل التخلي وبعده ما يدل على مزيد الاعتناء بالذكر، وأنه لا يخل به عند قضاء الحاجة وبعدها، وأما عند نفس قضاء الحاجة فلا ريب أنه لا يكره بالقلب؛ لأنه لا بد لقلبه من ذكر، ولا يمكنه صرف قلبه عن ذكر من هو أحب شيء إليه فلو كلف القلب نسيانه لكان تكليفه بالمحال.
стр. 32
فأما الذكر باللسان على هذه الحالة فليس مما شرع لنا ولا ندبنا إليه رسول الله ﷺ ولا نقل عن أحد من الصحابة ﵃، ويكفي في هذه الحال استشعار الحياء والمراقبة والنعمة عليه في هذه الحالة، وهي من أجل الذكر، فذكر كل حال بحسب مايليق بها.
أما القرآن، وهو أعظم أنواع الذكر، فما قام أحد به قيام رسول الله ﷺ ، وما تدبره أحد تدبر رسول الله ﷺ ، وما بكى أحد من تلاوته أو استماعه ما بكى سيد الخائفين ﷺ ، أما قال لابن مسعود ﵁: "اقْرَأْ عَلَيَّ، فَإنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيري" (صحيح البخاري: ٤٧٦٣)، وينظر ابن مسعود ﵁
إلى النَبي ﷺ فإذا وجهه الكريم قد بللته الدموع ..
وانظر وتأمل: ماذا يحب؟
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللهَ تَعَالَى مِنْ صَلاةِ الْغَدَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشمْسُ؛ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتِقَ أَرْبَعَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَعِيلَ، وَلأَنْ أَقعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذكُرُونَ الله
مِنْ صَلاةِ الْعَصرِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ؛ أَحَبُّ إِلَيَّ مَنْ أَنْ أَعْتِقَ أَرْبَعَةً" (حسن، سنن أبي داود: ٣٦٦٧).
وقيل لأبي الدرداء ﵁، وكان لا يفتر من الذكر: كم تسبح في كل يوم؟ قال: مائة ألف، إلا أن تخطئ الأصابع.
стр. 33
الذكر عبادة الكائنات:
لم يقتصر الذكر بكونه عبادة الإنسان والملائكة والجن فقط، بل هو وحده عبادة جميع الكائنات من أرض وسماء وشجر ومدر وجماد ونبات، قال الله : ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦] ,، وقال : ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤]
وقال رسول الله ﷺ : "مَا تَستَقِلُّ الشَّمْس فَيَبْقَى شَيء مِنْ خَلْقِ اللهِ إِلا سبَّح اللهَ بِحَمدِهِ إِلا مَا كَانَ مِنْ الشَيَاطِينِ وَأَغبِيَاءُ بني آدم" (رواه ابن السني، وحسنه الألباني في صحيح الجامع: ٥٥٩٩).
أولًا: الملائكة:
قال الله : ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩، ٢٠].
ثانيَا: الجن:
عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى أصحَابِهِ فَقَرَأَ
عَلَيْهِمْ سُورَةَ الرَّحمَنِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا فَسَكَتُوا فَقَالَ: "لَقَدْ قَرَأْتُهَا عَلَى الْجِنِّ لَيلَةَ الْجِن فَكَانُوا أَحْسَنَ مَرْدُودًا مِنْكُمْ، كنْتُ
стр. 34
كُلَّمَا أَتَيتُ عَلَى قَوْلِهِ ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قَالُوا: لا بِشَيءٍ مِنْ نِعَمِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ فَلَكَ الحَمْدُ".
(حسن، سنن الترمذي: ٣٢٩١).
ثالثًا: الجبال:
قال : ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]، وقال : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠]، وقال رسول الله ﷺ : "مَا مِنْ مُلَبِّ يُلَبِّي إِلا لَبَّى مَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ من حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ مَمَرٍ حَتَّى تَنْقَطِعَ الأرْض مِنْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا" (صحيح، سنن ابن ماجه: ٢٩٢١).
رابعًا: الرعد:
قال : ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣]
خامسًا: الطعام:
قَالَ عَبْدُ اللهِ بن مسعود ﵁: قَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبيح الطَّعَام وَهُوَ يُؤْكَلُ، وفي رواية: كُنَّا نَأْكُل مَعَ النبِي ﷺ الطَّعَامَ وَنَحنُ نَسْمَع تَسْبِيح الطَّعَام (صحيح البخاري: ٣٣٨٦).
وكَانَ أَبُو الدرداء وَسَلْمَان ﵄ إِذَا كَتَبَ أَحَدهمَا إِلَى الآخَر قَالَ لَهُ: بِآيَةِ الصَّحفَة، وَذَلِكَ أيهمَا بَيْنَا هُمَا يَأْكُلانِ في صَحفَة إِذْ سَبَّحَتْ وَمَا فِيهَا.
стр. 35
وعَنْ جَعْفَر بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ ﵄ قَالَ: مَرِضَ النَّبِي ﷺ
فَأَتَاهُ جِبْرِيل بِطَبَقِ فِيهِ عِنَب وَرُطَب فَأَكَلَ مِنْهُ فَسَبَّحَ.
وقد اِشْتَهَرَ تَسْبيح الْحَصَى، فَفِي حَدِيث أَبِي ذَرّ ﵁ قَالَ: تَنَاوَلَ رَسُول اللَّه ﷺ سَبْع حَصَيَات فَسَبَّحنَ في يَده حَتَّى سَمِعْت لَهُنَّ حَنِينًا، ثُمَّ وَضَعَهُنَّ في يَد أَبِي بَكْر فَسَبَّحنَ، ثُمَّ وَضَعَهُن في يَد عُمَر فَسَبَّحنَّ، ثُمَّ وَضَعَهُن في يَد عُثْمَان فَسَبحنَّ، وَفِي رِوَايَة: فَسَمِعَ تَسْبِيحهن مِنْ في الْحَلْقَة.
(رواه الطبراني، وصححه الألباني في ظلال الجنة: ١١٤٦)
سادسًا: السماوات والأرض:
قال : ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجمعة:١]، وقال : ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤].
سابعًا: الحيتان والنمل:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِن الله وَمَلاِئكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ في جُحرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيرَ" (صحيح، سنن الترمذي: ٢٦٨٥).
стр. 36
ثامنًا: الخيل:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّهُ لَيسَ مِنْ فَرَسٍ عَرَبِي إِلا يُؤْذَنُ لَهُ مَعَ كُلٌ فَجرٍ يَدعُو بدَعْوَتَينِ يَقُولُ: اللهُمَّ خَوَّلْتَنِي مَنْ خَوَّلْتَنِي مِنْ بَنِي آدَمَ فَاجعَلْني مِنْ أَحَبِّ أهلِهِ وَمَالِهِ إِلَيهِ أوْ أَحَبَّ أَهْلِهِ
وَمَالِهِ إِليهِ" (صحيح، سنن النسائي: ٣٥٧٩).
تاسعًا: الهدهد:
دعوته للتوحيد وذكره لله، قال : ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٥، ٢٦].
عاشرًا: عموم الطير:
قال : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور: ٤١]
حادي عشر: الجماد:
كما قال ابن كثير ﵀: يخبر تعالى أنه يسبح له من في السماوات والأرض: أي من الملائكة والأناسي والجان والحيوان، حتى الجماد كما قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤].
стр. 37
وقال : ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥]، أي نطق الكون أجمعه ناطقه وبهيمه لله رب العالمين
بالحمد في حكمه وعدله، ولهذا لم يسند القول إلى قائله بل أطلقه، فدل على أن جميع المخلوقات شهدت له بالحمد.
فانظر أيها الحبيب المحب، وتأمل: كيف أن كل المخلوقات بلا استثناء تأنس بالذكر، وتحيا به، ولا تفتر
عنه، وكيف أن ترك الذكر سبب المصائب والبلايا.
تأمل .. كيف أن الذكر أنس بالله، وقرب منه، ومعية معه، وكيف أن الغفلة تجلب الخذلان ومعية الشيطان، قال : ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦].
فاستعن بالله، ولازم ذكر الله، ويكفيك في هذا الترهيب الشديد الوعيد الأكيد في قوله : ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٩].
أسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأنْ يجعلنا من عباده الذاكرين، وأن يذكرنا عنده في خيرة عباده المصطفين من خلقه، آمين.
стр. 38
فوائد الذكر
حبيبي في الله .. أنت على دين عظيم ..
دين الإسلام دين عظيم .. دينك عظيم ..
أريد أن أكررها على مسامعك ليل نهار: لتعتقدها وتعمل بها ولها دومًا.
وحقًا أقول إنني كلما كتبت والله في فرع من فروع دين الإِسلام يمتلئ قلبي رهبة وتعظيمًا لهذا الدين العظيم، وسترى والله إن فهمت ما أقول ودرست بوعي وفهم ما أسطره لك أن هذه هي الحقيقة، وسيتملكك شعور رهيب قوي بعظمة هذا الدين، وستظل تحمد الله عليه ليل نهار، وتعي جيدًا فضل الله عليك باختياره هذا الدين لك، قال : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وتستشعر قول يعقوب ﵇: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢].
لذلك ونحن في معرض حديثنا عن ذكر الله ، نقول: إن العبادات التي أمر الله بها، والشرائع التي شرعها الله في دين الإِسلام كلها مصلحة وسعادة.
стр. 39
يقول ابن القيم ﵀: (إن نفس الإيمان بالله وعبادته ومحبته وإخلاص العمل له وإفراده بالتوكل عليه هو غذاء الإنسان، وقوته وصلاحه وقوامه، بل إن أوامر المحبوب كلها قرة العيون، وسرور القلوب ونعيم الأرواح، ولذات النفوس بها كمال النعيم.
فقرة عين المحب في الصلاة والحج، وفرح قلبه وسروره ونعيمه في ذلك وفي الصيام والذكر والتلاوة، وأما الصدقة فعجب من العجب، وأما الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله والصبر على أعداء الله ، فاللذة بذلك أمر آخر لا يناله الوصف ولا يدركه من ليس له نصيب منه، وكل من كان به أقوم، كان نصيبه من الالتذاذ به أعظم).
فما بالك بذكر الله وهو أعظمها وأفضلها وأكبرها، ففوائد الذكر وثمراته أكثر من أن تحصى أو تعد، وإن كان ابن القيم ﵀ قد جمع بعضها في كتابه الوابل الصيب من الكلم الطيب، إلا أن ما ذكره إشارة فقط إلى بعضها، وهناك غيرها من الأسرار ما لا يعلمها إلا الله اختص بها من شاء من عباده.
ولذلك فسأسوق إليك ما ذكره ابن القيم ﵀ وهو بضع وخمسون فائدة، وأزيد عليها ما تيسر مما فتح الله به، وبعد كل ما ذكره وذكرته أمامك فرصة لتبحث عن الأكثر، ويخصك الله بالمزيد: فافهم وتوكل وتيقن، واذكر ربك يذكرك وُيفِدْك.
стр. 40
من فوائد الذكر
(١) إن أهم، وأعظم، وأجل فائلة للذكر أن الله يذكرك بذكرك له، ولو لم تكن للذكر إلا هذه الفائدة لكفت، قال : ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢].
قال الحسن البصري ﵀: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ فيما افترضت عليكم .. ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ فيما أوجبت لكم على نفسي ..
وقال: إن الله يذكر من يذكره، ويزيد من يشكره.
وعن سعيد بن جبير ﵁: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ بطاعتي ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ بمغفرتي ورحمتي.
وعن ابن عباس ﵄ قال: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.
إخوتاه ..
ليس العجب من فقير يلجأ إلى غني، ليس العجب من ضعيف يلجأ إلى قوي، ليس العجب من قوله :
﴿فَاذْكُرُونِي﴾؛ إنما العجب من قوله: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾.
من نحن حتى يذكرنا الله إن ذكرناه؟!!
следующие страницы →