وقَالَ بَعْضُهُم: نِسبَةٌ إلى الصُّفَّة، وذلكَ أنّهُم كانوا مُجرّدينَ من الحُظوظِ الدّنيويَّةِ، شابَهوا في حالِهمْ حالَ أهل الصُّفَّةِ (١)، فَحَصلَت لهم هذه النّسبةُ.
واعتُرِضَ على هذا بأنّ النّسبة إلى الصُّفَّة، صَفِّيّ لا صوفيّ، ويُجابُ عنه بما أُجِيبَ به عن الأوَّل (٢).
وَقَالَ بَعْضُهم: نِسبةٌ إلى الصَّف، فَكأنهم بما تَعاطوه من الحِرْصِ على الفضلِ والأعْمالِ المُقرِّبة وَطَلب التَّقَدُمِ إلى رضوان اللَّه ويعترض بما أعتُرِض وَيجابُ بِمِثِل ما أُجِيِبَ بِهِ (٣).
стр. 37
وَقَال بعَضُهُم: نِسْبةٌ إلى لِبْسِ الصوّف (١)، وهذا صحَيحٌ من حَيْثُ اللَّغَة، وَاعْتَرَضَ القُشَّيريُّ عَلَيه، بأنَّ القَوْمَ لم يَخَتصُّوا بِلِبس الصّوفِ.
وَيُجابُ بأنّهُ الغالِب عَلَى مَنْ طلبَ خُشَونَةَ العَيْشِ والتَّقَلُّلِ مِنَ الدُّنْيا. والتَّقَشفِ فيها. من تركَ الناعمَ من الثيابِ، ويَقنَعُ بالخَشِن منها. ولبس الصوفِ والقطنِ غالبٌ في هذه الحالةِ. والصوفُ أغلبُ لعمومِ وجودهِ، وخشونتُه أكثر من خشونةِ القطنِ.
وفي الحديث الصحيح من حديث أَبي بردة، قالَ: أخرجتْ لنا عائشةُ كساءً غليظًا وإزارًا غليظًا، فقالت: قُبِضَ [رُوْحُ] رسولُ اللَّه في هذين (٢).
وأَخرجَ الترمذيّ من حديثِ عبدِ اللَّه بنِ مسعودٍ عن النبيّ قالَ: "كانَ على موسى يومَ كلَّمه ربَّه كساءُ صوفٍ وجبة صوفٍ، وكمةُ صوفٍ وسراويلُ صوفٍ (٣)
ولذلك أيضًا منْ يأخذُ نفسَه بالإِعراض عن الأمور الدنيوية من الأمم الماضية، يتَّصفون بلبسِ الصُّوفِ كالرهبانِ وأشباههم حتّى لا يكادوا ينفَكُّونَ عنه.
وقالَ بعضهم: هو نسبةٌ إلى المصافَاةِ.
قال الشاعرُ: صافَي فَصُوفِيَ حتى لُقِّبَ الصوفي (٤).
стр. 38
فهو مصافٍ لمولاه بالخدمة والامتثالِ والإِقبالِ على ما يُرضيهِ، والإِعراض عن ما سواه، ومصافٍ للخلقِ باطِّراحِ ما في أيديهم، وتركِ الالتفاتِ إلى ما هو محبوب عندهُم، فهوَ مصافٍ لهم، وهم مصافُونَ لَه، وهذا كما قيلَ في عصفورةِ الجنّة (١).
إنّها لمّا اجتَنبت بُرَّهم اجتَلَبَت بِرَّهم، أَو اجتنبَت حَبَّهم فاجتلبَت حُبَّهُم.
وكذلك لمّا صافُوا الخَلقَ بتركِ ما في أيديهِمْ وعدم مزاحمتِهِمْ في أغراضهم وأعراضهم صافُوهم بمحبَّتِهِم وإجلالهم وتعظيمهم وإكرامِهِمْ.
وقيلَ، نسبةً إلى صوفانة، وهي بقلةٌ تنبت بالصَّحراءِ، فنُسبُوا إليها لأنهم اجتزأُوا باليَسيرِ وبما يُلتفَتُ إليه، قانعينَ ببقلة مُجتزِئين بِها (٢).
وقيل: نسبةً إلى صوفَة، وهي قبيلةٌ كانت تجيرُ الحاجّ في الدّهرِ الأولِ، يُقالُ: أَجيري صوفَةَ (٣)، فكانُوا ساداتِ النّاس ومنقذِيهِمْ، والمقتدى
стр. 39
بِهم، فلمَّا حصلَتْ لهذهِ الطائفةِ هذه الرُّتْبَةُ، نُسبُوا إلى تلكَ القبيلةِ لمشاركتِهِمْ في التّقدُّمِ والاقتداءِ بفعلِهِمْ، ذكرَه أبُو نُعَيمٍ وغيرُه.
المقام الثاني:
في بيان من ينطلق عليه هذه النسبة .
وهي تطلقُ باعتبارَيْن:
أحدُهما، العرفُ، في لسانِ أهلِ الطريقةِ الأقدَمِينَ,
الثاني، في العرفِ الخَاصُ في زمانِنا وما يقرُبُ منْهُ فأمّا الأقدَمُون، فاختلَفتْ عباراتُهم في ذلك، والمعنى واحدٌ أو متقارِبٌ.
سُئلَ النُّوري عن الصُّوفي، فقالَ: من سمعَ السَّماعَ وآثَرَ تَرْكَ الأسبابِ.
وسُئل ابنُ الجلَّاءِ (١) عنهُ، فقالَ: لا نعرِفُهُ في شرطِ العِلْمِ، ولكنَّهُ فَقِيرٌ مجرَّدٌ من الأَسبابِ، وكانَ مع اللَّه بِلَا مَكان" (٢).
стр. 40
وقال شيخُ دهرِه وفريدُ عصره، أبو الحسن ابنُ الصَّبّاغِ القُوصيّ؛ الصُّوفي (١)؛ الذي يُقيِلُ العثْرةَ، ويستُرُ الزلَّةَ ويسُدُّ الخلَّة (٢).
وذكر أبو محمد، عبدُ اللَّطيف، بنُ أبي طاهر الترسي البغدادي المعروف بالمُطَجِّن (٣) في كتابه "الدليل في الطريق"؛ أنَّه سألَ جَماعةً منْ أهلِ العِلْم والتصوُّف عنِ الصُّوفي، فذَكَرَ كلٌّ منْهُم مقالًا.
قالَ الشيخُ أحمدُ الرِّفَاعي (٤) -وكانَ فَقِيهًا شافِعيَّ المذْهبِ-: مَنْ وفَّى جميعَ المَطْلُوباتِ وَصَفِيَ مِنْ جميعِ الكَدَراتِ.
وقالَ الشيخُ حسنُ الفارِسي (١): هوَ من يلاحِظُ أسرارَ القُرآنِ، ويُعادي الشيطانَ، ويكفُّ لسانَهُ عن الكَلامِ، ويرجعُ على نفْسِهِ بالمَلَاِم، ويتهجَّدُ باللَّيلِ، والناسُ نِيام.
وقالَ صاحبُ الكَراماتِ عبدُ الملكِ العطَّار: هوَ منْ طَلَبَ الحَلالَ، وصحِبَ الرِّجالَ، وكفَّ لسانَهُ عنِ المقالِ، فتخبِر عنهُ الحَالُ.
وقالَ أبو الفضلِ، ابنُ أبي سعيد: هوَ منْ يجودُ بالموجوداتِ ولا يَخطُر بِبَالِه شيءٌ مفقودٌ، ولا يكونُ في حق الإخوان بالحَقُودِ، وهوَلَهُم خدومٌ وَدودٌ، وإذا تركَ الدُّنيَا فإليْهَا لَا يَعود.
وقالَ الحافِظُ، أَبو الفرجِ عبدُ الرحمن بنُ الجوزيّ الفقيهِ (٢): هو مَن زهدَ في الإراداتِ، وتركَ الشَّهواتِ، واستدركَ من عُمرِه ما فاتَ، وأَحيا منهُ ما ماتَ، وصانَ خاطِرَهٌ من الشَّتاتِ، واتَّقى ربَّهُ إلى المَمَاتِ.
стр. 43
وقالَ الشريفُ أبو الفُتوحِ الصُّوفي (١): من لَازَم في سائر أوقاتِهِ التَّقَوى وصبرَ على البَلْوى، واستوى وقتُه معَ اللَّهِ في السّرِّ والنَّجوى.
وقالَ الشيخُ الموفَّقُ البغْدادي الحافِظُ: هو مَنْ يكونُ في حركاتِهِ السّهلُ السَّفُّوح، وعنْ زلّاتِ إخوانِهِ الصّفوحُ، وعلى دينه يبكي ويَنُوحُ.
وقالَ الشيخُ مهذَّبُ الدّين أبو المظفَّر الدُّوري (٢): هو مَنْ بالشَّرع تأدَّب، وبالطَّريقةِ تهذَّب، ونفسَهُ بالمُجاهَدَةِ عذَّبَ، واشتغلَ بِذكرِ الحَقّ عن الأُمّ والأَب.
فهذِه أَقوالُ أهل الطَّريقِ وأصحاب العلم والتَّحقيقِ، ومدارُها كلُّها على أن الصّوفيَّ هوَ مَنْ اتَّصفَ بالصِّفاتِ المحمُودةِ في الشَّرعِ، وتخلّقَ بالأَخلاق الممدوحةِ، وإنْ بَعُدَ مِنها الطَّبعُ، مُعرِضٌ عنِ الدُّنيا، مَقبِلٌ على الأُخرى، سالكٌ الطّريقَ التي هي أولى بالمَرِء وأحرى.
وأما: العرف الخاصُّ، فهو ما رسمتُهُ في كتاب "الإسعاف" وأكثرُ
стр. 44
ما يطلقُ على منْ يَلبَسُ لِبْسةً مخْصوصةً منْ دَلِقٍ (١) أو فُرْجِيَّة (٢) أو (جلنك) (٣)، ولَهُ عِمامَةً لَطيفَةٌ يُرخي مِنْهَا عَذْبَةً (٤) قصيرَةً منْ قُدّامِهِ، ويحضُرُ في الخَانقَاه بَعدَ العصْرِ ليحضُرَ القِراءَة والذِّكرَ، غيرُ متعاطٍ للحِرَفٍ الدَّنِيئَةِ منَ الحِياكَةِ والحِجَامةِ وشِبْهِهَا، غَيرُ موصوفٍ بالثَّروةِ.
المطلب الثالث:
من يستحقُّ من الوقفِ والوصيةِ للصُّوفية:
إذا صحَّحْنَا ذلك، فإنَّه من الفُقَهاءِ مَنْ قالَ: لا يَصِحُّ لِعَدَمِ ضَبْطِهِ ووقوفه عندَ حَدٍّ، ولا شَكَّ أنَّ هذا هوَ الظّاهِرُ، إذا جعلَنا التصوفَ راجعًا إلى الأخلاق وصِفَاتِ النَّفسِ المحمودَةِ، فإنّا لا مطلَعَ لَنا على البَوَاطِنِ والظواهِرِ التي تدلُّ على ذلكَ، قد تكونُ مطابِقَةً لمَا في الباطِنِ، وقد لَا تكونُ، كما قالَ: "إنَّ الرّجلَ ليعملُ بعملِ أهلِ الجنَّةِ فيما يبدُو للنَّاسِ، وهو منْ أهلِ النّارِ" (٥).
стр. 45
ولم يَرِدْ لَنَا من الشَّرعِ في ذلك حتّى نُنيطَ الحُكَم بالأسباب الظَّاهِرَةِ، وقد بينَّا أنَّ اسمَ الصّوفِيّةِ حادثٌ بعدَ النبيّ والصَّحابةِ والتَّابعينَ وأتباعِ التَّابعين، والأصل في الأحكام الشّرعيّةِ أن تُنَاط بأمرٍ منضَبِط، وإنَّما يخرجُ عنْ هذا حيثُ طلبَ الشرعُ منَّا فِعلًا ووجدناهُ لا يرتبِطُ بأمرٍ مضبوطٍ، فننيطُ الحكمَ بأمرٍ يدلُّ على ذلك دلالةً طيِّبةً لأجلِ طلبِ الشّارعِ، ولم يَرِدْ في الشرعِ الوقفُ على الصُّوفيةِ ولا الوصيَّةُ لهُم. ولعلَّه حدثَ بعد انقراضِ الأعصارِ المبارَكةِ، وذهابِ أئمَّةِ الاجتهادِ، فلَا وقفتُ عليهِ لأحدٍ قبلَ الأربعِ مئة.
ثم إنَّ ما نربِطُه بهِ منَ الظَّاهرِ لا يرفَعُ التَّنازُع والاختلافَ لاضطرابِهِ، فبعضُهُم يقولُ: هذا القدرُ كافٍ، وبعضُهْم يقولُ: لا يكفي، بل لا بدَّ من اعتبار أمورٍ، وذلكَ مبطلٌ، كما إذا اضطربَ العُرفُ في مسائلِ الإِجارة والمساقاةِ، فإنَّه يجبُ البيانُ وإلّا بَطُلَ.
ومنْ ذلكَ مسألةُ الحبرِ، هلْ هُوَ على النَّاسخِ أم لَا؟ وشَبَهُه.
ومن صحَّ في غالبِ الأوقاتِ، هل المرادُ اللَّيلُ أو النهارُ، أو الليلُ والنهارُ، والجزمُ بواحدٍ منها يحتاجُ إلى تحريرٍ، وهذا سببٌ يقتضي البُطلَانَ، فإنَّ القولَ بالبطلانِ متَّجهٌ (١)، وَهُو اختيارُ الشيخِ أبي محمّد الجُوَيني (٢) وبعضِ الحنفيَّةِ.
وبعض الحنفيَّةِ أيضًا يقولُ: إنَّ الأوصافَ التي ينطبِقُ علَيْها اسمُ
стр. 46
الصوفي في عُرفهِم، لَا يصحُّ الوقفُ على المتَّصِف بها، ومثلُ هذا محكيٌّ عَنِ الشَّافعي، ﵀، رأيتُ في جزءٍ من كلام المُزَنيّ (١) أنَّ الشافعيَّ سُئِلَ عنِ الصُّوفي، فقالَ: رجُلٌ أكولٌ جَهولٌ، كَثيرُ الفُضُولِ، وفي بعض طُرُقِهِ نؤوم.
وقدْ ساقَ مثلَهُ الحافظُ، أبو عبدِ اللَّه بنُ النَّجّارِ (٢) عن الشَّافعيّ: ". . . والوقفُ على المتَّصفِ بهذه الصِّفات والوصيَّةُ لَهُ لا تَصحّ".
وأمَّا منْ قال يصحّ، فاختَلَفتْ آراؤُهم في المُستحِقّ.
فقالَ القاضي الحسينُ الشافعي في "تعليقته" (٣)، إذا وُقفَ على الصُّوفيَّة صحَّ، ويصرف إلى المشتغل بالعبادَةِ في غالبِ الأوقَاتِ، فأمَّا منْ يشتغلُ بالأكلِ والسَّماعِ والرَّقصِ فَلَا. وتبعَهُ على ذلك أبو سعيدٍ المتَولّي (٤)
стр. 47
وزاد، فقالَ: يُصرفُ إلى كلّ منْ كانَ مشتغِلًا بالعباداتِ في غَالبِ أحوالهِ، ويكونُ معرِضًا عنْ أُمورِ الدُّنيا، وتبعَهُ الرَّافعي (١).
وقَالَ قاضي القضاةِ، أبو محمَّدٍ الحارثي الحنبليّ الحافظ (٢)، في "شرح المقنع": "يصحُّ الوقفُ على الصُّوفيَّة، وهمْ المنقَطِعونَ للعبادةِ وتصفِيَةِ النَّفسِ من الأخلاقِ المذمُومةِ، ولم يعتبرْ هؤلاءِ الفقرَ والزي ولبسَ الخرقةِ منْ يدِ شيخٍ، ولا مخالطةَ الصوفيَّةِ في مساكنهِم في الخانقَاه، بل اقتصروا على ذكرِ ما ذَكرتُ، بل صرَّحَ الحارِثي فيهم، أنّ الغِنى والزيّ ولبس الخرقةِ من يدِ الشيخِ لا تُعْتَبر".
وقالَ بعضُ الحنفيَّةِ: "يصحُّ الوقفُ، ويُصرفُ إلى مَنْ لا يملِكُ نصابَ الزَّكاةِ".
стр. 48
وقالَ الغزالي في الإحياء (١): "التصوُّف أمر باطنٌ، لا يُطَّلَعُ عليهِ، فلا يمكنُ ربطُ الحُكْمِ بهِ، بل بأُمورٍ ظاهرةٍ يعولُ عليْها أهلُ العرفِ في إطلاقِ اسمِ الصُّوفيّ. قالَ: "والضابطُ الكلِّي أن كل من هو بصفة إذا نزلَ الخانقاه التي للصُّوفيَّةِ.
لَم يكنْ نزولُهُ فيها واختلاطُه بِهمْ منكرًا عندَهم، فهوَ داخلٌ في غِمارِهم" (٢)، وهذا الذي ذكرَهُ الغزالي لا يُناسِبُ تحقيقَهُ، لأنَّ كتاب الإحياءِ ليس موضوعًا للتحقيق على طريقَةِ الفقهِ، وأكثرُهُ أو كثيرٌ منهُ مبنيٌّ على كلام صوفي، وتصنيفُه في الفقه بعدَ ذلك، وقد أَحالَ في كتبِهِ الفقهية على أشياءَ ذكرَها في الإحياء، فقوله، أنه يُعدّ منكرًا عندَهُم، والكلامُ في أنّ الصوفيّ منْ هُوَ حتّى إذا عرفْنَاه اعتبرنَا إنكاره، وهوَ لم يبيّنْهُ قبلُ، وأحالَ عليهِ، فهوَ عجيبٌ منهُ".
قالَ: "وأمّا من حيثُ التفصيلُ فيُلاحظُ فيه خمسُ صفاتٍ: الصلاحُ والفقرُ وزيُّ الصوفيَّةِ، وأنْ لَا يكونَ مشتغِلًا بحرقَةٍ، وأنْ يكونَ مخالِطًا لهم بطريقِ المساكنَةِ في الخانقاه" (٣).
قال: "ثم بعضُ هذهِ الصفاتِ مِنْها (٤) يوجِبُ زوالُها زوالَ الاسمِ، ومنها ما ينجبرُ بعضُه بالبعضِ، فالفسقُ يمنعُ الاستحقاقَ، فإنَّ الصوفي في
стр. 49
الجملةِ عبارةٌ عنْ رجلٍ منْ أهلِ الصّلَاحِ بصفةٍ مخصوصةٍ، فالذي يظهرُ فسقُه، وإنْ كانَ على زيِّهِمْ لا يستحقُّ ما وُصِّي بهِ للصُّوفيةِ، ولسنَا نعتبرُ فيهِ الصَّغائرَ.
وأمّا الحرفةُ والاشتغالُ بالكتبِ فيمنعُ الاستحقاق، فالدهقانُ والعاملُ والتاجرُ والصايغُ (١) في حانوتهِ أو دارِهِ، والأجيرُ الذي يخدمُ بأجرهِ، كلُّ هؤلاءِ لا يستحقُّونَ من الموقوفِ على الصوفيَّةِ وَلا ينجَبِرُون بالزيّ والمخالَطَةِ.
وأمَّا الوراقهُ والخياطةُ وما يقربُ منهُمَا ممَّا يَلِيقُ بالصُّوفيَّةِ تعاطيهَا، فإذا تعاطَاها لا في حانوتٍ ولا على جهةِ اكتسابٍ وحرفةٍ، فذلكَ لا يمنعُ الاستحقاقَ وينجبرُ بالمساكنَةِ معَ الاتِّصافِ ببقيةِ الصفاتِ، والقدرةِ علَيها منْ غير مباشَرَةٍ لا تَمنَع.
وأمَّا الوعظُ والتدريسُ، فَلا يُنافي اسمَ التصوُّفِ إذا وُجِدَت بقيَّةُ الأوصافِ منَ الزِّيّ والمساكَنَةِ والفَقرِ، إذ لَا يتناقَضُ صوفيٌّ مُقْرِئٌ، واعظٌ، عالمٌ، مدرِّسٌ (٢)، كلُّ هذا لا يتناقَضُ، ويتناقَضُ أن يُقَالَ دهقانٌ أو تاجِرٌ أو عامِلٌ.
وأما الفَقْرُ، فإنْ زالَ بِغِنًى مفرطٍ يُنسبُ الرجلُ بهِ إلى الثَّروةِ الظَّاهِرَةِ، فَيُمْنَعُ الاستحقاق وإنْ كانَ لَهُ مالٌ، ولكنْ لا يفي دخلُهُ بخرجِهِ، أو لَهُ مالٌ قاصِرٌ عن وجوبِ الزَّكاةِ. وإنْ لم يَكُنْ لَه خرجٌ لمْ يُمْنَع الاستِحقَاق.
قالَ: وهذهِ أُمورٌ لَا دليلَ علَيْهَا إلَّا العَادَاتُ (٣).
стр. 50
وأمَّا المُخالَطَةُ والمُساكَنَةُ فَلَهُ أثرٌ، ولكنْ منَ لَا يُخالِطهم وهوَ في دارِهِ أو في مسجدٍ وَهَو على زيِّهم ومتخلِّقٌ بأخلاقِهِمْ فهوَ شَريكٌ لهُمْ فِي الاستحقاقِ، وكانَ تركُ المخالطةِ يجبرُهُ (مُلازَمَةَ) (١) الزيّ، فإنْ لمْ يَكُنْ على زَيِّهم، ووُجِدَتْ بقيةُ الصِّفْات فَلَا يستحِقُّ إِلَّا أن يكون يُساكِنُهُم في الرُّبط فينسحبُ عليهِ حكمُهُم بالتَّبَعِيَّةِ.
قال: وأما لبس المرقَّعِ منْ يدِ شيخٍ منْ مَشَايِخِهمْ فليسَ شرطًا في الاستحقاقِ وعدمهِ لَا يضرُّ مع وجود بقيَّةِ الشرائط المذكُورة.
والسهروردي (٢) أيضًا قال: الغزالي جعل لبس الخرقَةِ من شيخٍ وعدمِهِ سيَّان ثمَّ قالَ الغزالي: وأما المتأَهِّلُ المتَردّدُ بين الرباطِ والمسكنِ فَلا يخرجُ عن جُملَتِهم (٣).
قال: وللفقيه أن ينزلَ عندَهُم إذا كان على زيِّهم وأخلاقهِمْ، وليسَ الجهلُ شرطًا في التَّصوُّفِ عندَ مَنْ يعرِفُ التَّصوُّفَ.
قال: ولا يُلتَفَتُ إلى خُرافاتِ بعضِ الحمْقى، إنَّ العلمَ حجابٌ، فالجَهلُ هوَ الحِجابُ" (٤).
-هذا تمامُ كلامِ الغَزَالِيّ-.
стр. 51
وهوَ في كثيرٍ منهُ لمْ يَجْرِ على القواعد الفِقهيَّة، وإنَّما مشى فيهِ على الرسوم المُحدَثةِ للصوفيَّةِ، وقد اعترفَ أنَّه لا دليلَ عليه إِلَّا العاداتُ، فإن ادعى أنَّ ذلك عادةٌ مطَّرِدَةٌ في الأَزمِنَةِ والأَمكِنَةِ فلَا دَليلَ عليْهَا، وما قالَهُ غيرُ مسلَّمٍ به، وإنِ ادَّعى عادةَ خاصَّةَ بزمانٍ أو مكانٍ فهوَ عرفٌ خاصٌّ، والعرفُ الخاصُّ لَا اعتبارَ بهِ عندَ أهلِ الفَتْوى.
أَلا تَرى أنَّ المساقاةَ عندَ أصحابنَا محمولةُ على العُرفِ، وجعلُوا البقرَ على المالكِ اعتبارًا بالعُرْفِ العامِ في استِقْرَائِهِم.
ثم إنَّ عُرفَ بلادِنا قاطبةً أنَّها على العاملِ، ولم يَلتفِتْ إلى هذا الخاص، بل نَصُّوا على أَنَّها إذَا شُرِطَت على العاملِ بَطُلَ العقد، وأشباهُ ذلكَ كثيرٌ في أبوابٍ متَفرِّقَة.
ثم إنَّ العرفَ إذا وُجِدَ إنَّما يُعتَبَرُ حيثُ كانَ موافِقًا لِمَا دلَّت الأدِلَّةُ على اعتبارهِ، وينتفي المعارِضُ عنهُ من شرعٍ أو لغةٍ، ويكون عامًّا عندَ تلكَ الطَّائفةِ، وما ذكرهُ حادثٌ بعد الأربعِ مئة، وبعدَ مُضِيّ أهلِ الحقائقِ منْ هذِه الطَّائفةِ الصُّوفيَّةِ، وأرباب الرُّسوم المرعيَّةِ، ولا اعتبارَ بمن حَدَث فَأَحدث حدثًا، ونحن نَتكلَّمُ على تفاصيلِ ما ذكرهُ وفصَّلهُ وقرَّرهُ وأصَّلَهُ، فقولُه: إنَّه يعتبرُ الزيَّ، لا أصل لهُ من الشَّرع ولم يقل ذلك، ولا نقلَ عن الأقدَمِين المعتَبَرِينَ، بل الاقتصارُ عليهِ مخالفٌ، لما كانَ عليه وأصحابُه، فقدْ لبِسَ جبَّةً ضيِّقَةَ الكُمَّيْنِ، ولبسَ حُلَّةً، وكانَ يتعمَّم بعِمَامةٍ ويُرخي طَرفَهَا بينَ كَتِفَيْه، وتَحنّكَ أيضًا بالعِمامةِ، ولبِسَ عِمَامةٌ سوداءَ، وتردَّى بِرِداء.
وكذلك الصَّحابة لبِسُوا أنواعًا مُختلِفَةً وتَطَيْلَسَ منهُم جماعةٌ، منهُم،
стр. 52
جابرُ بنُ عبدِ اللَّه (١) وجُبيرُ بنُ مُطعمِ (٢).
وذكرَ الحافظُ أبو عُمرَ النمري (٣) أنَّ بعض الصَّحابة كانَ يَتَطَيْلَسُ بِطَيْلَسَانٍ (٤) أخضرَ، ووردَ التَّقنُّعُ أيضًا، وهو جعلُ الرِّداءِ على الرَّأْسِ.
وأخرج التّرمذيُّ في "جامعِهِ" عن جُبير بن مُطْعِم، أنَّه قَالَ: "ركبتُ الحمارَ، ولبِستُ الشَّملَةَ (٥) وحلبْتُ الشاةَ". بلْ قَالَ: قالَ رسولُ اللَّه من فعلَ هذا، فليسَ فيه منَ الكِبْرِ شيءٌ" (٦). وقالَ: حديثٌ حسنٌ.
وقال السُّهرَوَرديُّ: ومن النَّاسِ منْ لا يَقْصِدُ لُبْسَ ثوبٍ بعَيْنهِ لا لِخُشونةٍ
стр. 53
وَلا لنعُومةٍ، بل يلبَسُ ما يدخلُ عليهِ الحقُّ ويكونُ بحُكمِ الوقتِ، وَهذا حَسَنٌ (١).
قال: وكانَ شيخُنَا أبو النّجيبِ يلبَسُ ما اتَّفقَ، ولَا يتقيَّدُ بهيئةٍ من الملبُوسِ وكانَ يلبَسُ العمامة بعشرة دنانيرٍ، ويلبس العِمامةَ بقليلٍ.
قال: وكانَ الشيخُ عبدُ القادرِ (٢) يلبَس هيئةَ مَخْصوصةً ويَتَطَيْلَسُ.
قال: وكان الشيخُ أبو السعودِ (٣) يُساقُ إليه ثوبٌ ناعمٌ فَيلبَسهُ، فيُقالُ: ربَّما يُنكَرُ علَيكَ، فيقولُ: لا نَلْقى إِلَّا أحد رَجلَيْنِ، رجلٍ يطالِبُنا بظاهِرِ الشَّرعِ، فَنَقولُ لَهُ: هل تَرى الشَّرعَ يكرهُ هذا، ورجلٍ يُطالِبُنا بحقائقِ القَومِ، فنَقولُ لهُ: هلْ ترى لَنا فيمَا لَبِسْنَا اخْتيارًا (٤) فالاقتصارُ على زيٍّ واحدٍ لا يفعلُ غَيرُهُ فعلَ مَردودٍ على فاعِلِهِ محكومٍ ببُطلانِ أواخرِهِ وأوائِلِهِ، وليسَ فيهِ قُربَةً حتّى يُعتَبَرَ في الوقفِ على الجهةِ العامةِ.
وإمّا اشتراطُهُ الخِلطَةَ والمُساكنةَ، فأَيُّ شيءٍ دلَّ علَيْهِ؟ فإِنَّ
стр. 54
اسمَ التصوُّفِ والصُّوفيّ صادقُ بدونِ ذلكَ، وَلَا يَقُل (١) إنَّ الأَقدَمِينَ اتَّصَفُوا بِها.
أمَّا المُساكنَةُ فلم تكُنْ ثَمَّ خانْقات (٢) ولا رُبُطٌ للصُّوفيَّة، وإنَّما حدثَ ذلكَ بعدَ الأربعِ مئة وأمَّا المخالَطَةُ، فالسَّلَفُ اختلَفُوا في أنَّ العُزلةَ أفضَلُ أم لَا؟ .
قال أبو سعيد الخُدْريّ: سُئِلَ رسولُ اللَّه، أيُّ النَّاس أفضلُ؟ قالَ: "رجلٌ مجاهدٌ في سبيل اللَّه". قالُوا: ثُمَّ. قالَ: "ثُمَّ رجلٌ مؤمنٌ في شُعَبٍ مِنَ الشِّعاب يَشْقَى بِهِ، ويدَعُ النَّاسَ من شرِّه" (حديث صحيح) (٣).
ومنْ رجَّحَ مخالطَةَ النَّاسِ، لم يَقصُرْهُ على طائفةٍ مخصوصَةٍ، بلْ لا شكَّ أنَّ العُزلَةَ أرجحُ من مخالَطَةِ مَنْ أحدَثَ رُسُومًا، وجعلَهَا شَرعًا، وأيُّ شاهدٍ اعتبارُ منْ يلبسُ جُمجُمًا (٤) في رجلَيْهِ ويُصَيِّرُ عذَبتَهُ بين يديه أو لَهُ طَرطُورٌ طَويلٌ كأنَّهُ زَلُّومَةُ فيلٍ.
وقد ثبت في "صحيحِ مسلمٍ" أنَّ رسُولَ اللَّهِ، قال: "إنَّ اللَّهَ لَا ينظُرُ إلى صورِكُم وأموالِكُمْ ولكِنْ ينظُرُ إلى قُلوبِكُم وأعمالِكُم" (٥). فَشَيءٌ لا ينظرُ اللَّه إليه لا يكونُ شرطًا لاستحقاقِ ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إليهِ.
стр. 55
ثم إنَّ الزيَّ مختلِفٌ، قومٌ منهمْ لَهُمْ زيٌّ، وآخرون زيٌّ. وهكذا دائمًا في أماكِنَ مُختلِفَةٍ، فأَيُّها المُعتَبرُ. وإذا اعتبرنا كلَّ إقليمٍ بِزِيِّهِ، فإذا وردَ أهلُ ذاكَ الإِقليمِ إلى إقليمٍ آخرَ، هل يُلْزَمُون باتِّباعِ إقليمِهِمْ أو بالإقليمِ الذي انتَقَلُوا إليهِ؟ ويتسلسلُ، وكلُّ ذلكَ دليلٌ عليهِ. وأمَّا اشتِراطُ الفقرِ، فاللَّفظُ لا دلالَةَ لَهُ عَلَيْهِ، ولكِنَّ العُرْفَ مُشعِرٌ بهِ، فيخرُجُ على ما إذا وَصّى للأيْتَامِ.
وقد قالَ الماوردي (١): "والرِّواياتُ فيهِ أنّه إنْ وصَى لأيتامِ قَبيلةٍ معيَّنةٍ ولا يَشْترِطُ الفقرَ في أيتامِ تلكَ القبيلةِ، وإلّا فوجهانِ، يُنْظَرُ في أحَدِهِما إلى اللَّفظِ، والآخرُ إلى العُرْفِ. فإنَّ العادةَ جاريةٌ في أنَّ الإِنسانَ لا يُوصي للأيتامِ الَّذينَ لهمْ ثَروةٌ. وكذلكَ إذَا وَصَّى لأرامل قبيلةٍ، فَفِيهِ ما ذكرنَاهُ. وكذلكَ الوصيَّةُ للزَّمْنَى، وقطعَ بَعضُهُم بأنَّه لا يشترِطُ الفَقْرَ، ومنهمْ منْ أجرى الخِلَافَ.
وإنْ جعلْنا الصوفيةَ منسوبِينَ إلى أهلِ الصُّفَةِ لمُشابَهَتِهم لَهُمْ في الأفعالِ والأحوالِ.
واشتراطُ الفقْرِ ظاهرًا، مُرادُهُ، كانَ حالَ أهلِ الصُّفةِ الفَقْرُ، وكَذا إذَا جَعلْنَاهُم منسوبينَ إلى لُبسِ الصُّوفِ، فإنَّ لُبسَ الصُّوفِ في الغالبِ كانَ لأهلِ الفاقَةِ والمُتَقلِّلِينَ من الدُّنيا، الراغِبينَ عَنْها.
стр. 56
وأَمَّا الفُقَهاءُ والمُحدِّثونَ والمقرِئُونَ وغيرُهم ممَّا هوَ في مَعناهُمْ، فلا يشترطُ الفقر فيهِم، إذ لَا نعرفُ فيهِ خِلافًا، بل يُعطى مَنْ شملَهُ الاسمُ، فالصُّوفيُّ حقيقةً، أنَّه مُتَخلِّقٌ بأَخلاقٍ نفسانِيّةٍ. والغَزاليُّ وافقَ على ذلكَ، ولتلكَ الأخلاقِ أشياءٌ في الظَّاهرِ تدلُّ عليْها، والفقرُ لَا يدلُّ عليهَا ولَا داخِلًا في حقيقَتِها العُرْفِيّةِ.
وهذهِ الطائِفةُ قد استندتْ في طريقِها إلى عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁، وقَدْ ذكر الحافِظُ أبو محمّدِ بنِ حزمٍ (١)، أَنَّهُ كان غنيًّا، وأنَّه ما ماتَ إلّا عن ثروةٍ. وآخرُ شيوخِ الطَّائفةِ، الإِمامُ أَبو حفْصٍ، عمرُ السُّهروَردي (٢). وقد ذكرَ النَّاسُ، أَنَّهُ كانَ منْ أهلِ الثَّروةِ، وأنفقَ أموالًا في وجوهِ البِرّ، وتولَّى مواضِعَ، وأرسلَ رسولًا عنِ الخِلَافةِ وغيرَ ذلكَ، ولكنَّ العُرْفَ مُخَصَّصٌ، وَظاهِرُ الوقفِ عليهِم، فَضْلَةُ الفقرِ.
وأَمَّا الحِرَفُ والاكتِسابُ، فالحِرَفُ مختلِفَةٌ، مِنْها ما هُوَ ممدوحٌ، كالتَّدريسِ وأشباهِهِ، فلا يُخْتَلَفُ في أنَّ هذا لا يمنعُ الاتِّصافُ بهِ الاستِحقَاقَ، ومنهَا ما يُنسَبُ مُتَعاطِيهِ في العُرْفِ إلى دناءَةٍ كالحجَّامِ والقَمَّامِ، وهذا قد يُقالُ في الصُّوفيّ: إنَّ اختيارَهُ حِرفةً دنيئةً يُنافي التصوُّفَ، وقد اعتبرَ
стр. 57
الفقهاءُ ذلكَ في الشهادةِ؛ فقد رجَّح جماعةٌ منهُم قبولَ شَهادَةِ منْ يتعاطَى حرفةً دنيئةً، وفيهِ وُجوهٌ وتفاصيلُ، مذكورةٌ في كتب الفقهِ.
ومنهَا ما هوَ مُتوسِّطٌ بينهُما كالوِرَاقةِ والخِيَاطَةِ وشَبَهِهِمَا، ولكنَّ القيامَ بِها من فروضِ الكِفايةِ، وليسَ تَعاطِيها دَناءَةً، فالمُتَّصِفُ بِها لا يَخلو مِنْ أمرَيْن:
إمَّا أَن يكونَ مستغنيًا عنْها بأَنْ يكونَ لَهُ غِنًى أو معلومٌ في الخانقاه، أو في وظائفِ، العلمِ تُغنِيهِ عنْ تعاطيها أو يكونَ محتاجًا إليها للقيامِ بنفسه إنْ كانَ منفرِدًا أو بِعيالِهِ، فإنْ كانَ مستغنيًا فتعاطِيها في الحَانُوتِ أو الكسبِ بها يُؤَثِّر في منعِ الاستِحقاقِ لأنَّ فيهِ طلبًا لِزيادَةِ مالٍ، والتصوُّفُ مبناهُ على التَّقلُّل منَ الدُّنيا، وقد قالَ: "اللَّهُمَّ اجعلْ رزقَ آلِ محمدٍ قوتًا" (١)، وقال: "يدخُلُ الفقراءُ قبلَ الأغنياءِ الجنةَ بخمسِ مئة عامٍ" (٢).
وإنْ كانَ محتاجًا إليهَا، فالشَّرعُ طلبَ منهُ الاكتسابَ، وقالَ: "لأنْ يأخُذَ أحدُكُمْ حبلةً عَلى عَاتِقِهِ فَيحتَطِبَ خيرٌ لهُ" (٣) -الحديث-.
وَقالَ: "كفى المرءَ إثمًا أن يُضيِّعَ من يَقُوتُ" (٤). وفي لفظٍ: "من
стр. 58
يعول" (١).
وقالَ: "خيرُ ما أكلَ المرءُ من كسبِ يدهِ" (٢).
فهذا عامٌّ في الكسبِ فَلَا يتَّجِهُ منعُهُ منَ الاستِحقَاقِ بذلكَ، وَكذَا قوله في الأجير إنَّه يُمنَعُ الاسِتحقَاقَ، كلامٌ ساقِطٌ إذَا كان محتاجًا إلى ذلك. كيفَ وَقَدْ أَجَّرَ موسى نَفسَهُ، والنبيُّ قال، إنَّهُ كانَ يرعى لأهلِ مكة على قراريطَ قبلَ النُّبُوَّةِ، وعليٌّ أجّر نفسَهُ.
وذكرَ القُشَيريُّ عن كَبيرِ الطَّائفةِ، إبراهيمَ بنِ أدهمَ (٣)، أنَّهُ كانَ يأكلُ من عملِ يدهِ من الحصَادِ وحفظِ البَساتين (٤).
стр. 59
وقالَ السُّهروردي عن هذه الطَّائِفَةِ: إنَّ منهمْ منْ كانَ يكتسِبُ، ومنهمْ منْ كانَ يسألُ، وجعلَ ذلكَ بحسبِ الحالِ، واستقصاءُ ذلكَ يطولُ.
فهذا الكلامُ على تفصيلِ ما فصَّلَ، وقدْ بينَّا بُطلانَهُ منْ جهةِ الاستدلالِ من حيثُ النَّقلُ فهوَ مخالِفٌ لِمَا في كُتبِ الأحكامِ لطَوائفِ فُقَهَاء الحُكَّامِ، الذينَ نَصُّوا على المسألةِ والسَّلام.
وقدْ استَدَلَّ بعضُهم على أَنَّ الغنيَّ لا يمنع، فحديثُ الأغنياء حَيْثُ جاءَ الفُقَراءُ إلى رسولِ اللَّهِ فقالَ: "ذَهَب أهلُ الدُّثورِ بالأُجورَ والدَّرجَاتِ العُلى والنَّعيمِ المقيمِ" (١). -الحديث- فقالَ المُستَدِلّ: الغني يحصُلُ الثَّوابُ والفَضْلُ ونحوُه ممَّا ذُكِرَ، واستدلالُهُ غيرُ متَّجِهٍ كأَنَّه ليسَ الكلامَ في أَنّ الغني يحصُلُ بهِ الخيرُ أم لَا؟ ولا أَنَّهُ نَقْصَ في الشخصِ ولَا أَنَّ غيرَهُ أفضلُ منهُ. وإنّما الكلامُ، أَن هذا الاسمَ الذي هو التصوفُ يُنافِيهِ الغِنى أم لَا؟ . فإن الوقفَ على الصُّوفيّ يُشعِرُ بالفَقْرِ من حيثُ العُرفُ.
فإنَّه يقصِدُ بالوقوف على الصُّوفِيَّةِ إعانتَهُمْ على التَخلِّي لِلعبادةِ، فيكفيهم المُؤُونةَ المحوجةَ إلى الكسب، وتعاطي الأسبابِ، ولا يمنعُ أن يكونَ غَيرُهم أعلمَ وأفضلَ وأكثرَ ثوابًا وأجزلَ، فَلَو وقفَ شخصٌ على الفُقَهاءِ صُرِفَ إلى مسلمِ بنِ خالدٍ الزّنجي (٢) والحجاجِ بنِ أرطاةَ (٣)، ولا يُصرفُ
стр. 60
لبعضِ مَن أُدرِجَ في الصَّحابةِ ممَّنْ لَا فِقْهَ لهُ، وإنْ كانَ أكثرَ فضلًا وفخرًا وأكبرَ ذِكرًا وقدرًا.
وكذلك لَو وَصَّى للشافعيَّة، صُرِفَ إلى ابنِ الأنصاري (١) وَلا يُصرفُ للطَّحاوِي (٢) وأَبي يَعلى الفرّاء (٣) وأمثالِ ذلك.
ثُمَ إنَّ المال مَطيَّة الطغيان والافْتِتَانِ، وسببُ يُتَوَصَّلُ بهِ إلى العصيان.
قال اللَّهُ تعالى ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (٤).
وقالَ تَعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (٥).
стр. 61
وفي "الصحيحين": أنه لَمَّا قَدِمَ أبو عبيدةَ بمالِ البحرينِ، فسمعتْ الأنصارُ، فَوَافُوا صلاةَ الفجرِ - الحديث. وفيه: أنَّ النبيّ، قالَ: "ما أخشَى عليكُم الفقرَ، ولكنْ أخشى عليكُم أنْ تُبْسَطَ الدُّنيَا عليكُم كمَا بُسِطَتْ على مَنْ كانَ قبلَكُم، فتنافَسُوها كما تَنافَسوها فَتُهلكُكُمْ كَما أهلَكَتهُم (١) ".
وفي رواية: "فتلهيكُم كما أَلهتهُم" (٢).
وفي حديث كعبة بن عياض: (سمِعتُ رَسُولَ اللَّه، يقولُ: "إِنَّ لِكلِّ أُمَّةٍ فتنَةً، وفتنةُ أُمّتي المالُ" (أخرجه الترمذي)، وقالَ: حسن صحيح (٣).
وفي "صحيح البُخاري": أنَّ النبيَّ، لمَّا رأَى على بابِ فاطِمةَ سترًا موشِيًّا، ورَجَعَ -الحديث- وفيهِ قالَ: "مَالي ولِلدُّنيا" (٤).
وفي حَديثِ أبي أُمامة: أنَّ النبيَّ، قالَ: "يا بنَ آدمَ، إِنَّكَ إنْ تَبذُلِ الفضلَ
стр. 62
خيرٌ لكَ، وإنْ تُمسِكهُ شَرٌّ لكَ، وَلَا تُلامُ علَى كفافٍ، وابدأْ بمَنْ تعولُ (١). (أخرجه الترمذي، وقال: حسن صحيح).
وأَخرجَ أبو نُعَيم الحافظ بسندِهِ: أنهُ قيلَ (لأَبي بكرٍ الصِّدِّيق: يا خَليفَةَ رسولِ اللَّه، أَلَا تَستعمِل أهلَ بدرٍ؟ قَالَ: "إني أرى مكانَهُم، ولكني أكرهُ أن أُدنَّسهُم بالدُّنيا" (٢).
وَلَا شَكَ أنَّ التَّقلُّلَ منَ الدُّنيا شعارُ الصَّالحينَ وَمُنتمى الزُّهادِ والعَارِفينَ.
فالوقفُ والوصيةُ للصوفيّ مشعرٌ بالفقرِ لَا محالةٌ، ولكنْ هُنا فَرعٌ، وهوَ أنَّا إذا شرطنَا الفقرَ، فهلْ يَقبلُ الذي يدَّعي التَّصوُّفَ، أنَّه صوفيّ؟.
لا شكَّ أنَّ الوقفَ والوصيَّةَ على الفقهاءِ لا يقبلُ فيهِ منْ يدَّعي الفقهَ، وكذا الحديث وأشباه ذلك وإذا وقفَ على الأغنياءِ فلا بدَّ من إثباتِ ذلك. وإذا أُوقِفَ على الفقراءِ قُبِلَ قولَ مدَّعي الفَقرِ.
والصُّوفيُّ مُتَردِّدٌ بينَ ذلك، فإنْ جعلنَا التَّصوُّفَ عبارةً عن الصفاتِ النَّفسانيَّةِ فلا شكَّ أنّه يُقبلُ قولَه، كما إذا قالَ لزوجتهِ: إن حضتِ فأنتِ طالقٌ، يقبل قولها، بل ذلك أولى بالقَبولِ، فإنَّ الحيضَ يمكنُ إقامةُ البيِّنةِ عليهِ، وعلمُ الزوجِ له وبالرؤيةِ والقرائنِ، وكذا إذا قُلنا: الصوفيُّ المشتغلُ بالعباداتِ في الغالبِ فإنا لا نُريدُ بالعباداتِ إلّا ما زادَ على
стр. 63
المفروضاتِ، وأكثرُها مما نُدبَ الشرعُ إلى إخفائهِ. كما في النوافل حيثُ طلبَ فِعلَها في البيتِ وأشباهِها، ولا تقولُ بظهرها ليُقيمَ البيِّنة عليْها، فإنَّه ضِدُّ المُرجَّحِ في نظرِ الشَّارعِ.
وكذَا منْ قالَ: الوقفُ على الصوفِيّةِ، يُصرفُ للفَقيرِ، يُقبَلُ قولُه، حيثُ يُقبلُ قولُ الفَقيرِ.
وأمّا على طَريقةِ الغَزالي في الزيّ والخِلطَةَ والمساكنةِ، فَهذا يظهرُ فيهِ أنَّه لا بدَّ من البيِّنَةِ، فإنَّه لا يشُقُّ ولا يَعسُرُ إقامةُ البيِّنَةِ عليهِ، وهوَ من الأفعالِ الظاهرةِ، فأُلْحِقَ بما هو في معناه.
هذا تمامُ ما لخَّصتُهُ وآخرُ ما حرَّرتُه بحسبِ علمي ومنتهى فهمي. ونختمهُ بخاتمةٍ، فأقولُ:
خاتمة:
اشتُهِرَ بين المتأَخِّرين الذينَ أدرجُوا أنفسَهُمْ في الصوفيَّةِ أنَّ طريقَهم مبايِنَةُ لطريقِ الفُقَهاءِ قولًا وفعلًا، فوقعَ بسبب ذلك تَنافرُ أوجبَ كلامَ بعضِهِمْ في بعض، ونحنُ نذكرُ من كلامِ أئمتِهمْ والقدوَةِ عندَهُم، ما يُعرِّفُكَ أنَّ التصوُّفَ اتِّباعُ السنَةِ التي الفُقَهاءُ يتَّصِفُونَ بِها, فذكرَ الأستاذُ أبو القاسم القُشيري -أحدُ شيوخهِم الأعيانِ، والمُقتَدى بهِ في هذا الشأنِ- جملةً من مقالاتِهمْ في التَّوحيدِ، وأُصولِ العقائدِ في رسالَتهِ.
وقالَ: إنَّه إنَّما ذكرَهَا ليُعْلَمَ أنَّ عقائِدَهم على وفقِ الكِتابِ والسنَّةِ، فلا نُطوِّلُ الكلامَ بِذكرِها (١). وذكرَ منْ أقوالِهم ما نذكرُ بعضَه ليكونَ حجةً عليهِم، فإنهم قُدوتُهم
وأولُ راضٍ سيرةً من سيرها [*]. فحكى أولًا عن أبي عبد اللَّه بنِ
قال: فهؤلاءِ يُقْتدى بهم لأنهم جَمَعوا بينَ العلم والحَقائقِ.
وقال أبو يزيد البسطامِيّ (١): عملتُ في المجاهدة ثلاثينَ سنةً، فما وجدتُ شيئًا أشدَّ عليَّ من العلمِ ومتابعتهِ، ولَولا اختلافُ العلماءِ لأفتَيْتُ، واختلافُ العلماءِ رحمةٌ إِلَّا في التَّوحيدِ (٢).
وقال: إذا نظرتُم إلى رجلٍ أُعطيَ منَ الكَراماتِ حتَّى يتربّع في الهواءِ فلا تغتَرُّوا به حتّى تنظُروا كيفَ تجدونَهُ عندَ الأمرِ والنهيِّ وحفظِ الحدودِ واداء الشريعةِ (٣).
وقالَ: أبو حفصٍ عمرُ الحدادُ (٤): منْ لمْ يزنْ أحوالَهُ وأفعالَهُ في كُلِّ وَقتٍ بالكِتابِ والسنَّةِ فَلَا يُعدُّ في ديوانِ الرّجالِ.
стр. 66
وقال أُستاذ الطائفةِ الجُنيدُ: الطُّرق كلُّها مسدودةٌ عن الخلقِ إِلَّا من اقتَفى أثرَ الرَّسولِ (١). . . .
وقال أيضًا: من لمْ يقرأ القُرآنَ ولمَ يكتبِ الحديثَ لا يُقتدى بهِ (٢) في هذا الأمر، لأن علمَنا قصيرٌ بالكتابِ والسنَّةِ.
وقال أيضًا: عِلمُنا هذا مسندٌ (٣) بحديثِ رسولِ اللَّهِ.
وقال أبو عثمانَ، سعيدُ بنُ إسماعيلَ: منْ أمَّرَ السنَّةَ على نفسهِ قولًا وفعلًا نطقَ بالحكمةِ، ومن أمَّر الهوى نطقَ بالبِدعَةِ (٤).
وَقالَ أبو الحسين النُّوريّ: من رأيتَهُ يدَّعي مع اللَّهِ حالًا تُخرجُهُ عن حدِّ العلمِ الشرعيّ فَلا تَفِرَّ منهُ.
وقال أبو حمزةَ البغدادي: لا دليلَ على الطَّريق إلى اللَّه إِلَّا مُتَابعةُ الرَّسولِ في الأحوالِ والأفعالِ (٥).
وقالَ أبو القاسمِ، إبراهيمُ بنُ محمدٍ النَّصرأبادي (٦) شيخُ خُراسانَ في وقتهِ:
стр. 67
أصلُ التَّصوَّف ملازمةُ الكتابِ والسُنَّةِ، وَتركُ الأهواءِ والبدعِ، وتركُ ارتكابِ الرُّخَص والتَّأويلاتِ (١).
وقال السّهرَوَرْديّ: كُلُّ حقيقةٍ مُباينةٍ للشريعةِ فهي زندقةٌ.
فهذا كلامُ مشايخِ الطريقةِ، ومن تُنسبُ إليهم المعرفةُ والحقيقةُ والمتمثلُ قولهم عند الخليقة.
وفي الكتابِ العزيزِ والسنةِ النبويةِ من تعظيم العلمِ الشرعيِّ وحَمَلَتِهِ ما لا يخفى عن ذوي الألباب ولا يجحُدُه إِلَّا أهل الحِجابِ، والمنتسبونَ إلى التصوفِ أقسام:
قسم اتبعوا ما جاء في الشرعِ، وَوَقفوا مع ما قالَه علماءُ السنة من أهل الأصل وأرباب الفرع، فهمُ الذين يستحقون التعظيمَ ويستوجبون التبجيلَ والتكريمَ.
وقسمٌ حصل لهم غُلوُّ في طريق ابتدعوها وعقائدَ اخترعوها، ووقفوا مع ألفاظ مزخرفةٍ جمعوها، فأُدخلوا في جُملة الكفار وحكم عليهم باستحقاق النار.
وقد ذكر القاضي عياض (٢). في الشفا وغيره: وقسم غلب عليهم
стр. 68
الجهلُ، والوقوف مع ما أحدث من رسوم، وتركوا النظرَ في المعارفِ والعوارفِ والعلومِ.
فاستحوذَ عليهم الشيطانُ، وغلبَ عليهمُ الطغيانُ والعصيانُ. فاحتفلوا بالرقصِ والسماعِ والشهواتِ التي تثيرُها الطباعُ لا يقتفون شرعًا، ولا يجتنبون أمرًا بِدْعًا، فهم الأخسرون أعمالًا، ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (١).
وقالَ أبو حفص الحدّادُ: إذا رأيتَ المُريدَ يُحِبُّ السماعَ، فاعلَمْ أنَّ فيهِ بقيَّةً لِلبَطالَة (٢)، وسُئِلَ أبو عليّ الرُّوذبارِي (٣)، الإِمامُ العالمُ المحقِّقُ عمّن يسمعُ المَلاهي، ويقولُ هيّ لي حلالٌ، لأني قد وصلتُ إلى درجةٍ لا تؤثِّرُ فيهِ (٤) اختلافُ الأحوالِ.
فقالَ أبو عليٍّ: نَعَمْ وصلَ إلى سقَر.
نسأَلُ اللَّه العافيةَ والسلامةَ والحمدُ للَّه الذي والى علينَا إنعامَهُ.
والصلاةُ على المخصوصِ بِالمَقامِ المحمودِ يومَ القيامةِ.
حسبُنَا اللَّهُ ونعمَ الوكيلُ.
стр. 69
مصادر ومراجع التحقيق
- ابن أبي يعلى (محمد بن محمد): طبقات الحنابلة، وقف على طبعه محمد حامد الفقي، ط. القاهرة ١٩٥٢ م.
- ابن الأثير الجزري (علي بن محمد): أسد الغابة في معرفة الصحابة، ط. بيروت ١٣٢٨ هـ.
- الكامل في التاريخ، ط. بيروت ١٩٦٦.
- اللباب في تهذيب الأنساب، تحقيق مصطفى عبد الواحد، ط. القاهرة ١٩٧١ م.
- الأدفوي (جعفر بن ثعلب)، الطالع السعيد المجامع أسماء نجباء الصعيد، تحقيق سعد محمد حسن، ط. مصر ١٩٦٦ م.
- الأسنوي (عبد الرحمن بن الحسن): طبقات الشافعية، تحقيق عبد اللَّه الجبوري، ط. بغداد ١٩٧١ م.
- الأصبهاني، أبو الفرج (علي بن الحسيني): الأغاني، ط. مصر ١٩٦٩ م.
- الباقلاني (محمد بن الطيب): كتاب البيان عن الفرق، تحقيق رتشرد مكارثي، ط. بيروت ١٩٥٨ م.
- بدوي (عبد الرحمن): تاريخ التصوف الإسلامي، ط. الكويت، ١٩٧٥ م.
- البغدادي (أحمد بن علي): تاريخ بغداد أو مدينة السلام، ط، بيروت، د. ت.
- البغدادي (إسماعيل بن محمد): إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون، ط. طهران ١٩٤٧ م، ط. بالأوفست (المكتبة الإسلامية، ١٩٦٧ م).
- هدية العارفين في أسماء المؤلفين وآثار المصنفين، ط. طهران، ١٩٤٧ م.
- ابن تغري بردي (يوسف بن عبد اللَّه): النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة، ط. القاهرة. د. ت.
стр. 70
- التنوخي (علي بن المحسن): نشوار المحاضرة، نشرته مجلة المجمع العلمي بدمشق، العدد ١٧، سنة ١٩٤٨ م.
- الجاحظ (عمرو بن بحر): الحيوان، تحقيق، عبد السلام محمد هارون، ط. القاهرة.
- ابن الجوزي (عبد الرحمن بن علي): تلبيس إبليس، ط. بيروت، ١٣٦٨ هـ، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، ط. حيدر أباد، ١٣٥٨ هـ.
- ابن حبيب (الحسن بن عمر): تذكرة النبيه في أيام المنصور وبنيه، تحقيق محمد محمد أمين، ط. مصر، ج ١ - ١٩٧٦، ج ٢ - ١٩٨٢ م.
- ابن حبيب (محمد بن حبيب): المحبر، ط. بيروت بالأوفست عن ط. حيدر أباد، سنة ١٩٤٢ م.
- ابن حجر (أحمد بن علي): الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة، ط. القاهرة، ١٩٢٩ م.
- لسان الميزان، ط، بيروت، ١٩٧١ م.
- ابن حزم (علي بن أحمد): جمهرة أنساب العرب، تحقيق عبد السلام محمد هارون، ط. الرابعة، مصر، ١٩٧٧ م.
- الحموي (ياقوت بن عبد اللَّه): معجم الأدباء، نشره مرجليوث، ط. القاهرة، ١٩٣٦ م - ١٩٣٨ م.
- ابن حنبل (أحمد بن محمد): مسند الإمام أحمد بن حنبل، ط. القاهرة، ١٩٤٨ م.
- حسين (علي صافي): الأدب الصوفي في مصر (ابن الصباغ القوصي)، ط. مصر، ١٩٧١ م.
- ابن خلدون (عبد الرحمن بن محمد): كتاب العبر، ط. بيروت، ١٩٧١ م.
- ابن خلكان (أحمد بن محمد): وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق إحسان عباس، ط. بيروت، ١٩٧٤ م - ١٩٧٧ م، ط. مكتبة النهضة بمصر، ١٩٤٨ م (تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد).
- خليفة (حاجي): كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، ط. طهران، ١٩٤٧ م.
- الدلجي (أحمد بن علي): الفلاكة والمفلكون، ط. بغداد، ١٣٨٥ هـ.
- الدمياطي (محمود مصطفى): معجم أسماء النبات، ط. مصر، ١٩٦٥ م.
стр. 71
- الدميري (كمال الدين): حياة الحيوان، ط. بيروت، د. ت.
- دوزي (رينهارتا): المعجم المفصل بأسماء الملابس عند العرب، ترجمة أكرم فاضل، النص المنشور في مجلة اللسان العربي، المجلد الثامن، الجزء الثالث، والمجلد التاسع، الجزء الثاني، والمجلد العاشر، الجزء الثالث.
- الذهبي (محمد بن أحمد): تذكرة الحفاظ، ط. المثنى بالأوفست، بغداد، ١٩٦٦ م.
- سير أعلام النبلاء (الأجزاء ١ - ٢٢)، ط. مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٩٨٥ م.
- معجم الشيوخ، مخطوط في مكتبة أحمد الثالث، رقم ٢٢٩٥٣، منه ميكروفيلم في معهد المخطوطات العربية القاهرة، رقم ١٦٤ ف).
- ابن رجب (عبد الرحمن بن أحمد): الذيل على طبقات الحنابلة، باعتناء محمد حامد الفقي، ط. القاهرة، ١٩٥٢ م.
- الزركلي (خير الدين): الأعلام، بيروت، ١٩٧٩ م.
- الزيات (حبيب الزيات الدمشقي): ليلة رقص وسماع أميرية للفقراء، مجلة المشرق، العدد ٤٣، سنة ١٩٣٩، نقلًا عن الدر المنتخب في تكملة تاريخ حلب، المخطوط المحفوظ في المكتبة الأحمدية بحلب، رقم ١٢١٤، الجزء الأول. الفقراء المخربون، مجلة المشرقي، المجلد ٤٣، ١٩٤٩ م.
- السُبكي (عبد الوهاب بن علي): طبقات الشافعية، تحقيق الطناحي والحلو، ط. القاهرة، سنة ١٣٨٨ هـ.
- معيد النعم ومبيد النقم، ط. بيروت، ١٩٨٣ م.
-السخاوي (محمد بن عبد الرحمن): الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، ط. بيروت، د. ت.
- ابن سعد (محمد بن سعد): الطبقات الكبرى، ط. بيروت، ١٩٦٨ م.
- سلام (محمد زغلول): الأدب في العصر المملوكي، ط، مصر، ١٩٧١ م.
- السُّلمي (محمد بن الحسيني): طبقات الصوفية، ط. القاهرة، ١٩٦٩ م.
- السمعاني (عبد الكريم بن محمد): التحبير في المعجم الكبير، تحقيق منيرة ناجي، ط، بغداد، ١٩٧٥ م.
- السهروردي (عمر بن محمد، أبو حفص): عوارف المعارف، ط. بيروت، ١٩٦٦ م.
стр. 72
- السيوطي (عبد الرحمن بن أبي بكر): بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، تحقيق محمد أبو الفضلي إبراهيم - ط. القاهرة، ١٩٦٤.
- تاريخ الخلفاء، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، ط. مصر، ١٩٥٣ م.
- حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، ط. مصر، ١٩٦٧ م.
- طبقات المفسرين، ط. القاهرة، ١٩٧٦ م.
- ابن شاكر الكتبي (محمد بن شاكر): فوات الوفيات، تحقيق إحسان عباس، ط. بيروت، ١٩٧٣ م، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، ط. القاهرة، ١٩٥١ م.
- الشطنوفي (علي بن يوسف): بهجة الأسرار ومعدن الأنوار، ط، مصر، ١٣٠٤ هـ.
- الشعراني (عبد الوهاب بن محمد): الطبقات الكبرى (لواقح الأنوار في طبقاته الأخيار) ط. القاهرة، ١٩٦٥ م.
- اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر، ط. القاهرة، ١٩٣٢ م.
- الشيباني (محمد بن الحسن): الكسب، تحقيق سهيل زكار، ط. دمشق، ١٩٨٠ م.
- صالحية (محمد عيسى): من وثائق الحرم القدسي الشريف، ط. الكويت، ١٩٨٤ م.
- الصفدي (خليل بن أيبك): الوافي بالوفيات، الجزء الثالث، باعتناء س. ديدرينغ قسبادن، ١٩٧٤ م.
- صفي الدين الخزرجي (الحسين بن جمال الدين): سير الأولياء في القرن السابع الهجري، تحقيق مأمون محمود ياسين، وعفت وصال حمزة، ط، بيروت، د. ت.
- الصقاعي (فضل اللَّه بن فخر): تالي وفيات الأعيان، تحقيق جاكلين سوبله، ط. بيروت، ١٩٧٤ م.
- ابن طولون الدمشقي (محمد بن علي): مفاكهة الخلان في حوادث الزمان، تحقيق محمد مصطفى زيادة، ط. القاهرة، ١٩٦٢، ١٩٦٤ م.
- الضبي (أحمد بن يحيى): بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس، ط. القاهرة، ١٩٦٧ م.
стр. 73
- ابن عساكر (علي بن الحسن بن هبة اللَّه): تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أَبي الحسن الأشعري، ط. دمشق، ١٣٤٧ هـ.
- أبو العلاء المعري: رسالة الغفران، ومعها نص محقق من رسالة ابن القارح، تحقيق بنت الشاطئ، ط. السادسة، مصر، ١٩٧٧ م. جديد في رسالة الغفران، ط. بيروت، ١٩٧٢ م.
- ابن العماد الحنبلي (عبد الحي بن أحمد): شذرات الذهب في أخبار من ذهب، ط. بيروت، ١٩٧٠ م.
- العمري (أحمد بن يحيى): مسالك الأبصار، تحقيق أحمد زكي، ط. القاهرة، ١٩٢٤ م.
- العيني (بدر الدين، محمود بن أحمد): عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان، مخطوط في مكتبة سليم آغا - تركيا، رقم ٨٣٤ تاريخ، الجزء الثالث والثلاثون.
- الغزالي (محمد بن محمد، أبو حامد): إحياء علوم الدين، ط. بيروت، د. ت.
- الغزالي (محمد بن محمد، نجم الدين): لطف السمر وقطف الثمر، تحقيق محمود الشيخ، ط. دمشق، ١٩٨١، ١٩٨٢ م.
- ابن الفرات (محمد بن عبد الرحيم): تاريخ الدول والملوك، تحقيق قسطنطين زريق، ط. بيروت، ١٩٣٨ م - ١٩٤٢ م.
- فكري (أحمد): مساجد القاهرة ومدارسها، ط. مصر، ١٩٦٥ م.
- ابن الفَوَطي (عبد الرزاق بن محمد): الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة، تحقيق مصطفى جواد، ط. بغداد، ١٩٣٢ م.
- أبو الفيض (محمود أبو الفيض المنوفي): جمهرة الأولياء (أعلام الصوفية) ط. القاهرة، ١٩٦٧ م.
- القشيري (عبد الكريم بن هوازن): الرسالة القشيرية، ط، بيروت، د. ت.
- القلقشندي (أحمد بن علي): نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب، تحقيق إبراهيم الأبياري، ط. مصر، ١٩٨٠ م.
- القفطي (علي بن يوسف): تاريخ الحكماء، تحقيق جوليوس ليبرت، ط. بغداد ومصر، سنة ١٩٠٣ (بالأوفست).
- ابن كثير (إسماعيل بن عمر): البداية والنهاية، ط: بيروت، ١٩٦٦ م.
- كحالة (عمر رضا): معجم المؤلفين، ط. بيروت، ١٩٥٧ م.
- الكلاباذي (محمد بن إبراهيم): التعرف لمذهب أهل التصوف، تحقيق
стр. 74
عبد الحليم محمود، وطه عبد الباقي، ط. القاهرة، ١٩٦٠ م.
- المقري: نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب، ط. بيروت، ١٩٤٩ م.
- ماير (ل.): الملابس المملوكية، ترجمة صالح الشيني، ط. القاهرة، ١٩٧٢ م.
- مبارك (زكي): التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق، ط. بيروت، د. ت.
- المقريزي (أحمد بن علي): السلوك لمعرفة دول الملوك، نشره محمد مصطفى زيادة ١٩٤٢، ١٩٥٨ م. المواعظ والاعتبار، ط. بولاق ١٢٧٠ هـ/ ١٨٥٣ م.
- المناوي (عبد الرؤوف محمد بن تاج العارفين): الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية، نشره محمود حسن ربيع، ط. القاهرة، ١٩٣٨.
- المنذري (محمد عبد العظيم بن عبد القوي): الترغيب والترهيب في الحديث الشريف، ط. القاهرة، ١٩٥٤ م.
- التكملة لوفيات النقلة، تحقيق د. بشار عواد معروف، ط. مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٩٨١ م.
- ابن منظور (محمد بن مكرم): لسان العرب، ط. بيروت، د. ت.
- أبو نصر السراج الطوسي (عبد اللَّه بن علي): اللمع، حققه عبد الحليم محمود وطه. عبد الباقي، ط. مصر وبغداد، ١٩٦٠ م.
- أبو نُعيم الأصبهاني (أحمد بن عبد اللَّه): حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ط، بيروت، ١٩٦٧ م.
- النويري (أحمد بن عبد الوهاب): نهاية الأرب في فنون الأدب، ط. القاهرة، ١٩٧٦ م.
- اليافعي (عبد اللَّه بن أسعد): مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان، ط, بيروت، ١٩٧٠ م.
- اليونيني (قطب الدين، موسى بن محمد): ذيل مرآة الزمان، مخطوط أكسفورد رقم OR.POC.١٣٢
* * *
стр. 75
مصادر ومراجع تخريج الأحاديث
• تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف، للحافظ المِزِّي، تحقيق الشيخ عبد الصمد شرف الدِّين، مصورة المكتب الإِسلامي عن طبعة الدار القيمة بالهند، بيروت ١٤٠٣ هـ.
• جامع الأصول في أحاديث الرسول ﷺ ، للإِمام ابن الأثير، تحقيق الشيخ عبد القادر الأرناؤوط، مكتبة الحلواني، مطبعة الملاح، مكتبة دار البيان، دمشق ١٣٨٩ هـ.
• حلية الأولياء, لأبي نُعيم الأصبهاني، مصورة دار الكتاب العربي، بيروت ١٤٠٥ هـ.
• زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن قيم الجوزية، تحقيق الشيخين شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة بيروت ومكتبة المنار الإسلامية في الكويت ١٣٩٩ هـ.
• سنن ابن ماجه، تحقيق الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، مصورة دار إحياء التراث العربي، بيروت ١٣٩٥ هـ.
• سنن الترمذي، تحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر، والأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، والشيخ إبراهيم عطوة عوض.
• السنن الكبرى للبيهقي، مصورة دار الفكر، بيروت بدون تاريخ.
• شرح الأربعين النووية في الأحاديث الصحيحة النبوية، صنفه محمود الأرناؤوط، راجعه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط، دار ابن كثير، دمشق - بيروت ١٤٠٦ هـ.
• صحيح مسلم، تحقيق الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت بدون تاريخ.