إنما الذى كره الأسر قبل الإثخان في القتل سعد بن معاذ رضى الله ﵎ عنه، فإذا كان ثمة فضل في نزول القرآن الكريم موافقا لما كره سعد، فله في هذا الفضل، يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ (آل عمران- ٧٤) .
ثالثا- وهو الأمر الجدير بالاعتبار عند أهل الاعتبار، وهو أن الله وحده يعلم الغيب، ويعلم السر وأخفى، وهو يعلم أن أخذ الأسرى قبل إثخان العدو، خطأ، فلماذا ترك النبى- رسوله وحبيبه- ومعه صحابته يخطئون، وقد كان وحده هو الذى يعلم الصواب.
والجواب عن ذلك أن هذا فيه عظة وعبرة، ذلك أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الذى يوحى إليه، والذى علمه ربه وأدبه فأحسن تأديبه، إذا ترك يتصرف باجتهاده فقد يخطئ، ولا ينزه عن الخطأ أحد ولو كان نبيا، إلا أن يعلمه الله ، فهو وحده العليم الحكيم الذى يعلم المستقبل كالحاضر والماضى، وفي ذلك توجيه للذين يستبدون، وبيان أنهم يخطئون، وليس لهم أن يدفعهم الغرور، فيحسبوا أن آراءهم منزهة عن الخطأ فيتردون بأممهم في أفسد النتائج.
إن ترك محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو الذى يوحى إليه، ثم هو في ذاته أعقل الرجال، إذ كانوا قبل البعثة يهتدون برأيه- يخطيء في رأيه، ثم ينبه إلى الصواب، فيه عبرتان لأولى الأبصار: -.
أولهما- لأنه لا يصح لأحد أن يغتر برأيه، فيحسبه الصواب الذى لا يقبل الخطأ، ويعتقد فى نفسه العلم، وفي غيره الجهل.
الثانية- أنه ليس لأحد أن يستبد في تفكيره الذى يعمل فيه للجماعة، فلا يقول ما قاله فرعون.
ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى، وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ (غافر- ٢٩) .
فعلينا معشر المؤمنين أن نتأدب بأدب الله ، وهو ألا ندلى أنفسنا وجماعتنا بالغرور، فتكون السوءى، فى حاضر الأمة ومستقبلها، وعلينا أن يكون لنا في رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أسوة حسنة، ولا يكون لنا من فرعون، متبوع يتبع، فالحق أحق أن يتبع.
ولقد رأينا في عصرنا إخوان فرعون يطلبون أن يتلى ما يكتب لهم كأنه تنزيل من التنزيل وقد بوؤا بهذا الغرور عنهم، والخنوع من غيرهم- أمتهم سوء الدار، وبئس القرار، ولا حول ولا قوة إلا بالله، إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧- ق) .
стр. 562
الأنفال
٣٩١- كان المشركون يحاربون في غير ديارهم وأرضهم، وكان المؤمنون كذلك، ولكن كانوا على مقربة من ديارهم، وكانت الهزيمة قد نزلت بالمشركين، فكانوا شبه فارين بعد المعركة لا يلوون على شيء إلا ما يمكنهم من أن يعودوا إلى ديارهم راضين بإياب بعضهم سالمين.
فكان لا بد أن يغنم المسلمون منهم غنائم، وكانت هذه الغنائم أوّل ما غنمه المسلمون في الحروب، لأنها كانت أوّل حرب كان الاتجاه فيها إلى المنازلة، وأخذ الغنم نتيجة لهذه المنازلة، ولم تكن عيرا مصادرة بل كانت حربا شعواء.
ولذلك اختلف المقاتلون في الأنفال، وهى الغنائم التى تكون قبل القسمة، ولم يكونوا على علم بقسمتها، والمقسطون منهم سألوا عما يفعلون بشأنها، وبعض القاسطين ظنوها لمن أخذها.
وذلك أن المجاهدين كانوا ثلاثة أقسام: قسم واجه العدو كعلى، وحمزة، وغيرهم، وقسم كان من ورائهم، وأولئك جمعوا الغنائم، وقسم حاط العريش الذى كان به الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم.
ويقول في ذلك عبادة بن الصامت وهو من البدريين، «خرجنا مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فشهدت معه بدرا، فالتقى الناس، فهزم الله تعالى العدو، فانطلقت طائفة وراءهم يهزمون ويقتلون، وأكبت طائفة على المغنم يحوزونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى لا يصيب أحد منه غرة، حتى إذا كان الليل، وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناه وليس لأحد فيها نصيب.
وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق بها منا، فنحن نفينا منها العدو، وهزمناهم.
وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: خفنا أن يصيب العدو منه غرة، فاشتغلنا به. كان هذا الخلاف، وكان معه تساؤل: لمن تكون الغنائم؟ فنزل قول الله :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (الأنفال- ١) .
كانت هذه المناقشة في الغنائم قبل أن ترفع إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فذكر الله ما يحسم الخلاف، ويقطع مادة النزاع، وهو أن يكون أمرها إلى الله تعالى، وما يحكم به وإلى الرسول ﵊ الذى ينفذ حكم الله ، فليس لهم أن يقتسموا
стр. 563
بأنفسهم، بل الأمر لغيرهم فليصلحوا ذات بينهم، ولا يصح أن تكون المادة مفرقة بينهم، وقد جمعهم الحق وجمعهم الجهاد في سبيله..
وما الذى اتبعه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم في قسمة الأنفال، فقال بعض الرواة إنه قسمها بين المجاهدين بالسوية، إذ لم يكن حكم تخميس الغنائم قد نزل في قول الله :
وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ، وَلِذِي الْقُرْبى، وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ، وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الأنفال- ٤١) .
فالنبى ﵊ على رواية هؤلاء وزع بالسوية بين كل المجاهدين، لأنه لم يكن ما يوجب التفاوت، ولا دليل يرجح طائفة على أخرى.
ويرى ابن كثير أن التوزيع كان حسب التخميس الذى نص عليه قول الله :
وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ الآية، لأنها متصلة الواقعة، فالأمر في التوزيع كان إلى الله ، وإلى رسوله ﵊ على حسب هذا الحكم الذى شرعه الله تعالى، فاية الغنائم متصلة بأول السورة التى أشارت إلى التوزيع، وفوق ذلك فإن الآية تشير إلى أن ذلك ما أنزله الله يوم التقى الجمعان يوم الفرقان.
ولقد روى أن عليا ذكر أن الناقتين اللتين نحرهما عمه حمزة، وهو شارب كانتا من خمسه في الغنائم، ونحن نميل إلى ما اختاره الحافظ ابن كثير.
أثر المعركة في المدينة المنورة
٣٩٢- كان أثر المعركة في العرب عامة بعيد المدى، فقد سارت الركبان في الصحراء العربية بهزيمة قريش على يد طريدها الذى أخرجته وأصحابه من ديارهم وأموالهم، لأنه ينكر الوثنية، ويدعو إلى الوحدانية ويقول إنه يوحى إليه من عند الله ، فكان ذلك النصر منبها للعرب بحقيقة الدعوة المحمدية وسلامتها وقوتها، فوهنت العقيدة الوثنية بين العرب، وأخذت عقول تدرك الحقائق وتطرح الأوهام التى نسجها الخيال الضال حول الأحجار، وبذلك صارت كلمة الله هى العليا، وكلمة الشرك هى السفلى، وكان يوم الغزوة بحق يوم الفرقان، إذ فرق فيه الناس وانتقل المسلمون من مستضعفين في الأرض إلى أقوياء يكاثرون الناس بقوتهم، كما قال الله :
стр. 564
وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ، فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (الأنفال- ٢٦) .
هذه إشارة إلى أثر ذلك النصر المبين في البلاد العربية، لقد نظر إليه العرب على أن الإسلام هو القوة الحقيقية في البلاد العربية، وكان من ذلك أن أخذ الناس يفكرون.
هذا أثره بشكل عام في الجزيرة العربية، أما أثره في المدينة المنورة وما حولها، فقد صار القوة المرهوبة فيها، وكان فيها أخلاط من الوثنيين الذين بقوا على وثنيتهم من الأوس والخزرج، وكانوا يظهرون عقائدهم ولا يخفونها، وكان فيهم يهود، قد أكل الحقد قلوبهم وإن أخفوه، وإن كانوا يعرفون في لحن القول وفي استهزائهم بالمؤمنين أحيانا.
فلما ظهرت قوة المسلمين في بدر، وجد في الفريقين منافقون يظهرون الإسلام بألسنتهم، ويخفون الكفر، ويقولون ما لا يفعلون، وينطقون بما لا يعتقدون، ولقد نزلت فيهم سورة كاملة، وأولها قوله الله : إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ، وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ. اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا، فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (المنافقون- ١: ٣) .
فالقوة الإسلامية التى ظهرت في بدر، هى التى جعلت هؤلاء من المشركين واليهود، يتخذون مظهرهم الإسلامى جنة يتقون بها قوة أهل الإسلام ويشيعون الخبال في صفوف المسلمين، ويخدعون الذين في قلوبهم ضعف.
إن قوة المسلمين جعلت من لا يؤمن بالله ورسوله ﵊ يخضع ببدنه ولا يؤمن بقلبه.
كان ذلك في السنة الثانية التى كانت فيها غزوة بدر. قال ابن كثير «وفيها خضع المشركون من أهل المدينة المنورة واليهود الذين هم بها من بنى قينقاع، وبنى النضير، وبنى قريظة، ويهود بنى حارثة، وصانعوا المسلمين، وأظهر الإسلام طائفة كثيرة من المشركين واليهود، وهم في الباطن منافقون، منهم من هو على ما كان عليه، ومنهم من انحل بالكلية فبقى مذبذبا، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، كما وصفهم الله تعالى في كتابه» .
وهو بهذا يشير إلى قول الله : إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ، وَهُوَ خادِعُهُمْ، وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى، يُراؤُنَ النَّاسَ، وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا. مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ، لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا
(النساء- ١١٢: ١٤٣) .
стр. 565
وإنه يتبين من هذا الكلام أنه بعد أن أظهر الله قوة المسلمين وأعلى كلمة الدين، صار الذين يخالفونه، ويعاشرون المؤمنين بالجوار على ثلاثة أقسام:
أولهم الذين نطقوا بكلمة الإسلام والكفر يسكن قلوبهم، ويستولى عليها وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا، وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ، إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ. اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ، وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (البقرة- ١٤، ١٥) فهؤلاء بقوا على كفرهم، وأمد الله تعالى في طغيانهم، لأن مظهرهم كان غير مخبرهم، وقد استمرؤا ذلك حتى زادوا عتوا وفسادا.
والقسم الثانى قوم ضعفت نفوسهم، وانحل تفكيرهم، فهم منافقون، فى إظهارهم الإسلام، ولا عقيدة لهم يؤمنون بها، وإن كانوا إلى عقيدتهم الأولى أميل، ولكن قد انحلت بالتعارض، بين ما يظهرون وما يبطنون، فقد خدعوا المؤمنين وأوغلوا في الخديعة، حتى خدعوا أنفسهم، وهم الذين قال الله فيهم: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ، لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ، وقد وصف النبى صلى الله تعالى عليه وسلم هذا النوع من المنافقين بقوله ﵊: «مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين غنمين لا تدرى إلى أيهما تذهب» .
والقسم الثالث وهم أكثر اليهود الذين ثبتوا على دينهم من بنى قينقاع، وبنى النضير، وبنى قريظة وبنى الحارث، وأولئك ثبت أكثرهم على اعتقادهم وجاهدوا بالبقاء عليه، والاعتراض الدينى على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولكنهم نافقوا في أنهم لم يخلصوا في العهد الذين عاهدهم عليه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، بل يخفون الخيانة، ويتربصون بالمسلمين الدوائر، ويكاتبون أعداء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ويحرضونهم عليه، ويسرفون على أنفسهم، فينافقون المشركين، ويقولون إن ما هم عليه من شرك خير مما يدعو إليه النبى من توحيد.
وفي الجملة ظهر النفاق بعد النصر المحمدى من أعداء هذا الدين.
ولنخص اليهود، ومن والاهم بكلمة موجزة موضحة:
اليهود
٣٩٣- عقد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حلفا مع اليهود، جعل فيه له ما لهم، وعليه ما عليهم، وتعاهد معهم على البر والتقوى، لا على التعاون على الإثم، وأنهم في أحيائهم متعاونون على دفع الإثم، وعقل الجانى الذى يجب عليه الدية، وفي الجملة أعطاهم الحرية والحماية، وعقد معهم جماعة،
стр. 566
وأحياء متفرقة عقدا ملزما، ولكن الحسد كان يسكن قلوبهم من أن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم الذى بعث كانوا يتمنون أن يكون من ولد إسحق لا من ولد إسماعيل، وقد كانوا يعرفون أن نبيا سيبعث، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به حسدا من عند أنفسهم، وكلما استيقنوا أنه النبى المبشر به في التوراة ازدادوا ضيقا وغضبا وكفرا، وكلما وجدوا آيات النبوة زادتهم طغيانا وضلالا، وعتوا وفسادا في الأرض، وكأنهم وحدهم سلالة قابيل الذى قتل أخاه، لأنهما قربا قربانا فتقبل من أحدهما، ولم يتقبل من الآخر (قابيل) .
ولننقل شهادة أم المؤمنين صفية بنت حيى بن أخطب، قالت رضى الله ﵎ عنها:
عند ما قدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المدينة المنورة، ونزل قباء في بنى عمرو بن عوف، غدا عليه أبى حيى بن أخطب، وعمى أبو ياسر بن أخطب مغلسين (أى في غلس) قلت لم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس، فأتيا ساقطين يمشيان الهوينى، قالت فهششت إليهما كما كنت أصنع، فو الله ما التفت إلى واحد منهما، مع ما بهما من الغم، وسمعت عمى أبا ياسر، وهو يقول لأبى حيى بن أخطب: أهو هو..؟ قال: نعم والله، قال أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم، قال ما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقيت. تلك شهادة صادقة من سيدة برة على أبيها، فما جعلته الآية المثبتة لرسالة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم مؤمنا مصدقا بل جعلته عدوا لجوجا في عداوته، وذلك فعل الحسد الذى كان من قابيل على أخيه هابيل إذ تقبل منه الإيمان وحده، والله تعالى يختص برحمته من يشاء.
وحيى بن أخطب وأخوه صورة نفسية لكل يهودى ممن كان بجوار المسلمين بالمدينة المنورة، وبهذه العداوة كانوا يتحركون، وطويت قلوبهم على الضغينة المستكنة.
فلما انتصر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ازدادوا ضيقا، وظنوا أن الدائرة من بعد ستدور عليهم، فأرادوا بغريزة حب البقاء أن يعملوا عملا يظنون فيه بقاءهم، لكيلا يجد المسلمون السبيل لإخراجهم، واتحدوا مع المشركين ممن بقوا في المدينة المنورة، وحملوا أولئك على أن يظهروا الإيمان، ويخفوا الكفران إذ أو عزوا إليهم بخلقهم، الذى اشتهروا به في ماضى أمرهم ونفذوه في حاضرهم.
ولقد انضاف بذلك إلى اليهود بإغرائهم من كانوا قد بقوا على الوثنية من الأوس والخزرج، وإن لم يكونوا الكثرة، ولكنهم بما أظهروا من إيمان يبثون الوهن في قلوب المؤمنين، ويلقون بأسباب الفشل وقد ظهرت رؤوسهم فيما ظهر بعد بدر من الغزوات.
стр. 567
وقد ذكر ابن إسحاق كثيرين ممن نافقوا من اليهود الذين أظهروا الإسلام، وأخفوا عقيدتهم، وأكنوا الأذى للمسلمين، والكيد للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
كما ذكر من الأوس والخزرج من لف لف اليهود، وأظهر الإسلام، وكان كثيرون منهم من الخزرج، وعلى رأسهم عبد الله بن أبى سلول، وإليه كانوا يجتمعون، وهو الذى قال: لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ (المنافقون- ٨) فى غزوة بنى المصطلق.
والنفر من منافقى الخزرج، وعلى رأسهم عبد الله بن أبى بن سلول هم يمالئون بنى النضير، ويدسون إليهم أنهم معهم عند ما خافوا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فنكثوا في أيمانهم وعهدهم الذى عاهدوه، وأرادوا معاونة المشركين، فقد أرسل إليهم ابن سلول وشيعته أنهم إن خرجوا يخرجوا معهم، عند ما حاصرهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم في حصونهم، وأخذوا يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدى المؤمنين، لقد قال ابن أبى والنفر معه: اثبتوا لئن أخرجتم لنخرجن معكم، ولا نطيع فيكم أحدا أبدا، وإن قوتلتم لننصرنكم، وقد أنزل الله فيهم أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ، وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ، وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ، وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ، وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ. لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ... إلى أن قال الله في وصف ابن أبى ومن معه: كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ، فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ، إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (الحشر- ١١: ١٦) .
وكان المنافقون من بقية الأوس والخزرج واليهود يحضرون مسجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيستمعون أحاديث المسلمين ويسخرون ويستهزئون، ويبثون الشك في قلوب المؤمنين بأوهام يذكرونها، وبأسئلة مشككة يستجوبون بها.
إخراجهم من المسجد:
٣٩٤- يقول ابن إسحاق: اجتمع يوما بالمسجد من المنافقين أناس فرآهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يتحدثون بينهم خافضى صوتهم، قد لصق بعضهم ببعض، فأمر بهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فأخرجوا من المسجد إخراجا عنيفا.
فكان المؤمن يأخذ برجل المنافق، فيسحبه سحبا، وأحيانا يجذب المؤمن المنافق، وينتره نترا شديدا ويلطم وجهه وهو يشيعه باللعنات قائلا له: «أف لك منافقا خبيثا، اخرج يا منافق من مسجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم» .
стр. 568
وأحيانا يجيء المؤمن إلى ذى اللحية الطويلة منهم، فيأخذ بلحيته، ويقوده منها قودا عنيفا، حتى يخرجه من المسجد، وأحيانا يأخذ المؤمن بجمة المنافق ذى الجمة «فيسحبه منها سحبا عنيفا» .
وذلك العنف في الفعل يصحبه عنف في القول، ومن مثل «لا تقربن مسجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فإنك نجس، وقول بعضهم غلب عليك الشيطان وأمره» .
وذلك غير الذين كانوا يدفعون من أقفيتهم.
وكانوا هم والذين بقوا على يهوديتهم من يهود أشد الناس أذى للنبى ﵊ وأصحابه، فالمنافقون كانوا يبثون في المسلمين روح التردد والهزيمة، وفي المسلمين سماعون لهم، كما قال الله سبحانه وتعالي: وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً، وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ، فَثَبَّطَهُمْ، وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ. لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا، وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ، وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ. لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ، وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ، حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ، وَهُمْ كارِهُونَ (التوبة- ٤٦: ٤٨) .
واليهود من وراء المنافقين يتعاونون معهم، ويكيدون معهم، ويمكرون، ويمكر الله بإفساد تدبيرهم، وكان اليهود يلقون الشك في قلوب المؤمنين يظهرون الإيمان، ثم يعلنون الردة ليشجعوا المسلمين على الردة وليكونوا لهم مثلا لمن يخرج من الإسلام بعد الدخول فيه، وهؤلاء الذين قال الله فيهم: وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ، وَاكْفُرُوا آخِرَهُ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ، أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ، قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (آل عمران- ٧٢، ٧٣) .
وهكذا كان الإفساد اليهودى، ينافقون، ويدعون الوثنيين إلى النفاق، ويبثون بنفاقهم روح الفرقة بين المسلمين، ويستهزئون ويسخرون من أهل الإيمان، ويجعلون من أنفسهم مثلا لمن يخرج عن الإسلام، كما عبر القرآن الكريم عنهم.
إفساد اليهود بين المسلمين
٣٩٥- كانت الحرب بين الأوس والخزرج قائمة بين الفريقين، حتى جمع الله بينهما بالإسلام، وألف بين قلوبهم، فكانت القوة، ولكن اليهود كانوا يعلمون بأنباء العداوة السابقة، فكانوا يبثون فيهم ما يحيى نار العداوة بعد موتها، ويثيرون نارها بعد إطفائها، وفي كل فريق من يسمع لضعف في إيمانه، أو لبقايا العصبية، أو لترات بقيت بعد الحرب.
стр. 569
لقد كان رجل من شيوخ اليهود، وذوى الضغن والحسد اسمه شماس بن قيس، قد هاله أمر محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وما أكرمه الله به من نصر في بدر، وهاله أن الأوس والخزرج اجتمعوا، وكانوا يعيشون على الفرقة بينهم، فيوالون فريقا على فريق، ويتخذون ممن يوالونهم قوة يثبتون بها أقدامهم، فلما رأوا اجتماعهم بالإسلام، فقال شماس: هكذا اجتمع بنو قيلة بهذه البلاد والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم من قرار.
قدر ذلك الشيخ الخبيث ودبر، فوجد أن يثير الخلاف القديم جذعا، فأثار ما كان يوم بعاث، وهو الذى كان بين الأوس والخزرج، وانتصر فيه الأوس، وكانت بيعة العقبة الأولى، ثم الثانية.
أثار الأمر في هذا اليوم بين الأنصار رضى الله ﵎ عنهم، وفيهم ضعاف العقول يستطارون فتكلم هؤلاء وتنازعوا، وتفاخروا، واشتدت المجاوبة فتواثب رجلان من الحيين، واحد من الأوس والآخر من الخزرج، وقال أحدهما لصاحبه: إن شئتم رددناها الآن جذعة، فغضب الحاضرون من الفريقين، واتفقوا على مكان يكون فيه اللقاء، وقالوا: موعدكم الظاهرة.
بلغ ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فعلم أنها فتنة يهودية، وخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم، فقال:
«يا معشر المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهلية، وأنا بين أظهركم، بعد أن هداكم الله تعالى للإسلام، وأكرمكم به، وقطع عنكم به أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف بين قلوبكم» .
أدرك أنصار الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فبكوا، وعانق بعضهم بعضا- ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سامعين مطيعين موفورين.
ورد الله كيد الكافرين من اليهود في نحورهم.
وأنزل الله في اليهود قول الله : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً، وَأَنْتُمْ شُهَداءُ، وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (آل عمران- ٩٩) .
وأنزل الله في المسلمين الذين انساقوا وراء شر اليهود: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ. وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ، وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ
стр. 570
مُسْتَقِيمٍ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ، وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا، وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ، فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً، وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها، كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ. وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ، وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا، وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (آل عمران- ١٠٠: ١٠٥) .
ففى هذا النص الكريم تحذير للمؤمنين من اليهود الذين يفرقون جمعهم، وتذكير بما كانت عليه حالهم من قبل، وبيان الطريق لأن يمنعوا الأشرار من الدخول بينهم، وذلك بالتواصى بالخير بينهم، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فمن يقع في الغواية منهم يرشده ذو العقل والحكمة فيهم. وإن التفرق بعد البينات إثم كبير، وله عذاب عظيم.
ليسوا سواء
٣٩٦- إذا كان ما ذكرناه صادقا على اليهود الذين كانوا بالمدينة المنورة عند ما هاجر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إليها، فالحكم فيه بنى على الغالب الكثير، لا على الجميع، فمنهم ناس اختاروا الإسلام دينا، وآمنوا بالله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم حق الإيمان، كما قال الله : ... مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ.
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ، وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (آل عمران- ١١٣: ١١٥) فهؤلاء من أهل الكتاب، وأهل الإيمان بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وسيجزون أجرهم مرتين.
ونذكر من هؤلاء اثنين كان كلاهما من أحبار اليهود:
وهما عبد الله بن سلام، ومخيرق.
وجاء من أخبار السيرة في إسلام عبد الله أنه قال:
لما سمعت برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عرفت صفته واسمه وزمانه الذى كنا نتوكف له، أى نترقبه، فكنت أسر ذلك صامتا له، حتى قدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المدينة المنورة.
стр. 571
فهو قد عرف النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قبل قدومه المدينة المنورة وتعرف صفات النبوة فيه التى بشر بها في التوراة، وخاطب بذلك بعض أهل بيته، إذ كان فرحا بقدومه ولم يوافقه ابتداء من عرف من أهل بيته، حتى قالت له عمته في فرحته: «والله لو كنت سمعت بموسى بن عمران قادما مازدت، فقال لها المؤمن المخلص الذى لم يشب إخلاصه تعصب لنحلة سابقة: أى عمة هو والله أخو موسى بن عمران، وعلى دينه بعث، ولم تلبث أن وافقته» .
وإذا كان عبد الله بن سلام الحبر اليهودى المخلص قد عرف الحق، وأدرك فقد عرف قومه من اليهود وأدرك انحرافهم، وأنهم اتخذوا آلهتهم هواهم، وهواهم هو شهوة التحيز، حتى جعلوا الدين عنصرا، وليس اعتقادا خالصا فأراد أن يكشف حالهم.
ذهب إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد إذ آمن، ولم يعلن إيمانه، فقال له:
يا رسول الله إن يهود قوم بهت (أى يبهتون ويكذبون بالباطل) ، وإنى أحب أن تدخلنى في بعض بيوتك، وتغيا بنى عنهم، ثم تسألهم عني، حتى يخبروك كيف أنا فيهم قبل أن يعلموا بإسلامى فإنهم إن علموا بهتونى، وعابونى.
وأدخلنى الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم في بعض بيوته، فدخلوا عليه وكلموه، وسألوه ثم سألهم: أين الحصين «١» بن سلام، فقالوا سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وعالمنا.
فلما فرغوا من قولهم خرج عليهم، فقال لهم: «يا معشر يهود، اتقوا الله، واقبلوا ما جاءكم به، والله إنكم لتعلمون أنه لرسول الله، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة باسمه وصفته فإنى أشهد أنه رسول الله، وأومن به وأصدقه وأعرفه، فقالوا: كذبت.
فقلت لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ألم أخبرك أنهم قوم بهت، أهل غدر وكذب، وفجور، فأظهرت إسلامى وإسلام أهل بيتى جميعا.
ولقد كانوا يكثرون من الطعون فيه، ويقولون: إنه من الأشرار عندنا. وهو الذى ذكروا أنه من خيرهم وأعلمهم وأعدلهم، ولكنهم يكفرون بما يعلمون، ويكتمون ما عندهم.
وأما الثانى وهو مخيرق، فقد كان علما من أعلامهم، وحبرا من أحبارهم.
وكان رجلا ذا مال أعطاه الله تعالى بسطة من العلم والمال، وكان يعرف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بصفته في التوراة.
стр. 572
ولم يكن ممن يجعلون الاعتقاد عنصرية، بل كان ممن يؤمنون بالحق، ويعلمون أن الحق أحق أن يتبع، ويقول ابن إسحاق «غلب عليه إلف دينه، حتى إذا كان يوم أحد، قال: يا معشر يهود، والله إنكم لتعلمون أن نصر محمد عليكم لحق» .
ثم أخذ سلاحه، فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بأحد، ودخل في جنده وعهد إلى من وراءه من أهله، فقال: إن قتلت هذا اليوم، فأموالى لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم يصنع فيها ما أراه الله .
فقاتل حتى قتل، فكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول:
«مخيرق خير يهود»
وقد أسلم في ساعته الشديدة، يوم جاءت قريش تريد أن تغزو المدينة المنورة ثأرا وانتقاما، فأبى إلا أن يكون مع المؤمنين، فاستشهد في سبيل الله تعالى، فكان خيرا في ذاته، وكان خير من في اليهود.
الغيرة:
٣٩٧- صدق الله إذ يقول في شأن أهل الكتاب عامة، واليهود خاصة، ... مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ. (المائدة- ٦٦) ، ولكن الكثرة هى التى كان لها لجب وصخب، وهى التى ظهرت بلجاجتها، وعنفها في الكراهية وحسد الناس، وهؤلاء هم الذين ظهروا، وهم الذين ظهر زبدهم، واستمر ظاهرا، فهم يكرهون الناس، أينما كانوا، وحينما ثقفوا.
وقد ذكرنا حالهم بعد غزوة بدر، وأعمالهم التى كانت أثرا لانتصار أهل الإيمان، فإن الخير يجيء إلى المحسود، فيزيد الحاسد بغضا وضراوة.
لقد سكتوا في السنة الأولى عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم على إثر المعاهدة التى عقدها، والموالاة التى أولاهم بها، ليكون منهم جماعة مندمجة معه، وهى على دينها، ولسان حاله يقول لهم لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ وليس بيننا وبينكم من بعد إلا التواد، والتعاون على البر والتقوى، والتناصر على أعداء المدينة المنورة الذين يهاجمونها.
كان ذلك، والحسد للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وللذين آمنوا يملأ قلوبهم، والضغن يأكل صدورهم، فإذا كان المؤمنون قد أخلصوا في ولائهم فأولئك قد أضمروا البغض.
ولما كان الانتصار، كان أولى ثمرات الانتصار في قلوبهم المدنفة بالحسد أن تحركوا لإفساد أهل الإيمان وتعاونوا في ذلك مع المشركين.
стр. 573
اجتذبوهم إلى النفاق، فانجذبوا إليه، وكان منهم منافقون، والنفاق يسكن القلوب الحاقدة الحاسدة الضعيفة المستكينة، فكان أوّل أثر مرير من آثار تلك الغزوة المباركة أن ظهر النفاق ناتئا برأسه، ويفت في جماعات المسلمين، ويعملون على تفريق صفوفهم ويشتد أثر النفاق في مدة الحروب، حيث تشتجر السيوف، وتلتحم الأجسام.
ففى غزوة أحد التى كانت في السنة الثالثة، كانوا يبثون في جيش المسلمين روح التمرد والهزيمة، ويأخذون قلوب الضعفاء من المؤمنين يبثون فيها الذعر والخوف، حتى همت طائفتان من جيش الإسلام أن تفشلا، كما قال تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ، تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا، وَاللَّهُ وَلِيُّهُما، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
(آل عمران ١٢١: ١٢٣) .
وهاتان الطائفتان كانتا من المنافقين، وضعاف الإيمان، فإذا كان المؤمنون في غزوة بدر قد دخلوا وقلوبهم مستبشرة، فقد دخلوا في غزوة أحد، والمنافقون يبثون فيهم روح التردد والعجز، ولكن الله عليه نصر المؤمنين إن لم يأخذوا في أسباب الهزيمة، وإن استقاموا على الطريقة، ولم يخالفوا، وأنه إذا كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يعيش في المدينة المنورة والمؤمنون من أصحابه يحيط بهم أولئك المنافقون والمفتونون والحاسدون، فإنه يجب عليه الحذر منهم، وقد نفذ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك بأمر ربه، ولذلك قال الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا، وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ، قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ. ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ، وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا، وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ، قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ. إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ، وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها، وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً، إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (آل عمران ١١٨: ١٢٠) ، وهكذا نجد حقد اليهود وصدهم قد أفسد النفوس، وفرق ما بينهم وبين أهل الإيمان.
ولم يقفوا عند حد العمل على إفساد العلاقات الاجتماعية بين الناس، ومحاولة إضعاف الإيمان، وإغراء غير المؤمنين بالنفاق، حتى شاركوهم، بل كانوا يحاولون التشكيك في قلوب المؤمنين، لأنهم يودون أن يكفروا حسدا من عند أنفسهم.
стр. 574
وكانوا في سبيل ذلك يسألون النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أسئلة معنتة لا لتتبين نبوته صلى الله تعالى عليه وسلم، بل يرجون من توجيه هذه الأسئلة ألا يجيب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عن بعضها، فيتخذوا ذلك ذريعة للتشكيك، وإلقاء الريب في قلوب المؤمنين، ولنذكر شيئا من هذه المحاولة.
ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن
٣٩٨- جادلهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالتى هى أحسن، وهو يعلم أنهم يريدون الكيد بالمسلمين وإلقاء الرعب في قلوبهم، رجاء أن يجدوا ثغرة في الرسالة يطيرون بها فرحا، ولكن الله أمر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بأن يجادلهم، فقال الله وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (النحل- ١٢٥) . لأن ذلك سبيل من سبل الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
كانوا يسألون، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم يجيبهم بما آتاه الله من علم القرآن الكريم والحكمة، فيرد كيدهم في نحرهم، وتثبت الرسالة المحمدية، ويذهب ريب كل مرتاب.
لقد سألوه متى تقوم الساعة، وهم يعلمون من علم الكتاب أن الساعة لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالي، ولكنهم سألوا السؤال، وهم يعلمون الإجابة، فيشككون في أمر البعث الذى يجادل فيه المشركون، وقد حكى الله السؤال والجواب الحكيم الصادق، فقال الله :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ، أَيَّانَ مُرْساها، قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ، ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً، يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها، قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (الأعراف- ١٨٧) .
ولقد كانت صيغة السؤال من بعضهم توميء بالتشكيك في الرسالة، فقد قال قائلهم: أخبرنا متى تقوم الساعة، إن كنت نبيا كما تقول.
فأمره الله بأن يجيب ذلك الجواب الصادق، ولو كان السؤال ممن لا يؤمن لأن ذلك هو الحق، والحق أحق أن يتبع.
وسألوه عن الروح، ليعنتوه أيضا، وليلقوا بالريب في نفوس المؤمنين فأمره الله بأن يقول أنها من أسرار هذا الوجود الذى لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالي، فقال الله في السؤال والجواب وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ، قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي، وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (الإسراء- ٨٥) .
стр. 575
وإن حقيقة الروح لا تزال سرا من أمر الله لا يعلمها أحد سواه، نرى مظاهر وجودها، ولا نعرف حقيقة أمرها، لقد عرف ابن الانسان الكون وظواهره، وأدرك بالاستقراء الأفلاك، وأبراجها وارتفع ابن الأرض إلى السماء، ووصل إلى القمر، بأسباب المادة، لكنه إلى الآن لا يعرف حقيقة الروح ولا كنهها، وإن كان يعرف بعض ظواهرها، وأعراضها.
٣٩٩- وسألوه عن ذى القرنين ما هو وما كان أمره، وما فعله، فذكر الله السؤال، وأعلم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالجواب في قول الله :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ، قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً. إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً. فَأَتْبَعَ سَبَباً. حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ، وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً، قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ، إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ، وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً. قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ، ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً، فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى، وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً.
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً. حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً. كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً. ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً. حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا. قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً، عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ، فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً. آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ، حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، قالَ انْفُخُوا، حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً، قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً. فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ، وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً. قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي، فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ، وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا.
(سورة الكهف: ٨٣: ٩٨)
هذا سؤال قصد به الإعجاز، وإذا عجز محمد ﵊ عن الإجابة طاروا فرحا، وألقوا بالريب في النفوس، وذلك ما يقصدون، وإليه يهدفون.
ولكن الإجابة كانت علما غزيرا، وتتبعا دقيقا لسيرة ذى القرنين، وما كان له من أعمال لها أثر وذكر ولسان صدق، وكان ذلك البيان العجيب الصادق مسترعيا لعقول وقلوب الذين يستمعون إليه، فكان أثر الإجابة حجة لأهل الإيمان مثبتا لدينهم الذى ارتضوا.
стр. 576
وقد سألوا سؤالا آخر عن القرآن الكريم ليشككوا في أمره، وهو حجة الرسالة المحمدية، ودليلها الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
قالوا: أحق يا محمد، إن هذا الذى جئت به الحق من عند الله، فإنا لا نراه منسقا، كما تنسق التوراة.
فقال لهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «إنكم لتعرفون أنه من عند الله، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة، ولو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ما جاؤا به» .
فوجهوا السؤال إلى ناحية أخري، لأن اعتراضهم واهن، إذ أن نسق القرآن الكريم لا يمكن أن يوزن به نسق التوراة، ولو كانت هى الألواح العشر التى نزلت على موسي، فلكل نبى معجزته وآياته.
حولوا السؤال إلى ناحية أخرى قد توجد شكا. قالوا: يا محمد. أما يعلمك هذا إنس ولا جن؟
قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «والله إنكم لتعلمون أنه من عند الله، وإنى لرسول الله تجدون ذلك مكتوبا عندكم في التوراة» .
قالوا في لجاجة: يا محمد، فإن الله يصنع لرسوله إذا بعثه ما يشاء، ويقدر منه على ما أراد، فأنزل علينا كتابا نقرؤه، وإلا جئناك بمثله.
يذكرون بهذا أنهم يستطيعون أن يأتوا بمثله، فيقول الله على لسان نبيه: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (الإسراء- ٨٨) .
ولسان الحال يقول: ائتوا إن استطعتم، ولكنكم لا تستطيعون، وفيصل الأمر أن تأتوا، ليتبين أمركم، وينكشف خبىء مكركم وضلالكم، إذ تسفهون في أنفسكم بما لم يسفه به المشركون.
ويسألون سؤالا آخر يدل على عقليتهم المادية، وعلى عدم معرفتهم الله ، وصفاته العلية الذى ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم.
وذلك أنهم كانوا متأثرين بالفلسفة اليونانية التى كانت تؤمن بالأسباب والمسببات، ولا تؤمن بغيرها.
فالأسباب العادية جعلوها قانون الوجود، فكل شيء نشأ بالعلية، فالوجود الإنسانى والخلق كله معلول لعلة، والعلة سبب عن آخر، وبهذا أخذت الفلسفة اليونانية، فيحسبون أن العالم كله نشأ بقانون العلية، عن الأوّل، وهو علة لما قبله، وبذلك يكون التسلسل لما لا نهاية.
стр. 577
أرادوا أن يظهر عجز النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بسؤال من هذا النوع، وتناسوا أن الله هو الفاعل المختار، الفعال لما يريد، وأن إنشاءه للكون، ليس بالسببية أو العلية، بل أنشأه بإرادته المختارة، وهذا سؤالهم الذى دل على كفرهم.
قالوا للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «يا محمد، هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟» فغضب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حتى انتقع لونه، ثم ساورهم غضبا لربه.
ولقد كان غضب الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، لأن هذا السؤال كان من اليهود، وهم أهل كتاب مفروض أنهم يعرفون الله ويعرفون صفاته، وأنه الأوّل والآخر والظاهر والباطن، وأنه الفاعل المختار، القادر على كل شيء، وليس فوقه شيء، وهو مبدع الوجود، بديع السموات والأرض.
ولم يقع من العرب مثل هذا السؤال، فهم كانوا يعرفون أن الله وحده خالق الوجود، وأنه ليس فوقه أحد، وإنما شركهم في أنهم كانوا يعبدون مع الله الأوثان التى ابتدعوها، وما أنزل الله تعالى بها من سلطان، فغضب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، لأن اليهود أهل الكتاب أسفوا في التفكير إلى ما لم ينزل إليه المشركون أهل الأوثان، وهكذا تذهب اللجاجة في التعصب إلى أن قالوا ما لا يعقلون.
ويقول راوى هذا الخبر، وهو سعيد بن جبير: فجاءه جبريل ﵇، وهو غضبان أسفا، فسكنه وقال له: خفض عليك يا محمد- ﷺ وجاءه بجواب ما سألوه عنه:
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ.
كان هذا تنبيها لهم إلى ما أسفوا فيه، ولكنهم نزلوا مرة ثانية عن مرتبة الوثنيين من العرب، وظنوا الله تعالى مادة كالأحياء، وتلك بقية من نزعتهم المادية.
قالوا: «فصف يا محمد، كيف خلقه؟ ذراعه، كيف عضده؟» .
فغضب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كغضبته الأولي، وساورهم، فأتاه جبريل الأمين وجاءه بجواب من الله سبحانه وتعالى عما سألوه، وهو قول الله : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ، سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (الزمر- ٦٧) .
هذه بعض مجاوبات بين اليهود الذين لا يتقيدون بفكر ولا منطق ولا علم بكتاب، ولا إيمان بالله الواحد الأحد، الفرد الصمد الذى ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، والنبى صلى الله تعالى
стр. 578
عليه وسلم يجادلهم بالتى هى أحسن، مع سوء قصدهم، إطاعة لقوله : وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (العنكبوت- ٤٦) .
نترك الآن اليهود وأثر الانتصار المحمدى النبوى عليهم، وكيف نافقوا واتجهوا إلى الإيذاء النفسى بكل ضروبه، والنبى ﵊ والمؤمنون الذين صابروا في ميدان القتال، صابروا اليهود وعلموا شرهم في ميدان الدس، والنميمة والخيانة، والفت في العضد أو ما يسمى بلغة عصرنا الحرب الباردة، فصبروا وانتصروا في الحالين، وكان النصر مؤزرا له ما بعده في تاريخ الإسلام.
فى الفترة بين بدر وأحد
٤٠٠- كانت فيما بين الغزوتين اللتين كان فيهما تعليم للمسلمين في الحروب، فالأولى علمتهم أسباب النصر، والثانية أرتهم أسباب الهزيمة، وأن طاعة القائد الحكيم فيها النصر، والتقاء القلوب، وكان الظفر المؤزر من بعد ذلك، وإذا لم يكن انتصار حاسم في بعض المواقع كحنين في ابتدائها، وكبعض الغزوات مع الروم، فلم يكن انهزام، ولم يكن خذلان.
وإنه في هذه الفترة بعد الانتهاء من الأولي، والابتداء في الثانية قد كانت شرائع الإصلاح الاجتماعى بتنظيم التعامل بين الناس، والإصلاح الاجتماعي، هو الذى يقيم الجماعة الإسلامية على التعاون الجماعى فوق التعاون الآحادى.
إذا كان الإخاء الذى كونه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم تأليفا آحاديا، فقد شرع الله بعد غزوة بدر الزكاة وهى التعاون الاجتماعى.
لقد شرع الله قبيل غزوة بدر صدقة الفطر، وهى معاونة من الغنى للفقير والمسكين، ولا يتجاوز المصرف فيها الفقراء والمساكين، على ما حققه الأكثرون من الفقهاء، ومنهم ابن القيم، كما ذكرنا، وأنه لا تصرف في كل مصارف الزكاة على ما سنشير من بعد، ولأنه ورد في الأثر أن الواجب في صدقة الفطر، هو إغناء المساكين عن الحاجة في ذلك اليوم الذى هو فرحة المسلمين جميعا، وهو فرحة عيد الفطر، فيعم الفرح بهذه الصدقة المفروضة على رأى الأكثرين.
وأما الزكاة، فإنها تعاون اجتماعى عام يشمل الفقير والمسكين ذوى الخصاصة، ويشمل غيرهما ممن يكونون في حاجة اجتماعية وإن لم تكن خصاصة.
стр. 579
ولقد بين الله المصارف بقوله الله : إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها، وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ، وَالْغارِمِينَ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ، فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (التوبة- ٦٠) .
فهنا نجد أصنافا ثمانية تصرف لها الزكاة التى يجمعها ولى الأمر في كل إقليم من الأقاليم، كما قال ﵊ «خذها من أغنيائهم وردها على فقرائهم» .
والمصرفان الأولان الفقراء والمساكين، وخلاصة ما انتهى إليه الفقهاء من التفرقة بين الفقير والمسكين، أن الفقير هو المحتاج، ولو كان له كسب، ولكن لا يتكافأ مع حاجاته، أما المسكين فهو العاجز عن الكسب لعاهة أو لشيخوخة أو لمرض مزمن أو نحو ذلك من الأسباب التى تعجز صاحبها عن الكسب قليلا كان أو كثيرا، فكلاهما يستحق، وإن كان المسكين أشد استحقاقا، فإن ضاق بيت المال عن الإنفاق عليهما معا كان المقدم المسكين.
والصنف الثالث من الأصناف الثمانية العاملون عليها، أى الجامعون لها من الأغنياء الذين يجب عليهم أداؤها، والذين ينفقونها على مستحقيها، من بقية الأصناف الثمانية، وإن ذكر العاملين لجمع الزكاة وصرفها في ضمن المصارف يدل على أن الزكاة تكون لها حصيلة مالية قائمة بذاتها توزن فيها مواردها بمصارفها، وتكون جزآ منفصلا عن ميزانية الدولة، ولذلك جعل لها المنظمون لبيوت المال بيت مال للزكاة قائما بذاته. والصنف الرابع المؤلفة قلوبهم، وهم يدخلون في الإسلام، وتؤلف قلوبهم بقدر من المال تثبيتا لإيمانهم وليدعوا إلى الإسلام قبائلهم، ويدنوهم إلى الإسلام.
وهذا مبدأ لم يلغ، وكذب ما ادعاه بعض الناس من أن عمر رضى الله عنه قد ألغاه، وإنما كان عمل الفاروق أنه لم يعطه لناس كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد أعطاهم، وفعل أبو بكر ما فعل الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، فجاء عمر رضى الله عنه ومنعهم، لكيلا يكون حقا مكتسبا، وليس عطاء لمقصد، وأجمع الفقهاء على أنه إذ وجد ما يوجبه وجب صرفه.
ويصح أن يصرف في الدعوة إلى الإسلام، كما يصح الصرف من حصة المؤلفة قلوبهم على الذين يدخلون في الإسلام فيقطعون من ذويهم، ويضيق عليهم في أسباب رزقهم، فيجب أن يعطوا تأليفا لقلوبهم، وتثبيتا لإيمانهم، ومعاونة لمن يستحق المعاونة.
والصنف الخامس إعتاق الرقيق، وذلك لأن الإسلام دين الحرية ودين الكرامة والإنسانية ودين العدالة الحقيقية، ودين الإخاء، فلا يمكن أن يرضى عن أن يكون إنسانا مملوكا لغيره، وإذا كانت المدينة فى عهد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم والراشدين من بعده هى الصورة الاجتماعية العالية التى تنفذ فيها
стр. 580
أحكام الإسلام كاملة موفورة، فإن الزكاة قد بينت أحكامها في السنة الثانية، وأخذ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ينفذ في المجتمع الأحكام الاجتماعية العادلة التى تحمى المجتمع من آفاته، وأن إعتاق العبيد يكون بمعاونة المكاتبين وهم الذين عقدوا مع مالكيهم عقدا على أن يسددوا لهم قيمتهم المالية في سبيل تحرير رقابهم، فهؤلاء يعانون من الزكاة بما يمكنهم من سداد ما عليهم من المال، وقد قال الله :
وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً، وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ (النور- ٣٣) .
ويكون منه إعتاق من في الرقاب بشرائهم وعتقهم، وقد كان السلف الصالح يفعلون ذلك، يروى أنه في عهد الحاكم العادل عمر بن عبد العزيز كتب إليه والى الصدقات في أفريقية يشكو من أن بيت المال قد اكتظ، ولا يجد فقيرا يعطيه، فأرسل الحاكم العادل أن سدد الدين عن المدينين. فسددها، وأرسل إليه يشكو من اكتظاظ بيت مال الصدقات، فأرسل إليه اشتر عبيدا من عبيد المسلمين وأعتقهم، وبهذا تلاقى الأحرار على نصرة الإسلام، فى عهد سيد الأنام محمد ﵊.
والمصرف السادس الغارمون وهم الذين أثقلتهم الديون، وكانوا استدانوا في غير معصية وأنفقوا في غير سرف إذا عجزوا عن سداد الدين، فإن بيت مال الصدقات يسدد الدين عنهم، رفعا لخسيسهم، وكذلك يسدد الدين عمن استدانوا لأمر اجتماعى كالإصلاح بين متخاصمين، أو تحملوا ديات بين المتنازعين في الدماء، فإن بيت المال يعاونهم على سداد ما عليهم من ديون، ولو لم يكونوا عاجزين، لكى يتقدم أهل المروءة لإصلاح ذات البين، ولتخفف عنهم المغارم، فى هذا السبيل.
وإنه يجب المقارنة في هذا بين شريعة الله تعالى التى نزلت على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وقانون الرومان الذى كان يعاصر نزولها، فإنه بينما كان ذلك القانون يبيح في بعض عصوره أن يسترق الدائن المدين إذا عجز عن السداد، جاءت الشريعة بمعاونة المدين في سداد دينه، وذلك فرق ما بين شريعة الله وشريعة الإنسان.
والمصرف السابع- هو معاونة ابن السبيل، وهو من كان غريبا لا مال في يده، وإن كان له مال فى بلده، فإنه يعان من بيت مال الصدقات، حتى يثوب، ويصح لبيت المال أن يعينه بالمال، دينا عليه، حتى يعود إلى أهله إذا كان ذا مال يستطيع السداد منه من غير إرهاق ولا مشقة، والأصل أن تكون المعونة تمليكا لا أن تكون دينا.
والمصرف الثامن هو الإنفاق في سبيل الله تعالى، وهو الإنفاق في الجهاد، فللجهاد قدر في مال الزكاة يعادل الثمن أو أكثر على حسب حاجة الجند في عتادهم والإنفاق عليهم.
стр. 581
وبعض العلماء يقول إن كلمة في سبيل الله تشمل كل ما يكون من المنافع العامة، مثل إنشاء الجسور وتعبيد الطرق، وقد قال ذلك القفال الشاسي، على أن يدخل ذلك في المصرف الثامن، لا أن تدخل فيه كل المصارف السابقة، كما فهم بعض الذين يحاولون تعطيل تلك الفريضة الشرعية وهى فريضة الزكاة.
المعاقل والديات
٤٠١- ذكرنا أنه في الفترة بين الغزوتين الكبيرتين كان إصلاح اجتماعى عملى واسع النطاق، قبل غزوة بدر كان الإصلاح النفسى بالصلاة والصوم، والاجتماعى المحدود، بصدقة الفطر، وما كان الإصلاح النفسى إلا لتتألف النفوس بالقرب من الله سبحانه وتعالي، والشعور بجلاله وعظمته، فمن قرب من الله رحم عباد الله، ومن رحم عباد الله ائتلف معهم، وكان معهم قوة مصلحة، رافعة دعائم الحق والخير.
وكانت الزكاة من بعد ذلك إصلاحا عمليا يؤخذ بقوة الحاكم الذى يستمد السلطان من الله لا بمجرد الرغبة والاختيار، وإن الثواب على مقدارهما.
وكانت هذه الفريضة من دعائم المدينة الفاضلة.
ولكن المدينة الفاضلة يجب أن تكون فيها الزواجر الاجتماعية التى تحمى الفضيلة، لأن فضيلة الإسلام إيجابية، فيجب أن يكون لها من القوة ما تدفع به الرذائل.
وكما أن القوة الحربية في الدولة لحمايتها من الاعتداء، فالزواجر الاجتماعية من الحدود والقصاص هى القوة التى تحارب بها الرذائل.
ولقد ذكر ابن جرير الطبرى أنه في السنة الثانية من الهجرة شرعت المعاقل أى الديات، وإذا كانت الديات والمعاقل قد شرعت، فإنه قد شرع القصاص في النفس وفي الأطراف- وذلك لأن الديات قصاص معنوي، عند عدم استيفاء القصاص صورة، ومعنى بالقتل قصاصا أو قطع الأطراف.
فالقصاص قد شرع وجوبه في السنة الثانية، إذ نزل قول الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى، الْحُرُّ بِالْحُرِّ، وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ، وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى، فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ، فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ. وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ، يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (البقرة- ١٧٨: ١٧٩) .
стр. 582
وإن ذلك بلا ريب إصلاح اجتماعى خطير، لأنه يحمى الإنسان من أخيه الإنسان ولأنه بقيام القصاص تكون حياة كريمة آمنة لا اعتداء فيها ولا إفساد؛ ولأن ذلك إبطال للعادات الجاهلية التى كان يقتل فيها الألف بالواحد، ولا يقتل قاتل الكبير، بل يقتل من يرى أهله أو قبيله قتله ممن يحسبون أن يكون له كفئا، ولا يرضون أن تكون النفس بالنفس.
ولقد كان في القصاص قتل الروح الحسد والحقد في النفس، أو تخفيف لآثار الحسد، أو حمل للحسود على أن يضبط نفسه، إذ يرى العقاب يترصده، ولقد قال الله عن أثر الحسد الذى حمل قابيل على أن يقتل هابيل أخاه التقى الذى تقبل الله قربانه: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ، فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً، وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً (المائدة- ٣٢) .
وإن أحكام الديات بأنواعها كما ذكرنا تابعة لأصل الحكم بالقصاص في هذه الآية، وقد بينت آية القصاص في التوراة أن شريعة النبيين في التوراة القصاص، واستمرت في الإسلام، فقال الله فى سورة المائدة وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ، وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ، وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ، وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ، وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ، فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (المائدة- ٤٥) .
وبهذا يتبين أنه في الفترة بين الغزوتين كان الإصلاح الاجتماعى بإقامة العدل بين الناس، وسن سنة القصاص، وبيان الديات، حيث لا تتوافر شروط القصاص، أو حيث لا يمكن، والله أعلم.
بناء على بن أبى طالب بفاطمة رضى الله عنهما:
٤٠٢- فى هذه السنة بعد غزوة بدر بنى على بن أبى طالب كرم الله وجهه بفاطمة الزهراء رضى الله ﵎ عنها وصلى الله وسلم على أبيها سيد الخلق أجمعين.
وقد روى البخارى بسنده في ذلك عن على بن أبى طالب رضى الله عنه: قال: كان لى شارف من نصيبى من المغنم يوم بدر، إذ كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد أعطانى شارفين مما أفاء الله من الخمس يومئذ- فلما أردت أن أبنى بفاطمة بنت النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، واعدت رجلا صواغا من بنى قينقاع أن يرتحل معى فنأتى بأذخر (نبات نفيس بالصحراء) فأردت أن أبيعه من الصواغين، فأستعين به في وليمة عرسى فبينا أنا أجمع لشارفى من الأقتاب والغرائر والحبال، وشارفاى مناخان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار، حتى جمعت ما جمعت فإذا بشارفى قد أخبت (أى قطعت)
стр. 583
أسنمتها، وبقرت خواصرها وأخذ من أكبادها فلم أملك عينى حين رأيت المنظر، فقلت: من فعل هذا؟
قالوا: فعله حمزة بن عبد المطلب وهو في هذا البيت في شرب من الأنصار، وعنده قينته وهى تغنيه، وجاء في غنائها «ألا يا خمر للشرف النواء ... » فانطلقت حتى دخلت على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وعنده زيد بن حارثة.. فقلت: يا رسول الله ما رأيت كاليوم، عدا حمزة على ناقتى فأجب أسنمتها، وبقر خواصرها، وها هو ذا في البيت مع شرب (أى ندامى يشربون الخمر) ، فدعا إلى ردائه، فارتداه، ثم انطلق يمشى، واتبعته أنا وزيد بن حارثة حتى جاء البيت الذى فيه حمزة، فاستأذن، فأذن له، فطفق النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، يلوم حمزة فيما فعل، فإذا حمزة ثمل محمرة عينه فنظر إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ثم صعد النظر فنظر إلى ركبتيه، ثم صعد النظر، فنظر إلى وجهه، ثم قال:
وهل أنتم إلا عبيد لأبى، فعرف النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنه ثمل، فنكص على عقبيه القهقرى، فخرج وخرجنا معه. هذا لفظ البخارى في روايته.
سقنا هذا الخبر لأن فيه خبرا عن زواج فارس الإسلام على بن أبى طالب وقد كان يناهز الرابعة والعشرين من عمره، وإنا نتيمن دائما بذكر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وآله الأبرار.
والخبر يدل فوق ذلك على أمور:
أولها: أن عليا المجاهد العظيم، ما كان عنده مال لعرسه، فخرج يجمع المال من جوف الصحراء ليستعين بجهده على ذلك، وهو ابن عمه، وربيبه الذى رباه.
ثانيا: أنه يصرح بأن الناقتين من نصيبه في الخمس الذى كان للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم وآله، فدل هذا على أن أنفال بدر خمست ولم توزع بالتساوى، كما ادعى أبو عبيد في كتابه الأموال.
وثالثها: أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم في هذا الوقت المثير، لم ينس الاستئذان، فاستأذن على الشرب.
ورابعها: ما تفعله الخمر في النفوس، فمحال أن يصدر عن أسد الله حمزة في صحوه ما صدر عنه.
وخامسا: أن الخمر لم تكن حرمت تحريما قاطعا، ولم يكن قد تبين حكمها بيانا شافيا.
وأنها تغرى بالعداوة والبغضاء، وكادت توجد العداوة بين على وحمزة، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم وحمزة، لولا أنهم الحكماء الأبرار.
стр. 584
حروب في الفترة بين الغزوتين الكبيرتين
٤٠٣- بعد غزوة بدر الكبرى كان الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم يتعرف ما حوله من القبائل، ويسير إليهم، فبعد سبع ليال من قفوله إلى المدينة المنورة كما قال ابن إسحاق اتجه إلى بنى سليم، فذهب إليهم، وبلغ ماء من مياههم اسمه المكدر، فأقام ثلاث ليال متعرفا أحوالهم وبيئتهم ثم عاد، ولم يلق كيدا وأقام بالمدينة المنورة، وكان ذلك في شوال من السنة الثانية للهجرة، وتسمى غزوة المكدر.
وقد كانت من جولات النبى صلى الله تعالى عليه وسلم في القبائل يتعرف أحوالهم، ويعرف من يلقاه بالدعوة الإسلامية، فهذه تسميتها بالغزوة هى وأشباهها، لا يعنى الحرب، ولكن هى نشر الدعوة، والاستعداد لما يكون من بعد.
وكان كلما خرج خرجة من هذا النوع وغيره، أقام في المدينة المنورة من يخلفه عليها، ولا يختص أحدا دون غيره.
غزوة السويق
٤٠٤- فى ذى الحجة كانت غزوة السويق:
وسببها أن رجوع فلول جيش قريش المهزوم قد أرث حقد كبراء قريش الذين بقوا من معاندى النبوة ومحاربى الدعوة المحمدية إلى التوحيد، وهجر الأوثان، وعبادة الرحمن وحده.
وأخص من تألم منهم أبو سفيان الذى آلت إليه زعامة الشرك بعد أبى جهل، وعقبة بن أبى معيط، وقد كان أظهر قواد المشركين في بدر.
نذر أبو سفيان ألا يمس الماء رأسه من جنابة حتى يغزو محمدا ﵊، وقد كانت رهبة من المسلمين شديدة إثر الهزيمة المنكرة التى منى بها قومه، وقتل الأشياخ منهم، فأورثهم ذلك فزعا وخوفا مع الرغبة الشديدة في الانتقام.
ومع هذه الحال أراد التحلة من يمينه، فخرج في مائتى راكب من قريش، فسلك الطرق النجدية، فنزل بصدر قناة إلى جبل يقال له «يثب» يقرب من المدينة المنورة ثلاثة فراسخ، ولكنه لم يتجه إلى أحد من المسلمين حتى يتصل بيهود بنى النضير الذين كانوا يجاورون النبى صلى الله تعالى عليه وسلم في المدينة المنورة، وقد علم ما كان يسكن نفوسهم من إحن وبغض للمسلمين مع العقد الذى بينهم، ويظهر أنهم كانوا معهم على مودة كونتها عداوة المسلمين عامة، وعداوة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم خاصة.
стр. 585
التقى أبو سفيان ببنى النضير، تحت الليل، فأتى حيى بن أخطب فضرب عليه بابه، فلم يفتح له، ودفعه الحرص ألا يعاونه، فانصرف إلى سلام بن مشكم، وكان السيد على بنى النضير في زمانه.
وصاحب كنزهم الذى اكتنزوه، فقرى أبا سفيان، وأخبره ما كان خفيا عليه من أخبار المؤمنين.
خرج أبو سفيان من المدينة المنورة بعد أن عرف من أسرار المسلمين ما كان يعلمه بنو النضير، فأرسل رجالا ممن معه حتى أتوا ناحية من المدينة المنورة يقال لها العريض، فحرقوا النخيل، وخربوا، ثم وجدوا بها رجلا من الأنصار، وحليفا في حرث يزرعونه، فقتلوهما، وانصرفوا راجعين هاربين، غير مقاتلين، وتخففوا مما يحملون، حتى يسهل الهرب، وتركوا أزوادا مما تزودوا بها.
علم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان أشد حرصا وسبقا إلى الفزع والهيعة إذا تنادوا بها فخرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأقام على المدينة المنورة أبا لبابة.
فسار حتى بلغ المكدر، ولكن كان أبو سفيان ومن معه قد أمعنوا في الهرب فلم يدركوه، ولكن وجدوا زاد جيشه الذى كان يبلغ نحو المائتين.
وكان أكثر مما تركوا سويقا من أزوادهم، فأخذ المسلمون سويقا كثيرا، وجدوا فيه غذاء طيبا.
ولذا سميت الغزوة ذات السويق.
وقد كانت نتيجة هذه الغزوة إرهابا شديدا للمشركين، وإشعار أولئك الأعداء باليقظة من جانب أهل الإيمان، والحذر من ألا يؤخذوا على غرة.
وكان من نتيجتها أيضا أن علم المشركون أن ليس الطريق لهم ولما لهم غير الهزيمة، وأحسوا بذلك أن الإسلام صار قوة للحق لا ينال منه بغرة، وإذا كانوا قد قتلوا اثنين في حرثهما، فما كان ذلك منالا لأبطال.
غزوة ذى أمر
٤٠٥- أقام النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بعد غزوة السويق بالمدينة المنورة بقية شهر ذى الحجة يدبر أمر المسلمين وينفذ أحكام القرآن الكريم.
ولم يلبث إلا قليلا حتى اتجه إلى تعرف أحوال البلاد العربية، واتجه إلى نجد التى كان قد أتى من طريقها جيش أبى سفيان الذى فاز بقتلى الحرث، ولم يظفر بمقاتل، فكان مخربا لا محاربا، ثم فر هاربا.
стр. 586
غزا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نجدا يريد غطفان، وخلف على المدينة عثمان بن عفان رضى الله تعالى عنه.
ولقد ذكر الواقدى في تاريخه، فقال: «بلغ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن جمعا من غطفان من بنى ثعلبة تجمعوا بذى أمر يريدون حربه، فخرج إليهم من المدينة المنورة يوم الخميس لثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأوّل من العام الثالث، واستعمل على المدينة المنورة عثمان بن عفان.
وكان معه أربعمائة وخمسون رجلا وهربت الأعراب في رؤوس الجبال حتى بلغ ماء يقال له ذو أمر فعسكر به، ولم يمكث في هذه الغزوة أكثر من أحد عشر يوما وعاد.
ويذكر الواقدى في هذه الغزوة أن المسلمين أصابهم مطر كثير، ابتلت منه أثواب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فنزل تحت شجرة نشر عليها ثيابه لتجفف على مرأى من المشركين الذين شغلهم خوفهم وهربهم.
ولكن رجلا مندفعا منهم يقال له غورث بن الحارث أغروه بأن يقتل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وهو في أمنه، فيأخذه على غرة.
فذهب ذلك الرجل إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ومعه سيف صقيل، حتى قام على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شاهرا السيف عليه، وقال: «يا محمد من يمنعك منى؟ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: الله، فوقع السيف من يده، فأخذه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وقال: من يمنعك منى؟ قال: لا أحد، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والله لا أكثر عليك جمعا أبدا» .
ذكر هذه القصة الواقدى في تلك الغزوة وهى غزوة ذى أمر، ولكن البيهقى ذكر في غزوة ذات الرقاع قصة تشبه هذه، وحمل السيف منسوب إلى غورث.
وبعضهم يقول إنهما قصتان، ولكن يلاحظ ابن كثير أن غورث المنسوب إليه حمل السيف واحد في الروايتين، فلا يمكن أن تكون ثمة واقعتان إلا إذا فرضنا أن غورث هذا لم يسلم، ولم يعط عهدا للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم بأن لا يكثر عليه جمعا أبدا.
والله تعالى أعلم بالحق في الأمر.
стр. 587
غزوة الفروع من بحران
٤٠٦- كانت قريش لا تريد أن يعيش محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ومن معه من المؤمنين فى أمن، وما كان يمنعهم من الإغارة على المدينة المنورة إلا أنهم في غب هزيمة، وهى توجد الفزع، فكان الخوف يردهم عن غاياتهم.
والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم يعمل على تتبع أحوالهم، وتقصى أخبارهم، ونقص الأرض من أطرافها، وهو يريد بهذا مع تخويفهم أن يتعرف أحوال قبائل العرب، وينشر نور الإسلام متنقلا في أحياء العرب وقبائلهم في منتجعاتهم، ومتعرفا أرضهم.
لذلك خرج من المدينة المنورة تاركا عليها ابن أم مكتوم، وسار يريد قريشا، حتى بلغ بحران، وهو معدن من ناحية مكان يقال له الفروع.
ذهب إلى ذلك المكان فأقام به شهر ربيع الآخر، وجمادى الأولى، وهو في هذه المدة يدرس حال القبائل ويتعرف حالها، ويدعو إلى الإسلام في ربوعها، غير وان ولا مقصر، فذلك عمله الذى بعث له.
فما كان مبعوثا لأجل الحرب، وإنما كان مبعوثا لأجل الهداية، والحرب كانت لحماية الدعوة من الأذى، ولمنع الفتنة في الدين، ولفتح الطريق لها.
ولذلك لا يصح لأحد أن يعترض فيقول إذا كان لم يلق كيدا، ولا حربا ولا عيرا ولا نفيرا فلماذا يترك المدينة المنورة تلك المدة التى ليست قصيرة، لأن الغاية نشر الإسلام، لا مكيدة حرب ولا مصادرة مال، فالغاية هى نشر دعوة التوحيد.
تكشف الوجه اليهودى في قينقاع
٤٠٧- ذكرنا بإيجاز ما كان يقوم به اليهود، من إثارة للريب في قلوب المسلمين، وما كانوا يحاولون له أن يثيروا روح التردد والهزيمة في المجاهدين، وما ملأ قلوبهم من غيظ بعد غزوة بدر الكبري، وكيف علموا الوثنيين الحقد وسبقوهم إليه، وكيف أخرج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم المنافقين من المسجد، عند ما رآهم يهمزون ويلمزون، ذكرنا ذلك، ولكن طائفة منهم تكشف غيظها، ولم تحف أمرها، لأنها كانت تعيش في وسط المدينة المنورة مع المسلمين، ولم تكن في أطرافها، وأولئك هم بنو قينقاع.
стр. 588
ولقد كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حريصا على أن يدعوهم إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، تاركا ما يعرف من أن قلوبهم تنضح بالحقد يبدو على ألسنتهم، فالداعى إلى الحق لا ينى عن الدعوة إليه، ولو كان من يدعوه يهوديا لا يؤمن بشىء، ولا يرضى إلا بالخبال للمؤمنين.
التقى بهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بسوق قينقاع فحدثهم حديث الجار لجاره الذى عاهده يدعوه إلى الرشد، قال ﵊ لهم: «يا معشر يهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أنى نبى مرسل، تجدون ذلك في كتابكم، وعهد الله تعالى إليكم» فأجابوا هذا الحديث الرشيد الودود بكلام فيه جفوة وحدة قائلين:
يا محمد، إنك ترى أنا قومك، لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، وإنا والله لئن حاربناك لتعلمن أننا الناس.
لقى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك الجواب المرعد المنذر بالإغضاء، فما كان يحارب المعتدى بالقول، ولكن كان يحارب الفعال.
وذكر ابن إسحاق أن الله تعالى قد أجاب عنه بقوله : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ. قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (آل عمران- ١٣) .
وهذه الرؤية المضاعفة كانت حال اللقاء في الحرب، إذ كانوا يرون أنفسهم رأى أعينهم مثل المؤمنين، والله تعالى هو الذى يؤيد بنصره من يشاء قلة كانوا أو كثرة، وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله..
ولكن بنى قينقاع لم يقفوا عند حد القول، فى بث روح التفرقة والشك في أنفسهم، بل انتقلوا من الإساءة بالقول إلى الإساءة بالفعل، وهم على كثب من المسلمين، وكانوا يجاهرون بنقض العهد وأنهم لا يحترمونه، ويتناولون النبى صلى الله تعالى عليه وسلم والمؤمنين بالذم، والأذى.
ولقد قال ابن إسحاق: إن امرأة من المسلمين قدمت تبيع في سوق بنى قينقاع، وجلست إلى صائغ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها فضحكوا بها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ الماجن فقتله، وكان يهوديا، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود فغضب المسلمون، فكان الشر بينهم وبين بنى قينقاع.
стр. 589
عندئذ كان لا بد من الحرب دفاعا عن الفضيلة وعفة النفس، وقد نقضوا العهد بأقبح طريقة.
موقعة بنى قينقاع:
٤٠٨- أخذ بنو قينقاع من قبل ما حدث مع المرأة، وما كان من تهديد يتطاولون على المسلمين بالسب والأذى، والتحامل، وعدم صون لسانهم عن المسلمين والإسلام، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم يصابرهم ويوفى بعهدهم، حتى كان منهم القتل.
حاصرهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم في ديارهم، وأقام على المدينة المنورة في أثناء محاصرته لهم التى دامت خمس عشر ليلة بشير بن عبد المنذر وهو أبو لبابة.
ولما اشتد الحصار عليهم واستطال، نزلوا على حكم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. فأجلاهم، ولم يقتلهم، وقد كانوا حلفاء الخزرج الذين منهم رأس المنافقين عبد الله بن أبي، كما كان منهم عبادة ابن الصامت، وقد ناصرهم ابن أبى، وتعرض للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم فقال رأس النفاق: يا محمد أحسن في موالى. فأبطأ عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: يا محمد أحسن في موالى. فأبطأ عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: يا محمد أحسن في موالى. ومع تبجحه فى نداء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من غير وصف الرسالة، إذ غلبه النفاق في النداء، فبدا في لحن قولهم، كما قال الله : وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ (محمد- ٣٠) مع هذا التبجح تجرأ فوضع يده في جيب درع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أرسلنى، وغضب حتى رأوا لوجهه ظللا، ثم قال: ويحك أرسلنى، قال المنافق: «والله لا أرسلك حتى تحسن في موالى. أربعمائة حاسر «١» ، وثلاثمائة دارع «٢» قد منعونى من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة، إنى والله امرؤ أخشى الدوائر» وكأنه حسب أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم سيقتلهم، والنبى ﵊ أراد إجلاءهم. ولم يرد قتلهم، فقال له: هم لك، أى أنه يجليهم، ولا يقتلهم، لأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم دفع شرهم بأقل ضرر ينزله بهم.
هذا موقف رأس النفاق، أما موقف المؤمن عبادة بن الصامت، وهو حليفهم مثله، فإنه قال: «أتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم» . ذانكم رجلان: مؤمن ومنافق.
стр. 590
يقول ابن إسحاق: إن في ابن أبى وعبادة نزل قول الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ، إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ، يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ، فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ. وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ، حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ، ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ. إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ، وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ، وَهُمْ راكِعُونَ. وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (المائدة- ٥١: ٥٦) .
وإذا صح أن الآيات الكريمات نزلت لمناسبة موقف رئيس المنافقين، ورجل مؤمن من المؤمنين، فإن الآيات فيها وصف عام لمن يكون ولاؤهم لله ومن يكون ولاؤهم لغيره.
وإن أمر بنى قينقاع قد انتهى بإجلائهم، وطهرت المدينة المنورة من أرجاسهم، وما كان ذلك اعتداء من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، بل كان ذلك لرد اعتدائهم، ولنقضهم للعهد، ولأنهم صاروا جيران سوء، يحق إجلاؤهم ليسلم الناس من فسادهم.
سرية زيد بن حارثة
٤٠٩- بعد غزوة بدر، وما أصاب قريشا فيها، خافوا طريق المدينة المنورة في وصولهم بمتاجرهم إلى الشام فاختاروا طريقا حسبوه أسلم من هذا الطريق وإن كان أطول، فاختاروا طريق العراق وهو طريق مع بعده لم يكونوا من قبل يسلكونه، فلم يعرفوا مسالكه، فاستأجروا رجلا من بنى بكر بن وائل حليف بنى سهم ليكون لهم دليلا، وليستمدوا من حلفه أمنا لهم.
ولكن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الذى كان يتعرف الصحراء وطرائقها علم بمسلكهم، فبعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إليهم زيد بن حارثة، يتتبع مسالكهم، فلم يفلتوا منه، ولقيهم على ماء يقال له ماء القردة، وهم يستسقون، فأصاب العير، فأحضرها إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وقسمت غنائم، ولكن الرجال الذين كانوا يصحبون العير قد نجوا بأنفسهم فارين.
стр. 591
ويقول الواقدى في تاريخ هذه السرية، والعلم بالعير «كان خروج زيد بن حارثة في هذه السرية في مستهل جمادى الأولى على رأس ثمانية وعشرين شهرا من الهجرة (فى السنة الثالثة) وكان رئيس العير صفوان بن أمية، وكان سبب بعثة زيد بن حارثة أن نعيم بن مسعود قدم المدينة المنورة ومعه خبر هذه العير، وهو على دين قومه، واجتمع بكنانة بن أبى الحقيق في بنى النضير، ومعهم سليط بن النعمان، فشربوا فتحدثوا بشأن العير ... فخرج سليط من ساعته، فأعلم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فبعث من وقته زيد بن حارثة، فلقوهم فأخذوا الأموال، وأعجزهم الرجال وإنما أسروا رجلا أو رجلين، وقدموا بالعير، فخمسها، فبلغ خمسها عشرين ألفا، وقسم أربعة أخماسها على السرية. وكان فيمن أسر الدليل فرات ابن حيان، فأسلم رضى الله عنه، وأن هذا الخبر، يعين الوقت، ويذكر طريق العلم بهذه العير.
وإنى أرى خبر نعيم الذى وصل إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم في حينه كان من أحد طرق المعرفة، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقظا عالما بما تفعل قريش من أوقات متاجرهم وخروجها إلى الشام، وميقاته، وخروجها إلى اليمن وميقاته، فقد كانوا يألفون مواعيد معلومة يعدون فيها المتاجر، والله قد أعلم بما يألف قريش، فقال: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ. رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ. فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (سورة قريش) .
فالنبى لابد أن يكون بفراسة المؤمن يعلم أنهم سيخرجون في ذلك الوقت وأنهم إذا لم يمروا به، فإنهم لابد أن يمروا بطريق آخر، وهو طريق العراق، فجاء الخبر متفقا مع ما نحسب أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد حسبه والله أعلم.
كعب بن الأشرف اليهودى
٤١٠- هذه حال فردية ولكنها ذات صلة بسير الحروب، بين أهل مكة المشركين والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وما كان يقوم به اليهود في هذه المعارك آحادا وجماعات من تحريض للمشركين وتخذيل للمؤمنين، وبث روح التردد والهزيمة في أهل المدينة المنورة، وإثارة الحروب في مكة المكرمة، وكلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله .
وكان كعب بن الأشرف يقوم في ذلك بأعمال خطيرة، تؤجج النيران ضد المؤمنين، وكعب من طييء، وأمه من بنى النضير، وظاهر حاله أنه لم يدخل في عهد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولم يقف من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ولا المؤمنين موقف المسالة، أو يعتزل، فلم يكن مع هؤلاء وأولئك، بل أظهر العداوة، وعمل تحت سلطانها، وبدا ذلك فيما يأتى:
стр. 592
(أ) أنه لما علم بمقتل المشركين من أهل بدر، أعلن غضبه على المؤمنين، قال: «لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها» ، وبذلك أعلن العداوة المكنونة في نفسه، وماذا يصنع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مع عدو أظهر عداوته، ولم يكن له عهد مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
(ب) أنه كان يهجو النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ويشدد في الهجاء، غير ملاحظ كرامة، ولا حرمة، بل كان منخلعا من كل عهد، ومن كل فضيلة، وكان كالذين آذوا موسى من إخوانه اليهود، وهو متحلل من كل مروءة.
(ج) أنه قدم المدينة المنورة يعلن عداوته للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم ويجاهر بها، ويحرض اليهود على المؤمنين، ويلقى بالشر والفتنة بين المؤمنين من غير حريجة من خلق أو دين أو عهد، وجعل يشبب بنساء المؤمنين، ويشيع قالة السوء عن فضليات هؤلاء النساء.
(د) وكان يحرض يهود على أن تنقض عهدها مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وأنه كان بأفعاله يجرئ كل من لم يؤمن بمحمد ﵊ على الخروج عليه، وشن الحرب، ولم يترك بابا من أبواب الكيد إلا دخل إليه، وليس له أهل يرد عليهم فيمنعوه، بل هو منفرد بأعماله مقيم فى حصن، لا ينتمى إلى بنى النضير إلا من جهة أمه، ولا تسرى عليه عهودهم.
(هـ) أنه لم يقف عمله عند العداوة والبغضاء، وإشاعة الفساد، وتحريض يهود، بل إنه تجاوز ذلك، إذ ذهب إلى مكة المكرمة، واستعدى قريشا، فنزل على الذين أوذوا في غزوة بدر، وأخذ يحرضهم على قتال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وربط حباله بحبالهم، ونفسه بنفوسهم، حتى لقد قال له أبو سفيان من فرط ما امتزجت نفوسهم به: «أناشدك أديننا أحب إلى الله أم دين محمد وأصحابه، وأينا أهدى في رأيك، وأقرب إلى الحق، إننا نطعم الجزور الكوماء، ونسقى اللبن على الماء، ونطعم ما هبت الشمال» فقال له كعب اليهودى الكتابى: أنتم أهدى سبيلا، وقال الله في كتابه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ، وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا. أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً. أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ، فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً. أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ، وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (النساء- ٥١: ٥٤) .
وهكذا قد بدت العداوة من أفواههم، والتحريض من أعمالهم، وإرادة الفساد، وإشاعة الفاحشة بين المؤمنين من تصرفاتهم، وكان كعب المثل الواضح في ذلك، وكان يقول القصائد محرضا المشركين على المؤمنين ويقول في شعره محرضا قريشا:
стр. 593
طحنت رحى بدر لمهلك أهله ... ولمثل بدر تستهل وتدمع
ويقول في التحريض من هذه القصيدة:
ويقول أقوام أسر بسخطهم ... إن ابن أشرف- قل- كعبا يفزع
نبئت أن بني المغيرة كلهم ... خشعوا لقتل أبي الحكيم وجدعوا
وابنا ربيعة عنده ومنبه ... ما نال مثل المهلكين وتبع
نبئت أن الحارث بن هشامهم ... في الناس يا بني الصالحات ويجمع
ليزور يثرب بالجموع وإنما ... يحمى على الحسب الكريم الأروع
وهكذا يحرض على القتال، ويرثى القتلى بعبارات تؤجج نيران الحقد ليدفعها إلى الثأر.
٤١١- هذا ما يفعله الرجل اليهودى المنطلق من كل العهود والمواثيق، أيسكت النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وهو المحارب الحذر الذى يهجم على مداخل الأذى قبل أن يلج منها العدو، أم يعلنها على قومه أو من ينتمى إليهم من بنى النضير، وأكثرهم لم ينالوا المؤمنين بمثل ما نال، ولا تزر وازرة وزر أخري، والنبى ﵊ لا يعلن الحرب إلا على من أعلنها، ولما يعلنوها.
أم يسكت ويترك الشر يستشري، ويحاكيه في أفعاله بقية يهود، لا شك أن آخر الدواء الكي، إنه لابد أن يجتث الداء في موضعه، ولا يتركه حتى يفسد الجسم كله، ولا منجاة حينئذ، لم يبق إلا أن يقتل كعبا حسما لمادة الفساد، وما السبيل لدفع شره غير القتل، إنه لا سبيل إلا هو، وأن يقضى على الداء، أن يعلن عليه النبى ﵊ الحرب، وهل تعلن الحرب على واحد، لقد قلنا أن من ينتمى إليهم لم يكن منه مثل ما فعل.
فلم يبق إلا أن يقتل، وأن يدعو النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من يتولى قتله في مأمنه، وقد اتخذ حصنا يأوى إليه، فحرض ﵊ من يقتله من غير ضجة، ولا إزعاج لأحد من الآمنين، ولقد انتدب لذلك من رأى في نفسه القدرة من الصحابة، واستأذنوا الرسول في أن يخدعوه بالقول فأذن.
ولقد وجدنا من الغربيين الذين يكتبون في تاريخ الإسلام من أثاروا زوبعة حول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. وكيف يأمر بالقتل غيلة، وهو نبى مرسل، قالوا ذلك، ونسوا أنه نبى محارب لا يدعو إلى الاستسلام للشر، بل يقاومه، ويحتاج لحماية الناس من الضرر، وأنه بمقتضى حكمة النبوة يجب أن يدفع الضرر الكثير بالضرر القليل، وإنه في سبيل أن تحقن الدماء في القتال يجب منع أسبابها، وأن
стр. 594
الذى كان يثير الحرب جذعا هو واحد وقتل واحد شرير خير من قتل جماعة في ميدان الحرب، فهو كان يحرض على الحرب.
قالوا إن القتل كان غيلة، ونحن نقول في ذلك إن الرجل جاهر بالعداوة، وشبب بنساء المسلمين، وحرض اليهود على الانقضاض على المؤمنين ونكث العهود. ولم يكتف بذلك، بل ذهب إلى مكة المكرمة، وأثار الأحقاد ودعا إلى أن يقاتلوا محمدا ﵊.
فعل كل ذلك جهارا نهارا، فإذا لم يتوقع من محمد صلى الله تعالى عليه وسلم أنه يتربص به الدوائر الدائرة، وأنه يريد أن يقضى عليه، لأنه مادة الشر ولسانه، إذا لم يقدر ذلك فهو أبله، ولم يكن كذلك فمحمد ﵊ أمر بقتله في وقت كان هو يتوقع ذلك، أو ينبغى أن يتوقع ذلك ولا يعد القتل غيلة لمن يتوقع القتل، إن قتل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يشبه من يعلن عن شرير بأنه ارتكب آثاما كثيرة، وأن من أحضره حيا أو ميتا، فله جزاء.
إننا فرضنا أن الحكمة والعدالة والأخلاق توجب التخلص منه، وإذا لم يجز التخلص منه بالطريقة التى حدثت وهى الخديعة، فكيف كان يمكن التخلص، أيحضره من ينتمى إليهم فيقدمونه للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، إنهم لا يفعلون ذلك، ولم يوجد من يتحمل تبعة عمله وما يفعل، وإذا لم يكن ذلك أيأمر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بإحضاره بين يديه والحكم عليه بالقتل ويتولى قتله، وما الفرق بين هذا، وبين ما كان من حيث المعنى.
إن قتله كان أمرا لابد منه لما قام به، ويقوم به رئيس الدولة العادلة التى يحكمها ذلك الحاكم العادل، فإنه لا سبيل لدفع فساده وإفساده إلا بقتله بأى طريق كان القتل، وكل ما فعله النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنه أباح دمه، جزاء ما ارتكب، ومنعا لاستمراره في غيه، فقد كان يقوم بجريمة مستمرة غير متحرج، فالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان مخيرا بين أمرين إما أن يقتله، وإما أن يتركه يرتع في جريمته، فاختار أسلم الأمرين، اللذين لا مناص من اختيار أحدهما.
وإن أولئك الذين يثيرون الشك حول أعمال محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وحول رسالته السماوية التى كانت رحمة للعالمين- يقولون إن الرسالة السماوية تتنافى مع القتل غيلة، بل تتنافى مع أصل القتل، كما كان من عيسى ﵇ الذى يروون أنه قال: «من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر» .
стр. 595
ونقول في الجواب عن ذلك، إن قمع أعداء الدعوة الدينية لا يتنافى مع الرسالة، فموسى ﵇ وهو من أولى العزم من الرسل، قد قتل بيده، وقاتل، ودعا بنى إسرائيل إلى القتال، وما تنافى ذلك مع رسالته الإلهية التى نزلت بها التوراة، وهى كتب العهد القديم المقدسة عند اليهود والنصارى معا.
ويحسبون أن الرحمة النبوية تمنع القتل والقتال، ونقول في ذلك إن القتل المشروع يكون بباعث من الرحمة، فليست رحمة النبوة انفعالة رعناء تكون على موضع البرء والسقم، إنما رحمة النبوة تكون بالكافة، ومن الرحمة بالكافة أخذ المذنب بذنبه، ومنع الفساد في الأرض، قال الله :
وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ، وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (البقرة- ٢٥١) والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: «أنا نبى المرحمة، وأنا نبى الملحمة» ، وملحمته نابعة من مرحمته، وكثير من العفو يكون مشتملا على أقسى العذاب، وهو العفو عن الجانى الذى لا رجاء في صلاحه.
والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد اشتملت شريعته على العفو في الأمور التى لا يعود العفو فيها بالشر على الجماعة، كما قال الله : وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (النحل- ١٢٦) . فالصبر عن أخذ الجانى بجريمته إنما يكون في الاعتداء على الآحاد الذى لا يتعدى الأمر فيه إلى الجماعة، وقول الله : خُذِ الْعَفْوَ، وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ إنما هو في الأمور الشخصية التى لا يعود ضررها على الكافة، يقول الله : وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ، ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ. وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا، وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ. وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (فصلت- ٣٤: ٣٦) وهذا واضح أنه في الأمور التى تمس الشخص ولا تصل إلى الجماعة، وكلام النصارى الذى ينسبونه إلى المسيح ﵇ إنما هو في الأمور التى لا تمس إلا الشخص. وإذا فهموه على أوسع من ذلك، فلكل شرعة ومنهاج، والله ولى الرشاد.
стр. 596
غزوة أحد
٤١٢- أهمت قريشا هزيمة بدر الكبري، إذ كانت حقا يوم الفرقان بين الحق والباطل، وقوة المؤمنين وضعفهم، وكانت أوّل هزيمة تنالهم من جيش محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، فكانت مرارة الهزيمة شديدة، لأنها نالت أشياخهم، والزعماء فيهم الذين كانوا يجعلونهم بحكم الجاهلية لا تعدلهم قبائل، وما من بيت من بيوت كبرائهم إلا كان فيه جرح كبير قد ولد ترة شديدة.
وفوق ذلك قد أحسوا بأن دولة الشرك التى كانوا يستمسكون بها قد أخذت تنهار، وقد كانوا يعتبرونها عقيدة آبائهم، وكانوا يقولون: بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا، أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (البقرة- ١٧٠) .
وقد وجدوا من بعد ذلك أن مكانتهم في العرب، وشرفهم أخذ ينهار، ولو توالت هذه الحال لزال شرفهم ولزالت مكانتهم، وظنوا أن الأعراب الذين كانوا يخضعون لشرفهم سيخرجون من بعد عن نفوذهم، وأن القبائل العربية، تتسنم مكانهم إن استطاعوا.
ورأوا متاجرهم تساق إلى محمد صلى الله تعالى عليه وسلم غنائم تقسم بين أصحابه، وأنهم لا قبل لهم بأن ينفذوا بمتاجرهم إلى الشام ليتوردوا ويستوردوا، وتستقيم لهم رحلة الشتاء والصيف.
رأوا كل هذا وحاولوا أن ينالوا من محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فلم ينالوا، فأغاروا غارة السويق، فما استفادوا كثيرا، بل لم يستفيدوا قليلا.
رأوا كل هذه الدنايا، فهل يسكتون، وإن سكتوا عن متاجرهم، فلن يسكتوا عن شرفهم الذى ثلم، ولن يسكتوا عن الثارات التى ولدتها المقتلة في أشياخهم، ومن كانوا في موطن الزعامة فيهم.
القوة بدل العير
٤١٣- مشى عبد الله بن أبى ربيعة، وعكرمة بن أبى جهل، وصفوان بن أمية في رجال من قريش ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم يوم بدر فكلموا أبا سفيان بن حرب ليقودهم إلى المعركة الجديدة، وكانت قيادة المعركة التى هزموا فيها بين أبى جهل، وعقبة بن أبى معيط، فأرادوا توحيد القيادة هذه المرة، وأبو سفيان بقية رجالهم، أو من هو في مكان الزعامة منهم، وأبو سفيان هو الذى نجا بعيرهم، ويريدون أن تكون العير الناجية فداء لثأرهم.
قال هذا الوفد الذى ذهب إلى أبى سفيان، وخاطب أصحاب العير قائلا:
стр. 597
يا معشر قريش: «إن محمدا قد وتركم، وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا ندرك منه ثأرا» .
فنزلوا عن المال، ليكون مادة القتال، وأخذوا الأهبة من الرجال، وأدوات الحرب، لأنهم علموا أنها الذلة والخزى والعار، إن لم يستردوا مكانتهم.
اجتمعت كل بيوتات قريش وبطونهم، ولم يبق أحد منهم الا أخذ الأهبة واستعد للقتال، وأن يضربوا المدينة المنورة ضربة قاصمة، وإن لم يقتلعوا الإسلام منها، فإنهم ينالون مأربا وثأرا، ويستردون شرفا ويدفعون عارا.
وضموا إليهم كنانة وتهامة، وأحباشا كثيرة ممن لهم دربة في القتال بالرماح، وكان منهم وحشى قاتل أسد الله حمزة الذى منى بالعتق إذا قتل حمزة الذى كان سيفه البتار يهد قريشا هدا، فما ذهب ليقاتل، ولكن ذهب ليترصد حمزة، لا ليواجه الجيش، فكأنه ذهب للاغتيال، لا للقتال.
ولم يكتفوا بمن استعانوا بهم من قبائل حول مكة المكرمة وأحباش، بل استعانوا ببعض المشركين من الأوس في يثرب لأن لهم أحقادا كأحقادهم، ولم يرضوا النفاق أو لم يظهروا به، فقد روى قتادة أن أبا عامر بن صيفى أخا بنى ثعلبة، وكان قد خرج من مكة المكرمة مباعدا لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ومعه خمسون من غلمان الأوس، وكان قبل قدوم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وتوهمت قريش أو أوهمها أنه إن لقى قومه، لم يختلف عليه أحد.
وقد اجتمع بذلك نحو ثلاثة آلاف، ومعهم مائتا فرس عليها مائتا فارس وكان خالد بن الوليد على مائة جعلها يمين الخيل، وعكرمة بن أى جهل على مائة جعلها على ميسرة الخيل، وإنهم رأوا أن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم، إنما يقاتل بحمية الدين، ومؤيدا بروح معنوية تفوق قوة العدد والعدة وتتغلب على الصعاب، فرأوا أن يكون معهم المحرض المعنوى، وهو أن يكون نساؤهم معهم، بحيث يستحون أن يفروا أمامهن، وأن يؤخذن سبايا.
فخرج أبو سفيان بن حرب، وهو القائد بزوجه هند بنت عتبة، وكان لها ثأرات، قتل ابنها وأخوها وأبوها، وخرج عكرمة بن أبى جهل ومعه زوجه أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة ...
وهكذا كثيرات من عقائل القوم، وذوات الشرف في قريش، ليكون خروجهن محرضا على الجلاد، ومانعا من الفرار، وجملة القول في ذلك أنهم تزودوا بالعدد، وبالسلاح والكراع، وبالمحرضات كلها، لأنهم يعلمون أنهم أمام خصم مزود بكل قوى النفس والإيمان الذى فقدوه.
стр. 598
وجاؤا معهم بالشعراء والخطباء ليحرضوا، وليدفعوا في الجند روح البأس والقوة وحب النضال، ولم يتركوا بابا من أبواب الإعداد إلا دخلوا منه.
وكان ممن اشترك في التحريض على القتال أبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحى، وكان قد أسر ببدر الكبرى، فمن عليه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بغير فداء، لأنه فقير كثير العيال، على ألا يظاهر عليه، وبالتالى لا يكون لسانه للتحريض على قتال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
ولكن المشركين مازالوا به حتى أخرجوه عن عهده للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد قال له صفوان بن أمية: يا أبا عزة إنك امرؤ شاعر، فأعنا بلسانك، فاخرج معنا، فقال: إن محمد قد منّ على، فلا أريد أن أظاهر عليه، قال: بلي، فأعنا بنفسك، فلك عهد الله على إن رجعت أن أعينك في بناتك وإن أصبت أن أجعل بناتك مع بناتى، يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر.
خرج أبو عزة وأخذ يحرض بنى كنانة هو وغيره على أن ينضموا إلى جيش قريش ومن معهم فى قتال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
ويظهر أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد علم بمخرجهم، وفي كثير من الروايات أن العباس ابن عبد المطلب الذى لم يشترك في هذه الحملة أرسل إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يخبره.
وأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان له فوق ذلك العيون يبثها ويتعرف أخبارهم، فيعرف عيرهم وبالأولى يعرف نفيرهم، ولكنه انتظر حتى يقع ما توقع، ويكون أمامهم وجها لوجه، وما كان له أن يلقاهم قبل ذلك في غير مأمنه، وحيث مستقره.
وقد سار جيش قريش سيرته، حتى وصل إلى المدينة المنورة، وانساب في مزارعها، تأكل وتعبث أفراس المشركين وإبلهم، متحدّين مهاجمين.
لقاء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لهم
٤١٤- كان قدوم ذلك الجيش اللجب إلى المدينة المنورة في أوّل شوال من السنة الثالثة، وكانت الغزوة في منتصفه، وروى أنها كانت في الحادى عشر منه.
وقد أخذ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الأهبة للقاء لا بكثرة العدد والعدة، ولكن بقوة الإيمان والحق وقوة الشورى، وبث روح التعاون، والاندماج النفسى بالشورى، فإن الشورى بين المخلصين تجعل نفوسهم تندمج، وتحس كل نفس بأنها جزء من الأنفس.
وقف ﵊ بعد الصلاة بين المسلمين، وقد عاينوا، وأحس المؤمنون منهم بأن الأمر خطر، أخذ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يستشير المسلمين قبل المعركة.
стр. 599
وكان محور الشورى يدور على أمرين: أيخرج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بجيش الإيمان، ويقاتلهم حيث يكون خير مكان للقتال، أم أنه يبقى في المدينة المنورة، فإن أقاموا أقاموا في أسوأ مقام، وقد ينفد منهم الزاد والراحلة، وإن يدخلوا إلى المدينة المنورة ولها مسالكها المبنية بالحجارة والآجر، وكأنها حصن وهم لا يعرفون مداخله. كانت الشورى في أى الأمرين أنكى للعدو، وأقرب إلى النصر، لقد كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يكره الخروج، وروى أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال:
«امكثوا واجعلوا الذرارى في الآطام فإن دخل علينا القوم في الأزقة قاتلناهم، ورموا من فوق البيوت» ، وروى ابن إسحاق أنه ﵊ قال: «إن رأيتم أن تقيموا بالمدينة، وتدعوهم حيث نزلوا فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها» .
وإنه مما يسترعى الأنظار أن عبد الله بن أبى ابن سلول كان على هذا الرأى، ولعله جبن اللقاء منه، ولكيلا ينكشف النفاق، أو لأنه يرى أن بعض مواليه اليهود قد يجدها فرصة للانقضاض.
ومهما يكن من مقصده، والله أعلم بذات الصدور، فإنه قد قال:
يا رسول الله، أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فو الله ما خرجنا منها إلى عدولنا قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤا.
وقد خالف ذلك الرأى- مع أنه رأى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم- كثيرون من المجاهدين، وكانوا صنفين، صنف من أهل النجدة والبأس والقوة لم يجدوا في الانتظار ما يتفق مع ما عندهم من إقدام، وأنه لابد أن يلاقوهم ولا ينتظروهم ومن هؤلاء حمزة بن عبد المطلب أسد الله، فقد قال في قوة:
«والذى أنزل عليك الكتاب لنجالدنهم» .
وقال رجال من الأنصار الأشداء: ومتى تقاتلهم يا رسول الله إذا لم تقاتلهم عند شعبنا.
والصنف الثانى من الذين لم يحضروا بدرا، وأرادوا أن يكون لهم في هذه الموقعة شرف مثل شرفها، وقالوا: كنا نتمنى مثل هذا اليوم، وندعو الله، فقد ساقه إلينا، وقرب المسير.
وبذلك انتهى الرأى بالخروج، لتكاثر الذين أرادوه، وكثرة الذين أرادوا أن يستعيضوا عن شرف الجهاد في بدر بشرف الجهاد في أحد.
وما كان لمحمد ﵊ الذى جاء بالشورى، وأمر بها إلا أن يستجيب لحكم الكثرة، ولا يفرض فيه الخطأ، كما يفعل ويروج المستبدون في هذا العصر، إذ يفرضون في أنفسهم
стр. 600
الصواب الذى لا يحتمل الخطأ، وفي تفكير غيرهم الخطأ الذى لا يحتمل الصواب، وتردت بهم الجماعات في مهوى سحيق.
النبى ﵊ يعد المؤمنين للقتال:
٤١٥- أخذ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يتعرف خبر الأماكن التى يلقى فيها العدو المكاثر المكابر، وأنه لكى يختار لجيشه لابد أن يعرف أماكن جيش العدو ويمر في غير ممرهم.
قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كما روى في الصحيحين: هل من رجل يخرج بنا على القوم من كثب، من طريق لا يمر بنا عليهم، فقال أبو خيثمة: أنا يا رسول الله، فأخذ يسير، فنفذ في حرة بنى حارثة، وبين أموالهم، حتى سلك بهم في مال لمربع بن قيظى، وكان رجلا منافقا ضريرا، فلما سمع حس رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ومن معه من المسلمين، فقام يحثى في وجوههم التراب، ويقول: إن كنت رسول الله فإنى لا أحل لك أن تدخل في حائطى، وأخذ حفنة من التراب في يده، ثم قال: والله لو أنى أعلم أنى لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك، فابتدره القوم ليقتلوه فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تقتلوه، فهذا الأعمى أعمى القلب، أعمى البصر.
ولكن قبل هذا النهى ضربه بعض القوم بالقوس فشج رأسه.
كان هذا الاتجاه من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن نزل على رأى الكثرة ممن استشارهم من المؤمنين.
وقبل أن يخوض بهم المعركة نبههم إلى أنه نزل على آرائهم، فلبس لأمة الحرب، واتخذ درعه استعدادا للميدان، وأخذ يضع الجيش مواضعه.
أحس بعض المؤمنين أنهم استكرهوا الرسول ﵊، وقالوا أمرنا رسول الله أن نمكث بالمدينة المنورة، وهو أعلم بالله تعالى وما يريد، ويأتيه الوحى من السماء.
حسبوا أن الأمر من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالبقاء يتصل بالوحى وأمر الله فيه، وظنوا لفرط إيمانهم، ولو كان الأمر كذلك ما أخذ فيه رأى أحد، فلا رأى في أمر الله تعالى ونهيه، ولكن كان من الرسول ﵊ الرأى في الحرب والمكيدة، ولهذا عرض الأمر عليهم، واختار رأى الكثرة، لأنه الشورى.