روى أبو هريرة عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: «حدثونى عن رجل دخل الجنة لم يصل قط، فسألوه من هو؟ فقال: أصيرم بن عبد الأشهل عمرو بن ثابت» .
هذه أمور قد أحاطت أحدا، وأعقبتها في داخل المدينة المنورة، وما حولها، أما أثرها في بلاد العرب، والقبائل المصاقبة في المدينة المنورة، وما تحمله النبى صلى الله تعالى عليه وسلم والمؤمنون في أعقابها، فنتركه إلى الكلام في سرايا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وغزواته من بعدها.
الأحكام المستفادة مما أتبعه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم في أحد
٤٣٧- كانت غزوة بدر الكبرى إيذانا بشرعية القتال دفاعا عن النفس، ودفعا للاعتداء.
وحماية للدعوة، كما صرح بذلك القرآن الكريم، فى قوله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا، وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (الحج- ٣٩) . وفي قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (البقرة- ١٩٠) . وفي قوله تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ (البقرة- ١٩٣) وقوله تعالى:
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ، وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ، وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (البقرة- ٢١٦) .
وهكذا نزلت آيات كثيرة في إباحة القتال، بل وجوبه دفعا للفساد، كما قال تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ، وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ.
(البقرة- ٢٥١) .
كان هذا لمناسبة أوّل قتال، أما في أحد، فقد شرعت أحكام تفصيلية في الجهاد من عمل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من تكوينه لجيشه، ومن استقباله لعدوه:
(أ) ومن هذه الأحكام التى ثبتت في هذه الغزوة أنه لا يخرج إلى الجهاد من لم يبلغ الخامسة عشرة إلا إذا كان قوى الجسم، كقوة الشبان البالغين، أو كانت له مهارة فنية في الحروب، كالرمى بالنبل، فقد أجاز اثنين ممن دون الخامسة عشرة بقليل لمهارة أحدهما في الرمى، ولقوة الثانى في المصارعة.
وقد أجاز صلى الله تعالى عليه وسلم خروج النساء في الغزو، يسقين الغزاة، ويداوين الجرحى،
стр. 632
والقتال إن تعين القتال عليهن، كتلك التى كانت تناضل مع المناضلين عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقد أحاط به المشركون يحاولون قتله، فردهم الله تعالى بغيظهم لم ينالوا منه ﵊ شيئا.
ولذلك أجاز الفقهاء خروج المرأة مع الجيش مداوية ومقاتلة، وقال بعضهم: لا يحل لها ركوب الخيل إلا أن تكون محاربة.
(ب) ومنها أنه إذا أخذت الأهبة للجهاد لا يجوز أن يترددوا، فإن التردد يلقى بالخذلان في النفوس، والاختلاف والتدابر، ولذلك لما لبس النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لأمة الحرب، وغير المجاهدون رأيهم، قال صلى الله تعالى عليه وسلم «ما كان لنبى لبس لأمة الحرب أن يخلعها» وكذلك الأمر في كل أمر ينتهى بالشورى لا يصح أن يكون موضع تردد حسما للأمور وفضا للنزاع.
(ج) ومنها أنه يجوز للمجاهدين مجتمعين أن يأخذوا طريقهم، ولو في أرض مملوكة ملكا خاصا، كما اجتاز النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بجيشه بعض الحدائق، ولم يلتفت إلى اعتراض المعترضين، لأن الملك الخاص له حق الصيانة، إلا إذا ترتب على الحقوق الخاصة ضرر عام، فإذا لم يكن للجيش طريق إلا الملك الخاص، لم يمنع من سلوكه مهما يكن اعتراض صاحبه، ولذلك لم يلتفت النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى اعتراض الأعمى صاحب الحديقة، وقال إنه أعمى البصر والبصيرة.
(د) ومنها جواز أن يتمنى المجاهد في سبيل الله الشهادة من غير مواناة ولا استسلام بل في حزم وعزة وقوة. وتمنى الموت منهى عنه في غير هذا المقام كما قال عبد الله بن جحش عند ما تقدم للجهاد «اللهم لقنى من المشركين رجلا عظيما كفره، شديدا حرده، فأقاتله، فيقتلنى ويسلبنى ثم يجدع أنفى وأذنى، فإذا لقيتك فقلت: يا عبد الله بن جحش، فيم جدعت!! قلت: فيك يا رب» .
ويظهر أن ذلك الدعاء بعد أن رأى المشركين يمثلون بالقتلى.
(هـ) ومنها أن المسلم إذا قتل نفسه أثم، ودخل النار، ولو كان ذلك من جراح شديدة، وذلك أن مسلما اسمه قزمان أبلى يوم أحد بلاء شديدا حتى أثخن بالجراح، فلما اشتدت به نحر نفسه، فأثمه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، لأنه يئس من روح الله تعالى وبأنه: لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (يوسف- ٨٧) .
(و) ومنها أن السنة في الشهداء ألا يغسلوا ولا يكفنوا في غير ثيابهم التى كانوا يجاهدون بها، بل يدفن فيه بدمه وكلومه إلا أن يسلبها فيكفن في غيرها.
стр. 633
(ز) ومنها أن السنة في الشهداء أن يدفنوا في مصارعهم، ولا ينقلوا إلى مكان آخر، وذلك لتكون زيارة قبورهم فيها عبرتان: عبرة الاستشهاد والجهاد، وعبرة رؤية المكان الذى صارعوا فيه وجاهدوا حتى نالوا أعلى الحسنيين.
وقد حصل في أحد أن بعض الصحابة نقلوا قتلاهم إلى المدينة المنورة، فنادى منادى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم برد القتلى إلى مصارعهم، قال جابر بن عبد الله بينما أنا في النظارة، إذ جاءت عمتى بأبى وخالى، كما دلّتهما على ناضح فدخلت بهما المدينة لتدفنهما في مقابرنا، وجاء رجل ينادى: ألا إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يأمركم أن ترجعوا القتلى فتدفنوهم في مصارعهم حيث قتلت، فرجعنا بهما، حيث دفناهما في القتلى حيث قتلا.
وبعمل الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم صارت السنة في الشهداء أن يدفنوا في مصارعهم.
(ح) ومنها جواز أن يدفن الرجلان والثلاثة في قبر واحد فإن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، كان يدفن الرجلين والثلاثة في القبر، ويقول أيهم أكثر أخذا في القرآن؟ فإذا أشاروا إلى رجل قدمه في اللحد وإذا كان رجلان بينهما محبة في الدنيا دفنهما معا في قبر واحد لما كان بينهما من المحبة فدفن عبد الله بن عمرو بن حزم، وعمرو بن الجموح في قبر واحد لما كان بينهما من المحبة.
(ط) ولقد حدث عند ما كان الاضطراب في جيش المؤمنين بسبب المفاجأة أن قتل بعض المؤمنين مؤمنا يحسبه كافرا، فإنه لا يذهب دم المقتول هدرا، بل تكون ديته في بيت المال، كما فعل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فودى الذين قتلوا خطأ من المؤمنين، لأنه بقيادته صلى الله تعالى عليه وسلم وهو ولى أمر المؤمنين.
(ى) ومنها أن ذوى الأعذار يرفع عنهم واجب الجهاد، ولكنهم إن خرجوا مجاهدين كان لهم ثواب الجهاد، وإن قتلوا كانوا شهداء، فرخصة التخلف لعذرهم رخصة ترفيه، لا تسقط الواجب، ولكن تسوغ التخلف، كمن يصوم وهو صاحب رخصة كمرض أو سفر، فإن الصوم يجزى عنه إذا صام، وإن أفطر فعدة من أيام أخر.
وقد خرج عمرو بن الجموح وهو أعرج، وليس على الأعرج حرج، فلم يمنعه النبى من أن يجاهد، فجاهد حتى استشهد، وتولى دفنه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مع شهيد كان له معه صحبة ومحبة.
стр. 634
(ك) ومنها أن العدو إذا طرق الديار لا يجب على المؤمنين أن يخرجوا لقتاله، ولا يجب عليهم أن ينتظروا حتى يدخل عليهم الديار، بل ينظرون إلى ما يكون المصلحة والمكيدة في الحرب، فإن كان الأوّل أشد نكاية اتبع وإن كان الآخر التزم كما فعل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
(ل) ومنها وجوب الشورى، كما استشار النبى صلى الله تعالى عليه وسلم جند المؤمنين، ليدخل الجند مطمئنين، آمنين راضين، غير مرهقين في نفوسهم، ولا في تفكيرهم، فيكون ذلك أرجى للنصر.
(م) ومنها ألا يصلى على الشهيد، فإنه ثبت أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يصل على شهداء أحد، ولم يصل على شهيد مات في المعركة في أى غزوة من الغزوات، لأن شهادته تغنيه عن دعاء الأحياء، وصلاة الجنازة دعاء وتضرع واستغفار.
(ن) وقد قال ابن القيم أنه يجوز للمجروح أن يصلى قاعدا، ولو كان إماما. ويقول في ذلك:
إن الإمام إذا أصابته جراحة صلى بهم قاعدا، وصلوا وراءه قعودا، كما فعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في هذه الغزوة واستمرت على ذلك سنته إلى حين وفاته.
ولكن، هل يجوز أن يصلى المأموم واقفا وراء الإمام الذى يصلى قاعدا! إن ذلك موضع خلاف بين الفقهاء، ليس هذا موضعه.
هذه الأمور التى ذكرناها كلها كانت من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم في هذه الغزوة، وما يعمله يكون بيانا لحكم شرعى يتبع، ولا شك أن بعض هذه الأحكام تدخل تحت أنواع ثلاثة من الأحكام التكليفية، فمنها ما يدخل تحت حكم الجواز، والمصلحة ترجحه أو توجبه، كما رأينا في خروج النساء في الحرب والجهاد، فإنه جائز أو مباح، وقد يكون مستحبا إذا كان في الرجال كفاية وفي النساءعون. وقد يكون واجبا إذا كان الجرحى يحتاجون إلى عدد كبير من المداوين.
وكما رأينا في الذى خرج وعنده عذر فإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أجازه، فإنه يكتفى بالجواز، ابتداء، ولكن إن كان ذا بأس وشدة مع عذره، فإن الأولى الخروج مع رخصة القعود.
وهو في الحالين شهيد إن استشهد، له جزاء الشهداء، ومجاهد إن نجا، له جزاء المجاهدين ...
والله أعلم.
стр. 635
صدى أحد وسرايا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم
٤٣٨- تسايرت الركبان بموقعة أحد، وقريش تدعى أنها هزمت محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم، وتنشد بذلك شعرا والشعر في البلاد العربية كان أداة النشر، وطريق الإعلام، فإن حدثا يذكر فى قصيدة جدير بأن تعلم به القبائل العربية في قاصيها ودانيها، ولما كانت النفوس مستشرفة لأن تعرف ما بين النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وقريش أخرجوه من مكة، أو خرج بأمر ربه، وصارت بينه وبينهم مغالبة شديدة هم يغالبون بجاهليتهم وغطرستهم، وهو يجاهد بالحق ويدفع به الباطل.
وقد رأوا الحق يدفع الباطل يوم الفرقان، وذاع في البقاع أمر الهزيمة التى فروا فيها فرارا، فذلت أنوفهم أو كادت، وزلزلت هيبتهم، وقد كانوا شرف العرب ومحتدهم.
فكان لا بد أن يشيعوا أنهم أخذوا ثاراتهم. ونالوا مأربهم ليستردوا هيبتهم، ويستعيدوا شرفهم الذى مزق محمد صلى الله تعالى عليه وسلم رايته.
إذا كانت بدر قد هزت مكانة قريش في العرب، وحركت عليهم من كانوا ينفسون عليهم مكانتهم، فكان لا بد أن يشيعوا ما زعموه هزيمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم في أحد، وأن يملئوا بها الأجواء، وأن يرددوها في كل مكان، وقد صارت المعركة بين مكة والطائف وما حولهما، ومدينة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
تحركوا لمناوأة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، والأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله، طمعت قبائل في المسلمين، بعد أن كبتهم الله ببدر، وتحركت عوامل محرضة على أهل الإيمان مجزئة عليهم، ونشر الأخبار عما زعموه هزيمة يؤلب على المؤمنين، ويثير الأضغان من عبدة الأوثان عليهم، فكثر الغدر والخيانة من قبائل العرب، وكثرت مداهنة قريش.
والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه يصابرون ويجاهدون.
وبمقدار ما كانت قريش تزدهى كان يعتريها أمران:
أحدهما: أنهم لم يشتفوا من أعدائهم رجال الإيمان، فما زال من عملوا سيوفهم في رقاب المشركين في بدر من صناديد المؤمنين أحياء وسيوفهم مشهورة ينتظرون الأمر لتضرب، فإذا كانوا قد نالوا من حمزة، فأمامهم على بن أبى طالب، والزبير بن العوام، وسعد بن أبى وقاص، وأبو عبيدة عامر بن
стр. 636
الجراح، وأمامهم وزيرا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أبو بكر وعمر، وأمامهم نور الله ورسوله يسطع فتغشى أبصارهم.
ثانيهما: أنهم يتوجسون خيفة من جولة لأهل الإيمان تجتالهم وخصوصا أنهم يتربصون بهم حتى يؤمنوا، فما داموا على شركهم، واعتدائهم فسيوف الحق من ورائهم.
لذلك كانوا يتبعون أخبار المؤمنين، ويعملون على تحريض القبائل على أهل المدينة، ويعطون العطايا لمن يأتونهم برجل من أهل الإيمان أو رجال، ويشترون منهم من يتمكنون منهم من رجال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، والأعراب أشد كفرا ونفاقا يسايرونهم، ويتمنون الأمانى منهم، وإنك لتراهم يعملون الغدر والخيانة لينالوا مأربهم.
ولذلك نرى سرايا للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم ينالونها بالغدر والخيانة عن طريق أولئك الأعراب. والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم يحترس ويعلم خبايا الأمور، ويتعرف الأخبار، ويحاول أن يقعد لهم في كل مرصد.
ويرسل السرايا التى سماها صديقنا اللواء شيت خطاب دوريات تتعرف ما في البلاد والقبائل، ومنها من يعود بالغنائم، ومنها من يترصده الأعراب ليقدموه قربانا للمشركين، ومنهم من يظهر الميل إلى الإسلام فيبعث النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من يهداهم، فإذا بهم يخونون ويغدرون، فيقتلونهم قربا للمشركين أو يبيعونهم لهم ليأخذوا منهم تراتهم.
سرية لبنى أسد
٤٣٩- جمع طليحة الأسدى وأخوه سلمة ابنا خويلد عددا كبيرا من بنى أسد ليقصدوا حرب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم رجاء أن ينالوا عند زعماء مكة منالا، وقد ظنوا أن المدينة أصبحت ترام منهم، وممن على شاكلتهم بعد أن أشاعت قريش خبر هزيمة مزعومة.
فعلم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بما تمالئوا عليه وما أرادوا، وما كان ليتركهم حتى ينفذوا ما يريدون، وإن كان فوق طاقتهم.
فأرسل أبا سلمة في خمسين ومائة من المهاجرين والأنصار وأوصاه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيرا.
سار حتى وصل إلى قطن وهو ماء لبنى أسد.
стр. 637
ويظهر أنهم مع ما كانوا قد أزمعوه من حرب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فوجئوا، فأذهلتهم المفاجأة، فتفرقوا مذعورين، وتركوا نعما كثيرة لهم من الإبل والغنم.
غنم ذلك كله أبو سلمة، وأسر منهم ثلاثة مماليك، وقفل راجعا إلى المدينة ومعه هذه الغنائم، وقد أخذ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم خمس الغنائم، وكان فيها عبد، وقد وزع خمسه وقسم أبو سلمة خمسه بين أصحابه كما شرع الله تعالى في الغنيمة، فقد قال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ، وَلِذِي الْقُرْبى، وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ، إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (الأنفال- ٤١) .
وإن أبا سلمة رضى الله تعالى عنه قد أخرجه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم في هذه السرية في المحرم من السنة الرابعة أى بعد خمسة وثلاثين شهرا من الهجرة.
ولقد مكث فيها نحو بضع عشرة ليلة ومات بعدها، لجرح أصابه في أحد، ولقد قال ابنه عمرو «كان الذى جرح أبى أبو أسامة الجشمي، فمكث شهرا يداويه فبرأ، فلما برأ بعثه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في المحرم (يعنى من سنة أربع) فغاب بضع عشرة ليلة، فلما دخل المدينة انتقض به جرحه فمات لثلاث بقين من جمادى الأولى» .
وهكذا أدى ذلك الشهيد واجبه مرتين إحداهما في أحد، وقد جرح جرحا قاتلا، وكرمه رسول الله تعالى بأن أرسله في سرية إلى بنى أسد، ثم تحرك الجرح فمات شهيدا، ولكن بين أهله.
ولعل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم اختاره ليرسله إلى بنى أسد، لأنه منهم، إذ هو أبو سلمة بن عبد الأسد أبى طلحة الأسدى. فيرسل ﵇ الرجل المؤمن على رأس المقاتلين من المؤمنين ليقاتل المشركين من قومه، فتكون الفائدة من ناحيتين، إحداهما- تأديب المشرك لحمله على الإيمان، والثانية التأكيد في محو العصبية الجاهلية، وإحياء الوحدة الإسلامية.
يوم الرجيع
٤٤٠- الرجيع مكان على ثمانية أميال من عسفان، وقد قال ابن كثير تابعا للواقدى (غزوة الرجيع) وما ارتضينا ذلك العنوان، إلا لأنه كان الأمر فيه أمر خيانة وغدر من بعض المشركين بتحريض من قريش، لينالوا بعض ما بقى من ثأرهم، وإنه لا يزال كثيرا كما ذكرنا، فأكثر الذين وتروهم من شجعان المسلمين لا يزالون يحملون السيوف، ليخوضوا بها في صفوف المشركين مرة أخرى أو مرات.
وقصة الرجيع كما روتها السيرة وصحاح السنة، هى قصة غدر ولؤم بتحريض من المشركين.
стр. 638
قدم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد غزوة أحد رهط من عضل والقارة، وهما بطنان من الهون بن خزيمة بن مدركة.
قالوا: يا رسول الله إن فينا إسلاما، فابعث معنا نفرا من أصحابك يفهموننا الدين، ويقرئوننا القرآن، ويعلموننا شرائع الإسلام. فبعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نفرا من أصحابه. قال ابن إسحاق بسنده أن عدتهم ستة، وقال البخارى بسنده في صحيحه أن عدتهم عشرة، وقال ابن إسحاق إن الذى أمره رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على وفد الإيمان والدعوة هو مرثد بن أبى مرثد الغنوى الذى كان أخا لحمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء في المؤاخاة التى آخى بها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار.
وفي رواية البخارى أن الذى أمره عليهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هو عاصم بن ثابت ابن الأفلح «١» ، وأن رواة الحديث والأخبار يرجحون رواية البخارى.
ويؤيد رواية البخارى الواقدى.
انطلق ذلك الوفد المؤمن مغادر المدينة متجها إلى عضل والقارة دعاة هداية، وليسوا محاربين، وما كانوا يعلمون أن القوم يأتمرون في غدر وخيانة وكذب لم يعرف في أشراف العرب.
حتى إذا كان الرجيع بين عسفان ومكة المكرمة، وهو بالهذيل غدروا بهم ونادوا مستصرخين وفوجيء وفد الهداية إلى الإسلام برجال بأيديهم السيوف قد غشوهم.
وأرادوا أن يأخذوهم بالغش والخديعة كما استنفروهم بها. فقالوا لهم: إنا والله ما نريد قتلكم ولكن نريد أن نصيب شيئا من أهل مكة المكرمة. وربما كانوا صادقين، وإن ذلك من انخداع العرب بما زعمه المشركون من نصر نالوه، وقد قالوا في خديعتهم: «لكم علينا عهد وميثاق ألا نقتلكم» .
فترت بذلك عزيمة بعض المؤمنين بعد أن أخذوا سيوفهم ليقاتلوا ويموتوا مجاهدين، ولا يموتوا مستسلمين.
قال عاصم بن ثابت، ومرثد بن أبى مرثد، وخالد بن بكير من العشرة الكرام أو الستة على اختلاف العدد، لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا.
стр. 639
وقد كانوا على حق، لأنهم ابتدؤا بالغدر والخيانة أو تسليط الغادرين الخائنين، وعلى فرض أنهم صادقون فيما يعاهدون عليه من أنهم لا يقاتلونهم فإنهم سيسلمونهم لأهل مكة المكرمة ليصيبوا منهم شيئا، ولا شك أن أهل مكة المكرمة سينزلون بهم أذى، القتل أقله.
ولذلك قاتل أولئك الثلاثة، وقتلوا، فاختاروا أن يقتلوا مجاهدين من أن يقتلوا مستسلمين، أما إخوانهم فلم يرتضوا ذلك الموقف الشجاع الذى كانت نهايته شهادة في غير استسلام واستخذاء، بل في قوة وإيمان وجهاد.
استسلم الباقون ظانين أن لهم عهودا، وقد ذكر منهم ابن إسحاق ثلاثة وهم: زيد بن الدثنة، وخبيب بن عدى، وعبد الله بن طارق.
ولنذكر بعض ما فعلوه بعاصم بن ثابت الذى أصاب من قريش في ميدان القتال، فقد أصاب فى أحد ابنى امرأة من قريش فنذرت إن تمكنت منه أن تشرب الخمر في قحفة عاصم، فلما قتل طلبت رأسه، وقد قيل، عند ما أرادت ذلك، نبه رجل أبا سفيان بن حرب كيف يصنع برأس ابن عمه فلم يستخف ولم يلم، وماذا ينتظر من أبى سفيان زوج هند التى فعلت ما فعلت، فلم ينكر، ولكن الله تعالى حمى رأس المؤمن التقى من أن يمسها الأنجاس فحامت حولها الزنابير لتحميها.
ولنتجه من بعد إلى الذين رضوا بمواثيق المشركين، ولم يتنبهوا إلى قول الله تعالى: لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً.
لقد أسروهم، ثم خرجوا بهم إلى مكة المكرمة ليبيعوهم بها، حتى إذا كانوا بالظهران، وهو واد قرب مكة المكرمة، استطاع أن يفك أحد الثلاثة عبد الله بن طارق يده من رباطها، وأخذ سيفه، فاستأخر عنه القوم، وباعدوه حينا من لقاء سيفه، ولكن رموه بالحجارة حتى قتلوه، فمات غير مستسلم، وإن كان قد وثق بعهدهم الذى عاهدوا عليه.
وأما الآخران خبيب بن عدى، وزيد بن الدثنة فقد باعوهما من قريش بأسيرين من هذيل كانا بمكة المكرمة.
فابتاع خبيبا بنو الحارث بن عمار بن نوفل، وكان خبيب هو الذي قتل أباهم الحارث يوم بدر فمكث عندهم أسيرا، يسومونه الخسف والهوان، ولكنه كان في سعة نفس من إيمانه، ومهما يروموه من إهانة، فنفس المؤمن لا تهون، وكأنه وثق بعهدهم ليرى الله تعالى الناس المؤمن إذا خدع، وصبره إذا أوذى ليرتفع إلى درجات المجاهدين بالصبر، كما هو مجاهد في ميدان القتال،
стр. 640
قدموه ليقتلوه صلبا، فاستأذنهم حتي يصلي ركعتين فصلاهما، ثم أقبل عليهم مستبشرا يقول للجلادين:
أما والله لولا أن تظنوا أنى إنما طولت جزعا من الموت، لاستكثرت من الصلاة.
ولقد علم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بصلاته عند القتل مستشهدا فأقره، فكانت سنة نبوية بإقراره ﵊.
رفعوه من بعد صلاته إلى خشبة الصلب، فلما أوثقوه قال: اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك فبلغه الغداة ما يصنع بنا، اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا.
وهكذا مات خبيب بطلا في ميدان الجهاد النفسى، كما مات أصحابه عاصم ومن معه في جهاد مستشهدين، ولم يلقوا سيوفهم.
وهكذا قتلوا خبيبا صلبا وهو يقول صابرا:
ولست أبالى حين أقتل مسلما ... على أى شق كان في الله مصرعى
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع
وفي اليوم الذى صلب فيه خبيب صلب فيه أيضا زيد بن الدثنة. وكان صابرا راضيا مطمئنا، فى سعة من الإيمان، قال له عند صلبه زعيم الشرك أبو سفيان بن حرب: أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه، وإنك في أهلك، قال: والله ما أحب أن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم في مكانه الذى هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وإنى جالس في أهلى.
وعندئذ قال زعيم الطاغوت: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد (صلى الله تعالى عليه وسلم) محمدا، ثم قتل الشهيد الصابر.
وإن يوم الرجيع يدل على أمور ثلاثة:
أولها: ما كان من تحريض قريش من غدر وخيانة واستخدام أخس أنواع الخيانة.
وثانيها: أن قريشا لم يشتفوا لثاراتهم من بدر، وأنهم أنهوا الحرب في أحد غير مختارين، والا لبقوا حتى يأخذوا بكل ثاراتهم، وأنه قد جدت لهم في أحد ثارات أخرى.
وثالثها: أن العرب بسبب الدعاية التى قامت بها قريش من إشاعة أن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم قد هزم قد وجد فيهم من يعمل لحسابها، ويرجو رضاها، ولم يكن شىء من ذلك بين بدر وأحد، ولكنه كان بعد أحد لإشاعة الهزيمة الكاذبة. والله أعلم.
стр. 641
سرية عمرو بن أمية ويوم بئر معونة
٤٤١- هذا يوم آخر بعد يوم الرجيع لاحق به، ويتجلى فيه الغدر، كما يتجلى فيه العمل من القبائل لحساب قريش، ويذهب في هذا اليوم نتيجة الغدر نحو أربعين من المؤمنين لا ستة ولا عشرة.
وإن هذا الغدر كان يبيت في مكة المكرمة، ويدبر أمره في قريش، وقبل يوم بئر معونة نذكر ما نواه أبو سفيان من غدر بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم ومحاربته له.
وهذا الخبر هو كما قال الواقدى: كان أبو سفيان بن حرب قد قال لنفر من قريش بمكة المكرمة، ما أحد يغتال محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم، فإنه يمشى في الأسواق، فيدرك ثأرنا، ومؤدى هذا أنهم إلى الآن لم يدركوا ثأرهم، وأنى يدر كونه؟ فأتاه رجل، وقال له: إن أنت وفيتنى خرجت له حتى أغتاله، فإنى هادى الطريق خريت، معى خنجر مثل خافية النسر، قال أبو سفيان: أنت صاحبنا وتفقه، وقال له: اطو أمرك، فإنى لا آمن أن يسمع أحد، فينميه إلى محمد، لا يعلمه أحد.
سار الرجل خمس ليال حتى وصل إلى المدينة فسأل عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فوجده في جماعة من أصحابه يحدث في مسجده، فلما رآه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أدرك بفراسة المؤمن وبإعلام الله أن هذا الرجل يريد غدرا، قال الرجل: أيكم ابن عبد المطلب. فقال الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم: أنا ابن عبد المطلب.
ذهب الرجل ينفذ ما دبر مع أبى سفيان ينحنى على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كأنه يساره، فتنبه بعض الصحابة وجذبه أسيد بن حضير وقال له: تنح عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وجذب داخل إزاره، فإذا الخنجر، فقال: يا رسول الله هذا غادر، فأسقط في يد الأعرابى، وقال دمى، دمى يا محمد، وأخذ أسيد بن حضير بلببه.
قال له النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: أصدقنى ما أنت وما أقدمك، فإن صدقتنى نفعك الصدق وإن كذبتنى فقد اطلعت على ما هممت به.
قال الأعرابي: فأنا آمن؟ قال ﵊: وأنت آمن، فأخبره بخبر أبى سفيان، فوضعه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عند أسيد بن حضير فلما جاء الغد قال له: قد أمنتك، فاذهب حيث شئت، أو خير لك من هذا؟ قال: وما هو؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأنى رسول الله، فشهد الرجل الشهادة.
стр. 642
علم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ما يدبر له في مكة، وما يريدونه منه، وقد انتقلوا من الحرب إلى الاغتيال، وبدا ذلك يوم الرجيع، ثم تبين أنه يبيت لشخصه الكريم في مكة.
فأرسل سرية لتعرف ما في مكة، وتفعل مع أبى سفيان ما كان سيفعله بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ، فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ (البقرة- ١٩٤) .
أرسل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري، وكان فارسا فاتكا من فتاك العرب، قد آمن وحسن إسلامه، وسلمة بن أسلم، ليتعرفا أحوال مكة المكرمة، وليصيبا من أبى سفيان.
ذهبا إلى مكة المكرمة وصليا وطافا بالبيت.
وقد علم أهل مكة المكرمة بهما، وكان عمرو كما ذكرنا فاتكا في الجاهلية يخشى بأسه، فتجمعت الجموع لملاقاته، ولكنه تركهم، وقد عرف حالهم وما يدبرون، ولم يتمكن من أحد، وعاد وصاحبه، وقد تمكن هو من قتل الذين كانوا يتبعونه فرادى، فقتل بعضهم، وأسر بعضهم، وأتى بمن أسر للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان قد سبقه سلمة بن أسلم.
بئر معونة:
٤٤٢- فى نفس هذا الشهر وهو صفر في السنة الرابعة من الهجرة وكان أمر هذه السرية أن أبا براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة قدم المدينة، فعرض عليه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الإسلام ودعاه إليه، ويقول ابن إسحاق «فلم يسلم ولم يبعد عن الإسلام، قال لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد تدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إنى أخشى عليهم أهل نجد. قال أبو براء:
أنا لهم جار، فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك.
اطمأن النبى الكريم الحريص على تبليغ رسالة ربه، حينما وجد موطنا من موطن التبليغ، وخصوصا عند ما أعلن أبو البراء أنهم في جواره.
اختار النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لإمرتهم المنذر بن عمرو أخا بنى ساعدة، وكانوا كما روى ابن إسحاق أربعين، وكما روى البخارى سبعين. ولنترك الكلمة للبخارى:
стр. 643
قال: بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سبعين رجلا لحاجة يقال لهم القراء، فعرض لهم حيان من بنى سليم، رعل وذكوان عند بئر يقال له بئر معونة فقالوا: والله ما إياكم أردنا وإنما نحن مجتازون في حاجة للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقتلوهم.
ويقول البخارى بروايته في أوصافهم وبيان أنهم طلبوا من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يمدهم بمن يعلمهم وإن رعلا وذكوان وعصية وبنى سليم استمدوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على عدد فأمدهم بسبعين من الأنصار، كنا نسميهم القراء في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار، ويصلون بالليل، حتى إذا كانوا ببئر معونة قتلوهم وغرروا بهم، فبلغ ذلك النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فقنت شهرا يدعو في الصباح على أحياء العرب من رعل وذكوان وعصية.
ولقد روى أنهم قالوا وقد عملت السيوف فيهم «بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضى عنا وأرضانا» كانوا يعلمون الناس الإسلام، وقد بعثهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لذلك، ولذا نرجح أنهم ما كانوا مقاتلين، ولم يستمدوا على العدو، كما يفهم من الرواية الأولى للبخارى.
ولننظر من بعد ذلك إلى تفصيل الرحلة التى انتهت بالغدر المقيت عند الله وعند كل كريم.
ذهبوا كما أمرهم الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم هداة مرشدين كما طلب أبو البراء، وأرسل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مع المنذر بن عمرو كتابا إلى عامر بن الطفيل يبين فيه أنهم مبلغون لا محاربون، ولكنه إبان ذاك كان عدوا للمؤمنين، فلم يرع جوار ولا ذمة صاحبه في الشرك أبى براء الذى ما زال بالنبى حتى أرسل من أرسل وكان كارها ابتداء، ولكنه التبليغ الذى حمله سهل إرسال هؤلاء، ولم يكن الغدر متوقعا.
ولذلك قتل من أعطاه الكتاب.
ولقد ذكر البخارى في أخبار عامر بن الطفيل، أنه حسب النبوة ملكا، فخير النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بين ثلاث خصال بثلاث يكون للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم أهل السهل، وله أهل المدر، أى يكون للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم الوبر في الصحراء، وله هو أهل القرى، أو أن يكون خليفة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، أو أن يغزو النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بغطفان.
كانت هذه حال عامر بن الطفيل إبان ذاك، وقد علم بالجوار.
ولم يكتف بذلك، بل استصرخ بنى عامر على أولئك المؤمنين، وقد علموا بجوار أبى البراء، فامتنعوا وقالوا: لن نخفر جوار أبى البراء وقد عقد لهم عقدا وجوارا.
стр. 644
فاستصرخ عليهم قبائل من بنى سليم عصية وذكوان ورعل فأجابوه إلى ذلك الغدر اللئيم، فخرجوا حتى غشوا المؤمنين، فأحاطوا بهم في رحالهم، فلما رأوهم حملوا سيوفهم، وقاتلوا، ولكنهم كانوا يقاتلون من أحاطوا بهم حتى قتلوا عن آخرهم كما ذكر.
ولم ينج منهم إلا كعب بن زيد أخو زيد بن النجار، فإنهم تركوه وبه رمق، فحسبوا أنه مات، وكان عمرو بن أمية الضمرى في سرح القوم ورجل من الأنصار.
وفرا من القتل، فأخبرا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. فقنت ثلاثين يوما لما أصاب رسله، صلى الله تعالى عليه وسلم.
٤٤٣- تلك قصة بئر معونة في صفر، وبئر معونة بين مكة المكرمة والمدينة المنورة.
ونلاحظ في هذه القصة بعض أمور:
أولها: أن أبا براء ما كان مسلما، وربما له ميل إلى الإسلام ولكنه زعيم في قومه، ويريد أن يكون مع قومه، فلا يكرههم حتى لا ينفروا ولكن يريد الدعوة إليهم، حتى إذا استأنس بإسلامهم أعلن إسلامه واكتفى بأن جعل الدعاة إلى جواره.
ثانيها: أن الغادر عامر بن طفيل كان يعمل لحساب الشرك أو لحساب مكة، وما كان ليفعل لولا أنه وجد في قريش قوة، وهى ما أشاعوها من هزيمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم.
وثالثها: أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد أرسل إليهم مبلغين حفظة عبادا يحتطبون نهارا، ويقومون ليلا، ولم يرسل معهم أبطال حرب كالزبير وسعد بن أبى وقاص وعلى بن أبى طالب، وإن كان هؤلاء في عبادتهم وزهادتهم لا يقلون عن الأولين، لأنهم أسود فوارس بالنهار قوامون بالليل.
رابعها: أن هذه ثانى غدرة برسل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، مبلغين ليغدر بهم، وكانت الأولى في يوم الرجيع، وهذه في بئر معونة.
فهل كان خدع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو قائد الأمة سهلا بهذا الشكل، فنقول:
لم يكن الخدع بعيدا عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو بشر كسائر البشر، يحتاط، وكفاه، وقد فرض الله سبحانه أن يخدع، والكريم المخلص يخدع، والخب اللئيم الذى يفرض الشر لا يسهل خدعه كالكريم الطيب الذى يفرض في الناس الخير، وقال في ذلك: وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ، فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ. وَأَلَّفَ بَيْنَ
стр. 645
قُلُوبِهِمْ، لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ، إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
(الأنفال: ٦٤- ٦٣) .
ففرض أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد يخدع من الخب الغادر اللئيم.
وأن الرجل المؤمن الحكيم، - وقد أوتى محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الحكمة وعلمها الناس-، يخدع من ناحية ما يريد وما هييء له.
وقد أحب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم تبليغ رسالة ربه وهداية العرب إلى الوحدانية، وعبادة الله وحده لا شريك له، وذلك عمله الذى بعثه الله تعالى له، وما كان قتاله إلا دفاعا. فالقتال لحماية الدعوة من الاعتداء، ولم يكن هدفا مقصودا لذاته، فإذا جاء من سهل له الدعوة استجاب، والحر الأبى لا يفرض الغدر ابتداء، ولكن يفرض الغدر حتما إذا كان الأمر من غادر.
وفي الحق أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم خدع في المرة الأولى لأنه رسول يريد تبليغ أمر ربه، قال تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ (المائدة- ٦٧) فما كان له أن يتردد في إجابة من دعوه ليعلمهم الإسلام، وليقضى الله أمرا كان مفعولا.
هذا في يوم الرجيع، أما يوم بئر معونة، فما كان مخدوعا، بل كان يقظا، وخشى على من أرسلهم من خشونة أهل نجد، وجفوتهم، وأنهم أعراب غلاظ، وما وافق حتى عقد عهدا بالجوار، وكان مكتوبا بدليل أنه قدمه رسول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى عامر بن الطفيل فمزقه بسيفه، وبدليل أن بنى عامر رفضوا أن يصرخوا ابن الطفيل إذ استصرخهم حفظا للجوار.
ولكن الغدر والخيانة جعلاه يستصرخ بغيرهم، كما أصرخوه، وكان ما كان من قتل الأطهار العباد الزهاد الذين يحتطبون بالنهار، ويقومون بالليل.
ولقد أدرك النبى صلى الله تعالى عليه وسلم غدر الغادرين، وربما ظن بقلبه الطاهر الربانى أنه لم يكن حريصا في إرسالهم، فقنت ثلاثين يوما استغفارا لربه، فما كان غير حريص، ولا مخدوعا في هذا.
وإنه مهما يكن الأمر في هذا، فإنه من المؤكد أن مسارعة عامر بن الطفيل لهذا الغدر، ما كانت إلا لإشاعة أن المؤمنين هزموا في أحد، فتكشفت قلوب الغادرين والمداهنين لقريش، الذين ظنوا فيهم القوة، والله ولى المؤمنين.
стр. 646
غزوة بنى النضير
٤٤٤- أشرنا إلى أن غزوة أحد، والظن بأن المسلمين هزموا فيها أظهر حقدا دفينا، فى المنافقين واليهود، وما كانوا يترددون في إعلانه رهبة وخوفا أظهروه حقدا وطمعا.
ولما توالى الغدر بالمؤمنين لم يكن ليكف اليهود والمنافقين عن أن يقوموا بدورهم في الغدر، وهم على مقربة من المؤمنين، فهم أقدر، وغدرهم أنكى، لذلك أخذ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حذره منهم، وكان يترصد حركاتهم، وغدر غيرهم كان إرهاصا بغدرهم، وإظهار ما تنطوى عليه نفوسهم، وبدا غيظهم في أفواههم وغدرهم ظهر في بعض أعمالهم.
قتل عمرو بن أمية الضمرى اثنين قد أعطاهما الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم جواره، وكان القتل خطأ، فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لأدينّهما، أى لأدفعن إلى أهلهما الدية.
وكان الاتفاق الذى تم العهد عليه عند ما قدم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى المدينة المنورة أن يتعاونا في أداء الديات.
ذهب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى يهود بنى النضير، ومعه أبو بكر وعمر وعلى ليستأدى ما وجب عليهم من المعاونة في دية هذين القتيلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمرى خطأ.
فلانوا في القول، ولكنهم استخفوا غدرا، قالوا له: نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه.
ولاحظ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنه خلا بعضهم إلى بعض، وتساروا في القول، وفراسة المؤمن مدركة يقظة، وكان الذى تناجوا به غدرا، وقال بعضهم لبعض: لن تجدوا الرجل على مثل هذه الحال.
وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هو ومن معه من كبار أصحابه، قالوا: فمن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقى عليه صخرة فيريحنا منه، فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، وقال: أنا لذلك، وصعد ليلقى الصخرة.
رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خلوتهم بعضهم ببعض وحركاتهم المريبة فأدرك أن في هذا شيئا يبيتونه، وقد رأى الغدر في يوم الرجيع وبئر معونة، فلا بد أن يكون قد تسارع ظن الغدر إليه صلى الله تعالى عليه وسلم، وخصوصا أن حركاتهم كثرت، وتأخروا عن الإجابة، وقد أعلم الله تعالى نبيه بما أرادوا من غدر، والله يكتب ما يبيتون.
стр. 647
والصحابة قد استطالوا الزمن، وركبتهم ظنون الغدر، وكما قال ابن إسحاق: استلبثوا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، أى اعتقدوا أنه لبث زمنا طويلا، فسألوا عنه رجلا مقبلا من المدينة المنورة داخلا المدينة.
أقبل أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى انتهوا إليه، فأخبرهم ﷺ بحركاتهم، وبما كانوا قد أرادوا من الغدر.
إجلاؤهم:
٤٤٥- لم يجيبوا داعيه إلى المعاونة التى يفرضها عليهم العهد الذى عاهدوا عليه، وأعطوه كلاما لينا، ودبروا تدبيرا خبيثا، وكان ذلك غدرا في العهد ابتداء، وما كان ليرضى أن يعيشوا معه، وهم ينقضون الميثاق الذى وثقه عليهم، ووفى به من جانبه صلى الله تعالى عليه وسلم، والمواثيق عهود فيها واجبات وحقوق متبادلة تلزم كل فريق، بمقدار ما يلزم الآخر، ولا يمكن أن يكون جوار حسن من غير عهود توفى، ومواثيق تربط بالمودة، أو بالوفاء، فكان الجلاء أمرا لا بد منه، وفوق ما علمه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من إرادة الغدر به، والقضاء عليه، فلم يكن لبقاء الجوار مكان، وكان على أخفهم حملا، وأقلهم عددا أن يرحل، ويترك الأرض لأهلها، يعيشون في أمن واستقرار فلا يعيش الثعبان بين ظهورهم.
بعث رسول الله يأمرهم بالخروج من جواره لنقضهم العهد أولا، إذ لم يعينوا في دية الرجلين ولأنهم هموا بالغدر ثانيا، وإذا كانوا يدعون أنهم لم يفعلوا مع علم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم اليقينى بذلك فإنهم يكفيهم نقض الميثاق في المعاونة، ولا سبيل لإقامتهم معه من غير وفاء بعهد وثقوه.
أرسل لهم محمد بن مسلمة أن يخرجوا، وأرسل إليهم عبد الله بن أبى بن سلول ينهاهم عن الخروج، وأنهم معهم، ولئن قوتلوا ليقاتلن معهم.
ويقول ابن كثير في تاريخه: بعث إليهم أهل النفاق يثبتونهم، ويحرضونهم على المقام، ويعدونهم النصر، فقويت عند ذلك نفوسهم، وحمى حيى بن أخطب، وبعثوا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ونابذوه بنقض اليهود.
أعلنوا بهذا نقض الميثاق جملة لا الجزء الخاص بالاستعانة في الديات، فكان هذا إعلانا للحرب من جانبهم. وما كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ليتركهم ينقضون العهد، ويهمون بالغدر في غير اكتراث بعهد ولا حسن جوار ويهمون بالقتال ولا يقاتلهم.
стр. 648
أمر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالخروج إليهم، مهما يؤيدهم المنافقون سرا أو علنا، فجعل على المدينة ابن أم مكتوم، وكان ذلك في شهر ربيع الأوّل.
سار بمن معه من المهاجرين والأنصار فنزل بساحتهم فحاصرهم وتحصنوا بحصونهم، وقد أوهمهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنه سيقطع نخيلهم ويحرقها فنادوه: أن يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيب من صنعه، فما بال قطع النخيل وتحريقها.
ويظهر أنهم توهموا ذلك، أو أوهموا لتضعف نفوسهم، ويهون عليهم الاستسلام، ولم يقطع ولم يحرق كما تدل الآية الكريمة التى بينت مالهم في سورة الحشر، وهى سورة جلائهم.
وقد ذكرنا أن المنافقين وعلى رأسهم عبد الله بن أبى قد بعثوا إليهم ابتداء بأنهم معهم ليثبتوا ويتمنعوا، فثبتوا وتمنعوا، وكان الحصار، وقد استمروا في غيهم، وقالوا لهم: لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم.
تربص اليهود ذلك من المنافقين، وصدقوهم، وتوقعوا أن ينصروهم، وهم بين المسلمين، فما فعلوا شيئا، فاضطرب أمر اليهود وانزعجوا، وقذف الله تعالى في قلوبهم الرعب.
عندئذ اضطروا لأن يعودوا ويقبلوا الجلاء الذى طلبه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من غير حرب ولا حصار، وإعنات، ولكن لم يرضوا بسبب تحريض أهل النفاق.
عادوا وطلبوا من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يجليهم، ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم.
أجابهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل، فكان الرجل منهم يأخذ من بيته ما يخلع به بابه، فيضعه على ظهر بعيره، فينطلق به.
خرجوا إلى خيبر، حيث تجمعوا في حصونها مع بنى قينقاع، ومنهم من ذهب إلى الشام، فكان من أشرافهم الذين ذهبوا إلى خيبر ابن أبى الحقيق، وحيى بن أخطب، فكانوا لهم سادة، ودانوا لهم بالطاعة.
وقد نزل في بنى النضير، وما كان من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وما أمر الله تعالى نزل أكثر سورة الحشر، قال الله تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ، لِأَوَّلِ الْحَشْرِ، ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ، فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي
стр. 649
الْمُؤْمِنِينَ، فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ. وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ، فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ. ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ، وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ وقد حاصرهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأجلاهم في ست عشرة ليلة.
أحكام شرعية اقترنت بغزوة بنى النضير
٤٤٦- أحكام شرعية ثلاثة اقترنت بغزوة بنى النضير، أو شرعت بعدها:
أولها منع التخريب:
وذلك أن النبي صلي الله تعالى عليه وسلم كان منه ما توهموا أنه سيقطع نخلهم بعد أن استطال حصارهم، فاحتجوا عليه صلي الله تعالى عليه وسلم بأنه نهي عن التخريب وعيبه، وكيف يقطع النخل مع هذا؟.
والحقيقة أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لم يقطعه وإن هم بقطع النخل إفزاعا لهم، وتخويفا ليسارعوا بالاستسلام، وقد كانوا تحصنوا بحصونهم، ويرمون الحجارة من فوقها، وكان لا بد أن ينزلهم من صياصيهم، وهي الحصون، والآية الكريمة صريحة في أنه أمر بقطع الثمار، لا بقطع الأصول بل أبقي ما أبقى قائما علي أصوله كصريح الآية، ولو كان صلي الله تعالى عليه وسلم قد قطع الأصول ما بقي نخيل تقوم عليها ثمار.
ولبيان الموضوع كاملا نذكر الفقه فيه، وأساسه هذه الآيات التي تلوناها في واقعة الجلاء، أن النهي عن قطع النخيل والتخريب بشكل عام قد جاء في وصية أبي بكر الصديق لبعض جنده، وما كان أبو بكر إلا متبعا للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وها هى ذى: -
روى الإمام أحمد في مسنده أن أبا بكر بعث الجيوش، وبعث يزيد بن أبي سفيان أميرا، فقال وهو يمشى ويزيد راكب: إما أن تركب، وإما أن أنزل، فقال الصديق: ما أنا براكب، وما أنت بنازل، إني أحتسب خطاى هذه في سبيل الله، إنك ستجد قوما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعهم وما زعموا، وستجد قوما قد فحصوا أوساط رؤوسهم من الشعر، وتركوا منها أمثال العصائب، فاضربوا ما فحصوا بالسيف، وإني موصيك بعشر: لا تقتلن امرأة، ولا صبيا، ولا كبيرا هرما، ولا تقطعن شجرا مثمرا ولا نخلا ولا تحرقها، ولا تخربن عامرا، ولا تعقرن شاة أو بقرة إلا لمأكلة، ولا تجبن ولا تغل» .
стр. 650
هذه توصية أبى بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولا بد أن تكون بهدى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولذلك ننفى أن يكون النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد قطع نخيل بنى النضير، فمحال أن يكون النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أمر في موضع، وأبو بكر ينهى بإطلاق، ولأن القرآن الذى نزل في واقعة الجلاء لم يذكر قطع النخيل، وهى الأصول بل الذى فيه أنه قطعت ثمار، وبقيت أخرى على أصولها قائمة.
ولكن مع ذلك لما اشتدت لجاجة الحروب بين المسلمين والمشركين أو الكفار بشكل عام اختلفت الفقهاء في جواز التخريب في أرض العدو من قطع أشجار، وتهديم بنيان، وذبح الحيوان لغير مأكلة، أو إهلاكه بشكل عام.
فكثيرون من الفقهاء أجازوه، لأن الحرب لا تبقى ولا تذر، ولأنه إذا أبيحت الأنفس، فكيف يصان ما عداها وهو دونها، ويستندون في ذلك إلى أخبار نسبت للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم في غزواته.
أولها: وهو في قصة بنى النضير أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أمر بتخريب بنى النضير، وقال الله تعالى في ذلك يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ، فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ.
ثانيها: أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أمر بأن يحرق قصر مالك بن عوف، وقد كان أميرا لجيش المشركين في الطائف، ورمى بالمنجنيق حصنا للطائف.
ثالثها: أنه ﵊ أمر بقطع كروم العنب لثقيف في الطائف، وقد ذكر في المغازى أنهم عجبوا عند إرادة قطعها، وقالوا: «كيف نعيش بعد قطعها» .
هذه حجج الأكثرين من الفقهاء الذين قالوا ما قالوا تحت سلطان لجاجة الحروب وشدتها، وعدم تحرجها من قبل المشركين.
أما الفريق الآخر من الفقهاء وإن لم يكونوا الأكثر فقد تمسكوا بقول الصديق الذى لا يمكن أن يخرج عن قول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ولا عن عمله، فمنعوا التخريب، وعلى رأس هذا الفريق فقيه الشام الأوزاعى، فقد قرر أنه لا يجوز التخريب إلا إذا ألجأت إليه ضرورة حربية، كأن يتحصن المحاربون بحصن ولا يمكن الوصول إليهم إلا بهدمه، أو تكون الأشجار غابة كثيفة، قد اتخذوها مستترا يكمنون للمسلمين فيها، وينقضون عليهم من مساترها.
стр. 651
وإن الناظر إلى أدلة الذين أباحوا التخريب في غير ضرورة ملجئة، لا يجدها منتجة لإباحته بإطلاق فإن تخريب النبى لبيوت بنى النضير، لأنهم اتخذوها حصونا يقذفون منها الحجارة على المؤمنين، فكان لا بد أن تزال تلك الحصون دفعا للأذي، فكانت الضرورة ملجئة لذلك، وقد قرر الجميع أن الضرورة تقدر بقدرها.
وإن قصر عوف بن مالك كان قد اتخذه حصنا، وكذلك الحصون التى رميت بالمنجنيق في ثقيف، فما كان رميها إلا لضرورة حربية، لا للتخريب والإفساد.
أما ما هم به النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من قطع كروم العنب لثقيف؛ فلأنهم كانوا يتخذون منها الخمر، والخمر حرام، ويظهر أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يقطع، وإنما أمر فقط بالقطع، أو قطع قليلا لإفزاعهم، وذلك ليحملهم على التسليم بدل الاستمرار على القتال، وبذلك تحقن الدماء، ولذلك سلموا بمجرد أن رأوا المسلمين يعتزمون قطعها.
وإنه بمراجعة الشريعة في مصادرها من كتاب وسنة وآثار للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم وصحابته الكرام نجد أنها لا تدل على جواز التخريب، بل تمنعه.
ولنقف عند الآيات الكريمة التى تلوناها في قصة إجلاء بنى النضير، فنجد أن الآيات لا تبيح التخريب بإطلاق وفي كل الأحوال، وأن القطع الذى ذكره القرآن إنما هو في قطع الثمار لا في قطع الأشجار، وذلك في قوله تعالى: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها، فَبِإِذْنِ اللَّهِ (الحشر: ٥) إلى آخر الآيات الكريمات التى تلوناها.
وذلك لأن اللينة المراد بها الثمرة، والمعاجم في اللغة تؤيد ذلك. لأن كلمة لينة جمعها لون وهو بالاتفاق نوع من ثمر النخل، ولأن الآية تخير بين قطع اللينة أو بقائها على أصولها. وذلك يقتضى أن تكون ثمرة قائمة على الأصول تبقى أو تقطع، والأصول النخيل، فلم يذكر في القرآن إباحة قطعها، ولأن الآثار الواردة في غزوة بنى النضير التى هى موضوع الآيات الكريمات تفيد أن الصحابة ما كانوا يقطعون النخيل، بل كانوا يقطعون الثمر.
فقد روى أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم استعمل أبا ليلى المازنى وعبد الله بن سلام على نخيل بنى النضير قبل إجلائهم، فكان أبو ليلى يقطع العجوة، وهى تمر جيد، وابن سلام يقطع اللون وهو تمر ردىء، فقيل لأبى ليلى: لم قطعت العجوة؟ قال: لأنها أغيظ لهم، وقيل لابن سلام:
لم قطعت اللون؟ قال لأنى علمت أن الله تعالى مظهر نبيه ومغنمه أموالهم، فأحببت إبقاء العجوة، وهى خيار أموالهم، وإن قطع الثمار لا يعد تخريبا، لأنه سيكون مأكلة.
стр. 652
والذى ننتهى إليه بالنسبة لما يكون في الحرب من هدم وتحريق وتخريب أنه يستفاد من مصادر الشريعة وأعمال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فى حروبه: -
أولا: أن الأصل هو عدم قطع الشجر وعدم تخريب البناء، لأن الهدف من الحرب ليس إيذاء الرعية، ولكن دفع أذى الراعى الظالم. وبذلك وردت الآثار.
ثانيا: أنه إذا تبين أن قطع الشجر وهدم البناء توجبه ضرورة حربية لا مناص منها، كأن يستتر العدو به ويتخذه وسيلة لإيذاء جيش المؤمنين، فإنه لا مناص من قطع الأشجار، وهدم البناء، على أنه ضرورة من ضرورات القتال، كما فعل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم في حصن ثقيف.
ثالثا: أن كلام الفقهاء الذين أجازوا الهدم والقطع يجب أن يخرج، على أساس هذه الضرورات، لا على أساس إيذاء العدو والإفساد المجرد، فالعدو ليس هو الشعب إنما العدو هم الذين يحملون السلاح ليقاتلوا.
غنائم بنى النضير والحكم العام في الغنائم كلها
٤٤٧- كانت غنائم بنى النضير هى أوّل غنائم من أهل القرى من أرض، ونخيل، وحصون، فهى التى سنت ما يتخذ من حكم الاستيلاء على الأراضى: أوزع على المحاربين أم تكون محبوسة على مصالح المسلمين، فيكون لهم غلاتها، وتبقى تحت أيدى أصحابها، على ألا تكون أيديهم أيدى ملاك رقبة، بل ملاك منفعة على خراج يؤدونه.
ويقول الفقهاء: إن ذلك الخراج هو بمثابة أجرة للأرض قد استأجروها به، وإليك النص الذى جاء في هذه الأراضى:
قال الله تعالى عقب إجلاء بنى النضير، وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ، فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ، وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ، وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ، وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، وَاتَّقُوا اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ. لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً، وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ، وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ، فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
стр. 653
وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ، وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (الحشر- ٦: ١٠) .
ونجد هذا النص الكريم قسم ما أفاء الله تعالى به على رسوله والمؤمنين معه قسمين: أحدهما مالا يعد شيئا ثابتا أو أرضا، بل هو مال غير ثابت فالأمر فيه إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوزعه كما شرع الله تعالى له، وقد أشار إلى ذلك بقوله : وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ ويوزعه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بمقتضى أمره في قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ، فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ (الأنفال- ٤١) إلى آخر الآية الكريمة.
والقسم الثانى هو ما أفاء الله تعالى به من أهل القرى، وهو الأموال الثابتة من نخيل قائم وأرض زراعية.
وهذه قد جعلها الله تعالى لله وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.
وهنا يجيء البحث فيه: أتقسم الأراضى بين الغانمين وتخمس كما تخمس الغنائم، فيكون لله وللرسول وذى القربى واليتامى والمساكين الخمس، وأربعة الأخماس للمجاهدين.
رأى بعض الصحابة- وكان بلال أشدهم أن تقسم الأرض قسمة الغنائم، ورأى عمر وعلى وجمع من الصحابة أن تكون محبوسة غلاتها على مصالح المسلمين، وقد بدا ذلك الخلاف عند الاستيلاء على أرض سواد العراق، وقد جمع عمر الصحابة خارج المدينة المنورة، وأخذ يجادلهم ويجادلونه ثلاث ليال سويا، هو يحتج بألا يكون المال دولة بين الأغنياء، وقال إن الله سيفتح فارس ومصر والشام، فلو قسمت فماذا يبقى لسد الثغور وماذا يبقى للذرية.
وهم يعارضون بأنها غنائمهم، وأشد من يعارضه بلال وصحب له، فكان عمر الفاروق يقول:
اللهم اكفنى بلالا وصحبه.
وبعد ثلاث ليال أراد أن يحكم بينه وبين مخالفيه طائفة من الأنصار خمسة من الأوس وخمسة من الخزرج، فلما التقوا به ذكر لهم أنه ما أزعجهم إلا ليحكموا بينه وبين مخالفيه، وبعد أن عرض وجهة نظره من الوجهة المصلحية الاجتماعية، ذكر لهم أنه وجد قوله تعالى: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى إلى آخر الآيات، وفصل القول ووزع الأقسام التى تشتمل عليها الآية، وذكر أن الغلات أولا للمهاجرين، ثم للذين آووا ونصروا ثم للذين اتبعوهم ثم للذين جاؤا من بعدهم، يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا، وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ.
стр. 654
ولما تلا عليهم الآيات انقطع الخلاف. وصار الإجماع على أن تكون الأرض محبوسة لمنافع المسلمين بحكم هذه الآية.. ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى، فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ...
وأن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أعطى ثمرات أرض بنى النضير للمهاجرين ليرفع بذلك مؤنتهم عن الأنصار، إذ كانوا قد ساهموهم في الأموال والديار، ولم يعط مع المهاجرين من الأنصار إلا أبا دجانة وسهل بن حنيف لحاجتهما.
ومؤدى ذلك أنه وزع الأموال والثمرات على ذوى الحاجة وذوى القربى واليتامى والمساكين وفعل ذلك مع الذين اتبعوا من مهاجرين وأنصار، ثم من جاؤا بعدهم، والله أعلم.
تحريم الخمر
٤٤٨- جاء تحريم الخمر في أعقاب غزوة بنى النضير، كما جاء في سيرة ابن إسحاق وصحاح السنة. وظاهر القول أن ذلك التحريم هو البيان الشافى لحقيقة الخمر الذى طالما دعا ربه إليه الرجل الذى ينظر بنور الله تعالى عمر بن الخطاب رضى الله ﵎ عنه، وهو قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ، فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (المائدة: ٩٠، ٩١) وبذلك كان التحريم القاطع.
وإن القرآن الكريم والنبى الأمين ﵊ لم يكن منهما ما أقر الخمر أو أباحها، إنما كانت موضع عفو قبل إعلان التحريم القاطع، فكل أمر يسكت القرآن الكريم عنه، وهو يتنافى مع معانى الإسلام، فإنه يكون محل عفو الله تعالى، ويقال: إنه عفو، ولا يقال: إنه مباح، فمرتبة العفو تقتضى أن يكون الأمر غير مستحسن في ذاته، ولا يرضى عنه الإسلام، ولا الخلق الإسلامى، ولكن لم يجيء النص بالتحريم فيكون موضع عفو حتى يجيء النص المحرم.
وتحريم الخمر قد جاء في القرآن الكريم على أربع مراتب.
أولها: بيان أنه أمر غير حسن في ذاته، وقد أشار إلى ذلك في قوله: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً (النحل- ٦٧) . أى تتخذون منه مسكرا، وفي مقابل المسكر رزق حسن، ولا يمكن أن يكون مقابل الرزق الحسن حسنا مثله، فهذا النص يشير إلى استنكار الخمر، وأنها ليست أمرا حسنا.
стр. 655
الثانية: بيان أنها إثم ضار، وإذا كان فيها نفع فإثمها أكبر من نفعها.
ولذلك جاء الاستنكار المؤيد بالسبب، فقال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ، وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما (البقرة- ٢١٩) .
ومن المقررات في الشرائع والعقول أن الأمر الذى يكون ضرره أكبر من نفعه يكون محرما، إذ أن التحريم والإباحة والندب تناط بالضرر والنفع، فما يكون نفعه أكبر يكون مطلوبا، وما يكون ضرره أكبر، يكون ممنوعا، وإن الله خلق الأمور وقد اختلط نفعها وضررها، فلا يوجد ما هو نافع نفعا محضا، ولا يوجد ما هو ضار ضررا محضا، والعبرة بالكثرة والقلة، ويتفاوت الطلب بتفاوت المصلحة، ويتفاوت النهى بتفاوت المضرة.
فكان هذا النص دالا على التحريم، لكن بغير دلالة صريحة شافية، ولذلك كان الفاروق رضى الله تعالى عنه يقول: «اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا» .
المرتبة الثالثة: التربية على الامتناع من الخمر، بأن تتعود النفس التى مردت عليها التخلى عنها طول النهار وأطراف الليل، فإذا جاء التحريم القاطع الحاسم الشافى تكون النفس المؤمنة قد تربت على أن تنفطم عنها، فتنفطم بالأمر القاطع.
وذلك بقول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ (النساء- ٤٣) إن الصلاة ركن الدين وعمود اليقين، ولا بد أن يقيموها، وهى مفرقة في أوقات النهار وزلفا من الليل.
فإذا كان الصباح لا يشربون حتى يقربوا صلاة الصبح وهم في صحو كامل، فيمرنون على ترك صبوح الخمر.
والنهار عمل لا لهو فيه، ولا خمر، بل أمر جد، وإذا جاء الزوال لا يقربون من الخمر، لأنهم يقربون من الصلاة، فلا يشربون حتى لا يقربوا صلاة الظهر وهم سكارى لا يعلمون، وكذلك العصر، وكذلك صلاة العشاءين، وبذلك يفوت عليهم شرب الخمر مساء فيفوت عليهم الغبوق كما فات عليهم الصبوح.
ولا يكون لهم إلا ما بعد العشاء، وإن بعد العشاء يكون النوم بعد الكد واللغوب.
المرتبة الرابعة: التحريم القاطع بعد أن أدركوا أنها شيء غير حسن. وبعد أن أدركوا أن ضررها أكبر من نفعها، وبعد أن مرنوا على الاستغناء عنها بعد أن ألفوها. وصارت خلب أكبادهم، ونبع نفوسهم،
стр. 656
ولذلك نزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (المائدة- ٩٠) وقد كان التحريم مشددا ذاكرا حكمته بأنها توقع العداوة والبغضاء، وقد ذكرنا ما كان بين على وعمه حمزة، لولا أنهما من بيت النبوة وكنفها، وأنها تصد عن ذكر الله لأنها تضعف صوت الضمير، وتجعله في غفوة، فلا يدرك الخير، وهى تصد عن الصلاة، وحسبها هذه الأمور شرا.
وهنا نلاحظ أنه كان ذلك الإصلاح الاجتماعى بعد الحرب، لأن المجتمع الفاضل يجب أن يحمى نفسه من العدو والمهاجم المردي، ويحمى نفسه من الماثم الداخلية، فكان جهاد النفس في محاربة الخمر وإجلاء شيطانها بعد محاربة اليهود، وإجلائهم، فاجتمع الجهادان.
أثر غزو بنى النضير في يهود
٤٤٩- ذكرنا بنى النضير، وكيف أظهروا ما كمن في نفوسهم من شر، وهموا بقتل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى اضطر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لإجلائهم، لأنه لا يعيش والحيات والأفاعى بجواره، ينقضون العهود والمواثيق، ويريدون فرصة للانقضاض عليه، لينتهزوها.
وإن اليهود في ماضيهم وحاضرهم لا يؤمنون إلا بالقوة، فإن رأوها خضعوا وذلوا، ونافقوا، وربما يكون منهم من تهديه صدمة القوة إلى الحق.
ولم يكن بالمدينة المنورة من اليهود إلا بنو قريظة، فأرعدوا في أنفسهم، وكان منهم من يفكر في الرجوع إلى الذى يعرفونه كما يعرفون أبناءهم.
كان منهم رجل ديان باليهودية، وهو عمر بن سعدى القرظي، فأقبل على أرض بنى النضير بعد جلائهم، فلما طاف بمنازلهم ورأى خرابها، وقد صارت يبابا ليس بها داع ولا مجيب.
فهداه ما رأى عليه حال إخوانه إلى أن ينظر في التوراة، وما فيها من صفة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ومال قلبه لأن يعلن ما كتموه، وأن يظهر ما أخفوه، وقد بدت العبر.
التقى بقومه من بنى قريظة وقال لهم:
رأيت اليوم عبرا، قد عبرنا بها، ورأيت منازل إخواننا خالية بعد ذلك العز والمجد والشرف الفاضل، والعقل البارع، قد تركوا أموالهم، وملكها غيرهم، وخرجوا خروجا ذليلا ... وأوقع ببنى قينقاع، فأجلاهم وهم أهل عدة وسلاح ونجدة، فحصرهم، فلم يخرج إنسان منهم وأسر باقوهم، حتى سباهم، وكلم فيهم، فتركهم على أن أجلاهم من يثرب.
стр. 657
يا قوم: قد رأيتم ما رأيتم، فأطيعوني، وتعالوا نتبع محمدا، والله إنكم لتعلمون أنه نبى قد بشرنا به ...
فأسكت القوم، ولم يتكلم أحد إلا كعب بن أسد.
قال له: ما يمنعك يا أبا عبد الرحمن من اتباعه؟ قال: أنت يا كعب. قال: فلم وما حلت بينك وبينه قط؟!.
وقال بعض اليهود الحاضرين: «بل أنت صاحب عهدنا وعقدنا، فإن اتبعته اتبعناه، وإن أبيت أبينا» كان ذلك التفاؤل من اليهود بعد أن رأوا ما كان لبنى النضير، ثم ما كان من قبل لبنى قينقاع، فهز ذلك أعصابهم، وحملهم على التفكير فيما بين أيديهم، وما عندهم من كتاب، أصابتهم حيرة بلا شك، فأمامهم حق عرفوه، وإن لم يذعنوا له، وما عليهم من تعصب ينأى بهم عن الحق، وما يحسبون أو يرجون في أعدائه من أن يكون لهم غلب، وبذلك يجزيء عنهم، ويأمنون جانبه، ثم ما أفزعهم مما رأوا فى إخوانهم من بنى قينقاع وبنى النضير.
جعلهم حب الذات، وهو ديدنهم أن يفكروا ويعتبروا بما كان، وما من طمع بأن يكفيه أمره غيرهم فيكونوا نظارة يرون ما يسرهم من غير أن يضاروا، وذلك شأنهم دائما، يتقون الأذى بسيوف غيرهم، ولا يحملون هم السيوف ما وجدوا إلى ذلك سبيلا.
ولقد انتهى ترددهم بأن أصروا على كفرهم. وألقوا حبالهم مع المشركين من كفار قريش.
وكانت التدبيرات معهم. وقد ظهر ذلك أشد ظهور في معركة الخندق. إذ تحالفوا مع المنافقين والمشركين، على أن يضربوا من الأمام بأيدى المشركين ومن الخلف بأيدى اليهود. وفي الوسط اليهودى يوهنون ويفسدون ويدلون على عورات المؤمنين، ولنترك القصص للحوادث يتبع بعضها بعضا.
غزوة ذات الرقاع
٤٥٠- ذات الرقاع بقعة فيها نخل، وقيل سميت ذات الرقاع، لأن الألوية كان فيها رقاع، وقيل غير ذلك، فقيل أنهم كانوا يربطون على أرجلهم الخرق والرقاع من شدة الرياح.
كانت هذه الغزوة في آخر جمادى من السنة الثالثة.
وكان الاتجاه في هذه الغزوة إلى بنى محارب، وبنى ثعلبة من غطفان، وخرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في أربعمائة مقاتل.
стр. 658
وذلك لما كان من عامر بن الطفيل، وقتل أكثر من سبعين والقراء من المؤمنين خديعة وغدرا مما يدل على الاستهانة بالرسول وجيشه بعد غزوة أحد التى ادعى فيها بغير الحق هزيمة المؤمنين وإشاعة ذلك فى الصحراء ليستردوا هيبتهم، ويحرضوا العرب على محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ومن معه من المؤمنين.
وكان لا بد للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم من أن يعلن قوة الإيمان، وأن يقتص من الذين قتلوا الأبرار الأتقياء من أصحابه غدرا وخيانة.
خرج إليهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في أربعمائة رجل كما ذكرنا، فوجد جمعا عظيما من غطفان، فلما تراءى الجمعان تهيب كل صاحبه، ويقول ابن إسحاق خاف الناس بعضهم بعضا، ولم يكن قتال، فلم ينل محمد صلى الله تعالى عليه وسلم منهم، ولم يقتص لأولئك الأبرار الذين قتلوا خيانة وغدرا.
ولكنهم إذا كانوا لم يقتصوا منهم لكثافة عددهم وكانوا عددا كبيرا وبعد الشقة بين موضع القتال والمدينة، فإن النبى ﵊ قد أرهبهم، واسترد ما كان للجيش الإسلامى من هيبة، وذهبت سورة ما أنشأته قريش لنفسها..
وفوق ذلك، ارتاد البلاد العربية، وتعرف مداخلها، ثم أشار لقريش إلى أنه يرصدهم كل مرصد، ويتتبع متاجرهم إن أراد، وما كان الدخول في معركة يشك في نتيجتها خيرا من أن يصل إلى الأمور من غير حرب، وأما القصاص لأولئك الأبرياء الذين ذهبوا في غدر دنيء، وخفر للعهد لا يرضى عنه عربي، ولا يقبله من له مروءة، فإن أمر ذلك إلى الله، والمستقبل القريب، وإن ربك لبالمرصاد، وما كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لينتقم إذا استجابوا لله وآمنوا بما أنزل على الرسول.
صلاة الخوف
٤٥١- كانت الأهبة للحرب من جانبهم عنيفة شديدة، وإن كان الله تعالى قد ألقى في قلوبهم الرعب، وكان على المؤمنين أن يحذروهم، ولقد كان المشركون يتفاهمون فيما بينهم على أن ينقضوا على المسلمين إذا حان وقت صلاتهم، وهم يعلمون، وجرى على ألسنتهم أن الصلاة أحب إليهم من كل شيء، فكانوا يطمعون أن يصيبوا منهم غرة وقت صلاتهم، ولكن الله تعالى قد علم جنده الحذر، فقال عز من قائل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ (النساء- ٧١) .
стр. 659
ولذلك شرعت صلاة الخوف لمثل هذه الحال، ونزلت آية شرعيتها في هذه الغزوة، فقال تعالت كلماته: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً. وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ، فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ، وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ، وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا، فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ، وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ، وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ، فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ، وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً. فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً، وَعَلى جُنُوبِكُمْ، فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ، فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ، إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً. وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ، إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ، وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ، وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (النساء- ١٠٤) .
ويظهر أن الآيات الكريمات قد نزلت في وقت ذلك اللقاء بين المؤمنين والمشركين الذى كان فيه الحذر من الجانبين، وهذه الآيات تدل على أحكام شرعية.
أولها: قصر الصلاة الرباعية لأجل السفر أو الخوف ودل على ذلك قوله تعالى: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ.
وثانيها: أنها ثبتت صلاة الخوف بها، وظاهرها الذى تدل عليه أنه يصلى ركعتين، وليحرم الجميع بالصلاة معه، ولكن تجيء طائفة منهم النبى بأسلحتها، ولتصل معهم ركعة، والطائفة الآخرى تحرس المصلين مع تسلح المصلين أنفسهم، فإذا أتم الركعة مع هذه الطائفة، تأتى الطائفة الآخرى، مع أسلحتها، ولتأخذ حذرها، ويصلى صلى الله تعالى عليه وسلم الركعة الثانية مع الطائفة الآخري، ويسلم صلى الله تعالى عليه وسلم عند كمال صلاته.
ومن بعد ذلك تصلى كل طائفة الركعة الباقية لها مع بقاء الآخرى حارسة، فالطائفة التى ابتدأت الصلاة مع النبى تكون ركعتها لاحقة لأنها الثانية، والطائفة الآخرى التى جاءت الأولى تصلى مسبوقة، لأن مافاتها هو الركعة الأولى.
ونلاحظ في صلاة الخوف:
أولا- أنها ركعتان، وروى أنها كانت الأربع في حال الخوف من غير سفر، وأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وكذلك كل إمام يقسم المسلمين فرقتين إحداهما تحرس، وقد أحرمت للصلاة، ويصلى بالآخرى- وإن ذلك يقتضى الحراسة الدائمة، مع عدم الانقطاع عن الصلاة.
стр. 660
وثانيا: أن الصلاة تكون بإمامة القائد، أو من يقوم مقامه ليكون الجمع بين الصلاة والإمامة أى تكون الصلاة جماعة.
وثالثا: أن ينتفع الجميع بفضل الجماعة فإن فضل الجماعة ينالها الملاحق، وهو الذى يقطع الصلاة بعد الدخول فيها، ثم يتمها، والمسبوق، وهو يتأخر دخوله فيها، ثم يعيد ما سبق به. وله فضل الجماعة.
وقد روى ابن هشام عدة روايات في صلاة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم في الخوف وقد تعددت هذه الصلاة في مواطن كثيرة، ولبها واحد.
فقد روى عن جابر بن عبد الله قال: «صلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بطائفة ركعتين ثم سلم، وطائفة مقبلون على العدو، جاؤا فصلى بهم ركعتين أخريين» .
والآية تنطبق على هذه الرواية ولا تخرج عما قلنا، بيد أن الرواية تدل على أن النبى صلى بهم أربعا، وكل صلى ما فاته. وروى عن جابر أيضا قال: صلى بنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فركع بنا جميعا، ثم سجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وسجد معه الصف الأوّل فلما رفعوا سجد الذين يلونهم بأنفسهم، ثم تأخر الصف الأوّل، وتقدم الصف الثانى حتى قاموا مقامهم، ثم ركع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بهم جميعا، ثم سجد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وسجد الذين يلونه معه، فلما رفعوا رؤوسهم سجد الآخرون بأنفسهم فركع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بهم جميعا، وسجد كل واحد منهم بأنفسهم سجدتين.
وإننا نرى في عبارة هذه الرواية اضطرابا، ولا نرى أن الآية تنطبق عليها، والأولى أحق بالأخذ، وعليها الفقهاء الأربعة.
وتدل الآيات السابقة على أن الصلاة لا تسقط في سفر أو حضر، ولا أمن ولا خوف.
وأنها في الخوف والسفر قد تقصر، أو تكون بالإيماء، ولكن لا تسقط، لأنها ذكر الله، ويجب أن يكون العبد قائما به في كل حال، ولو على الجنوب.
وإنه إذا كان الأمن والاطمئنان يجب أن تقام الصلاة كاملة مقومة على وجهها بركوعها وسجودها. والائتمام الكامل والجماعة الكاملة كما قال تعالى: فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ، إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (النساء- ١٠٣) أى معينا في مواقيته، لا يجوز التخلف عنها في أى حال، ولا عذر في تركها، لأنها مخاطبة العبد لربه، وذلك هو الدين القيم.
стр. 661
فى ذات الرقاع:
٤٥٢- إذا كانوا قد غدروا بالسبعين قارئا، وقد أمنوهم، فقتلوهم وقد جاؤا بأمان مكتوب فمزقوه وفجروا بقتلهم، ولم يرعوا إلا ولا ذمة، إذا كانوا قد فعلوا ذلك، فقد كان منهم من أراد أن يرتكب ما هو أشد من ذلك غدرا، وأبعد أثرا، وأفجر فعلا.
فقد روى ابن إسحاق بسنده أن رجلا اسمه غورث بن الحارث من بنى محارب، قال لقومه:
ألا أقتل لكم محمدا؟ قالوا: وكيف تقتله؟ قال: أفتك به، فأقره الغادرون، وأعادوا غدرهم جذعا، وكانوا الغادرين في العرب، ولم يكونوا الشجعان الأبطال.
أقبل الرجل إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو جالس آمن وسيفه في حجره، فقال الرجل: يا محمد انظر إلى سيفك هذا؟
فجعل الرجل يهز السيف، ويهم به، فكبته الله، ثم قال: يا محمد، أما تخافنى؟ قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: لا، يمنعنى الله تعالى منك.
هذه رواية ابن إسحاق، وفي الصحيحين عن جابر أنه غزا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم غزوة نجد، أى ذات الرقاع، فلما قفل راجعا أدركته القافلة في واد كثير العضاة، فتفرق الناس يستظلون، وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تحت ظل شجرة، فعلق بها سيفه، قال جابر فنمنا نومة، فإذا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يدعونا، فأجبناه، وإذا عنده أعرابي، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «إن هذا اخترط سيفي، وأنا نائم، فقال من يمنعك منى قلت الله، فشام السيف وجلس، ولم يعاقبه» .
وفي رواية مسلم زيادة، وهى عن جابر: «أقبلنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى إذا كنا بذات الرقاع، وكنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فجاءه رجل من المشركين وسيف رسول الله معلق على شجرة، فأخذه فاخترطه، وقال لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «تخافنى؟ قال: لا، قال: فما يمنعك منى؟ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: الله يمنعنى منك.
ويروى أن السيف سقط من يد الرجل فأخذه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وقال: من يمنعك منى فقال الرجل خاضعا: كن خير آخذ، قال تشهد أن لا إله إلا الله، قال: لا، ولكن أعاهدك على ألا أقاتلك، ولا أقاتل من يقاتلونك، فخلى سبيله، فأتى أصحابه، وقال: جئتكم من عند خير الناس.
стр. 662
وتعدد الروايات لا يمنع صدقها، وهى يتمم بعضها بعضا، ولا اختلاف بينها، وكلها يذكر أنها كانت في ذات الرقاع.
وإذا كانت قد ذكرت في غيرها، فإن ذلك دليل على تكرارها، ولا تنافى بين الروايات.
وقد ذكرنا هذه القصة لأمرين:
أولهما: ما انحدر إليه بعض المشركين من أخلاق تتنافى مع مراعاة الجوار والمروءة، وفيها إرادة الغدر والقتل من غير مواجهة، وكيف استباحوا ذلك بالنسبة للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم كفرا وفسوقا وعنادا.
ثانيها: أن ذلك بلا ريب فيه أمر خارق للعادة، لأن السيف تنقبض عليه اليد في وقت إرادة الضرب ثم يسقط من يده على غير إرادة منه، وقد اعتزم الشر وبيته ودبره، فلما حانت ساعته، خانته يده، وقد كان ذلك من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم في أمور كثيرة، ولكن لم يجعلها دليل نبوته، ولم يتحد بها العرب، بل تحدى بالقرآن وحده، لأنه ما جاء بالخوارق الحسية، كعصا موسى وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك من الحوادث التى تنقضى بمجرد وقوعها، بل كانت معجزته باقية، لأن رسالته باقية، لا تنقضى بزمانها، وهى القرآن الباقى الخالد الذى يتحدى الناس في كل جيل وفي كل مكان.
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (الإسراء- ٨٨) .
стр. 663
النبى بين أصحابه
٤٥٣- شغلتنا أخبار الغزوات والسرايا عن النواحى الأدبية التى كانت بين النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وصحابته والتى كانت تربط القلوب بالمودة الراحمة، فقد كان رؤفا رحيما، يعين المحتاج ويواسى الضعيف، وما كان ليخرج بهم إلى ميادين القتال، إلا وهم يشعرون برحمته، ومودته فكان نبى المرحمة ونبى الملحمة، ولا بد قبل الملحمة من المرحمة، فإن النصر وسيلته الرحمة بالجند والرعية، ورعاية العشير لعشرائه.
رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جابر بن عبد الله قد تأخر عن الرفاق، إذ هم يمضون وهو متخلف عنهم، وكان سبب تخلفه عن الركب أن جمله ضعيف، فسأله مالك؟: قال يا رسول الله أبطأ بى جملى هذا، فقال له محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنخه، وقطع جابر عصا من شجرة بأمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فأخذها ونخسه بها نخسات ثم قال لجابر:
اركب، فركبه، وقال جابر: والذى بعثك بالحق يواهق ناقته مواهقة، أى يسارعها ولا يبطؤ.
هكذا كانت مراعاة القائد لجنده، يتتبع الضعيف فيقويه، والمتخلف فلا يتركه حتى يسير معه ببركة الله، وما سقنا الخبر لذلك فقط، بل سقناه لهذا، ولأنها بركة بأمر خارق للعادة.
وإن حديث الجمل لا ينتهى بذلك، بل إن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يبتاع الجمل، فيريد أن يهبه له جابر، فيأبى إلا الشراء، ثم يساومه، طلبه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بدرهم فأبي، فزاده إلى درهمين فأبي، فما زال يزيده حتى جعل ثمنه أوقية من ذهب، ولكنه يهبه للرسول، بعد أن ساوم هذه المساومة.
وإذا كان قد تعرف حال صاحبه وهو في السفر، فلا بد أن يؤنسه ويعينه، ويتعرف حاله. فسأله رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قائلا: يا جابر، هل تزوجت؟ قال: نعم يا رسول الله. قال ﵊ أثيبا أم بكرا، قال: لا بل ثيبا. قال ﵊ أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك. قال جابر: يا رسول الله إن أبى أصيب يوم أحد، وترك بنات له سبعا، فنكحت امرأة جامعة، تجمع رؤسهن وتقوم عليهن، قال له الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم العطوف الألوف: أصبت إن شاء الله.
ولكن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم لا يكتفى بذلك الود الراحم، بل إنه يقيم الوليمة لزواج صاحبه، فإذا وصل إلى مكان يبعد عن المدينة بنحو ثلاثة أميال اسمه صرار، نحر جزورا، يأكل هو وأهله.
كان ذلك والجمل في يد جابر.
стр. 664
فرأى إزاء تلك المحبة والمودة أن يرسل الجمل إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد وهبه له، فرده النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إليه، وأرسل معه ثمنه، وهو الأوقية من الذهب التى ارتضاها ثمنا له.
ولننقل كلام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لنرطب به أسماعنا، ونملأ به قلوبنا.
لما رأى الجمل قال: ما هذا؟ قالوا: هذا جمل جابر، فقال: أين جابر، فذهب إليه فقال الرسول الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم: «يا ابن أخى خذ برأس جملك فهو لك» ودعا بلالا فقال له: اذهب بجابر. وأعطه أوقية ذهب.
ذكرنا هذه القصة لنعرف مودة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ورأفته بهم، وملاحظته وإدخال السرور على نفوسهم، وإذهاب العنت عنهم، لتكون منهم قوة في الأرض، فليست القوة، بالفظاظة والتحكم، إنما القوة بالمحبة والتراحم والتودد.
غزوة بدر الآخرة
٤٥٤- فى نهاية غزوة أحد من قبل المشركين نادى أبو سفيان مهددا، أو واعدا بأن موعدكم بدر من العام المقبل. وما كان أصحاب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ليخافوا اللقاء، وقد أدوه في أعقاب قفول قريش.
ولذلك خرج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى بدر في شهر شعبان من السنة الرابعة فيلقاهم بمنى ولينتصف لجرحى أحد وشهداء المسلمين، وخصوصا سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب عمه وأخاه في الرضاعة. خرج في ذلك الميقات. وأقام على المدينة المنورة عبد الله بن عبد الله بن أبى بن سلول، أى ابن رئيس المنافقين ولم يكن كأبيه، بل كان برا تقيا، ومؤمنا صادقا. حتى إنه لما اشتد أمر النفاق، قال لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: دعنى أقتل عبد الله بن أبى حتى لا يقتله مؤمن فيحنقنى. اختاره رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على المدينة، لمكانته في الإيمان وأهله، ولتبرأ نفسه من سقامها. وفي الوقت الذى كان يقيم فيه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عبد الله بن عبد الله بن أبى مقامه على المدينة، كان أبوه عبد الله بن أبى يثبط المسلمين عن الخروج للقاء قريش، فيروى عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم استنفر الناس لموعد أبى سفيان، وانبعث المنافقون يثبطونهم،
стр. 665
فسلم الله تعالى أولياءه، وخرج المسلمون وصحبه إلى بدر. وأخذوا معهم بضائع، وقالوا: إن وجدنا أبا سفيان، وإلا اشترينا من بضائع موسم بدر. خرج المسلمون كما ترى يتمنون أن يكسروا أنف الشرك.
خرج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى بدر ومعه نحو خمسمائة وألف، وقد خرج على نية لقاء العدو حتى نزل وانتظر ثمانى ليال، عساه يلقى قريشا بقيادة أبى سفيان كما وعد أو توعد، ولكنه لم يجيء في الميقات.
وأبو سفيان كان قد أراد الخروج على تردد، فخرج في أهل مكة، حتى نزل مجنة من ناحية الظهران، ولكنه مع خروجه ووصوله إلى ذلك المكان كان التردد لا يزال يسيطر عليه، خشية العاقبة، ولذا بدا له أن يعود من حيث نزح، وقال في سبب نكوصه لقومه:
«يا معشر قريش إنه لا يصلحكم إلا عام خصيب ترعون فيه الشجر، وتشربون اللبن، فإن عامكم هذا عام جدب وإنى راجع فارجعوا» ... فكان أهل مكة المكرمة يسمون الجيش الذى خرج بقيادة أبى سفيان ثم عاد جيش السويق يقولون إنما خرجتم تشربون السويق.
ولعل هذه النظرة وذلك القول فيه لوم وتهكم، لأنهم خرجوا للقتال وعادوا من غير لقاء أو قرب منه. وإن هذا يدل على أن أبا سفيان تخاذل عن اللقاء، والسبب الذى استحله للعودة وهو الجدب كان قائما وقت الخروج فكان أولى أن يمنع الخروج، لا أن يوجبه. ولكنه فكر وقدر الهزيمة، وقد ذاق مرارتها في بدر، فاثر العافية، ورضى من الغنيمة بالإياب.
وأتى إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وهو بماء بدر بعض بنى ضمرة الذين كان قد وادهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم في غزوة ودان التى غزاها، وقال للرسول صلى الله تعالى عليه وسلم:
يا محمد أجئت للقاء قريش، وقد يوهم سؤاله أنه مال مع المائلين لقريش بعد أحد، وإشاعة قريش أن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم هزم، وما كانت هزيمة.
قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «نعم أخا بنى ضمرة وإن شئت رددنا- أى ما كان بيننا وبينك من موادعة- وجالدناك حتى يحكم الله بيننا وبينك» .
قال: لا، والله يا محمد ما لنا بذلك من حاجة.
رجع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى المدينة، ولم يلق حربا، وكان النكوص من جانبهم وإن ذلك بلا ريب يزيل ما كانوا يرجونه من إشاعة الهزيمة ليوهنوا شأن النبى والمؤمنين في بلاد العرب، ويعلو شأنهم فيتهيبهم الناس دونه.
стр. 666
ولقد قال الواقدى إن جيش المؤمنين في مدة إقامته الليالى الثماني، اتجروا، إذ لم يجدوا قتالا، وكانت سوق تعقد في ثمانية أيام، فرجعوا في وفر مالي، وقد ربحوا من الدرهم درهمين، أى أنهم باعوا واشتروا وكسبوا فزاد رأس مالهم ضعفين. وهذا كما قال الله تعالى: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ، وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (آل عمران- ١٧٤) .
غزوة دومة الجندل
٤٥٥- وهى مكان يبعد عن المدينة بمسيرة نحو خمس عشرة ليلة من ناحية الشام. وقد كانت سرايا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وغزواته، أكثرها في ناحية مكة المكرمة وما حولها، ونجد وما يقاربها. وفي هذه الغزوة اتجه ناحية الشام، ليكون ذلك إعلاما لقيصر الروم الذى كان يحكم الشام.
بأمر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وهذا الدين الجديد فيتعرف الحال والمال، فيكون ذلك تنبيها له ما بعده، كما سيجيء الأمر في الغزوات التى اتجهت إلى لقاء الرومان في حياة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
لذلك اتجه صلى الله تعالى عليه وسلم إلى دومة الجندل ليدنو إلى أدنى الشام من الصحراء العربية، ولأن دومة الجندل كان بها جمع كبير، وأنهم كانوا يشبهون قطاع الطريق. فيسرقون من يمر بهم وينتهبونه. ومع ذلك كان فيه سوق عظيمة. فكان لابد أن يغزوها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من المدينة المنورة في شهر ربيع الأوّل من السنة الخامسة، واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفارى.
ونرى من هذا أنه ما كان يخص نوعا، معينا من الرجال باستعماله في المدينة وهو غائب عنها، وفي ذلك إشعار للمؤمنين بأن الولاية حق لكل مؤمن من غير نظر إلى قبيل أو نوع من الرجال.
ندب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الناس، وخرج في ألف من المسلمين، وكان يسير بالليل. ويكمن بالنهار. ولعل الوقت كان صيفا، فكان السير ليلا أخف وأيسر، وعلى أى حال، فهو كتمان للمسير. والحرب خدعة، وكان يسير ومعه دليل من بنى عذرة، وهو هاد خريت.
لما دنا من دومة الجندل، وقد وصل الخبر إليهم، فتفرقوا فنزل بساحتهم، فلم يجد أحدا فأقام بها أياما، وبث سراياه، داعية إلى الإسلام بين الأقوام متعرفة فاحصة وقد أسلم على يديه من أسلم، ثم عاد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد شهر من خروجه.
стр. 667
النبى في المدينة
٤٥٦- كانت غزوة بدر الآخرة في شعبان من السنة الرابعة، ثم كانت من بعد غزوة دومة الجندل في ربيع الأوّل من السنة الخامسة؛ فمكث الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم من غير غزو نحو ستة أشهر أو تزيد، فماذا كان يعمل؟
ونقول في ذلك: كان يقوم بحق التبليغ للرسالة، فما بعث محمد صلى الله تعالى عليه وسلم للقتال، ولكن بعث لتبليغ رسالة ربه، وما كان القتال إلا دفعا للذين يقفون في سبيل الدعوة، أو يكيدون للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وللمؤمنين، أو يريدون أن يفتنوا الناس عن الإسلام، فالقتال كان لحماية الدعوة، وهى الأصل، وبيان أحكام الله تعالى للعباد، هى تبليغ الرسالة والله تعالى يقول في كتابه العزيز:
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ (المائدة- ٦٧) .
كانت إقامة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم في المدينة في الفترات التى تكون بين الغزوات لبيان حقائق الرسالة المحمدية، والأحكام الشرعية، وتعليم المؤمنين ما يدعو إليه ربهم، وتحفيظهم ما يتيسر لهم من حفظ القرآن بحيث يحفظه مجموعهم، ويحفظ بعضهم كله كزيد بن ثابت. فكان عمله ﵇ في فترات السلم تبليغ ما أمره الله تعالى به، وبيان الطريق لتنفيذه وتطبيقه، وتعليم الناس ما لا يمكن معرفته إلا بالتدريب عليه.
لقد رأينا بعد غزوة بنى النضير نزول القرآن بتحريم الخمر، فالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، يتولى تنفيذ ذلك التحريم، ببيان العقوبات الزاجرة المانعة من الشرب، فقد جيء له بشارب، فضربه بالنعال أربعين بنعلين، فكانت ثمانين، فاعتبر كثيرون من الصحابة حد الخمر ثمانين، وشدد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم في المنع، فقال في شارب الخمر: إذا شرب، فاضربوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه.
وجاء قوم يقولون إنا بأرض برد نستدفيء بالخمر، فنهى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عن شربها، فقالوا إنهم لا يمتنعون، قال: فقاتلوهم. وبذلك بين لهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أحكام الشرع، ودربهم على تنفيذ ما أمر الله به، وما نهاهم عنه، ويقيم الحدود التى شرعها الله تعالى، ويحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه بما أنزل الله تعالى.
وقد بين لهم صلى الله تعالى عليه وسلم أحكام الزواج، وشرح لهم المحرمات، وعلمهم الفرق بين ما هو سفاح، وما هو نكاح، وما للرجل على امرأته، وما عليه من حقوق، وبين أحكام الملكية
стр. 668
الخاصة، وبجوارها الملكية العامة، وما على الآحاد من الناس من حقوق، وما عليه من واجبات، ويتلقى الذين جاؤا إليه ليتعلموا الإسلام. ويرسل إلى كل عشيرة أو قبيلة من يعلمها أمر دينها، ويتحقق بذلك قوله تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ (التوبة- ١٢٢) . فهو يرشد ويهدى بنفسه من يجيئون إليه. ومن هم قريبون منه، ويرسل رجاله إلى من يرشدونهم ويتلقى القرآن، من لدن حكيم عليم، ويأمر من بحضرته ممن يحسنون الكتابة أن يكتبوا ما ينزل به الروح الأمين.
ويعلمهم صلى الله تعالى عليه وسلم أحكام البيوع والشروط، والمعاملات والديون وما يتعلق بها، وغير ذلك من الأحكام التى تنظم الجماعة الإسلامية وتكون منها المدينة الفاضلة، وهو في هذا يبلغ رسالة ربه.
стр. 669
غزوة الخندق
٤٥٧- كانت غزوة دومة الجندل في ربيع الأوّل من السنة الخامسة، وبعدها بستة أشهر كانت غزوة الخندق، إذ كانت في شوال من السنة الخامسة، وفي هذه الأشهر الستة كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يبلغ الدعوة، ويعلم المؤمنين مباديء الإسلام في المجتمع والفضيلة. والمعاملات المالية، وغير المالية، ويبث دعاته في البلاد العربية، وأخبارها تتجاوزها إلى ما وراء تلك البلاد، تسرى فيها كما يسرى النور، وهو آمن مطمئن، لم يزعجه غاز يغزو مدينته، ولا غادر يغدر به في دعوته الحق، يجيئه المؤمنون به فرادى من كل القبائل، ينضمون إلى صفوفه، أو يعودون دعاة إلى أقوامهم إن وجدوا فيهم.
وكان اليهود من بنى خزاعة بجواره، قد يكيدون له، وإن كانوا لا يظهرون، يمالئون الأعداء، ويتضافرون مع المشركين ممن يرسلونهم من بنى النضير الذين أجلوا، فهم جميعا ملة واحدة في الكيد للمسلمين وإرادة اقتلاعهم، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم يسالمهم، ويحذرهم، يخادعونه، والله خادعهم.
ونوجه الأنظار إلى أن الغزوات المحمدية ما كانت تتجاوز شهرا في سيرها، وذلك قليل في عمر الدعوة الإسلامية. وهى كأمر يعرض فيدفع، ثم ينصرف النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى تبليغ رسالة ربه. وبيان شرعه والدفاع بالحجة والبرهان عن العقيدة والرسالة أمام اليهود، وأمام المشركين لا يألو جاهدا، فهو يجادل ويبلغ ويعلم، ويحفظهم القرآن ويعلمهم الحكمة، فيرددون أحاديثه، وينقلون أعماله، والرسالة يتكامل تبليغها.
كيف كانت غزوة الخندق وأسبابها:
٤٥٨- إن السياق التاريخى للوقائع يشير إلى أن القرشيين تضعضعت نفوسهم ويظهر أنهم ما كانوا ليقدموا على حرب وحدهم، خشية من محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ومن معه من جند أشداء فقد مكثوا لا يقاتلونه ولا يذهبون سنتين كاملتين. وإن كانوا يشجعون عليه غيرهم من غطفان وغيرهم، ممن غدروا وخانوا، وهم كانوا يهابون لقاء المؤمنين الأشداء الذين يطلبون الحياة من وراء الموت، ولا يضنون بنفوسهم على الاستشهاد.
كل قبيلة من الأعداء كانت تخاف المؤمنين وحدها، وإذا كانوا قد اجتمعوا على الشرك والكفر فإنهم أرادوا أن يجتمعوا على القتال، ينتفضون على المؤمنين مجتمعين، ويقتلعونهم من المدينة لتعود كما كانت دار شرك ويهود كما كانت أولا.
стр. 670
وإذا كانت الحاجة إلى نصر الشرك تدعوهم إلى الاجتماع، فقد أخذ كبار اليهود الذين طردوا من المدينة يدبرون لهم، ويدخلون في صفهم، فاجتمع ناس من بنى قينقاع، وبنى النضير، بالمشركين يحرضونهم على الاجتماع، وأن يكونوا معهم، والمنافقون يرونهم، وبنو قريظة من ورائهم، فكان اليهود مدبرين، أو مشتركين في التدبير.
قال ابن إسحاق بسنده «إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبى الحقيق النضري، وحيى بن أخطب النضري، وكنانة بن الربيع بن أبى الحقيق، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلى في نفر من بنى النضير، وبنى وائل.... وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وقالوا إنا سنكون معكم عليه، حتى نستأصله.
قالت لهم قريش: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأوّل، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه، قال اليهود أهل الكتاب الذين يدعون أنهم يتبعون التوراة: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق. وهكذا نرى حقدهم وعنادهم دفعهم إلى الكفر في دينهم، ولقد نزل فيهم قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ، وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا. أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (النساء- ٥١، ٥٢) .
ولم يكتف هؤلاء اليهود بتحريض قريش الذين لم يكونوا محتاجين إلى تحريض، ولكن يحتاجون إلى من يؤازرهم، بل إن أولئك النفر من اليهود خرجوا إلى غطفان من قيس بن غيلان فدعوهم إلى حرب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وأخبروهم أنهم يكونون معهم، وأن قريشا قد تابعوهم. اجتمعت الأرض كلها، واجتمعت قريش، وغطفان، اجتمع هؤلاء ومعهم اليهود وغيرهم فخرجت قريش بقيادة أبى سفيان بن حرب.
وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن، وكان في بنى فزارة.
وبنو مرة وقائدهم الحارث بن عوف المرى.
وغير هؤلاء من القواد الذين كانوا يقودون جماعات.
اجتمع هؤلاء ومعهم قبائل من العرب، ليغزوا المدينة، وقد أمر الله تعالى نبيه بأن يقاتلهم كافة، وإنه لناصره كما قال تعالى: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (التوبة- ٣٦) .