المرض يأتى فجأة، وإذا مرض لم يكن الموت بعيداً، ولو تفكر وعلم أن الموت ليس له وقت مخصوص، من صيف وشتاء وربيع وخريف وليل ونهار، ولا هو مقيد بسن مخصوص، من شاب وشيخ أو كهل أو غيره، لعظم ذلك عنده واستعد للموت.
٢١ ـ فصل [في تفاوت الناس في طول الأمل]
والناس متفاوتون في طول الأمل تفاوتاً كثيراً، منهم من يأمل البقاء إلى زمان الهرم، ومنهم من لا ينقطع أمله بحال، ومنهم من هو قصير الأمل، فروى عن أبى عثمان النهدى أنه قال: بلغت ثلاثين ومائه سنه، وما من شىء إلا قد عرفت فيه النقصان إلا أملى فإنه كما هو.
وحكى في قصر الأمل أن امرأة حبيب أبى محمد قالت: كان يقول لى- يعنى أبا محمد- إن مت اليوم فأرسلي إلى فلان يغسلني ويفعل كذا، واصنعي كذا وكذا، فقيل لها: أرى رؤيا؟ قالت: هكذا يقول كل يوم.
وعن إبراهيم بن سبط قال: قال لى أبو زرعة: لأقولن لك قولاً ما قلته لأحد سواك: ما خرجت من المسجد منذ عشرين سنه، فحدثتني نفسي أن أرجع إليه. وقيل لبعضهم: ألا تغسل قميصك؟ قال: الأمر أعجل من ذلك.
وعن محمد بن أبى توبة قال: أقام معروف الصلاة ثم قال لى: تقدم، فقلت: إنى إن صليت بكم هذه الصلاة لم أصل بكم غيرها، فقال معروف: أنت تحدث نفسك أنك تصلى صلاة أخرى؟ نعوذ بالله من طول الأمل فإنه يمنع خير العمل.
فهذه أحوال الزهاد في قصر الأمل، وكلما قصر الأمل، جاد العمل، لأنه يقدر أن يموت اليوم، فستعد استعداد ميت، فإذا أمسى شكر الله تعالى على السلامة، وقدر أنه يمون تلك الليلة فيبادر إلى العمل.
وقد ورد الشرع بالحث على العمل والمبادرة إليه ففى "صحيح البخاري" عن ابن عباس رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﵌: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ".
وعنه: أن رسول الله ﵌ قال لرجل وهو يعظه: "اغتنم
стр. 387
خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك".
وقال عمر رضى الله عنه: التؤدة في كل شىء خير، إلا ما كان من أمر الآخر.
وكان الحسن يقول: عجباً لقوم أمروا بالزاد، ونودي فيهم بالرحيل، وحبس أولهم على آخرهم، وهم قعود يلعبون.
وقال سحيم مولى بنى تميم: جلست إلى عبد الله بن عبد الله، فأوجز في صلاته، ثم أقبل على وقال: أرحني بحاجتك، فإني أبادر. فقلت: وما تبادر؟ قال: ملك الموت. وكان يصلى كل يوم ألف ركعة.
وكانوا يبادرون بالأعمال غاية ما يمكن، فكان ابن عمر يقوم في الليل فيتوضأ ويصلى، ثم يغفى إغفاء الطير، ثم يقوم يصلى، يفعل ذلك مراراً. وكان عمير بن هانئ يسبح كل يوم مائه ألف تسبيحه، وقال أبو بكر بن عياش: ختمت القرآن في هذه الزاوية ثمانية عشر ألف ختمة.
٢٢ ـ فصل في ذكر شدة الموت وما يستحب من الأحوال عنده
اعلم: أنه لو لم يكن بين يدي العبد المسكين كرب، ولا هول سوى الموت، لكان جديراً أن ينغص عليه عيشه، ويتكدر عليه سروره، وتطول فيه فكرته. والعجب أن الإنسان لو كان في أعظم اللذات، فانتظر أن يدخل عليه جندي يضربه خمس ضربات، لكدرت عليه عيشه ولذته، وهو في كل نفس بصدد أن يدخل عليه ملك الموت بسكرات النزع، وهو غافل عن ذكر ذلك، وليس لهذا سبب إلا الجهل والغرور.
اعلم: أن الموت أشد من ضرب السيف، وإنما يصيح المضروب، ويستغيث لبقاء قوته، وأما الميت عند موته، فإنه ينقطع صوته من شدة ألمه، لأن الكرب قد بالغ فيه، وغلب على قلبه وعلى كل موضع منه، وضعفت كل جارحة فيه، فلم يبق فيه قوة لاستغاثة، ويود لو قدر على الاستراحة بالأنين والصياح والاستغاثة. وتجذب الروح من جميع العروق، ويموت كل عضو من أعضائه تدريجاً، فتبرد أولاً قدماه، ثم ساقاه، ثم فخذاه، حتى تبلغ الحلقوم، فعند ذلك ينقطع نظره إلى الدنيا وأهلها، ويغلق دونه باب
стр. 388
التوبة، قال رسول الله ﵌: "إن الله يقبل التوبة من العبد مالم يغرغر".
وقد روى أن الملكين الموكلين بالعبد يتراءيان له عند الموت، فإن كان صالحاً أثنيا عليه، وقالا: جزاك الله خيراً، وإن كان صحبهما بشر، قالا: لا جزاك الله خيرا (١).
عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﵌: "إن الله وكل بعبده المؤمن ملكين يكتبان عمله، فإذا مات قالا: قد مات، أتأذن لنا أن تصعد إلى السماء؟ قال: فيقول الله تعالى: إن سمائي مملؤة من ملائكتي يسبحوني. فيقولون: فتأذن لنا فنقيم في الأرض؟ فيقول الله تعالى: إن أرضى مملوءة من خلقي، يسبحوني. فيقولان: فأين تقيم؟ فيقول: قوما على قبر عبدى، فسبحاني واحمداني وكبراني وهللاني، واكتبا ذلك لعبدي إلى يوم القيامة".
وفى "الصحيحين" من حديث عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﵌: "إن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته، فليس شىء أحب إليه مما أمامه، وأما صاحب النار الذي ختم له بسوء فهو يبشر بها وهو في تلك الأهوال".
وقد كان كثير من السلف يخافون سوء الخاتمة، وقد ذكر ذلك في كتاب الخوف، وهو لائق بهذا المكان، نسأل الله أن يرحمنا برحمته التي وسعت كل شىء، وأن يلطف بنا، وأن يختم لنا بخير إنه جواد كريم.
وأما ما يستحب من الأحوال عند المحتضر، فأن يكون قلبه يحسن الظن بالله تعالى، ولسانه ينطق بالشهادة، والسكون من علامات اللطف، وهو أمارة على أنه قد رأى الخير، وقد روى أن روح المؤمن تخرج رشحاً. ويستحب تلقينه: لا إله إلا الله، كما جاء في الحديث الصحيح من رواية مسلم: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله".
وينبغى للملقن أن يرفق به، ولا يلح عليه. وقد جاء في حديث آخر: "احضروا موتاكم، ولقنوهم لا إله إلا الله، وبشروهم بالجنة، فإن الحليم العليم من الرجال والنساء يتحير عند ذلك المصرع، وإن إبليس عدو الله أقرب ما يكون من العبد في ذلك الموطن" (٢). وذكر الحديث إلى آخره.
стр. 389
وفي الحديث الصحيح: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله".
وروى أن النبي ﵌ دخل على رجل وهو يموت فقال: "كيف تجدك؟ " قال: أرجو الله وأخاف ذنوبي. فقال: "ما اجتمعا في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله الذي يرجو، وأمنه من الذي يخاف".
والرجاء عند الموت أفضل، لأن الخوف سوط يساق به، وعند الموت يقف البصر، فينبغي أن يتلطف به، ولأن الشيطان يأتي حينئذ يسخط العبد على الله فيما يجرى عليه، ويخوفه فيما بين يديه، فحسن الظن أقوى سلاح يدفع به العدو.
وقال سليمان التيمى لابنه عند الموت: يا بني! حدثني بالرخص، لعلي ألقى الله تعالى وأنا أحسن الظن به.
٢٣ ـ باب ذكر وفاة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم والخلفاء الراشدين رضى الله عنهم
اعلم: أن في رسول الله ﵌ أسوة حسنة في كل أحواله، ومعلوم أنه ليس في المخلوقين أحد أحب إلى الله تعالى منه، ولم يؤخره الله تعالى حين انقضى أجله.
وقد لقي ﵌ من الموت شدة، فروى البخاري في "صحيحه" من حديث عائشة ﵂ قالت: كان بين يدي رسول الله ﵌ ركوة أو علبة فيه ماء، فجعل يدخل يده في الماء، فيمسح بها وجهه ويقول: "لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات".
وفى "صحيح البخاري" من حديث أنس ﵁ قال: لما ثقل النبي ﵌، جعل يتغشاه الكرب، فقالت فاطمة ﵂: واكرب أبتاه! فقال لها: "ليس على أبيك كرب بعد اليوم".
وروى ابن مسعود قال: اجتمعنا في بيت أمنا عائشة ﵂، فنظر إلينا رسول الله ﵌ فدمعت عيناه، فنعى إلينا نفسه وقال: مرحباً، حياكم الله بالسلام، حفظكم الله، ورعاكم الله، جمعكم الله، نصركم الله، وفقكم
стр. 390
الله، نفعكم الله، رفعكم الله، سلمكم الله، أوصيكم بتقوى الله، وأوصي الله بكم، وأستخلفه عليكم ". قلنا: يا رسول الله: متى أجلك؟ قال: " قد دنا الأجل، والمنقلب إلي الله، والى سدرة المنتهى وجنة المأوى، والفردوس الأعلى ". قلنا: يا رسول الله، ففيم نكفنك؟ قال: " في ثيابي هذه إن شئتم، أو يمنية، أو بياض " فقلنا: يا رسول الله! من يصلي عليك؟ وبكينا، فقال: " مهلاً، رحمكم الله، وجزاكم عن نبيكم خيراً، إذا غسلتموني وكفنتموني، فضعوني على سريري هذا على شفير قبرى، ثم اخرجوا عني ساعة، فإن أول من يصلي عليّ خليلي وحبيبي جبريل، ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم ملك الموت، ثم ملائكة كثيرة، ثم ادخلوا عليّ فوجاً فوجاً، فصلوا عليّ وسلموا تسليماً، ولا تؤذوني بتذكية، ولا برنة، ولا بصيحة، وليبدأ بالصلاة عليّ رجال أصحابي، وعلى من تابعني على ديني إلى يوم القيامة، ألا واني أشهدكم أنى قد سلمت على كل من دخل في الإسلام" (١).
ولقد دخل عليه جبريل قبل موته بثلاثة أيام فقال: يا محمد؟ إن الله أرسلني إليك يسألك عما هو أعلم به منك، يقول: كيف تجدك؟ فقال: "أجدنى يا جبريل مغموماً، وأجدنى مكروباً" ثم أتاه في اليوم الثاني، فأعاد الكلام، وأعاد عليه الجواب، ثم جاءه في اليوم الثالث وأعاد عليه الكلام، فأعاد عليه الجواب، فإذا ملك الموت يستأذن، فقال جبريل: يا أحمد! هذا ملك الموت يستأذن عليك، ولم يستأذن على آدمي قبلك، ولا يستأذن على آدمي بعدك، فقال: "ائذن له"، فدخل، فوقف بين يديه وقال: إن الله أرسلني إليك: وأمرني أن أطيعك، فإن أمرتني أن أقبض نفسك قبضتها، وإن أمرتني أن أتركها تركتها، قال رسول الله ﵌: "وتفعل يا ملك الموت؟ " قال: كذلك أمرت أن أطيعك. فقال جبريل: يا أحمد! إن الله قد اشتاق إليك. فقال: "فامض لما أمرت به يا ملك الموت"، فقال جبريل ﵇: السلام عليك يا رسول الله، هذا آخر موطني في الأرض إنما كنت حاجتي من الدنيا (٢).
فتوفى رسول الله ﵌ مستنداً إلى صدر عائشة رضى الله عنها في
стр. 391
كساء ملبد، وإزار غليظ، وقامت فاطمة رضى الله عنها تندب وتقول: يا أبتاه! أجاب ربا دعاه، يا أبتاه! جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه! إلى جبريل ننعاه، يا أبتاه! من ربه ما أدناه، فلما دفن قالت: يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله ﵌!
وقال أبو بكر رضى الله عنه:
لما رأيت نبينا متجدلا ... ضاقت عليَّ بعرضهن الدور
وارتعت روعه مستهام والهٍ ... والعظم منى واهن مكسور
أعتيق ويحك إن حبك قد ثوى ... وبقيت منفرداً وأنت حسير
يا ليتنى من قبل مهلك صاحبى ... غيبت في جدث عليَّ صخور
٢٤ ـ وفاة أبى بكر الصديق رضى الله عنه
روى أبو المليح أن أبا بكر رضى الله عنه لما حضرته الوفاة أرسل إلى عمر رضى الله عنه فقال: إنى أوصيك بوصية، إن أنت قبلت عنى: إن لله حقاً بالليل لا يقلبه بالنهار، وإن لله حقاً بالنهار لا يقبله بالليل، وإنه لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه في الآخرة باتباعهم الحق في الدنيا، وثقلت ذلك عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الحق أن يكون ثقيلا، وإنما خفت موازين من خفت موازينه في الآخرة باتباعهم الباطل، وخفته عليهم في الدنيا، وحق لميزان يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفاً.
ألم تر أن الله أنزل آيه الرجاء عند آية الشدة، وآية الشدة عند آية الرجاء، ليكون العبد راغباً راهباً لا يلقى بيديه إلى التهلكه، ولا يتمنى على الله غير الحق. فإن أنت حفظت وصيتي هذه، فلا يكونن غائب أحب إليك من الموت، ولا بد لك منه، وإن أنت ضيعت وصيتي هذه فلا يكونن غائب أبغض إليك من الموت، ولا بد لك منه ولست تعجزه.
وقيل: لما احتضر جاءت عائشة رضى الله عنها فتمثلت بهذا البيت:
стр. 392
لعمرك ما يغنى الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر (١)
فكشف عن وجهه وقال: ليس كذلك، ولكن قولي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩]. انظروا ثوبي هذين، فاغسلوهما وكفنوني فيهما فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت.
٢٥ ـ وفاة عمر بن الخطاب رضى الله عنه
وعن ابن عمر قال: كان رأس عمر في حجري بعد ما طعن، وكان مرضه الذي توفى فيه، فقال: ضع خدي على الأرض، فقلت: وما عليك إن كان في حجري أم على الأرض؟ وظننت أن ذلك تبرم به، فلم أفعل، فقال: ضع خدي على الأرض لا أم لك، ويلي وويل أمي إن لم يرحمني ربى.
وروى أنه لما طعن وحمل إلى بيته، وجاء الناس يثنون عليه، جاء رجل شباب فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى من الله لك، صحبة من رسول الله ﵌، وقدم في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة، فقال: وودت أن ذلك كان كفافاّ، لا لى ولا على، ثم قال: يا عبد الله بن عمر، انطلق إلى عائشة أم المؤمنين، فقل: عمر يقرأ عليك السلام، ولا تقل: أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميراً، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن عند صاحبيه. فمضى وسلم واستأذن عليها، ثم دخل فوجدها قاعدة تبكى، فقالت: عمر يقرأ عليك السلام، ويستأذن أن يدفن عند صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرنه اليوم على نفسي. فلما أقبل، قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء، قال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه، فقال: ما وراءك؟ قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين، قد أذنت. قال: الحمد لله، ما كان شىء أحب إلى من ذلك، فإذا أنا مت فاحملوني، ثم سلم، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فان أذنت لي، فأدخلوني، وإن ردتني، فردوني إلى مقابر المسلمين.
وفى أفراد مسلم من حديث المسور بن مخرمة، أن عمر قال: والله لو أن لى طلاع (٢)
стр. 393
الأرض ذهباً، لا فتديت به من عذاب الله قبل أن أراه.
وفى خبر آخر: والله لو أن لى ما طلعت عليه الشمس أو غربت، لا فتديت به من هول المطلع.
٢٦ ـ وفاة عثمان بن عفان رضى الله عنه
عن نائلة بنت الفرافصة امرأة عثمان ﵁، قالت: لما كان اليوم الذي قتل فيه عثمان، ظل في اليوم الذي قبله صائماً، فلما كان عند إفطاره، سألهم الماء العذاب فلم يعطوه، فنام ولم يفطر، فلما كان وقت السحر أتيت جارات لى على أجاجير متصلة، فسألتهم الماء العذب، فأعطوني كوزاً من ماء، فأتيته فحركته فاستيقظ، فقلت: هذا ماء عذب، فرفع رأسه فنظر إلى الفجر، فقال: إنى قد أصبحت صائماً، وإن رسول الله ﵌ اطلع على من هذا السقف ومعه ماء عذب، فقال: "اشرب يا عثمان"! فشربت حتى رويت، ثم قال: "ازدد"، فشربت حتى نهلت، ثم قال: "إن القوم سينكرون عليك، فإن قاتلتهم ظفرت، وإن تركتهم أفطرت عندنا" قال: فدخلوا عليه من يومه فقتلوه.
وعن العلاء بن الفضيل، عن أبيه، قال: لما قتل عثمان بن عفان رضى الله عنه فتشوا خزانته، فوجدوا فيها صندوقاً مقفلا ففتحوه، فوجدوا فيه حقة فيها ورقة مكتوب فيها: هذه وصية عثمان، بسم الله الرحمن الرحيم، عثمان بن عفان يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الله يبعث من في القبور ليوم لا ريب فيه، إن الله لا يخلف الميعاد، عليها نحيا، وعليها نموت، وعليها نبعث إن شاء الله تعالى.
٢٧ ـ وفاة علي بن أبى طالب رضى الله عنه
عن الشعبي، قال: لما ضرب على رضى الله عنه تلك الضربة، قال: ما فعل بضاربي؟ قالوا: أخذناه، قال: أطعموه من طعامى، واستقوه من شرابي، فإن أنا عشت رأيت فيه رأيي، وإن أنا مت فاضربوه ضربة واحدة لا تزيدوه عليها، ثم أوصى الحسن أن يغسله وقال: لا تغالي في الكفن، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
стр. 394
يقول: "لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سلباً سريعاً"، امشوا بى المشيتين لا تسرعوا بى، ولا تبطئوا، فإن كان خيراً عجلتمونى إليه، وإن كان شراً ألقيتمونى عن أكتافكم.
وروى أنه لما كانت الليلة التي أصيب فيها على رضى الله عنه أتاه ابن التياح حين طلع الفجر يؤذنه بالصلاة وهو مضطجع متثاقل، فعاد الثانية وهو كذلك، ثم عاد الثالثة فقام يمشى وهو يقول:
أشدد حيازيمك للموت ... فإن الموت لا قيك (١)
ولا تجزع من الموت ... وإن حل بناديك
فلما بلغ الباب الصغير شد عليه عبد الرحمن بن ملجم فضربه.
٢٨ ـ ذكر كلمات نقلت عن جماعة عند موتهم من الصحابة وغيرهم وذكر زيارة القبور ونحو ذلك
لما نزل الموت بالحسن بن على رضى الله عنهما قال: أخرجوا فراشي إلى صحن الدار، فأخرج فقال: اللهم إنى أحتسب نفسي عندك، فإني لم أصب بمثلها.
وقد ذكرنا ما تقدم من كلام الخلفاء الأربعة رضى الله عنهم.
وروى أن معاذ بن جبل لما حضرته الوفاة قال: انظروا هل أصبحنا؟ فأتى فقيل: لم تصبح، حتى أتى في بعض ذلك، فقيل له: لقد أصبحنا، فقال: أعوذ بالله من ليلة صباحها النار، ثم قال: مرحباً بالموت زائر مغيب، وحبيب جاء على فاقة، اللهم إنى كنت أخافك وأن اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أنى لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكرى الأنهار (٢) ولا لغرس الأشجار، ولكن لطول ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر.
وقال أبو مسلم: جئت أبا الدرداء وهو يجود بنفسه ويقول: ألا رجل يعمل لمثل
стр. 395
مصرعي هذا؟ ألا رجل يعمل لمثل يومي هذا؟ ألا رجل يعمل لمثل ساعتي هذه؟ ثم قبض ﵀.
وبكى سليمان الفارسي عند موته، فقيل له، ما يبكيك؟ فقال: عهد إلينا رسول الله ﵌ أن يكون زاد أحدنا كزاد الراكب، وحولي هذه الأزواد. وقيل: إنا كان حوله إجانة وجفن ومطهرة.
وروى المزني قال: دخلت على الشافعي في مرضه الذي مات فيه، فقلت له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت من الدنيا راحلاً، وللإخوان مفارقاً، ولسوء عملي ملاقياً، ولكأس المنية شارباً، وعلى الله وارداً، ولا أدرى أروحى تصير إلى الجنة فأهنئها، أم إلى النار فأعزيها، ثم أنشد يقول:
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت الرجا مني بعفوك سلماً
تعاظمي ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربى كان عفوك أعظما
وما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل ... تجود وتعفو منة وتكرماً
قيل: كان أبو الدرداء رضى الله عنه يقعد إلى القبور، فقيل له ذلك، فقال أجلس إلى قوم يذكروني معادى، وإن غبت لم يغتابوني.
وقال ميمون بن مهران: خرجت مع عمر بن عبد العزيز إلى المقبرة، فلما نظر إلى القبور بكى، ثم أقبل على فقال: يا ميمون، هذه قبور آبائي بنى أمية، كأنهم لم يشاركوا أهل الدنيا في لذاتهم وعيشهم، أما تراهم صرعى قد حلت بهم المثلات، واستحكم فيهم البلاء، وأصاب الهوام مقيلاً في أبدانهم، ثم بكى وقال: والله ما أعلم أحداً أنعم ممن صار إلى هذه القبور، وقد أمن من عذاب الله تعالى.
وتستحب زيارة القبور، فإن النبي ﵌ قال: "زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة" ومن زار قبراً فليستقبل وجه الميت، وليقرأ شيئاً من القرآن ويهديه له، ولتكن الزيارة يوم الجمعة.
وقد روى أنه لما مات عاصم الجحدرى رآه رجل من أهله في المنام بعد موته بسنتين فقال له: ألست قد مت؟ قال: بلى. قال: وأين أنت: قال عاصم: أنا والله في روضة من رياض الجنة، أنا ونفر من أصحابى، نجتمع كل ليلة جمعة وصبيحتها إلى أبى بكر بن عبد الله المزني نتلاقى أخباركم، قال: قلت له: أجسامكم أم
стр. 396
أرواحكم؟ قال: هيهات بليت الأجسام، وإنما تتلاقى الأرواح. قلت: فهل تعلمون بزيارتنا إياكم؟ قال: نعلم بها عشية الجمعة ويوم الجمعة كله، ويوم السبت إلى طلوع الشمس. قلت: وكيف ذلك دون الأيام كلها؟ قال: لشرف يوم الجمعة وعظمه.
وحكى عثمان بن سواد الطفاوى وكانت أمه من العابدات، وكان يقال لها: راهبة، قال: لما احتضرت رفعت رأسها إلى السماء وقالت: يا ذخرى ويا ذخيرتي ومن عليه اعتمادي في حياتي وبعد مماتي، لا تخذلني عند الموت، ولا توحشني في قبرى. قال: فماتت، فكنت آتيها كل جمعة وأدعو لها، وأستغفر لها ولأهل القبور، فرأيتها ليلة في منامي فقلت لها: يا أماه ? كيف أنت؟ قالت: يا بنى ? إن الموت لكرب شديد، وأنا بحمد الله في برزخ محمود، يفترش فيه الريحان، ويتوسد فيه السندس والإستبرق إلى يوم النشور. فقلت: ألك حاجة؟ قالت: نعم، لا تدع ما كنت تصنع من زيارتنا فإني لأسر بمجيئك يوم الجمعة إذا أقبلت من أهلك، فيقال لى: يا راهبة! هذا ابنك قد أقبل، فأسر ويسر بذلك من حولي من الأموات.
وعن أنس بن منصور قال: كان رجل يختلف إلى الجنائز فيشهد الصلاة عليها، فإذا أمسى وقف على باب المقابر فقال: آنس الله وحشتكم، ورحم غربتكم، وتجاوز عن سيئاتكم، وقبل حسناتكم، ولا يزيد على هؤلاء الكلمات، قال ذلك الرجل: فأمسيت ذات ليلة، ولم آت المقابر فأدعو كما كنت أدعو، فبينا أنا نائم إذا أنا بخلق كثير قد جاؤوني فقلت: من أنتم؟ وما حاجتكم؟ قالوا: نحن أهل المقابر، إنك كنت عودتنا منك هدية. فقلت: وما هي؟ قالوا: الدعوات التي كنت تدعوا بها. قلت: فإني أعود لذلك، فما تركتها بعد.
وقال بشار بن غالب: رأيت رابعة في منامى، وكنت كثير الدعاء لها، فقالت لى: يا بشار ? هداياك تأتينا على أطباق من نور، مخمرة بمانديل الحرير. قلت: وكيف ذلك؟ قالت: هكذا دعاء الأحياء إذا دعوا للموتى واستجيب لهم، جعل ذلك الدعاء على أطباق النور، وخمر بمناديل الحرير، ثم أتى به إلى الذي دعي له من الموتى، فقيل له، هذه هدية فلان إليك.
стр. 397
٢٩ ـ فصل [في حقيقة الموت]
والذي تدل عليه الآيات والأخبار أن حقيقة الموت، هو مفارقة الروح للجسد، وأن الروح تكون بعد ذلك باقية، إما معذبة أو منعمة، فإن الروح قد تتألم بنفسها بأنواع الحزن والغم، وتتنعم بأنواع الفرح والسرور من غير تعلق لها بالأعضاء فكل ما هو وصف للروح بنفسها، يبقى معها بعد مفارقة الجسد، وكل ما هو لها بواسطة الأعضاء يتعطل بموت الجسد إلى أن تعاد الروح إلى الجسد. ولا يبعد أن تعاد الروح إلى الجسد في القبر، ولا يبعد أن تؤخر إلى يوم البعث، والله سبحانه أعلم بما حكم به على كل عبد من عباده.
فمعنى الموت انقطاع تصرف الروح عن البدن، وخروج البدن عن أن يكون آلة لها، وسلب الإنسان عن أمواله وأهله بإزعاجه إلى عالم آخر لا يناسب هذا العالم. فإن كان له بالدنيا شئ يفرح به، ويستريح اليه، عظمت حسرته عليه بعد الموت، وإن كان لا يفرح إلا بذكر الله تعالى والأنس به، عظم نعيمه وتمت سعادته إذا خلى بينه وبين محبوبه، وقطعت عنه العوائق والشواغل، لأن جميع شواغل الدنيا شاغلة عن ذكر الله تعالى.
وينكشف للميت بالموت ما لم يكن مكشوفاً في حال الحياة، كما ينكشف للمتيقظ ما لم يكن مكشوفاً له عند النوم، والناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. وأول ما ينكشف له ما يضره وما ينفعه من حسناته وسيئاته، وقد كان ذاك مسطوراً في كتاب مطوي في سر قلبه، وكان يشغله عن الاطلاع عليه شواغل الدنيا، فلما انقطعت انكشفت له جميع أعماله، فلا ينظر إلى سيئة إلا ويتحسر عليها تحسراً يؤثر أن يخوض غمرة النار للخلاص من تلك الحسرة، وكل ذلك ينكشف له عند الموت، وهذه آلام تهجم على العاصي قبل الدفن، نسأل الله العافية.
ومما يدل على أن الروح لاتنعدم بالموت، قول تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. قال مسروق: سألنا عبد الله بن مسعود رضى الله عنه عن هذه الآية فقال: أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، وذكر تمام الحديث. وجاء في قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]. أخبر أنهم
стр. 398
يعذبون بعد الموت.
وفى "الصحيحين" عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: قال رسول الله ﵌: "إن أحدكم إذا مات، عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة".
وقد تقدم أن الإنسان إذا انكشفت له سيئاته تحسر لها وتألم تألماً عظيماً، فأما المؤمن، فقال عبد الله بن عمر: مثل المؤمن حيث تخرج نفسه مثل رجل كان في سجن فأخرج منه، فهو يتفسح في الأرض، ويتقلب فيها. وهو صحيح، فإن المؤمن ينكشف عليه عقيب الموت من فضل الله وكرامته ما تكون الدنيا بالإضافة إليه كالسجن، فيكون محبوس في بيت مظلم فتح له باب إلى بستان واسع الأكناف، فيه أنواع الأشجار، فلا يسره الرجوع إلى الدنيا كما لا يسره العود إلي بطن أمه.
وقال مجاهد: إن المؤمن ليبشر بصلاح ولده من بعد لتقر بذلك عينه.
٣٠ ـ فصل في ذكر القبر
روى عن النبي ﵌ أنه قال: "القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار" (١).
وروى أيضاً عن النبي ﵌ أنه قال: "يقول القبر للميت حين يوضع فيه: ويحك يا ابن آدم! ما غرك؟! ألم تعلم أنى بيت الظلمة، وبيت الوحدة، وبيت الدود؟ " (٢).
وروى الترمذي عن أبى سعيد قال: دخل رسول الله ﵌ مصلاه، فرأى ناساً كأنهم يكثرون، فقال: "أما إنكم لو أكثرتم من ذكر هاذم اللذات لشغلكم عما أرى، فأكثروا ذكر هاذم اللذات الموت، فإنه لم يأت على القبر يوم إلا يتكلم فيقول: أنا بيت الغربة، أنا بيت الوحدة، أنا بيت التراب، أنا بيت الدود. فإذا دفن العبد المؤمن قال له القبر: مرحباً وأهلاً، أما إن كنت لأحب من يمشى على ظهري إلي، فإذ وليتك اليوم وصرت إلي، فسترى صنيعي بك، فيتسع له مد البصر، ويفتح له باب إلى الجنة، وإذا دفن العبد الفاجر أو الكافر قال له القبر: لا
стр. 399
مرحبا ولا أهلا، أما إن كن لأبعض من يمشى على ظهري إلي، فإذا وليتك اليوم، وصرت إلى، فسترى صنيعي بك، قال: فيلتئم عليه حتى تختلف أضلاعه"، وقال رسول الله ﵌ بأصابعه، فأدخل بعضها في بعض قال: " ويقيض له سبعون تنيناً، لو أن واحداً منها نفخ في الأرض ما أنبتت شيئاً ما بقيت الدنيا، فينهشنه ويخدشنه، حتى يفضي به إلى الحساب، قال رسول الله ﵌: "القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار" (١)
وقال كعب: إذا وضع الرجل الصالح في قبره، احتوشته أعماله الصالحة، الصلاة، والصيام، والحج، والجهاد، والصدقة. وقال وتجئ ملائكة العذاب من قبل رجليه فتقول الصلاة: إليكم عنه فلا سبيل لكم عليه، فقد أطال بى القيام لله ، قال: فيأتونه من قبل رأسه، فيقول الصيام: لا سبيل لكم عليه فقد أطال بى الصيام، قال: فيأتونه من قبل جسده، فيقول الحج والجهاد: إليكم عنه، فقد أنصب نفسه وأتعب بدنه، وحج وجاهد لله ، لا سبيل لكم عليه، فيأتونه من قبل يديه، فتقول الصدقة، كم من صدقة خرجت من هاتين اليدين حتى وضعت في يد الله ابتغاء وجهه، فلا سبيل لكم عليه، قال: فيقال له: هنيئاً طبت حياً، وطبت ميتاً، قال: وتأتيه ملائكة الرحمة، فتفرشه فراشاً في الجنة ودثاراً من الجنة، فيفسح له في قوة مد بصره، ويؤتى بقنديل من الجنة، يستضئ بنوره إلى يوم يبعثه الله من قبره.
وعن أنس بن مالك أن نبى الله ﵌ قال: "إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد ﵌؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقولان: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعداً في الجنة. قال رسول الله ﵌: فيراهما جميعاً وأما الفاجر أو المنافق فقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول لا أدرى كنت أقول ما يقول الناس، فيقال له: لا دريت ولا تليت، ثم يضرب بمطارق من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين" أخرجاه في "الصحيحين".
стр. 400
وفيهما من حديث أسماء بنت أبى بكر عن النبي ﵌ أنه قال: "أوحى إلىّ أنكم تفتنون في قبوركم مثل -أو قال قريباً من- فتنة المسيح الدجال، يقال: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله ... " وذكر باقي الحديث.
وعن ابن عباس قال: لما أخرجت جنازة سعد بن معاذ وسوينا عليها، التفت إلينا رسول الله ﵌ فقال: "ما من أحد من الناس إلا وله ضغطة في قبره، ولو كان منفلتاً منها أحد لانفلت سعد بن معاذ" وذكر باقي الحديث.
وعن عبد الله الصنعانى قال: رأيت يزيد بن هارون في المنام بعد موته بأربع ليال، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: تقبل منى الحسنات، وتجاوز عن السيئات. قلت: وما كان بعد ذلك؟ قال: وهل يكون من الكريم إلا الكرم، غفر لى ذنوبي وأدخلني الجنة، قلت: بم نلت الذي نلت؟ قال: بمجالس الذكر، وقولي الحق، وصدقي في الحديث، وطول قيامي في الصلاة، وصبري على الفقر، قلت: منكر ونكير حق؟ قال: أي والله الذي لا إله إلا هو، لقد أقعداني وسألاني: من ربك؟ وما دينك، ومن نبيك؟ فجعلت أنفض لحيتي البيضاء من التراب، وقلت: مثلى يسأل؟! أنا يزيد بن هارون الواسطى، كنت في دار الدنيا ستين سنة أعلم الناس، فقال أحدهما: صدق هو يزيد بن هارون، نم نومة العروس، فلا روعة عليك بعد اليوم.
وقال المروزى: رأيت أحمد بن حنبل في النوم في روضة، وعليه حلتان خضروان، وعلى رأسه تاج من النور، وإذا هو يمشى مشية لم أكن أعرفها له، فقلت يا أحمد: ما هذه المشية التي لم أكن أعهدها لك؟ فقال: هذه مشية الخدام في دار السلام. فقلت: وما هذا التاج الذي أراه على رأسك؟ فقال: إن ربى أوقفني وحاسبني حساباً يسيراً، وكساني وحباني وقربني، وأنا أنظر إليه، وتوجني بهذا التاج وقال لى: يا أحمد هذا تاج الوقار توجتك به، كما قلت: القرآن كلامي غير مخلوق.
٣١ ـ فصل في أحوال الميت من وقت نفخة الصور إلى حين الاستقرار في الجنة أو النار
قد أشرنا إلى أهوال القبر، وأشد من ذلك نفخ الصور والبعث والحساب ونصب
стр. 401
الميزان والصراط، وهذه أهوال يجب الإيمان بها، وينبغى تطويل الفكر فيها، وجمهور الناس لم يتمكن من قلوبهم الإيمان بالآخرة، ولو أن الإنسان لم يشاهد توالد الحيوانات، ثم قيل له: إن صانعاً يصنع من هذه النطفة القذرة مثل هذا الآدمي المتصور العاقل المتكلم، لاشتد نفور طبعه عن التصديق بذلك، فخلفه على ما قيل من العجائب، يزيد على بعثه وإعادته. وكيف ينكر ذلك من قدرة الله تعالى وحكمته من يشاهد البداية؟ فإن كان في إيمانك ضعف، فقوة الإيمان بالنظر إلى النشأة الأولى، فإن الثانية مثلها وأسهل منها، وإن كنت قوى الإيمان بها، فأشعر قلبك تلك المخاوف والأخطار، وأكثر فيها التفكير والاعتبار، وليحثك ذلك على الجد والتشمير، وأول ما يقرع أسماع الموتى صوت إسرافيل حين ينفخ ذلك في الصور، فصور نفسك وقد قمت ذاهلاً مبهوتاً شاخصاً نحو النداء. قال الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١].
عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله ﵌: " كيف أنعم وصاحب الصور قد حنى جبهته، وأصغى بسمعه، ينتظر أن يؤمر أن ينفخ في الصور فينفخ؟ " قال المسلمون: كيف نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا "حسبنا الله ونعم الوكيل، وتوكلنا على الله" ثم انظر كيف يحشر الناس يوم القيامة، فيساقون بعد البعث حفاة عراة إلى أرض المحشر، وهى قاع ليس فيها ربوة يختفي الإنسان بفنائها.
وفى "الصحيحين" قال النبي ﵌ "يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النَّقي".
ثم تفكر في ازدحام الناس، وقرب الشمس من رؤوسهم، وشدة العرق، مع ما في القلوب من القلق.
وفى الحديث: "إن العرق يأخذ الناس على قدر أعمالهم".
وتفكر يا مسكين في سؤال ربك لك عن أعمالك بغير واسطة، فقد روى عن النبي ﵌ أنه قال: "يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة فعند ذلك تطاير الصحف، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله".
وعن أبى برزة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﵌: "لا
стр. 402
تزول قدما عبد حتى يسأل: عن عمره فيما أفناه، وعن عمله فيما عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه".
وعن صفوان بن محرز قال: كنت آخذاً بيد ابن عمر رضى الله عنه، إذ عرض له رجل فقال: كيف سمعت رسول الله ﵌ يقول: " إن الله يدنى المؤمن، فيضع عليه كنفه ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه، ويقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، قال: ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] أخرجاه في "الصحيحين".
وفى "الصحيحين" من حديث أبى سعيد عن النبي ﵌ أنه قال: "يضرب جسر على جهنم فأكون أول من يجوز؟ ".
وفيهما أيضاً، عن النبي ﵌ قال: "يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم، قالوا: يا رسول الله ما الجسر؟ قال: مدحضة مزلة، عليها خطاطيف وكلاليب وحسك، يمر المؤمنين عليه كالطرف، وكالبرق الخاطف، وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، وناج مخدوش، حتى يمر آخرهم يسحب سحباً".
٣٢ ـ ذكر جهنم أعاذنا الله منها (١)
عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: كنا عند النبي ﵌ يوماً، فسمعنا وجبة فقال النبي ﵌: "أتدرون ما هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا حجر أرسل في جهنم منذ سبعين خريفاً، فالآن انتهى إلى قعرها" رواه مسلم.
وفى "الصحيحين" عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﵌: "ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم،
стр. 403
قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله، قال: فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً، كلها مثل حرها".
وفى أفراد مسلم، من حديث ابن مسعود رضى الله عنه، عن النبي ﵌ قال: "يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها".
وعن أبى الدرداء رضى الله عنه قال: يلقى على أهل النار الجوع، فيعدل عندهم ما فيه من العذاب، فيستغيثون بالطعام، فيغاثون بالضريع لا يسمن ولا يغنى من جوع، فيستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصة بالشراب، فيستغيثون بالشراب، فيغاثون بالحميم، ينالونه بكلاليب من حديد، فإذا دنا منهم شوى وجوههم، وإذا دخل بطونهم قطع ما في بطونهم، فيطلبون إلى خزنة جهنم، أن ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ فيجيبونهم ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٤٩] فيقولون سلوا مالكاً: فيقولون ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ فيقول ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٧ - ١٠٨] فعند ذلك ييأسون من كل خير، ويأخذون في الشهيق والويل والثبور.
وتفكر في حياتها وعقاربها، ففى الحديث: "إن حياتها أمثال أعناق البخت، وعقاربها كالبغال الموكفة".
وعن الحسن: أن النار تأكلهم كل يوم سبعين ألف مرة ثم يعودون كما كانوا.
واعلم: أن صفة جهنم تطول، وأيسر اليسير من ذلك ينبغي أن يكفى في التخويف، فإن كنت مؤمناً بهذا فانتبه لنفسك، وخف ما بين يديك، فإن الله لا يجمع على عبد خوفين، ولسنا نعنى بالخوف رقة النساء فتبكى ساعة ثم تترك العمل، وإنما نريد خوفاً يمنع عن المعاصي، ويحث على الطاعة، فأما خوف الحمقى الذين اقتصروا على سماع الأهوال، وأن يقولوا: استعنا بالله، نعوذ بالله، يا رب سلم، وهم مع ذلك مصرون على القبائح، والشيطان يسخر بهم كما يسخر ممن قصده سبع ضار وهو إلى جانب حصن فيقول: أعوذ بالله من هذا، وهو لا يدخل الحصن ولا يبرح مكانه.
стр. 404
٣٣ ـ[فصل في محبة الرسول ﵌]
وكن في الدنيا محباً لرسول الله ﵌، حريصاً على تعظيم سنته، لعله يشفع فيك في الآخرة، فإن له شفاعة يتقدم فيها على الأنبياء كلهم، ويسأل الله في أهل الكبائر من أمته فينجيهم، واستكثر من الإخوان الصالحين، فلكل مؤمن شفاعة، ولا تحملنك العزة على التواني وتسمى ذلك رجاءً، فإن من رجا شيئاً طلبه، واحترز من المظالم، فإن من كانت عليه مظالم ومات قبل ردها، فإن غرماءه يحيطون به يوم القيامة فهذا يقول ظلمني: وهذا يقول: استهزأ بى، وهذا يقول: أساء جواري، وهذا يقول غشنى، فلا خلاص لك من أيديهم، فإذا توهمت الخلاص قيل: لا ظلم اليوم.
وعن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله ﵌: "يخلص المؤمنون يوم القيامة من النار، فيسحبون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة".
وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبي ﵌ قال: "أتدرون ما المفلس"؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: "إن المفلس من أمتي من يأتى يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار".
وعن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي ﵌ قال "لتؤدّن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء".
وهذه الأحاديث كلها في الصحاح، فانظر وفقك الله إلى بعد سلامة حسناتك لدخول ما يبطلها عن الرياء والغيبة، فأن سلمت أخذها الخصوم، فتيقظ لنفسك، ولا تفرط في أوقاتك، فإن المسكين من آثر لذة متقطعة، واشترى بها عذاباً شديداً دائماً نسأل الله السلامة والتوفيق.
стр. 405
٣٤ ـ ذكر صفة الجنة نسأل الله العظيم من فضله
عن أبى هريرة رضى الله عنه قلنا: يا رسول! حدثنا عن الجنة، وما بناؤها؟ قال: "لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم ولا يبأس، ويخلد يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه".
وفى حديث أسامة بن زيد، عن النبي ﵌ أنه قال يوماً وذكر الجنة: "ألا مشمر لها؟ هي ورب الكعبة ريحانة تهتز، ونور يتلألأ، ونهر مطرد، وزوجة لا تموت، في حبور ونعيم، ومقام في أبد" فقالوا: نحن المشمرون لها يا رسول الله، قال: "قولوا: إن شاء الله" (١).
وفى "الصحيحين" من حديث أبى هريرة رضى الله عنه أنه قال: "إن الله قال: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر".
وفيهما أيضاً من حديثه عن النبي ﵌ أنه قال: "أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب درى في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يتمخطون، أمشاطهم الذهب، وريحهم المسك، ومجامرهم الألوَّة الألنجوج (٢)، أزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعاً في السماء". وفى رواية أخرى: "لكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشياً".
وعن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﵌: "جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين
стр. 406
القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن". أخرجاه في "الصحيحين".
وفيهما من حديث أبى موسى أيضاً عن النبي ﵌ قال: "إن في الجنة لخيمة من درة مجوفة، عرضها ستون ميلاً، في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن".
واعلم: أن الله تعالى ذكر نعيم الجنة مبسوطاً في مواضع القرآن، ثم جمعه في آيات. منها قوله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١]. وقوله: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: ١٠٨] ثم زاد على ذلك بقوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧].
صفات الجنة كثيرة اقتصرنا منها على هذا.
وأفضل ما ينال في الجنة رؤية الله تعالى. وفى "الصحيحين" من حديث أبى هريرة رضى الله عنه أنه قيل: يا رسول الله! هل نرى ربنا؟ فقال: "فهل تضامون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ " قالوا: لا، قال: "فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك"
٣٥ ـ باب في ذكر سعة رحمة الله تعالى
نختم الكتاب بذكر سعة رحمة الله ، نرجو بذلك فضله، إذ ليس لنا أعمال نرجو بها العفو، لكن نرجو ذلك من رحمته وكرمه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﵌: "لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش، إن رحمتي غلبت غضبى" أخرجاه في "الصحيحين".
وعن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي ﵌ قال: "إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الإنس والجن والهوام والبهائم، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على أولادها، وأخّر تسعاً وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة".
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﵌: "إن ربكم ﵎ رحيم، من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر
стр. 407
حسنات إلى سبعمائة ضعف، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له سيئة واحدة أو يمحوها الله، ولا يهلك على الله تعالى إلا هالك".
وعن أبى ذر رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﵌: "يقول الله : من عمل حسنة فله عشر أمثالها أو أزيد، ومن عمل سيئة، فجزاء سيئة مثلها أو أغفر، ومن اقترب إلى شبراً اقتربت إليه ذراعاً، ومن اقترب إلى ذراعاً اقتربت منه باعاً، ومن أتاني يمشى أتيته هرولة".
وعن أبى هريرة رضى الله عنه، عن النبي ﵌ أن رجلاً أذنب ذنباً فقال: أي رب! أذنبت ذنباً فاغفر لى، فقال ﵎: علم عبدى أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، فقد غفرت لعبدي. ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنباً آخر فقال: أي رب! عملت ذنباً فاغفره لى، فقال : علم عبدى أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدى. ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنباً آخر فقال: أي رب! عملت ذنباً فاغفره لى، فقال: علم عبدى أن له رباً يغفر الذنب، أشهدكم أني قد غفرت لعبدي، فليعمل ما شاء". هذه الأحاديث كلها صحاح.
وفى "الصحيحين" من حديث عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: قدم على رسول الله ﵌ بسبيٍ، وإذا امرأة من السبى تسعى، إذا وجدت صبيا في السبى فأخذته، فألصقته ببطنها، فأرضعته، فقال رسول الله ﵌: "أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ " قلنا: لا والله. قال: "لله أرحم بعباده من هذه المرآة بولدها".
وفى "الصحيحين" من حديث أبى ذر رضى الله عنه، عن النبي ﵌ أنه قال: "ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة". قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق، وإن زنى وإن سرق! وإن زنى وإن سرق" ثم قال الرابعة: "على رغم أنف أبى ذر".
وفيهما من حديث عتبان بن مالك رضى الله عنه، عن النبي ﵌ أنه قال: "إن الله حرم النار على من قال: لا إله إلا الله، يبتغى بذلك وجه الله".
وفيهما من حديث أنس بن مالك رضى الله عنه، عن النبي ﵌ أن قال: "يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير وزن برة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة".
стр. 408
وعن أبى موسى رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﵌: "إذا كان يوم القيامة لم يبق مؤمن إلا أتى بيهودي أو نصراني حتى يدفع إليه فيقال له: هذا مكانك من النار".
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﵌: "إن الله يستخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً، كل سجل منها مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ قال: لا يارب، فيقول: ألك عذر أو حسنة؟ فيبهت الرجل فيقول: لا يا رب فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم عليك اليوم، فيخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فيقول أحضروه، فيقول: ما هذه البطاقة مع هذه السجلات، فيقال: إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة. قال: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، ولا يثقل شئ مع اسم الله ".
ونظر الفضيل بن عياض إلى تسبيح الناس وبكائهم يوم عرفة فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل يسألونه دانقاً (١)، أكان يردهم؟ فقيل: لا فقال: والله المغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق!.
وعن إبراهيم بن أدهم قال: خلا لى الطواف في ليلة مظلمة شديدة المطر، فلم أزل أطوف إلى السحر، ثم رفعت يدي إلى السماء. فقلت: اللهم إنى أسألك أن تعصمني عن جميع ما تكره. فإذا قائل يقول في الهواء: أنت تسألني العصمة، وكل خلقي يسألني العصمة، فإذا عصمتك فعلى من أتفضل؟
فهذه الأحاديث مع ما ذكرناه في كتاب الرجاء، تبشرنا بكرم الله تعالى وسعة رحمته وجوده. ونحن نرجو من الله سبحانه أن لا يعاملنا بما نستحقه، وأن يتفضل علينا بما هو أهله. ونحن نستغفر الله من أقوالنا التي تخالف أعمالنا ومن كل تصنع تزيناً به للناس، وكل علم وعمل قصدناه، ثم خالطه ما يكدره، فبكرمه نستشفع إلى كرمه، وبجوده نسأل من جوده، إنه قريب مجيب.
والحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لكريم وجهه .
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.