في كل يوم مرة فافعل، فإن لم تفعل، ففى كل جمعة مرة، فإن لم تفعل، ففى كل شهر مرة، فإن لم تفعل ففى كل سنة مرة، فإن لم تفعل ففى عمرك مرة".
٤ ـ فصل [فى أوقات النهي عن الصلاة]
ولا يتطوع فى أوقات النهى بصلاة لا سبب لها كصلاة التسبيح، لأن النهى مؤكد فيها عن الصلاة، وهذه الأشياء ضعيفة فلا تقاومه. وأما ما له سبب، كتحية المسجد، وصلاة الكسوف والاستسقاء ونحوها، فعلى روايتين.
واعلم: أن النهى عن الصلاة فى الأوقات الثلاثة له ثلاثة أسرار.
أحدها: ترك التشبه بعباد الشمس.
الثاني: التحذير من السجود لقرن الشيطان، فإن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا زلت الشمس فارقها، فإذا تضيفت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها.
الثالث: إن سالكي طريق الآخرة مواظبون على العبادات، والمواظبة على نمط واحد يورث الملل، فإذا وقع المنع زاد النشاط، لأن النفس حريصة على ما منعت منه، فمنع الإنسان من الصلاة فى أوقات النهى، ولم يمنع من نوع آخر من التعبد، كالقراءة، والتسبيح لينتقل العابد من حال إلى حال، كما جعلت الصلاة متنوعة بين قيام وقعود وركوع وسجود، والله أعلم.
стр. 37
كتاب الزكاة وأسرارها وما يتعلق بها
الزكاة: أحد مباني الإسلام، وقد قرنها الله بالصلاة، فقال تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة﴾ [البقرة: ٤٣].
أما أنواع الزكاة، وأقسامها، وأسباب وجوبها، فظاهر مشهور في مظانه من كتب الفقه، وإنما نذكر هاهنا بعض الشروط والآداب.
فمن الشروط أن يخرج المنصوص عليه، ولا يخرج القيمة في الصحيح، فإن من أجاز إخراج القيمة إنما تلمح سد الخلة فقط، وسد الخلة ليس هو كل المقصود بل بعضه، فإن واجبات الشرع ثلاثة أقسام:
القسم الأول: تعبد محض، كرمي الجمار، فمقصود الشرع فيه الابتلاء، بالعمل ليظهر عبودية العبد بفعل ما لا يعقل له معنى، لأن ما يعقل معناه يساعد عليه الطبع ويدعو إليه، فلا يظهر خلوص العبودية به، بخلاف ما ذكرنا.
والقسم الثاني: عكس ذلك، وهو ما لا يقصد منه التعبد، بل المقصود منه حضُّ محض، كقضاء دين الآدميين، ورد المغصوب ونحو ذلك، وكذلك لا تعتبر فيه النية ولا الفعل، بل كيفما وصل الحق إلى مستحقه حصل المقصود وسقط خطاب الشرع، فهذان قسمان لا تركيب فيهما.
وأما القسم الثالث: فهو المركب، وهو أن يقصد منه الأمران جميعاً: امتحان المكلف، وحظ العباد، فيجتمع فيه تعبد رمى الجمار، وحظ رد الحقوق، فلا ينبغي أن ينسى أدق المعنيين وهو التعبد، ولعل الأدق هو الأهم، والزكاة من هذا القبيل، فحظ الفقير مقصود في سد الخلة، وحق التعبد مقصود الشرع في اتباع التفاصيل، وبهذا الاعتبار صارت الزكاة قرينة للصلاة والحج، والله أعلم.
١ ـ فصل في دقائق الآداب الباطنة في الزكاة
اعلم: أن على مريد الآخرة في زكاته وظائف:
الأولى: أن يفهم المراد من الزكاة، وهو ثلاثة أشياء: ابتلاء مدعى محبة الله تعالى بإخراج محبوبه، والتنزه عن صفة البخل المهل، وشكر نعمة المال.
стр. 38
الوظيفة الثانية: الإسرار بإخراجهالكونه أبعد من الرياء والسمعة، وفى الإظهار إذلال للفقير أيضاً، فان خاف أن يتهم بعدم الإخراج أعطى من لا يبالى من الفقراء بالأخذ بين الجماعة علانية، وأعطى غيره سراً.
الوظيفة الثالثة: أن لا يفسدها المن والأذى، وذلك أن الإنسان إذا رأى نفسه محسناً إلى الفقير، منعماً بالإعطاء، ربما حصل منه ذلك، ولو حقق النظر لرأى الفقير محسناً إليه بقبول حق الله الذي هو طهرة له.
وإذا استحضر مع ذلك أن إخراجه للزكاة شكر لنعمة المال، فلا يبقى بينه وبين الفقير معاملة. ولا ينبغي أن يحتقر الفقير لفقره، لأن الفضل ليس بالمال ولا النقص بعدمه.
الوظيفة الرابعة: أن يستصغر العطية، فإن المستعظم للفعل معجب به. وقد قيل: لا يتم المعروف إلا بثلاث: بتصغيره، وتعجيله، وستره.
الوظيفة الخامسة: أن ينتقى من ماله أحله وأجوده وأحبه إليه، أما الحل، فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً. وأما الأجود. فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
وينبغى أن يلاحظ في ذلك أمرين: أحدهما: حق الله بالتعظيم له، فانه أحق من اختير له، ولو أن الإنسان قدم إلى ضيفه طعاماً رديئاً لأوغر صدره.
والثاني: حق نفسه، فإن الذي يقدمه هو الذي يلقاه غداً في القيامة، فينبغي أن يختار الأجود لنفسه.
وأما أحبه إليه، فلقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].
وكان ابن عمر رضى الله عنهما إذا اشتد حبه لشيء من ماله قربه لله وروى: أنه نزل الجحفة وهو شاك، فقال: إني لأشتهى حيتاناً، فالتمسوا له فلم يجدوا حوتا، فأخذته امرأته فصنعته ثم قربته إليه، فأتى بمسكين، فقال ابن عمر رضى الله عنه: خذه، فقال له أهله سبحان الله، قد عنيتنا ومعنا زاد نعطيه، فقال: إن عبد الله يحبه.
стр. 39
وروى أن سائلا وقف بباب الربيع بن خثيم رحمة الله عليه فقال: أطعموه سكراً، فقالوا: نطعمه خبزاً أنفع له فقال: ويحكم أطعموه سكراً، فإن الربيع يحب السكر.
الوظيفة السادسة: أن يطلب لصدقته من تزكو به، وهم خصوص من عموم الأصناف الثمانية، ولهم صفات:
الأولى: التقوى، فليخص بصدقته المتقين، فإنه يرد بها هممهم إلى الله تعالى.
وقد كان عامر بن عبد الله بن الزبير يتخير العباد وهم سجود، فيأتيهم بالصرة فيها الدنانير والدراهم، فيضعها عند نعالهم بحيث يحسون بها ولا يشعرون بمكانه، فقيل له: ما يمنعك أن ترسل بها إليهم؟ فيقول: أكره أن يتمعر وجه أحدهم إذا نظر إلى رسول أو لقيني.
الثانية: العلم، فإن في إعطاء العالم إعانة على العلم ونشر الدين، وذلك تقوية للشريعة.
الثالثة: أن يكون ممن يرى الإنعام من الله وحده، ولا يلتفت إلى الأسباب إلا بقدر ما ندب إليه من شكرها، فأما الذي عادته المدح عند العطاء، فانه سيذم عند المنع.
الرابعة: أن يكون صائناً لفقرة، ساترا لحاجته، كاتما للشكوى، كما قال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣].
وهؤلاء لا يحصلون في شبكة الطالب إلا بعد البحث عنهم، وسؤال أهل كل محلة عمن هذه صفته.
الخامسة: أن يكون ذا عائلة، أو محبوساً لمرض أو دين، فهذا من المحصرين، والتصدق عليه إطلاق لحصره.
السادسة: أن يكون من الأقارب وذوى الأرحام، فإن الصدقة عليهم صدقة وصلة، ولك من جمع من هذه الخلال خلتين أو أكثر، كان إعطاؤه أفضل على قدر ما جمع.
стр. 40
٢ ـ فصل في آداب القابض
لابد أن يكون آخذ الزكاة من الأصناف الثمانية، وعليه في ذلك وظائف.
[الوظيفة الأولى]: أن يفهم أن الله تعالى إنما أوجب صرف الزكاة إليه ليكفيه ما أهمه، ويجعل همومه هماً واحداً في طلب رضى الله .
[الوظيفة الثاني] أن يشكر المعطى ويدعو له ويثنى عليه، وليكن ذلك بمقدار شكر السبب، فان من لم يشكر الناس لم يشكر الله، كما ورد في الحديث.
ومن تمام الشكر أن لا يحتقر العطاء وإن قل، ولا يذمه، ويغطى ما فيه من عيب. وكما أن وظيفة الُمعطي الاستصغار فوظيفة المعطى الاستعظام، وكل ذلك لا يناقض رؤية النعمى من الله . فإن من لا يرى الواسطة واسطة، فهو جاهل، وإنما المنكر أن يرى الواسطة أصلاً.
الوظيفة الثالثة: أن ينظر فيما يعطاه، فان لم يكن حِلًّ لم يأخذه أصلاً، لأن إخراج مال الغير ليس بزكاة، وإن كان من شبهة تورع عنه، إلا أن يضيق عليه الأمر، فمن كان أكثر كسبه حراماً، فأخرج الزكاة ولم يعرف لما أخرجه مالك معين، كانت الفتوى فيه أن يتصدق به (١)، فيجوز لهذا الفقير أن يأخذ قدر حاجته عند ضيق الأمر عليه وعجزه عن الصافي.
الوظيفة الرابعة: أن يتوقى مواقع الشبه في قدر ما يأخذ، فيأخذ القدر المباح له، ولا يأخذ أكثر من حاجته. فان كان غارماً لم يزد على مقدار الدين، أو غازياً لم يأخذ إلا مقدار ما يحتاج إليه، وإن أخذ بالمسكنة أخذ قدر حاجته دون ما يتسغنى عنه، وكل ذلك موكول إلى اجتهاده والورع ترك ما يريب.
واختلف العلماء في قدر الغنى المانع من الزكاة، والصحيح فيه أن يكون له كفاية على الدوام، إما من تجارة، أو صناعة، أو أجر عقار، أو غير ذلك، وإن كان له بعض الكفاية أخذ ما يتممها، وإن لم يكن له ذلك أخذ ما يكفيه.
وليكن ما يأخذه بقدر ما يكفى سنته ولا يزيد على ذلك، وإنما اعتبر بالسنة، لأنها
стр. 41
إذا ذهبت جاء وقت الأخذ، وإذا أخذ الأكثر منها ضيق على الفقراء.
٣ ـ فصل في صدقة التطوع وفضلها وآدابها
أما فضائل الصدقة فهي كثيرة مشهورة:
منها: ماروى البخاري من حديث ابن مسعود رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﵌: "أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه، قال: فإن ماله ما قدم، ومال وارثه ما أخر".
وفى "الصحيحين" من رواية أبى هريرة رضى الله عنه، أن رسول الله ﵌ قال"من تصدق بعدل (١) تمرة من كسب طيب -ولا يصعد إلى الله إلا الطيب- فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربى أحدكم فلوه (٢) حتى تكون مثل الجبل".
وفى حديث آخر: " إن الصدقة لتطفئ غضب الرب، وتقى ميتة السوء" (٣).
وفى حديث آخر: "تصدقوا فإن الصدقة فكاككم من النار" (٤)
وعن بريدة رضى الله عنه قال: قال: رسول الله ﵌: "ما يخرج أحد شيئاً من الصدقة حتى يفك عنه لحى سبعين شيطاناً".
وروى أن راهباً تعبد في صومعة ستين سنة، ثم نزل يوماً ومعه رغيف، فعرضت له امرأة فتكشفت له، فوقع عليها، فأدركه الموت وهو على تلك الحال، وجاء سائل فأعطاه الرغيف ومات، فجئ بعمل ستين سنة، فوضع في كفة وخطيئته في كفة، فرجحت بعمله، حتى جئ بالرغيف فوضع مع عمله، فرجح بخطيئته.
وفى أفراد مسلم، من حديث أبى هريرة رضى الله عنه، عن النبى صلى الله عليه
стр. 42
وآله وسلم أنه قال: "ما نقصت صدقة من مال".
وروى عن عائشة رضى الله عنها أنهم ذبحوا شاة فقال النبى ﵌: "ما بقى منها؟ " فقالت: ما بقى منها إلا كتفها، فقال: "بقى كلها إلا كتفها".
وأما آدابها، فنحو ما تقدم في الزكاة.
واختلفوا: أيما أفضل للفقير، أن يأخذ من الزكاة، أو من الصدقة. فقال قوم: من الزكاة أفضل، وقال آخرون من الصدقة أفضل.
وأما أفضل الصدقة فعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: "سئل رسول الله ﵌، أي الصدقة أفضل؟ قال: "أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر، وتأمل الغنى، ولا تهمل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان" أخرجاه في "الصحيحين".
стр. 43
كتاب الصوم وأسراره ومهماته وما يتعلق به
أعلم: أن في الصوم خصيصة ليست فى غيره، وهى إضافته إلى الله حيث يقول سبحانه (١): "الصوم لى وأنا أجزى به"، وكفى بهذه الإضافة شرفاً، كما شرف البيت بإضافته إليه فى قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: ٢٦]. وإنما فضل الصوم لمعنيين:
أحدهما: أنه سر وعمل باطن، لا يراه الخلق ولا يدخله رياء.
الثاني: أنه قهر لعدو الله، لأن وسيلة العدو الشهوات، وإنما تقوى الشهوات بالأكل والشرب، وما دامت أرض الشهوات مخصبة، فالشياطين يترددون إلى ذلك المرعى، وبترك الشهوات تضيق عليهم المسالك. وفى الصوم أخبار كثيرة تدل على فضله وهى مشهورة.
١ ـ فصل فى سنن الصوم
يستحب السحور، وتأخيره، وتعجيل الفطر، وأن يفطر على التمر.
ويستحب الجود في رمضان، وفعل المعروف، وكثرة الصدقة، اقتداء برسول الله ﵌.
ويستحب دراسة القرآن، والاعتكاف فى رمضان: لا سيما فى العشر الأواخر، وزيادة الاجتهاد فيه.
وفى "الصحيحين" من حديث عائشة رضى الله عنها قالت: كان النبى ﵌ إذا دخل العشر [يعنى الأخير]، شد مئزره، وأحيا الليل، وأيقظ أهله. وذكر العلماء في معنى شد المئزر وجهين:
أحدهما: أنه الإعراض عن النساء.
الثاني: أنه كناية عن الجد والتشمير فى العمل. قالوا: وكان سبب اجتهاده فى العشر طلب ليلة القدر.
стр. 44
٢ ـ بيان أسرار الصوم وآدابه
وللصوم ثلاث مراتب: صوم العموم. وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص.
فأما صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة.
وأما صوم الخصوص: فهو كف النظر، واللسان، واليد، والرجل، والسمع، والبصر، وسائر الجوارح عن الآثام.
وأما صوم خصوص الخصوص: فهو صوم القلب عن الهمم الدنيئة، والأفكار المبعدة عن الله تعالى، وكفه عما سوى الله تعالى بالكلية، وهذا الصوم له شروح تأتى فى غير هذا الموضع.
من آداب صوم الخصوص: غض البصر، وحفظ اللسان عما يؤذى من كلام محرم أو مكروه، أو ما لا يفيد، وحراسة باقي الجوارح.
وفى الحديث من رواية البخارى، أن النبى ﵌ قال: " من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه (١) ".
ومن آدابه: أن لا يمتلئ من الطعام فى الليل، بل يأكل بمقدار، فانه ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطن. ومتى شبع أول الليل لم ينتفع بنفسه فى باقيه، وكذلك إذا شبع وقت السحر لم ينتفع بنفسه إلى قريب من الظهر، لأن كثرة الأكل تورث الكسل والفتور، ثم يفوت المقصود من الصيام بكثرة الأكل، لأن المراد منه أن يذوق طعم الجوع، ويكون تاركا للمشتهى.
فأما صوم التطوع، فاعلم أن استحباب الصوم يتأكد فى الأيام الفاضلة، وفواضل الأيام بعضها يوجد فى كل سنة، كصيام ستة أيام من شوال بعد رمضان، وكصيام يوم عرفة، ويوم عاشوراء، وعشر ذي الحجة، والمحرم.
وبعضها يتكرر في كل شهر، كأوله، وأوسطه، وآخره، فمن صام أول الشهر
стр. 45
وأوسطه وآخره فقد أحسن. غير أن الأفضل أن يجعل الثلاثة أيام البيض.
وبعضها يتكرر في كل أسبوع وهو يوم الاثنين، ويوم الخميس. وأفضل صوم التطوع صوم داود ﵇، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وذلك يجمع الثلاثة معان:
أحدها: أن النفس تعطى يوم الفطر حظها، وتستوفى فى يوم الصوم تعبدها، وفى ذلك جمع بين ما لها وما عليها، وهو العدل.
والثاني: أن يوم الأكل يوم شكر، ويوم الصوم يوم صبر، والإيمان نصفان: شكر وصبر.
والثالث: أنه أشق على النفس من المجاهدة، لأنها كلما أنست بحالة نقلت عنها. فأما صوم الدهر: ففى أفراد مسلم من حديث أبى قتادة رضى الله عنه أن عمر رضى الله عنه سأل النبى ﵌ فقال: كيف بمن يصوم الدهر كله؟ فقال: "لا صام ولا أفطر -أو- لم يصم ولم يفطر" وهذا محمول على سرد الصوم فى الأيام المنهي عن صيامها: فأما إذا أفطر يومي العيدين وأيام التشريق فلا بأس بذلك.
فقد روى عن هشام بن عروة ﵀ أن أباه كان يسرد الصوم، وكانت عائشة رضى الله عنها تسرد.
وقال أنس بن مالك رضى الله عنه، سرد أبو طلحة الصوم بعد رسول الله ﵌ أربعين عاماً.
واعلم: أن من رزق فطنة، علم المقصود بالصوم، فحمل نفسه قد ما لا يعجزه عما هو أفضل منه.
فقد كان ابن مسعود قليل الصوم، وكان يقول: إذا صمت ضعفت عن الصلاة وأنا أختار الصلاة على الصوم.
стр. 46
وكان بعضهم إذا صام ضعف عن قراءة القرآن، فكان يكثر الفطر حتى يقدر على التلاوة، وكل إنسان أعلم بحاله وما يصلحه (١).
كتاب الحج وأسراره وفضائله وآدابه ونحو ذلك
ينبغي لمن أراد الحج أن يبدأ بالتوبة، ورد المظالم، وقضاء الديون، وإعداد النفقة لكل من تلزمه نفقته إلى وقت الرجوع، ويرد ما عنده من الودائع.
ويستصحب من المال الحلال ما يكفيه لذهابه ورجوعه من غير تقتير، على وجه يمكنه معه التوسع بى الزاد، والرفق بالفقراء.
ويستصحب ما يصلحه كالسواك، والمشط والمرآة، والمكحلة.
ويتصدق بشئ قبل خروجه وإذا اكترى فليظهر للجمال كل ما يريد أن يحمله من قليل وكثير. وقد قال رجل لابن المبارك: احمل لى هذه الرقعة إلى فلان. فقال: حتى أستأذن الجمال.
وينبغى أن يلتمس رفيقا صالحاً محباً للخير معيناً عليه، إن نسى ذكره، وإن ذكر أعانه، وإن ضاق صدره صبره.
وليؤمر الرفقاء عليهم أحسنهم خلقاً، وأرفقهم بالأصحاب، وإنما احتيج إلى التأمير لأن الآراء تختلف، فلا ينتظم التدبير، وعلى الأمير الرفق بالقوم، والنظر في مصالحهم، وأن يجعل نفسه وقاية لهم.
وينبغى للمسافر تطيب الكلام، وإطعام الطعام، وإظهار محاسن الأخلاق، فإن السفر يخرج خفايا الباطن، ومن كان في السفر آذى هو مظنة الضجر حِسنَ الخلق، كان في الحضر أحسن خلقاً.
стр. 47
وقد قيل: إذا أثنى على الرجل معاملوه بى الحضر ورفقاؤه في السفر فلا تشكوا في صلاحه.
وينبغى له أن يودِّع رفقاءه وإخوانه المقيمين، ويلتمس أدعيتهم، ويجعل خروجه بكرة يوم الخميس، وليصل بى منزله ركعتين قبل الخروج منه ويستودع أهله وماله، ويستعمل الأدعية والأذكار والمأثورة عند خورجه من منزله، وفى ركوبه ونزوله، وهى مشهورة صفى كثير من الكتب في مناسك الحج، وكذلك جميع المناسك من الإحرام، والطواف والسعى، والوقوف بعرفة، وغير ذلك من أعمال الحج يأتى فيها بما ذكر من الأذكار والدعوات والآداب، وكل ذلك مستوفى في كتب الفقه وغيرها، فليطلب هناك.
١ ـ فصل في الآداب الباطنة والإشارة إلى أسرار الحج
اعلم: أنه لا وصول إلى الله إلا بالتجرد والانفراد لخدمته، وقد كان الرهبان ينفردون في الجبال طلباً للأنس بالله، فجعل الحج رهبانية لهذه الأمة.
فمن الآداب المذكورة، أن يكون خالياً في حجه من تجارة تشغل قلبه وتفرق همه، ليجتمع على طاعة الله تعالى، وأن يكون أشعث أغبر، رث الهيئة، غير مستكثر من الزينة.
وينبغى أن يتجنب ركوب المحمل إلا من عذر، كمن لا يستمسك على الزاملة (١)
فإن النبى ﵌ حج على راحلة وتحته رحل رث.
وفى حديث جابر رضى الله عنه، عن النبى ﵌ قال: "إن الله يباهي بالحاج الملائكة فيقول: انظروا إلى عبادى، أتوني شعثاً غبراً من كل فج عميق، أشهدكم أنى قد غفرت لهم".
وقد شرف الله تعالى بيته وعظمه، ونصبه مقصداً لعباده، وجعل ما حوله حرماً له تفخيماً لأمره، وتعظيماً لشأنه، وجعل عرفة كالميدان على فنائه.
واعلم: أن في كل واحد من أفعال الحج تذكرة للمتذكر، وعبرة للمعتبر.
стр. 48
فمن ذلك: أن يتذكر بتحصيل الزاد زاد الآخرة من الأعمال، وليحذر أن تكون أعماله فاسدة من الرياء والسمعة فلا تصحبه ولا تنفعه، كالطعام الرطب الذي يفسد في أول منازل السفر، فيبقى صاحبه وقت الحاجة متحيراً، فإذا فارق وطنه ودخل البادية وشهد تلك العقبات، فليتذكر بذلك خروجه من الدنيا بالموت إلى ميقات القيامة وما بينهما من الأهوال.
ومن ذلك: أن يتذكر وقت إحرامه وتجرده من ثيابه، إذا لبس المحرم الإحرام لبس كفنه، وأنه سيلقى ربه على جزى مخالف لزي أهل الدنيا، وإذا لبى فليستحضر بتلبيته إجابة الله تعالى إذ قال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]، وليرج القبول، وليخش عدم الإجابة، وكذلك إذا وصل إلي الحرم ينبغي أن يكون الرجاء غالباً، لأن الكرم عميم، وحق الزائر مرعى، وذمام المستجير لا يضيع.
ومن ذلك: إذا رأى البيت الحرام استحضر عظمته في قلبه، وشكر الله تعالى على تبليغه رتبة الوافدين إليه، وليستشعر عظمة الطواف به، فإنه صلاة، ويعتقد عند استلام الحجر أنه مبايع لله على طاعته، ويضم إلى ذلك عزيمته على الوفاء بالبيعة، وليتذكر بالتعلق بأستار الكعبة والالتصاق بالملتزم لجأ المذنب إلى سيده وقرب المحب.
وأنشد بعضهم في ذلك:
ستور بيتك نيل الأمن منك وقد ... علقتها مستجيراً أيها الباري
وما أظنك لما أن علقت بها ... خوفاً من النار تنجيني من النار
وها أنا جار بيت أنت قلت لنا ... حجوا إليه وقد أوصيت بالجار
ومن ذلك: إذا سعى بين الصفا والمروة، ينبغي أن يمثلها بكفتي الميزان، وتردده بينهما شفى عرصات القيامة، أو تردد العبد إلى باب دار الملك، إظهاراً لخلوص خدمته، ورجاء الملاحظة بعين رحمته، وطمعاً في قضاء حاجته.
وأما الوقوف بعرفة: فاذكر بما ترى فيه من ازدحام الخلق، وارتفاع أصواتهم واختلاف لغاتهم موقف القيامة، واجتماع الأمم في ذلك الموطن، واستشفاعهم.
فإذا رميت الجمار: فاقصد بذلك الانقياد للأمر، وإظهار الرق والعبودية، ومجرد الامتثال من غير حظ النفس.
стр. 49
وأما المدينة: فإذا لاحت لك فتذكر أنها البلدة التي اختارها الله لنبيه ﵌، وشرع إليها هجرته، وجعل فيها بيته، ثم مثل في نفسك مواضع أقدام رسول الله ﵌ عند تردده فيها، وتصور خشوعه وسكينته، فإذا قصدت زيارة القبر، فأحضر قلبك لتعظيمه، والهيبة له، ومثل صورته الكريمة في خيالك، واستحضر عظيم مرتبته في قلبك، ثم سلم عليه، واعلم انه عالم بحضورك وتسليمك، كما ورد في الحديث.
***
стр. 50
كتاب آداب القرآن الكريم وذكر وفضله
أعظم فضائل القرآن الكريم أنه كلام الله ، وقد مدحه الله تعالى في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢] ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢].
وفى أفراد البخاري، من حديث عثمان بن عفان رضى الله عنه، أن النبى ﵌ قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه".
وعن أنس رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﵌: "إن لله أهلين من الناس، قيل: من هم يارسول الله؟ قال: أهل القرآن هم أهل الله (١) وخاصته" رواه النسائي.
وفى حديث آخر، أن النبى ﵌ قال: "لا يعذب الله قلباً وعى القرآن (٢) ".
وعن ابن عمر رضى الله عنهما، عن النبى ﵌ قال: "يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فان منزلتك عن آخر آية تقرؤها" صححه الترمذى.
وعن بريدة رضى الله عنه عن النبى ﵌ أنه قال: " إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك، فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر (٣) وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وأنى لك اليوم من وراء كل تجارة، فيعطى الملك (٤) بيمينه، والخلد (٥) بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والده
стр. 51
حلتين لا تقوم لهما الدنيا، فيقولان: بما كسينا هذا؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن، ثم يقال: اقرأ واصعد بى درج الجنة وغرفها، فهو في صعود ما كان يقرأ، هذا كان (١) أو ترتيلاً (٢) ".
قال ابن مسعود رضى الله عنه: ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون.
ولا ينبغي أن يكون جافياً ولا غافلاً ولا صخاباً (٣) ولا حديداً.
وقال الفضيل ﵀: حامل القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغي أن يلغو مع من يلغو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلهو مع من يلهو، تعظيماً لله تعالى.
ولا ينبغي أن يكون له إلى أحد حاجة، بل ينبغي أن تكون حوائج الناس إليه.
وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: رأيت رب العزة بى المنام، فقلت: يا رب، ما أقرب ما يتقرب به إليك المتقربون؟ فقال: بكلامي يا أحمد، فقلت: يارب بفهم أو بغير فهم؟ فقال: بفهم وبغير فهم.
١ ـ فصل في آداب التلاوة
ينبغي لقارئ القرآن أن يكون على وضوء، مستعملاً للأدب، مطرقاً غير متربع ولا متكئ، ولا جالس على هيئة المتكبر (٤).
وأفضل الأحوال: أن يقرأ في الصلاة قائماً، وأن يكون في المسجد.
فأما مقدار القراءة، فقد اختلفت فيها عادات السلف، فمنهم من كان يختم كل يوم وليلة ختمة، ومنهم من كان يختم في اليوم والليلة أكثر رأيتهم ذلك، ومنهم من كان يختم
стр. 52
في ثلاث ختمة ومنهم من كان يختم في كل أسبوع، ومنهم من كان يختم في كل شهر، اشتغالا بالتدبر أو بنشر العلم، أو بتعليمه، أو بنوع من التعبد غير القراءة، أو بغيره من اكتساب الدنيا.
وأولى الأمر: ما لا يمنع الإنسان من أشغاله المهمة، ولا يؤذيه في بدنه، ولا يفوته معه الترتيل والفهم.
قال ابن عباس رضى الله عنهما: لأن أقرأ البقرة وآل عمران، وأرتلهما وأتدبرهما أحب إلى من أن اقرأ القرآن كله هذرمة (١) من وجد خلسة في وقت، فليغتنم كثرة القراءة ليفوز بكثرة الثواب، فقد كان عثمان رضى الله عنه يقرأ القرآن في ركعة يوتر بها، وكان الشافعي ﵀ يختم في رمضان ستين ختمه.
وأما الدوام: فليكن على قدر الإمكان، كما أشرنا إليه.
واستحب بعضهم إذا ختم بالنهار أن يختم في ركعتي الفجر أو بعدهما، وإذا ختم بالليل أن يختم في ركعتي المغرب أو بعدهما ليستقبل بالختمة أول الليل وأول النهار.
وقال ابن مسعود رضى الله عنه: من ختم القرآن فله دعوة مستجابة.
وكان أنس رضى الله عنه إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا.
٢ ـ فصل [في تحسين الصوت]
ويستحب تحسين القراءة، وإذا لم يكن حسن الصوت حسنه ما استطاع، فأما القراءة بالألحان، فقد كرهها السلف.
ويستحب الإسرار بالقراءة. وقد جاء في الحديث: "فضل قراءة السر على قراءة العلانية كفضل صدقة السر على صدقة العلانية" (٢)، إلا أنه ينبغي أن يسمع نفسه.
ولا بأس بالجهر في بعض الأوقات لمقصود صحيح، إما لتجويد الحفظ، أو
стр. 53
ليصرف عن نفسه الكسل والنوم، أو ليوقظ الوسنان (١).
فأما حكم القراءة في الصلاة، ومقدار ما يقرأ في صلاة الفرض، وموضع الجهر والإسرار فذلك معروف مشهور في كتب الفقه.
ومن كان عنده مصحف ينبغي له أن يقرأ فيه كل يوم آيات يسيرة لئلا يكون مهجوراً.
وينبغى لتالي القرآن العظيم أن ينظر كيف لطف الله تعالى بخلقه بى إيصال معاني كلامه إلى أفهامهم، وأن يعلم أن ما يقرأه ليس من كلام البشر، وأن يستحضر عظمة المتكلم سبحانه ويتدبر كلامه، فإن التدبر هو المقصود من القراءة، وإن لم يحصل التدبر إلا بترداد الآية، فليرددها، فقد روى أبو ذر رضى الله عنه عن النبى ﵌ أنه قام ليلة بآية يرددها ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨] وقام تميم الداري ﵁ بآية وهي قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] وكذلك قام بها الربيع بن خثيم رحمة الله عليه ليلة.
وينبغى للتالي أن يستوضح من كل آية ما يليق بها، ويتفهم ذلك، فإذا تلا قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١] فليعلم عظمته ويتلمح قدرته في كل ما يراه.
وإذا تلا: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨] فليتفكر في نطفة متشابهة الأجزاء، كيف تنقسم إلى لحم وعظم، وعرق وعصب، وأشكال مختلفة من رأس ويد، ورجل، ثم إلى ما ظهر فيها من الصفات الشريفة كالسمع، والبصر، والعقل، وغير ذلك، فيتأمل هذه العجائب.
وإذا تلا أحوال المكذبين فليستشعر الخوف من السطوة إن غفل عن امتثال الأمر.
وليتخلى التالي من موانع الفهم، مثل أن يخيل الشيطان إليه أنه ما حقق تلاوة الحرف ولا أخرجه من مخرجه، فيكرره التال، فيصرف همته عن فهم المعنى. ومن ذلك أن يكون التالي مصراً على ذنب، أو متصفاً بكبر، أو مبتلى بهوى
стр. 54
مطاع، فإن ذلك سبب ظلمة القلب وصداه، فهو كالجرب على المرآة، يمنع من تجلى الحق، فالقلب مثل المرآة، والشهوات مثل الصدأ، ومعاني القرآن مثل الصور التي تتراءى في المرآة، والرياضة للقلب بإماطة الشهوات مثل الجلاء للمرآة.
وينبغى لتالي القرآن أن يعلم أنه مقصود بخطاب القرآن ووعيد، وأن القصص لم يرد بها السمر (١) بل العبر، فليتنبه لذلك، فحينئذ يتلو تلاوة عبد كاتبه سيده بمقصود.
وليتأمل الكتاب ويعمل بمقتضاه، فإن مثل العاصي إذا قرأ القرآن وكرره، كمثل من كرر كتاب الملك وأعرض عن عمارة مملكته وما أمر به في الكتاب فهو مقتصر على دراسته، مخالف أوامره، فلو ترك الدراسة مع المخالفة كان أبعد من الاستهزاء واستحقاق المقت.
وينبغى أن يتبرأ من حوله وقوته، وأن لا يلتفت إلى نفسه بعين الرضى والتزكية فإن من رأى نفسه بصورة التقصير، كان ذلك سبب قربه.
...
стр. 55
كتاب الأذكار والدعوات وغيرها
اعلم: أنه ليس بعد تلاوة القرآن عبادة تؤدى باللسان أفضل من ذكر الله ، ورفع الحوائج بالأدعية الخالصة إليه تعالى، ويدل على فضل الذكر قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] وقوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ (١) [آل عمران: ١٩٠] وقوله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥].
وعن النبى ﵌ أنه قال: "إن الله يقول: أنا مع عبدى ما ذكرني وتحركت بى شفتاه".
وفي أفراد مسلم عنه ﵌ أنه قال: "لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة (٢) وذكرهم الله فيمن عنده (٣) " وفى ذلك أحاديث كثيرة مذكورة في فضائل الأعمال.
وعن أبى هريرة ﵁، عن النبى ﵌ قال: "ما جلس قوم مجلساً فتفرقوا على غير ذكر الله ، إلا تفرقوا عن مثل جيفة الحمار، وكان ذلك المجلس عليهم حسرة يوم القيامة".
وفى حديث آخر. "لا يجلس قوم مجلساً لا يذكرون الله ولا يصلون على النبى ﵌ إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة".
وأما فضيلة الدعاء: فقد روى أبو هريرة رضى الله عنه، عن النبى ﵌ أنه قال: "ليس شئ أكرم على الله من الدعاء" و "أشرف
стр. 56
العبادة الدعاء (١) " و "من لا يسأل الله يغضب عليه". وفى حديث أخر: "سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل".
وللدعاء آداب: من ذلك أن يتحرى الأوقات الشريفة، كيوم عرفة من السنة، ورمضان من الشهور، والجمعة من الإسبوع، والسحر من الليل.
ومن الأوقات الشريفة بين الآذان والإقامة، وعقيب الصلوات، وعند نزول الغيث، وعند القتال في سبيل الله، وعند ختم القرآن، وفى السجود، وعند الإفطار، وعند حضور القلب ووجله.
وعلى الحقيقة فإن شرف الأوقات يرجع إلى شرف الحالات، فإن وقت السحر وقت صفاء القلب وفراغه، وحالة السجود حالة الذل.
ومن آداب الدعاء أن يدعو مستقبل القبلة ويرفع يديه ثم يمسح بهما وجهه، وأن يخفض صوته حال الدعاء.
ومن آدابه أن يبدأ بذكر الله ، ثم يصلى على النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، ولا يتكلف السجع في الدعاء.
ومن آدابه وهو الأدب الباطن -وهو الأصل في الإجابة- التوبة ورد المظالم.
١ ـ فصل في الأوراد وفضلها وتوزيع العبادات على مقادير الأوقات
أعلم: أنه إذا حصلت المعرفة لله سبحانه والتصديق بوعده، والعلم بقصر العمر، وجب ترك التقصير في هذا العمر القصير، والنفس متى وقفت على فن واحد حصل لها ملل، فمن التلطف نقلها من فن إلى فن، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٥ - ٢٦]، فهذا ونحوه مما ذكر من الآيات في ذلك يدل على أن الطريق إلى الله تعالى مراقبة الأوقات وعمارتها بالأوراد على الدوام، وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ
стр. 57
خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢]، أي يخلف أحدهما الآخر ليتدارك في أحدهما ما فات في الآخر.
٢ - بيان عدد أوراد الليل والنهار وترتيبها
أوراد النهار سبعة، وأوراد الليل ستة، فلنذكر فضيلة كل ورد ووظيفته وما يتعلق به.
الورد الأول من أوراد النهار: ما بين طلوع الفجر الثانى إلى طلوع الشمس، وهو وقت شريف، وقد أقسم الله تعالى به فقال: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨].
فينبغي للمريد إذا انتبه من النوم أن يذكر الله فيقول: "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور". روى ذلك عن النبى ﵌ من أفراد البخاري.
وفى أفراد مسلم، من حديث ابن مسعود رضى الله عنه قال: كان رسول الله ﵌ إذا أمسى قال: "أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شئ قدير، رب أسألك خير ما في هذه الليلة وخير ما بعدها، وأعوذ بك من شر هذه الليلة وشر ما بعدها، رب أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر، رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر".
وإذا أصبح قال ذلك أيضاً: "أصبحنا وأصبح الملك لله ... " إلى آخره، ويقول: "بسم الله الذى لا يضر مع اسمه شئ في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم" ثلاث مرات، "رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﵌ نبياً ورسولاً".
فإذا صلى الفجر قال وهو ثان رجله قبل أن يتكلم: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، وهو على كل شئ قدير" عشر مرات.
ويذكر سيد الاستغفار: "اللهم أنت ربى، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك،
стр. 58
وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك (١) بنعمتك على، وأبوء بذنبى، فاغفر لى، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت".
ويقول: "أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد ﵌، وملة أبينا إبراهيم حنيفاً (٢) مسلماً، وما كان من المشركين".
ويدعو "اللهم أصلح لى ديني الذى هو عصمة أمري، وأصلح دنياي التي فيها ماشى، وأصلح لى آخرتى التي فيها معادى، واجعل الحياة زيادة لى في كل خير، واجعل الموت راحة لى من كل شر".
ويدعو بدعاء أبى الدرداء: "اللهم أنت ربى، لا إله إلا أنت، عليك توكلت، وأنت رب العرش العظيم، أعلم أن الله على كل شئ قدير، وأن الله قد أحاط بكل شئ علماً. اللهم إني أعوذ بك من شر نفسى، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، إن ربى على صراط مستقيم".
فهذه الأدعية لا يستغني المريد عن حفظها.
وينبغى له قبل خروجه إلى صلاة الفجر أن يصلى السنة في منزله ثم يخرج متوجهاً إلى المسجد ويقول: " اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاى هذا، فإني لم أخرج أشراً (٣) ولا بطراً، ولا رياء ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت (٤) ".
فإذا دخل المسجد فليقل ما روى مسلم في "صحيحه" أن النبى ﵌ قال: " إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبى ﵌ ثم ليقل: اللهم افتح لى أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: "اللهم إني أسألك من فضلك"، ثم يطلب الصف الأول منتظراً للجماعة داعيا بنحو ما تقدم من الأذكار والأدعية.
стр. 59
فإذا صلى الفجر استحب أن يمكث في مكانه إلى طلوع الشمس.
فقد روى أنس رضى الله عنه، عن النبى ﵌ أنه قال: "من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة" (١).
وليكن وظائف وقته أربعاً: الدعاء، الذكر، والقراءة، والفكر.
وليأت بما أمكنه، وليتفكر في قطع القواطع، وشغل الشواغل عن الخير ليؤدى وظائف يومه، وليتفكر في نعم الله تعالى ليتوفر شكره.
الورد الثانى: ما بين طلوع الشمس إلى الضحى، وذلك بمضي ثلاث ساعات من النهار، إذا فرض النهار اثنتي عشرة ساعة، وهو الربع، وهذا وقت شريف، وفيه وظيفتان: أحدهما: صلاة الضحى (٢).
والثانية: ما يتعلق بالناس من عيادة مريض، أو تشييع جنازة، أو حضور مجلس علم، أو قضاء حاجة مسلم. وإن لم يفعل شيئاً من ذلك تشاغل بالقراءة والذكر.
الورد الثالث: من وقت الضحى إلى الزوال، والوظيفة في هذا الوقت، الأقسام الأربعة، وزيادة أمرين:
أحدهما: الاشتغال بالكسب والمعاش، وحضور السوق، فإِن كان تاجراً فليتجر بصدق وأمانة، وإن كان صاحب صنعة، فليصنع بنصيحة وشفقة، ولا ينس ذكر الله تعالى في جميع أشغاله، وليقنع بالقليل.
стр. 60
والثاني: القيلولة، فإنها مما تعين على قيام الليل، كما يعين السحور على صيام النهار، فإن نام فليجتهد في الانتباه قبل الزوال بقدر الاستعداد للصلاة قبل دخول الوقت.
واعلم: أن الليل والنهار أربع وعشرون ساعة، فالاعتدال أن ينام من ذلك الثلث، وهو ثمان ساعات، فمن نام أقل من ذلك لم يأمن اضطراب بدنه، ومن نام أكثر من ذلك كثر كسله، فذا نام أكثر من ذلك فت الليل فلا وجه لنومه في النهار، بل من نقص منه استوفى ما نقص في النهار.
الورد الرابع: ما بين الزوال إلى الفراغ من صلاة الظهر، وهو أقصر أوراد النهار وأفضلها، فينبغي له بى هذا الوقت إذا أذن المؤذن أن يجيبه بمثل قوله، ثم يقوم فيصلى أربع ركعات، ويستحب أن يطيلهن، فإن أبواب السماء تفتح حينئذ، ثم يصلى الظهر وسنتها، ثم يتطوع بعدها بأربع.
الورد الخامس: ما بعد ذلك إلى العصر، فيستحب له في هذا الوقت الاشتغال بالذكر، والصلاة، وفنون الخير، ومن أفضل الأعمال انتظار الصلاة بعد الصلاة.
الورد السادس: إذا دخل وقت العصر إلى أن تصفر الشمس، وليس في هذا الوقت صلاة سوى أربع ركعات بين الأذانين، ثم فرض العصر، ثم يتشاغل بالأقسام الأربعة التي سبق ذكرها في الورد الأول، والأفضل فيه تلاوة القرآن والتدبر والتفهم.
الورد السابع: من اصفرار الشمس إلى أن تغرب، وهو وقت شريف. قال الحسن البصري ﵀: كانوا أشد تعظيماً للعشي من أول النهار، فيستحب في هذا الوقت التسبيح والاستغفار خاصة.
وبالمغرب تنتهي أوراد النهار فينبغي أن يلاحظ العبد أحواله ويحاسب نفسه، فقد انقضت من طريقه مرحلة. وليعلم أن العمر أيام تنقضي جملتها بانقضاء آحادها.
قال الحسن: يا ابن آدم، إنما أنت أيام، إذا مضى يومك مضى بعضك. وليتفكر هل ساوى يومه أمسه، فإن رأى أنه قد توفر على الخير في نهاره، فليشكر الله على التوفيق، فإن تكن الأخرى، فليتب وليعزم على تلافى ما سبق من التفريط في الليل، فإن الحسنات يذهبن السيئات، وليشكر الله تعالى على صحة جسمه، وبقاء بقية من عمره يمكن فيها استدراك التقصير، وقد كان جماعة من السلف يستحبون أن لا ينقضي يوم إلا عن صدقة، ويجتهدون فيما أمكن من كل خير.
стр. 61
٣ ـ ذكر أوراد الليل
الورد الأول: إذا غربت الشمس إلى وقت العشاء، فإذا غربت صلى المغرب واشتغل بإحياء ما بين العشاءين، فقد روى أنس رضى الله عنه في قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦]. أن هذه الآية نزلت في أصحاب رسول الله ﵌، كانوا يصلون بين المغرب والعشاء.
وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله ﵌: "من صلى بعد المغرب ست ركعات ولم يتكلم فيما بينهن بسوء، عدلن له بعبادة اثنتي عشرة سنة". رواه الترمذى (١).
الورد الثانى: من غيبوبة الشفق الأحمر إلى وقت النوم، يستحب أن يصلى بين الأذانين ما أمكنه، وليكن في قراءته: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ [السجدة: ١ - ٢] و ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [تبارك: ١]. فقد كان رسول الله ﵌ لا ينام حتى يقرأهما.
وفى حديث آخر، عن ابن مسعود رضى الله عنه، أن رسول الله ﵌ قال: "من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة" (٢).
الورد الثالث: الوتر قبل النوم، إلا من كان عادته القيام بالليل، فإن تأخيره في حقه أفضل، قالت عائشة رضى الله عنها من كل الليل قد أوتر رسول الله ﵌، من أول الليل، وأوسطه، وآخره، فانتهى وتره إلى السحر. متفق عليه، ثم ليقل بعد الوتر: "سبحان الملك القدوس" ثلاث مرات.
الورد الرابع: النوم، وإنما عددناه من الأوراد، لأنه إذا روعيت آدابه وحسن
стр. 62
المقصود به احتسب عبادة. وقد قال معاذ رضى الله عنه: إني لأحتسب في نومتى كما أحتسب في قومتى.
فمن أداب النوم: أن ينام على طهارة، لما روت عائشة رضى الله عنها، أن رسول الله ﵌ كان إذا أراد أن ينام يتوضأ وضوءه للصلاة.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما: إن الأرواح يعرج بها في منامها إلى السماء فتؤمر بالسجود عند العرش، فما كان منها طاهراً سجد عند العرش، وما كان ليس بطاهر سجد بعيداً عن العرش.
ومن آدابه أن يتوب قبل نومه، لأنه ينبغي لمن طهر ظاهره أن يطهر باطنه، لأنه ربما مات في نومه.
ومنها: أن يزيل كل غش في قلبه لمسلم، ولا ينوى ظلمه، ولا يعزم على خطيئة إذا استيقظ.
ومنها: أن لا يبيت من له شئ يوصى به إلا ووصيته مكتوبة عنده، لأن في "الصحيحين" من حديث ابن عمر رضى الله عنهما عن النبى ﵌ أنه قال: "ما حق امرئ مسلم له شئ يوصى فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده".
وينبغى له أيضا أن لا يبالغ فت تمهيد الفراش متنعماً بذلك، فإنه يزيد في النوم، فإن النبى ﵌ ثنى له فراشة فقال: "منعتني وطأته صلاتي الليلة". وينبغى أن لا ينام حتى يغلبه النوم، فقد كان السلف لا ينامون إلا غلبة.
ومن آدابه أن يستقبل القبلة وأن يدعو بما ورد في الأحاديث في ذلك، أن ينام على جنبه الأيمن، فمما جاء في ذلك ما روى أبو هريرة رضى الله عنه، عن النبى ﵌ أنه قال: "إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه بداخلة إزارة، فإنه لا يدرى ما حدث بعده". فإذا وضع جنبه فليقل: "باسمك ربى وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت
стр. 63
نفسي فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها (١) بما تحفظ به عبادك الصالحين" أخرجاه في "الصحيحين".
وفى "الصحيحين" أيضاً، من حديث عائشة، أن النبى ﵌ كان إذا آوى إلى فراشه كل ليلة، جمع كفيه ثم نفخ فيهما وقرأ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ثم مسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات.
وفيهما من حديث البراء بن عازب رضى الله عنه، أن رسول الله ﵌ قال: "إذا أتيت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك آذى أرسلت، فإنك إن مت ليلتك مت على الفطرة، وإن أصبحت أصبت خيراً".
وعن على رضى الله عنه، أن رسول الله ﵌ قال له ولفاطمة: "إذا أخذتما مضاجعكما أو أويتما إلى فراشكما، فسبحا الله ثلاثاً وثلاثين، واحمداه ثلاثاً وثلاثين، وكبراه أربعاً وثلاثين، فهو خير لكما من خادم" متفق عليه.
وحديث أبى هريرة في حفظ زكاة رمضان مشهور، وفيه أن شيطاناً قال له: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربه شيطان. فأخبر رسول الله ﵌ فقال: "أما إنه قد صدقك وهو كذوب".
وفي أفراد مسلم أن النبى ﵌ كان إذا أوى إلى فراشه قال: "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا، وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافى له ولا مأوى".
فإن استيقظ للتهجد، فليدع بدعاء رسول الله ﵌: "اللهم ربنا لك الحمد، أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاءك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق،
стр. 64
والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لى ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت" وفى رواية: "وما أنت أعلم به منى، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت" متفق عليه.
وليجتهد أن يكون آخر كلامه عند النوم ذكر الله تعالى، وأول ما يجرى على لسانه عند التيقظ ذكر الله تعالى، فهاتان علامتان على الإيمان.
الورد الخامس من أوراد الليل: يدخل بمضي النصف الأول إلى أن يبقى من الليل سدسه، وذلك وقت شريف. قال أبو ذر رضى الله عنه: سألت رسول الله ﵌: أي صلاة الليل أفضل؟ فقال: "نصف الليل أو جوف الليل، وقليل فاعله (١) "
وروى أن داود ﵇ قال: يا رب، أية ساعة أقوم لك؟ فأوحى الله تعالى إليه: يا داود لا تقم أول الليل ولا آخرة، ولكن قم في شطر الليل حتى تخلو بى وأخلو بك، وارفع إلىَّ حوائجك.
فإذا قام إلى التهجد، قرأ العشر آيات من آخر سورة ﴿آل عمران﴾، كما روى في "الصحيحين" أن النبى ﵌ فعل ذلك، وليدع بما سبق من دعائه ﵌ عند قيامه من الليل، ثم يستفتح صلاته بركعتين خفيفتين، لما روى أبو هريرة رضى الله عنه، عن النبى ﵌ أنه قال: " إذا قام أحدكم يصلى بالليل، فليبدأ بركعتين خفيفتين " رواه مسلم، ثم يصلى مثنى مثنى، وأكثر ما روى عن النبى ﵌ أنه كان يصلى من الليل ثلاث عشرة ركعة مع الوتر، وأقلهن سبع.
الورد السادس من الليل: السدس الأخير وهو وقت السحر، قال الله تعالى: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨].
стр. 65
وفى الحديث: إن قراءة الرجل آخر الليل محضورة.
وجاء طاووس إلى رجل وقت السحر فقالوا: هو نائم، فقال: ما كنت أرى أن أحداً ينام وقت السحر.
فإذا فرغ المريد من صلاة السحر، فليستغفر الله . وروى عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه كان يفعل ذلك.
٤ ـ فصل في اختلاف الأوراد باختلاف الأحوال
اعلم: أن السالك لطريق الآخرة لا يخلو من ستة أحوال: إما أن يكون عابداً، أو عالماً، أو متعلما، أو والياً، أو محترفاً، أو مستغرقا بمحبة الله مشغولاً به عن غيره.
الأول: العابد: وهو المنقطع عن الأشغال كلها إلى التعبد، فهذا يستعمل ما ذكرنا من الأوراد، وقد تختلف وظائفه، فقد كانت أحوال المتعبدين من السلف مختلفة، فمنهم من كان يغلب على حاله التلاوة، حتى يختم في يوم ختمة، أو ختمتين، أو ثلاثاً، وكان فيهم من يكثر التسبيح، ومنه من يكثر الصلاة، ومنه من يكثر الطواف بالبيت.
فإن قيل: فما الأولى أن يصرف إليه أكثر الأوقات من هذه الأوراد؟
فاعلم أن قراءة القرآن في الصلاة قائما مع التدبر يجمع الجميع، ولكن ربما عسرت المواظبة على ذلك، والأفضل يختلف باختلاف حال الشخص، ومقصود الأوراد تزكية القلب وتطهيره، فلينظر المريد ما يراه أشد تأثيراً فيه فليواظب عليه، فإذا أحس بملل انتقل عنه إلى غيره.
قال أبو سليمان الدارانى: فإذا وجدت قلبك في القيام فلا تركع، وإذا وجدته في الركوع فلا ترفع.
الثانى: العالم: الذي ينتفع الناس بعلمه في فتوى، أو تدريس، أو تصنيف، أو تذكير، فترتيبه في الأوراد يخالف ترتيب العابد فإنه يحتاج إلى المطالعة في الكتب، والتصنيف والإفادة، فان استغرق الأوقات في ذلك، فهو أفضل ما يشتغل به بعد المكتوبات، وإنما نعنى بالعلم المقدم على العبادة الذي يرغب في الآخرة، ويعين على
стр. 66
سلوك طريقها، والأولى بالعالم أيضاً أن يقسم أوقاته، لأن استغراق الأوقات في العلم لا تصبر عليه النفس، فينبغي أن يخص ما بعد الصبح إلى طلوع الشمس بالأذكار والأوراد على ما ذكرنا، ثم ما بعد طلوع الشمس إلى الضحى في الإفادة والتعليم، فإن لم يكن عنده من يتعلم، صرف ذلك الزمان إلى التفكير في العلوم، فان صفاء القلب بعد الفراغ من الذكر وقبل الاشتغال بهموم الدنيا يعين على التفطن للمشكلات، ثم من ضحوة النهار إلى العصر للتصنيف والمطالعة، لا يترك ذلك إلا في وقت أكل، أو طهارة، أو مكتوبة، أو قيلولة، ومن العصر إلى اصفرار الشمس بسماع ما يقرأ عليه من تفسير، أو حديث، أو علم نافع، ومن الاصفرار إلى الغروب يشتغل بالاستغفار والتسبيح، فيكون ورده الأول من عمل اللسان، والثاني بى عمل القلب بالتفكير، والثالث في عمل العين واليد والمطالعة والنسخ، والرابع بعد العصر صفى عمل السمع لتتروح العين واليد، فان المطالعة والنسخ بعد العصر ربما أضرا بالعين.
وأما الليل: فأحسن قسمة فيه قمسة الشافعي ﵀، فانه كان يقسمه ثلاثة أجزاء: الثلث الأول لكتابة العلم، والثاني للصلاة، والثالث للنوم، فأما الصيف، فربما لا يحتمل ذلك، إلا إذا كان أكثر النوم بالنهار.
الثالث: حال المتعلم: فإن المتعلم أفضل من التشاغل بالأذكار والنوافل، وحكم المتعلم حكم العالم في ترتيب الأوراد، لكنه يشتغل بالاستفادة حين يشتغل العالم بالإفادة، وبالتعليق والنسخ حين يشتغل العالم بالتصنيف، فإن كان من العوام كان حضوره مجالس الذكر والعلم والوعظ أفضل من اشتغاله بالأوراد المتطوع بها.
الرابع: الوالي: مثل الإمام، والقاضى، أو المتوفى للنظر في أمور المسلمين، فقيامه بحاجات المسلمين وأغراضهم على وفق الشرع وقصد الإخلاص أفضل من الأوراد المذكورة، لأنه عبادة يتعدى نفعها، فينبغي أن يقتصر في النهار على المكتوبات، ثم يستفرغ باقي الزمان في ذلك، ويقنع بأوراد الليل.
الخامس: المحترف: وهو محتاج إلى الكسب له أو لعياله، فليس له أن يستغرق الزمان في التعبد، بل يجتهد في الكسب مع دوام الذكر، فإذا حصل له ما يكفيه عاود الأوراد.
السادس: المستغرق بمحبة الله سبحانه: فهذا ورده بعد المكتوبات حضور القلب مع الله تعالى، وهو يحركه إلى ما يريد من ورده.
стр. 67
وينبغى أن يداوم على الأوراد، لقول النبى ﵌: "أحب العمل إلى الله تعالى أدومه وإن قل". وكان النبى ﵌ عمله ديمة.
٥ ـ باب في قيام الليل وفضله والأسباب الميسرة لقيامه ونحو ذلك
قال الله تعالى ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦].
وقال النبى ﵌: "عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى ربكم ومغفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم" وفى فضله أحاديث كثيرة.
وقال الحسن البصري ﵀: لم أجد من العبادة شيئاً أشد من الصلاة في جوف الليل، فقيل له: ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوها؟ فقال: لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره.
٦ ـ فصل في الأسباب الميسرة لقيام الليل
اعلم: أن قيام الليل صعب إلا من وفق للقيام بشروطه الميسرة له.
فمن الأسباب ظاهر، ومنها باطن.
فأما الظاهر: فأن لا يكثر الأكل، كان بعضهم يقول: يا معشر المريدين لا تأكلوا كثيراً فتشربوا كثيراً فتناموا كثيراً، فتخسروا كثيراً.
ومنها: أن لا يتعب نفسه بالنهار بالأعمال الشاقة.
ومنها: أن لا يترك القيلولة بالنهار، فإنها تعين على قيام الليل.
ومنها: أن يتجنب الأوزار.
قال الثوري: حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته.
وأما الميسرات الباطنة:
فمنها سلامة القلب للمسلمين، وخلوه من البدع، وإعراضه عن فضول الدنيا.
ومنها: خوف غالب يلزم القلب مع قصر الأمل.
ومنها: أن يعرف فضل قيام الليل.
стр. 68
ومن أشرف البواعث على ذلك الحب لله تعالى، وقوة الإيمان بأنه إذا قام ناجى ربه، وأنه حاضره ومشاهده، فتحمله المناجاة على طول القيام.
قال أبو سليمان ﵀: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا.
وفى "صحيح مسلم" عن النبى ﵌ قال: "إن في الليل لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيراً إلا آتاه إياه، وذلك كل ليلة".
وإحياء الليل مراتب:
أحدها: أن يحيى الليل كله، روى ذلك عن جماعة من السلف.
الثانية: أن يقوم نصف الليل، وهو مروى أيضاً عن جماعة من السلف وأحسن الطريق في هذا أن ينام الثلث الأول من الليل، والسدس الأخير منه.
المرتبة الثالثة: أن يقوم ثلث الليل، فينبغي أن ينام النصف الأول، والسدس الأخير، وهو قيام داود ﵇.
ففى "الصحيحين": "أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه"، ونوم آخر الليل حسن، لأنه يذهب آثار النعاس من الوجه بالغداة، ويقلل صفرته.
المرتبة الرابعة: أن يقوم سدس الليل أو خمسه، والأفضل من ذلك ما كان في النصف الآخير، وبعضهم يقول: أفضله السدس الأخير.
المرتبة الخامسة: أن لا يراعى التقدير، فان مراعاة ذلك صعب.
ثم فيما يفعله طريقان:
أحدهما: أن يقوم أول الليل إلى أن يغلبه النوم فينام، فإذا انتبه قام، فإذا غلبه النوم نام، وهذا من أشد المكابدة، وهو طريق جماعة من السلف.
وفى "الصحيحين" من حديث أنس رضى الله عنه: ما كنا نشاء أن نرى رسول الله ﵌ مصلياً من الليل إلا رأيناه، وما كنا نشاء أن نراه نائماً إلا رأيناه. وكان عمر رضى الله عنه يصلى من الليل ما شاء الله، حتى إذا كان من آخر الليل أيقظ أهله، فيقول: الصلاة الصلاة.
стр. 69
وقال الضحاك: أدركت أقواماً يستحيون من الله في سواد هذا الليل من طول الضجعة. الطريق الثانى: أن ينام أول الليل، فإذا أخذ حظه من النوم، وانتبه،، قام الباقي. قال سفيان الثوري: إنما هو أول نومة، فإذا انتبهت لم أقلها. -يعنى: لم ينم-.
المرتبة السادسة: أن يقوم مقدار أربع ركعات أو ركعتين، فقد روينا عن النبى ﵌ أنه قال: "صلوا من الليل، صلوا أربعاً، صلوا ركعتين" (١) ... الحديث.
وفى "سنن أبى داود" قال: قال رسول الله ﵌: "من استيقظ من الليل وأيقظ امرأته فصليا جميعاً ركعتين، كتبا ليلتئذٍ من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات". وكان طالحة بن مصرف يأمر أهله بقيام الليل، ويقول: صلوا ركعتين، فإن الصلاة في جوف الليل تحط الأوزار.
فهذه طرق قسمة الليل، فليتخير المريد لنفسه ما يسهل عليه، فان صعب القيام عليه بى وسط الليل، فلا ينبغي أن يخل بإحياء ما بين العشاءين وورد السحر، ليكون قائماً في الطرفين وهذه مرتبة سابعة.
٧ ـ فصل [فيمن صعبت عليه الطهارة في الليل]
فأما من صعبت عليه الطهارة في الليل، وثقلت عليه الصلاة، فليجلس مستقبل القبلة وليذكر الله تعالة، وليدع مهما قدر. فان لم يجلس فليدع وهو مضطجع، ومن كان له ورد فغلبه النوم وفاته، فليأت به بعد صلاة الضحى. فقد ورد ذلك في الحديث.
وليحذر من له عادة بقيام الليل أن يتركها، ففى "الصحيحين" أن رسول الله ﵌ قال لعبد الله بن عمرو: "لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل.
стр. 70
٨ ـ فصل في بيان الليالي والأيام الفاضلة
أما الليالي المخصوصات بمزيد الفضل التي يستحب إحياؤها، فخمس عشرة ليلة ولا ينبغي للمريد أن يغفل عنهن، لأنه إذا غفل التاجر عن موسم الربح فمتى يربح؟ ! فمن هذه الليالي سبع في رمضان: الليلة السابعة عشرة، وهى التي كانت صبيحتها وقعة بدر، والست الباقية هن أوتار العشر [الأخير]، إذا فيهن تطلب ليلة القدر وأما الثمان الآخر: فأول ليلة من المحرم، وليلة عاشوراء، وليلة النصف من شعبان، وليلة عرفة، وليلتا العيدين (١). وقد ورد صلوات لبعض هذه الليالي وليس فيها ما يثبت.
وأما الأيام الفاضلة فتسعة عشر يوماً: يوم عرفة، ويوم عاشوراء، ويوم سبع وعشرين من رجب، وهو أول يوم هبط فيه جبريل على النبى ﵌ ويوم سبع عشرة من رمضان كان فيه وقعة بدر، ويوم النصف من شعبان، ويوم الجمعة، ويوما العيدين، والأيام المعلومات وهى عشر ذي الحجة، والأيام المعدودات وهى أيام التشريق.
ومن فواضل الأيام في الأسبوع: يوم الاثنين، والخميس، وأيام البيض. وفيها فضل كبير مذكور في فضائل الصوم.
آخر كتاب الأوراد، وهو آخر ربع العبادات، وبالله التوفيق.
стр. 71
الربع الثاني من الكتاب ربع العادات وفيه أبواب:
باب في الأكل والاجتماع عليه والضيافة ونحو ذلك
وآداب الأكل، منها ما هو قبله، ومنها ما هو مع الأكل، ومنها ما هو بعد الأكل.
فمن القسم الأول: غسل اليدين قبل الأكل، كما ورد فى الحديث، لأنها لا تخلو من درن، ومن ذلك أن يوضع الطعام على السفرة الموضوعة على الأرض، فانه أقرب إلى فعل رسول الله ﵌ من رفعه على المائدة، وهو أدنى إلى التواضع، ومن ذلك أن يجلس الجلسة على السفرة، فينصب رجله اليمنى، ويعتمد على اليسرى، وينوى بأكله أن يتقوى على طاعة الله تعالى ليكون مطيعاً بالأكل، ولا يقصد به التنعم فقط، وعلامة صحة هذه النية أخذ البلغة دون الشبع. قال النبى ﵌: "ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه وثلث لنفسه".
ومن ضرورة هذه النية أن لا يمد يده إلى الطعام إلا وهو جائع، وأن يرفع يده قبل الشبع، ومع فعل ذلك لم يكد يحتاج إلى طبيب، ومن ذلك أن يرضى بالموجود من الرزق، ولا يحتقر اليسير منه، وأن يجتهد فى تكثير الأيدى على الطعام ولو من أهله وولده.
القسم الثانى: فى الآداب حالة الأكل: وهو أن يبدأ ببسم الله فى أوله، ويحمد الله تعالى فى آخره.
ومن ذلك أن يأكل باليمنى ويصغر اللقمة ويجود مضغها، وأن لا يمد يده إلى أخرى حتى يبتلع الأولى، ولا يذم مأكولاً، ومن ذلك أن يأكل مما يليه، إلا أن يكون الطعام متنوعا كالفاكهة، وليأكل بثلاث أصابع، وإذا وقعت لقمة أخذها.
ومن ذلك أن لا ينفخ فى الطعام الحار، ولا يجمع بين التمر والنوى فى طبق واحد، ولا يجمعه فى كفه، بل يضعه من فيه على ظهر كفه ثم يلقيه، وكذا كل ماله عجم وثفل، ولا يشرب الماء فى أثناء الطعام، فانه أجود فى باب الطب.
стр. 72
ومن آداب الشرب أن يتناول الإناء بيمينه، وينظر فيه قبل الشرب، ويمص مصاً لاعبَّاَّ، فقد روى عن على رضى الله عنه: مصوا الماء مصاً ولا تعبوه عبا، فإن الكباد من العب.
ولا يشرب قائماً، ويتنفس فى شربه ثلاثاً.
ففى "الصحيحين" أن النبى ﵌ كان يتنفس فى الإناء ثلاثاً. والمعنى يتنفس فى شربه فى الإناء، بأن يباعد الإناء عنه ويتنفس، لا أن يكون النفس فى الإناء.
القسم الثالث: من آداب الأكل ما يستحب بعد الطعام، وهو أن يمسك قبل الشبع ويلعق أصابعه، وأن يسلت (١) القصعة، وليحمد الله، ففى الحديث عن النبى ﵌ أنه قال: "إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليه، ويشرب الشربة فيحمده عليها"، ويغسل يده من الغمر (٢).
١ ـ فصل فيما يزيد من الآداب بسبب الاجتماع والمشاركة فى الأكل
من ذلك أن لا يبتدئ فى الأكل إلا إذا كان معه من يستحق التقدم لكبر سن أو زيادة فضل، إلا أن يكون هو المتبوع.
ومنها أن لا يسكتوا على الطعام، بل يتكلمون بالمعروف، ويتحدثون بحكايات الصالحين فى الأطعمة وغيرها.
ومن ذلك أن يقصد كل منهم الإيثار لرفيقه، ولا يحوج رفيقه إلى أن يقول له: كل، بل ينبسط ولا يتصنع بالانقباض.
ومن ذلك أن لا ينظر إلى أصحابه حالة الأكل لئلا يستحيوا.
ومن ذلك أن لا يفعل ما يستقذره من غيره، فلا ينفض يده فى القصعة، ولا يقدم إليها رأسه عند وضع اللقمة فى فيه، وإذا أخرج شيئاً من فيه ليرمى به، صرف وجهه عن
стр. 73
الطعام وأخذه بيساره، ولا يغمس اللقمة الدسمة فى الخل، ولا الخل فى الدسمة، فقد يكرهه غيره، ولا يغمس بقية اللقمة التى أكل منها فى المرقة.
٢ ـ فصل [فى تقديم الطعام إلى الإخوان]
ويستحب تقديم الطعام إلى الإخوان، روى ذلك عن على رضى الله عنه قال: لأن أجمع إخوانى على صاع من الطعام أحب إلى من أن أعتق رقبة.
وكان خيثمى ﵀ يصنع الخبيص والطعام الطيب، فيدعو إبراهيم والأعمش ويقول: كلوا، فما صنعته إلا لكم.
ويقدم ما حضر من غير تكلف، ولا يستأذنهم فى التقديم، بل يقدم من غير استئذان، ومن التكلف أن يقدم جميع ما عنده.
ومن آداب الزائر أن لا يقترح طعاماً بعينه، وإن خير بين طعامين اختار أيسرهما، إلا أن يعلم أن مضيفه يسر باقتراحه، ولا يقصر عن تحصيل ذلك، فقد نزل الشافعى ﵀ على الزعفرانى، وكان الزعفرانى يكتب كل يوم رقعة بما يطبخ من الألوان، ويسلمها إلى الجارية، فأخذ الشافعى الرقعة وألحق فيها لونا آخر، فلما علم الزعفرانى اشتد فرحه.
٣ ـ فصل [لا تدخل على قوم يأكلون]
ولا ينبغى لأحد إذا علم أن قوماً يأكلون أن يدخل عليهم، فإن صادفهم من غير قصد، فسألوه الأكل، نظر، فإن علم أنهم إنما سألوه حياء منه، فلا يأكل، وإن علم أنهم يحبون أكله معهم، جاز له أن يأكل.
ومن دخل دار صديقه فلم يجده وكان واثقاً به عالماً أنه إذا أكل من طعامه سر بذلك، جاز له أن يأكل.
٤ ـ فصل [في آداب الضيافة]
ومن آداب الضيافة، أن يقصد بدعوته الأتقياء دون الفساق، وقال بعض السلف: لا تأكل إلا طعام تقى، ولا يأكل طعامك إلا تقى (١).
стр. 74
وينبغى أن يقصد الفقراء دون الأغنياء.
وينبغى أن لا يهمل أقاربه فى ضيافتهم، فان إهمالهم يوجب الإيحاش وقطيعة الرحم. وكذلك يراعى الترتيب فى أصدقائه ومعارفه، ولا يقصد بدعوته المباهاة والتفاخر، وبل استعمال السنة فى إطعام الطعام واستمالة قلوب الإخوان، وإدخال السرور على قلوب المؤمنين، ولا يدعو من يعلم أنه تشق عليه الإجابة، أو إذا حضر تأذى بالحاضرين بسبب من الأسباب.
وأما آداب الإجابة، فان كانت دعوة عرس، فالإجابة عليها واجبة إذا دعاة المسلم فى اليوم الأول، وإن كانت لغيره فهى جائزة، ثم ينبغى أن لا يخص الغنى بالإجابة دون الفقير، ولا يمتنع من الدعوة لكونه صائماً، بل يحضر، فان كان تطوعاً وعلم أن فطره يسر أخاه المسلم فليفطر.
فأما إن كان الطعام حراماً فليمتنع عن الإجابة، وكذلك إذا كان ثمة فرش محرمة، أو إناء محرم، أو مزمار أو صورة، وكذلك إذا كان الداعى ظالماً أو فاسفاً أو مبتدعاً أو مفاخراً بدعوته.
وينبغي أن لا يقصد بالإجابة إلى الدعوة نفس الأكل، بل ينوى به الاقتداء بالسنة، وإكرام أخيه المؤمن، وينوى صيانة نفسه عمن يسئ به الظن، فربما قيل عنه إذا امتنع: هذا متكبر.
وينبغى أن يتواضع فى مجلسه إذا حضر، ولا يتصدر، وإن عين له صاحب الدار مكاناً لم يتعده، ولا يكثر النظر إلى المكان الذى يخرج منه الطعام، فإنه دليل على الشره.
٥ ـ فصل [في آداب إحضار الطعام]
وأما إحضار الطعام فله خمسة آداب:
الأول: تعجيله، فذلك من إكرام الضيف.
الثانى: تقديم الفاكهة أولاً قبل غيرها، وذلك أصلح فى باب الطب، وقد قال الله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠، ٢١].
ثم أفضل ما يقدم بعد الفاكهة اللحم، خصوصاً المشوى، ثم أفضل الطعام بعد اللحم الثريد، ثم الحلوى، وتتم هذه الطيبات بشرب الماء البارد، وتكملة الأمر صب
стр. 75
الماء الفاتر على اليد عند الغسل.
الثالث: أن يقدم جميع الألوان الحاضرة.
الرابع: أن لا يبادر رفعها بل يمكنهم من الاستيفاء حتى يرفعوا أيديهم.
الخامس: أن يقدم من الطعام قدر الكفاية، فإن التقليل من الكفاية نقص فى المروءة.
وينبغى أن يعزل لأهل البيت نصيبهم قبل تقديم الطعام، فإذا أراد الضيف الانصراف ينبغى أن يخرج معه إلى باب الدار، فإنه سنة، وذلك من إكرام الضيف ومن تمام الإكرام طلاقة الوجه، وطيب الحديث عند الدخول والخروج وعلى المائدة.
وأما الضيف فينبغى أن يخرج طيب النفس وإن جرى في حقه تقصير، فذلك من حسن الخلق والتواضع، ولا يخرج إلا برضى صاحب المنزل وإذنه، ويراعى قلبه في قدر الإقامة.
***