← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 98093

الداء والدواء = الجواب الكافي - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (640 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة التحقيق الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله نبيّنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد فإنّ هذا الكتاب الذي اشتهر بعنوان "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي"، وطبع مرّات باسم "الداء والدواء"، من أنفع الكتب في تهذيب النفوس، واستثارتها للكفّ عن المعاصي والتوبة النصوح. وقد أُفرِد لمعالجة مرض من أخطر أمراض القلوب، "مخالف لسائر الأمراض في ذاته وأسبابه وعلاجه، وإذا تمكّن واستحكم عزّ على الأطبّاء دواؤه، وأعيا العليلَ داؤه". وهو مرض العشق الذي قال فيه الشاعر: الحبُّ داءٌ عُضالٌ لا دواءَ له … يَحارُ فيه الأطبّاءُ النَّحاريرُ قد كنتُ أحسَب أنّ العاشقين غَلَوا … في وصفه فإذا بالقوم تقصيرُ ومؤلّفه ﵀ من أطبّاء القلوب البارعين الذين لا يرجعون في مداواتهم لأمراض القلوب إلى حكماء اليونان، وإنّما يصدرون عن كتاب الله الحكيم، الذي فيه هدى وموعظة وشفاء لما في الصدور، وسنّةِ رسول الله الذي إنّما بُعِث لتعليم الناسِ الكتابَ والحكمةَ، وإصلاح عقيدتهم وسلوكهم، وتزكية نفوسهم، وهدايتهم لمراشد الأمور، فكانت الجماعة التي تخرّجت على يديه خير أمّة أخرجت للناس، لم يُعرف في التاريخ البشري لها نظير.

стр. 2

وكان أصل الكتاب استفتاء ورد على المؤلف، فسئل عن رجل ابتلي ببلية إن استمرّت به أفسدت دنياه وآخرته، وقد اجتهد في دفعها عن نفسه بكل طريق، فما تزداد إلاّ توقدًا وشدّةً. ونظر المجيب إلى الحالة المستعصية، وعموم البلوى، فرأى أنّ التفصيل أولى في هذا المقام من الإيجاز، ومقتضى النصح للسائل والشفقة عليه وعلى أمثاله أن يستوعب القول في أسباب المرض وعواقبه الوخيمة، وأن يرشد إلى طرق الوقاية وسبل الخلاص. فكتب فصولًا نفيسة في الدعاء وشروط قبوله والأسباب المانعة من ترتّب أثره، وفي الفرق بين حسن الظنّ بالله والاغترار برحمته، وفي أضرار المعاصي وآثارها في حياة الأفراد والأمم وعقوباتها في الدنيا والآخرة، وحقيقة التعبد لله والإشراك به، والسرّ في كون الشرك لا يغفر من سائر الذنوب، ومضادّة عشق الصور للتوحيد، ومفاسده الأخرى العاجلة والآجلة، وهكذا أصبح الجواب عن ذلك السؤال كتابًا مفصلًا. ولئن كان المجتمع الذي عاش فيه المؤلف ﵀ بحاجة إلى هذا الكتاب، على ما فيه من تمسّك بالدين ومحافظة على الأخلاق والآداب = إن مجتمعاتنا إليه لأحوج، إذ صارت تمور بأسباب الفساد، بعد ما نجح الغواة في كثير من البلدان الإِسلامية في استدراج المرأة المسلمة تحت شعارات خادعة إلى نزع الحجاب والاختلاط بالرجال فصار المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا. ثم تفنّن إخوان الشياطين في إيجاد وسائل جديدة لإثارة الغريزة الجنسية وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، فقد علموا أنّ الانحلال الخلقي هو أقرب طريق إلى تدمير الأمّة، والله المستعان. وقد صدر الكتاب قديمًا في الهند سنة ١٣٥٧ هـ، ثم طبع في مصر،

стр. 3

وتوالت بعد ذلك طبعاته. وكان منها طبعة الشيخ محمَّد محيي الدين عبد الحميد ﵀، الذي اعتمد فيها على نسخة خطّية من القرن الثالث عشر. ثم صدرت طبعات أخر، اعتمد في كل منها -زعموا- على نسخة واحدة متأخرة أو غير صالحة للاعتماد عليها. وقد بذل أصحابها جهدًا مشكورًا في تصحيحها وتخريج أحاديثها وحسن إخراجها، غير أنّها جميعًا لم يتبع فيها المنهج العلمي المعروف في تحقيق النصوص. أما هذه الطبعة التي بين أيديكم، فهي صادرة عن أربع نسخ خطيّة من القرن الثامن، وقد كتبت إحداها بعد وفاة المؤلف ﵀ بتسع عشرة سنة، مع الاستئناس بنسختين من القرن الثاني عشر. وقد عني فيها بتحرير متن الكتاب عناية بالغة، بالإضافة إلى التوثيق والتخريج والفهارس الوافية المتنوعة. وقد أعددت دراسة للكتاب تشتمل على توثيق نسبة الكتاب، وتحقيق عنوانه، وتحليل مباحثه، وتفصيل موارده، ووصف النسخ المعتمدة في هذه الطبعة، والمنهج الذي أَتبع في إعدادها. وبعد، فإني أحمد الله على أن وفّق لإخراج هذه النشرة العلمية من الكتاب، وهو المسؤول أن يتقبل هذا العمل، وينفع به، ويبارك فيه. ورضي الله عن مؤلفه الإِمام ابن قيم الجوزية، وأعلى درجاته في جنّات النعيم. وصلى الله وسلّم على عبده ورسوله نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين. محمد أجمل أيوب الإصلاحي الرياض ٩ جمادى الأولى ١٤٢٨ هـ

стр. 4

توثيق نسبة الكتاب ذكر المترجمون لابن القيم ﵀ هذا الكتاب ضمن مؤلفاته، وأولهم تلميذه الحافظ ابن رجب ﵀ (١)، ثم شمس الدين الداوودي (٢)، وحاجي خليفة (٣)، وابن العماد (٤)، والشوكاني (٥)، وغيرهم (٦). ولمّا كان الكتاب في أصله جوابًا عن استفتاء ورد على المؤلف، نُصّ على اسمه في بداية الكتاب في جميع النسخ الخطّية. وقد وقفت على نسخة منه عليها ختم "الخزانة الحجازيّة" لفؤاد سليم الحجازي (٧)، كتب بعضهم في صفحة عنوانها: "كتاب الداء والدواء لابن الجوزي"، ولكنه خلط ظاهر بلا شكّ بين مؤلف الكتاب "ابن قيم الجوزية"، و"ابن الجوزي" (٨). وهو ناشئ هنا من جهل أو غفلة، فإنّ اسم المؤلف مع نعوته وألقابه ثابت في فاتحة هذه النسخة أيضًا مثل غيرها. والدلائل على صحة نسبة الكتاب إلى الإِمام ابن القيم ﵀ _________ (١) الذيل على طبقات الحنابلة (٥/ ١٧٥). (٢) طبقات المفسرين (٢/ ٩٣). (٣) كشف الظنون (٧٢٨، ١٤١٧). (٤) شذرات الذهب (٣/ ١٧٠). (٥) البدر الطالع (٢/ ١٤٤). (٦) انظر: ابن قيم الجوزية للشيخ بكر أبو زيد (٢٤٤). (٧) هي محفوظة في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإِسلامية (الرياض) برقم ١١٥٤٠. (٨) وقد أدّى هذا الخلط أحيانًا إلى نسبة بعض مؤلفات ابن الجوزي إلى ابن القيم. انظر: ابن قيم الجوزية (٢٧).

стр. 5

بادية في صفحاته: في مباحثه ومواقفه ومنهجه وأسلوبه وغير ذلك. وأشير هنا إلى أظهرها: ١) أحال فيه المؤلف على بعض كتبه مصرّحًا باسمه أو مشيرًا إليه. فأحال في موضعين على كتابه "أيمان القرآن"، وهو المطبوع بعنوان "التبيان في أقسام القرآن". قال في الموضع الأول (ص ٨٣): "ولو تأمّل العبد حقّ التأمّل لكان كلّ ما يبصره وما لا يبصره دليلًا على التوحيد والنبوة والمعاد وأن القرآن كلامه. وقد ذكرنا وجه الاستدلال بذلك في كتاب (أيمان القرآن) عند قوله ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٤٠]. وذكرنا طرفًا من ذلك عند قوله: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١] .... ". وهذا المبحث موجود في كتاب التبيان (ص ١٠٩، ١٩٠). وأورد في الموضع الآخر الآيات التي أقسم الله فيها بطوائف الملائكة المنفّذين لأمره في الخليقة، ثم قال: "وقد ذكرنا معنى ذلك وسرّ الإقسام به في كتاب (أيمان القرآن) " (ص ٤٦٩). وهذا البحث أيضًا موجود في الكتاب المطبوع (ص ٨٣، ٨٩، ٢٥٨). وذكر في موضع آخر أن الشيخ أبا الحسن الأشعري ﵀ قد استدلّ في كتبه على المعطّلة بقوله تعالى: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر: ٣٦]، ثم قال: "قد ذكرنا لفظه في غير هذا الكتاب" (ص ٣٣٠). وقد نقل ابن القيم لفظ الأشعري في كتابه "اجتماع الجيوش الإِسلامية" (ص ٢٩٥)، ثم في "الصواعق المرسلة" (١٢٤٤). ٢) نقل في عدّة مواضع كلام شيخه شيخ الإِسلام ابن تيمية كما

стр. 6

سيأتي. ٣) كلام المؤلف على بعض المسائل في هذا الكتاب تراه بنصّه أو بلفظ قريب منه في مؤلفاته الأخرى. ومن ذلك قوله: "وهذا في القرآن يزيد على ألف موضع" (ص ٣١). يعني ترتيب الله سبحانه في كتابه حصول الخيرات والشرور في الدنيا والآخرة على الأعمال، كترتيب الجزاء على الشرط، والمعلول على العلّة، والمسبّب على السبب. وإذا رجعت إلى كتابه مفتاح دار السعادة (١/ ٣٦٣) وجدته يقول: "ولو كان هذا في القرآن والسنة في نحو مائة موضع أو مائتين لسُقناها، ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة". ومن ذلك أنه ذكر مسألة في التوبة، وهي أن التائب هل يعود بعد التوبة إلى درجته التي كان فيها أو لا يعود، ثم حكى قول شيخ الإِسلام بأن من التائبين من يعود إلى أرفع من درجته، ومنهم من يعود إلى مثل درجته، ومنهم من لا يصل إلى درجته (ص ٢٠٧). وقد تكلم المؤلف على هذه المسألة في مدارج السالكين (١/ ٣٦٨)، وأفاض القول فيها في طريق الهجرتين (ص ٥٥٦ - ٥٤٥)، ونقل قول شيخ الإِسلام في الكتابين. ومن ذلك أيضًا قوله: إنّ ما في قصة يوسف ﵇ من الفوائد والعبر والحكم يزيد على ألف فائدة (ص ٤٨٧)، وقال نحوه في شفاء العليل (ص ٢٢٤). ثم وجوه الابتلاء التي فصّلها هنا ذكر جملةً منها في مدارج السالكين (٢/ ١٥٦)، وطريق الهجرتين (٤٩٦)، وروضة المحبين (٤٤٩). وصرّح في المدارج أنها مما سمعه من شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀.

стр. 7

ومن ذلك كلام المصنّف على حديث "مَن عشِق فكتَمَ وعَفَّ وصَبَر فماتَ، فهو شهيدٌ" (ص ٥٦٨)، ونجد الكلام بعينه في زاد المعاد (٤/ ٢٧٥)، وروضة المحبين (ص ٢٨٧). ٤) حكى المؤلف عن نفسه أنّه مكث مرّةً بمكّة، تعتريه الأمراض، ولا يجد طبيبًا، فكان يعالج نفسه بسورة الفاتحة (ص ٨). وقد حكى مثله في زاد المعاد (٤/ ١٧٨)، ومدارج السالكين (١/ ٥٧ - ٥٨).

стр. 8

عنوان الكتاب أول ما طبع هذا الكتاب في الهند سنة ١٣٥٧ هـ بعنوان "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي"، ثم طبع في القاهرة طبعتين مختلفتين بالعنوان نفسه، فاشتهر هذا العنوان. ولعل أول طبعة خالفته هي التي أخرجها الشيخ محمَّد محيي الدين عبد الحميد ﵀ سنة ١٣٧٧ هـ في القاهرة بعنوان "الداء والدواء". ولكن في العام نفسه صدرت في القاهرة أيضًا طبعة أخرى عني بها الشيخ محمود عبد الوهاب فايد ﵀ بالعنوان الأول. وقد ألِفَ الناس هذا العنوان، ولعلّهم أعجبوا به لما فيه من السجع السهل، فوسمت به معظم الطبعات التي صدرت من هذا الكتاب. فهل كلا العنوانين صواب، أو أحدهما أرجح من الآخر؟ لم يسمّ المؤلف كتابه في مقدّمته، بل ليس فيه مقدّمة أصلًا، إذ أخذ المؤلف في الإجابة عن السؤال الذي ورد عليه رأسًا حسب طريقة المفتين؛ ولا أشار إليه في كتبه الأخرى (١). ولكنّ أقدم من ذكره من مؤلفاته -وهو تلميذه الحافظ ابن رجب ﵀ سماه "الداء والدواء"، وكذا من اعتمد عليه كالداوودي وابن العماد وغيرهما. والشوكاني أيضًا ذكره بهذا العنوان مع أنّه لم يصدر فيما يبدو عن ذيل طبقات الحنابلة. وبين يديّ ثلاث نسخ من الكتاب، كلّها نسخت في حياة الحافظ ابن رجب (٧٣٦ - ٧٩٥)، وأقدمها نسخة الإسكوريال المكتوبة سنة _________ (١) ابن قيم الجوزية (ص ٢٤٤).

стр. 9

٧٧٠ هـ، والثانية مؤرخّة في سنة ٧٨٥ هـ، والثالثة كتبت قبل سنة ٧٩١ هـ، وهذه كلها متفقة على عنوان "الداء والدواء". وقد اطلعت على نسخ متأخرة أيضًا بهذا العنوان من القرنين الثاني عشر والثالث عشر (١). أما العنوان الآخر "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي"، فقد ذكره حاجي خليفة المتوفى سنة ١٠٦٧ هـ، ثم نقل أول الكتاب، وأثنى عليه (٢). وهذا دليل على أنه وقف على نسخة منه بهذا العنوان. وقد ورد العنوان الأول أيضًا في كتابه (٣)، ولكنه مأخوذ من ذيل طبقات الحنابلة أو غيره من كتب التراجم، فإن حاجي خليفة لو وقف على نسخة بهذا العنوان لنقل منها بداية الكتاب، وتبيّن له أنّه الكتاب السابق نفسه الذي ذكره بعنوان "الجواب الكافي … " (٤). وعندي صورة من نسخة محفوظة في مكتبة جامعة ييل، وقدّر واضع فهرسها أنها من القرن الثامن، وعنوانها: "كتاب الجواب الكافي في سؤال الدواء الشافي" كذا، والظاهر أنه ليس بخط كاتب النسخة، ولكن لا أدري أهذه صورة محرّفة من العنوان المشهور الذي ثبت من قبل في بعض النسخ، أم هي الصيغة البدائية التي تطوّرت بعد تحسينها إلى _________ (١) في مكتبة خدابخش (الهند) نسخة من الكتاب يظهر أنها من القرن الثالث عشر، وسمت بالعنوانين كليهما، فلا يعتدّ بها. (٢) كشف الظنون (ص ٦٠٨). (٣) كشف الظنون (ص ٢٧٨، ١٤١٧). (٤) ومن هنا ذكر صاحب هدية العارفين (٢/ ١٥٨) العنوانين في ترجمة ابن القيم، وبعض من اعتمد عليه، فعدّهما كتابين. انظر: ابن قيم الجوزية (ص ٢٤٥).

стр. 10

الصيغة المعروفة (١). مهما يكن الأمر، فقد تبين مما سبق أن العنوان الأول -وهو الداء والدواء- أحقّ بالترجيح. يقول الشيخ بكر أبو زيد: "وهما اسمان وضعا لمسمّى واحد، وهو جواب لسؤال ورد عليه، والمناسبة لكل واحد من الاسمين ظاهرة، لكنها بهذا الاسم "الداء والدواء" أظهر، فإنه استهلّ جواب السؤال بقوله ﷺ : "ما أنزل الله من داء إلاّ أنزل الله له شفاء" وأحاديث نحوه. وقال أيضًا في أثناء الكتاب: "فلنرجع إلى ما كنّا فيه من ذكر دواء الداء" (٢). وزد على ما ذكره الشيخ النصوص الآتية من الكتاب: - "وهل مع ذلك كله من دواء لهذا الداء العضال … " (٤١٣). - "ولعل هذا هو المقصود بالسؤال الذي وقع عليه الاستفتاء، والداء الذي طلب له الدواء" (٤١٤). - "والكلام في دواء هذا الداء" (٤١٥). - "ودواء هذا الداء القتّال" (٤٩٠). - "ودواء هذا الداء الدويّ" (٥٦٦). هذه النصوص، وما سبق من أن الحافظ ابن رجب وغيره ممن ترجم _________ (١) الجدير بالذكر أن الشوكاني ذكر رسالة للمؤلف بعنوان "الجواب الشافي لمن سأل عن ثمرة الدعاء إذا كان ما قد قُدر واقع". انظر: البدر الطالع (٢/ ١٤٤). وهو شبيه بعنوان "الجواب الكافي لمن سأل … ". وانظر ما علّقت على النص في ص (٢٦). (٢) ابن قيم الجوزية (ص ٢٤٥).

стр. 11

للمؤلف إنما ذكره بعنوان "الداء والدواء"، وأنه هو الوارد في مخطوطات الكتاب لا سيما القريبة من زمن المؤلف = كل ذلك يرجّح هذا العنوان على غيره. هذا، وفي مكتبة الأوقاف ببغداد نسخة من الكتاب، تاريخ نسخها سنة ١١٠٠ هـ، وكان مكتوبًا في صفحة عنوانها: "هذا كتاب دواء الداء"، فكتب بعضهم فوقه بخط مختلف: "هذا دواء القلوب"، ثم ضرب شخص آخر على العبارة السابقة، وكتب بجانبها: "دواء القلوب"، وقيّد الكتاب في المكتبة بهذا العنوان في فنّ التصوف، وهكذا سمّاه الأستاذ عبد الله الجبوري في فهرس مكتبة الأوقاف (١). والظاهر أن الورقة الأولى التي كان فيها عنوان الكتاب واسم المؤلف قد ضاعت من الأصل، فتتبع بعض من قرأ النسخة عبارات المصنّف التى سُقناها آنفًا كقوله: "فلنرجع إلى ما كنّا فيه من ذكر (دواء الداء) "، فكتب: "هذا كتاب دواء الداء"، وكان الرجل مصيبًا في استنباطه، غير بعيد عن العنوان الصحيح. ولمّا رأى بعضهم أنّ هذا العنوان يوهم أنّ الكتاب في طبّ الأبدان، نبّه على موضوعه بقوله: "إن هذا دواء القلوب"، وذلك أيضًا واقع في حاقّ الصواب. أما الذي أفسد الأمر فهو ثالثهم الذي توهّم أن "دواء القلوب" في العبارة السابقة هو عنوان الكتاب، فأثبته بجانبها بعد ما ضرب عليها ضربات! أما الأستاذ عبد الله الجبوري الذي فهرس النسخة، وأثبت بدايتها وخاتمتها، ثم نقل عن معجم المطبوعات لسركيس أن الكتاب مطبوع في _________ (١) (٢/ ٣٦٩).

стр. 12

القاهرة؛ فلا شك أنه اكتشف أن هذا الكتاب هو "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي"،؛ لأنّ معجم سركيس لم يرد فيه عنوان "دواء القلوب" البتّة، لا في مصنفات ابن القيم ولا غيره، وإنما ذكر هو "الجواب الكافي … " مع الإشارة إلى طبعته الصادرة في مصر عام ١٩٥٤ م، فكان حريًّا بالأستاذ الجبوري أن يصرّح في الفهرس بأنّ هذه النسخة الموسومة بـ "دواء القلوب" هي لكتاب ابن القيم المطبوع بعنوان "الجواب الكافي … " أو "الداء والدواء"، مشيرًا إلى ما حصل في صفحة عنوانها من تغيير. ولكن فاته ذلك، فالتبس الأمر بعض الالتباس (١). _________ (١) انظر: ابن قيم الجوزية (ص ٢٤٧).

стр. 13

موضوع الكتاب الكتاب جواب عن استفتاء ورد على المؤلف ﵀، ونصّه: "ما تقول السادة العلماء أئمة الدين ﵃ أجمعين- في رجل ابتلي ببلية، وعلم أنّها إن استمرّت به أفسدت عليه دنياه وآخرته، وقد اجتهد في دفعها عن نفسه بكل طريق، فما تزداد إلاّ توقّدًا وشدّةً؛ فما الحيلة في دفعها؟ وما الطريق إلى كشفها؟ ". لم يفصح السائل عن نوع البلية كما ترى، والمؤلف ﵀ أيضًا قد شرع في الإجابة دون أن يسمّيها، وكتب فصولًا في الدعاء وآثار المعاصي وعقوباتها القدرية والشرعية، وذكر كبائر الذنوب، ومنها الشرك وقتل النفس، ثم بيّن عظم مفسدة الزنى واللواط. فلما وصل إلى هذا الموضع قال: "فإن قيل: وهل مع ذلك كله من دواء لهذا الداء العضال، ورقية لهذا السحر القتّال؟ وما الاحتيال لدفع هذا الخبال؟ … وهل يملك العاشق قلبه، والعشق قد وصل إلى سويدائه؟ … ولعل هذا هو المقصود بالسؤال الذي وقع عليه الاستفتاء، والداء الذي طلب له الدواء" (٤١٣ - ٤١٤). ثم ردّ على السؤال قائلًا: "قيل: نعم، الجواب من رأس (وما أنزل الله سبحانه من داء إلا أنزل له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله) ". ثم تكلّم على علاج هذا الداء من طريقين أحدهما: حسم مادته قبل حصولها، والثاني: قلعها بعد نزولها. وختم الجواب ببيان ما في عشق الصور من المفاسد العاجلة

стр. 14

والآجلة، وذكر أن الله سبحانه إنما حكى هذا المرض في كتابه عن طائفتين من الناس، وهما قوم لوط والنساء، ثم قال: "وهذا داء أعيا الأطبّاءَ دواؤه، وعزّ عليهم شفاؤه. وهو لعمر الله- الداء العضال، والسمّ القتّال … " (٤٩١). وتبيّن من هذا أنّ الاستفتاء الذي ورد على المؤلف كان عن داء العشق: كيف يمكن مداواته وإنقاذ صاحبه مما ابتلي به من تباريحه؟ ولفظ الاستفتاء يدلّ على أن السؤال عن مرض حاصل لا عن متوقع، فكان للمؤلف أن يقتصر على بيان الطرق المفضية إلى الخلاص منه، كما فعل في الفصل المحكم الذي كتبه في زاد المعاد بعنوان "فصل في هديه ﷺ في علاج العشق". استهلّه بقوله: "هذا مرض من أمراض القلب، مخالف لسائر الأمراض في ذاته وأسبابه، وعلاجه، وإذا تمكن واستحكم عزّ على الأطبّاء دواؤه، وأعيا العليلَ داؤه. وإنما حكاه الله سبحانه في كتابه عن طائفتين من الناس: عن النساء وعشاق الصبيان المردان، فحكاه عن امرأة العزيز في شأن يوسف، وحكاه عن قوم لوط" (١). ثم ذكر ثماني حالات، ووصف لكلّ حالة علاجها. وكأنّ هذا الفصل من كتاب الزاد -من حيث دقته وتحريره- هو الجواب المطلوب عن الاستفتاء الوارد عليه. أما الكتاب الحافل الذي بين أيدينا، فقد سلك فيه المؤلف ﵀ مسلكًا آخر ارتضاه ودافع عنه، وحكى عن شيخه أنه كان ينتهجه أيضًا، _________ (١) زاد المعاد (٤/ ٢٦٥ - ٢٧٨).

стр. 15

فقال في كتابه مدارج السالكين: "ومن الجود بالعلم أنّ السائل إذا سألك عن مسألة استقصيت له جوابها جوابًا شافيًا، لا يكون جوابك له بقدر ما تدفع به الضرورة … ولقد شاهدت من شيخ الإِسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- في ذلك أمرًا عجيبًا: كان إذا سئل عن مسألة حكمية، ذكر في جوابها مذاهب الأئمة الأربعة إذا قدر، ومأخذ الخلاف وترجيح القول الراجح، وذكر متعلقات المسألة التي ربما تكون أنفع للسائل من مسألته، فيكون فرحه بتلك المتعلقات واللوازم أعظم من فرحه بمسألته … " (١). وفي موضع آخر جعل ذلك دليلًا على كمال نصح المفتي للسائل وكمال علمه وإرشاده (٢). ولا شك أن الجواب عن بعض المسائل الفرعية قد يكون محلّ انتقاد إذا خرج عن المألوف في الاستطالة والتشعب وكثرة الاستطراد، مما يضطر المجيب كلّما بعد عن الغرض أن يعود إلى ما بدأ، فيتضجر السائل، ويملّ القارئ، ولكن إذا كان السؤال عن مرض خطير من أمراض القلوب كمرض العشق المخالف لسائر الأمراض في ذاته وأسبابه وعلاجه كما قال المؤلف، وهو مرض لا يخلو منه زمان ولا مكان، ولكنه قد يبلغ في بعض المجتمعات -لكثرة دواعيه- من الفشوّ في الخاصة بعد العامّة مبلغًا ينذر بسقوط المجتمع في الهاوية = إذا كان السؤال عن مثل هذا المرض الذي يكاد يكون وباءً فتّاكًا فلا ريب أنّ من كمال نصح المفتي وأمانته وعلمه وفقهه أن يكون جوابه مفصّلًا مستوعبًا لجوانب الموضوع. فلا يصحّ له أن يقتضب الكلام أو _________ (١) مدارج السالكين (٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤). (٢) إعلام الموقعين (٤/ ١٥٨).

стр. 16

يوجزه، بل يجب عليه أن يفضله تفصيلًا، ويبشّر وينذر، ويذكر المنجيات والموبقات، ويبين أسباب المرض وأماراته وعواقبه، ولا يقتصر على الإرشاد إلى سبل الخلاص منه، بل يدلّ على طرق الوقاية من الوقوع فيه أيضًا. ثم يعتني قبل ذلك بتهيئة قلب المبتلى للاستماع إلى كلامه والعمل بما يصف له من أنواع العلاج. وهكذا كان جوابُ ابن القيم ﵀، جواب عالم ربّاني ناصح حكيم، جوابًا مبسوطًا مفصّلا، غايةً في بابه.

стр. 17

ترتيب مباحث الكتاب شرع المؤلف ﵀ في الجواب عن الاستفتاء رأسًا بقوله: "الحمد لله. ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء … ". ومضى يكتب مرتجلًا على سجيّته، متنقلًا من مبحث إلى آخر، حتى أصبحت الفتوى كتابًا كبيرًا. ومع ذلك جاءت مطالب الكتاب مرتّبة متدرّجة متناسقة خلاف ما يظن في مثل هذا التأليف. ويمكننا أن نقسم مباحثه إلى خمسة أقسام: ١) فصول في الدعاء وحسن الظنّ بالله تعالى مع الحذر من الاغترار به (٤ - ٩٨). افتتح الكلام بالحديث الذي أوردناه آنفًا، وذكر أن الله تعالى أخبر عن القرآن أنه شفاء، ثم نبّه على أنّ الأذكار والآيات والأدعية التي يستشفى بها هي في نفسها نافعة وشافية ولكن تستدعي قبول المحلّ وقوة همة الفاعل وتأثيره. ثم ذكر أسبابًا أخرى لتخلّف الشفاء، وشروط قبول الدعاء، والآفات التي تحول دون تأثيره. ثم عقد فصلًا مهمًّا للإجابة عن "سؤال مشهور"، وهو أن المطلوب بالدعاء إن كان مقدّرًا فلا بدّ من وقوعه، دعا به العبد أم لم يدع؛ وإلاّ لم يقع سواء سأله العبد أم لم يسأله فما فائدة الدعاء؟ وبيّن أن المقدور قدر وقوعه بأسباب، ومنها الدعاء، ثم ذكر أن الله سبحانه جعل الأعمال في كتابه سببًا لحصول الخيرات والشرور في الدنيا والآخرة، فالمؤمن يدفع قَدَر العقوبة الأخروية بِقَدَر التوبة والإيمان والأعمال الصالحة. ثم حذر من مغالطة نفس الإنسان إياه بالاتكال على عفو الله ومغفرته تارة،

стр. 18

وبالتسويف بالتوبة تارة، وبالاحتجاج بالقدر تارة. ثم فصّل صور الاغترار، وحكى أقوال المغترّين، وبين الفرق بين حسن الظنّ بالله والاغترار به، مشيرًا إلى خوف الصحابة على أنفسهم من النفاق، وهم من هم في تقوى الله وعبادته. وفي خلال ذلك أورد أحاديث وآثارًا وأقوالًا لردع الجهّال العصاة المغترّين بالله. وهو فصل طويل نفيس. ثم قال: "فلنرجع إلى ما كنّا فيه من ذكر دواء الداء الذي إن استمرّ أفسد دنيا العبد وآخرته". ٢) العقوبات القدرية للمعاصي (٩٨ - ٢٥٨). قرّر أوّلًا أنّ كل شرّ وداء في الدنيا والآخرة سببه الذنوب والمعاصي. وأشار إلى أن المعصية هي التي أخرجت الأبوين من الجنة، كما أخرجت إبليس من ملكوت السماء، وذكر الأمم التي استحقت عذاب الله بسبب معاصيها في عصور مختلفة، وأورد أحاديث وآثارًا في آثار المعاصي وعواقبه. ثم أفاض القول في أضرار المعاصي للعبد في دينه ودنياه وآخرته، واستغرق هذا المبحث أكثر من مائة صفحة. وذكر في آخر فصوله أن المعاصي مدد من الإنسان يعين به عدوّه على نفسه، وجيش يقوّيه به على حربه، وبيّن حِيَل الشيطان ووصيّته لجنوده بغزو قلب الإنسان والدخول عليه من كل مدخل، والقعود له بكل طريق. ٣) العقوبات الشرعية للمعاصي (٢٥٨ - ٤١٣). بعد ذكر آثار المعاصي في حياة الأفراد والأمم، تطرّق الكلام إلى

стр. 19

بيان الحدود والتعزيرات، لتكون هذه رادعةً لمن لم يتعظ بتلك. وقسم العقوبات الشرعية إلى ثلاثة أنواع: القتل، والقطع، والجلد؛ والعقوبات القدرية إلى نوعين: نوع على القلب، ونوع على البدن، وأورد طرفًا منها مرةً أخرى، ليستحضرها العبد، ويكفّ عن الذنوب. ثم قسم الذنوب إلى أربعة أقسام: الملكية والشيطانية والسبعية والبهيمية، ثم عقد فصلًا في أن الذنوب كبائر وصغائر، وكشف الغطاء عن القول بأن الذنوب كلها كبائر بالنظر إلى الجرأة على الله. ثم تكلم على مسألة، وهي أنّ تحريم الشرك هل هو مستفاد من الشرع فحسب، أو هو قبيح في الفطر والعقول، وممتنع أن تأتي به شريعة؟ وما السرّ في كون الشرك لا يغفر من بين سائر الذنوب؟ وقد فصّل القول في هذه المسألة ببيان أنواع الشرك وحقيقته وخصائص الإلهية، وكون الشرك أكبر الكبائر عند الله. وتكلم بعد ذلك على مفسدة القتل باختصار، ثم تناول مفسدة الزنى واللواط بالتفصيل، فإن الفتوى كلها دائرة على هذه المفسدة. فذكر أربعة مداخل للمعاصي: اللحظات، والخطرات، واللفظات، والخطوات. ثم شرح مفسدة الزنى وما اختصّ حدّه به من بين الحدود، ثم بيّن عظم مفسدة اللواط وشدة فحشها، وردّ على من جعل عقوبته دون عقوبة الزنى، وانجرّ الكلام إلى وطء الميتة والبهيمة والسحاق، ثم حكم التلوّط مع المملوك. ٤) علاج داء العشق (٤١٣ - ٥٠٨). هذا القسم هو أصل الجواب ومقصود السائل. وقد بين المؤلف فيه

стр. 20

أنّ الكلام في دواء هذا الداء من طريقين: أحدهما حسم مادّته قبل حصولها، والثاني قلعها بعد نزولها. أما الطريق الأول المانع من حصول الداء، فهو أمران: أحدهما غضّ البصر، وذكر المؤلف جملة من فوائده. والأمر الثاني أن يشتغل القلب بما يصدّه عن الوقوع في شَرَك العشق. وهو إما خوف مقلق أو حبّ مزعج. ثم تكلّم على الحبّ، وقال: لا يمكن أن يجتمع في القلب حب المحبوب الأعلى وعشق الصور، بل هما ضدّان لا يتلاقيان. والمحبة الصادقة تقتضي توحيد المحبوب، وأوضح أن أصل الشرك بالله هو الإشراك به في المحبة، وذكر مراتب المحبة، وأن العاقل يؤثر أعلى المحبة على أدناها، وأن أصل السعادة محبة الله وحده ومحبة ما يحبّه الله. أما الطريق الثاني وهو قلع مادة العشق بعد نزولها، فبدأ الكلام عليه بأن هذا المرض إنما حكاه الله سبحانه عن طائفتين من الناس، وهما اللوطية والنساء، وفصّل توافر الدواعي القوية إلى الفاحشة في قصة يوسف، وكيف آثر يوسف ﵇ مرضاة الله وخوفه، وحمله حبُّه لله على أن اختار السجن على ما دعته إليه امرأة العزيز. ثم ذكر أن عشق الصور أقسام، وأنه تارةً يكون كفرًا، كمن اتخذ معشوقه ندًّا يحبّه كما يحبّ الله، بل يُقدّم بعضهم رضا معشوقه على رضا ربّه، قال: "فهذا العشق الكفري الشركي لا يغفر لصاحبه. وهكذا حال أكثر عشّاق الصور إذا تأمّلته". ثم بيّن علاج هذا الدّاء القتّال، وهو أن يعرف الإنسان أنّ ما ابتلي به هو مضادّ للتوحيد، ثم يأتي من العبادات الظاهرة والباطنة بما يشغل قلبه

стр. 21

عن دوام الفكرة فيه، ويكثر اللجأ والتضرّع إلى الله سبحانه في صرف ذلك عنه. ثم بين مفاسد العشق الدينية والدنيوية، وأشار إلى ثلاثة مقامات للعاشق وما يجب عليه فيها. ثم كشف عما في العشق من صور الظلم والعدوان، وانتهى إلى أنه قد تضمن أنواع الظلم كلها. ٥) إيراد الخصم بذكر فوائد العشق، والردّ عليه (٥٠٨ - ٥٧٣). هذا القسم تكملة للقسم السابق. أورد فيه على لسان المعترض فوائد العشق ومنافعه، وطائفة من قصص العشاق، وإعانة الصالحين إيَّاهم على بلوغ مآربهم. ثم ردّ عليه بأنّ العشق من حيث هو لا يحمد ولا يذمّ، وإنما يتبين حكمه بذكر متعلّقه. فمنه النافع والضارّ والجائز والحرام. ثم ذكر أنّ أنفع المحبة على الإطلاق وأوجبها وأعلاها حبّ الله سبحانه، وأنّ أعظم لذّات الدنيا هي الموصلة إلى أعظم لذة في الآخرة. ثم عقد فصلًا على أنّ محبّة النسوان لا لوم فيها على المحبّ، بل هي من كماله. فنكاح المعشوقة هو دواء العشق الذي جعله الله دواءه شرعًا وقدرًا. ثم ذكر أنّ العشق ثلاثة أقسام: أحدها قربة وطاعة، وهو عشق الرجل امرأته وجاريته. والثاني مقت من الله، وهو عشق المردان، وسمّاه "الداء الدويّ"، وذكر علاجه. والثالث عشق مباح لا يُملَك، كمن وُصفت له امرأة جميلة أو رآها فجأة من غير قصد، فأورثه ذلك عشقًا لها، ولم يُحدِث له ذلك العشق معصيةً. وذكر أن الأنفع له مدافعته والاشتغال بما هو أنفع له، ويجب عليه أن يكتم ويعف، ويصبر على بلواه. فيثيبه الله على ذلك، ويعوّضه على صبره لله، وعفّته، وتركه طاعة هواه، وإيثار مرضاة الله وما عنده.

стр. 22

وفي آخر هذا القسم -وهو آخر فصول الكتاب- تكلّم على حديث "من عشق فعفّ … " الذي احتجّ به الخصم.

стр. 23

موارد الكتاب من الكتب التي صدر عنها المؤلف ما صرّح باسمه، ومنها ما سمّى صاحبه، ومنها ما نقل منه دون إشارة، فهي ثلاثة أقسام، والقسم الرابع ما سمعه ورواه عن شيخه شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀. أولًا: أما القسم الأول، فمن أهمه وأكثره ورودًا: الصحيحان، ومسند أحمد، ثم السنن، والمستدرك، وصحيح ابن حبّان. ويمكن معرفة أماكن ورودها بالرجوع إلى فهرس الكتب المذكورة في المتن. أما الكتب الأخرى التى سمّاها المؤلف، فنذكرها فيما يلي مرتّبةً على حروف المعجم. وقد أثبتنا بعد اسم الكتاب أرقام الصفحات التي ذكر فيها: - اعتلال القلوب للخرائطي (٥٧١). - تاريخ بغداد للخطيب (٥١٨). - تذكرة الموضوعات لابن طاهر (٥٦٨). - تفسير سفيان الثوري (٥٥٣). - حلية الأولياء لأبي نعيم (١٢٥). - ذخيرة الحفاظ لابن طاهر (٥٦٨). - ربيع الأبرار للزمخشري (٥٦٣). - الزهد للإمام أحمد (١٤، ٣٠، ٢٠٠). وزيادات ابنه عبد الله (١١، ١٣٠، ١٤٢، ٤٨٣، ٥٥٧). - الزهرة لأبي بكر محمَّد بن داود الظاهري (٥١٦).

стр. 24

- السنة لعبد الله ابن الإِمام أحمد (٥٤٣). - الضعفاء لابن الجوزي (٥٧١). - العاقبة لعبد الحق الإشبيلي (٥٠٥). وقد نقل نصوصًا منها دون تسمية الكتاب في ص (٣٨٦ - ٣٩٢). - الكامل لابن عدي (٥٦٨). - كتب الأشعري (٣٣٠). - كتاب المجابين في الدعاء لابن أبي الدنيا (٢٣). - مسائل الإِمام أحمد رواية ابن هانئ (١٦٩). - مسائل الإِمام أحمد رواية الشالنجي (٤١١). - معجم الطبراني (١١٨). كذا قال دون تحديد، ولعل المقصود: المعجم الكبير، والحديث الذي نقله لم يرد في شيء من المعاجم الثلاثة المطبوعة. - مناقب عمر لابن أبي الدنيا (١١٢). - الموضوعات لابن الجوزي (٥٦٨). ثانيًا: أسماء المؤلفين الذين لم يذكر المؤلف كتبهم التي صدر عنها، مع الإشارة إليها إن أمكن الوقوف عليها. - الإِمام أحمد (٥٥٨). النقل من كتابه "العلل ومعرفة الرجال". وفي مواضع كثيرة نقل من كتاب "الزهد" (٧٦، ١٠١، ١٧١، ١٢٤، ١٢٩، ١٣١). وفي مواضع

стр. 25

أخرى من "المسند" (١١٣، ١٢٣، ١٢٤، ٣١٠). وفي بعض المواضع يغلب الظن أنه نقل عن كتاب الزهد، ولكنّ النصّ المنقول لا يوجد في المطبوعة. - ابن الجوزي (٥٧١). يجوز أن يكون النقل هنا من كتابه "العلل المتناهية" أو من "ذم الهوى"، فالنص وارد في الكتابين. - ابن حزم (٥٣١). النصّ المنقول في كتابه "طوق الحمامة"، ولكن يبدو أنه نقله بواسطة، كما سيأتي في القسم الثالث. - الخرائطي (٥١٢). النقل من "اعتلال القلوب". ونقل منه في ص (٥١٤) أيضًا دون ذكره. وبعض الحكايات التي أسندها إلى الخرائطي (٥٣١، ٥٦٣) ليست في المطبوع من كتاب الاعتلال. - الخطيب (٥٦٩): من "تاريخ بغداد". - صاحب كتاب "منازل الأحباب" شهاب الدين محمود بن سليمان (٥١٩). نقل أربعة أبيات له، ولكنها لم ترد في كتابه "منازل الأحباب". - ابن أبي الدنيا (١٠٥، ١٠٦، ١٠٩ - ١١٢، ١١٥ - ١٢٢،١١٩) نقل المؤلف من كتاب "العقوبات"، وهي نصوص كثيرة، وجلّها متتابعة، وإن كان قد أسند بعضها إلى مسند أحمد وجامع الترمذي وسنن

стр. 26

ابن ماجه، لورودها في الكتب المذكورة ومنزلتها في كتب الحديث. - أبو عبد الله الحاكم (٥٦٩). والنقل من "تاريخ نيسابور"، كما صرّح بذلك في زاد المعاد (٤/ ٢٧٧). - أبو طالب المكي (٢٩٢): من "قوت القلوب". - الطحاوي (٤١١): من "شرح مشكل الآثار". - أبو عبيد (١٦٩): من "غريب الحديث". - أبو الوفاء بن عقيل (٧٥). - علي بن الجعد (١٠٢): من مسنده. - أبو عمر بن عبد البرّ (١٠٩). - محمَّد بن خلف بن المرزبان (٥٦٩). لعل النقل من كتاب "ذم الهوى" لابن الجوزي. ثالثًا: قد ينقل المؤلف بعض النصوص دون التصريح بمصدره. ومن ذلك: - نقل كلامًا أسنده إلى "بعض العلماء" (٤٥٥). والمقصود ابن حزم، وقد لخّص المؤلف كلامه الوارد في كتابه "الأخلاق والسير". - يظهر أن مصدر بعض النقول كتاب "الواضح المبين فيمن استشهد من المحبّين" لمغلطاي (٥١٠ - ٥١٣). وقد نقل المؤلف طائفة من قصص الحبّ (٥٢٠ - ٥٣٢)، وهي واردة في "منازل الأحباب" لشهاب

стр. 27

الدين الحلبي، الذي ذكره المؤلف في موضع -كما سبق- وعرّفه بـ "صاحب منازل الأحباب"، فجائز أن يكون قد نقلها من كتاب المنازل، ولكن بعض القرائن تشير إلى أنّ مصدرها أيضًا "الواضح المبين" لمغلطاي. وهكذا نقل المؤلف في موضع (٥٣١) عن ابن حزم قولّا ورد في كتابه "طوق الحمامة"، ولكن لفظه في كتاب ابن القيم يدلّ على أنه منقول من كتاب "الواضح المبين". - قد وضع بعضهم "فتوى في العشق"، ونسبها إلى شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀، فأثبت الإِمام ابن القيم في كتابه روضة المحبين (٢٣٣) أنها مكذوبة على شيخ الإِسلام. من هذه الفتوى نقل ابن القيم أقوالًا في فوائد العشق (٥٥٨ - ٥١١) في الفصل الذي عقده للردّ على المعترض المحتج بمنافع العشق. وهذا لا ضير فيه؛ لأن مثل هذه الأقوال تتناقلها كتب الأدب. ولكنه نقل قبل هذا الفصل (٥٠٦) كلامًا مفيدًا لصاحب الفتوى نفسه فيما يجب على المبتلى بعشق الصور، فليته أسنده إلى "بعضهم"! رابعًا: نقل المؤلف عن شيخه في عدّة مواضع مصرحًا باسمه (٧٣، ٩٧، ٢٠٨، ٣٣٥، ٣٨٣، ٤٧٢). وفي موضعين نقل قولًا له بلفظ "ويقول الآخر"، ضمن أقوال العارفين في النعيم الذي يتمتعون به لأنسهم بربّهم، وطمأنينتهم بذكره، وارتياحهم بحبّه، فقال: "ويقول الآخر: إنّ في الدنيا جنّة، من لم يدخلها لم يدخل جنّة الآخرة" (١٨٧).

стр. 28

وقد نسب المؤلف هذا القول في مدارج السالكين (١/ ٥٣٦)، والوابل الصيّب (١٠٩) إلى شيخ الإِسلام، وصرّح بأنه سمعه يقول ذلك، والظاهر من السياق أنه من كلام شيخ الإِسلام نفسه، لا من حكايته لكلام بعض المتقدمين. وفي موضع آخر (٤٨٢ - ٤٨٧) أورد المؤلف ﵀ ثلاثة عشر وجهًا من وجوه قوة الداعي إلى الفاحشة في قصة امرأة العزيز، وذكر جملة منها في طريق الهجرتين (٤٩٦)، وروضة المحبين (٤٤٩)، ومدارج السالكين (٢/ ١٥٦)؛ وصرّح في الأخير بأنها مما سمعه من شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀. وليس في ذلك ما يستنكر، فشيخ الإِسلام شيخ المؤلف ومرشده، والمؤلف ناشر علوم شيخه وشارحها.

стр. 29

أهمية الكتاب والثناء عليه لا يخفى على من أجال النظر في الفقرات السابقة أهمية هذا الكتاب القيم من حيث موضوعه الخطير وما انطوى عليه من مباحث جليلة نافعة. فقد تصدّى فيه المؤلف ﵀ لعلاج داء دويّ يشقى به المريض، ويحار فيه الطبيب النحرير، ووصف له كلّ السبل المانعة والدافعة مما وفقه الله إليه من خلال تدبّره لكتابه العزيز ومدارسته لسنة رسوله ﷺ . وقد تكلم المؤلف في غضونه على مسائل مهمّة عرضنا لها في بيان ترتيب الكتاب. وهو نفسه ينبّه أحيانًا على أهمية بعض المباحث وشدّة الحاجة إليها، وذلك من كمال نصحه وأمانته وإشفاقه على قارئ كتابه، ليقف عند تلك المباحث ويتأمّلها، ولا يمرّ بها عجلًا. ومن ذلك أنّه لما تكلم على مسألة دفع القدر بالقدر قال: "فهذه المسألة من أشرف المسائل لمن عرف قدرها ورعاها حقّ رعايتها" (ص ٣٥). وقال أيضًا: "ومن فقه هذه المسألة وتأمّلها حق التأمل، انتفع بها غاية النفع، ولم يتكل على القدر جهلًا منه وعجزًا وتفريطًا وإضاعة، فيكون توكله عجزًا وعجزه توكلًا" (ص ٣٤). وهكذا عند ما بيّن أن حسن الظن بالله تعالى لا يجتمع مع الإساءة، ولن يكون محسنُ الظنّ بربّه مقيمًا على معاصيه معطّلًا لحقوقه، التفت إلى القارئ وقال له: "فتأمّل هذا الموضع، وتأمّل شدّة الحاجة إليه" (ص ٤٦). وبعد توضيح الفرق بين حسن الظن بالله والاغترار بعفوه

стр. 30

ورحمته اتجه إليه مرة أخرى وقال: "ولا تستطل هذا الفصل، فإن الحاجة إليه شديدة لكل أحد" (ص ٥٠). وقال في موضع: "فتأمّل هذا، فإنّه يزيل عنك إشكالات كثيرة" (ص ٢٩٠). وقال في موضع آخر: "هذا موضع يجب الاعتناء به". (ص ٤٥١). وفي الكتاب فصول نفيسة في حقيقة الشرك وأنواعه وخصائص الإلهية، وبيان السرّ في كون الشرك أكبر الكبائر وأنّ قبحه مغروس في الفطر والعقول قبل أن تنزل الشرائع بتحريمه. وقد نقل هذه الفصول باختصار وتصرّف تقي الدين المقريزي في كتابه "تجريد التوحيد المفيد" (١). وقد ذكر الشيخ أبو السمح عبد الظاهر بن محمَّد في مقدمته لهذا الكتاب أنه أول كتاب هداه الله به وأنقذه من الضلال. ولعله يقصد هذه الفصول التي لخّصها المقريزي في كتابه اللطيف. والشيخ أبو السمح من علماء الأزهر وقد استقدمه الملك عبد العزيز ﵀، وأسند إليه الإمامة والخطابة في الحرم المكي الشريف مع إدارة دار الحديث في مكة المكرمة (١٣٤٥ - ١٣٧٥ هـ) (٢). وقال الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله: "وفي هذا الكتاب من لطائف العلم وحقائقه وبيان محاسبة النفس ومراقبتها ما لا يستغني عنه طالب _________ (١) (ص ٥٥ - ٧٢). وقد نبّهني على هذا النقل أخي الشيخ علي العمران محقق الكتاب المذكور جزاه الله خيرًا. (٢) الأعلام للزركلي (٤/ ١١)، وقد توفي الشيخ أبو السمح سنة ١٣٧٠ هـ.

стр. 31

علم" (١). وقد سبقت الإشارة إلى أهمية هذا الكتاب لشبابنا في زمننا هذا خاصةً، إذ نُزع الحجاب في معظم المجتمعات الإِسلامية، وانتشر السفور، وعمّ الاختلاط بين الجنسين، وكثرت المغريات، وغزت الفضائيات والشبكة العنكبوتية بألوان جديدة من مظاهر الفسق والفجور، فاشتدّت الحاجة إلى "حراسة الفضيلة" (٢) وتثبيت الشباب، وتحصين الثغور. _________ (١) ابن قيم الجوزية (٢٤٦). (٢) "حراسة الفضيلة" كتاب نفيس مشهور للشيخ بكر أبو زيد حفظه الله ورعاه.

стр. 32

طبع الكتاب وتحقيقه الطبعة الأولى للكتاب صدرت في الهند في مدينة "آره" سنة ١٣٠٧ هـ (٨٩ - ١٨٩٠ م) وكانت طبعة حجرية في ٢٠٢ صفحة، بعنوان "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي" (١). ثم طبع الكتاب في القاهرة سنة ١٣٢٢ هـ (١٩٠٤ م) بمطبعة التقدم في ١٧٦ صفحة. لم أقف على هاتين الطبعتين، ولا على طبعة السلفية التي ذكر أنها صدرت سنة ١٣٤٦ هـ (٢). ولكن طبعةً أخرى ظهرت في العام نفسه على نفقة الشيخ أبي السمح عبد الظاهر بن محمَّد، والشيخ محمَّد صالح نصيف رحمهما الله. وقد طبعت في مطبعة أمين عبد الرحمن بشارع محمَّد علي في القاهرة، وهي بين يديّ. عدد صفحاتها ٣٣٤، وفي أولها كلمة الناشر في صفحتين، ثم ترجمة المؤلف في ثلاث صفحات. وفي آخرها فهرس الموضوعات وجدول التصحيحات في ٢٠ صفحة. وقد رقمت هذه الصفحات الخمس والعشرون بحروف الأبجد. والجدير بالذكر أن هذه الطبعة الصادرة في سنة ١٣٤٦ هـ (١٩٢٨ م) هي "الطبعة الثالثة" حسب ما كتب على الغلاف. فمتى صدرت الطبعتان الأولى والثانية؟ لم أر من أشار إليهما. ثم صدرت طبعتان عام ١٣٧٧ هـ (١٩٥٨ م): إحداهما في ٢٢٤ صفحة بتصحيح الشيخ محمود عبد الوهاب فايد (المدرس بالأزهر _________ (١) معجم المطبوعات العربية في شبه القارة الهندية الباكستانية (٣٥٥). (٢) ابن قيم الجوزية (٢٤٤).

стр. 33

الشريف) ﵀، والتزم طبعها مكتبة ومطبعة محمَّد علي صبيح وأولاده بالقاهرة. والأخرى بعناية الشيخ محمَّد عمرو الدين عبد الحميد ﵀، أصدرتها مطبعة المدني بالقاهرة في ٣٥٩ صفحة بالإضافة إلى مقدمة المصحح في ٨ صفحات. وهذه أول نشرة للكتاب صدرت بعنوان "الداء والدواء"، ولها ميزة أخرى، وهي أنّ ناشرها قد صرح بأنه اعتمد في إخراجها على نسخة خطيّة. ومع أنّه لم يذكر مكانها، وصفها بأنها "بالغة الحدّ في الدقّة والضبط"، ثم نشر في أول الكتاب صفحات مصوّرة منها تُبيّن أنها بخط الشيخ عبد الله بن فائز بن منصور أبا الخيل الذي كتبها سنة ١٢٤٧ هـ (١). وقد طبع الكتاب بعد ذلك طبعات يصعب حصرها، وقد وقفت على كثير منها، ولكن التي تستحق الذكر منها لاعتمادها على نسخ خطيّة ثلاث: طبعة دار ابن كثير في دمشق - بيروت سنة ١٤٠٨ هـ (١٩٨٨ م) بعناية الشيخ يوسف علي بديوي الذي ذكر أنه اعتمد فيها على نسخة الظاهرية. وعن هذه النسخة أخرج الكتاب الشيخ عامر بن علي ياسين سنة ١٤١٧ هـ (١٩٩٧ م)، ووصفها بأنها "جيدة على العموم، لكن فيها تصحيفات وتحريفات ليست بالقليلة، وفيها أيضًا كثير من المواضع الباهتة التي تتعذّر قراءتها إلا بالتخمين والافتراض" (ص ٢٦). وأشار مرة أخرى إلى كثرة السقط والتحريف فيها (ص ٢٩). وقد صدرت هذه _________ (١) توفي الشيخ عبد الله بن فائز سنة ١٢٥١ هـ. انظر ترجمته في: علماء نجد خلال ثمانية قرون (٤/ ٣٧٠).

стр. 34

الطبعة عن دار ابن خزيمة بالرياض. والنشرة الثالثة هي التي عني بها الشيخ علي بن حسن الحلبي. وقد صدرت طبعتها الأولى سنة ١٤١٦ هـ (١٩٩٦ م) عن دار ابن الجوزي بالدمام. وبين يديّ طبعتها الثامنة التي ظهرت سنة ١٤٢٥ هـ. وقد ذكر في حاشية مقدمته أنه حقّق الكتاب عن نسخة مخطوطة، ونشر في آخره صورة أول هذه "النسخة المعتمدة" وآخرها. وهي نسخة مكتوبة سنة ١١٩٥ هـ، ولكن الغريب أن أول نشرته وآخرها غير مطابق لما جاء في النسخة المذكورة (١). وقد حُقّق الكتاب سنة ١٤٢٥ هـ عن أربع نسخ خطّية في رسالتين جامعيتين، أعدّتهما لنيل شهادة الماجستير باحثتان أشرف عليهما الشيخ عبد الله بن صالح البرّاك. وذلك في قسم الثقافة الإِسلامية بكلية التربية بجامعة الملك سعود (الرياض). واعتُمد في هذا التحقيق على أربع نسخ: نسخة الإسكوريال (٧٧٠ هـ)، ونسخة مركز الملك فيصل (٧٨٥ هـ)، والنسخة المعتمدة في طبعة دار ابن الجوزي (١١٩٥ هـ)، ونسخة الظاهرية المعتمدة في طبعتي دار ابن كثير ودار ابن خزيمة (غير مؤرخة). _________ (١) انظر تقويم النشرتين الأخيرتين في رسالة الباحثة فتحية القحطاني، ولا سيّما النشرة الأخيرة التي نقدتها نقدًا مفصّلًا (ص ٣٠ - ٣٩)، وأثبتت أن صاحبها لم يعتمد على المخطوطة التي ذكرها أصلًا!

стр. 35

النسخ المعتمدة في هذه الطبعة تحتفظ خزائن الكتب في الشرق والغرب بأكثر من خمس وعشرين نسخة خطية من هذا الكتاب. وقد تيسّر الحصول -بفضل الله سبحانه- على أربع نسخ قديمة كلها من القرن الثامن، ونسخت إحداهما بعد وفاة المؤلف بتسع عشرة سنة. وهذه هي الأصول المعتمدة في هذه الطبعة، وقد أضيفت إليها نسختان من النسخ المتأخرة للاستئناس بهما. وقبل أن آخذ في وصفها أحب أن أشكر لكل من كانت له يد في الحصول عليها، ولا سيّما فضيلة الشيخ عبد الله بن صالح البراك الذي تكرم بتزويدنا صورة من نسخة الإسكوريال، والأستاذ وليد بن أحمد الحسين رئيس تحرير مجلة الحكمة الذي أسعفنا بصورة من نسخة بايزيد العمومي. أما أخي الشيخ عبد العزيز بن فيصل الراجحي مدير قسم المخطوطات في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإِسلامية، فلم يأل جهدا -كعهده- في تيسير الاستفادة من مقتنيات القسم. فجزاهم الله جميعًا خير الجزاء. وإليكم الآن وصفها: (١) نسخة الإسكوريال (س): رقمها في مكتبة الإسكوريال: ٧٤٣. وهي بخط النسخ في ١٢٦ ورقة، عدد الأسطر في كل صفحة بين ٢٢ و ٢٣ سطرًا. كتبت هذه النسخة سنة ٧٧٠ كما في خاتمتها التي نصّها: "تم بحمد الله تعالى وعونه وحسن توفيقه في خامس عشرين صفر -خُتم بالخير والظفر- لسنة سبعين وسبعمائة. والصلوات التامّات

стр. 36

الكاملات على سيد الأبرار وخير الأخيار محمَّد المصطفى وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا دائمًا كثيرًا". وهذه أقدم النسخ المعروفة لكتاب الداء والدواء. تبدأ النسخة بعد البسملة و "رب يسر وأعن برحمتك" بالعبارة الآتية: "سئل شيخ الإِسلام أبو عبد الله محمَّد بن أبي بكر الشامي تغمده الله برحمته، وأسكنه جنّته، فقال السائل … ". وهي بداية غريبة، فإنّ المؤلف ﵀ كنيته أبو عبد الله، وهو محمد بن أبي بكر، وهو شامي أيضا، ولكنّ ما اشتهر به هو أنه "أبو عبد الله محمَّد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية". أما الصورة الواردة في فاتحة هذه النسخة، فكأن المقصود بها إخفاء اسم المؤلف شيئًا ما عن بعض المقلدة أو بعض المناوئين، لكيلا يصدّ بعضهم تعصبه على المؤلف عن قراءة الكتاب أو يحمله على التعدّي عليه. أما صفحة العنوان فتحمل اسم الكتاب وختمين وعددًا من قيود التملّك والقراءة وغيرها. عنوان الكتاب: "كتاب الداء والدواء"، ولكنه لم يكتب في موضعه، بل في النصف الأسفل من الصفحة، ولعله ليس بخط ناسخ الأصل. أما القيود، فأقدمها قيد مطالعة مؤرخة في سنة ٧٧٨، ونصّه: "نظر فيه داعيًا لمالكه بحسن الخاتمة محمَّد بن محمَّد بن عبد الرحيم القادري المغربي … ". ومن قيود التملّك: ١ - "قد انتظمت المجموعة الشريفة هذه في سلك ملك الفقير إلى

стр. 37

الله الغني محمود بن الحسين بن محمود بن علي المكتني بأبي حمد الله القاضي الحنيفي الحنفي، وقت صلاة العصر، بصحّافية شيراز، حجة خمس وستين وثمانمائة، والمحرر مريض، وأمره على السلطان عريض بثلاثمائة مخفية، ومهمّاته مكفيّة، والحمد لله رب العالمين". ٢ - "تم دخل في نوبة الفقير إلى الله تعالى محمَّد بن مصطفى بن محمَّد بن عباد الله الرومي الحنفي -عفا عنهم ربهم العافي- في سنة ٩٤٧". ٣ - "الحمد لله، من نعم الله على عبده أحمد بن شعبان الشافعي". وفي أعلى الصفحة وأسفلها عبارتان بخط فارسي دقيق، وهما من تقييد أحد قرّاء النسخة الذي علّق في مواضع منها، كما سيأتي. وفي الصفحة نفسها جاءت العبارة الآتية: "نودي على النيل المبارك في يوم الثلاثاء الواقع في سابع والعشرون (كذا) من شهر صفر المظفر سنة ثمان وأربعين وتسعمائة". لم يذكر الناسخ اسمه، ولا أشار إلى الأصل الذي نقل منه، ولم أجد فيها من علامات البلاغ ما يدلّ على أنه قابل النسخة على أصلها، ولكن فيها تصحيحات قليلة بخطّه (١٠٠/ ب، ١١٠/ أ، ١١٦/ ب)، ثم هي قوبلت على نسخة أخرى، وقيدت الفروق في الحاشية مع كتابة حرف الخاء فوقها. ومن أمثلته: - (٢/ أ): "فلم يضيفوهم". وضعت علامة فوق الواو، وكتب في الحاشية: "خ فأبوا أن يضيفوهم". - (٢/ أ): "وقد أخبر سبحانه عن القرآن أنه شفاء". وضعت العلامة

стр. 38

فوق (عن) وكتب: "خ أن القرآن شفاء". - (٢/ ب): "أثّرت وأزالت الداء". العلامة فوق (أثرت) وفي الحاشية: "خ أثر في إزالة الداء". - (٥/ أ): "أن تكفني شرّ هذا اللص". وفي الحاشية: "خ تكفيني". - (١٢/ أ): "إلى السماء التي قبلها". وفي الحاشية: "خ تليها". - (٢٨/ ب): "لعن مَن أكمَهَ أعمى عن الطريق". وفي الحاشية: "خ كمَّهَ". وانظر أيضًا: (١٠/ أ، ١٢/ ب، ١٤/ أ، ١٧/ أ، ١٨/ أ، ٢١/ أ، ٢٣/ ب، ٢٥/ أ، ٣٣/ أ، ٤٣/ أ، ٤٤/ أ، ٤٤/ ب، ٤٦/ ب، ٤٧/ أ). وبالخط نفسه توجد تصحيحات، إذ استوقف الكاتب بعض المواضع التي فيها تصحيف أو سقط، فكتب في الحاشية ما رآه صوابا بعد علامة "ظ"، وقد أصاب أحيانًا. ومن أمثلته: - (ق ٢/ ب): "تعتريني أدا". كذا جاء في النسخة، فكتب في الحاشية: "ظ أدواء"، يعني: الظاهر أن الصواب: "تعتريني أدواء". وقد صدق، والذي في الأصل تحريف. - (ق ١٤/ أ): "ثم علينا فقال: أي إخواني". وضع علامة فوق (علينا)، وعلّق في الحاشية: "ظ أقبل أو نحوه". يعني: سقط كلمة "أقبل" أو نحوها قبل "علينا". - (ق ٣١/ أ): "وجد في خزائن بني أمية حنطة الحبة كقدر نواة الثمرة". هنا كتب في الحاشية: "ظ حبَّة الحنطة". والحق أن ما في

стр. 39

المتن صواب، وكلمة "الحبة" ليست مضافًا إليها كما ظنّ الكاتب، وإنما هي مرفوعة على الابتداء. - (ق ٥٩/ ب): "لجالدونا عليه بالسيوف". علّق عليه: "ظ لجادلونا". وهذا خطأ، والصواب كما في المتن. وقد قرأ النسخة بعض العلماء المتأخرين، فعلّق عليها في مواضع كثيرة بخط فارسي دقيق، نبّه فيها أحيانا على بعض مباحث الكتاب كقوله: "تعريف القلب السليم" (٦٠/ أ)، و "بشارة عظيمة" (٥٤/ ب)، و"تنبيه عظيم" (٣٠/ ب). ونقل بعض الأحيان نصوصًا من الكتب، كنقله من كتاب "خالصة الحقائق" (٤١/ ب) و "واقعات الشيخ أبي الحسن الرفّاء" (٩٢/ أ). ولما نقل المؤلف قول "بعضهم: أنتم تخافون الذنوب وأنا أخاف الكفر" علّق عليه: "وهذا منسوب إلى الثوري ﵀" (٣٤/ ب). ولهذا الكاتب تأويلات غريبة للنصوص، فعلّق على ما ورد من أن الحجر الأسود يمين الله في الأرض: "والحجر على يمين الخارج من البيت، فكأنه يمين بيته" (٦٥/ ب). وذكر المؤلف أن بعض السلف إذا سمع الكلمة الصالحة من الرجل قال: "ما ألقاها على لسانك إلا ملك، وإذا سمع ضدّها قال: ما ألقاها على لسانك إلا الشيطان"، فعلّق على ذلك: "والمراد بالملك: العقل المتصف بصفته، وبالشيطان: الهوى، فتكون استعارة" (٥٣/ أ). وهذا ونحوه -على خطئه- محتمل، إذ علّقه في حاشية النسخة، ولكنّه أساء في موضع إساءة بالغة، إذ محا كلمات من المتن، وكتب

стр. 40

مكانها كلمات أخرى، ولما ضاق المكان أضاف كلمتين فوق السطر بعلامة "صح". قال المؤلف ﵀: "وقد نقل الله سبحانه آدم وحوّاء من الجنة بذنب واحد ارتكباه، وخالفا فيه نهيه. ولعن إبليس، وطرده، وأخرجه من ملكوت السماء بذنب ارتكبه". فغيّره هذا القارئ إلى: " … من الجنة إلى الأرض بذنب واحد بالغفلة عن مخالفة نهيه. ولعن إبليس … وأخرجه من مشاركة أهل السماء في السعادة بذنب ارتكبه". وذلك بأنه محا الكلمات "ارتكباه، وخالفا فيه"، وكتب مكانها: "بالغفلة عن مخالفة". وهكذا في الجملة الثانية محا كلمة "ملكوت"، وكتب: "مشاركة أهل". ثم زاد في الأولى بعد "من الجنة" فوقها: "إلى الأرض"، وفي الثانية بعد "أهل السماء" فوقها أيضًا: "في السعادة". وهذا التصرّف منه جناية وعدوان. (٢) مصوّرة مركز الملك فيصل (ف). رقمها في المركز: ١٥٠٤ - ف. ولا نعرف أين أصلها. وهي في ٣٩٣ صفحة، وفي كل صفحة ١٧ سطرًا. وقد كتبت سنة ٧٨٥، كما في خاتمتها: "تم الكتاب والحمد لله رب العالمين … في عشية الجمعة لخمس عشرة خلت من شهر شوال المبارك عام خمس (كذا) وثمانين وسبعمائة، أحسن الله خاتمته وتقضّيه، ونفع كاتبه وقارئه بما فيه، بمنّه وكرمه". هذا الناسخ أيضًا لم يذكر اسمه، ولا أشار إلى الأصل الذي نقل منه نسخته.
следующие страницы →