تعزيرًا، ولنا عند أبي داود عن أبي مَحَيريزٍ أن رجلًا من بني كِنَانَة يُدعى المَخْدَجِيَّ سَمِعَ رجلًا بالشام يُدعى أبا محمد يقول: إن الوترَ واجبٌ، قال المخدجي: فَرحتُ إلى عُبادة بن الصامت ﵁ فأخبرتُه، فقال عُبادة ﵁: كذب أبو محمدٍ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: خمسُ صَلَواتٍ كَتبهنَّ اللَّهُ على العباد، فمن جاء بِهنَّ لم يضيِّعْ منهنَّ شيئًا استخفافًا بحقِّهن، كان له عند الله عهدًا أن يُدخِله الجنةَ، ومن لم يأت بِهنَّ فليس له عند الله عهدٌ، إن شاء عَذَّبه، وإن شاء أدخَلَه الجنة. انتهى. فلو كان تاركُ الصلاة كافرًا لجزم بدخوله النار، ولكنه أبقى أمره تحت المشيئة، فعُلم أنه مسلم فاسق.
ونقل فيه مناظرة الإمام الشافعي وأحمد ﵄. قال الشافعي لأحمد ﵁: سمعتك تقول. إن تارك الصلاة كافرٌ، قال: نعم، قال: فما سبيل إسلامه؟ قال: أن يصلى، قال: وهل تُقبل صلاة الكافر؟ فسكت أحمد ﵁.
بقى تواتر السلف بإطلاق الكفر على ترك الصلاة، فالأمر عندي أنه بمعنى كفرٍ دون كفر، لأني لا أعلمُ من حالهم إلا أنهم عاملوا مع أمراء الجور معاملة الفُساق، حتى صلوا على جنائزهم وصلوا خلفهم الفرائض، وتمسك النووي ﵁ بحديث الباب على قتلِ تارك الصلاة. وفيه نظر؛ لأن القتال غير القتل (١). وفي الحديث ذكر القتال، دون القتل، والقِتَال بمعنى الجِدال، كما في الحديث «أقتالًا يا سعد؟» وما عند الترمذي «فليقاتله» لمن مر بين يدي
стр. 107
المصلى، فمن هذا الباب، وكتب النووي رحمه الله تعالى تحته مسائل الدِّية: بأنه لو قتل المارِّ أحدٌ هل يجبُ به الدِّية أم لا؟ فأوهم أن المراد من المقاتلة القتل، وهو غلطٌ، وكان الأولى أن لا يكتب هناك تلك المسائل. فإن الحديثَ لا تعلق له بمسألة القتل، وذكر تلك المسائل يوهم ذلك.
ثم عن محمد بن الحسن رحمه الله تعالى أنه يقاتلُ مع قوم تركوا الخِتَان، أو الآذان، وفهِمَ منه بعضهم أن الأذان عنده واجب.
قلت: (١) بل القتال إنما هو على تركِ شعار الإسلام والأذان، والخِتَان، من شعارِهِ فمن نَسَبَ إليه وجوب الأذان منا فقد توهمَّ من هذه المسألة، فإذا ثبت عنه جواز القتال من هؤلاء، فمن تارك الصلاة أولى.
ثم ههنا مهم (٢): وهو أنه كيف امتنع عمر رضي الله تعالى عنه عن قتال مانعي الزكاة مع هذا الحديث الصريح؟ والحل ما في رسالتي: «إكفار الملحدين» وأوضحته في مواضع، وخلاصته: أن اختلاف الشيخين إنما كان في غرض مانع الزكاة، فجعله عمر رضي الله تعالى عنه بغيهم، وجعله أبو بكر رضي الله تعالى عنه الرِّدة، من حيث إن الإيمانَ اسم لالتزام كل الدين، فمن فرق بين الصلاة والزكاة، فكأنه لم يؤمن بالكل، ومن لم يؤمن بالكل، فهو كافر قطعًا. وهو نظر الحنفية: أن الإيمانَ لا يزيدُ ولا ينقص، لأنه لاتشكيك في الالتزام وقد مر الخلافُ في تحقيق الواقعة، والكشف عنها ولو تحقَّق عند عمر رضي الله تعالى عنه أنهم أنكروا الزكاة رأسًا لأكفرَهَم هو أيضًا، ولم يتردد أصلًا، وذكر مثله العلامة الحافظ الزَّيلعي رحمه الله تعالى في «تخريج أحاديث الهداية» من الجزية وفي «المستدرك» عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: لأن أكون سألت رسول الله ﷺ عن ثلاث أحب إليّ من حُمْر النَّعم»، وذكر منها قومًا قالوا: نقرُّ بالزكاة في أموالنا، ولا نؤديها إليك، أيحلُّ قتالهم؟ انتهى مختصرًا. وهذا حديث صحيح على شرط الشيخين. فعُلم منه أنهم لم ينكروا الزكاة رأسًا، كيف ولو أنكروها عن أصلها
стр. 108
لما كان في كفرهم موضعُ رَيبٍ لمن له أدنى علم، فإنها من الضروريات وإنكارُها كفرٌ لا محالة، وإنما زعموا أن الزكاةَ جبايةُ مالٍ، كما يجبي السلطان من الرعايا جبايات من جهات، فكانت إلى النبي ﷺ في عهده، وإذا وَلَّيْنا نحن ولاةً منا فقد سقطت، وبقيت كسائر الجبايات على رأى الوالى.
ومنصبُ الخلفاء عندي فوق الاجتهاد، وتحت التشريع، من حيث أن صاحب الشريعة أمرنا باقتدائهم مطلقًا. ومن هذا الباب زيادة عثمان رضي الله تعالى عنه في الأذان، وجمعُ عمرَ رضي الله تعالى عنه الناس في التراويح خَلْفَ إمام واحد، فلا يرجع اختلافهم إلى مسائل الأصول. فلا يقال: إن الاختلافَ في الشيخين كان في حكم تعارضُ العموم والخصوص كما قرروا، ولعل الأمر يحوم حول ما قررنا، فافهم واستقم.
(إلا بحق الإسلام) كالقصاص وزنًا، المحصن، والارتداد.
١٨ - باب مَنْ قَالَ إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ [الزخرف: ٧٢]. وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣] عَنْ قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ. وَقَالَ ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾ [الصافات: ٦١].
٢٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ أَىُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ فَقَالَ «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ». قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ «الْجِهَادُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ». قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ «حَجٌّ مَبْرُورٌ». طرفه ١٥١٩ - تحفة ١٣١٠١
وبعدُ الشيخ قطب الدين في بيان الغرض حيث قال: إن المصنف رحمه الله تعالى انتقل إلى الرد على المرجئة القائلين بأنه القول بلا إله إلا الله فقط، فقال ردًا عليهم: إنه عملٌ وليس بقول فقط. وعندي قد فرغ عنه المصنف رحمه الله تعالى من قبل، وإنما يريد الآن النصَّ على أن الإيمانَ عملُ القلب كما كان نصَّ أولًا على أن المعرفة فعل القلب (١) والعملُ لا يكون إلا
стр. 109
اختياريًا، فالإيمان أيضًا فعلٌ اختياري، ووجه الإشارة أنه قصرَ الإيمانَ على العمل، أي أن الإيمان مقصورٌ على كونه عملًا لا يتجاوزَ إلى صفة أخرى، من كونه علمًا أو غيره، ولا شك في أنه عملُ القلب، وأما من فسره بالمعرفة، فأراد بها ما تستوجبُ العمل، ولا ما تجامعُ الجحود، كما مرّ ولو كان غرضُ المصنف رحمه الله تعالى ما فَهِمُوه لقال: إن الإيمانَ عملٌ بدون القصر، لأن القصرَ إما قصر قلب أو إفراد ولا يصح واحدٌ منهما؛ لأن المعنى على الأول: أن الإيمانَ عملٌ ليس بقول، وعلى الثاني: أنه عملٌ وليس بمجموع القول والعمل، وكلاهما خلافُ المراد. وأما قصر التعيين فلا يحتملُه المقام. ومنه ظهرت المناسبة بين الآيات، والحديث، والترجمة، فإنها أطلقت العمل على الإيمان، بمعنى أن الإيمانَ من أكبر الأعمال، لا أن قوله تعالى: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ منحصرٌ في الإيمان، وكذا سُئل النبي ﷺ عن الأعمال، وأجاب بالإيمان، فاتَّضَحَ أن الإيمانَ عملٌ.
١٩ - باب إِذَا لَمْ يَكُنِ الإِسْلَامُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَكَانَ عَلَى الاِسْتِسْلَامِ أَوِ الْخَوْفِ مِنَ الْقَتْلِ
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] فَإِذَا كَانَ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَهُوَ عَلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥].
قالوا: إن هذا الباب كأنه دفع دَخَلٌ مُقدَّر، وهو أنك ادّعيت أن الإسلام والإيمان واحدٌ، مع أن الآيات والأحاديث، تدل على تغايرهما، فأجاب أَن الإسلام على نحوين: الإسلام حقيقة أي شرعًا، وهو المعتبرُ، وهو عينُ الإيمان. والثاني: الإسلام لغةً وهو غيرَ معتبر في الشرع، وهذا الذي أريد في قوله تعالى: ﴿وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾ لأن الآية عنده في حقِ المنافقين كما صرح به في التفسير، وحينئذٍ لم تكن عندهم حقيقة الإسلام، وإنما جيء في الآية بلفظ الإسلام على معنى الاستسلام، وليس على حقيقتهِ، فدعوى الاتحاد إنما هو في الإيمان والإسلام المعتبر، أما الإسلامُ غير المعتبر، فهو غير الإيمان قطعًا، وفي عقيدة السفاريني: أن الإسلامَ من خوف القتل لا يُعتبر عند البخاري، ولعله أخذه من هذه الترجمة.
قلت: وإن كان يتضح منه الدَّخْلُ ودفعه غاية وضوح، فإنه إذا لم يعتبر إسلامَ الخائفِ من القتل، كيف يحكمُ عليه بأن إسلامَه عينُ الإيمان، فلا جَرَمَ يكون مغايرًا للإيمان، أما الإسلام الذي هو عينُ الإيمان، فهو ما يكون من طوع ورغبة قلب، بدون خوف، ولكنه كلام باطلٌ، لأنا نجدُ أقوامًا أسلموا من خوف القتلِ ثم اعتبر النبي ﷺ إسلامَهم، نحو إسلام قوم لم يُحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فقالوا: صبأنا، صبأنا فقتلهم خالد ولم يعتبر إسلامَهم، ولما بلغ خبرهم إلى النبي ﷺ رفع يديه وقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد»، فهذا صريح في أنه اعتبر إسلامهم، وعلى هذا فنِسبةُ هذا الكلام الباطل إلى المصنف رحمه الله تعالى لا يستقيمُ بحال.
وعندي: غرضُه من هذه الترجمة الفرقُ بين الإسلام المعتبر، وغير المعتبر، لا دفع
стр. 110
الدَّخلَ، وحاصله: أن الإسلام قد يكون حكاية، وإسميًا، ورسميًا، وانتحالًا. بدون استشعار القلب، وهو غير معتبر وغير مُنجي، واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الاْعْرَابُ ءامَنَّا﴾ ... إلخ أي هم يدّعون أالإسلام رَسَخَ في بواطنهم وليس كذلك، وإنما عندهم اسم الإسلام، والحكاية، بدون المحكي عنه، وهذا غير معتبر وقد يكونُ الإسلام عن جذر قلب وصدق نية لا حكاية فقط، فهو المرضي عند الله تعالى. وهو المنجي حقيقة، كما قال: ﴿إِنَّ الدّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلَمُ﴾ فجعل الإسلامَ دينًا مرضيًا، وعلى هذا قوله: على الحقيقة ليس مقابِلًا للمجاز، كما فهموه، بل معناه في نفس الأمر. وإذا لم يكن الإسلامُ على الحقيقة بذلك المعنى، يكون حكائيًا واسميًا لا حقيقة له في نفس الأمر.
(أو كان على الاستسلام) من السلم أي الصلح، فمعناه الإسلام صلحًا، يعني على طريق المصالحة مجبورًا، وادِّعاءًا فقط دون الواقع، والاستفعالُ فيه بمعنى الإتيان بشيء بدون سماحة نفس، بل عن كُرْه، وسَخَطٍ في الباطن، وهو أيضًا من خواصِّ هذا الباب، لأني أجدُ فيه هذا المعنى في مواضع، وإن لم يذكره علماء التصريف، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالاْحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَبِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآء﴾ [المائدة: ٤٤] أي أنهم لم يحملوا كتاب الله ولم يحفظوه برغبةٍ، وطواعيةِ نفس، ولكنه حمل عليهم حفظه على كره، ولهذا المعنى جيء بالاستحفاظ ههنا، كاستأسر أي عدُّ نفسه أسيرًا مجبورًا. يقال: استأسر الرجل إذا أُخِذ في جريرةِ فيسلم إليه نفسه مجبورًا، وكما في قولهم:
إن البغاث بأرضنا يستنسر
مع أنه ليس بنسر، فاستسلم، معناه: أسلم، وليس بمسلم، وقد علمت أن المصنف لم يتعرض إلى دفع السؤال الناشىء من الآية، فإن التقرير المذكور لا يدفع السؤال المذكور، فإن اللإسلام واقعيًا كان أو حكائيًا إلا أن القرآن أباح لهم أن يقولوا: أسلمنا، وإن نفى عنهم اسم الإيمان، فالسؤال باق، ولكنه تعرض إلى المعتبر من الإسلام وغير المعتبر منه.
ولم يدخل في مسألة اتحاد الإيمان والإسلام في تلك الترجمة وإنما تعرض إليها في ترجمة تأتي، وإنما يتبادر دخوله في تلك المسألة من جهة الآية، فإنها تفرق بين الإيمان، والإسلام، والمصنف قائل بالاتحاد، فخيِّلَ أنه توجه فيها إلى جوابه، والظاهر أنه أراد هُهنا بيانَ الفرق بين المعتبر من الإسلام، وغيره فقط، وإنما يتردد النظر في شرح تراجمه، لأنه كثيرًا ما يذكر الشرط، ويحذف الجواب من الترجمة، ويُخرِجُ مادته في الحديث المترجم له، فكأن السؤال يكون في الترجمة، والجواب في الحديث، وإذًا يكونُ الحديثُ محتمِلًا للوجوه، يُحدثُ الترددَ، أنه ماذا أراد؟ كما ترى ههنا (١).
(أو الخوف من القتل) واعلم أن فيه أحوالًا: فمن أسلم كَرْها مع السخط في الباطن فهو
стр. 111
كافرٌ قطعًا، لأنه ليس عنده سوى اسم الإسلام شيءٌ، وهو الذي أراده البخاري، والثاني: من أسلمَ وكان عنده أن قبولَ الأديان من الجائزات، فلم يختره لكونهِ حقًا في نفسه، بل كاختيار أحد الجائزات، فهذا حَسَنٌ، وهذا أيضًا حسن، فهذا النوعُ أيضًا كافر، وهذا أيضًا يمكن أن يدرجَ في مراده. والثالث: من أسلم كَرْها، ثم رضي به، كأنه عند الخوف من القتل، يَبْعثُ نفسَه أن ترى الإسلامَ حقًا وتعتقده عن صميم قلب، فهذا مؤمنٌ إجماعًا. ومن نسب إلى المصنف عدمُ الاعتبار بإسلامه، نظرًا إلى ألفاظ هذه الترجمة فقد بَعُدَ بعدًا بعيدًا.
٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ عَنْ سَعْدٍ رضى الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى رَهْطًا وَسَعْدٌ جَالِسٌ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَىَّ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ فَوَاللَّهِ إِنِّى لأَرَاهُ مُؤْمِنًا. فَقَالَ «أَوْ مُسْلِمًا». فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِى مَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَعُدْتُ لِمَقَالَتِى فَقُلْتُ مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ فَوَاللَّهِ إِنِّى لأَرَاهُ مُؤْمِنًا فَقَالَ «أَوْ مُسْلِمًا». ثُمَّ غَلَبَنِى مَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَعُدْتُ لِمَقَالَتِى وَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ «يَا سَعْدُ، إِنِّى لأُعْطِى الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِى النَّارِ». وَرَوَاهُ يُونُسُ وَصَالِحٌ وَمَعْمَرٌ وَابْنُ أَخِى الزُّهْرِىِّ عَنِ الزُّهْرِىِّ. طرفه ١٤٧٨ - تحفة ٣٨٩١ - ١٤/ ١
٢٧ - (مالَكَ عَنْ فلان) قال الحافظ واسمه جُعَيل، وهو صحابي جليل القدر وله منقبة عظيمة. عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال لأبي ذر: «كيف ترى جُعَيلًا» قلت: كشكله من الناس - يعني المهاجرين - قال: «فكيف ترى فلانًا؟» قال: قلت: سيد من سادات الناس، قال: «فجعيل خير من ملاء الأرض من فلان». فهذه من منزلة جعيل المذكور.
(أرى) واتفق أئمة اللغة على أنه معروفًا بمعنى اليقين، ومجهولًا بمعنى الشك، ولعل الأول مأخوذٌ من الرؤية والثاني من الرأي كما صرح به الشيخ ابن الهمام رحمه الله تعالى في باب الصيام، وههنا مجهولًا أولى؛ لأن الحكمَ بمحضر النبي جزمًا إساءةٌ للأدب، وقال قائل: بل الأول متعين للقَسَم، فإنه قال: فوالله إني لأراه مؤمنًا، والقسَمُ لا يناسبه الشك. قلت: ويلزمه أن لا يجوز قولهم: والله لأظنه كذا، وهو باطلٌ قطعًا.
(أو) وقَرَأه الشيخ العيني رحمه الله تعالى بهمزة الاستفهام، وواو العطف (أو) يعني أتقول كذا وهو مسلمٌ، وقيل: بل هو حرف عطف بسكون الواو (أو) والفرقُ بينهما أنه على الأول يكون الحكمُ بإسلامِهِ، بتًا من جهة صاحب الشريعة، بخلاف الثاني، فليس فيه بتٌ وحكمٌ قطعيٌ على إسلامه، ومعناه: مهلًا ما تقول، لعله يكون مسلمًا، ولا يكون مؤمنًا. وقال بعضهم: إنها بمعنى الإضراب. أقول: وإنما يفهم منها الإضراب للمقابلة، لا أنه أصل المعنى. ثم إنه طال نزاعهم في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (الصافات: ١٤٧) وسنعود إليه إن شاء الله تعالى في موضع آخر.
فإن قلت: إذا كان أمر جُعيل ما قد وُصِفَ في الحديث، فلا معنى للشك في إسلامه
стр. 112
وإطلاق اسم الإيمان في حقه، قلت: هو كذلك، وإنما منعه إصلاحًا له وتنبيهًا على أنه لا ينبغي المبادرة في مثل تلك الأمور الباطنة التي قد تخفى على الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام أيضًا، سيما بحضرة صاحب الوحي، وإن كان صحيحًا في خصوص هذا الموضع فلو كان صوبه ههنًا، ولم يمنعه لأمكن أن يستعمله في موضع آخر أيضًا لا يكون محلًا له، فمنعه مطلقًا سدًا للباب، ولم ينظر إلى خصوصِ المقام.
فإطلاق أحب الألقاب إلى الله تعالى بدون رؤية وروية هو مورِدُ النكيرِ فقط، وليس المرادُ ذم الصحابي المذكور، فإنه ذو منقبةٍ ومكان، ورتبةٍ عند الله، وعند رسوله، وهذا كما قالت عائشة ﵂ لولد مات: طُوْبَى له عصفورٌ من عصافير الجنةِ قال: مهلًا يا عائشة، وقد كان هذا ولدًا لأنصاري، ومعلوم أن أولاد المسلمينَ كلهم في الجنة، وإنما الاختلاف في أولاد المشركين، فهذا أيضًا إصلاح كالقاعدة الكلية، أي الجزمُ بأمور الغيب قبل العلم بها مما لا يُنَاسب مطلقًا، فكيف محضرٍ من صاحب الشريعة وهو أعلم، فينبغي أن يترقب ماذا يُلقى إليه من جانبه، ثم يتلقاه منه، لا أنه يتبادر فيفْتَات عليه، ولذا ترى الصحابة رضي الله تعالى عنهم أكثر ما يجيبونه بقولهم: الله ورسوله أعلم، ويتضح عندك مراده كل الاتضاح مما قيل في الفارسية. خطا اكرراست آيدتاهم خطاست وفي الحديث أيضًا «من فسر القرآن برأيه فأصاب، فقد أخطأ» وغَفَلَ بعضهم عن هذا المعنى فجعل يأولُ في قصة عائشة رضي الله تعالى عنهما، وقال: لعل الولد كان من المشركين، ثم لما مرّ على الروايات ورأى أنه كان ولدًا للأنصاري، ركب تأويلًا آخر باطلًا، وقال: إنه كان أنصاريًا نسبًا وقومًا فقط، وهذا كله كما ترى لعدم البلوغ إلى حقيقة المراد. أما المصنف رحمه الله تعالى فاستشهد بقوله فيه «أو مسلمًا» فإنه دالٌ على تغاير بين الإيمان والإسلام في الجملة؛ فإنه نفى عنه اسم المؤمن، مع إثباتِ لقب المسلم، فثبتت الترجمة.
٢٠ - باب إِفْشَاءُ السَّلَامِ مِنَ الإِسْلَامِ
وَقَالَ عَمَّارٌ ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ، وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ.
٢٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ عَنْ أَبِى الْخَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَىُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ قَالَ «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ». طرفاه ١٢، ٦٢٣٦ - تحفة ٨٩٢٧
وإفشاؤُه نشرُه سِرًا وجهرًا على مَنْ تَعْرف ومن لم تعرف. والمصنف رحمه الله تعالى في مثله يتبع ألفاظ الحديث، فإن كان الحديث جعل أمرًا «من الإسلام» يترجم المصنف رحمه الله تعالى أيضًا بذلك، وإذا كان جعله «من الإيمان» يتبعه أيضًا، فتارةً يقول: «من الإسلام» وأخرى: «من الإيمان» لهذه النكتة وليس لمجرد التفنن في العبارة.
قوله: (الإنصاف من نفسك) يعني عن داعية نفس بلا رياءٍ أو حكم حاكم، وهذا إنصاف صادر من طبعه، وحينئذٍ يكون حرف «من» ابتدائية، والنفس فاعلًا معنى، ويمكن أن يكون معناه
стр. 113
إجراءُ الإنصاف في معاملة نفسِهِ أيضًا، وحينئذٍ تكون النفس مفعولًا (للعالم) بالفتح، أي جميع الناس (من الإقتار) أي الافتقار، و «من» بمعنى «في» كما ذكره العيني رحمه الله تعالى، أو بمعنى عند ومع، كما اختاره الحافظ رحمه الله تعالى، فالإنصاف خُلُقٌ، والإنفاقُ يتعلق بحقوق الأموالِ، وإفشاءُ السلامِ أمرٌ بين الأمرين، والإيمانُ مجموعُ الثلاثة.
٢١ - باب كُفْرَانِ الْعَشِيرِ وَكُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ
فِيهِ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ .
٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ يَكْفُرْنَ». قِيلَ أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ قَالَ «يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ». أطرافه ٤٣١، ٧٤٨، ١٠٥٢، ٣٢٠٢، ٥١٩٧ - تحفة ٥٩٧٧
واعلم: أنّ هذه الترجمة أيضًا من التراجم المشكلة عندي، والجملةُ الأخيرةُ مرفوعٌ أي إعرابًا، وإعرابُها حكائي عندي، لأنه قول عَطَاء بن أبي رَبَاح، ونقل نحوه عند ابن كثير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ أي بكفرٍ دون كفر. ولعل الحافظ رحمه الله تعالى لم يُدركه ولذا نسبه إلى عطاء، ولو أدركَهُ لنسبه إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنه، لأن عطاء تلميذ له، ولذا أظنُ أن عطاءَ لعله تعلَّمَه منه؛ فأصله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه فاعلمه. قال الحافظ (١): «دون» بمعنى أقرب، واختاره. وقيل: بمعنى غير، وجعله مرجوحًا.
стр. 114
قلت: والمختارُ عندي ما جعله الحافظ ﵀ مرجوحًا. ثم إن الحافظ ﵀ بنى شرحَهُ على شرح القاضي أبي بكر بن العربي، وحاصله راجعٌ إلى تحقيق الحافظ ابن تيمية ﵀. ومحصَّلُ تحقيقه: أن الإيمانَ لما كان مركبًا أمكن أن يوجدَ في المؤمن بعض أشياء الكفر، وفي الكافر بعض أشياء الإيمان، كالكِبْر فإنه من الكفر وقد يوجدُ في المسلم أيضًا، وكالحياء فإنه من الإيمان وقد يوجد في الكافر أيضًا فالإسلام عَرْضٌ عريضٌ، أعلاه: لا إله إلا الله وأدناه إماطة الأذى عن الطريق، وبينهما مراتبٌ لا تحصى، وكذلك الكفر أيضًا عرضٌ عريض، فكما أن الإيمانَ المنجي ما هو في المرتبةِ الأخيرة، كذلك الكفرُ المهلك أيضًا ما كان في تلك المرتبة. وبين أعلى الكفر، وأدناه مراتبُ لا تحصى. وعلى هذا فالكفرُ اسم للجحودِ والفسوق.
وأقرب نظائِرِه كالصحة والمرض، فيوجدُ في الصحيح بعض أشياء المرض، وفي المريض بعضُ أشياء الصحة، ولكن هذا التقرير يناسبُ وظيفة المُحدِّث، والمفسر، أما على طريقِ الفقيهِ والمتكلم، فإنهم لا يبحثون إلا عن النجاة وهي المرتبة الأخيرة، فلا يجتمعُ الإيمان مع الكفر عندهم أصلًا. قلت: كما أن المحدثين والمتكلمين اختلفوا في الحالةِ المتوسطة بين الإيمان والكفر، فأثبتها الأولون، ونفاها الآخرون، كذلك اختلف الأطباء في الصحة والمرض فذهب جالينوس إلى أن هناك ثلاثة أحوال: الصحيح فقط، والمريض فقط، والذي بينهما، وأنكره ابن سينا وثنَّى القِسْمة، فالأعمى عند جالينوس ليس بصحيحٍ من حيث فقدان حاسة البصر، ولا مريضٍ من حيث صحة بقية الأعضاء، وعند ابن سينا هو مريض.
ومن هذا التحقيق انحل كثيرٌ من الأحاديث التي أُطلق فيها لفظ الكفر على الكبائر، واستغنى عن التأويلات، كقوله ﷺ «من ترك الصلاة فقد كفر».فأول فيه بعضهم أنه ليس حكمًا بالكفر، بل معناه أنه قُرْبُ الكفر. قلت: وليس بشيء، لأن الحديث يصفه به في الحالة الراهنة، ويرميه بالكفرِ ولا ينظرُ إلى حالة أخرى، وقال قائل: معناه من ترك الصلاة مستحِلًا، وهو أيضًا من هذا القبيلَ؛ لأنه لا يختص بالصلاة فإنه يكفر باستحلال كل حرام قطعي، وقال آخر: معناه أنه فَعَل فِعْل الكفر، وهذا نافذ، والرابع ما أراده الحافظ ابن تيمية ﵀ أي فقد كفرَ بكفرٍ دون كفر، فلم يُكْفِرْه بكفر يوجب الخلود، بل بكفرٍ سُلِبَ عنه حُسْنُ الإسلام، وشأنَه بوصمة الكفر، وهذا أحسن من الكل.
ومقتضى هذا التحقيق جوازُ إطلاق الكافر على العاصي، لقيام مبدأ الكفر به والأعجب إليَّ: أن يحجزَ عنه إطلاق الكفر وإن صح ظاهرًا، فإن فيه مفاسد لا تخفى. وقد سمعت أن نظرَ الحنفية لما كان مقتصرًا على المرتبة الأخيرة - وهي التي تليق بوظيفتهم - لم يختاروا ذلك التحقيق كما مر مفصَّلًا.
إذا سمعت هذا فاعلم أن الحافظ ﵀ جعل حاصلَ هذه الترجمة والترجمة الأخرى باب «ظلم دون ظلم» واحدًا، وقال: إن المصنف ﵀ لما أقام المراتب في الإسلام لزمَ منه أن يُقيم المراتب في الكفر أيضًا، وجعل «دون» بمعنى أقرب، ليكون أسهل في الإشارة في
стр. 115
إقامة المراتب، فالكفر على هذا نوعٌ واحدٌ، تحته مراتب، بعضها أخف من بعض.
أقول: إن هذه الترجمة لا تبتنى على تحقيق الحافظ ابن تيمية ﵀ وإن كان تحقيقه جيدًا، ولكن المصنف ﵀ فيما أرى لم يُشر إليه، وكذلك «دون» في ترجمته بمعنى غير، على خلاف ما فهمه الحافظ ﵀، والوجه عندي أن المصنف ﵀ استعمل هذا اللفظ في مواضع عديدة ومعناه هناك «غير» قطعًا، منها «باب من خص قومًا دون قوم بالعلم» أي سوّى قوم، وكذا أشار إليه الحديث أيضًا فإنه جعل الكفرَ نوعين، فالأول كفر بالله، والثاني كفران بالعشير، فجعله متغايرًا بالمتعلَّقاتِ ولم يقم فيه المراتب كما تقول: تَصَورٌ فقط، وتصور معه حكم، فهذان نوعان للعلم، كذلك الكفر أيضًا نوعان: كفرٌ بالله، وكفران بالعشير، فهو كفرٌ غير كفر، كمغايرة النوع بالنوع.
ويمشي على هذا التقدير تقرير القاضي أيضًا، لأن كونَ كفر مغايرًا لكفرٍ آخر لا ينافي إقامةُ المراتب، بل هذا أولى مما قالوه، فإن الكفر إنْ جعلناه نوعًا واحدًا كما قالوه يلزمُ إثباتُ الأحكام المختلفة لأفراد نوعٍ واحد، وهو مستبعد بخلاف ما إذا جعلناه أنواعًا وغايرنا في أحكام الأنواع، فنوع منه موجبٌ للخلود، ونوع آخر للفسوق، كان على طريقٍ معروف ولم يكن فيه بعد، فلما كان تقريرهُ يمشي على هذا التقدير مع ملاءمته بكلام المصنف رحمه الله تعالى في مواضعَ أخرى، وإيماء الحديث إليه فالحمل إليه أولى، وينجلي الأمر مما في قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨] لأنهم اتفقوا أن «دون» فيها ليست بمعنى أقرب، بل بمعنى غير، فلذا جزمت أن «دون» ههنا بمعنى غير لا بمعنى أقرب، كما شرحوا به، فالمصنف رحمه الله تعالى عندي ليس بصدد بيان تقارب الكفر بالكفر، ولا بشرح الأحاديث التي أُطلق فيها الكفر على المعصية، كما ذهب إليه القاضي بل بصدد بيان التنوع فيه، وتؤيده نُسخة أخرى نقلها الشيخ العيني رحمه الله تعالى: وكفر بعد (١) كفر. وقد كان يخطرُ ببالي أن طريقَ المصنف رحمه الله تعالى جمعُ الآيات المناسبة في ترجمة الباب وههنا لم يتعرض المصنف رحمه الله تعالى إلى قوله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٩٧] مع كونها صريحة في هذا المراد، ثم تبين لي أن المصنف رحمه الله تعالى إنما يريد مراتب الكفر التحتانية، وهذه تدل على الفوقانية وهي الكفر المهلك، ولما كان بين الكفرِ والكفرانِ اشتقاقًا، لم يبال باختلاف الألفاظ واستدل به على مراده، وهذا تقرير على مذاقهم.
وأما ما سنح لي فأقول: إن المصنف رحمه الله تعالى لو كان أراد إجراء التوجيه المذكور في الأحاديث، لأخرج تحت هذا الباب حديثًا من الأحاديث التي أطلقَ فيها الكفرُ على
стр. 116
المعاصي، أو الكافر على العاصي، ليتوجه ذهنُ الناظر إلى أن هذه الترجمة شرح لمثل هذه الأحاديث، ولكنه لم يشرْ إليه في مقام ولم يخرجْ تحته حديثًا كما وصفنا، بل ذكر أن كفرًا يباينُ كفرًا آخر، ولم يجعل الكفر شيئًا واحدًا وعرضًا عريضًا. فإن قلت: إنه قد أخرج حديثَ كُفْران العشير قلت: الكفران ههنا بالمعنى اللغوي (حق ناشناسى) وهو قد يطلق على أمر لا يكون معصيةً أيضًا، ولو كان أراد الإشارة إليه، فلا أقل من أن يُخرِّج تحته قوله ﷺ «وقتاله كفر» ولكنه لم يخرج مثل هذه الأحاديث في باب من أبواب الإيمان، ولم يشر إلى: تأويلها في موضع من المواضع.
فإن قلت: إن الحديث قتاله كفر وقد أخرجه في الباب الآتي. قلت: لكنه لم يبوب عليه بكفر دون كفر بل بوب بباب آخر ولم يستفد منه هذا المعنى. والحاصل أنه إذا بوّب بترجمة أمكنت أن تكون إشارةً إلى تحقيق الحافظ ابن تيمية لم يُخرج تحتها حديثًا، أطلق فيه الكفر على المعصية، لتكون إشارة إلى شرحها، وإن أخرجَ حديثًا كذلك لم يترجم عليها بترجمة تكون مُشْعِرة بشرحها، ولو كان أراد التحقيق المذكور لجمع بينهما. ولما حجر في الباب الآتي عن إطلاق الكفر على العاصي إلا بالشرك، وقال: «ويكفر صاحبها» مكان ولا يكفر، وأيضًا لوجب عليه أن يقيدَ قوله: «ولا يكفر صاحبها» بقيد ما، كالكفر بالله ليتم مراده، ولا أخالُ عبارة المصنف رحمه الله تعالى تكون ناقصةً في مثل هذا الموضع، وأيضًا لما ذكر التحذيرَ من الإصرار على التقاتل في باب خوف المؤمن أن يحبط عمله، وخشية أصحابه ﷺ على أنفسهم النفاق، لأن حاصل هذه الترجمة أنه ليس بكافر في الحال، ولكنه يُخشى عليه سوء الخاتمة، أعاذنا الله منه وأماتنا على الملة البيضاء المحمدية على صاحبها الصلاة وألف ألف تحية.
فهناك تحذيرٌ من الكفر بكفرٍ يُوجب الخروجَ عن الملة، لا حكمٌ بالكفر بكفر دون كفر في الحالة الراهنة، كما سيأتي، وهذا يخالفُ تحقيق الحافظ ابن تيمية فإنه يُجوِّز إطلاقَ الكفر في الحال بكفر دون كفر، فينبغي أن يُلاحظَ في شرح هذا الباب هذان البابان أيضًا، فإن لهما تعلقًا بهذا الباب، وقد علمت: أن الترجمة التالية: ولا يكفر صاحبها يُشعر بعدم اختياره هذا التحقيق، وكذا فيما بعده يدل على التحذير من الكفر المُخْرِجِ عن الملة، وليس فيه تَعرّضًا إلى كفر دون كفر، مع عدم الإشارة إلى هذا التوجيه في باب من أبوابه، فلا يصح عندي إدخال هذا التحقيق في شرح تراجمه.
ولعل المصنف رحمه الله تعالى إنما ترجم بكفر دون كفر نظرًا إلى خصوصِ ألفاظِ هذا الحديث، ولما كان في الحديث الفعل الواحد مضافًا إلى الله والعشير، صار الكفر مختلفًا، وبوب بكفر دون كفر، ولم يرد التأويلُ في مثل تلك الأحاديث، ومثله يفعلُ المصنف رحمه الله تعالى في أبوابه ويضع التراجم نظرًا إلى خصوص الألفاظ أيضًا، والمصنف رحمه الله تعالى لعلو كعبه، ورفعة محله لا يزيد لأجلنا حرفًا، ويتكلم على قدر علمه فيُوجب تحيرًا للمحققين واعتراضًا للقاصرين، ولم يؤد أحدٌ حق تراجمه إلى يومنا هذا، فهي كالأحاجي بعد، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا.
стр. 117
٢٩ - قوله: (رأيت النار) وفي الحديث الآخر: «إن لكل رجل من أهل الجنة امرأتان» فدل على كثرتهن في الجنة، وقد عجز الحافظ عن جوابه. والجوابُ عندي: أن هاتين من الحور العين كما في البخاري عن أبي هريرة: لكل امرىء زوجتان من الحور العين، وأيضًا الأكثرية عند مشاهدته إذ ذاك، ولا تنسحب على مجموع الزمان، والوجه كثرة الغِيبة واللعن فيهن، وكن النِّساء إذ ذاك حديث عهد بالجاهلية، وكثرة الغِيبة واللعن فيهن أمرٌ معلوم، فرآهنَّ أكثر أهل النار، ولهذا لا يلزمُ من ذلك كثرتهن بعد ما أدبهن أدب الإسلام؛ فإنهن يكن أرق قلوبًا يتأثرن بالسرعة، فكما كن في الجاهلية أكثر لعنًا، صرن في الإسلام أبعد عنه، والله تعالى أعلم. والحافظ رحمه الله تعالى لما ذهل عن هذا اللفظ تحير في الجواب، ولم يأت بما يميز القِشر عن اللباب.
٢٢ - باب الْمَعَاصِى مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَا يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا إِلَاّ بِالشِّرْكِ
لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ «إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ». وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
٣٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ وَاصِلٍ الأَحْدَبِ عَنِ الْمَعْرُورِ قَالَ لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ إِنِّى سَابَبْتُ رَجُلًا، فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِىَ النَّبِىُّ ﷺ «يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ». طرفاه ٢٥٤٥، ٦٠٥٠ - تحفة ١١٩٨٠
٢٣ - باب ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] فَسَمَّاهُمُ الْمُؤْمِنِينَ
٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَيُونُسُ عَنِ الْحَسَنِ عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِى أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُ قُلْتُ أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ. قَالَ ارْجِعْ فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِى النَّارِ». فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ قَالَ «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ». طرفاه ٦٨٧٥، ٧٠٨٣ - تحفة ١١٦٥٥ - ١٥/ ١
والمراد من المعاصي هي الكبائر، أما الصغائر فأمرها هينٌ برحمة الله، فإن الحسناتِ يذهبن السيئات. ﴿ولا يكفر صاحبها﴾ أي عند الجمهور فإنهم قالوا: إن مرتكب الكبيرة ليس
стр. 118
بكافر ما دام يكون جازمًا بالشهادتين، ومقرًا بهما، خلافًا للمعتزلة، فإنهم قالوا: بالمنزلة بين المنزلتين.
أقول: قوله: «ولا يكفر صاحبها» على تقدير تحقيقه «كفر دون كفر» مُشْكِل؛ فإن موجبه أن يجوزَ إطلاقُ الكفر ولا يتأخر عنه. والجواب عندي: على تقدير التسليم أن مراده الإيذانُ بعدم إكفار صاحب المعصية من جانبه، والاقتصارُ به على المواضع التي ورد بها الشرع. فأينما حكم القرآنُ والحديثُ على أمر بكونه كفرًا جَاز لك إطلاق الكفرِ عليه على طريق: كفر دون كفر، وإلا فلا يُسوَّغُ لك إِطلاق الكفر عليه. وهذا كَحَذْر الشريعة عن اللّعْن، فلا يُسوَّغ لأحدٍ أن يلعن أحدًا من عند نفسه.
ووجه الإشارة أنه جاء بلفظ المضارع، فمعناه لا يكفر في المستقبل. أما الإطلاقُ الذي مضى من جانب الشرع، فهو ماض، والمنع في المستقبل مخافةَ شيوعه في المحل وغير المحل. وعندي شرحٌ آخر أيضًا: وهو أنه لا يكفر صاحبها، لأن المبتادر من إطلاق الكفر، هو كفر الخلود، فيمنع عن إطلاقِهِ دفعًا لهذا التوهم. وله شرحٌ ثالث أيضًا: وهو يُبنى على ما أخرجه الهيثمي في «الزوائد» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه عدّ عِدَّة أشياء ثم قال: ويقال بتركه: به كفر، ولا يقال: إنه كافر، ونحوه رأيت عن علي رضي الله تعالى عنه، ولكن في إسناده راوٍ كذاب. وعن الدارمي (١) أيضًا مثله حيث قال: يقال: به كفر، ولا يقال: إنه كافر.
قلت: إنه لا يُسمَّى كافرًا لأن إطلاقَ اسم الفاعل على من صَدَرَ عنه الفعل مرةً ولم يتكرر، ليس بلطيف في العُرْف، وإن جاز عقلًا. نعم إذا تكرر وصار صفةً له لَطُف إطلاقه. ولذا يقال: إن الفعلَ للواقعة، فمن ضرب مرة يقال: إنه ضرب ولا يقال: فلان ضارب، وفلان سارق وفلان زانٍ، إذا لم يتكرر منه ذلك الفعل. فإن قلت: إن القرآن لم يقل بن كفرٌ بل أطلقَ لفظ الكافر في قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] قلت: هذا إطلاق على الطائفة لا على الشخص، وكلامنا في الشخص دون الطائفة، فإنه يجوز أن يقال: لعنةُ الله على الكاذبين، بخلاف لعنة الله عليك، وإن كان كاذبًا.
ويمكن أن يكونَ المصنفُ رحمه الله تعالى أراد منه بيانَ المسألة فقط. بأنه لا يكفر العاصي، ولم يكن أراد شرحَ الأحاديث التي وَرَدَ فيها إطلاق الكفر على المعاصي، وتأويلها بكفر دون كفر. ويحتمل أن يكونَ أراد من قوله: كفر دون كفر، إفادة التشكيك فيه، وأراد من
стр. 119
المعاصي غير ما أطلق عليه الكفر. والمقصودُ أن ما أطلق عليه الكفرُ في الشرع فقد اندرج في باب كِفر دون كفر. وأما المعاصي من غير هذا النوع فلا يُطلق عليه الكفر، ولا يكفر صاحبها لهذا النوع. ولذا أخرج تحت هذا الباب حديث: «إنك امرؤ فيك جاهلية»، ولم يُخرج نحو: «قتاله كفر». وأخرج في الباب الأول حديث: كُفران العشير، لمجيء إطلاق الكفر فيه. فيقال في أمثال تلك المعاصي: فيك جاهلية، ولا يقال: فيك كفر. ومن ارتكب القتل والعياذ بالله يقال له: به كفر، هذا كلُّه على ما شرحوا به.
وأما الغرضُ منه على ما قررتُ مرادَه، فالصدع بعدم إطلاق الكفر على المعصية، والتصريح بأنه لم يرد من الباب السابق أن الكفر عرض عريض ولو كان ذهبَ إليه لجوَّز ذلك الإطلاق، فكأنه احتراسٌ منه، وتصريح بعدم إطلاق الكفر من ارتكاب المعصية، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ وهذه الآية نصٌ لأهل السنة والجماعة. وتأوَّل فيها الزَّمخشري. والشرك أخصُّ من الكفر، لأنه الكفرُ مع عبادة الغير، فهو أغلظُ أنواعه. فإنكار الرسالة كفرٌ وليس بشركٍ. وإنما ذكرَ فيها الشركَ خاصة والله أعلم، لأن أكثرهم كانوا يشركون في العبادة فوردت الآية ناعية عليهم. وإنما المراد الكفر مطلقًا (١). ثم استشهد المصنف رحمه الله تعالى من آية أخرى وفيها أيضًا إطلاقُ المؤمن على العاصي، لأن الاقتتال معصية، غير أنه يُوجبُ أن يكونَ اقتتالهم المذكور في الآية كبيرةً، ليثبت إطلاق الكفر عليها، حتى يلزم صحة إطلاق المؤمن على من فيه كفر دون كفر.
قلت: إنما أراد المصنف رحمه الله تعالى في هذا الباب إطلاق المؤمن على من فيه جاهلية، ولا ريب في كون الاقتتال من أمور الجاهلية. وحينئذٍ لا حاجة إلى جعل هذا الاقتتال كبيرة.
стр. 120
٣٠ - قوله: (وعليه حلة) وفيه مسامحة من الراوي، لأن الحُلة اسم للثوبين من جنس، ولم يكن عليه ثوبان من جنس، لما عند المصنف رحمه الله تعالى في «الأدب» بلفظ: «رأيت عليه بُرْدًا» وعلى غلامه بُرْدًا. فقلت: لو أخذتَ هذا فلبستَه كانت حُلة ولأبي داود: فقال القوم: يا أبا ذر لو أخذت الذي على غُلامك فجعلته مع الذي عليك لكانت حُلة. ثم أجابه أبو ذرٍ بحكاية القصة التي كانت سببًا لذلك. ولفظُ الحديث وإن اقتضى المواساة دون المساواة، لكنه حَمَلَه على المساواة تشديدًا على نفسه. وههنا دقيقة أخرى سنذكرها إن شاء الله تعالى في موضع آخر.
(ساببت رجلًا) والرجل هو عَمَّار بن ياسر رضي الله تعالى عنه كان يطعن فيه أن أمه سُمية أمة. والحق أنها لم تكن أمة، بل اتُّخذت أمةً بالقهر. وفي «الفتح» أنه بلال.
واعلم أنه قال أرباب التصانيف: إن سبَّ الصحابة ﵃ فسقٌ. وقال بعضهم: إن سبَّ الشيخين كفر، والمحققُ أن سبَّ الصحابة ﵃ كلِّهم أو أكثرهم كفرٌ. وسبَّ صحابي واحد أو اثنين فسق، وسب أحدهما الآخر ليس بكفر، فإنه يكون لداعية، لا لمجردِ تبريدِ الغيظِ. بخلاف سبِّ من بعدهم إياهم، فإنه ليس بسبب صحيح، بل لمجرد تبريد الغيظ. قد فإنهم انقطعوا عن الدنيا، ولم يبق لهم معاملة مع الناس، فلا يقعُ مَنْ يقعُ فيهم إلا لأجل الغيظ منهم، ثم إنهم اختلفوا في إكفار الروافض، ولم يكفرهم ابن عابدين ﵁. وأكفرهم الشاه عبد العزيز رحمه الله تعالى، وقال: إن من لم يكفرهم لم يدر عقائدهم. ثم فصل في المسألة وبه أفتى، والله أعلم.
٣١ - قوله: (لأنصر هذا الرجل) وهو عليٌّ ﵁.
قوله: (القاتل والمقتول في النار) ومع هذا أقول: يمكن أن يكون بينهما فرقًا من جهة مباشرة القتل من جانب، وعدم المباشرة من جانب آخر، وإن كانا في النار. وعَرْضُ هذا الحديثَ في واقعة علي ﵁، ومعاوية ﵁ في غير محلهخ فإنَّ الحديث فيمن قاتل على الظلم والجَور. وأما عليٌ ﵁ فكان على الحق، وأما معاوية ﵁ فكان أيضًا على الحق عنده. ولذا كان أكثر الصحابة ﵃ مع علي ﵁، ولا أعلمُ أحدًا من الأنصار تخلّف عنه. غير أن المهاجرين اختلفوا، فتردد بعضهم، وسكت بعضهم، كابن عمر ﵁، ودخل بعضهم مع معاوية ﵁.
ثم إن العقلَ يكادُ يعجز عن إدراك مما كان في صدورهم من تقوى الله، حيث كان علي ﵁ يقول في ابن عمر ﵁: لله دره، وكان ابن عمر ﵁ حين وفاته يبكي على تأخرِه عنه، لما تبين له الحق، ولا ينقل عنهما أن يكونَ أحدهُما طعن على الآخر. ولو كان الأمر كما هو الآن لصارا عدوين يغتابُ أحدهما الآخر ويقع فيه والعياذ بالله ثم هذا لا يناقض قوله «السيف محاء للذنوب» وهو أيضًا حديث قوي. لأن موردَه فيما لم يُرِدْ المقتولُ قتلَ صاحبه، بخلاف هذا الحديث. وإذا صح أن السيفَ محاءٌ، أي يمحو الذنوب، ظهر شرح آخر لقوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [المائدة: ٢٩] وهو أن المراد من قوله: «أن تبوء بإثمي» مَحْوُه عنه من أجل سيفه.
стр. 121
وحاصله: إني أرضى أن تكون من أصحاب النار بإثمك، وينمحي إثمي من سيفك، لأن السيف محاء. فكأنه إذًا انمحى عنه إثمه من سيفه، ومن فعله، فكأنه باء به ورجع بإثمه، وذهب به معه. لا بمعنى أنه طُرِحَ عليه ليخالف قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] فالقاتلُ حملَ وزرَ نفسِه، ولكنه محى عن المقتول ذنوبَه أيضًا، فكأنه ذهب بذنوبه معه، وإن لم يحملها على نفسه.
والحاصل: أن قوله تعالى: ﴿أَن تَبُوء بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ﴾ إنما هو بطريق محو الإثم عن المقتول، لا بحملِهِ على نفسه. وإنما ذكر هكذا في التعبير تهويلًا، والمراد ما قلنا، والقرينة عليه ما بينا أعني حديث المحو. وقد مر بعض الكلام في حديث هِرَقْل تحت قوله: «وعليك إثم اليريسين»، وقد شرحت هناك أن المراد منه: إثم إهلاك اليريسين عليك، أما إثم كفرِهم فعليهم.
٢٤ - باب ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ
٣٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ح. قَالَ وَحَدَّثَنِى بِشْرٌ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ لَمَّا نَزَلَتِ (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ). أطرافه ٣٣٦٠، ٣٤٢٨، ٣٤٢٩، ٤٦٢٩، ٤٧٧٦، ٦٩١٨، ٦٩٣٧ - تحفة ٩٤٢٠
والكلام فيه كالكلام في الترجمة السابقة، أي كفرٌ دون كفر. فقال الشارحون: معناه إن في الظلم أيضًا مراتب كالكفر، فدون عندهم بمعنى أقرب. وأقول: معناه إن ظلمًا مغايرٌ لظلم، فدون عندي بمعنى «غير». وهذا حديث مرفوع في الخارج. ومن عادة المصنف رحمه الله تعالى أنَّ الحديثَ إذا لم يكنْ على شرطه ويكون مثبتًا لمقصودِهِ يضعه في الترجمة.
قوله: (فأنزل الله: ﴿إِنَّ الشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]) ظاهر هذه الرواية أن نزولها على السؤال المذكور ههنا. وفي رواية أخرى في جواب قولهم: «أيّنا لم يَظْلِم» ألا تسمعون إلى قول لقمان: ﴿إِنَّ الشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. وظاهره أن تلك الآية قد كانت نزلت من قبل، وكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يعلمونها. قال الحافظ رحمه الله تعالى في جوابه: إن الآية نزلت في هذه القصة ثم استشهدَ بها النبي ﷺ أيضًا وبه تلتئم الروايتان. ثم إنهم اختلفوا في محصَّل السؤال والجواب: فقال الخطَّابي رحمه الله تعالى: كان الشركُ عند الصحابة أكبرَ من أن يلقَّبَ بالظلم، فحملوا الظلمَ على ما عداه من المعاصي. ولذا قالوا: أَيُّنا لم يَظْلم، وبيَّن لهم رسول الله ﷺ أنه عامٌّ للكفر وغيره من المعاصي، وإن كان المرادُ منه ههنا كُفْرَ الخلود فقط.
وقال الحافظ رحمه الله تعالى: بل إنهم حملوا الظلم على الأعم من الشرك، فما دونه، وخصصه النبي ﷺ بالشرك. فحاصلُ جواب النبي ﷺ على شرح الخطَّابي تعميمُ الظلم على كُفْر
стр. 122
الخلود وغيره، وعلى شرح الحافظ تخصيصهُ به، أي أنكم زعمتم أنه عامٌّ للكفر والمعاصي مع أنه خاص بالظلم الذي ليس بعده ظلم.
أقول: ومنشأ شرح الحافظ رحمه الله تعالى ترجمة المصنف رحمه الله تعالى، فإنه عمم الظلْمَ، وجعله ظلمًا دون ظلم، ليمكن إطلاقه على الكفر والمعاصي سواءٌ بسواء، وتقام فيه المراتب. فحمل الحافظ ﵀ الحديث أيضًا على العموم، ليكون ألصق بالترجمة. وعندي ما اختاره الخطَّابي رحمه الله تعالى أظهر، لأنه يُبنى على حمل كلامهم على ما هو المعروفُ بينهم، بخلاف شرح الحافظ رحمه الله تعالى، وذلك لأن المعروفَ في معنى الشرك والكفر عندهم، كان هو لفظَ الكفر والشرك، بخلاف الظلم، فإنه لم يكن عندهم معروفًا في الشرك والكفر، بل في سائر المعاصي. فعلى هذا حَمْلُ الظلم على ما وراء الكفر حَمْلٌ على ما كان المعروف المتعارف عندهم. ويلزم على شرح الحافظ حملُهُ على غير المتعارف عندهم، فإن الظلمَ لم يكن عندهم معروفًا في الكفر، فهو حَمْلٌ على غير المتعارف.
أما مناسبتُهُ للترجمةِ، فبأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم لما فَهِمُوا من الظلم غيرَ الشرك، وأطلق النبي ﷺ الظلمَ على الشرك أيضًا، ثبت إطلاق الظلم على كفر الخلود وغيره، وثبت منه ترجمة ظلم دون ظلم على هذا التقدير أيضًا. فإن قلتَ: إذا كان الظلمُ مشهورًا عندهم فيما وراء الكفر، والمشهورُ في الشرك والكفر كان لفظًا هما دون الظلم، فمن أين أراد النبي ﷺ منه الشرك؟ قلت: إذا كان الله هو المتكلمَ، والرسولُ هو الشارع، فلا سؤال، ولا جواب. وقال قائل: إنه أخذ التنوين للتعظيم، والظلمُ العظيم هو الشِّرك، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. وقال آخر: إن اللبس يقتضي اتحاد المحل، فإن الشيءَ لا يختلطُ مع شيء آخر عند تغايرِ المحل. ولما كان محلُ الإيمان هو القلب، فلا يختلطُ معه غير الكفر، لأن ما وراءَه من الأفعال محلها الجوارح دون القلب، فلا لبس معها.
وحينئذٍ لو كان المرادُ من الظلم غيرَ الكفر من المعاصي، لما صح قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ﴾ [الأنعام: ٨٢]. فإن قلت: إن الإيمانَ والكفرَ ضدان، فكيف يتحد محلهما، فلا يحصل اللبس. وأجاب عنه شيخنا الشيخ محمود حسن ﵀: أن الكفرَ وإن لم يختلط مع الإيمان حقيقة، إلا أنه يمكن أن يلتبسَ معه في القلب، والالتباس غير الاختلاط، لأن في الاختلاط يكونُ الجمعُ حقيقة، وفي الالتباس لا يكونُ الجمعُ حقيقة، بل توهم الجمع شهبة (١). ثم رأيت في كلام السُّبْكِي: أن تفسير النبي ﷺ بالشرك مأخوذ من قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُواْ﴾ كما مرَّ عن شيخنا.
стр. 123
وعندي يمكن أن تكون هذه الترجمة مأخوذةً من مجموع قوله تعالى: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ [النور: ٤٠]، والحديث النبوي: «الظلم ظلمات يوم القيامة»، حيث جعلَ الظلمَ في الدنيا ظلمات يوم القيامة، والظلمات تفوق بعضها على بعض، فثبت ظلمٌ دون ظلم. فالمصنف ﵀ لعله نظر إلى هذه وترجم بظلم دون ظلم، أما الاختلاط واللَّبس، فإنه وإن احتاج إلى اتحادِ المحل، لكنه يكفي له اتحاد الشخص أيضًا. وعلى هذا يصح اختلاط الإِيمان مع المعاصي، مع كونها على الجوارح، والإيمان في القلب. فإن محلَّهما هو ذلك الرجل بعينه، وهو واحد، وإيجادُ تغاير المحل في الشخص الواحد بأنه القلب للإيمان والجوارح، للمعاصي، نظر منطقي، وهو بمعزلٍ عن نظرِ أهل العُرف.
ثم اعلم أنه يُعلم من سياق البخاري: «أن قوله: ﴿إِنَّ الشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ نزل بعد قوله: ﴿الَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَنَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ... إلخ، مع أن الأمر على العكس. والجواب: أنه أراد بتلاوته دفعَ الاستبعاد، وتفريجَ همهم، وعبَّره الراوي بالنزول كما تلا أبو بكر رضي الله تعالى عنه قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَاّ رَسُولٌ﴾ ... إلخ (آل عمران: ١٤٤) في خطبة بعد وفاته ﷺ تسليًا لهم ودفعًا لاستبعادهم، فقال قائل منهم: كأنها نزلت الآن، وانكشف عنهم ما رابهم، فهذا توسّع في البيان لا غيرُ.
٢٥ - باب عَلَامَةِ الْمُنَافِقِ
لما قدَّم تفاوت المراتب في الكفر عَقِّبَه، بكون النفاق أيضًا كذلك. ولا إشكال فيه على تحقيق الحافظ ابن تيمية ﵀، فإنه يمكن أن توجدَ في المؤمن خصائلُ النفاق، بل خصائل الكفر. نعم يشكلُ على الجمهور، فإن هذه الأشياء إذا كانت علامات على النفاق أوجب وجودها سلب اسم الإيمان عمن تحققت فيهم. فأجاب عنه بعضهم بأنها كانت علامات للمنافقين في عهده ﷺ خاصّة.
وأقول: العلامة غير العلة، فهذه علامات وأمارات للنفاق، وهي تتقدم على وجود الشيء، فيكون النفاقُ سابقًا عليها، وتلك علامات عليه. فمن تحققت فيه هذه، لا يحكم عليه بالنفاق، لأن تحققَ العلامة لا يستلزمُ تحقق المعلَّم عليه، بل يقال: فيه خَصلةٌ من النفاق. ولأن قيامَ المبدأ لا يوجبُ إطلاقَ المشتقِ عند الأدباء، ما لم يعتاد به حتى يصير له كالعَلَم كما مر.
وبعضهم قَسم النفاق: إلى عملي واعتقادي كما فعله البيضاوي في «شرح مصابيح السنة». قلتُ: دعه، فإن النفاق أمرٌ واحدٌ، وهو العمل بخلافِ الاعتقاد، أو الاعتقادُ بخلاف العمل. أما الأول فكالمنافقين (١) في زمنه ﷺ ، فإنهم كانوا يعملون أعمال المسلمين، مع أن باطنَهم كان
стр. 124
مملوءًا ظلمةً وكفرًا. وأما الثاني فكما ترى اليوم كثيرًا من المسلمين، والمعصومُ مَنْ عَصَمَهُ الله.
٣٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِى عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ». أطرافه ٢٦٨٢، ٢٧٤٩، ٦٠٩٥ - تحفة ١٤٣٤١
٣٣ - ثم إن قوله: (إذا حدث كذب) يتحقق فيما قال، أو فعل شيئًا في الماضي، فحكى عنه بخلافه.
وقوله: (إذا وعد أخلف) يكون في المستقبل. وفيه أن الإخلافَ نوعٌ آخر غيرُ الكذبِ، وإن كان أهل العرف يعدُّونهما واحدًا، وإنما كانت هذه علامة على النفاق، لأن الظاهرَ من حالِ المؤمن أن يخبرَ عن الواقع كما هو في نفس الأمر، وهكذا الأليقُ بحاله أن يوفِّى بما وعد، ويظهرَ الحق عند الخصومة، لكنه خالف الظاهر، فإذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا خاصم فجر ولم يظهر الحق، فكان كذي الوجهين باطُنه غير ظاهره، فصلحت تلك الصفات، لكونها علائمَ على النفاق.
والفرق بين الوعد والعهد: أن الوعد يكون من طرف، والعهد من طرفين، وفي خلف الوعد عندنا، قولان: الأول: أنه مكروهٌ كراهةً تحريم، والثاني: كراهة تنزيه. هكذا نقله النووي رحمه الله تعالى. قلت: بل الأمر عندي أن يُقسَّم على الأحوال (١): فإن أرادَ الإِخلافَ عند الوَعْد كُرِه تحريمًا، وإن أراد الإنجاز ثُم مَنَعه مانعٌ لا يكون مكروهًا. والعهد يقابله الغدر. والفجور معناه أن لا يتمالَكَ نفسَه عند الخصومة، وينزل إلى السِّباب "يعني ابني آبى مين نه رهى أوكالى كلوج براتر آوى".
قوله: (حتى يدعها) وإنما زادها لأنه إذا تركَ هذه الخصائل، حتى خرج عنها وخرجت عنه، لا يبقى عليه حكمُ النفاق، كما في تمثيل إيمان الزاني، أنه يصيرُ كالظُّلة حين يزني، فإذا فرغ منه رجع إليه.
تنبيه
٣٤ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا
стр. 125
خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ». تَابَعَهُ شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ. طرفاه ٢٤٥٩، ٣١٧٨ - تحفة ٨٩٣١
٣٤ - قوله: (من كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق) يدل صراحةً على تحقيق الحافظ ابن تيمية من أنه يوجد في المسلم أشياء الكفر.
٢٦ - باب قِيَامُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنَ الإِيمَانِ
٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». أطرافه ٣٧، ٣٨، ١٩٠١، ٢٠٠٨، ٢٠٠٩، ٢٠١٤ - تحفة ١٣٧٣٠
واعلم أني متردد في معنى القيام: أنه مأخوذٌ من القيام في الصلاة، أو أنه مقابلٌ للنوم فقط. وعلى الأول معنى قوله: ﴿من يقم﴾ أي من يصلي ليلة القدر فله كذا، وإِن كان مأخوذًا من الثاني فمعناه: من أحيا ليلة القدر فقط، سواء كان بالصلاة أو الأذكار، أو لم ينم، فله كذا كلفظ الوقوف في عرفات، فإنه لا يشترط فيها القيام وإن كان مستحبًا. وكذا أتردد في قوله تعالى: ﴿قُمِ الَّيْلَ إِلَاّ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢] إن المأمور به هو القيام للصلاة، أو إحياء الليل، واختار المفسرون أنه القيام إلى الصلاة، فإن كان الأمرُ كما قال المفسرون، فالمقصود من الأمرِ بالقيام هو الصلاة، ويكون المقصود منه القراءة كما يستفاد من قوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤] وإن كان المراد به مطلق القيام، فالمقصودُ هو القرآن، سواء كان في ضمن الصلاة أو غيرها، ومن ههنا أترددُ في النَّسخ أيضًا، أنه في القيام فقط، والقرآن باق إلى الآن، أو في تطويلِهِ مع بقاءِ نفس القيام، والمقصود هو قراءة القرآن في ضمن الصلاة.
فائدةٌ مهِمَّةٌ في معنى الاحْتِسَاب
قوله: (إيمانًا واحتسابًا) واعلم أن الاحتساب كثيرًا ما يُستعمل في الأحاديث. فاعلم أن اشتراطَ الإيمانِ ظاهرٌ، فإنه لا عبرة بالعبادات بدون الإيمان. أما الاحتساب فهو مرتبة علم العلم واستحضار النية، وعدم الذهولِ عنها واستشعار القلب بها. فإنا وجدناه بعد التتبع مذكورًا في مواضع، أما في مواضع الذهول، إذا يذهل عنها ذاهل، فيوجه الشارع هناك إلى الاحتساب كما في المصائب السماوية، فإنه لا أحدَ يرجو فيها الثواب، لعدم دخله واختياره فيها، فهذا محل التنبيه ليحصل له الأجر، ولذا قال النبي ﷺ لمن مات ولدها: «فلتصبر ولتحتسب» فإن الموتَ أمرٌ سماوي مضى عليها كما يمضي على سائر الناس، وربما يمكن أن أَن يتوجَّه الذهنُ فيه إلى أجر، فكان موضع ذُهول.
فنبَّه على أنه وإن كان أمرًا سماويًا، إلا أنه توفرَّ لها الأجرُ إن تصبر وتحتسب، أو في
стр. 126
مواضع المشقة، والمجاهدة، كقيام الليل فيذهل فيه عن النية أيضًا من جهة أخرى، لأن ما فيه مِن حَمْل المشاق وإتعاب النفس، ومقاساة الأحزان، يعدُّه المرء طاعةً بنفسه، ولا يرى فيه جهة غير تلك الجهة على نقائض المصائب السماوية، فإنه لا يرى فيها جهةَ الطاعة. فوجه الشارع ههنا أيضًا إلى توفير النية ليزداد أجرًا، أو في موضع يعدّه الرجل خفيفًا غير موجب لأجر، كما في الإنفاق على الأهل والمجيء من البُعْد للصلاة، فإن الأولَ واجبٌ عليه طبعًا وعرفًا، والثاني وسيلة. فالمرادُ منه توفير النيةِ، واستحضارُهَا، وإشعارُ القلب بها في تلك المواضع، فهو مرتبة عِلمِ العلم، دون العلم، وقد مر معنا أنه لا حاجةَ لإحراز مطلق الأجر إلى نية زائدة على ما تكون في الأَفعال الاختيارية، بل تكفي منها ما يكون قُبيل الأفعال الاختيارية.
نعم، لا بد من انتفاء النية الفاسدة، وبعده لا تجب عليه نية أخرى لتحصيل الثواب، وهذا الشرح أخذته من حديث «مسند أحمد»: «من هَمّ بحسنة كتب له عشر حسنات إذا أشعر به قلبه وحرص ... الخ». فهذا هو الاحتساب عندي أي إشعار القلب، وهو أمر زائدٌ على نفس النية، فالنيةُ وإن كانت كافية لإحراز الأجر إلا أن في الاحتساب معنى ليس فيها (١).
٢٦ - باب الْجِهَادُ مِنَ الإِيمَانِ
٣٦ - حَدَّثَنَا حَرَمِىُّ بْنُ حَفْصٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنَا عُمَارَةُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِى سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَاّ إِيمَانٌ بِى وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِى أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِى مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّى أُقْتَلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ». أطرافه ٢٧٨٧، ٢٧٩٧، ٢٩٧٢، ٣١٢٣، ٧٢٢٦، ٧٢٢٧، ٧٤٥٧، ٧٤٦٣ تحفة ١٤٩٠١، ١٤٩٠١ أ - ١٦/ ١
٣٦ - قوله: (إيمان بي وتصديق) ... إلخ. وهذا تنوينٌ في المُسند إليه، فلا تخلو عن فائدة، وإنما الخلاف في تنوين المسند، كما مر فتفيد التبعيض، وتدل على أن إيمانًا دون إيمان (وتصديق برسوله) إن كان بأو العاطفة، فالغرض أنه لا فرق بين الإيمان والتصديق ههنا، إلا باعتبار المتعلق، وهو الله في الإيمان، والرسول في التصديق، بخلاف ما إذا كان بالواو العاطفة، قال الشيخ الأشعري: إن التصديق كلام نفسي، وهو قوي أيضًا. لأن الشريعة جعلت غايةَ القتال قول: لا إله إلا الله، فقال ﷺ «أمرتُ أن أقاتلَ الناسِ حتى يقولوا: لا إله إلا الله»، فجعل قولَ تلك الكلمة إيمانًا، ومبدأ القول هو الكلام النفسي، والمرادُ منه قول النفس، فإذا قال النفس بتلك الكلمة تبعه اللسان، وأقر بها. وقد مر تفصيله من قبل.
стр. 127
(من أجر أو غنيمة) قيل: إن «أو» لا يناسب ههنا. فإنها للترديد بين الأمرين، ولا ترديد ههنا، فإن المجاهد لا يخلو عن الأجر بحال. قال القرطبي: إن الكلام في الأصل كان هكذا من أجر فقط، أو أجر وغنيمة، وكان فيه تكرار، فحذفَ الأجرُ من المعطوف، فصار من أجر أو غنيمة، والاختصار في مثل هذه الواضع شائع. لأن حصولَ الأجر معلومٌ، ومفروغ عنه، فصار ذكره حشوًا، فحذفه اعتمادًا على فَهْم السامع. ونظيره ما قرره الطحاوي رحمه الله تعالى في قوله ﷺ «إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف عن قومك»، فإن التقابل في الظاهر غير مستقيم، وسيجيء الكلام فيه في موضعه إن شاء الله تعالى.
أقول: والذي ظهر لي أنه يكفي لاستعمال «أو» العاطفة تغاير الحقيقتين فقط، وإن اجتمعا في الخارج، فلا يُشترط فيها المنافاة بحسبِ الخارج. وعلى هذا فاستعمال «أو» بين التابع والمتبوع لإفادة أن هذا أمرٌ وهذا أمرٌ آخر، كما في الحديث: «من أجر أو غنيمة»، فإن الغنيمة تابعة للأجر. ولما كان الأجرُ مغايرًا للغنيمةِ صح استعمال «أو»، وهكذا قلت في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] استدل به الزمخشري على أن الإيمان بدون الأعمال غير منج، وقال: تقديرُ الآية هكذا: لا تنفعُ نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو آمنت ولم تكسب في إيمانها خيرًا لتصح المعادلة. وهذا صريحٌ في أن الإيمان بدون كسب الخير غيرُ منج، وهو مذهب المعتزلة. وأجاب عنه ابن الحاجب في «أماليه» وأبو البقاء في «كلياته»، والشيخ ناصر الدين في «حاشية الكشاف»، وكذا الطيبي في «حاشية الكشاف»، وابن هشام في «المُغنى»، وكلامُ الطيبي أجودُ من الكل.
والذي عندي هو أن «أو» ليست لبيان التنافي بين المعادلين، بل جيء بها لإفادة أن الإيمان شيءٌ آخر والكسبَ شيءٌ آخر. وحاصل المعنى: نفي الكسبِ والإيمانِ جميعًا، أي لا تنفع إيمانُ نفس لم تكن آمنت ولم تكسب في إيمانها خيرًا. فانتفاءُ النجاة ليست لانتفاء الكسب مع وجود الإيمان، بل لانتفاءِ الإيمان وكسب الأعمال جميعًا، ولا نزاع فيه. فإن سمحت به قريحتُك بقَبوله فاقبله، وإلا فشأنك، وسنقررها بأبسط منه فيما سيأتي، فانتظره.
٢٨ - باب تَطَوُّعُ قِيَامِ رَمَضَانَ مِنَ الإِيمَانِ
٣٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». أطرافه ٣٥، ٣٨، ١٩٠١، ٢٠٠٨، ٢٠٠٩، ٢٠١٤ - تحفة ١ ٢٢٧٧
٢٩ - باب صَوْمُ رَمَضَانَ احْتِسَابًا مِنَ الإِيمَانِ
٣٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ،
стр. 128
عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». أطرافه ٣٥، ٣٧، ١٩٠١، ٢٠٠٨، ٢٠٠٩، ٢٠١٤ - تحفة ١٥ ٣٥٣
٣٠ - باب الدِّينُ يُسْرٌ
وَقَوْلُ النَّبِىِّ ﷺ «أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ».
يريد: أن الإيمانَ بعد كونه كاملًا بجميع أجزائه ينقسم: إلى العسر، واليسر، ومع هذا هو إيمان، فصار كالكلي المتكرر بالنوع.
(الحنيفية) واعلم أن القرآنَ جعل اليهودية، والنصرانية، مقابِلًا للحنيفيّة، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥]، فالقرآن يذمُ اليهودية، والنصرانية، ويمدح الحنيفية، ولا يُدرى وجهه، فإنهما أيضًا من الأديان السماوية، نعم، لو كانت المَذَمَّة على المتبعِين لما كان فيه إشكالًا، إلا أنها على هذه الأديان. فالوجه عندي: أن اليهوديةَ والنصرانية في الأصل ألقابٌ لأَتباعِ التوراةِ والإنجيل، ولما حرَّفُوهما وبدلوا كلام الله من بعد ما عَقَلُوه، واشتروا به ثمنًا قليلًا، وباؤا بغضب من الله، صارت اليهوديةُ والنصرانيةُ، ألقابًا لأتباعِ التوارةِ المحرفة، والإنجيل المحرَّف الذي في أيديهم، فذمه القرآن، وقابل بينهما وبين الحنيفيّة لهذا.
والحنيفُ في الأصل لقبٌ لإبراهيم ﵊، وهو الأصل في هذه اللقب، وسائرُ الناس فيه تبعٌ له. لأنه كان مبعوثًا إلى الكفار، بخلاف موسى، وعيسى عليهما الصَّلاة والسَّلام فإنهما كانا مبعوثَيْن إلى بني إسرائيل، وهم مسلمون نسبًا فلم يُلقبَا به، وإن كان حنيفين قطعًا. قالوا: الحنيف: هو المائل عن الأديان الباطلة إلى دين الحقِّ سُمّي به إبراهيم ﵊ لميله عن الباطل إلى الحق. قلت: الحنيف هو الذاهب إلى الدين الحق بدون التفاتٍ منه إلى الجوانب والأطراف، وإليه أشار الشيخ فريد الدين العطار:
*"از يكى كو وزد وئى يكسوى باش ... يك دل ويك قبله ويك روى باش"
وقد أمرَ اللَّهُ جميع الناس بالحنيفية فقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥] ثم رأيت في «الملل والنحل»: أن الحنيف مقابل للصابيء، ويعلم منه أن الحنيفَ هو المعترف بالنبوة، والصابىء هو المنكر بالنبوة، ومر عليه الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى في مواضع، ولم يكتب شيئًا شافيًا، وقال: إن قوم نمروذ كان صابئيًا، وكان فيهم الفلسفة، ومن هؤلاء تعلِّمه الفارابي، ثم مر على تلك الآية: ﴿﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [البقرة: ٦٢] ولمّا لم يدرك حقيقةَ الصابئين غَلِطَ في تفسيرها، ففسر قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلخ بالصابئين الذين كانوا مؤمنين، وزعم أن اليهود والنصارى كما أنهم مؤمنين في
стр. 129
زمنهم مع بقائهم على اليهودية، والنصارنية، كذلك الصابئون أيضًا كانوا مؤمنين في زمانهم، مع بقائهم على الصابئية، مع أنهم لم يؤمنوا قط، فإن فريقًا منهم كان يتدينُ بأول المبادىء على طريق الفلاسفة، وفرقة أخرى كانت تتعبدُ بالنجوم في هياكلهم، وأخرى كانت تنحت الأصنام وتعبدها، صرح به في «روح المعاني» والجَصَّاص في «أحكام القرآن».
وقد بحث العلماء عن شؤون الصائبة، وأحسنُ من بحث عنهم هو الإمام أبوبكر الجصاص، تكلم عنهم في ثلاثة مواضع من تفسيره: «أحكام القرآن» كلامًا جيدًا شافيًا محققًا، وكذا ابن النَّديم في «الفهرست» فليراجع (١)، .................
стр. 130
وظني: أنهم كانوا يعتقدون بمخترعاتِهِم، وتسويلاتِ شياطينهم، وكان عندهم من أشياءِ النبوة أيضًا، إلا أنهم لم يكونوا يتبعون نبيًا خاصًا، وقال بعضهم: إن المراد من ﴿ومَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾
стр. 131
من يؤمنُ في المستقبل، وإنما اضطروا إلى هذه التوجيهات، لأن في ظاهر الآية تكرارًا في قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ لما مر ذكره في صدرِ الآية أيضًا. والوجه عندي: أن ﴿مَنْ آمَنَ﴾ الثاني استئناف للكلام السابق، للفصل بينه وبين ما يترتب عليه، فإن قوله: ﴿فلهم آجرهم عند ربهم﴾ مرتبط مع قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ فأعيد بالاستئناف ليظهرَ الترتب. ثم إني رأيت في كُتُبِ أهل الكتاب أن الحنيفَ عندهم لفظ المذمة، والكاهِنُ من ألفاظ المدح، حتى إنهم كانوا يستعملونه في الأنبياء أيضًا، وفي عرفنا بالعكس: الحنيف من أوصاف الأنبياء، والكاهن من أوصاف الكفار. قال ﷺ «من أتى كاهنًا وصدقه فقد كفر» أو كما قال، والحاصل: أن المرادَ من الحنيفية الآن هو الملةُ الإبراهيمية، وسيجيء بعض الكلام في باب التيمم.
٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِىٍّ عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغِفَارِىِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَاّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَىْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ». أطرافه ٥٦٧٣، ٦٤٦٣، ٧٢٣٥ - تحفة ١٣٠٦٩
٣٩ - (لن يشادَّ الدين) ... إلخ أي من أراد أن يعملَ بالعزائم فقط ولا يترخصَّ بالرخصِ، يكون مغلوبًا من الدين، ويَغْلِبُ عليه الدين آخرًا ولا يستطيعُ أن يداومَ عليه، فليعمل بالعزائم والرخص.
(فسددوا وقاربوا) من السداد بالفتح، وهو: القصد. وحاصله عندي: أن اقتصدوا في الأعمال واتركوا التعمق، وترجمته في الهندية (ميانه روى كرو اور بلنديروازى نكرو) فاغتنمه غنيمةً باردةً، فإنه سهلٌ ممتنعٌ، وإن كثيرًا من الناس عن حقيقتِهِ لغافلون، فلا يدركونَ مراد هذين اللفظين.
(واستعينوا بالغدوة) ... إلخ وكان مولانا قطب العالم الشيخ الجنجوهي رحمه الله تعالى يؤوله بالذكر في الغدوة والرَّوْحة وشيء من الدُّلجة، وإن ورد الحديث في الجهاد.
٣١ - باب الصَّلَاةُ مِنَ الإِيمَانِ
وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] يَعْنِى صَلَاتَكُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ.
واعلم أن ههنا إشكالين: الأول: أنه لا خفاء في أن العمل بالمنسوخ قبل نزول الناسخ مقبولٌ، فما وجه إشكال الصحابة رضي الله تعالى عنهم فيمن ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ والجواب: أنه كان أول نُسْخ في الإسلام، كما رُوِي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه فلم يكونوا يعلمون المسألة. والإشكال الثاني على ترجمة المصنف ﵀. وحاصله: أنه لم يكن للصحابة تردد في الصلوات التي صُليت إلى بيت الله، إنما كان الترددُ فيما صليت
стр. 132
إلى بيت المقدس، وإذن لا معنى لتفسيره بِالصلاة عند البيت، فإنه لم يكن لهم إشكال في تلك الصلوات، مع أنه روى النسائي وغيره في الحديث المذكور فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ﴾: صلاتَكم إلى بيت المقدس، وعلى هذا فقول المصنف رحمه الله تعالى: «عند البيت» مشكلٌ، مع أنه ثابتٌ في جميع النسخ.
قال بعض العلماء: إن المرادَ من البيت هو بيتُ المقدس، و «عند» بمعنى إلى، فصار الحاصل: يعني إلى بيت المقدس.
قلتُ: والمعروف من البيتِ عند الإطلاقِ بيتُ الله، دون بيتِ المقدس. وأجاب عنه النووي: أن المراد منه الصلوات بمكة، وهو أيضًا كما ترى، فإن الترددَ والشبهة إنما كان في الصلوات التي صُليت بالمدينة سبعةَ عَشَرَ شهرًا إلى بيت المقدس. وقال الحافظ ﵀: مقاصد البخاري في هذه الأمور دقيقة وبيان ذلك: أن العلماء اختلفوا في الجهة التي كان النبي ﷺ يتوجه إليها للصلاة وهو بمكة، فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه وغيره: كان يصلي إلى بيت المقدس، لكنه لم يكن يَسْتدِبر الكعبة، بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس. وأطلق آخرون: أنه كان يصلي إلى بيت المقدس. وقال آخرون: كان يصلي إلى الكعبة، فلما تحول إلى المدينة استقبلَ بيت المقدس، وهذا ضعيف، يلزمُ منه دعوى النَّسخ مرتين، والأول أصح، وراجع التفصيل من «شرح المواهب» للزُرْقَاني.
وكأن البخاري أراد الإشارةَ إلى الجزم بالأصح، من أن صلاتهم عند البيت كانت إلى بيت المقدس، واقتصر على قوله: «عند البيت»، ولم يقلْ إلى بيت المقدس، اكتفاءً بالأولوية، لأن صلاتهم إلى غير جهة البيت، وهم عند البيت، إذا كانت لا تضيع، فأحرى أن لا تضيعَ إذا غابوا عنه، فتديرُ الكلامِ هكذا يعني: صلاتكم التي صليتُمُوها عند البيت إلى البيت المقدس. قلت: إن «عند» ههنا للزمان، والمراد منَ البيت هو بيت الله. والمعنى: أن صلاتَكم إلى بيت المقدس لم تضع عند كون البيت قبلة، وحينئذٍ «عند» زمانية لا مكانية.
بحثٌ أنيقٌ في استقبالِ الكعبة واستقبالِ بيت المقدس، وهل كانا قِبْلتين، أم كانت الكعبة قِبلة لجميع الملل، وهل النسخ وقع مرة أو مرتين ؟
بقى الكلام في أن استقبالَ بيت المقدس كان من الاجتهاد، أم من الوحي، فحقق ابن القيم رحمه الله تعالى في «هداية الحيارى» أن مكةَ شرفها الله وبيتَ المقدس كانتا قبلتين من قبل، وكان إبراهيم ﵊ عيَّنهما، فالقبلتان إبراهيميتان. وذهب جماعة (١) إلى أن
стр. 133
بيت المقدس لم تكن قِبلة قط، وإنما كان بنو إسرائيل مأمورينَ باستقبال التابوت في صلواتهم، ولم تكن لهم جهة متعينة لصلواتهم، وإنما كانوا يستقبلون بيت المقدس من عند أنفسهم، لا أنها كانت قِبلة لهم، ووجهه أن سليمان ﵊ لما بناه في زمانه، وضع التابوت في البيت، فجعلوا يستقبلونه لأجل التابوت، لا لكونها قِبلة، إلا أنه لما استمر بها العمل اشتهرِ أنها قِبلتهم.
قلتُ: ولي فيه تردد. والأصلُ أن الذبيحَ اثنان: إسحاق ﵊ وقرب به في بيت المقدس، فكانت قِبلة لبني إسرائيل، وقرب بإسماعيل ﵊ في بيت الله، فجعلت قبلة لِبَنِيْهِ، وفي التوراة تصريحٌ بأن يعقوبَ ﵊ كان غَرَزَ خَشَبةً في بيت المقدس، وكان أوصى لبنيه أن يجعلوها قِبلةً عندما تفتحُ عليهم الشام، وكان أصل التعيين من أبيه، وحينئذٍ تحصَّلَ أن القبلتين كانتا على تقسيم البلاد، فبيت الله كانت قبلةً لأهلها، لأنهم كانوا بني إسماعيل ﵊، وبيت المقدس لأهل المدينة وأمثالهم، لأنهم كانوا من يهود بني إسرائيل، فلما كان النبي ﷺ في مكة توجه إلى البيت تبعًا لأهل بلدته، لأن قِبلتَه إذ ذاك كانت هي البيت، لكونه في بلدة قبلتها تلك البيت، فلما تحول إلى المدينة توجه إلى ما كان أهلُ تلك البلدةِ يتوجهون إليها، على ما مر أن تقسيم القِبلتين كان على تقسيم البلاد، لا أن بيتَ الله كانت قبلةً ثم صارت بيت المقدس، قِبلة، بل كلتاهما كانتا قبلتين على السوية، إلا أنهما كانتا على تقسيم البلاد، فلم تكن القبلتان في مكة والمدينة من اجتهاده ﷺ بل كانتا على الأصل، يعني من لدن إبراهيم ﵊، ولكنه توجه النبيُّ ﷺ في الموضعين بحَسَب تقسيم البلاد، وإنما كان النبي ﷺ يحب أن يوجَّه إلى البيت، لأنه كان من بني إسمعيل، فكان يحب قبلة أجداده.
وعلى هذا التقرير، لا حاجةَ إلى القول بتكرر النسخ كما علمت. ولك أن تقول: إن حاله في الاستقبال يُشبَّهُ بحاله ليلة المعراج، فكما أنه عُرج به من بيت المقدس، ولم يُعرج به من البيت ابتداءً، كذلك أمر النبي ﷺ بالاستقبال إلى بيت المقدس أولًا، ثم إلى البيت ثانيًا، فإن المقرَّ ونهاية السفر هو بيت الله، وحينئذٍ لا بِدْعَ في تكرر النسخ. وقد عدّ السيوطي رحمه الله تعالى عِدَّة أشياء تكرر فيه النسخ، على أن بيتَ الله كالديوان الخاص، وبيتَ المقدس كالديوان العام، لا يكون إلا لحاجة، والمقرُّ الأصليُ هو الديوان الخاص، فهذا النظر أيضًا يؤيد كون البيت قِبلة بمكة، ثم بيت المقدس بالمدينة لحاجة، ثم البيتُ قِبلة إلى الأبد.
واعلم أن إطلاق الإيمان على الصلاة ليس من باب إطلاق الكل على الجزء كما قال بعضهم، بل لأن صلواتهم إلى بيت المقدس في ستةَ عَشَر أو سبعةَ عشَرَ شهرًا إن ضاعت كلها، فكأنه ضاع إيمانهم، وهذا وإن كان فيه إطلاق الإيمان على الصلاة أيضًا، إلا أنه ليس من الباب الذي فهم، بل هو راجعٌ إلى باب السِّراية دون الجزئية، وحينئذٍ يضعُف استدلال المصنف رحمه الله تعالى منه.
٤٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ:
стр. 134
أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ - أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ - مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَاّهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ، وَهُمْ رَاكِعُونَ فَقَالَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ. قَالَ زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ فِى حَدِيثِهِ هَذَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا، فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]. أطرافه ٣٩٩، ٤٤٨٦، ٤٤٩٢، ٧٢٥٢ - تحفة ١٨٤٠ - ١٧/ ١
٤٠ - (أول صلاة صلاها صلاة العصر) وفي السير أنها الظهر وجمع الحافظ رحمه الله تعالى بينهما بأن أول صلاةً صُليت إلى بيت الله هي صلاة الظهر، نزل النسخ فيها بعد الركعتين (١) وكان النبي ﷺ إذ ذاك في مسجد ذي القِبْلتين، وأول صلاةً صلاها بتمامها إلى البيت هي صلاة العصر، وكانت في المسجد النبوي.
وفي «وفاء الوفى بأخبار دور المصطفى» للسَّمْهُودي وهو تلميذ ابن حجر رحمه الله تعالى ما يدل على أنها نزلت في المسجد النبوي، دون مسجد ذي القبلتين، والحافظ ذَهَلَ عنه. ثم رأيت في تفسير الشيخ محمود الآلوسي رحمه الله تعالى عن حاشية السيوطي رحمه الله تعالى على البيضاوي: أنه كان يرذُ توجيه الحافظ، ويرجح رواية السِّير على «صحيح البخاري»، والسيوطي رحمه الله تعالى وإن لم يكن مثل الحافظ، لكن رأيت الآلوسي رحمه الله تعالى أيضًا اختار ترجيح رواية السير، فترددت فيه بعده أيضًا.
(فمر على أهل مسجد) قال العيني: إن هؤلاء أهل مسجد القِبْلتين، ومرّ عليهم المار في صلاة العصر، وأما أهل قُباء، فأتاهم آتٍ في صلاة الصبح.
(وأهل الكتاب) قيل: إن كان المرادُ منهم اليهود فقد مر ذكرهم، وإن كان النصارى فليست قِبلتهم بيت المقدس، بل هي بيت لحم، جانب الشرق من بيت المقدس، وهو مولد عيسى ﵊، فكان الأمران عندهم سواء، فَلِمَ سخطوا على التحويل عنها؟ والجواب: أن المراد منهم النصارى، ووجه إنكارهم أن النبي ﷺ إذا كان يستقبلُ بيتَ المقدس
стр. 135
وهو بالمدينة، كان يقع استقباله إلى بيت لحم أيضًا، فإنهما في سَمتٍ واحد من المدينة، فلما ولَّى عنها لزمَ التحولُ عن قبلتهم أيضًا، فأنكروا لهذا. أو يقال: إنهم أيضًا كانوا يسمون بيت المقدس قِبلةً، فإنهم كانوا يدعون بتعبد الديانة الموسوية، والقبلة فيها بيتُ المقدس. والله تعالى أعلم.
(قال زهير) قال الكَرْماني: إنه تعليق. قلت: والصواب ما قاله الحافظ رحمه الله تعالى: إن المصنف رحمه الله تعالى ساقه في التفسير مع جملة الحديث عن أبي نعيم عن زهير.
(اقتلوا) قال الحافظ رحمه الله تعالى: لم أجد روايةً سوى رواية زهير تدل على قتلِ رجلٍ قبل التحويل، لعدم وقوع غزوة في تلك المدة. أقول: إن نفي القتل مطلقًا مشكل، ويمكن أن يراد به القَتْلُ بمكة لا المدينة كما ذكره الحافظ رحمه الله تعالى آخرًا.
(فلم ندر ما نقول) المشهور أن الشبهة كانت في صلواتهم. ويحتملُ عندي أن تكونَ الشبهةُ في دفن الموتى، فإنها دُفنت قبل القِبلة، وأثرُهَا باقي بعد التحول أيضًا، بخلاف الصلاة، ولذا خصَّها الراوي بالذكر. وعلى الوجه المشهورِ لا يظهرُ بتخصيص الموتى معنى، فإن الأحياء والأموات كلهم مشتركون في إضاعة الصلوات لو ضاعت (١) وقد مر إن وجه الإشكال فيه كونه أول نَسْخ كما رُوي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه. قلت: فيه نظر إلا أن يكون أولًا باعتبار الشُّهرة، فإنه أولُ نسخٍ اشتُهر، لنزاعِ أهل الكتابين فيه.
٣٢ - باب حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ
٤١ - قَالَ مَالِكٌ أَخْبَرَنِى زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلَاّ أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا». تحفة ٤١٧٥
٤٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا». تحفة ١٤٧١٤
قسم الإسلام إلى الحُسن وغيره بعد تقسيمه إلى العسر، واليسر، والحُسن أيضًا من الإيمان، كما أن حُسنَ الوجهِ من الوجه. واعلم أن ههنا إشكالًا: وهو أن المصنفَ رحمه الله تعالى تركَ قِطعة من الحديث وأخرجها النووي رحمه الله تعالى في «شرح مسلم» وقال: ذكره
стр. 136
الدارقطني في غريب حديث مالك، ورواه عنه من تسع طُرُق، وثبت فيها كلَّها أن الكافرَ إذا حَسُنَ إسلامهُ يُكتب في الإسلام كل حُسَنَة عملها في الشرك. انتهى.
وهذه القطعة ليست في البخاري فقال قائل: إن المصنفَ رحمه الله تعالى حَذَفَها لإشكالها، لأنها تدلُ على أن حسناتِ الكافر أيضًا معتبرة.
قلت: وهو كما ترى، والوجه عندي: أن تلك القِطعة الواردة في حديث أبي سعيد الخُدري رضي الله تعالى عنه ليست في أحدٍ من الروايات التي رُويت في هذا الباب، أي في معنى هدم معاصي الكفر بعد الإسلام، وإن كانت ثابتة في حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، فحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «الإسلامُ يهدمُ ما كان قَبْله» وإن كان مغايرًا لحديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه بحسَب ضابطة المحدثين، إلا أنه لاتحادِ المعنى يمكنُ أن يكونَ واحدًا عند المصنف رحمه الله تعالى. ولما لم ترد تلك القطعة في أحد من تلك الروايات سوى حديثِ أبي سعيد رضي الله تعالى عنه فيما أعلم تردد فيها وتَركها والله أعلم.
بقي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قلنا يا رسول الله أنؤاخذُ بما عملنا في الجاهلية؟ فقال: «من أحسنَ في الإسلام لم يؤاخذْ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أُخِذَ بالأولِ والآخر». فقال النووي رحمه الله تعالى في «شرحه»: إن المراد بالإحسان الدخولُ في الإسلام ظاهرًا وباطنًا، ومن الإساءة عدم الدخول في الإسلام بقلبه، وكونه منقادًا في الظاهر مُظهِرًا للشهادتين غير معتقدٍ للإسلام بقلبه، فهذا منافق باقٍ على كفرِهِ بإجماع المسلمين، فيؤاخُذُ بما عمل في الجاهلية، قبل إظهار صورة الإسلام، وبما عمل بعد إظهارِهَا، لأنه مستمرٌ على كفره. انتهى.
قلت: والمراد من إحسانِ الإسلامِ عندي أن يُسلم قلبُهُ، ويتضمن إسلامهُ التوبة عما فعل في الكفر، فلم يعد بعد الإسلام إليها، فهذا الذي غُفر له ذنبه. ومن إساءة الإسلام أن يُسلم ولم يتضمن إسلامُهُ التوبة عن معاصيه التي زلفها في الكفر، واستمر على ما كان، فهذا وإن صار مسلمًا إلا أنه يُؤخذُ بالأول والآخر، وعلى هذا فحديث الهدم محمولٌ على ما تضمن إسلامُهُ التوبة، وحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه على ما لم يكن كذلك.
ثم ههنا حديث آخر عن حكيم بن حزام عند مسلم: أنه قال لرسول الله ﷺ أرأيتَ أمورًا كنت أتحنثُ بها في الجاهلية هل لي فيها من شيء؟ فقال له رسول الله ﷺ «أسلمت على ما أسلفت من خير» وهذا يدل على اعتبار حسناتِ الكافر في كفره. وأوَّلَه الناسُ بتأويلات ذكرها النووي رحمه الله تعالى. وعندي لا تأويل فيه، بل هو على ظاهرِه، وليَ جزمٌ بأن طاعاتِ الكفار نافعة بتًا، كما مر في حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه صراحةً من أن الكافرَ إذا حَسُنَ إسلامه يكتب له في الإسلام كلُ حسنة عملِها في الشرك.
إلا أن حسناتِ الكافر على نحوين منها كالحِلْم، وصلة الرَّحم، والإعتاق، والصدقة،
стр. 137
فهذه كلُّها نافعةٌ له في الآخرة، وإن لم تكنُ منجية، فإن المنجيَ من النار هو الإيمان لا غير، إلا أنها تصير سببًا لتخفيف العذاب شيئًا، ولذا أجمعوا على أن الكافرَ العادل أخفُّ عذابًا من الكافر الظالم، وكذا عُلم من الشريعة تفاوت دركات العذاب، وليس هذا إلا لنفع الطاعات يسيرًا.
بقيت العبادات، فلا تعتبرُ أصلًا، فما أول به النووي في «شرحه» قول الفقهاء، وقال: وأما قول الفقهاء: لا تصح من الكافر عبادة، ولو أسلم لم يُعتدّ بها، فمرادهم أنه لا يعتد له بها في أحكام الدنيا، وليس فيه تعرض لثواب الآخرة. انتهى. ليس بصواب عندي قطعًا، فإن عبادات الكفار ليست بمعتبرة في أحكام الدنيا ولا في أحكام الآخرة، ولذا لم تُذْكر في حديث حكيم بن حِزَام غير العتق وأمثاله، ولم تذكر فيها العبادات أصلًا.
فالحاصل: أن الطاعاتِ والقُرُباتِ، كلُّها نافعةٌ للكافر، أما العبادات فغيرُ معتبرةٍ أصلًا بلا تأويل والله أعلم بحقيقة الحال.
٣٣ - باب أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ
أي ينقسم الدين إلى الأحبِّ وغيره، كما انقسم إلى العسير، واليسير، والأحسن، وغيره. ثم ذلك أيضًا إيمان. قال العلماء: إن القليل الذي دِيْم عليه خيرٌ من الكثير الذي لم يداوَم عليه، كما في الحديث، ومثَّلَه الغزالي رحمه الله تعالى أن الماء إذا قَطَرَ على حجارةٍ قطرة قطرة، ولم يزل كذلك يقطرُ، فإنه يثقبُ فيه يومًا، بخلاف إذا صُبَّ صبًا، فإنه لا يؤثر فيه بشيء.
٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبِى عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ قَالَ «مَنْ هَذِهِ». قَالَتْ فُلَانَةُ. تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا. قَالَ «مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا». وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ. طرفه ١١٥١ - تحفة ١٧٣٠٧
(لا يمل) قيل: إن الملال لا يُنسب إلى الله تعالى، فالنفي فيه على سبيل المُشَاكلة، والمراد منه أن الله تعالى لا يتركَ الإثابة ما لم تتركوا العبادة. قلت: وشاكلتُه كاليد، والأصابع، والوجه، فما قُرر فيها يقرر فيه أيضًا. وسيجيء عليه الكلام في موضعه إن شاء الله تعالى ما يكفي ويشفي.
٣٤ - باب زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]، ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١] وَقَالَ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فَإِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الْكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ.
٤٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ، عَنِ
стр. 138
النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَفِى قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَفِى قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَفِى قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ».
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ قَالَ أَبَانُ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ حَدَّثَنَا أَنَسٌ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ «مِنْ إِيمَانٍ». مَكَانَ «مِنْ خَيْرٍ». أطرافه ٤٤٧٦، ٦٥٦٥، ٧٤١٠، ٧٤٤٠، ٧٥٠٩، ٧٥١٠، ٧٥١٦ تحفة ١٣٥٦، ١١٣٤ - ١٨/ ١
٤٥ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِى كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا. قَالَ أَىُّ آيَةٍ قَالَ (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا). قَالَ عُمَرُ قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِى نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ. أطرافه ٤٤٠٧، ٤٦٠٦، ٧٢٦٨ - تحفة ١٠٤٦٨
وقد مر بعض الكلام عليه في باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال. ورُوي عن إمامنا الأعظم رحمه الله تعالى أن الإيمانَ يزيدُ ولا ينقص، وكأنه مأخوذٌ مما رُوي عند أبي داود في كتاب الفرائض عن معاذ بن جبل: «أنه ورث المسلم عن الكافر ولم يورثه من المسلم وقال: الإسلام يزيد ولا ينقص». قيل في شرحه: أي يعلو ولا يُعلى. وقد مر معناه: «أن رجلًا من اليهود» قيل: هو كعب الأحبار (١)، وكذا وقع في بعض الروايات مُسمّى، وقوله يدل على حقية الإسلام عنده.
٤٥ - (قال عمر رضي الله تعالى عنه): حاصلُ جوابِهِ القولُ بالموجَب، لأن نزولَ الآية في حَجَّةِ الوداع من يوم عرفة في عرفات لتاسع من ذي الحِجَّة.
٣٥ - باب الزَّكَاةُ مِنَ الإِسْلَامِ
وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
٤٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَمِّهِ أَبِى سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ،
стр. 139
ثَائِرُ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِىُّ صَوْتِهِ، وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ». فَقَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا قَالَ «لَا، إِلَاّ أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «وَصِيَامُ رَمَضَانَ». قَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُ قَالَ «لَا، إِلَاّ أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ. قَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا قَالَ «لَا، إِلَاّ أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ». أطرافه ١٨٩١، ٢٦٧٨، ٦٩٥٦ - تحفة ٥٠٠٩
واعلم أن قِصة هدا الرجل تُشبه بقصة ضِمام بن ثعلبة، فاختلفوا فيه أنهما واقعتان، أو واقعة واحدة، وأتى ضِمام في السنة الخامسة، فاعلمه.
٤٦ - (إلا أن تطوع) واستدلَ منه الشافعية على نفي (١) وجوب الوتر، وليس بشيء. واستدل منه الحنفية أيضًا على أن النوافلَ تلزمُ بالشروع، وجعلوا الاستثناء متصلًا، أي فإنه يجب عليك. وجعله الحافظ رحمه الله تعالى منقطعًا. قلت: إن مالكًا ﵀ أيضًا يوجب القضاء فيما أبطله بلا وجه. وأجمع الكلُّ في إيجاب القضاء بعد إفساد الحج. ونظر الحنفية في سائر العبادات كنظرهم في الحج.
وأحسنُ ما يُستدل به للمذهب ما اختاره صاحب «البدائع» وقال: إنه نذرٌ فعليٌ، فقسم النذرَ إلى قولي وفعلي، وجعل الشروعَ نذرًا فعليًا، وهذا جيد جدًا. أما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] فليس بناهضٍ، لأن الآيةَ إنما سيقت لبطلان الثوابِ لا للبطلان الفقهي، كما يدل عليه السياق، فهي كقوله: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤].
ثم أقول: إن الحديث خارجٌ عن موضع النِّزَاع، فإن الإيجاب المذكورَ فيه إنما هو الإيجابُ من جهة الوحي، ومسألة لزومِ النفل بالشروع إنما هو في إيجابِ العبد على نفسه شيئًا بِخَيْرَتِهِ وطوعه، فافهم ولا تعجل.
«وأبيه» وفيه حَلفٌ بغير الله. قال الشوكاني: وهو من فَلَتَات لسانِهِ ﷺ والعياذ بالله أن تجري على لسانه فَلْتة ما تكون فيه شوائب الشرك. مع أنه قد ثبت عنه في نحو أربعة أو خمسة
стр. 140
مواضع، وقيل: إنه تصحيف «والله»، وقيل: إنه منسوخ وهو مهمل. وأحسنُ الأجوبة ما ذكره الجلبي (١) في «حاشية المطول» على لفظ: «ولعمري»، والشامي على «الدر المختار» في
стр. 141
خطبته: أنه قَسَمٌ لغوي لا شرعي، والمقصودُ في الأول تزيينُ الكلام لا غير، والمطلوبُ من الثاني التأكيدُ مع تعظيم المحلوف به، والممنوعُ هو الثاني دون الأول، والمذكورُ هو الأول دون الثاني. ثم عندي أنه ينبغي الحجرُ عنه مطلقًا سدًا للذرائع لئلا يتساهل فيه الناس.
بقي أن هذا الرجل حلف على ترك السنن والمستحبات فكيف هو؟ قلت: أولًا في بيان المسألة: إن الأمرَ مع الوعيدِ على الترك يفيدُ الوجوبَ عند ابن الهمام رحمه الله تعالى وابن نجيم كليهما، والمواظبة الكلية بدون الوعيد على الترك يفيد الوجوب عند ابن الهمام رحمه الله تعالى، والسنة عند ابن نجيم، والفعل أحيانًا مع الترك أحيانًا يفيد السنية عندهما (١).
وههنا اختلاف آخر: وهو أن ترك السنة يوجبُ العتاب أو العقاب؟ فذهب الشيخ ابن الهمام إلى أن ترك السنة عِتابٌ، وابن نجيم إلى أنه يوجب العقاب. قلت: ولعل النزاع لفظي، لأن السنة التي يجبُ بتركها العقابُ عند ابن نجيم، داخلة في الواجب عند ابن الهمام رحمه الله تعالى، والإثم بترك الواجبِ متفقٌ عليه، فحينئذٍ فالإثم فيه عند ابن الهمام لكونه تركًا للواجب عنده، وإن كان عند صاحب البحر تركًا للسنة المؤكدة، فالإثم عند ابن نجيم يكون على تركِ الواجب، وترك السنة المؤكَّدةِ كليهما، غير أنَّ الإثمَ في الأول أزيدُ من الإثم في الثاني، وأنا مع ابن نجيم رحمه الله تعالى في تلك المسألة. هذا إذا كان الاختلاف المذكور من تفاريع الخلاف الأول، وإن كان الاختلاف فيه مبتدئًا فله وجه، ولا أدخلُ فيه، فإنه حكمٌ بالتأثيمِ على جميع الأمة.
стр. 142
نعم، قال محمد رحمه الله تعالى في «موطئه»: ليس من الأمر الواجب الذي إن تَرَكَه تاركٌ أثم فخرجَ منه أن ترك السنة قد لا يوجبُ الإثم، كما أن التثليثَ سنةٌ وتركُهُ لا يوجب الإثم. قلت: وينبغي أن يُقيدَ بتركه أحيانًا، أو بقدر ما ثبت عنه ﷺ لا مطلقًا. وهو الذي اختاره المحقق ابن أمير حاج تلميذ ابن الهمام رحمه الله تعالى وصرح بالإثم إذا اعتاد الترك. ثم إن عبارةَ محمد رحمه الله تعالى تدلُ على ثبوتِ مرتبة الواجب، فإنها تشعر بتقسيم الواجب عنده: إلى ما لا إثم بتركه، وإلى ما بتركه إثم، وليست تلك المرتبة عند الجمهور، وهي عند الشافعي رحمه الله تعالى في الحج فقط، وعندنا في جميع العبادات المقصودة، وتُوجد هذه المرتبة في «المبسوط» أيضًا. وليس له اسم في كتاب الطحاوي، وهو من المتقدمين، ولذا اعتنيتُ بلفظِ محمد رحمه الله تعالى هذا.
(والله لا أزيد على هذا ولا أنقص) قيل في توجيهه: إنه محاروةٌ لتحفظ الأمور (١). وقيل معناه: لا أزيدُ عددَ الفرائض ولا أنقُص منها وهو مهمل. والأول ينتقض بما أخرجه البخاري في الصيام من طريق إسماعيل بن جعفر: والله لا أتطوع فإنه صريحٌ في نفي التطوع والقصْرِ على الفرائض، فسقط ما أجاب به المجيبون. والوجه عندي أن هذا الرجل جاء إلى صاحب الشريعةَ واسترخَص منه بلا وَاسطة، فرخَّصَ له الشارع خاصة، فيصير مستثنى من القواعد العامة، كما في الأضحية «ولا تجزىء عن أحد بعدك». وهذا أيضًا باب يعلمه أهل العرف، فلا أثر له على القانون العام، فمن أراد أن يترخصَ برخصتِهِ فليسترخَّص من الشارع، وإذ ليس فليس.
وأشار إليه الطِّيبي رحمه الله تعالى أيضًا إلا أنه لم يفصِحْ بمراده، وأراد الزرقانيُّ إعلالَ تلك الرواية من جهة إسماعيل بن جعفر. قلت: وهو غير مسموع، كيف وقد أخرجه البخاري. وعند أبي داود من باب المحافظة على الصلوات عن عبد الله بن فَضَالة عن أبيه قال: علمني رسول الله ﷺ فكان فيما علمني: وحافِظ على الصلوات الخمس، قال: قلت: إن هذه ساعات لي فيها أشغال، فمرني بأمرٍ جامع إذا أنا فعلتُهُ أجزأ عني فقال: «حافظ على العصرين» إلخ ومر عليه السيوطي رحمه الله تعالى وقال: ولعل هذا الرجل إنما فرضت عليه هاتان الصلاتان فقط، واستثناه النبي ﷺ عن الحكم العام.
قلت: بل التخصيص بهما لمزيد الاهتمام بهاتين الصلاتين، وقد ورد التأكيد بهما في حق جميع الأمة أيضًا، كما رواه أبو داود مرفوعًا «لا يلج النار رجلٌ صلى قبل طلوع الشمس وقبل أن تغرب». ورواه غيره: «من صلى البَرْدَين دخل الجنة» فليس في حديث فَضَالة غير ما في تلك الأحاديث، وحينئذٍ ليس هذا الرجل مخصوصًا من قاعدة كليةٍ كما زعمه السيوطي ﵀
стр. 143
تعالى. وعندي عليه رواية أيضًا، وهنا إشكال آخر: وهو أنه كيف بشره بالفلاح على أداءِ الزكاة والصلوات الخمس فقط، مع أن في الإسلام أحكامًا غيرها. وجوابهُ أن في بعضِ طرقه: فأخبره بشرائع الإسلام.
٣٦ - باب اتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ مِنَ الإِيمَانِ
والمشيُ عندنا خلفَ الجنائز أولى لأنه للتعظيم. وعند الشافعي رحمه الله تعالى أمامها أولى لأنه للشفاعة، ولفظُ الاتباع بمادَّتِهِ أقربُ إلى نظر إمامنا رحمه الله تعالى.
٤٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِىٍّ الْمَنْجُوفِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ».
تَابَعَهُ عُثْمَانُ الْمُؤَذِّنُ قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ نَحْوَهُ. طرفاه ١٣٢٣، ١٣٢٥ تحفة ١٢٢٤٤، ١٤٤٨١ - ١٩/ ١
٤٧ - (واحتسابًا) إنما جيء به لأن الناس لا يحتسبون فيه أجرًا بل يحسَبونهُ من مراسم المودة، فهو موضعُ ذهولٍ عن النية، فنبَّه عليه الشارع لئلا يُذْهَل عنها ويُحرم عن توفير الثواب.
(حتى يُصلى عليها) قال العلامة القاسم في «فتاواه»: إن صلاةَ الجنازةِ في المسجد مكروهة تنزيهًا. وعند بعضهم مكروهة تحريمًا. والعلامة القاسم تلميذ لابن الهمام كابن أمير حاج. وقال صدر الإسلام أبو اليَسَر: إنها إساءة، وهي رتبة بين التحريم والتنزيهة. وإنما اشتهرُ بأبي اليَسَر لكون تصانيفه أقرب إلى الفهم، ويسمى أخوه الكبير بفخر الإسلام أبو العسر، لكون تصانيفه على خلافه. وعند محمد رحمه الله تعالى: لا تجوز، لأن النبي ﷺ بنى له مكانًا منفصلًا إلى جنب المسجد ولو جازت فيه لما كان إلى بنائه حاجة ولم يثبت عنه ﷺ صلاة الجنازة في المسجد إلا مرةً أو مرتين، فلا تكون أصلًا وضَابطة، وخروج النبي ﷺ من المسجد للصلاة على النجاشي دليل على كراهيتها في المسجد، فإنه لم يكن هناك احتمالُ التلوث أيضًا، ومع ذلك لم يصل فيه. ولم يقف الحافظ ابن حجر ﵀ على تعيينُ مصلى الجنائز، وذلك لأنه حج مرتين فلم يتفق له تحقيق الأمكنة، بخلاف تلميذِه السَّمهودي فإنه أقام بالمدينةُ مدةً مديدة وحققَ المواضع، فالعبرةُ لقولِ السمهودي في أمثال هذه المسائل.
стр. 144
٣٧ - باب خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِىُّ مَا عَرَضْتُ قَوْلِى عَلَى عَمَلِى إِلَاّ خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذَّبًا. وَقَالَ ابْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ. تحفة ١٥٦١٣ ب وَيُذْكَرُ عَنِ الْحَسَنِ مَا خَافَهُ إِلَاّ مُؤْمِنٌ، وَلَا أَمِنَهُ إِلَاّ مُنَافِقٌ. وَمَا يُحْذَرُ مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى النِّفَاقِ وَالْعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
وهذا التعبير مأخوذٌ من قوله تعالى: ﴿أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢] واعلم أن هذه الترجمة لها تعلق وارتباط مما قبلها من التراجم: كفر دون كفر وباب المعاصي من أمر الجاهلية.
وحاصلها عندي: التحذير من الجَرَاءة على المعاصي، وأنه ينبغي للمؤمن أن يخاف من سوء الخاتمة، ولا يغتر بكونه على صلاح الحال، فإن الكفر قد يطرأ في وسط العُمُر، وأخرى عند الموت، والعياذ بالله. وهذا كفر تكوينًا لا تشريعًا، يعني أن الرجل ربما يرتكب المعاصي ولا يحكم عليه بالكفر لأجلها، لكنها قد تؤدي إلى سلب الإيمان عند الموت من جانب الله تكوينًا، فحذَّر المصنف رحمه الله تعالى عن هذا النوع من الكفر، أو أراد به الرد على المرجئة خاصة القائلين: بأنه لا تضرُ مع الإيمان معصية، فرد عليهم: بأن المعاصي من شأنها إحباط العمل حتى تؤدي إلى سلب الإيمان أيضًا، كما كان رد قبلَها على المعتزلة في باب المعاصي من أمر الجاهلية.
ومن أقوى شبه المعتزلة: أن المعصيةَ دليلٌ لنقصان التصديق، فإن من أذعن بكون الحيةِ في هذا الحجر مثلًا، لا يُدْخِلُ يده فيها أبدًا، فكذلك من صدَّق بأن الزنا موجبٌ للنار، ينبغي أن لا يأتي به. وإتيانُهُ دليلٌ على ضَعفٍ في تصديقه ونقصانٍ في اعتقاده.
قلت: كلا، بل الإنسان قد يقتحم المعاصي مع بقائه على التصديق واليقين، اعتمادًا على أبواب المغفرة وتوثقًا برحمة الله تعالى. فإذا همّ بالسيئة تطلَّع قلبه في تلك الأبواب حتى يقعَ في المعصية. وهذا كالسارق يَسْرِقُ مع أنه مذعنٌ بأن السَّرِقة جَرِيْرة، وجزاؤه الحبسَ في الحكومة الحاضرة وما ذلك إلا لتطلعه في أبواب أُخر، فيزعم لعله لا يظفرُ به مثلًا، ولو ظفر به فلعله لا تثبت عليه جَرِيْرته، ولو ثبتت فلعله يُعفى عنه إلى غير ذلك من الاحتمالات. فكذلك فيما نحن فيه، يخوض الإنسان في المعاصي ويعتمد على رحمته تعالى، أو أنه يتوبُ قبل الموت وغير ذلك.
وبالجملة قد يحدثُ بين الأسباب تزاحمٌ، فيميل القلبُ تارةً إلى هذا وأخرى إلى ذاك، على أن الناس خُلقوا على أصناف: فمنهم من تغلِبُ عليه القوة الشهوانية فيزداد في المعاصي
стр. 145
ولا يحاشى، ومنهم من يكونُ على عكسِه فيزداد في الطاعات، ألا ترى أن كثيرًا من الدُّعَّار واللصوص يفسدون في الأرض، ويعلمون كالشمس في نصف النهار أنهم يعُذَّبون بأصناف من العذاب، ثم لا يتوبونَ وذلك لِغلَبَةِ الشهوة والهوى فيهم.
وبالجملة الإقدام على المعاصي لا يوجب النقصان في التصديق الذي هو مدار النَّجاة.
ومن أقوى شبه المُرْجئة أن المؤمنَ العاصي لو دخل جهنم لزمَ دخولُ الإيمان فيها، وإذا لم يدخل الكفرُ في الجنة، فكيف دخل الإيمان في جهنم؟ والجواب: أن العاصي إذا دخل في النار يُنْزَعُ عنه إيمانه ويوضُع عند باب النار؛ كما يُنْزَعُ اليومَ ثياب المجرم عند باب السجن، ثم إذا خرج من سجنه يُعطى ثيابَه. كذلك المؤمن يُنْزَعُ عنه الإيمان عند إلقائه في النار، ثم يُعطى إيمانَه بعد تعذيبه على قدر ذنوبه وإخراجه من النار.
وقد علمت سابقًا أن المصنف رحمه الله تعالى تعرض في هذا الباب إلى التخويف المجرد، ولم يرض بأن يأولَ الأحاديث التي أطلق فيها لفظ الكفر على المعاصي: بأنه على طريق التخويف دون التحقيق. وقد مر من قبل بعض ما يتعلق به فراجعه.
(كلهم يخاف النفاق) فمن أين جاز للمُرجئة أن يقعدوا مطمئنين بإيمانهم فعلى المؤمن أن يخافَ كل آن. أما اختلافهم (١) في جواز القول: بأنا مؤمنٌ إن شاء الله تعالى، فلا يرجع