- قال الإمام الشاطبي: "إنَّ العالم شارعٌ، من وجهٍ، لأنَّ ما يبلغه من الشريعة، إمَّا منقول عن صاحبها، وإمَّا مستنبط من المنقول.
فالأول: يكون فيه مبلغًا.
والثاني: يكون فيه قائمًا مقامَه في إنشاءِ الأحْكَامِ، وإنشاءُ الأَحكامِ إنما هو للشارعِ، فإذا كان للمجتهدِ إنشاءُ الأحْكَامِ بحسب نَظَرِهِ واجتهادهِ، فهو من هذا الوجه شارعٌ، واجبٌ اتِّباعُه والعملُ على وفقِ ما قاله، وهذه هي الخلافة على التحقيق" (١).
٢٣) ومن فضل العلم وأهله: أن عليه مدار النجاة.
عن أبي الدرداء ﵁ قال: كنَّا مع النبي ﷺ فشخص بصره إلى السماء ثمَّ قال: "هَذَا أوان يُخْتَلَسُ العلمُ مِنَ الناسِ حَتَّى لَا يَقدِرُوا منه عَلَى شيءٍ".
فقال زياد بن لبيد الأنصاريُّ: كيف يختلس منَّا وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنقرأنَّه ولنقرِئنه أبناءنا ونساءنا.
فقال رسولُ الله ﷺ : "ثكلتك أمُّكَ زيادُ، إن كنتُ لأعدَّكَ من فقهاءِ أهلِ المدينةِ، هذه التوراةُ والإنجيلُ عند اليهودِ والنصارى فماذا تغنى عنهم؟! (٢).
стр. 37
فذهاب العلم بذهاب العلماء، إذ ذهابهم هو الهلاك الحقيقي للأمم.
قال ابن عباس: أتدرون ما ذهاب العلم؟ قالوا: لا.
قال: ذهاب العلماء (١).
وقال أيضًا-: "لا يزالُ عالمٌ يموتُ، وأثرٌ للحقِّ يَمْرُسُ، حتى يكثرَ أهلُ الجهلِ، وقد ذهب أهلُ العلمِ فيعملون بالجهلِ، ويدينون بغير الحقِّ، ويضلون عن سواءِ السَّبيلِ" (٢).
٢٤) ومن فضل العلم: أنَّه يُحتاج إليه في كل وقت وحين.
- قال الإمام أحمد: "الناسُ أحوج إلى العلمِ منهم إلى الطعام والشراب؛ لأنَّ الطعامَ والشرابَ يحتاج إليه في اليوم مرتين أو ثلاثًا، والعلمَ يحتاج إليه في كلِّ وقتٍ" (٣).
- فإنَ العلم نور الهداية، وبدونه لا يعلمُ كثيرٌ من الناس كيفية أداء الفرائضِ ولا اجتناب المحارم، ولا يعبدون الله على بصيرةٍ، فلولا العلم لفسد عملُ النَّاسِ، والعلماء في الأرضِ كالنجومِ يهتدى بها في الظلمات، وترجم الشياطين الذي يخلطون الحقَّ بالباطلِ، ويدخلون في الدين ما ليس فيه، وهم زينة الأرض، فإنهم النجوم على الحقيقة.
стр. 38
٢٥) ومن فضل العلم: أنَّه لا يُحَدُّ نفعه.
- قال ميمون بن مهران: إنَّ مثل العالمِ في البلد كمثل عين عذبة في البلد (١).
- وقال بعضهم: مثل العلماء مثل الماء حيثما سقطوا نفعوا (٢).
- وقال الإمام أحمد في وصف الشافعي ﵀: كان كالشمس للدنيا، وكالعافية للنَّاس، فهل لهذين من خلف، أو منهما عوضٌ (٣).
فهذا غيض من فيض في هذا الباب، وأنصحك بمطالعة كتاب " مفتاح دار السعادة " فقد عقد ابن القيم فيه فصلاً ماتعًا عن فضل العلم وشرفه، ناهيك عمَّا سطره ابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله " فاغتنمهما.
ماذا نعني بالعلم؟ وكيف يطلب ؟
أيها المتفقه ..
حين نقول العلم، فإنما نريد أن تعلم الأمة، كل الأمة، جميع الأمة، صغاراً وكباراً، رجالاً ونساءً، حكاماً ومحكومين، فكل أفراد الأمة على التعيين عليهم
стр. 39
أنْ يعرفوا الله: الله جل وعلا الذي يعبدونه، الله الذي استسلموا له بالإسلام، أن يعرفوا الله. من خلال عقيدة صحيحة صافية سليمة نقية واضحة.
وأن يعرفوا رسوله: فيعرفوه معرفة حقيقية؛ ليتبعوه، وليحبوه، وليوالوه، وليقتدوا ويتأسوا به، ولا يتركوا شيئاً من سنته وعمله إلا عملوه.
وأن يعرفوا ما تلزم معرفته من أمر الدنيا والدين إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وللوسائل حكم المقاصد.
قال النبي ﷺ : " طلب العلم فريضة على كل مسلم" ـ وفي رواية " على كل مؤمن " (١)، وتأتى هذه الأهمية بعد قضية الإيمان بالله ، فأول واجب على كل مسلم الإيمان بالله تعالى، ويليه العلم؛ لأنَّك بالتعلم تصحح إيمانك وعقيدتك، وتصحح عملك، فالتعلم هو الوسيلة التي يتمكن بها المكلف من تصحيح إيمانه، ومن تصحيح عمله.
والتعلم له طريقان بحسب طاقة الناس:
١) فمن كان قادراً على تلقى العلم من شيوخه بالجلوس عند ركبهم، ودراسة العلوم عليهم، وجب عليه أن يتعلم الحد الواجب من العلوم بهذه الطريقة.
стр. 40
٢) ومن لم يكن قادراً على ذلك فليتعلم بطريقة السؤال؛ يسأل أهل الذكر وأهل العلم عن المسائل الضرورية التي يصحح بها عمله، ويصحح بها إيمانه ..
قال الله تعالى: " فاسألوا أهل الذكر إنْ كنتم لا تعلمون " [النحل /٤٣]
وقال ﷺ " فإنَّما شفاء العي السؤال " (١)
وقد سلك أصحاب رسول الله ﷺ كلا المسلكين، كلٌ على قدر طاقته، وعلى قدر إمكاناته، فالمهاجرون والأنصار الذين كانوا معه في المدينة النبوية المباركة أكثرهم تلقوا العلم من فم رسول الله ﷺ ، ومن لم يسمعه من فمه ﷺ يسمعه عمن سمعه منه ﷺ ،. وكانوا يتناوبون على سماع العلم منه ﷺ .
في الصحيحين عن عبد الله بن عباس عن عمر ﵄ قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله ﷺ ، ينزل يومًا، وأنزل يومًا، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك .. " (٢)
وكثير من المسلمين في عهده الذين لم يستطيعوا التعلم بهذه الطريقة تلقوه بطريق السؤال، كانوا يأتون رسول الله ﷺ من كل حدب
стр. 41
وصوب يسألون عن الضروري من أمور دينهم، فيجيبهم ﷺ بأوجز وأبلغ عبارة، فيفهمون المراد، ويرجعون إلى بلادهم وأقوامهم، يبادرون إلى العمل.
فهذا رجل من ثقيف يأتي بعد أن امتن الله على قبيلته فدخلت في الإسلام لكن ذلك كان في فترة متأخرة، فيرغب في الخير الذي حصَّله من سبقه، فيسأل النبي سؤالاً جامعًا، ويجيبه النبي بإجابة بليغة وجيزة.
عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك ـ وفي رواية "غيرك " ـ قال: قل آمنت بالله فاستقم " (١)
وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يفرحون بمجيء أحد من الأطراف، خاصة إذا كان من البادية؛ لأنهم كانوا يسألون رسول الله ﷺ عن مسائل كان الصحابة يتهيبون من سؤاله ﷺ عنها.
ولذلك قال أنس: كنا نهاب أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء،
وكان يعجبنا أن يأتيه الرجل من أهل البادية فيسأله، ونحن نستمع. (٢)
وذلك بعد أن أنزل الله تعالى قوله: " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم" [المائدة/١٠١]
стр. 42
بل وحتى النساء كن يحرصن على سؤاله ﷺ ، وتعلم أمور الدين منه ﷺ ، فكانت المرأة من الصحابيات إذا استحيت أن تسأله مباشرة، سألته بواسطة بعض أمهات المؤمنين إذا كان الأمر يتعلق بشيء مما يستحي منه النساء، وأما في غير ذلك فيسألنه ﷺ ، ويحرصن على تلقي العلم منه.
في صحيح مسلم عن عائشة أنَّ أسماء ﵄ سألت النَّبي ﷺ عن غسل المحيض فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها فقالت أسماء: وكيف تطهر بها!! فقال: سبحان الله تطهرين بها.
فقالت عائشة: كأنها تخفي ذلك تتَّبعين أثر الدم.
وسألته عن غسل الجنابة فقال: تأخذ ماء فتطهر فتحسن الطهور أو تبلغ الطهور ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تفيض عليها الماء.
فقالت عائشة نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في ... الدين. (١)
стр. 43
وانظر إلى حرص النساء على تعلم العلم منه ﷺ ، جاءته أسماء بنت يزيد بن السكن رضى الله عنها وهو بين أصحابه فقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أنا وافدة النساء إليك، واعلم ـ نفسي لك الفداء ـ أنه ما من امرأة كانت في شرق ولا غرب سمعت بمخرجي هذا أو لم تسمع إلا وهي على مثل رأيي، أنَّ الله بعثك إلى الرجال والنساء كافة، فآمنا بك وبإلهك، وإنا معشر النساء محصورات مقصورات قواعد بيوتكم، ومفضى شهواتكم، وحاملات أولادكم، وإنكم معاشر الرجال فضلتم علينا بالجمع، والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإن الرجل منكم إذا خرج حاجًا أو معتمرًا أو مرابطا حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا لكم أثوابكم، وربينا لكم أولادكم، أفما نشارككم في هذا الخير يا رسول الله؟!!
فالتفت النبي ﷺ إلى أصحابه بوجهه كله ثم قال: سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مساءلتها عن أمر دينها من هذه!!
قالوا: يا رسول الله ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا. ... فالتفت النبي ﷺ إليها، ثمَّ قال: انصرفي أيتها المرأة، واعلمي من ورائك من النساء أنَّ حسن تبعل إحداكن لزوجها، وطلبها مرضاته، واتباعها موافقته يعدل ذلك كله.
قال: فأدبرت المرأة وهي تهلل وتكبر استبشارا. (١)
стр. 44
فهذه طريقتهم في طلب العلم وحرصهم عليه وحسن سؤالهم عن شئونهم الحقيقية، وتوصيفهم الصحيح لواقعهم بعد فهمهم الدين، فلم يكونوا يفترضون الأمثلة، ولا يطرحون الأمثلة للترف العلمي والفكري، فتعلموا ونقلوا الدين بأمانة، فوصلنا الدين من خلال هؤلاء الصحابة العلماء الأجلاء كاملاً مكملاً، فلا تجد ثغرة في ديننا ولا مسألة إلا وعندك منها علمًا، فجزى الله رسوله ﷺ عنَّا وعن أمة الإسلام خير الجزاء، وجزى صحابته خير الجزاء، وإنما أعرضوا عمَّا لا ينفع، وهذا ما علمه لهم رسول الله ﷺ : لما جاءه رجل يقول: متى الساعة؟ قال: وماذا أعددت لها.
فأحاله على ما ينفع، ودله على أن يسأل عمَّا يفيده في دينه، وينفعه في آخرته، فأين اليوم أنت ـ أخي طالب العلم ـ من هؤلاء، وكيف تطلب؟ وعمَّ تسأل؟ وفيم تبحث؟!!!
ـ إخوتاه أحبتي في الله ـ
إنَّ قضية التعلم اليوم، قد دخلها دخن كثير، وشابتها شوائب كثيرة، ما بين خرافات موروثة من التاريخ، نقلها أهل الزيغ والعناد لا أهل العلم المتخصصون، وما بين انحرافات صنعتها أصابع معاصرة، أصابع مشبوهة، غير مخلصة، لها أغراض مريبة،
стр. 45
فما بين الخرافات الموروثة من ركام التاريخ، وما بين انحرافات المعاصرين وقع المتفقهون في تعب وحيرة، إذ بغيتهم وغايتهم معرفة الله ، وعبادته بما شرع على لسان رسوله ﷺ . وهذه يجب أن تكون غاية كل مسلم يريد التفقه.، ولكن الطريق فيه كثير من المكاره والعقبات، خاصة بعد أن دخلها هذا الدخن في عصرنا الحاضر.
فهناك حاجة ماسة للمتفقهين إلى معرفة معالم الطريق الصحيح للتفقه في دين الله . فهاك عشرة منطلقات على طريق التعلم عسى أن تكون ومضات تضئ طريق الطلب، أو علامات تصحح السير.
стр. 46
المنطلق الأول
البواطن البواطن ... النيات النيات ... الإخلاص الإخلاص
فإن عليكم من الله عيناً ناظرة.
стр. 47
المنطلق الأول
(الإخلاص وصدق النية)
قال تعالى: " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء " [البينة /٥].
وقال ﷺ : "بشر هذه الأمة بالسناء والتمكين في البلاد، والنصر والرفعة في الدين، ومن عمل منهم بعمل الآخرة للدنيا فليس له في الآخرة من ... نصيب " (١)
فانظر ـ أخي في الله وحبيبي ـ إلى هذا الربط الخطير بين التمكين والإخلاص فبه تعلم ما سبب تأخر التمكين.
إنَّ من أخطر الأسباب التي تحول بين الأمة وبين التمكين في هذا العصر الذي يعاني فيه المسلمون من الهوان: " فساد النية "
يا أيها العامل لنصر الدين، الآمل حصول التمكين، أخلص النية لله تعالى، وإلا فالنار النار.
أيها المتفقه ...
لماذا نتعلم؟ لماذا نتفقه؟ لماذا نطلب العلم؟
стр. 48
قال ﷺ :" من طلب العلم ليباهي به العلماء، ويمارى به السفهاء، أو ليصرف وجوه الناس إليه فهو في النار " (١).
فهذا الحديث الخطير قاضٍ بأنَّ على طالب العلم أن يصحح نيته في طلبه، فلا يكون إلا لله وحده، يبتغى عنده الرضوان، ويرجو لديه الثواب، لا ليرتفع به في أعين الناس، ويعلو به فوق أعناقهم، ويركب به أكتافهم، ولكن:
كيف يصحح طالب العلم نيته؟ أو بمعنى آخر ماذا ينوي؟
قال ابن جماعة: حسن النية في طلب العلم بأن يقصد به وجه الله تعالى والعمل به، وتنوير قلبه، وتحلية باطنه، والقرب من الله تعالى يوم القيامة، والتعرض لما أعد لأهله من رضوانه، وعظيم فضله. ... قال سفيان الثوري: ما عالجت شيئاً أشد عليَّ من نيتي. ... ولا يقصد به الأغراض الدنيوية؛ من تحصيل الرياسة والجاه والمال، ومباهاة الأقران، وتعظيم الناس له، وتصديره في المجالس ونحو ذلك، فيستبدل الأدنى بالذي هو خير.
قال أبو يوسف ﵀: يا قوم أريدوا بعملكم الله تعالى، فإني لم أجلس مجلساً قط أنوي فيه أن أتواضع إلا لم أقم حتى أعلوهم، ولم أجلس مجلساً قط أنوي ... فيه أن أعلوهم إلا لم أقم حتى أفتضح.
стр. 49
والعلم عبادة من العبادات، وقربة من القرب، فإنْ خلصت فيه النية قُبِل وزكَّا، ونمت بركته، وإن قصد به غير وجه الله تعالى حبط وضاع، وخسرت صفقته، وربما تفوته تلك المقاصد، ولا ينالها فيخيب قصده، ويضيع سعيه " أهـ (١)
فيا أيها المتفقه:
أخلص نيتك، وطهر قلبك من الرياء، واقصد وجه الله بتوجهك تكسب خيري الدنيا والآخرة، وإلا فالخسار والدمار وخراب الديار.
عن أبي أمامة قال: قال ﷺ : " إنَّ روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله فإن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته " (٢)
انتبه ـ أيها المتفقه ـ فإنَّك تطلب الخير من الله، وما عند الله لا ولن ينال إلا بطاعته.
قال ﷺ : " إنما الأعمال بالنيات ـ وفي رواية مسلم " بالنية " ـ وإنما لكل امرئ ما نوى" (٣)
стр. 50
فالنية هي الأصل، والله الحسيب والرقيب، مطلع على السرائر والضمائر، لا تخفي عليه خافية،. وكم من عمل يتصور بصورة أعمال الدنيا فيصير بحسن النية من أعمال الآخرة، وكم من عمل يتصور بصورة أعمال الآخرة فيصير بسوء النية من أعمال الدنيا فلتحذر.
قال عبد الله الأنطاكي: من طلب الإخلاص في أعماله الظاهرة، وهو يلاحظ الخلق بقلبه، فقد رام المحال؛ لأنَّ الإخلاص ماء القلب الذي به حياته، والرياء يميته.
فلا بد إذاً للنجاة في الآخرة، وللانتفاع بالعلم في الدنيا، والنفع به، من الإخلاص، رزقنا الله وإياكم إياه.
ولكن الإخلاص عزيز.
قال بعض السلف: أعز شئ في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، وكأنه ينبت فيه على لون آخر.
وكان من دعائهم: اللهم إني أستغفرك مما تبت إليك منه ثم عدت فيه، واستغفرك مما جعلته لك على نفسي ثم لم أف لك به، واستغفرك مما زعمت أنى أردت به وجهك فخالط قلبي منه ما قد علمت.
ومن أجل تلك العزة والندرة للإخلاص أحذر إخواني.
فيا أيها المتفقه ..
احذر أن تكون منافقاً، وأنت لا تشعر، مرائياً من حيث لا تعلم، احذر الشهوة الخفية، فإنَّ كثيراً من طلاب العلم سقطوا لمَّا
стр. 51
غفلوا عن تلك الشهوات الخفية، وهي عند الله من الكبائر، ولعلها أكبر من الزنى وشرب الخمر، وهذه الشهوات الخفية تهجم على قلب المتعلم صغيراً كان أو كبيراً، مشهوراً كان أو مغموراً، فتفسد عمله، وتخيِّب قصده، عافانا الله وإياكم منها. .
إنها شهوة الترفع وحب الظهور، شهوة كسب الاحترام والتوقير.، شهوة طلب الشهرة وأن يشار إليه بالبنان.، إنها مصيبة اتخاذ العلم وسيلة لنيل غرض من أغراض الدنيا؛ لبناء الأمجاد الشخصية، والعلو على الناس، والاستعظام عليهم، واحتقار الآخرين وازدرائهم، وعيبهم والتشنيع عليهم، شهوة حب التصدر، وأن ينشغل الناس به، وينقادوا إليه، ثم تكون النتيجة: الكبر.، الغرور.، العجب.، الأنانية، وحب الذات،. وعبادة النفس، والانتصار لها، والغضب لها،. وعبادة الهوى.
وهذه ـ والله ـ بليات نعوذ بالله منها، تسقط بسببها سماء إيمانك على أرضه، فلا تقوم للقلب قائمة، وواللهِ إنَّ القلب ليقشعر من مجرد تعديد هذه الأمراض، عافانا الله وإياكم منها.
ولعمر الله إنَّ قضية الرياء والشهوة الخفية لهي الطامة الكبرى، والمصيبة العظمى، فشوب النيات يورث الرياء والشرك، والرياء مدخل النفاق، والمعصية بريد الفسق، وهما دهليز الكفر.
ولكن تُرى: كيف تدخل هذه الأمراض على القلوب؟
стр. 52
يقول أبو الحسن الماوردى: " وقلما تجد بالعلم معجباً، وبما أدرك مفتخراً، إلا من كان فيه مقلاً مقصراً؛ لأنه قد يجهل قدره، ويحسب أنه نال بالدخول فيه أكثره.، فأما من كان فيه متوجهاً، ومنه مستكثراً، فهو يعلم من بعد غايته والعجز عن إدراك نهايته ما يصده عن العجب به. (١)
وقد قال الشعبي: العلم ثلاثة أشبار: فمن نال شبراً منه شمخ بأنفه، وظن أنَّه ناله، ومن نال منه الشبر الثاني صغرت إليه نفسه، وعلم أن لم ينله، وأما الشبر الثالث فهيهات لا يناله أحداً أبداً.
هكذا بان لك ـ أخي في الله ـ السبب الحقيقي لهذا الداء العضال والمرض الخطير، ويرحم الله علماء السلف فقد كانوا أعلم الناس بأسباب النجاة، نعم ... ـ والله ـ أُتِىَ المعجب من جهله، ونعوذ بالله من الجهل وأهله.
وأنا إذ أحذرك من تلك الشهوة الخفية فلا بد أن أذكر لك ـ حبيبي في الله ـ بعض مظاهرها؛ لأنها قد تخفي على الكثير إلا من وفقه الله.
فمن مظاهر هذه الشهوة الخفية:
١. أن يشتغل المتفقه بفرض الكفاية عن فرض العين؛ وأن يشتغل بعلوم الاجتهاد قبل أن يتفقه في دين الله .
فتجد المسكين بلا عقيدة صحيحة، ولا معرفة صادقة بأسماء الله وصفاته، ولا إلمام بتصحيح العبادات الظاهرة والباطنة، ومع ذلك هو
стр. 53
عاكف على علوم الآلات، ويهجم على النصوص ويستنبط ويرجح بين الأقوال، ويرد على العلماء ويتعصب، ويغضب لنفسه ورأيه، لا لدين الله ، فهذا هو الخذلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قال في مختصر منهاج القاصدين: " وأنت تجد الفقيه يتكلم في الظهار واللعان والسبق والرمي، ويفرع التفريعات التي تمضي الدهور ولا يحتاج إلى مسألة منها، ولا يتكلم في الإخلاص، ولا يحذر من الرياء، وهذا عليه فرض عين؛ لأنَّ في إهماله هلاكه، والأول فرض كفاية، ولو أنَّه سئل عن علة ترك المناقشة للنفس في الإخلاص والرياء لم يكن له جواب " (١)
٢) ومن المظاهر كذلك: الجرأة على الفتوى وتعجل التدريس.
قال الله تعالى: " آلله أذن لكم أم على الله تفترون " [يونس/٥٩]
ومن تأمل سير السلف يعرف حقًا كيف كان هؤلاء الأكابر أكثر الناس علمًا وورعًا، فكانوا يهابون مما يقتحمه المتعالمون في هذه الأيام، ومما يقع فيه علماء السوء من شواذ المسائل.
قال أبو داود في مسائله: ما أحصى ما سمعت أحمد سئل عن كثير مما فيه الاختلاف في العلم فيقول لا أدري.
قال: وسمعته يقول ما رأيت مثل ابن عيينة في الفتوى أحسن فتيا منه، كان أهون عليه أن يقول لا أدري.
стр. 54
وقال عبد الله ابنه في مسائله سمعت أبي يقول وقال عبد الرحمن بن مهدي سأل رجل من أهل الغرب مالك ابن أنس عن مسألة فقال لا أدري فقال يا أبا عبد الله تقول لا أدري قال نعم فأبلغ من ورائك أني لا أدري.
وقال عبد الله: كنت أسمع أبي كثيرًا يسأل عن المسائل فيقول: لا أدري، ويقف إذا كانت مسألة فيها اختلاف، وكثيرا ما كان يقول: سل غيري فإن قيل له من نسأل قال سلوا العلماء ولا يكاد يسمي رجلا بعينه.
يقول ابن القيم: وكان السلف من الصحابة والتابعين يكرهون التسرع في الفتوى، ويود كل واحد منهم أن يكفيه إياها غيره، فإذا رأى أنها قد تعينت عليه بذل اجتهاده في معرفة حكمها من الكتاب والسنة أو قول الخلفاء الراشدين ثم أفتى. (١)
قال عبد الرحمن ابن أبي ليلى: أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله ﷺ ، أراه قال: في المسجد، فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، ولا مفت إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا.
وقال سحنون بن سعيد: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم يظن أن الحق كله فيه
стр. 55
فأين هؤلاء الأصاغر المتعالمون من أدب سلفنا الصالح، ولكنها الشهوة الخفية، وأين هؤلاء من الشروط والأسس التي وضعها سلفنا لحفظ جناب الدين من المتفيقهين.
قال الإمام أحمد: " لا ينبغي للرجل أن يعرض نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال:
إحداها:: أن تكون له نية، أي أنْ يخلص في ذلك لله تعالى، ولا يقصد رياسة ولا نحوها، فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور، ولا على كلامه نور، إذ الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى.
الثانية: أن يكون له حلم ووقار وسكينة، وإلا لم يتمكن من فعل ما تصدى له من بيان الأحكام الشرعية.
الثالثة: أن يكون قويًا على ما هو فيه وعلى معرفته، وإلا فقد عرض نفسه لعظيم.
الرابعة:: الكفاية وإلا أبغضه الناس، فإنه إذا لم تكن له كفاية احتاج إلى الناس، وإلى الأخذ مما في أيديهم فيتضررون منه.
الخامسة: معرفة الناس. (١)
ولعلك إن فتشت فيمن حولك عمن تنطبق فيه تلك الأوصاف لا يسعفك عد عشرة على أصابع اليدين ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 56
فحذار حذار من فتنة التصدر، وطلب الشهرة والجاه، فإنها ـ لعمر الله ـ قتالة للقلب، مفسدة له، دالة على سوء النوايا، وإنما من ابتلي بذلك صبر، ومن استراح من هذا شكر لو تعلمون.
٢. ومن العلامات أنه يشتهي المناظرة، ويبحث عن الجدل، ويكثر الكلام، ويهرف بما لا يعرف
قال الله تعالى: " وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً " [الكهف /٥٤]
وقال رسول الله ﷺ : أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ في رَبَضِ الْجَنّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقاّ، وَبِبَيْتٍ في وَسَطِ الْجَنّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كان مَازِحاً، وَبِبَيْتٍ في أعْلَى الْجَنّةِ لِمَنْ حَسّنَ خُلُقَهُ " (١)
قال الأوزاعي: إذا أراد الله بقوم شرا فتح عليهم الجدل، ومنعهم العمل.
قال معروف بن فيروز الكرخي: إذا أراد الله بعبد خيرًا فتح له باب العمل، وأغلق عنه باب الجدل، وإذا أراد الله بعبد شرًا فتح له باب الجدل، وأغلق عنه باب العمل. (٢)
وقال بعض السلف: إذا رأيت الرجل لجوجًا مماريًا معجبًا برأيه فقد تمَّت خسارته.
وإنما يعطى الجدل الفتانون، فما ضل قوم بعد هدى إلا أوتوا الجدل، وما يشتهي المناظرة إلا الباحثون عن أعراض الدنيا الزائلة،
стр. 57
وإنما كان الرجل من السلف لا يقع في المناظرة إلا اضطرارًا، وما زلَّ من زلَّ في هذا الباب إلا بسبب الرياء والسمعة، وإنما كان همُّ الأوائل الأعمال لا الأقوال، وصار قصارى همُّ بعضنا الآن الكلام طلبًا للظهور.
وقال رسول الله ﷺ : " بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام، فان من ورائكم أياما الصبر فيهن القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم." (١)
وهذه وصية نبوية غالية، تشير إلى أمراض خطيرة، وأوبئة دوية:
شح مطاع، هوى متبع، دنيا مؤثرة، عجب وإعجاب بالرأي
فيا لها من أمراض قتَّالة، وأوبئة فتَّاكة، تفتك بالدين، وتقتل الإخلاص، وإنَّما المرض العضال الحامل على كل هذا والمؤدي إليه: حب الظهور، وشهوة التصدر، والرغبة في الشهرة، والعلو على الأقران، فنسأل الله العافية من أمراض القلوب، ونسأله هو العلي القدير أنْ يرزقنا الإخلاص، وأنْ يجمعنا على الصالحين من عباده في الدنيا والآخرة.
عن عبد الله بن المبارك قال: قيل لحمدون بن أحمد: ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا؟!!
стр. 58
قال: لأنَّهم تكلموا لعز الإسلام، ونجاة النفوس، ورضا الرحمن، ونحن نتكلم لعز النفوس، وطلب الدنيا، ورضا الخلق.
قال أبو قلابة لأيوب السختياني: يا أيوب إذا أحدث الله لك علمًا فأحدث لله عبادة، ولا يكونن همك أن تحدث به الناس.
قال الحسن البصري: همة العلماء الرعاية، وهمة السفهاء الرواية.
فإذا لم تجد القول موافقًا للعمل فاعلم أنه نذير النفاق.
قال عبد الله بن المعتز: علم المنافق في قوله، وعلم المؤمن في عمله.
وحكى الذهبي ـ رحمه الله تعالى ـ عن أبى الحسن القطان ـ رحمه الله تعالى ـ قوله: أُصبت ببصري، وأظن أنى عوقبت بكثرة كلامي أيام الرحلة.
قال الذهبي: " صدق والله، فقد كانوا مع حسن القصد وصحة النية غالباً يخافون ... من الكلام، وإظهار المعرفة. واليوم يكثرون الكلام مع نقص العلم، ... وسوء القصد ثم إن الله يفضحهم، ويلوح جهلهم وهواهم واضطرابهم فيما علموه فنسأل الله التوفيق والإخلاص. أهـ
وعن معمر بن راشد قال: إنَّ الرجل يطلب العلم لغير الله فيأبى عليه العلم حتى يكون لله.
стр. 59
قال الذهبي ـ رحمه الله تعالى ـ: " نعم يطلبه أولاً، والحامل له حب العلم، وحب إزالة الجهل عنه وحب الوظائف، ونحو ذلك، ولم يكن عَلِم وجوب الإخلاص فيه، ... ولا صدق النية، فإذا علم حاسب نفسه، وخاف من وبال قصده، فتجيئه النية الصالحة كلها أو بعضها، وقد يتوب من نيته الفاسدة، ويندم، وعلامة ذلك أنه يُقْصِر من الدعاوى وحب المناظرة، ومن قَصْدِ التأثير بعلمه، ويُزْري على نفسه، فإن تَكَثَّر ... بعلمه، أو قال أنا أعلمُ من فلان فبعداً له ".
قال الأصبهاني:
اعمل بعلمك، تغنم أيها الرجل ... لا ينفع العلم إن لم يحسن العمل
والعلم زين، وتقى الله زينته ... والمتقون لهم في علمهم شغل
وحجة الله يا ذا العلم بالغة ... لا المكر ينفع فيها لا ولا الحيل
تعلم العلم واعمل ما استطعت به ... لا يلهينك عنه اللهو والجدل
٤) ومن العلامات الولع بالغرائب وتعمد البحث عن المهجور من الأقوال.
فبمجرد أن يتصيد مسألة من هنا أو هناك، سمعها في مجلس، أو من شريط، أو قرأها في صحيفة، أو في كتاب، يوالي ويعادى على تلك
стр. 60
المسألة.، وأكثر الناس اليوم لا علم له إلا ببعض المسائل، وليتها بالنافعة، وإنما شواذ المسائل، وغريب الآراء، والمهجور من الأقوال، وكأن الشعار "خالف تُعرف" فالخلاف عنده أشهى من الاتفاق.
كنت في صحبة شيخنا العلامة ابن عثيمين، وسألته عن مسألة يدندن حولها الكثيرون، فغضب الشيخ وأخذ يقول: من ذا الذي يحيي هذه المسائل بعد أن ماتت؟ وأخذ يردد ذلك.
فالولع بالغريب والشاذ من الأقوال، وإحياء المسائل المهجورة والتي حسمها أهل العلم منذ زمن بعيد، كل ذلك ـ إن كان عن عمد ـ يدل على خلل واضح، وسوء قصد بين، لا سيما إذا كان الأمر زلَّ فيه عالم من العلماء، ومن هنا حذر أهل العلم من تتبع هذه المسائل التي أسموها بـ " الطبوليات " إذ قيل: " زلة العالم مضروب لها الطبل ". (١)
٣. ومن المظاهر الشغب على المخالف والزهو بالمتبع.
فإنك تراه يشغب على من خالفه، ويعاديه، وينفر منه، ويفرح بالمدح، ويزهو بكثرة الاتباع، وبالضد تتميز الأشياء، وتلك من نتاج العصبيات والحزبيات، لعدم تحقيق عقيدة الولاء والبراء فيصير الولاء للمتبع، والبراء للمخالف، وما كان هذا هدي السلف في الخلاف، لا سيما في الفروع، ومن أهم علامات الصادق استواء المدح والذم عنده، فإن لم يكن كذلك فليتهم نفسه.
стр. 61
قال الإمام الذهبي ـ رحمه الله تعالى ورضى عنه ـ في سير أعلام النبلاء (١): عن عبد الرحمن بن مهدى عن طالوت: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: ما صدق الله عبد أحب الشهرة.
قلت (أي الذهبي ﵀: علامة المخلص الذي قد يحب الشهرة، ولا يشعر بها، أنه إذا عوتب في ذلك لا يحرد، ولا يبرئ نفسه، بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى إلىَّ عيوبي، ولا يكن معجباً بنفسه، لا يشعر بعيوبها، بل يشعر أنه لا يشعر، فإن هذا داء مزمن " أهـ
وما أغلاه من كلام، وصدق من قال: الذهبي ذهبي الكلام، حقاً إنه كلام أغلى من الذهب، فالمخلص إذا اتهم لم يكابر، لم يشمخ بأنفه، ولم تأخذه العزة بالإثم فيقول: أنا .. أنا .. أنا، وإنما يخضع ويذعن، ويخاف ويخشى، ويتهم نفسه، ويسيء الظن بها، ويقول: ويلى، وويل أمي، إنْ لم يرحمني ربى.
وعن الفضيل بن عياض قال: يا مسكين، أنت مسيء وترى أنَّك محسن، وأنت جاهل وترى أنَّك عالم، وتبخل وترى أنَّك كريم، وأحمق وترى أنَّك عاقل، أجلك قصير، وأملك طويل.
قال الذهبي ـ رحمه الله تعالى ـ: " قلت: إي والله صدق، وأنت ظالم وترى أنَّك مظلوم، وآكل للحرام وترى أنَّك متورع، وفاسق وتعتقد أنَّك عدل، وطالب العلم للدنيا وترى أنَّك تطلبه لله ". (٢)
стр. 62
نماذج من أقوال السلف
كان الحسن البصري كثيرًا ما يعاتب نفسه ويوبخها فيقول: تتكلمين بكلام الصالحين القانتين العابدين، وتفعلين فعل الفاسقين المنافقين المرائين، والله ما هذه صفات المخلصين.
وكان يوسف بن أسباط يقول: ما حاسبت نفسي قط إلا وظهر لي أنني مراءٍ خالص.
كان سفيان الثوري يقول: كل شئ أظهرته من عملي فلا أعده شيئاً؛ لعجز أمثالنا عن الإخلاص إذا رآه الناس.
وكان الفضيل بن عياض يقول: إذا كان يُسأل الصادقين عن صدقهم، مثل إسماعيل وعيسى ﵉، فكيف بالكاذبين أمثالنا؟!!
وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: من أراد أن يأكل الخبز بالعلم فلتبك عليه البواكي.
وقال الذهبي ﵀: ينبغي للعالم أن يتكلم بنية وحسن قصد، فإن أعجبه كلامه فليصمت، وإن أعجبه الصمت فلينطق، ولا يفتر عن محاسبة نفسه فإنها تحب الظهور والثناء.
стр. 63
وقال على بن بكار البصري الزاهد (ت ٢٠٧ هـ) ـ رحمه الله تعالى ـ: " لأن ألقى الشيطان أحب إليَّ من أن ألقى حذيفة المرعشي، أخاف أن أتصنع له، فأسقط من عين الله ".
وفي ترجمة هشام الدستوائي قال عون بن عمارة: سمعت هشاما الدستوائي ... يقول: والله ما أستطيع أن أقول أنِّي ذهبت يومًا قط أطلب الحديث أريد به وجه الله .
قلت ـ أي الذهبي ـ: والله ولا أنا، فقد كان السلف يطلبون العلم لله فنبلوا، وصاروا أئمة يقتدى بهم، وطلبه قوم منهم أولا لا لله، وحصلوه ثم استفاقوا، وحاسبوا أنفسهم، فجرهم العلم إلى الإخلاص في أثناء الطريق.
كما قال مجاهد وغيره: طلبنا هذا العلم، وما لنا فيه كبير نية، ثم رزق الله النية بعدُ.
وبعضهم يقول: طلبنا هذا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله.
فهذا أيضًا حسن، ثم نشروه بنية صالحة.
وقوم طلبوه بنية فاسدة لأجل الدنيا، وليثنى عليهم، فلهم ما نووا.
قال ﷺ : من غزا ينوي عقالاً فله ما نوى. (١)
стр. 64
وترى هذا الضرب لم يستضيئوا بنور العلم، ولا لهم وقع في النفوس، ولا لعلمهم كبير نتيجة من العمل، وإنما العالم من يخشى الله تعالى.
وقوم نالوا العلم، وولوا به المناصب فظلموا، وتركوا التقيد بالعلم، وركبوا الكبائر والفواحش فتبًا لهم، فما هؤلاء بعلماء!!
وبعضهم لم يتق الله في علمه، بل ركب الحيل، وأفتى بالرخص، وروى الشاذ من الأخبار.
وبعضهم اجترأ على الله، ووضع الأحاديث فهتكه الله، وذهب علمه، وصار زاده إلى النار. وهؤلاء الأقسام كلهم رووا من العلم شيئًا كبيرًا، وتضلعوا منه في الجملة، فخلف من بعدهم خلف بان نقصهم في العلم والعمل، وتلاهم قوم انتموا إلى العلم في الظاهر، ولم يتقنوا منه سوى نزر يسير، أوهموا به أنهم علماء فضلاء، ولم يدر في أذهانهم قط أنهم يتقربون به إلى الله؛ لأنهم ما رأوا شيخًا يقتدى به في العلم، فصاروا همجًا رعاعًا، غاية المدرس منهم أنْ يحصل كتبا مثمنة يخزنها، وينظر فيها يوما ما، فيصحف ما يورده، ولا يقرره، فنسأل الله النجاة والعفو، كما قال بعضهم: ما أنا عالم، ولا رأيت عالمًا. (١)
وفي ترجمة ابن جريج: قال الوليد بن مسلم سألت الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وابن جريج: لمن طلبتم العلم؟!! كلهم يقول: لنفسي. غير أنَّ ابن جريج فإنَّه قال: طلبته للناس.
стр. 65
قال الذهبي ﵀ تعليقًا على هذا الخبر: " قلت: ما أحسن الصدق، واليوم تسأل الفقيه الغبي لمن طلبت العلم؟!! ".
فيبادر ويقول: طلبته لله، ويكذب إنَّما طلبه للدنيا، ويا قلة ما عرف منه " أهـ (١)
رحمك الله أيها الذهبي، فماذا كنت تقول لو أدركت بعض ما نحن فيه؟!! وكأني به قد أبصر عيوبنا في هذا الزمان، من قلة العلماء، وعدم وجود المربي الأسوة، فصار فينا هؤلاء الهمج الرعاع، دينهم الكذب، فرحماك ربنا، وعافيتك أوسع لنا.
وفي كتاب المحدث الملهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قال: من خلصت نيته في الحق، ولو على نفسه، كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين بما ليس فيه شانه الله.
حقيقة الإخلاص
بعض الناس يسمع الأمر بالإخلاص، فيظن أنَّ الإخلاص أن يقول: نويت أتعلم لله، أو مثل ذلك، وما مثله إلا كمثل رجل جائع، وأمامه طعام، وهو يقول: نويت أن آكل. فهل بهذا يشبع؟!! الإخلاص شيء آخر، الإخلاص: انبعاث القلب إلى جهة المطلوب التماسًا.
وقال بعضهم: الإخلاص تغميض عين القلب عن الالتفات إلى سوى الله تعالى.
стр. 66
وقيل: الإخلاص سر بين الله وبين العبد، لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوى فيميله
فالإخلاص تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين، فمتى أفردت ربك بالطاعة، ونسيت رؤية الخلق بدوام نظرك إلى الخالق، فقد تحقق لك الإخلاص. ولكن كيف؟ هذه هي القضية.
كيف أخلص؟
إذا سألت كيف أنوي نية صالحة، وأخلص النية لله تعالى؟!
فالجواب كما قال أبو حامد الغزالي ـ رحمه الله تعالى ـ: " اعلم أن النية والإرادة والقصد عباراتٌ متواردة على معنى واحد، وهو حال وصفة للقلب يكتنفها أمران: علمٌ وعمل، العلم يقدُمُهُ؛ لأنه أصله وشرطه، والعمل يتبعه؛ لأنه ثمرته وفرعه؛ وذلك لأن كل عمل ـ أعنى كل حركة وسكون اختياري ـ فإنه لا يتم إلا بثلاثة أمور: علم، وإرادة، وقدرة؛ لأنه لا يريد الإنسان ما لا يعلمه، فلا بد أن يعلم، ولا يعلم ما لم يرد، فلا بد من إرادة.، ومعنى الإرادة انبعاث القلب إلى ما يراه موافقًا للغرض، إما في الحال، أو في المآل.
فقد خلق الإنسان بحيث يوافقه بعض الأمور، ويلائم غرضه ويخالفه بعض الأمور، فيحتاج إلى جلب الموافق الملائم إلى نفسه، ودفع الضار المنافي عن نفسه، فاضطر بالضرورة إلى معرفة وإدراك للشيء المضر
стр. 67
والنافع حتى يجلب هذا، ويهرب من هذا، فإنَّ من لا يبصر الغذاء، ولا يعرفه لا يمكنه أن يتناوله، ومن لا يبصر النار لا يمكنه الهرب منها، فخلق الله الهداية والمعرفة، وجعل لها أسباباً، وهي الحواس الظاهرة والباطنة.
فالنية عبارة عن الصفة المتوسطة، وهي الإرادة وانبعاث النفس بحكم الرغبة والميل إلى ما هو موافق للغرض، إما في الحال وإما في المآل، فالمحرك الأول هو الغرض والباعث، والغرض الباعث هو: القصد المنْوِىُّ، والانبعاث هو القصد ... والنية، وانتهاض القدرة لخدمة الإرادة بتحريك الأعضاء هو العمل " أهـ
فالإخلاص تنقية القلب من الشوائب قليلها وكثيرها، حتى يتجرد فيه قصد التقرب، فلا يكون فيه باعث سواه، واحذر فإنَّ الشيطان قد يحاصر العبد، ويحبط له كل عمل، ولا يكاد يخلص له عمل واحد، وإذا خلص له عمل واحد فقد ينجو به العبد.
قيل لسهل التستري ﵀: أي شيء أشد على النفس؟!!
قال: الإخلاص إذ ليس لها فيه نصيب. .
فالنفس تحب الظهور والمدح والرياسة، وتميل إلى البطالة والكسل، وزينت لها الشهوات ولذلك قيل: تخليص النيات على العمال أشد عليهم من جميع الأعمال.
وقال بعضهم: إخلاص ساعة نجاة الأبد، ولكن الإخلاص عزيز.
وقال بعضهم لنفسه: اخلصي تتخلصي.
стр. 68
وقال: طوبى لمن صحت له خطوة لم يرد بها إلا وجه الله.
كان سفيان الثوري يقول: قالت لي والدتي: يا بُني لا تتعلم العلم إلا إذا نويت العمل به، وإلا فهو وبال عليك يوم القيامة.
وقد قيل لذي النون المصري ـ رحمه الله تعالى ـ: متى يعلم العبد أنه من المخلصين؟
فقال: إذا بذل المجهود في الطاعة، وأحب سقوط المنزلة عند الناس.
وقيل ليحيى بن معاذ ـ رحمه الله تعالى ـ: متى يكون العبد مخلصاً؟
فقال: إذا صار خلقه كخلق الرضيع، لا يبالي من مدحه أو ذمه.
وللعلامة ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ كلام نفيس في مسألتنا هذه فيقول: " لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس، إلا كما يجتمع الماء والنار، والضب والحوت، فإذا حَدَّثتك نفسك بطلب الإخلاص فأقبل على الطمع أولاً فاذبحه بسكين اليأس، وأقبل على المدح والثناء، فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص.
فإنْ قلت: وما الذي يسهل علىَّ ذبح الطمع، والزهد في الثناء والمدح؟
قلت: أما ذبح الطمع فيسهله عليك علمك يقينًا أنه ليس من شيء يطمع فيه إلا وبيد الله وحده خزائنه، لا يملكها غيره، ولا يؤتى العبد منها شيئاً سواه، فاطلبه من الله.
وأمَّا الزهد في الثناء والمدح، فيسهله
стр. 69
عليك أنه ليس أحد ينفع مدحه ويزين، ويضر ذمه ويشين، إلا الله وحده، كما قال ذلك الأعرابي للنبي ﷺ : إن مدحي زين، وذمي شين، فقال: " ذاك الله ". (١)
فازهد في مدح من لا يزينك مدحه، وفي ذم من لا يشينك ذمه، وارغب في مدح مَن كل الزين في مدحه، وكل الشين في ذمه، ولن يُقدَر على ذلك إلا بالصبر واليقين، فمتى فقدت الصبر واليقين كنت كمن أراد السفر في البر في غير مركب.
قال تعالى: " فاصبر إنَّ وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون " [الروم / ٦٠]
وقال تعالى: " وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون " ... [السجدة/٢٤]
زبدة الكلام وخلاصة الختام
بان لنا أنَّ معوقات الإخلاص خمسة ـ عافاك الله منهاـ:
١) الطمع: وعلاجه اليأس مما في أيدي الناس، وتعلق القلب بالله والرغبة فيما عنده.
стр. 70
٢) حب المدح: وعلاجه علمك أنَّ الممدوح حقًا من ﵁ وأحبه، وإنْ ذمَّه الناس.
قال بعض السلف: مذ عرفت الناس لم أفرح بمدحهم، ولم أحزن على ذمهم، فحامدهم مفرط، وذامهم مفرط.
وقال آخر: لن يكون العبد من المتقين حتى يستوي عنده المادح والذام.
٣) الرياء: وطريقة نفي الرياء أن يعلم أنَّ الخلق لا ينفعونه ولا يضرونه حقيقة، فلا يتشاغل بمراعاتهم، فيتعب نفسه، ويضر دينه، ويحبط عمله كله، ويرتكب سخط الله تعالى، ويفوت رضاه، واعلم أنَّ قلب من ترائيه بيد من تعصيه.
٤) العجب: وطريقة نفي الإعجاب أن يعلم أنَّ العمل فضل من الله تعالى عليه، وأنه معه عارية، فإنَّ لله ما أخذ، ولله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فينبغي ألا يعجب بشيء لم يخترعه، وليس ملكاً له، ولا هو على يقين من دوامه.
٥) احتقار الآخرين واستصغارهم وازدرائهم: وطريقة نفي الاحتقار التأدب بما أدبنا الله تعالى به. قال تعالى: " فلا تزكوا أنفسكم " [النجم/ ٣٢]. وقال تعالى: " إنَّ أكرمكم عند الله اتقاكم" [الحجرات/١٣]، فربما كان هذا الذي يراه دونه أتقى لله تعالى، وأطهر قلباً، وأخلص نية، وأزكى عملاً، ثم إنه لا يعمل ماذا يختم له به.
стр. 71
فائدة مهمة
لا يفوتنا هنا التنبيه على أنه لا ينبغي لطالب العلم أن ينقطع عن الطلب لعدم خلوص نيته، فإن حسن النية مرجو له ببركة العلم.
قال كثير من السلف: طلبنا العلم لغير الله فأبى إلا أن يكون لله.
وقال غيره: طلبنا العلم وما لنا فيه كبير نية، ثم رزق الله النية بعد. أي فكان عاقبته أن صار لله. .
قيل للإمام أحمد بن حنبل: إن قوماً يكتبون الحديث، ولا يُرى أثره عليهم، وليس لهم وقار.
فقال: يؤولون في الحديث إلى خير.
وقال حبيب بن أبى ثابت: طلبنا هذا العلم، وما لنا فيه نية، ثم جاءت النيةُ والعملُ بعد.
فالعبد ينبغي عليه ألا يستسلم، بل يحاول معالجة نيته، وإن كانت المعالجة شديدة في أول الأمر.
يقول سفيان الثورى: ما عالجت شيئاً أشد علىَّ من نيتي
فجاهد ـ أيها المتفقه ـ، وحسِّن نيتك، وحرر الإخلاص، وجرد التوحيد، واصدق الله يصدقك، واحفظ الله يحفظك، والله معك، ولن يترك عملك.
فمن أخلص في طلب العلم نيته، وجدد للصبر عليه عزيمته، كان جديراً أن ينال منه بُغيتَه.
стр. 72
المنطلق الثاني
علو الهمة شرط السلوك
فالعلم لا يعطيك بعضه
حتى تعطيه كلَّك.
стр. 73
المنطلق الثاني
(علو الهمة)
أيها المتفقه ..
لابد لكل سالك إلى الله من همَّة تسيِّره وترقيه، ومن علم يبصره ويهديه، والهمَّة في مدلولها ومعناها تعني توجه القلب وقصده، وأصحاب الهمم العالية من راموا بكليتهم سبيل الحق، فعكفت قلوبهم على الله، وجمعوا همتهم عليه، وفرَّغُوا القلب لمحبته، والإنابة إليه، والتوكل عليه، والاشتغال بمرضاته، دون كل ما فيه تفريق للقلب وتشتيت له.
يقول ابن القيم:
" وعلو الهمة أن لا تقف دون الله، ولا تتعوَّض عنه بشيء سواه، ولا ترضى بغيره بدلا منه، ولا تبيع حظها من الله وقربه، والأنس به، والفرح والسرور والابتهاج به، بشيء من الحظوظ الخسيسة الفانية، فالهمة العالية على الهمم كالطائر العالي على الطيور، لا يرضى بمساقطهم، ولا تصل إليه الآفات التي تصل إليهم فإنَّ الهمة كلما علت بعدت عن وصول الآفات إليها، وكلما نزلت قصدتها الآفات من كل مكان، فإنَّ الآفات قواطع وجواذب، وهي لا تعلو إلى المكان العالي فتجتذب منه، وإنَّما تجتذب من المكان السافل، فعلو همة المرء عنوان فلاحه، وسفول همته عنوان حرمانه ". (١)
стр. 74
وأنت ـ أيها المتفقه ـ لابد لك من التعالي عن سفاسف الأمور، وأخذ الأهبة، والتحلي بإرادة لا يفلها الحديد، فأنت مقدم على أمر عظيم حاله، خطير شأنه، أنت مقدم لوراثة الأنبياء، والارتقاء لمراتب الأولياء الأصفياء، فلا يصلح لصاحب هذه المنزلة أنْ يحوم حول حطام الدنيا الزائف، ويجول قلبه في خيالات المحال والبهتان، فلا تزال أمواج الأماني الكاذبة والخيالات الباطلة تتلاعب به كما تتلاعب الكلاب بالجيفة، فهذه بضاعة كل نفس مهينة خسيسة سفلية، ليست لها همَّة تنال بها الحقائق.
فأصحاب الهمم السفلية تراهم يتكالبون على الحظوظ الفانية، من الجاه والسلطان، وحب الرياسة، والتطواف في البلدان لجمع الأموال والأثمان، أو الظفر بامرأة، ويظل مشغول القلب بأمانيه الزائفة، وتراه حائمًا في الأرض حيران يتمثل صورة مطلوبة في نفسه، وقد التذ بالظفر بها، فبينما هو على هذه الحال إذ استيقظ فإذا يده والحصير.
أما أصحاب الهمم العالية فيخبرك ابن القيم بحالهم يقول: وصاحب الهمة العالية أمانيه حائمة حول العلم والإيمان، والعمل الذي يقربه إلى الله، ويدنيه من جواره، فأماني هذا إيمان ونور وحكمة، وأماني أولئك خدع وغرور. (١)
стр. 75
أيها المتفقه ..
العلم صناعة القلب وشغلُه، فما لم تتفرغ لصناعته، وشغلهِ لم تنله، والقلب له وجهة واحدة، فإذا وُجِّهَتْ إلى اللذات والشهوات، انصرفت عن العلم، ومن لم يُغَلِّب لذة إدراك العلم وشهوته على لذة جسمه وشهوة نفسه: لم ينل درجة العلم أبداً، فإذا صارت شهوته في العلم ولذته في إدراكه فإنَّه يُرجى له أن يكون من جملة أهله.
علامات الهمة العالية
ولعلو الهمَّة علامات، فنقِّب عنها في نفسك، وتحلَّ بها تفز بمرادك، فأول ذلك:
١) طلب المعالي من الأمور .
يقول ابن الجوزي: " غير أنَّ للطالب المرزوق علامة، وهو أن يكون مرزوقاً علو الهمة، وهذه الهمة تولد مع الطفل، فتراه من زمن طفولته يطلب معالي الأمور، كما يروى أنه كان لعبد المطلب مفرش في الحِجر، فكان النَّبي ﷺ يأتي وهو طفل فيجلس عليه، فيقول عبد المطلب: إن لابني هذا شأناً.
فلابد لك من أنفة من كل خسيس تافه، تبرأ بنفسك أنْ تخوض فيه ككل ناعق، ترى الأمور على حقائقها، فكل ما كان لله يعلق قلبك به، فلا تنظر لأدنى بل اربط قلبك بسبب إلى السماء، لا ترضى بالدونية.