← Книги сунны

Книги сунны · id 98139

مسند أحمد - ت شاكر - ط دار الحديث

أحمد بن حنبل

Полный текст (4 302 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المُسْنَد للإمام أحمد بن حنبل (١٦٤ - ٢٤١) شرحه وصنع فهارسه أحمد محمد شاكر الجزء الأول من الحديث ١ إلى الحديث ٩٢٠ دار الحديث القاهرة

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

المُسْنَد

стр. 4

كافة حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ -١٩٩٥ م دار الحديث - طبع. نشر. توزيع ١٤٠ شارع جوهر القائد أمام جامعة الأزهر تليفون: ٥١١٦٥٠٨ - ٥٩١٨٧١٩ - ٥٩١٩٦٩٧ فاكس ٥٩١٩٦٩٧

стр. 5

إليه يصْعَدُ الكَلِمُ الطيِّبُ والعَمَلُ الصالِحُ يَرفعُه المسند للإمَامِ أحمَد بن محمّد بن حنبل (١٦٤ - ٢٤١) احتَفِظْ بِهَذَا الْمُسنَدِ فإنه سَيَكوُنُ للِناسِ إمَامًا أحمد بن حنبل شرحه وصنع فهارسه أحمَد محمّد شَاكر أكمله حمزة الزين

стр. 6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بركة من الله وحمد الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين. إياك نعبد وإياك نستعين. اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين. والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتديَ لولا أن هدانا الله. وصلى الله على خيرته المصطفى لوحيه، المنتخَب لرسالته، المفضل على جميع خلقه، بفتح رحمته، وختم نبوته. وأعمّ ما أُرسل به مرسَلٌ قبله، المرفوعِ ذكره مع ذِكره في الأولى، والشافع المشفع في الأخرى، أفضل خلقه نفساً، وأجمعهم لكل خلق رضيه في دين ودنيا، وخيرهم نسباً وداراً، محمدٍ عبده ورسوله (١). وصلى الله على نبينا كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون، وصلى عليه في الأولين والآخرين، أفضلَ وأكثرَ وأزكى ما صلى على أحد من خلقه، وزكانا وإياكم بالصلاة عليه، أفضل ما زكى أحداً من أمته بصلاته عليه. والسلام عليه ورحمة الله وبركاته. وجزاه عنّا أفضل ما جزى مرسلاً عن من أُرسل إليه، فإنه أنقذنا به من الهلكة، وجعلنا في خير أُمةٍ أُخرجت للناس، دائنين بدينه الذي ارتضى، واصطفى به ملائكته ومن أنعم عليه من خلقه. فلم تمس بنا نعمة ظهرت ولا بطنت، نلنا بها حظّاً في دين ودنيا، أو دُفع بها عنا مكروه فيهما وفى واحد منهما، إلا ومحمد ﷺ سببها، القائد إلى خيرها، والهادي إلى رشدها، الذائد عن الهلكة وموارد

стр. 7

السَّوء في خلاف الرشد، المنبه للأسباب التى توردُ الهلكة، القائم بالنصيحة في الإرشاد والإنذار فيها. فصلى الله على محمد وعلى آل محمد كما صلى على إبراهيم وآل إبراهيم، إنه حميد مجيد (١). ... وبعد: فإني حين هُديت إلى حب السنة النبوية المطهرة، والشغف بالفقه فيها، والتعمق في علومها، والتنقيب عن روائعها ونفائس كتبها، وذلك منذ بضع وثلاثين سنة، في أوائل الشباب، بعد استكمال الدراسة الأولى، وجدت في دارنا، في كتب أبي ﵀، الصحاح الستة وغيرها، ووجدت فيما وجدت الديوان الأعظم، (كتابَ المسند) لإمام الأئمة، ناصر السنة وقامع البدعة، الإمام أحمد بن حنبل، رضى الله عنه. فوجدته بحراً لا ساحل له، ونوراً يستضاء به، ولكن تنقطع الأعناق دونه، بأنه رتب على مسانيد الصحابة، وجمعت فيه أحاديث كل صحابي متتالية دون ترتيب، فلا يكاد يفيد منه إلا من حفظه، كما كان القدماء الأولون يحفظون، وهيهات، وأنَّى لنا ذلك. فشغفت به وشُغلت. ورأيت أن خير ما تخدم به علوم الحديث أن يوفق رجل لتقريب هذا المسند الأعظم للناس، حتى تعم فائدته، وحتى يكون للناس إمامًا، وتمنيت أن أكون ذلك الرجل. ثم وجدتُ أن أكابر المحدثين وأئمة الشراح والمؤلفين، كان شأنهم بالنسبة للمسند قريبًا من شأننا، فما كان ليقدم على النقل منه أو على تحقيق رواية فيه، إلا فرد بعد فرد، وعامتهم ينقلون عمن قبلهم، ويقلدون في نسبة الحديث إليه من سبقهم، إلا بضعة رجال كانوا كأن المسند كلَّه على أطراف ألسنتهم، كانوا يعرفونه حقّاً. ولا أكاد أجزم بتسمية أحد من هؤلاء إلا ثلاثة: شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين بن تيمية، وتلميذاه

стр. 8

الحافظان الكبيران، شمس الدين بن القيم، وعماد الدين بن كثير. فكان هذا المقصد أمنيةَ حياتي، وغاية همي، سنين طويلة، أن أقرب هذا (المسند) للناس. حتى وفقني الله، منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، إلى ما أريد، على النحو الذي أريد: أن يكون (المسند) بين أيدي العلماء والمتعلمين، كما هو، كما ألفه مؤلفه، وأن تكون له فهارس وافية متقنة، علمية ولفظية. وأعني باللفظية هذا النوع من الفهارس للأعلام وغيرها، التي شغف بها وبالتوسع فيها أهل عصرنا، تقليداً للإفرنج زعموا! وبالفهارس العلمية، فهارس للأبواب والمسائل العلمية، ترشد الباحث على ضوئها إلى كل ما جاء في المسند في المعنى الذي يريده. ومكثت أياماً طوالاً أضع خطط العمل ومناهجه، وأغير فيها وأبدل، حتى استقامت السبيل، ووضح النهج واستنار. فشرعت في العمل. وجعلت لأحاديث الكتاب أرقاماً متتابعة من أول الكتاب إلى آخره. وجعلتُ هذه الأرقام كالأعلام للأحاديث، بنيت عليها الفهارس التي ابتكرتها كلها. وأول فائدة لهذا أن الفهارس لا تتغير بتغير طبعات الكتاب، إذا وفق الله لإعادة طبعه. أما الفهارس اللفظية فهي أنواع: ١ - فهرس للصحابة رواة الأحاديث، مرتب على حروف المعجم، فيه موضع بدء مسنده من هذا مسند، ببيان الجزء ورقم الصفحة، وفيه أرقام الأحاديث التي من روايته، سواء أكانت في مسنده لخاص أم جاءت في مسند غيره من الصحابة؛ فإنه كثيراً ما يقع حديث صحابي في أثناء مسند

стр. 9

غيره، من غير أن يذكر في مسنده، فيشبَّه على كثير من الباحثين، حتى يظنوا أن الحديث ليس في الكتاب، إذ لم يجدوه في مظنته وكثيرًا ما يكون الحديث من مسند صحابيين أو أكثر، إما مشتركين فيه، وإما منسوبًا كل جزء منه لراويه، فهذا يجب أن يوضع رقمه في مسند كل صحابي له رواية فيه، ثم أستثني من أرقام مسند الصحابي الأحاديث التي ليست من روايته أصلاً، وضعًا للأمور مواضعها. وما كان من رواية صحابي لم يسمَّ وضع في اسم التابعي الذي رواه عن الصحابي المبهم. ٢ - فهرس الجرح والتعديل. وهو فهرس للرواة الذين تكلم عليهم الإمام أحمد أو ابنه عبد الله في المسند. وهم قليل، وللرواة الذين أتكلم عليهم في كلامي على الأحاديث. إذ أنني إذا ما تكلمت على راوٍ مرةً، فمن النادر أن أتكلم عليه مرة أخرى، إلا لسبب يتعلق بالرواية. ولم أجعل هذا الفهرس عامًا لكل رجال الأسانيد، فإن هذا متعذر، وهو يطول جداً وتذهب فائدته. فما فائدة أن يذكر "شعبة بن الحجاج" مثلاً ويذكر بجانبه أرقام كل حديث جاء اسمه في إسناده؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يتتبع مواضع هذه الأرقام، وهي تتجاوز المئين؟! ٣ - فهرس للأعلام التي تذكر في متن الحديث، إذ أنها تكون في الأغلب الأعلام التي تدور عليها قصة الحديث أو موضع العبرة منه. ٤ - فهرس للأماكن التي تذكر في متن الحديث أيضاً، وهي كسابقتها. ٥ - فهرس لغريب الحديث، أي للألفاظ اللغوية التي تحتاج إلى شرح كما في "الفائق" و "النهاية" و "اللسان" وغيرها. وقد زدت على ما في هذه الكتب ألفاظاً واستعمالات كثيرة. فأذكر (المادة) وأذكر من الحديث موضع الشاهد الذي يدخل تحتها، كما فعل صاحب النهاية، وأشير إلى رقم الحديث.

стр. 10

وقد كنتُ فكرت في أنواع أخرى من الفهارس اللفظية، وشرعت في بعضها فعلاً. ثم رأيت أن في ذلك إطالة وإرهاقًا لي وللقاريء، على قلة غَنائها، وأن ما اخترت الاقتصار عليه كافٍ وافٍ، والحمد لله. وأما الفهارس العلمية، فهي الأصل لهذا العمل العظيم. الذي أسأل الله أن يوفقني لإتمامه وإخراجه، وأن يسدّد يدي وعقلي في صنعه، وهو الابتكار الصحيح، الذي ما أظن أحداً سبقني إليه. وقد بنيت هذه الفهارس أيضاً على الأرقام للأحاديث، بل إن الأرقام هي التى سددت الفكرة وحدّدتها. فإن كل مطلع على الأحاديث يعلم أن الحديث الواحد قد يدل على معان كثيرة متعددة، في مسائل وأبواب منوعة، وأن هذا هو الذي ألجأ البخاري ﵁ إلى تقطيع الأحاديث وتكرارها في الأبواب، استشهاداً بالحديث في كل موضع يستدل به فيه ولو من بعيد، فكانت صعوبة البحث في صحيحه، الصعوبةَ التى يعانيها كل المشتغلين بالسنة. مع أن هذه الطريقة هي الطريقة الصحيحة للإفادة من الأحاديث: أن يستدلَّ بها في كل موضع تصلح للدلالة فيه. وأما سائر أصحاب الصحاح والسنن، فإنهم تفادوا ذلك، وذكروا الحديث في الموضع الأصلي في الاستدلال، وأعرضوا عما وراءَ ذلك، إلا في الندرة بعد الندرة. ولذلك صرت أجدني -مثلاً- بعد مروري على هذه الفهارس، أيسر عليّ أن أبحث عن حديث في صحيح البخاري من أن أبحث عنه في غيره من الصحاح والسنن، لأني -في الأكثر الأغلب- أجد الحديث في أيّ معنى من المعاني التى يصلح للدلالة عليها. فهذه الأرقام أراحتنا من كل ذلك، من تقطيع الحديث ومن تكراره. رقم الحديث يوضع في كل باب، وفي كل معنى يدل عليه، أو يصلح للاستشهاد به فيه، دون تكلف ولا مشقة.

стр. 11

فمن الميسور للباحث في هذا الفهرس أن يجد الباب الذي يريده، أو المعنى الذي يقصده فيجد فيه كل أرقام الأحاديث التي تصلح في بحثه، بالاستقصاء التام، والحصر الكامل. وقد قرأت من أجل هذا الفهرس كلَّ فهارس كتب السنة، وكتب الفقه، وكتب السير، وكتب الأخلاق، التي يسر لي الحصول عليها، ثم ضممت كل شبه إلى شبهه، وكل شكل إلى شكله. وتخيرت في ترتيبها أقربَ الطرق إلى عقل المحدّث والفقيه، بعد أن قسمتها إلى كتب جاوزت الأربعين، فيها أكثر من ألف باب. وكلما رأيت بابًا فيه شيء من العموم كثرت أرقام أحاديثه، اجتهدت في تقسيمه إلى معان فرعية، ليُحصر أقرب المعاني إلى بعضها في أرقام يسهل على القارئ الرجوع إليها. والمقصد الأول من هذا كله تقربُ الإفادة من هذا (المسند) الجليل إلى الناس عامة، وأهل الحديث خاصة. حتى يصلوا إلى ما في السنة النبوية من كنوز قد يعسر عليهم الوصول إليها، في كتاب هو كالأصل لجميع كتب السنة أو لأكثرها. ويعجبنى في هذا المعني كلمة قالها الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخِ بغداد ١: ٢١٣: " فإني رأيت الكتاب الكثير الإفادة المحكم الإجادة، ربما أريد منه الشيء، فيعمد من يريده إلى إخراجه، فيغمض عنه موضعه، ويذهب بطلبه زمانه، فيتركه وبه حاجة إليه، وافتقارٌ إلى وجوده". ... وبينا أنا أطبق القواعد التي ابتكرتها للفهارس على الأحاديث حديثاً حديثاً، كنتُ أجد كثيراً من الأحاديث يشتبه عليّ إسنادها، وأحتاج فيها إلى مراجعة دواوين الحديث وكتب الرجال، فتارة أراجعها وتارة أدعها. ثم بدا لي أن أقيد ما أراجعه في كراسة خاصة، ففعلت. وكنت أفكر في تتبع أحاديثه كلها، وتمييز صحيحها من ضعيفها، ثم أخشى الإقدام على ما قد أعجز

стр. 12

عنه والتعرض لشيء أظنني غير أهل له. ثم -كما يقول علماء البلاغة- "أقدم رجلاً وأؤخر أخرى"، وكان معنا في مدينة الزقازيق عاصمة مديرية الشرقية، حين كنت قاضيًا بالمحاكم الشرعية فيها، شاب من الرجال الصالحين المتقين، هو صديقي الدكتور "السيد أحمد أحمد الشريف" ﵀، وكان -على أنه تعلم الطب في أوربة، في ألمانيا- من كبار الزاهدين الخائفين من الله، يقوم الليل، ويقبل على قراءة القرآن والتفقه فيه، وعلى فقه السنة والعلم بها، وكانت لنا في مدارستها مجالس، وكنت أعرض عليه ما أعمل في خدمة هذا الديوان الأعظم، فكان يحثني ويستنهض همتي، فاستشرته مراراً في الإقدام على الكلام على الأحاديث من جهة الصحة والضعف، فكان لا يني أن يرغبني في ذلك، ويحملني على الإقدام عليه، بعد التوكل والاعتماد على الله. حتى شرح الله صدري لهذا العمل، فأقدمت واستعنت بالله. والحمد لله على التوفيق. ولم ألتزم في الكلام على الأحاديث أن أخرّجها كلها، فذلك أمر يطول جدًا إنما جعلت همتي ووكدي أن أبين درجة الحديث، فإن كان صحيحاً ذكرت ذلك، وإن كان ضعيفاً بينت سبب ضعفه. وإن كان في إسناده رجل مختلف في توثيقه وتضعيفه، اجتهدت رأيي على ما وسعه علمي، وذكرت ما أراه. وفي كثير من مثل هذا أخرج الحديث بذكر من رواه من أصحاب الكتب الأخرى. وعن هذا صنعت الفهرس الثاني من الفهارس اللفظية، ليكون الكلام على الرجل المضعف أو الموثق أو المختلف فيه مرةً واحدة في الأغلب، فيمكن للقاريء إذا عرض له في إسناد أن يبحث عنه في الفهرس، ثم يرجع إلى ما قلته فيه، وما اخترته درجةً له.

стр. 13

ولم أعرض في شرحي لشيء من أبحاث الفقه والخلاف ونحوهما، في هذا من عملي في هذا الكتاب. إنما هو عمل المستفيد المستنبط. بعد أن تجتمع له الأحاديث بدلالة الفهرس العلمي. وليس (المسند) من الكتب المرتبة على الأبواب حتى يستقيم هذا لشارحه. واقتصرت في تفسير غريب الحديث على ما تدعو إليه الضرورة جداً، وعلى ما وجدت أصحاب الغريب قد قصروا فيه، أو كان لي رأي يخالف ما قالوا، وهو شيء قليل نادر. وأحاديث المسند تتكرر كثيراً فيروي الحديث الواحد بأسانيد متعددة، وألفاظ مختلفة أو متقاربة، وبعضها مطول وبعضها مختصر. فرأيت أن أذكر بجواركل حديث رقم الرواية التي سبقت في معناه أو لفظه، فإن كان مكرراً بنصه أو قريباً من نصه قلت: "مكرركذا" وذكرت الرقم الذي مضى، وإن كان الآخر أطول من الأول قلت: "مطول كذا" وإن كان أوجز منه قلت: "مختصر كذا". ولهذا العمل فائدة أخرى: أن القاريء إذا جاء إلى حديث في معنى من المعاني في آخر مسند صحابي معيَّن، أمكنه بالرجوع إلى الأرقام التي أشير إليها عوداً على بدءٍ أن يجمع كل الروايات في ذلك المعنى للصحابي الواحد، دون أن يرجع فيه إلى الفهرس العلميّ. ولجمع الروايات فوائد عند علماء هذا الشأن يدركها كل من عاناها. وأقرب فوائدها تحقيق المعنى الصحيح للحديث، وتقوية أسانيده بانضمام بعضها إلى بعض. وقد بذلت جهدي في التحقيق والتوثق، وفي العناية بهذه الفهارس التي هي كما سميتها (مقاليد الكنوز). فإن يكن صواباً فإني أحمد الله على

стр. 14

توفيقه، وإن يكن خطأ، فما أردت إلا الخير، وأستغفر الله. وأرجو أن يكون عملي هذا محققاً لكلمة الإمام أحمد لابنه عبد الله: "احتفظ بهذا المسند، فإنه سيكون للناس إماماً" وهي الكلمة التى رواها ابن الجوزي في مناقب أحمد ص ١٩١ وجعلناها في صدر الكتاب عنواناً له. فإن الإمام ﵁ توقع أن يكون هذا، ولكنه لم يكن إلا لأفراد أفذاذ معدودين، لا لعامة المحدّثين. فإذا وفق الله لإتمام هذا العمل تحققت الكلمة وتمت: أن يكون المسند للناس إماماً. وقد قال الحافظ الذهبي، فيما رواه عنه الحافظ شمس الدين بن الجزري في كتاب "المصعد الأحمد" الذي سيأتي إن شاء الله: "فلعل الله ﵎ أن يقيض لهذا الديوان السامي من يخدمه ويُبوِّبُ عليه، ويتكلم على رجاله، ويرتب هيئته ووضعه، فإنه محتوٍ على أكثر الحديث النبويّ، وقلَّ أن يثبتَ حديث إلا وهو فيه". وإني أرجو أن تكون دعوةُ الذهبي أُجيبت بما صنعتُ. وأسأل الله سبحانه ِالهُدى والسداد، والعصمة والتوفيق. وما أبغي أن أتمدح بعملي أو أفخر به، لكني أستطيع أن أقول: إني في بعض ما حققتُ من الأسانيد قد حللت مشاكل، وبيَّنت دقائق، وصححت أخطاء، فاتت على كثير من أئمة الحديث السابقين، لا تقصيراً منهم، ولا اجتهاداً مني، ولكن هذا الديوان (السامي) كما سماه الحافظ الذهبي، كان مفتاحاً لما أغلق، ومناراً يُهتدى به في الظلمات، وكان للناس إماماً، حين وُفّق رجل لخدمته، وحين حُقّقَت أحاديثُه تحقيقاً مفصلاً. وقد يكون في بعض ما ذهبت إليه من التحقيق شيء من الخطأ، فما يخلو عمل إنسان غير معصوم من الخطأ، ولكني قد أراه خطأ يهدي إلى

стр. 15

كثير من الصواب، إذ فتح للباحثين بابَ البحث في دقائقَ كانت مغلقة، ومشاكل كانت مستعصية. ولا يظننَّ ظانّ أني أغلو فيما أقول، فإني أرجو أن يكون عملي خالصاً لوجه الله. وإن كثيرًا من إخواني من علماء السنة القائمين عليها، في مصر والحجاز والشام، قرأوا بعض ما كتبتُ، وأظنهم مُوافِقِيَّ على الوصف الذي وصفت والله الهادي إلى سواء السبيل. ... وكتاب (المسند) مطبوع بمصر في الطبعة الميمنية إدارة السيد أحمد البابي الحلبي، في مجلدات كبار، فيها نحو ثلاثة آلاف صفحة كبيرة، بحروف صغيرة، فرغ من طبعها في شهر جمادى الآخرة سنة ١٣١٣، وهي طبعة جيدة من ناحية التصحيح، الخطأ فيها قليل. وذكر مصححها في آخرها أن من أهمّ النسخ التي قوبلت عليها، نسخة من خزانة السادات الوفائية. وقد وجدت منه جزءاً صغيراً مطبوعاً بالمطبعة الحيدرية في بمبي بالهند في سنة ١٣٠٨، وهو ٢٨٠ صفحة من القطع المتوسط، فيه إلى آخر مسند "سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل" أي نحو ١٩٠ صفحة من طبعة الحلبي. وهذه القطعة نادرة الوجود، لم أر نسخة ثانية منها غير التي عندي، على أنها مطبوعة لا مخطوطة، وتصحيحها غير جيد. وغالب ظني أن تلك المطبعة الحيدرية لم تتم طبع الكتاب. وقد انتفعت بهذه القطعة في بعض التصحيح، على الرغم مما فيها من خطأ. وفى دار الكتب المصرية نسخة بخط مغربي دقيق، مصورة بالتصوير الشمسي، عن نسخة في مكتبة عالم لمغرب ومحدثه السيد عبد الحيّ

стр. 16

الكتاني، وهي نسخة صحيحة جيدة الضبط والإتقان، نادرة الغلط. وقد استعرتها من دار الكتب للمقابلة والتصحيح. ورمزت لهذه النسخ بالرموز الآتية: ح طبعة الحلبي سنة ١٣١٣ (١). هـ القطعة المطبوعة في بمبي بالهند. ك النسخة الكتانية المغربية. ولم آل جهدًا في تصحيح متون الأحاديث وأسانيدها، مستعيناً بكتب الحديث والرجال ومعاجم اللغة وغريب الحديث، والحمد الله على توفيقه. وأثبتُّ في هامش هذه الطبعة أرقام صحف طبعة الحلبي، لأنها مكثت في أيدي الناس أكثر من خمسين سنة، واعتمدها كثير منهم فيما ينقلون عنها، وذكروا أرقامها. وجعلت رقم الصفحة فوق رقم الجزء، ووضعت بينهما خطاً. وجميع نسخ المسند فيها إسناد أبي بكر القَطِيعي إلى أحمد، يقول في أول كل حديث: "حدثنا عبد الله ثنا أبي" وهذا على طريقة المتقدمين: يذكر الراوي إسناده إلى مؤلف الكتاب في كل حديث، أو في أول كل باب أو كتاب. فرأيت أن أحذف هذا، ليكون التحدث في كل حديث من الإمام أحمد، اكتفاء بإسناد الكتاب الذي ذكر في أوله، وخشية أن يقوم جاهل بصناعة الحديث والرواية فيجتريء فيزعم أن الكتاب ليس من تأليف الإمام أحمد، وأنه من تأليف القطيعي، كما كان منذ سنين، أن قام رجل في مصر يزعم أن كتاب "الأم" ليس من تأليف الشافعي، لشبهة مثل هذه الشبهة أو أضعف منها.

стр. 17

ومن المعلوم للمحدثين والمطلعين أن في المسند أحاديث زادها عبد الله ابن أحمد بن حنبل بروايته عن شيوخه، وأحاديث من زيادات القطيعي عن شيوخه أيضاً، وهي قليلة، ففي هذه الأحاديث أبين ذلك صراحة، فأقول: "قال عبد الله بن أحمد" أو: "قال أبو بكر القطيعي". وكذلك في الأحاديث التي وجدها عبد الله بخط أبيه ولم يسمعها منه، أبين أن هذا قول عبد الله، حتى لا يشتبه شيء على القاريء، ولا يستطيع متلاعب أن يتلاعب. ... وقد وجدت أربعة كتب ُألِّفَتْ في شأن هذا المسند خاصة، هي أجزاء صغيرة، فرأيت أن ألحقها به في عملي. اثنان منها أقدمهما بين يديه، إذ كانا كالمقدمة له. وهما: (خصائص المسند) للحافظ أبي موسى المديني، المتوفى سنة ٥٨١. و (المصعد الأحمد في ختم مسند الإمام أحمد) للحافظ شمس الدين بن الجزري، إمام القراءات، المتوفى سنة ٨٣٣. وهذان الكتابان وجدهما السيد محمد أمين الخانجي ﵀، بخط "عبد المنعم بن علي بن مفلح الحنبلي" وتاريخ كتابتهما شهر ذي القعدة من سنة ٨٩٥، فنسخهما ثم طبعهما في مطبعة السعادة بمصر سنة ١٣٤٧. والكتابان الآخران، هما: (القول المسدد في الذبّ عن المسند) تأليف شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني، المتوفى سنة ٨٥٢، تكلم فيه على ثلاثة وعشرين حديثاً في المسند، مما ادعى بعض المحدثين أنها من الأحاديث الموضوعة، وأجاب عنها حديثاً حديثاً. والآخر (ذيل القول المسدد) تأليف المحدّث قاضي الملك محمد صبغة الله الِمدْراسي، فرغ من تأليفه في ٦ صفر سنة ١٢٨١، تكلم فيه على اثنين وعشرين حديثاً، كالتي قبلها. وهما

стр. 18

مطبوعان معاً، في حيدر آباد الدكن سنة ١٣١٩. فهذان الكتابان رأيت أن ألحقهما بالمسند في آخره إن شاء الله، على أن أنبه عند كل حديث فيهما على رقمه في المسند. ثم أشير إلى أرقام أحاديث أخر على شرطهما في الكتابين فاتتهما. وكنتُ أولاً أريد أن أفرقهما في الكتاب، فأنقل كلام كل منهما في موضعه عند الحديث الخاصّ به. ثم رأيت أن ذلك يطيل القول المختصر الذي قصدت التعليق به على كل حديث، وأنّ أكثرَهُ توسع ومحاولة فيها تكلف، لتصحيح حديث ضعيف أو تحسينه. فاكتفيت بالإشارة عند كل حديث إلى ما قيل فيه، ولتحقيق ما أراه حقاً في شأنه، ثم أحفظ الأمانة بإثبات الكتابين بنصهما في آخر الكتاب. ... واخترتُ في ترجمة الإمام أحمد أن أثبت نص ترجمته من (تاريخ الإسلام)، للحافظ الذهبي، لأنها لم يسبق نشرها من قبل، ولأنها من ديوان كبير خطير من أعظم دواوين الإسلام، لرجل حافظ ثقة حجة، ونسخة عزيزة نادرة في المكاتب العامة، لا يوجد منها فيها إلا الجزء بعد الجزء. وأكمل نسخة فيما نعلم، هي التي بدار الكتب المصرية، على أنه ينقصها منه بعض الطبقات (١). ... وطالما فكرتُ في نشر المسند بين الناس، على النحو الذي صنعتُ ووضعتُ، شغفاً بخدمة السنة النبوية وأهلها، وحرصاً على إذاعة فائدة هذا الكتاب الذي جعله مؤلفه للناس إماماً، وخشية أن يضيع هذا العمل الذي لم

стр. 19

أُسبق إليه، والذي أعتقد أنه سيكون، إن شاء الله، من أكبر المرغبات لأهل هذا العصر في دراسة الحديث، وأنه سيكون مفتاحاً لجميع كتب السنة لمن وفقه الله. وسعيت في سبيل ذلك جهدي سنين كثيرة، حتى كدت أيأس من طبعه، إلى أن وفقت إلى الاتفاق مع "دار المعارف" على طبعه، وهي من أكبر دور النشر في القاهرة، وأوثقها وأشدها إتقاناً. وصادف ذلك أن كانت الزيارةُ الرسمية التى شرف فيها مصرَ بزيارته، أسدُ الجزيرة، حامي حمى السنة، رجل العلم والعمل، والسيف والقلم الإمام العادل، (الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود) أطال الله بقاءه. وكانت هذه الزيارة المباركة من يوم الخميس ٦ صفر الخير من هذا العام ١٣٦٥ إلى يوم الثلاثاء ١٨ منه (١٠ - ٢٢ يناير سنة ١٩٤٦) فما إن رُفع إلى جلالته شأنُ هذا الكتاب، حتى أصدر أمره الكريم إلى حكومته السنية، بالاشتراك في عدد كبير من نسخه، من أوله إلى آخره، إجلالاً لشأن الإمام الكبير، وعطفاً على شخصي الضعيف. بارك الله في جلالته، وحفظه مؤيداً منصوراً، ذخراً للإسلام والمسلمين، وناشراً للواء العرب، ومجدداً لمجدهم. وأقر عينيه بأنجاله الأشبال الكرام، السادة النجب، قادة العرب وقدوتهم، وموئل عزهم، الأمراء (سعود) و (فيصل) وإخوتهما. وأسأل الله المبتديء لنا بنعمه قبل استحقاقها، المديمَها علينا مع تقصيرنا في الإتيان على ما أوجب به من شكره بها، الجاعِلَنا في خير أمة أخرجت للناس، أن يرزقنا فهماً في كتابه، ثم سنة نبيه، وقولاً وعملاً يؤدِّي به عنّا حقَّه، ويوجب لنا نافلة مزيده. إنه سميع الدعاء. الثلاثاء ١١ رجب سنة ١٣٦٥ ١١ يونية سنة ١٩٤٦ أحمد محمد شاكر عفا الله عنه

стр. 20

ثم الحمد لله حق حمده، والشكر له. فقد نفدت الطبعة الأولى من هذا الجزء (الأول) وأعدنا طبعه في عدد محدود من النسخ. وكان اقتناء الكتاب عزيزاً على علماء الحديث وطلابه. وكان من توفيق الله ورعايته أن تشرفت هذا العام بزيارة حضرة صاحب الجلالة الملك العادل، ناصر السنة وحافظ حماها، مولاي الإمام (عبد العزيز آل سعود) في (الرياض) الزاهرة، وعرضت على مسامعه الكريمة حاجة العلماء والطلاب إلى اقتناء (المسند) بقيمة ميسرة لهم. فصدر أمره الكريم بطبع عدد آخر على ورق أقل قليلا من الورق الأول، يباع لهم بثمن أقل كثيراً من الثمن الأول. وطوعاً للأمر العالي الكريم بدأت في الجزء السابع على الوضع الجديد: يكون ثمن الجزء من الورق الأصلي ٨٠ قرشاً، وثمن الجزء من الورق الجديد ٣٠ قرشاً، وقد بينت ذلك في كلمة كتبتها في صدر الجزء السابع. ثم تفضل حفظه الله وأيده، فأصدر أمره بإعادة طبع الأجزاء الستة الأولى على هذا الوضع أيضاً. وها هو ذا الجزء الأول، تتلوه الأجزاء الباقية، من فيض مولاي الملك الإمام وواسع كرمه، إن شاء الله. أطال الله بقاءه مؤيداً منصوراً، موفقاً للخير والعمل الصالح. الإثنين ١٩ ذي القعدة سنة ١٣٦٨ ١٢ سبتمبر سنة ١٩٤٩ أحمد محمد شاكر عفا الله عنه

стр. 21

طلائع الكتاب

стр. 22

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ خصائص المسند للحافظ أبي موسى المديني المتوفى سنة ٥٨ ١ (١) قال الشيخ عبد المنعم بن عليّ بن مُفْلح الحنبلي (٢): أخبرتني الشيخة الجليلة الأصيلة المسندة المعمَّرة، أم عبد الله عائشة ابنة محمد بن عبد الهادي ابن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامه المقدسي الصالحي (٣)، إجازةً منها، قالت: أنبانا أبو عبد الله بن أحمد بن تمام بن حسان الصالحي وغيره، عن أبي العباس أحمد بن عبد الدائم بن نعمة المقدسي، قال: أخبرنا الحافظ أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي سماعاً (ح) قالت عائشة: وأنبأتنا به عالياً بدرجةٍ أمّ عبد الله زينب ابنة عبد الرحيم بن أحمد بن عبد الرحمن البجدي، عن الحافظ ضياء الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن المقدسي، قالا: أنبأنا الحافظ أبو موسى محمد بن عمر بن أحمد بن عمر الأصبهاني المديني، رحمه الله تعالى، قال: الحمد لله الواسع المنعم، المفضل المكرم، العالم المعلم، الذي أحسن بدءاً وغفر آخراً. وصلواته على محمد المختار من

стр. 23

خلقه وعلى آله. أما بعد: فإن مما أنعم الله علينا، أن رَزَقَنا سماعَ كتاب المسند للإمام الكبير، إمام الدين أبي عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني رحمه الله تعالى. فحصّل لي والدي، ﵀ وجزاه عني خيراً، إحضاري قراءته سنة خمس وخمسمائة، على الشيخ المقريء بقية المشايخ أبي علي الحسن بن الحداد. وكان سماعه لأكثره عن أبي نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ -وما فاته منه قريء عليه بإجازته له- وأبو نعيم كان يرويه عن شيخيه أبي علي محمد ابن أحمد بن الحسن الصواف، وأبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعيّ، على ما تنطق فهرست مسموعاتي بخط والدي ﵀. ثم قرأناه أجمع ببغداد على الشيخ الرئيس الثقة أبي القاسم هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحصين الشيباني، من أصل سماعه إلا ما لم يكن عند شيخه، عن أبي على الحسن بن علي بن المذْهِب التميمي الواعظ، عن أبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي، عن عبد الله بن أحمد عن أبيه، رحمهما الله تعالى. ولعمري إن من كان من قبلنا من الحفاظ يتبجحون بجزء واحد يقع لهم من حديث هذا الإمام الكبير، على ما أخبرني الإمام الحافظ أستاذي أبو القاسم إسماعيل بن محمد ﵀ في إجازته لي، قال: أخبرنا أبو بكر ابن مَرْدَوَيه قال: كتب إليّ أبو حازم العبدوي، يذكر أنه سمع الحاكم أبا عبد الله عند منصرفه من بخارَى يقول: كنت [عند] أبي محمد المزني، فقدم عليه إنسان علوي من بغداد، وكان أقام ببغداد على كتابة الحديث، فسأله أبو محمد المزني، وذلك في سنة ست وخمسين وثلثمائة، عن فائدته ببغداد، وعن باقي إسناد العراق، فذكر في جملة ما ذكر: سمعت مسند

стр. 24

أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى من أبي بكر بن مالكٍ في مائة جزء وخمسين جزءاً، فعجب أبو محمد المزني من ذلك، وقال: مائة وخمسون جزءاً من حديث أحمد بن حنبل؟! كنا ونحن بالعراق إذا رأينا عند شيخ من شيوخنا جزءاً من حديث أحمد بن حنبل قضينا العجب من ذلك، فكيف في هذا الوقت هذا المسند الجليل! فعزم الحاكم على إخراج الصحيحين، ولم يكن عنده مسند إسحق الحنظلي، ولا مسند عبد الله بن شِيرويه، ولا مسند أبي العباس السراج، وكان في قلبه ما سمعه من أبي محمد المزني، فعزم على أن يخرج إلى الحج في موسم سنة سبع وستين، فلما ورد في سنة ثمان وستين، أقام بعد الحج ببغداد أشهراً، وسمع جملة المسند من أبي بكر بن مالك، وعاد إلى وطنه، ومد يده إلى إخراج الصحيحين على تراجم المسند (١). قال شيخنا الحافظ رحمه الله تعالى: وفى هذه السنة مات ابن مالك في آخر السنة سنة ثمان وستين. وأبو محمد المزني هذا من الحفاظ الكبار المكثرين. ... وهذا الكتاب أصل كبير، ومرجع وثيق لأصحاب الحديث، انتُقي من حديث كثير ومسموعات وافرة، فجعله إماماً ومعتمداً، وعند التنازع ملجأ ومستنداً. على ما أخبرنا والدي وغيره، رحمهما الله تعالى: أن المبارك بن عبد الجبار أبا الحسين كتب إليهما من بغداد: أخبرنا أبو إسحق إبراهيم بن

стр. 25

عمر بن أحمد بن إبراهيم البرمكي قراءة عليه، حدثنا أبو الحفص عمر بن محمد بن رجاء، حدثنا موسى بن حمدون البزار، قال: قال لنا حنبل بن إسحق: جمعنا عمي، لي ولصالح ولعبد الله، وقرأ علينا المسند، وما سمعه منه -يعنى تاماً- غيرنا، وقال لنا: إن هذا الكتاب قد جمعته وأتقنته من أكثر من سبعمائة وخمسين ألفاً، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله ﷺ فارجعوا إليه، فإن كان فيه وإلا فليس بحجة (١). بخط أبي بكر بن أبي نصر، قال أبو الحسن اللبناني: سمعت عبد الله ابن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى يقول: كتب أبي عشرة آلاف ألف حديث، ولم يكتب سواداً في بياض إلا قد حفظه. وبه قال: أخبرنا البرمكي قراءة عليه فأقرّ به: حدثنى أبي حدثني أبو محمد القاسم بن الحسين الباقلاني بسُرّ مَنْ رأى، قال سمعت أبا بكر بن أبي حامد الفقيه صاحب بيت المال، سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: قلت لأبي رحمه الله تعالى: لم كرهتَ وضع الكتب وقد عملت المسند؟ فقال عملت هذا الكتاب إماماً، إذا اختلف الناس في سنة رسول الله ﷺ رُجع إليه. قال: وحدثني أيضاً القاسم، قال: سمعت أبا الحسن بن عبيد الحافظ، سمعت أبا عبد الرحمن عبد الله بن أحمد يقول: خرج أبي المسند من سبعمائة ألف حديث.

стр. 26

قال الشيخ الحافظ أبو موسى ﵀: ولم يخرّج إلا عمن ثبت عنده صدقه وديانته، دون من طعن في أمانته. كما قرأته ببغداد على أبي منصور عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد القزاز، أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الحافظ، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد العتيقي، أخبرنا يوسف بن أحمد الصيدلاني بمكة، حدثنا محمد بن عمرو العقيلي، حدثنا عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن عبد العزيز بن أبان؟ فقال: لم أُخَرّج عنه في المسند شيئاً، قد أخرجت عنه على غير وجه الحديث، لما حدّث بحديث المواقيت تركته. ... فأما عدد أحاديث المسند، فلم أزل أسمعُ من أفواه الناس أنها أربعون ألفاً، إلى أن قرأت على أبي منصور بن زريق ببغداد، أخبرنا أبو بكر الخطيب (١)، قال: وقال ابن المنادي: لم يكن في الدنيا أحد أروى عن أبيه منه، يعني عبد الله بن أحمد بن حنبل، لأنه سمع المسند، وهو ثلاثون ألفاً، والتفسير، وهو مائة ألف وعشرون ألفاً، سمع منه ثمانين ألفاً والباقي وِجادةٌ (٢). فلا أدري هل الذي ذكره ابن المنادي أراد به ما لا مكرر فيه، أو أراد غيره مع المكرر؟ فيصح القولان جميعاً، أو الاعتماد على قول ابن المنادي دون غيره. ولو وجدنا فراغاً لعددناه إن شاء الله تعالى (٣).

стр. 27

فأما عدد الصحابة فنحو من سبعمائة رجل. وجدت بخط الشيخ حامد بن أبي الفتح، ذكره أبو عبد الله الحسين بن أحمد الأسدي في كتابه المسمى (مناقب أحمد بن حنبل) أنه سمع أبا بكر بن مالك، يذكر أن جملة ما وعاه المسند أربعون ألف حديث غير ثلاثين أو أربعين، قال: وسمعته -يعني أبا بكر بن مالك- سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: أخرج أبي هذا المسند من جملة سبعمائة ألف حديث. وقال أبو عبد الله الأسدي: وقد أفردت لذلك كتاباً في جزء واحد، وسميته (كتاب المدخل إلى المسند) أثبتُّ فيه ذلك أجمع. وذكر الأسدي: سمعت أبا بكر بن مالك يقول: رأيت أبا بكر أحمد ابن سلمان النجاد في النوم، وهو على حالة جميلة، فقلت: أي شيء كان خبرك؟ قال: كل ما تحب، الزم ما أنت عليه وما نحن عليه، فإن الأمر هو ما نحن عليه وما أنتم عليه. ثم قال: بالله إلا حفظت هذا المسند، فهو إمام المسلمين واليه يرجعون، وقد كنت قديماً أسألك بالله إن أعَرْتَ منه أكثر من جزء لمن تعرفه، ليبقى. قال: وسمعت أبا بكر بن مالك يقول: حضرت مجلس يوسف القاضي سنة خمس وثمانين ومائتين، أسمع منه كتاب الوقوف، فقال لي: من عنده مسند أحمد بن حنبل والفضائل أيش يعملُ ههنا؟ أو كلاماً نحو هذا. ومن الدليل على أن ما أودعه الإمام أحمد رحمه الله تعالى مسنده قد احتاط فيه إسناداً ومتناً، ولم يورد فيه إلا ما صح عنده، على ما أخبرنا أبو علي سنة خمس، قال: حدثنا أبو نعيم (ح) وأخبرنا ابن الحصين قال: أخبرنا ابن المذْهب قال: أخبرنا القَطيعي قال: حدثنا عبد الله قال: حدثني أبي: قال: حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن أبي التَّيَّاح، قال: سمعتُ

стр. 28

أبا زُرْعَةَ يحدث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: يُهلك أمتي هذا الحيُّ من قريش، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله، قال: لو أن الناس اعتزلوهم؟ قال عبد الله: قال لي أبي في مرضه الذي مات فيه: اضربْ على هذا الحديث، فإنه خلاف الأحاديث عن النبي ﷺ ، يعني قوله: اسمعوا وأطيعوا [واصبروا]. وهذا مع ثقة رجال إسناده حين شذ لفظه عن الأحاديث المشاهير أمر بالضرب عليه، فقال عليه ما قلناه. وفيه نظائر له (١). بخط أحمد بن محمد بن البرداني، عن أبي علي بن الصواف قال: سمعت عبد الله بن أحمد يقول: صنف أبي المسند بعد ما جاء من عند عبد الرزاق. ذكر علي بن الحسين بن جدي، قال: قرأت بخط أبي حفص عمر ابن عبد الله العكبري، قال: سمعت أبا عبد الله عبيد الله بن محمد، قال سمعت أبا بكر أحمد بن سلمان يقول: سمعت أبا بكر يعقوب بن يوسف المطوعي يقول: جلست إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل ثلاث عشرة سنة، وهو يقرأ المسند على أولاده، ما كتبت منه حرفاً واحداً، وإنما كنت أكتب آدابه وأخلاقه وأتحفظها. وقال عبيد الله: قال لي أبو بكر بن أيوب: سمعت

стр. 29

يعقوب يقول: كنت أختلف إلى أحمد ثلاث عشرة سنة، لا أكتب عنه، وهو يقرأ المسند، إنما كنت أنظر إلى هديه أتأدَّبُ به. أخبرنا ابن الحُصين بإسناده: حدثنا عبد الله حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن محمد بن سالم عن أبي إسحق عن عاصم بن ضَمرة عن علي رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : فيما سقت السماء العشر، وما يُسقى بالغَرْب والداليَة ففيه نصف العشر. قال أبو عبد الرحمن: فحدثت أبي بحديث عثمان عن جرير فأنكره جدا، وكان أبي لا يحدثنا عن محمد بن سالم لضعفه عنده وإنكاره لحديثه. وقال عبد الله: حدثنا شيبان أبو محمد حدثنا عبد الوارث بن سعيد حدثنا الحسن بن ذكوان عن عمرو بن خالد عن حبيب بن أبي ثابت عن عاصم ابن ضَمْرة عن علي ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: أتاني جبريل ﵇ فلم يدخل عليه، فقال النبي ﷺ : ما منعك أن تدخل؟ قال: إنا لا ندخل بيتاً فيه صورة ولا بول. قال: وحدثناه شيبان مرة أخرى: حدثنا عبد الوارث عن حسن بن ذكوان عن عمرو بن خالد عن حبَّة بن أبي حبة عن عاصم نحوه. قال: وكان أبي لا يحدث عن عمرو بن خالد، يعني كان حديثه لا يسوى عنده شيئاً. قال: وكان في كتاب أبي عن عبد الصمد عن أبيه عن الحسن، يعني ابن ذكوان، عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ نهى أن يمشي في خف واحد أو نعل واحد. وفى الحديث كلام كثير غير هذا، فلم يحدثنا به، ضرب عليه في كتابه، فظننت أنه ترك حديثه من أجل أنه روى عن عمرو بن خالد الذي يحدث عن زيد بن علي، وعمرو بن خالد لا يسوى شيئا، وهذا أقوى، لأنه لم يرو عمن روى عن ضعيف وإن كان حاله خالصا. وبه: حدثنا أبو عامر حدثنا خارجة بن عبد الله عن أبي الرجال عن أمه

стр. 30

عمرة، وبه: حدثنا عصام بن خالد حدثني صفوان بن عمرو عن سليم بن عامر الخبائري وأبو اليمان الهَوْزَني عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله تعالى وعدني أن يدخل من أمتي الجنة سبعين ألفاً بغير حساب"، فقال يزيد بن الأخنس السلمي: والله ما أولئك في أمتك إلا كالذباب الأصهب في الذباب! فقال رسول الله ﷺ : "فإن ربي قد وعدني سبعين ألفاً مع كل ألف سبعين ألفاً، وزادني ثلاث حثيات"، قال: فما سعة حوضك يا نبي الله؟ قال: "كما بين عدن إلى عمان وأوسع وأوسع، يشير بيده، قال: فيه مَثْعَبان من ذهب وفضة" (١)، قال: فماء حوضك؟ قال: "ماء أشدُّ بياضا من اللبن، وأحلى مذاقةً من العسل، وأطيبُ رائحةً من المسك، من شرب منه لم يظمأ بعدها". وبهذا الإسناد، قال عبد الله: وجدت هذا الحديث في كتاب أبي بخطه وقد ضرب عليه، فظننت أنه قد ضرب عليه لأنه خطأ، إنما هو عن زيد عن أبي سلام عن أبي أمامة. قال: حدثنا يزيد قال: أخبرنا رجل كان يسمَّى في كتاب أبي عبد الرحمن عَمرو بن عُبيد، حدثنا أبو رجاء العُطاردِيّ عن عمران بن حُصين قال: ما شبع آل محمد ﷺ من خبز مأدوم حتى مضى لوجهه. قال عبد الله: وكان أبي قد ضرب على هذا الحديث في كتابه، فسألته، وحدثني به، وكتب عليه صح صح. قال إنما ضرب أبي على هذا الحديث لأنه لم يرض الرجل الذي حدث عنه يزيد. قال الشيخ الإمام الحافظ أبو موسى: قد روى لابنه الحديث، لكنه ضرب عليه في المسند، لأنه أراد أن لا يكون في المسند إلا الثقات، ويروي في غير

стр. 31

المسند عمن ليس بذاك. ذكر أبو العز بن كادس أن عبد الله بن أحمد، قال لأبيه: ما تقول في حديث ربعيّ عن حذيفة؟ قال: الذي يرويه عبد العزيز بن أبي رَوَّاد؟ قلت: يصح؟ قال: لا، الأحاديث بخلافه، وقد رواه الخياط عن ربعي عن رجل لم يسموه، قال: قلت له: فقد ذكرته في المسند؟ فقال: قصدت في المسند الحديثَ المشهورَ وتركتُ الناس تحت ستر الله تعالى، ولو أردت أن أقصد ما صح عندي، لم أروِ من هذا المسند إلا الشيء بعد الشيء، ولكنك يا بني تعرف طريقتي في الحديث، لست أخالف ما ضَعف إذا لم يكن في الباب ما يدفعه. قال الشيخ الحافظ: وهذا ما أظنه يصح، لأنه كلام متناقض، لأنه يقول: لستُ أخالف ما فيه ضعف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، وهو يقول في هذا الحديث بخلافه وإن صح، فلعله كان أولاً ثم أخرج منه ما ضعف لأني طلبته في المسند فلم أجده. ... آخر خصائص المسند إملاء الحافظ أبي موسى المديني رحمه الله تعالى علقه لنفسه فقير عفو ربه تعالى عبد المنعم بن علي بن مفلح الحنبلي، عفا الله عنه، في ذي القعدة سنة خمس وتسعين وثمانمائة، أحسن الله تقضّيها في خير.

стр. 32

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المصعد الأحمد في ختم مسند الإمام أحمد للحافظ شمس الدين بن الجزري ٧٥١ - ٨٣٣ قال الشيخ الإمام العالم العلامة شمسُ الدين أبو الخير محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف بن الجزري رحمه الله تعالى (١)، عقيب ختم مسند الإمام المبجل، والحبر المفضَّل، أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، تغمده الله بالرحمة والرضوان، بالمسجد الحرام، وذلك في يوم الخميس حادي عشر ربيع الأول سنة ثمان وعشرين وثمانمائة: أحمدُ الله الذي أسعد برواية الحديث النبوي وأصعد. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة يفوز بها من يشهد. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، سيد الخلق، وحبيب الحق، فاتح الخير، وخاتم الأنبياء، محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه. وشرّف وكرَّم ومجّد. وبعد: فلما مَنَّ الله تعالى وفتح علينا بالسبيل الأحمد، ويسر إسماع هذا المسند الشريف مسند الإمام أحمد، وقد ختمته بهذا الحرم الأشرف الأعظم الأمجد، رأيت أن أكتب خاتمةً تحمد، عند ختم هذا المسند. مشيراً إلى شيء مما رويناه في فضله وفضل جامعه، وذكر إسنادي إليه ومُسْمعه وسامعه.

стр. 33

فأقول: أخبرني بجميع هذا المسند المبارك، وهو كتاب لم يُرْوَ على وجه الأرض كتاب في الحديث أعلى منه، جماعة من الشيوخ سماعاً وإجازةً، ولكن اعتمادي على السماع المتصل. فأخبرني به كذلك مع الزيادات فيه لعبد الله بن أحمد وأبي بكر القطيعي، الشيخ الصالح الأصيل رحلة البلاد، وجامع لواء الإسناد، وملحق الأحفاد بالأجداد، الإمام صلاح الدين أبو عبد الله وأبو عمر محمد بن الشيخ الصالح العالم تقي الدين أبي العباس أحمد بن الشيخ عز الدين إبراهيم بن الشيخ عبد الله بن شيخ الإسلام أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة بن نصر المقدسي الحنبلي، رحمه الله تعالى، قراءة مني وسماعاً، في مجالس متعددة، أولها في شهور سنة سبعين وسبعمائة، وآخرها في سنة سبع وسبعين وسبعمائة، بالصالحية ظاهر دمشق المحروسة، وإجازة لما خالف أصل السماع إن خالف، قلت له: أخبرك بجميع مسند الإمام أحمد من رواية ابنه عبد الله، وبما فيه من زيادات ابنه عبد الله عن غير أبيه، وبزيادات القَطيعي أيضاً، وهي في مسند الأنصار ﵃، الشيح الإمام العالم الثقة الصالح فخر الدين أبو الحسن علي بن الشيخ شمس الدين أحمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور السعدي المقدسي، المشهور بابن البخاري الحنبلي، رحمه الله تعالى، قراءة عليه وأنت تسمع فأقرّ به، قال: أخبرنا به الشيخ الصالح الثقة المسند أبو علي حنبل بن عبد الله بن الفرج بن سعادة الواسطي ثم البغدادي الرصافي المكبر، قراءة عليه وأنا أسمع، قال أخبرنا الشيخ الصدر العالم الصالح المعمر، رئيس العراق المسند، أبو القاسم هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن العباس بن الحُصين الأزرق الكاتب الشيباني سماعاً، قال: أخبرنا الشيخ المحدث العالم أبو علي الحسن بن علي بن محمد بن علي بن أحمد بن

стр. 34

وهب بن شبل بن فروة بن واقد التميمي الواعظ البغدادي، المعروف بابن المُذْهِب، قال: أخبرنا الشيخ المحدث العالم المفيد الثقة أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك بن شبيب بن عبد الله القطيعي البغدادي، قال: حدثنا الشيخ الإمام الحجة الحافظ أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام الكبير العالم الحجة الحافظ أحد أعلام الأمة، ومن له على أهل السنة أعظم منَّة، أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسدٍ الشيباني البغدادي، قال. حدثني أبي شيخ الإسلام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، فذكره. وسنشير إلى بعض هؤلاء، كما وعدنا. ... ونقدم فضل هذا الكتاب الجليل: أخبرنا الثقات مشافهة وإجازة عن علي بن أحمد، أن عفيفة بنت أحمد كتبت إليه، أن أحمد بن عبد الجبار أنبأها، قال: أنبأنا أبو إسحق إبراهيم بن عمر بن أحمد البرمكي الفقيه، ابن الفقيه، قال حدثني أبو محمد القاسم بن الحسن الباقلاني، قال: سمعت أبا بكر بن أبي حامد الفقيه يقول: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: قلت لأبي: لمَ كرهتَ وضع الكتب وقد عملتَ المسند؟ فقال: عملت هذا الكتاب إماماً، إذا اختلف الناس في سنة عن رسول الله ﷺ رجع إليه. قلت: وقد أشكل هذا الكلام على بعض الناس فقال: كيف يقول الإمام أحمد هذا، ونحن نجد أحاديث صحاحاً ليست في المسند، كحديث أمّ زَرْع، رواه البخاري في صحيحه وغيره، وهو عند عبد الله بن أحمد، كما رواه الطبراني في كتاب العشرة؟

стр. 35

وأجيب عن ذلك بأن الإمام أحمد شرع في جمع هذا المسند، فكتبه في أوراق مفردة، وفرّقه في أجزاء منفردة، على نحو ما تكون المسودَّة. ثم جاء حلول المنية قبل حصول الأمنية، فبادر بإسماعه لأولاده وأهل بيته، ومات قبل تنقيحه وتهذيبه، فبقي على حاله، ثم إن ابنه عبد الله ألحق به ما يشاكله، وضم إليه من مسموعاته ما يشابهه ويماثله، فسمع القطيعي من كتبه من تلك النسخة على ما يظفر به منها، فوقع الاختلاط من المسانيد والتكرار من هذا الوجه قديماً، فبقي كثير من الأحاديث في الأوراق والأجزاء لم يظفر بها، فما لم يوجد فيه من الأحاديث الصحاح من هذا القبيل. قلت: أما حديث أم زرع، سمعت شيخنا الحافظ الحجة عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير يقول: إنما لم يخرجه أحمد في المسند لأنه ليس من قول النبي ﷺ ، بل هو حكاية من عائشة ﵂. -والله أعلم-. وبالإسناد إلى أبي إسحق البرمكي قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا القاسم ابن الحسن قال سمعت أبا الحسن بن عبيد الحافظ يقول: سمعت عبد الله ابن أحمد يقول: خرَّج أبي المسند من سبعمائة ألف حديث. وقال عثمان بن السباك: حدثنا حنبل قال: جمعنا أحمد بن حنبل أنا وصالح وعبد الله، وقرأ علينا المسند، وما سمعه غيرنا، وقال لنا: هذا الكتاب جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألفاً، فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله ﷺ فارجعوا إليه، فإن وجدتموه وإلا فليس بحجة. قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: هذا القول منه على غالب الأمر، وإلا

стр. 36

فلنا أحاديث قوية في الصحيحين والسنن والأجزاء ما هي في المسند، وقدر الله تعالى أن الإمامَ قطع الرواية قبل تهذيب المسند، وقبل وفاته بثلاث عشرة سنة، فتجد في الكتاب أشياء مكررة، ودخول مسند في مسند، وسند في سند، وهو نادر. قلت: أما دخول مسند في مسند فواقع، وقد بينته في كتابي (المسند الأحمد). وأما قوله فما اختلف فيه من الحديث رجع إليه وإلا فليس بحجة، يريد أصول الأحاديث، وهو صحيح، فإنه ما من حديث غالباً إلا وله أصل في هذا المسند. والله أعلم. وأما دخول سندٍ في سندٍ، فلا أعلمه وقع فيه، ولا شك أن الإمام أحمد مات قبل ترتيبه وتهذيبه. والله أعلم. حدثني شيخنا الإمام العالم شيخ الفقهاء شمس الدين محمد بن عبد الرحمن الخطيب الشافعي، رحمه الله تعالى، قال: سئل الشيخ الإمام الحافظ أبو الحسين علي بن الشيخ الإمام الحافظ الفقيه محمد اليونيني، رحمهما الله تعالى: أنت تحفظ الكتب الستة؟ فقال: أحفظها وما أحفظها، فقيل له: كيف هذا؟ فقال: أنا أحفظ مسند أحمد، وما يفوت المسند من الكتب الستة إلا قليل، أو قال: وما في الكتب هو في المسند، يعني إلا قليل، وأصله في المسند، فأنا أحفظها بهذا الوجه. أو كما قال رحمه الله تعالى. وقال الإمام الحافظ الكبير أبو موسى محمد بن أبي بكر المديني: وهذا الكتاب أصل كبير، ومرجع وثيق لأصحاب الحديث، انتُقِيَ من حديث كثير ومسموعات وافرة، فجعله إماماً ومعتمداً، وعند التنازع ملجأ ومستنداً.

стр. 37

قلت: ولعمري إن من كان قبلنا من الحفاظ يتبجحون بجزء واحد يقع لهم من حديث هذا الإمام الكبير. ثم ذكر حكاية عن الإمام الحافظ أبي عبد الله الحاكم، وأنه لما عزم على إخراج الصحيحين خرج إلى الحج في موسم سنة سبع وستين، فلما ورد في سنة ثمان وستين، يعني وثلثمائة، أقام بعد الحُجاج ببغداد أشهراً، وسمع جملة المسند من أبي بكر بن مالك، وعاد إلى وطنه، ومد يده إلى إخراج الصحيحين على تراجم المسند. ... قال الحافظ أبو موسى: فأما عدد أحاديثه فلم أزل أسمع من أفواه الناس أنها أربعون ألفاً، إلى أن قرأت على أبي منصور بن زريق القزاز ببغداد قال: حدثنا أبو بكر الخطيب قال: حدثنا ابن المنادي: لم يكن أحد في الدنيا أروى عن أبيه منه، يعني عبد الله بن أحمد بن حنبل، لأنه سمع المسند، وهو ثلاثون ألفاً، والتفسير، وهو مائة ألف وعشرون ألفاً، سمع منها ثمانين ألفاً والباقي وجَادة، فلا أدري هل الذي ذكره ابن المنادي أراد به ما لا مكرر فيه، أو أراد غيره مع المكرر، فيصح القولان جميعاً، أو الاعتماد على ابن المنادي دون غيره، قال: ولو وجدنا فراغاً لعددناه إن شاء الله تعالى. ثم قال: وجدت بخط الشيخ أبي حامد أبي الفتح: ذكر أبو عبد الله الحسين بن أحمد الأسدي في كتابه المسمى بمناقب أحمد بن حنبل أنه سمع أبا بكر بن مالك يذكر أن جملة ما وعاه المسند أربعون ألف حديث غير ثلاثين أو أربعين. قال الحافظ الذهبي: فلو عده بعض الأصحاب لأفاد. ولا يسهل عَدُّه إلا بالمكرر وبالمُعَاد، وأما عَدُّه بلا مكرر فيصعب، ولا ينضبط تحرير ذلك.

стр. 38

قلت: وقد وقفت لبعض أصحابنا على عدد بعض المسانيد. فقال: مسند بني هاشم: خمسة وسبعون حديثاً. مسند أهل البيت: خمسة وأربعون حديثاً. مسند عائشة: ألف حديث وثلاثمائة وأربعون حديثاً. مسند النساء: تسعمائة وستة وثلاثون حديثاً. مسند ابن مسعود: ثمانمائة وخمسة وسبعون حديثاً. مسند أنس: ألفان وثمانمائة وثمانون حديثاً. آخر ما رأيته، وجملته سبع آلاف ومائة وأحد وسبعون حديثاً (١). وبقي مسند العشرة، ومسند أبي هريرة، ومسند أبي سعيد الخدري، ومسند جابر بن عبد الله، ومسند عبد الله بن عمر، ومسند عبد الله بن عباس، ومسند عبد الله بن عمرو بن العاص، وفى آخره مسند أبي رِمْثة، ومسند الأنصار ﵃، ومسند المكيين والمدنيين، ومسند الكوفيين، ومسند البصريين، ومسند الشاميين، فهذه جميع مسانيد مسند الإمام أحمد رحمه الله تعالى ورضي عنه. قال الحافظ أبو موسى: فأما عدد الصحابة فنحو سبعمائة رجل. ومن النساء مائة ونيف. قلت: قد عددتهما لما أفردتهم في كتابي المسند, فبلغوا ستمائة ونيفاً وتسعين. سوى النساء الصحابيات. وعددت النساء الصحابيات فبلغن ستاً وتسعين.

стр. 39

واشتمل المسند على نحو ثمانمائة من الصحابة. سوى ما فيه ممن لم يسمَّ من الأبناء والمبْهمات وغيرهم. فأما الأبناء فيه فثمانية، منهم اثنان عُرف اسمهما، وهي ابنُ أَبْزى، وهو عبد الرحمن، وابنُ الأمين، واسمه عبد الله، وقيل زياد، ويقال له أبو لأي. وأما شيوخه الذين روَى عنهم في المسند فإني عددتهم، فبلغوا مائتين وثلاثة وثمانين رجلاً. وأما شيوخ ابنه عبد الله الذين روي عنهم في مسند أبيه فعدَّتهم مائة وثلاثة وسبعون رجلاً. وقد أثبت ذلك وذكرتهم في كتابي (المسند الأحمد). ولكن شيوخه الذين روي عنهم وسمع منهم فيزيدون على الأربعمائة، ذكره الحافظ أبو بكر بن نُقطة في كتاب مفرد. ... وأما شرطه، فقال الحافظ أبو موسى المديني: لم يخرج أحمد في في مسنده إلا عمن ثبت عنده صدقه، وديانته، دون من طعن في أمانته. قال: ومن الدليل على أن ما أودعه مسنده قد احتاط فيه إسناداً ومتناً ولم يورد فيه إلا ما صح عنده، وساق أبو موسى أحاديث ذكرتها في المسند، فلا نطول بذكرها هنا. وقال الحافظ أبو القاسم إسماعيل التيمي رحمه الله تعالى: لا يجوز أن يقال فيه السقيم، بل فيه الصحيح المشهور، والحسن، والغريب. وقال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: وقد تنازع الناس هل في أحمد حديث موضوع، فقال طائفة من حفاظ الحديث كأبي العلاء الهمداني ونحوه: ليس فيه موضوع، وقال بعض العلماء، كأبي

стр. 40

الفرج بن الجوزي: فيه موضوع. قال أبو العباس: ولا خلاف بين القولين عند التحقيق، فإن لفظ "الموضوع" قد يراد به المختلق المصنوع الذى يتعمد صاحبه الكذب، وهذا مما لا يعلم أن في المسند منه شيئاً، بل شرط المسند أقوى من شرط أبي داود في سننه، وقد روى أبو داود في سننه عن رجال أعرض عنهم في المسند قال: ولهذا كان الإمام أحمد في المسند لا يروي عمن يعرف أنه يكذب، مثل محمد بن سعيد المصلوب ونحوه، ولكن يروي عمن يضعَّف لسوء حفظه، فإن هذا يكتب حديثه. ويُعتضد به ويُعتبر به، قال: ويراد بالوضوع ما يعلم انتفاء خبره، وإن كان صاحبه لم يتعمد الكذب، بل أخطأ فيه، وهذا الضرب في المسند منه، بل وفى سنن أبي داود والنسائي، وفى صحيح مسلم والبخاري أيضاً ألفاظ في بعض الأحاديث من هذا الباب، لكن قد بيَّن البخاري حالها في نفس الصحيح: قلت: ولهذا الكلام تتمة تذكر في المسند الأحمد. فصل في فضل جامعة وترجمة رجال إسنادنا إليه أما الإمام أحمد: فهو إمام المسلمين، وأزهد الأئمة، وشيخ الإسلام، وأفضل الأعلام في عصره، وشيخ السنة، وصاحب المنَّة على الأمة، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله ابن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذُهل ابن ثعلبة بن عُكابَةَ بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط ابن هِنْب بن أفْصى بن دُعْمِيّ بن جَدِيلة بن أَسَد بن ربيعة بن نِزَار بن معدّ ابن عدنان. وقد غلط قوم فجعلوه من ولد ذُهل بن شيبان، وإنما هو من ولد شيبان
следующие страницы →