← Фикх общий

Фикх общий · id 98141

عودوا الى خير الهدي

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (70 стр.). Показаны 36–70 · переход к 41.

стр. 36

وعلق الألباني -رحمه الله تعالى- على قول الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى: "فإنى لما رُزقْتُ شرفَ النكاح، وطلب الأولاد، ختمت ختمة" (١) إلخ، فقال: "يشير بذلك إلى أن الدعاء بعد ختم القرآن ترجى استجابته، وقد جاء في ذلك آثار كثيرة عن السلف الصالح، منها ما رواه ثابت البُناني عن أنس فذكره- أخرجه الدارمي بسند صحيح" اهـ. وقال صالح بن أحمد بن حنبل: "كان أبي يختم من جمعة إلى جمعة، فإذا ختم يدعو ونؤمِّن" (٢).

стр. 37

دعاء ختم القرآن داخل الصلاة ليس من السنة لم يرد دليل عن النبي، ولا عن أحد من صحابته على مشروعية دعاء "ختم القرآن" (١) في الصلاة، من إمام أو منفرد قبل الركوع أو بعده في "التراويح" أو غيرها. ونقل المرداوي أنه قيل للإمام أحمد: "يختم في الوتر ويدعو؟ "، فسهَّل فيه (٢). وقصارى ما استدل به الإمام أحمد ﵀ على استحباب الدعاء عقب الختم في صلاة التراويح قبل الركوع أنه من عمل التابعين في مكة والبصرة. عن حذيفة قال: "كل عبادة لم يتعبد بها أصحاب رسول الله ﷺ فلا تَعَبَّدوها، فإن الأولَ لم يَدع للآخِر مقالا، فاتقوا الله يا معشر القراء، وخذوا بطريق من كان قبلكم".

стр. 38

المطلب الثالث دعاء القنوت (١) فى الوتر محله: بعد قوله: "سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد". فيجهر بدعائه، ويرفع يديه (٢)، وُيؤَمِّن مَن خلفَه. صيغته: اللهم اهدِني فيمن هديتَ، وعافني فيمن عافيت،

стр. 39

وتولَّني فيمن توليتَ، وبارك لي فيما أعطيتَ، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقْضى عليك، وإنه لا يَذِلُّ من واليتَ، ولا يَعِزُّ من عاديتَ، تباركتَ ربنا وتعاليتَ، لا مَنْجا منك إلا إليك (١). وكان الصحابة يَزيدون عليه في النصف الثاني من رمضان: اللهم قاتل الكفرةَ (٢) الذين يَصُدُّون عن سبيِلكَ، وُبكَذِّبون رسلَك، ولا يؤمنون بوعدِك. وخالِفْ بين كلمتهم، وألقِ في قلوبهم الرعبَ، وألقِ عليهم رِجزَكَ وعذابَكَ إلهَ الحقِّ.

стр. 40

وقد يحصل مناسبة عارضة، فيدعو لها الداعي بما يناسبها دون أن يجعله راتبًا لا يحيد عنه بحال (١)، ومن ذلك دعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب, وهو: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ولا نكفرك، ونؤمن بك، ونخلع من يفجرك (٢)، اللهم إياك نعبد، ولك نُصلي ونسجد، وإليك نسعى ونَحْفِد (٣)، نرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إنَّ عذابك الجِدَّ بالكفارِ مُلْحِق (٤). اللهم عذِّب الكفرةَ الذين يَصُدُّونَ عن سبيلك، وُيكذِّبون رسلكَ، ويقاتلون أولياءك، ولا يؤمنون بوعدك؛ وخالفْ بين كلمتهم، وألقِ في قلوبهم الرعب، وألق عليهم رِجْزَكَ وعذابَك، إلهَ الحق. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات،

стр. 41

وأصلِحْ ذاتَ بينِهِم، وألِّف بين قلوبهم، واجعل في قلوبهمُ الإيمانَ والحكمة، وثَبِّتْهم على ملةِ رسول الله، وأوزعهم أن يُوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه، وانصرهم على عدوِّك وعدوهم، إلهَ الحق، واجعلنا منهم (١). وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أن النبي ﷺ كان يقول في آخر وتره: "اللهم إني أعوذ برضاك من سَخَطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصيِ ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" (٢).

стр. 42

* يشرع الصلاة على النبي ﷺ في القنوت لثبوت ذلك عن بعض الصحابة (١): ففي حديث عروة بن الزبير ذَكَر إمامة أُبَي بن كعب الناسَ في صلاة التراويح في عهد عمر وفيه: وكانوا يلعنون الكفرة في النصف، يقولون: "اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك، ويكذِّبون رسلك، ولا يؤمنون بوعدك، وخالِف بين كلمتهم، وألقِ في قلوبهم الرعب، وألقِ عليهم

стр. 43

رِجزَكَ وعذابك إلهَ الحقِّ"، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ويدعو للمسلمين بما أستطاع من خير، ثم يستغفر للمؤمنين، قال: وكان يقول إذا فرغ من لعنة الكفرة وصلاته على النبي ﷺ ، واستغفاره للمؤمنين والمؤمنات ومسألته: "اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفِد، ونرجو رحمتك ربنا، ونخاف عذابك الجِدَّ، إن عذابك لمن عاديتَ مُلْحَق، ثم يكبر، ويهوي ساجدًا" (١). وعن عبد الله بن الحارث أن أبا حليمة -معاذًا- كان يصلي على النبي ﷺ في القنوت (٢). مقدار القنوت في الوتر اختلفت الرواية عن الإمام أحمد في مقدار القنوت في الوتر على ثلاث روايات:

стр. 44

- بقدر سورة: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. - بقدر دعاء عمر. - كيف شاء (١). لكنهم لا يختلفون أن القانت إذا كان إمامًا فعليه أن يتجنب التطويل الذي يشق على المامومين، وقد قال ﷺ لمعاذ لما شُكي إليه تطويلُه الصلاة: "يا معاذ أفتان أنت؟ اقرأ بكذا، واقرأ بكذا" (٢)، وقال أيضًا ﷺ : "يا أيها الناس إن منكم منفرين، فأيكم أم الناس فليوجز، فإن مِن ورائه الكبيرَ والضعيف وذا الحاجة" (٣)، وقال ﷺ : "أنت إمام قومك، واقدر القوم بأضعفهم" (٤). قال الإمام النووي -رحمه الله تعالى-: "قال البغوي:

стр. 45

يكره إطالة القنوت، كما يكره إطالة التشهد الأول" (١) اهـ. تأكد الألتزام بالمأثورعن النبى ﷺ - على الإمام -إذا قنت في صلاة الوتر- أن يتقيد بالوارد في السنة، فإن أبى فليلتزم الأدعية الجامعة من القرآن والسنة، ولا يعدل عنها إلى الأدعية المسجوعة المتكلفة، ولا المخترعة الركيكة، فإن "خير الهدي هدي محمد ﷺ " (٢). قال القاضى عياض -رحمه الله تعالى-: "أذن الله في دعائه، وعلَّم الدعاء في كتابه لخليقته، وعلَّم النبي ﷺ الدعاء لأمته، واجتمعت فيه ثلاثة أشياء: العلم بالتوحيد، والعلم باللغة، والنصيحة للأمة، فلا ينبغي لأحد أن يعدل عن دعائه ﷺ " اهـ.

стр. 46

وقال الماوردي في "الحاوي الكبير": "والمروي عن النبي ﷺ في القنوت أحب إلينا من غيره، وأي شيء قنت من الدعاء المأثور وغيره أجزأه عن قنوته" (١) اهـ. فإذا دعا بالمأثور فلا يجوز له تبديل لفظه ولا تغييره بزيادة أو نقصان، لما روى البراء بن عازب أن النبي ﷺ علَّمه دعاءً يقوله عند النوم، وفيه: "اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت" الحديث، وفيه: "فرددتها على النبي ﷺ ، فلما بلغت: "اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت" قلت: "ورسولك"، قال "لا: ونبيك الذي أرسلت" متفق عليه. ومثال الزيادة: ما يحصل من قول بعضهم: "اللهم أهدنا بفضلك يا مولانا فيمن هديت" الخ. وقد أحدث البعضُ زياداتٍ على الماثور، واظبوا عليها حتى توهم العوام أنها راتبة من السنة كقولهم: "فلك الحمد على ما قضيت، ولك الشكر على ما أنعمت به علينا وأوليت"،

стр. 47

وقولهم: "اللهم يا واصل المنقطعين أوصلنا إليك"، "اللهم هب لنا عملًا صالحا يقربنا إليك". *على الإمام أن يتجنب الأدعية المحدثة التي لا أصل لها، والتي يتصيدها البعض تصيدًا من كتب الصوفية وغيرهم، ثم يلتزمها، ويهجر الأدعية النبوية. قال القاضي عياض ﵀: "وقد احتال الشيطان للناس من هذا المقام، فقيَّض لهم قوم سوء، يخترعون لهم أدعية يشتغلون بها عن الاقتداء بالنبي ﷺ ، وأشد ما في الحال أنهم ينسبونها إلى الأنبياء والصالحين، فيقولون: (دعاء نوح، دعاء يونس، دعاء أبي بكر الصديق)، فاتقوا الله في أنفسكم، لا تشتغلوا من الحديث إلا بالصحيح" اهـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "لا ريب أن الأذكار والدعوات من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على التوقيف والاتباع، لا على الهوى والابتداع، فالأدعية والأذكار النبوية هي أفضل ما يتحراه المتحرِّى من الذكر والدعاء، وسالكُها على سبيل أمانٍ وسلامة، والفوائد التي تحصل بها لا يعبِّر عنها لسان، ولا

стр. 48

يحيط بها إنسان ... وليس لأحد أن يَسُنَّ للناس نوعًا من الأذكار والأدعية غير المسنون، ويجعلها عبادة راتبة، يواظب الناس عليها، كما يواظبون على الصلوات الخمس، بل هذا ابتداع دين لم يأذن الله به" اهـ. وقال أيضًا: "وأما اتخاذ وِرْدٍ غير شرعي، واستنان ذكر غير شرعي، فهذا مما يُنْهى عنه، ومع هذا، ففي الأدعية الشرعية، والأذكار الشرعية غايةُ المطالب الصحيحة، ونهايةُ المقاصد العلية، ولا يَعدِل عنها الى غيرها من الأذكار المحدثة المبتدعة إلا جاهل، أو مفرط، أو متعدٍّ" (١) اهـ. ومما يُستنكرعلى الأئمة في هذا الزمان: أنتقاء الأدعية المليئة بالتشقيق في العبارة، والاستطراد في ذكر أمور تفصيلية من أحوال الموت والبعث والنشور، لتحريك عواطف المأمومين، وإزعاج جوارحهم، وانفجارهم في البكاء والشهيق، والصراخ، وربما بطلت صلاة بعضهم وهو لا يشعر، فعلى الإمام أن يجتهد في تصحيح نيته، وأن

стр. 49

يرسل الدعاء بسجيته، وصوته المعتاد (١)، بضراعة وابتهال،

стр. 50

متجنبًا التقعر، والتكلف، والتلحين، والتطريب، والتمطيط في أداء الدعاء، قال الكمال بن الهمام الحنفي رحمه الله تعالى: "ما تعارفه الناس في هذه الأزمان، من التمطيط، والمبالغة في الصياح، والاشتغال بتحريرات النغم -يعنى في الدعاء- إظهارا للصناعة النغمية، لا إقامة للعبودية، فإنه لا يقتضي الإجابة بل هو من مقتضيات الرد" (١) اهـ. قال الله سبحانه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]، قال عبد الملك بن جريج في تفسيرها: "من الاعتداء: رفع الصوت، والنداء في الدعاء، والصياح، وكانوا يؤمرون بالتضرع والاستكانة" (٢). وعن عبد الله بن مغفل أنه سمع ابنه يقول: "اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتُها"، فقال: أَيْ بُنَيَّ، سل الله الجنة، وتعوذ به من النار، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في

стр. 51

الطُّهور والدعاء" (١). وعن أم المؤمنين عائشة قالت: "كان رسول الل ﷺ يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك" (٢). وقال ابن سعد بن أبي وقاص: "سمعني أبي، وأنا أقول: اللهم إني أسألك الجنة، ونعيمها، وبهجتها، وكذا، وكذا، وأعوذ بك من النار، وسلاسلها، وأغلالها، وكذا وكذا، فقال: يا بني إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيكون قوم يعتدون في الدعاء"، فإياك أن تكون منهم، إن أُعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أُعِذْتَ من النار إُعِذتَ منها وما فيها من الشر" (٣). ومثل هذا الاعتداء تكثير الكلام الذي لا حاجة إليه، مثل

стр. 52

ما يزيده البعض على الحديث الضعيف: "اللهم لا تدع لنا ذنبًا إلا غفرته" (١) إلخ، من قولهم: "ولا مريضًا إلا شفيته، ولا دَيْنًا إلا قضيته، ولا غائبًا إلا رددته، ولا طالبًا إلا نجَّحته، ولا ضالا إلا هديته، ولا مظلوما إلا نصرته، ولا مسجونا إلا أطلقته، .. " وهكذا على هذا الرَّوِيِّ بصورة متعنتة تورث الفتور والملل، ويقوم مقامَها سؤالُ العفوِ والعافية، وبينما الإمام في حالٍ من الانبساط بهذا الإيقاع المتكلف؛ ترى المامومين في غاية التحرج والانزعاج، وهذا شؤم مخالفة الهدي النبوي. *على الإمام أن يبادر بالدعاء مباشرة بعد قوله "ربنا لك الحمد"، فعن أبي هريرة أن رسول الل ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركعة الأخرة يقول: "اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة (٢) " إلخ.

стр. 53

وعنه قال: "كان رسول الل ﷺ يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة، ويكبر، ويرفع رأسه "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد"، ثم يقول وهو قائم: "اللهم أنج الوليد بن الوليد .. " إلخ. وإذا تأملنا صيغة القنوت التي علَّمها النبي ﷺ سِبْطَه الحسنَ، وجدناها تبدأ بقوله: "اللهم اهدنا .. "، وفى قنوت عمر: "اللهم إنا نستعينك .. " إلخ. فما يفعله بعض الأئمة من البُداءة ببعض المحامد الطويلة يستفتح بها دعاء القنوت في الوتر، ويتمادى في ذكرها بأسلوب يخرج به عن الأسلوب الأنشائي الطلبي المناسب لمقام الدعاء إلى الأسلوب الخبري المناسب لمقام الوعظ والترغيب والترهيب، الأمر الذي جعل البعض يخشى بطلانَ الصلاة، لاحتمال أن يكون له حكم الكلام المتعمد الذي لا يُشرع في الصلاة.

стр. 54

ومن المعلوم أن الصلاة كلها حمد وثناء على الله تعالى، ودعاء القنوت يأتي بعد الرفع من الركوع الذي فيه تسبيح، وتعظيم، وحمد، وتمجيد لله ، وبعد قول المصلى: "ربنا لك الحمد"، فلا دليل على زيادة المحامد فوق ما شرع في هذا الموضع، والله تعالى أعلم. فإن أبى الإمام -مع كل ما تقدم- إلا الدعاء بغير المأثور تمسكًا بالإباحة، فلا بد أن يراعِىَ الضوابط التالية في الدعاء: ١ - أن يتخير من الألفاظ أحسنها، وأنبلهَا، وأجملَها للمعاني، وأبينَها؛ لأنه مقام مناجاة العبد لربه ومعبوده -سبحانه-. ٢ - أن تكون الألفاظ على وفق المعنى العربي، ومقتضى العلم الإعرابي. ٣ - أن يكون خاليًا من أي محذور شرعًا: لفظًا، أو معنى. ٤ - أن يكون في باب الذكر والدعاء المطلق، لا المقيد بزمان، أو حال، أو مكان.

стр. 55

٥ - أن لا يتخذه سنة راتبة يواظب عليها" (١). وقال الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله تعالى: "إن زاد على الوارد المذكور (٢)، فعليه مراعاة خمسة أمور: ١ - أن تكون الزيادة من جنس المدعو به في دعاء القنوت المذكور (٣). ٢ - وأن تكون الزيادة من الأدعية العامة في القرآن والسنة. ٣ - وأن يكون محلها بعد القنوت الوارد في حديث الحسن، وقبل الوارد في حديث علي (٤). ٤ - وأن لا يتخذ الزيادة فيه شعارًا يداوم عليه. ٥ - وأن لا يطيل إطالة تشق على المأمومين" (٥).

стр. 56

* ومن الاعتداء في الدعاء: تكلف السجع: وقد وصَّى ابن عباس مولاه عكرمة ﵀ فقال: "فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدتُ رسول الله ﷺ وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب" (١). وكان عروة بن الزبير إذا عُرِض عليه دعاء فيه سجع منسوبا إلى النبي ﷺ وأصحابه، قال: "كذبوا، لم يكن رسولُ الله ﷺ ولا أصحابُه سجَّاعين" (٢). * على الداعي أن يتجنب صِيَغَ الأدعية التي تُشعر بالإدلال على الله تعالى بعمله، واعتداده بالعبادة، كقول بعضهم في أول ليلة من رمضان: "اللهم تقبل صيامنا، وقيامنا، وصلاتنا، وركوعنا، وسجودنا" إلخ، أو في آخر رمضان دون أن يقرنه بالإقرار بالتقصير. * ومن أخطاء المأمومين: زيادة ألفاظ لم يرد بها دليل مثل قولهم خلف الإمام في القنوت: "يا ألله"، "حق"، "نشهد"، وإنما

стр. 57

يشرع للمأموم التأمين فقط، على دعاء السؤال لا دعاء الثناء. * ومن المخالفات الشائعة للسنة: المبالغةُ في الجهر بالتأمين والصياح به بصرخات حماسية تشبه الهتافات، عن أبي موسى الأشعري أنهم كانوا مع رسول الله ﷺ في سفر، فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال النبي ﷺ : "أيها الناس، اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصَمَّ ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعا قريبًا، وهو معكم" (١). وتأمين المامومين في الصلاة من الذكر الذي يُسَنُّ الجهر به بقدرٍ يحصل به المقصود، قال العلماء: حد الإسرار: "التلفظ بتحريك اللسان بالحروف من مخارجها بصوت أقلُّه أن يُسْمِعَ نفسَه". والجهر: "هو التلفظ بتحريك اللسان بالحروف من مخارجها بصوت يَسْمَعُهُ غيره ممن يليه"، ولا حَدَّ لأعلاه (٢).

стр. 58

وقال الآلوسي المفسر رحمه الله تعالى: "وترى كثيرا من أهل زمانك يتعمدون الصراخ في الدعاء، خصوصًا في الجوامع حتى يعظم اللغط ويشتد، وتستك المسامع وتستد، ولا يدرون أنهم جمعوا بين بدعتين: رفع الصوت في الدعاء، وكون ذلك في المسجد" (١). * لا يُشرع مسح الوجه باليدين بعد رفعهما لدعاء القنوت في الوتر، لما في استعماله في الصلاة من إدخال عملٍ عليها لم يثبت به أثر. قال العز بن عبد السلام -رحمه الله تعالى-: "ولا يمسح وجهه بيديه عَقِيبَ الدعاء إلا جاهل" (٢).

стр. 59

المطلب الرابع الفتح على الإمام ذهب جمهور الفقهاء إلى أن فتح المؤتم على إمامه إذا أُرْتِجَ (١) عليه في القراءة، وهو في الصلاة، ورَدَّه إذا غلِط إلى الصواب؛ مشروع إجمالًا، وبه قال جمع من الصحابة والتابعين، واستدلوا بما رواه أبو داود بسنده من حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ : "صلى صلاة فقرأ فيها، فلُبِّس عليه، فلما انصرف قال لأبَيًّ: "أصليتَ معنا؟ " قال: نعم، قال: "فما منعك؟ " (٢). وما رواه المسور بن يريد قال: "شهدت رسول الله ﷺ يقرأ في الصلاة، فترك شيئًا لم يقرأه، فقال له رجل: يا رسول الله! تركتَ آيةَ كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ : "هلا

стр. 60

أذكرتنيها؟ " (١). وكرهه ابن مسعود، وشريح، والشعبي، والثوري (٢). ما يُطْلَبُ فيمن يَفْتَحُ على الإمام ١ - الذكورة: أما المرأة فلا يجوز لها ذلك اذا صَلَّتْ خلف الرجال، قال ﷺ : "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء" (٣)، وقال ﷺ : "إذا نابكم أمر فليسبح الرجال، وَلْيُصَفِّح النساء" (٤)، فهي مأمورة بخفض صوتها في الصلاة مطلقا لما يخشى من الافتتان (٥).

стр. 61

٢ - الإخلاص: بأن يبتغي بالفتح على الإمام وجه الله تعالى، مخلصًا له الدين، وأن يحرس نيته عن الرياء، ويصونها عن السمعة، ولا يكن همه أن يقال "هو قارئ"، فيحبط عمله. ٣ - أن يكون قريبا من الإمام، واضحَ الصوت، مسموعَه، أما من كان بعيدًا، ويعلم أن الإمام لا يَسمع صوتَه؛ فلا. ٤ - أن يكون شخصا واحدًا، أما ما يحصل من بعض المتعجلين الذين يتسابقون إلى الرد بأصوات عالية مختلطة، فيحصل التشويش من كل جهات المصلين، ولا يستوعب الأمام ما ينطقون؛ فهذا لا يليق بحرمة الصلاة، ولا بآداب المسجد، فليحرص كل مأموم على أن يتأنى، وليودَّ أن غيره كفاه. ٥ - إذا كان الإمام قارئًا مجُيدًا متقنًا، على دراية بالقراءات، فليس للمأموم أن يصحِّح له إلا إذا علم يقينًا أن الحرف الذي يرى أن الإمام أخطا فيه، ليس حرفا متواترًا، أو علم أن الإمام لا يعرف إلا قراءة واحدة من القراءات المتواترة، وأخطا فيها.

стр. 62

٦ - أن يكون حافظا جيد الحفظ لما يفتح فيه على الإمام، خبيرا بالمتشابهات اللفظية، متيقنًا من خطإ الإمام، وإلا فإن بعضهم ينازع الإمام ويعوقه، ويفسد عليه قراءته الصحيحة، ويكون المأموم هو المخطئ. ٧ - أن لا يبادر إلى الفتح على الإمام اذا سكت إلا إذا تأكد أن سكوته بسبب النسيان، فقد يسكت الإمام عند آية رحمة أو آية عذاب، أو أَمْرٍ بتسبيح، أو استغفار، أو تعوذ، ونحو ذلك، وقد تأخذه سعلة، أو يسكت ليبلع ريقه، أو ليسترد نَفَسَه، ففي كل هذه الحالات ينبغي إمهالُه وعدم تعنيته. * وليتجنب المأموم تلك البدعة المحدثة التي شاعت مؤخرًا، وهي إمساك بعض المامومين المصاحف أثناء صلاة القيام كي يُصَحِّحوا للإمام، أو يتابعوا قراءته، والصلاة ليست موضع تعليم أو تعلم، كما أن الحركات التي يأتي بها دون مسوِّغ من السنة ليست من عمل الصلاة، بل تنافي قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ , قوله ﷺ : "إن في الصلاة لشغلا" (١).

стр. 63

المطلب الخامس مكان الاعتكاف (١)، قال القرطبي رحمه الله تعالى: "أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد، لقول الله تعالى: ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٢). وقال الموفق ابن قدامة رحمه الله تعالى: "لا يصح الاعتكاف في غير مسجد إذا كان المعتكِف رجلًا، لا نعلم في هذا بين أهل العلم خلافا، والأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ , فخصها بذلك، فلو صح الاعتكاف في غيرها لم يختصَّ تحريمُ المباشرة فيها، فإن المباشرة محرمة في الاعتكاف مطلقَا" (٣) اهـ.

стр. 64

* و لا يصح الاعتكاف إلا في مسجد جماعة ، قال ابن قدامة ﵀: "وإنما اشتُرِط ذلك- أي كون المسجد مسجد جماعة (١) - لأن الجماعة واجبة، وأعتكاف الرجل في مسجد لا تقام فيه الجماعة يفضى إلى أحد أمرين: - إما ترك الجماعة الواجبة. - وإما خروجه إليها، فيتكرر ذلك كثيرا مع إمكان التحرز منه، وذلك منافٍ للاعتكاف، إذ هو لزومُ المعتكَف، والإقامة على طاعة الله فيه" (٢) اهـ. ويلزمه الخروج إلى الجمعة، ولا يبطل اعتكافُه، لأنه خروج بعذر مشروع، ولا يتكرر إلا مرة في الأسبوع، قال الكاساني ﵀: "وكذا في الخروج في جمعة ضرورةٌ، لأنها فرض عين، ولا يمكن إقامتها في كل مسجد، فيحتاج إلى الخروج إليها كما يحتاج إلى الخروج لحاجة الإنسان، فلم يكن

стр. 65

الخروج إليها مبطلا لاعتكافه" (١). وذهب حذيفة بن اليمان إلى أن الاعتكاف لا يصح إلا في المساجد الثلاثة، فقد قال الطحاوي ﵀: حدثنا محمد بن سنان (٢) الشيرازي، قال: ثنا هشام بن عمار (٣)، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن جامع بن أبى راشد، عن أبي وائل قال: قال حذيفة لعبد الله (٤): الناس عكوف بين دارك ودار أبي موسى، لا تُغَيِّر؟! وقد علمت أن رسول ال ﷺ قال: "لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة (٥): المسجد الحرام، ومسجد النبي

стр. 66

ومسجد بيت المقدس"، قال عبد الله: "لعلك نسيتَ وحفظوا، أو أخطأتَ وأصابوا" (١). الجواب عن حديث حذيفة ١ - أنه اختُلِفَ في رفعه ووقفه، والأقرب وقفه، فقد رواه ثلاثة من الحفاظ (٢) عن ابن عيينة به موقوفًا من كلام حذيفة.

стр. 67

٢ - أن ابن مسعود لم يقبل رواية حذيفة، بل رَدَّها، وهذا لا يمكن أن يصدر منه لو علم رفع الحديث إلى النبي ﷺ ، فدل على أن حذيفة قال ذلك اجتهادًا تفرد به (١). ٣ - يحتمل أن حذيفة أخطأ في رواية الحديث، فاشتبه عليه لفظ: "لا تشد الرحال .. " الحديث (٢)، ومن ثم قال له ابن مسعود: "لعلك نسيتَ وحفظوا، أو أخطأت فأصابوا". وبفرض صحة حديث حذيفة يجاب عنه: أولًا: بأنه منسوخ، ولذا قال الإمام أبو جعفر الطحاوي ﵀:

стр. 68

"فتأملنا هذا الحديث فوجدنا فيه إخبار حذيفة لابن مسعود أنه قد علم ما ذكره له عن النبي ﷺ ، وتَرْكَ ابن مسعود إنكارَ ذلك، وجوابَه إياه بما أجابه في ذلك من قوله لهم: "حفظوا" أي: قد نُسخ ما قد ذكرته من ذلك، "وأصابوا" فيما قد فعلوا، وكان ظاهرُ القرآن على ذلك، وهو قول الله : ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ , فعمَّ المساجد كلَّها بذلك، وكان المسلمون عليه في مساجد بُلدانهم" (١) اهـ. ثانيا: أنه محمول على بيان الأفضلية، قال الكاساني ﵀: "فأفضل الاعتكاف أن يكون في المسجد الحرام، ثم مسجد المدينة، ثم في المسجد الأقصى، ثم في المساجد العظام التي كثرُ أهلها" (٢) اهـ. والحاصل: أن مذهب حذيفة غريب مهجور (٣) مخالف

стр. 69

لمذهب القافلة الكبرى من أئمة العلم في كل عصر ومصر: قال البخاري في "صحيحه": باب الاعتكافِ في العشر الأواخر، والاعتكافِ في المساجد كلها، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ الآية. قال الحافظ في "الفتح": "قوله: (والاعتكاف في المساجد كلها) أي مشروطية المسجد له، من غير تخصيصٍ بمسجد دون مسجد" (١) اهـ. وقال النووي ﵀: " .. وإذا ثبت جوازه في المساجد؛ صح في كل مسجد، ولا يُقبل تخصيص من خصَّه إلا بدليل، ولم يصح في التخصيص شيء صريح" (٢). تنبيهان الأول: الحكمة من الاعتكاف لَمُّ شعث القلب بإقباله بالكلية على الله تعالى، ومن ثم شُرع فيه ما يُذهب فضولَ الطعام والشراب، ويستفرغ أخلاط الشهوات التي تعيق القلب عن

стр. 70

سيره إلى الله تعالى، وذلك إنما يتم مع الصوم، بل اصطفى له النبي ﷺ أفضل أيام الصوم، وهو العشر الأخير من رمضان، وشرع فيه حبس اللسان عن كل ما لا ينفع في الآخرة من فضول الكلام، وشرع فيه قيام الليل اغتنامًا لشرف الوقت، واجتنابًا لفضول النوم، وكان ﷺ إذا اعتكف، دخل قبته وحده، وكان لا يدخل بيته إلا لحاجة الإنسان، كل هذا: "تحصيلًا لمقصود الاعتكاف وروحه، عكسَ ما يفعله الجهالُ من اتخاذ المعتكَف موضعَ عِشرة، ومجلبة للزائرين، وأخذِهم بأطراف الأحاديث بينهم، فهذا لون، والاعتكاف النبوي لون، والله الموفق" (١). الثانى: الاعتكاف سنة في كل وقت، وآكده في رمضان، وآكده في العشر الأخير منه، فإذا تعارض مع فرضٍ كَبِرِّ الوالدين أو طاعةِ الزوج قُدِّم الفرض، كما يُفعل في نظائره عند التعارض، والله أعلم. وهذا آخر ما قصدت إلى جمعه من الفوائد والتنبيهات، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.