← Общие книги

Общие книги · id 9818

قذائف الحق

محمد الغزالي

Полный текст (256 стр.). Показаны 246–256 · переход к 251.

стр. 246

يناشدون أمتهم تلك أن تعود إلى ربها ونبيها وكتابها، والله يعلم متى تجيب؟ إننى أطلب من المسلمين ـ قبل أن يحددوا موقفهم من هذا وذاك ـ أن يحددوا موقفهم من الإسلام المستوحش الغريب، ثم على ضوء هذا الموقف نعامل الصديق والعدو!! وحقيقة أخرى أقررها هنا.. إن الإسلام لما يأخذ بعد امتداده الذى كتب الله له! لقد روى الإمام أحمد فى مسنده عن رسول الله ﷺ أن هذا الدين سيبلغ ما بلغ الليل والنهار.. وهذا تعبير غريب وهو صريح فى أن الإسلام سيصبغ العالم أجمع [ابن حبان فى صحيحه كما قدمنا] كما جاء فى الصحاح أنه باسم الإسلام ستمتلئ الأرض عدلاً بعدما ملئت جوراً، وان صحراء الجزيرة ستتحول إلى أرضين تهتز زرعاً [إشارة إلى حديث مسلم (٣/٨٤) وأحمد (٢/٧٠٣) والحاكم (٤/٤٧٧) . راجع الأحاديث الصحيحة للشيخ ناصر الدين (١/١٠) ] .. وفى حديث آخر " أمتى كالغيث لا يدرى أوله خير أم آخره ". ومن هنا فنحن نعتقد أن المستقبل لدين الله الحق لا للنظم الأرضية الأخرى، وإذا كان مسلمو اليوم ضياعاً فلأنهم ينتمون إلى الإسلام انتماء مزوراً، وهم عبء عليه لا عون له! وإذا انتهى دور الإسلام فى الأرض فذلك إيذان بانتهاء الإنسانية على سطح هذا الكوكب، وبدء حساب الأولين والآخرين على ما اقترفوا من خير وشر! **السؤال الرابع تثور نزعات نحو وحدة أو اتحاد فى منطقتنا تحت شعار القومية العربية أو القوى التقدمية أو تطالب بتجمع إقليمى كالمغرب الكبير مثلاً، فما رأيكم فى هذا اللون من التفكير؟ وهل عندكم بديل أو صبغة أخرى تقدمونها للمجتمع المسلم؟ *الجواب: التجمعات الإقليمية فى إطار التكامل الاقتصادى والعمرانى أمر لا حرج فيه، بل قد يكون من المصلحة العامة دراسة أقطار العالم الإسلام الرحب لإنشاء تجمعات كثيرة تنتظمه شرقاً وغرباً وتكفل تقدمه المادى والاجتماعى، والمغرب الكبير أو وادى النيل أو الجزيرة العربية أو جزائر أندونيسيا أو غير ذلك من الوحدات

стр. 247

الاقتصادية المتناسقة يمكن أن تولد وتنمو داخل الكيان الإنسانى الموحد الذى يجب أن يعود إلى الحياة الدولية مرة أخرى. إن الصعوبات التى تتوهم أمام أى تجمع إسلامى أقل من الصعوبات التى انتصبت بالفعل أمام أى تجمع عربى.. ولكن أمام المناضلين المسلمين مراحل طويلة حتى يستطيعوا أن يقيموا جامعة إسلامية ضخمة تلم شمل المسلمين، وتداوى جراحاتهم، وتحرر مستعبديهم، وترد العدوان عنهم. ولا أدرى لماذا يكون الوجود الصينى واقعاً عادياً فيصبح ٨٠٠ مليون إنسان دولة موحدة ويكون الوجود الإسلامى خيالاً مستبعداً؟ ولو كان اتحاد ولايات أو تحالف دول متآخية!! إن شئون المسلمين لا تعالج للأسف بالعقل العادى، فالتأثر بالاستعمار والتبعية الذليلة للغزو الثقافى هما أساس التجهم الغريب لكل كلام عن الإسلام وأمته الكبرى ووحدته المنشودة.. إن القارة الاستعمارية التى شنتها أوربا على الإسلام وأتباعه منذ قرنين تقريباً استهدفت أمرين رهيبين: ـ الأول: رفض أى تلاق على الإسلام بين الشعوب المنتسبة له، وتمزيق الولاء الموروث نحو الجامعة الإسلامية وإحياء نزعات قومية حقيقية ومفتعلة، تجعل أبناء الأسرة الواحدة متناكرين لا يلوى أحدهم على الآخر ولا يحترم آصرة الدين المشترك.. وبذلك أصبح المسلمون أوزاعاً بين ٦٠ أو ٧٠ جنسية فى المجال الدولى. ـ الثانى: تمويت الإيمان فى ضمائر الأفراد بحيث ينفصل السلوك عن العقيدة، فينحرف هذا وتنكمش تلك، ويصبح المجتمع مسرحاً للمباذل المستقرة والأهواء المطاعة والتيارات الطائشة، ثم يتحول ما بقى من دين على أشكال فارغة وبدع حقيرة لا تغنى عن أصحابها شيئاً. وبكلا الأمرين نجح الاستعمار الحاقد فى بلوغ أهدافه منا وكان وصوله إلى

стр. 248

إقامة إسرائيل سهلاً بعد التمهيد المزدوج الذى شرحناه آنفاً، وهو إبعاد الولاء للإسلام فى المجال العام، وتوهين الرباط بالعقيدة فى مجال العبادة والخلق وأنواع المعاملات الأخرى. ونستطيع أن نقول دون مواربة أو مداهنة إن كل نزعة ترمى إلى إنصاف الإسلام ـ من حيث هو جامعة عامة أو من حيث هو ضمير ـ ليس إلا امتداداً للزحف الاستعمارى والتفافاً خسيساً حول بقايا الإيمان فى قلوبنا وصفوفنا. ولن تجد إسرائيل خيراً من هذه النزعات بعينها على البقاء، ويضاعف انتصاراتها علينا. ولا أدرى كيف فشت هذه الخيانات الدينية فى أرجاء الأمة العربية! إن هناك معادلة يجب أن يحفظها كل عربى عن ظهر قلب هى " عرب - إسلام = صفر ". نعم، العرب بدون دينهم لا يساوون شيئاً.. وقد كنا نحن مسلمى أفريقيا لا نفرق بين العروبة والإسلام، كما أن مؤرخى أوربا لا يعرفون هذه التفرقة حين قال جوستاف لوبون: إن العالم لم يعرف فاتحاً أرحم من العرب. حتى البدعة المهينة التى اختلقها ميشيل عفلق واقترح فيها البعد عن الإسلام طريقاً للبعث العربى! والواقع أن الرجل بنصيحته تلك كان يحفر القبر العربى ليدفن فيه أمة ورسالة. وليس غريباً من مثله أن يصنع ما صنع! إنما الغريب أن يفتتن بنعرته بعض الناس فيسارعوا إلى الارتداد عن الإسلام والكفر بالله والمرسلين. فماذا أفادوا؟ إنه لم تظهر دعوة أشأم على قومها وأبين فشلاً وأسوأ عقبى من هذه الدعوة المرتدة. ولعل العرب يعقلون بعد أن مس جلدهم لهب الأحداث ويعرفون إلى أين قادتهم هذه الخدع، وكيف عفرت وجوههم بالتراب؟ وفرية أخيرة نريد دحضها.. إن الإسلام لا يعرف التعصب ضد أديان أخرى، ولا يجعل الاختلاف الدينى ذريعة قتال وخصام، ولو أن البضعة عشر مليوناً من يهود العالم عاشوا بين ظهرانى المسلمين ما أحسوا غبناً ولا شكوا اضطهاداً مثل ما وقع

стр. 249

عليهم فى أوربا. إن أوربا رمتنا بدائها وانسلت، إنها كانت ولا زالت تجعل الخلاف الدينى والمذهبى مثار حروب وعداوات، وهى بهذه العقلية تحاول تمزيق الكيان العربى الذى عاش فيه المسيحيون دهراً طويلاً مواطنين مكافئين للمسلمين فى الحقوق والواجبات، وهدفها إما قتل الإسلام وإما خلق فتن طائفية فى كل مكان. والخطة معروفة، وعلى المسلمين أن يزدروها ويزدروا مروجيها ويفضحوا من وراءهم. إن مطالبة العرب بالتخلى عن الإسلام سفالة لا قرار لها، وإنى أقول لقومى: لا خيار لكم أمام مؤامرات عالمية واسعة.. مطلوب منكم أن ترتدوا عن دينكم وأن تتنازلوا عن أوطانكم وهذه وتلك طريق العار والنار.. وتستطيعون أن تستندوا إلى ربكم وتجاهدوا دون وجودكم المادى والمعنوى. واسمعوا قول رسول الله لكم: " إن ربى قال: يا محمد، إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإنى أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة، وألا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها". أى أن قوى الشر لو تألبت كلها ضدنا ما نالت منا شيئاً إذا توحدت كلمتنا وتجمع شملنا وتماسك صفنا، أما إذا تفرقنا شيعاً وانقسمنا أحزاباً فسيأكل بعضنا بعضاً ويخلو الطريق للمتربصين. **السؤال الخامس الناس يقولون إن التشريع الإسلامى مثالى للغاية، ولكن لا يصلح للتطبيق فى زماننا هذا لتداخل الظروف وتعقد الحياة الاجتماعية، فما رأيكم؟ *الجواب: التشريع الإسلامى تراث ربانى وإنسانى ضخم، والحكم عليه بكلمات عابرة ضرب من الطيش يتنزه عنه العقلاء.. ولما كان هذا التشريع يتناول شئون الأسرة، وأشتات المعاملات المالية والتجارية، ويبت فى عقوبات لطائفة من الجنح والجنايات ويجه فى أخرى، بل إن هذا التشريع يتناول دستور الحكم فى الدولة ويتعرض للعلاقات بينها وبين الدول الأخرى فى حالتى السلم والحرب.. لما

стр. 250

كانت دائرة هذا التشريع رحبة إلى حد بعيد فإن المرء يحار فى تفسير كلمة " مثالية " هذه التى يرمى بها الإسلام فى جانب رائع من تعاليمه. وسأمشى مع الحدس فى تلقى هذا الاتهام وتحديده! لعل الإسلام مثالى فى رجمه الزانى أو جلده. إن بعض الناس إذا ذكر الشرع الإسلامى وثبت إلى ذهنه هذه القضية الخطيرة جداً (!) وعجيب أن يذهل الفكر البشرى عن آيات الإبداع القانونى فى أزكى ميراث حضارى وعته الإنسانية فى تاريخها الطويل فلا ينزعج إلا لرجم الزانى أو جلده، أو بعض صور الحدود والقصاص الأخرى. إن قصة الرجم يوم تكون سوأة تشريعية ـ كما يتصور البعض ـ فستكون سوأة الأديان كلها لأن الرجم هو حكم التوراة كما لا يزال مقرراً فى العهد القديم، وكذلك أحكام القصاص الأخرى! وغريب أن يكون هذا الحكم شديداً وأن هذه الغرابة تنقطع يوم يبيح القانون العصرى الزنا، ما دام بالتراضى واللواطة أيضاً (!) ما دام الطرفان متفاهمين!! ويمضى الاتجاه الواقعى فى مجراه المقبول (!) فيندد قاض أمريكى برجل ضرب زوجته لأنها زنت مع صديق له، وينصحه أن يطرح رجعيته أو مثاليته ويعيش فى هذا العصر المتقدم!! إذا كانت المثالية تعنى الشرف والتسامى وإرضاء الله وضبط النفس وتهذيب الغرائز فيجب أن يكون التشريع مثالياً، ومن السماجة أن يعاب الإسلام فى هذا المضمار.. أما الواقعية التى تعنى إقرار الفسوق والعصيان، فلا أدرى لماذا تسمى قانوناً؟ إن المسالة ليست قتل مجرم أو قطع يده أو جلد بدنه.. إن المسالة أكبر من ذلك، والشريعة الإسلامية أكبر قدراً من أن تتناول بهذا الصغار الفكرى.. الأمر يتصل أولاً بحقيقة العلاقة بين الناس وربهم، وطبيعة الدين الذى نزل يحكم فيما شجر بينهم..

стр. 251

هذا موضع الخلاف بيننا نحن المؤمنين، وبين غيرنا ممن وهت صلتهم بالله. نحن نعتقد أن الوحى كل لا يتجزأ، وأن حق الله فى الحكم على عباده فوق الجدل، وأن شريعته تحقق العدالة والمصلحة، وأن تكذيب آية فى الميراث كتكذيب آية فى التوحيد أو فى الصلاة، لا معنى لها إلا رفض الخضوع لله والرد لأمره ونهيه. أما بالنسبة إلى قصة المثالية والواقعية التى قد ترد على بعض الأذهان فنسوق فى دحضها كلمات مبينة للأستاذ العقاد من كتابه (حقائق الإسلام وأباطيل خصومه) [ص ١١٥] : " وعلى هذه السنة من المساواة بين حقوق الدين فى نشر العقائد، وحقه فى فرض الشرائع والمعاملات ننظر إلى معاملات الدين الإسلامى كما ننظر إلى عقائده فلا نرى فيها ما يعوقه عن أداء رسالته العالمية الإنسانية التى توافرت له بدعوى إلى إله واحد هو (رب العالمين أجميعن، وخالق الأمم بلا تمييز بينها فى الحظوة عنده غير ميزة التقوى والصلاح.. رب المشرقين ورب المغربين، يصلى اله المر حيث كان: " وأينما تكونوا فثم وجه الله ") .. " فما منع الإسلام قط معاملة بين الناس تنفعهم وتخلو من الضرر بهم، والغبن على فريق منهم.. " وأساس التحريم كله فى الإسلام أن يكون فى العمل المحرم ضرر أو إجحاف، أو حطة فى العقل والخلق.. " وما فرض الإسلام من جزاء قط إلا وهو (حدود) مقدرة بقدرها، وشروطها وقيودها صالحة على موجب تلك القيود والشروط للزمان الذى شرعت فيه، ولكل زمان يأتى من بعده، لأنها لا تجمد، ولا تتحجر، ولا تتحرى شيئاً غير مصلحة الفرد والجماعة، وكفى باسم (الحدود) تنبيهاً إلى حقائق الجزاء والعقاب فى الإسلام، فإنها (حدود) بينة واضحة تقوم حيث قامت أركانها ومقاصدها، وتحققت حكمتها وموجباتها، وإلا فهى حدود لا يقربها حاكم ولا محكوم إلا حاقت به لعنة الله.. " والشبهة المتوافرة فى العصر الحاضر إنما ترد على المعاملات الإسلامية من قبل الناقدين والمبشرين، لأنها تمس ضرورات الحياة المتجددة كل يوم، وترصد للمسلم

стр. 252

فى طريقه حيث سار فيتحر الناقد الموطن الحساس من نفس المسلم حتى يلقى فى روعه أن شيئاً فى دينه يتقهقر به إلى الوراء ولا يصلح للتطبيق فى عصر النظم الحكومية التى تجرى القضاء والجزاء على أصول العلم والتهذيب.. " وليس فى المصارف والشركات شىء نافع برىء من الضرر والغبن يحرمه الإسلام ". إن أساطين القانون اعترفوا فى مجامعهم العلمية ومؤتمراتهم الدولية بما للشريعة الإسلامية من قدر رفيع. والواقع أن أئمة الفقه عندنا ـ على اختلاف مذاهبهم ومدارسهم ـ ورثونا تركة فنية لا نظير لها فى أزهى المدنيات القديمة والحديثة، ولا تزال بحوثهم الفنية المترفة مفخرة للفكر الإنسانى المجرد.. ثم جاءت هذه الأجيال الهابطة من ذرارى المسلمين المتخلفين تنظر إلى ما لديها من كنوز نظرة بلهاء، ثم تردد مع عملاء الصهيونية والاستعمار أن الإسلام مثالى وأن تشريعه لا يصلح للمجتمع! إذا محاسنى اللاتى أدل بها كانت عيوباً فقل لى: كيف أعتذر؟! **السؤال السادس قضية الجنس استبدت بتفكير الناس وفرضت نفسها على المجتمعات متحضرة ومتخلفة، فما العلاج عندكم؟ *الجواب: استشراء الفساد الجنسى أمسى حقيقة لا ريب فيها، ولكنى أعد التقاليد الإسلامية البالية شريكة فى المسئولية الجنائية مع الانحلال الذى وفدت به المدنية العصرية.. إن هذه التقاليد لا تعرف الأحكام الإسلامية الصحيحة فى كثير من القضايا، وإذا عرفتها لم تقف مع بواعث التقوى وخشية الله فى تنفيذها.. ومن مقررات هذه التقاليد المريضة جعل الزواج مشكلة اقتصادية رهيبة. ثم فساد الصورة الإنسانية لوظيفة المرأة قبل الزواج وبعده.. والجهل التام بدور الأسرة فى التربية على امتداد مراحل العمر وهذه التقاليد التى تنهض على الرياء والتظاهر والتكلف كانت ولا زالت من أسباب

стр. 253

انهيار الحضارة الإسلامية وتوالد أجيال حقيرة الفكر والسيرة والأمانى والهمم. ولكى نعود إلى ديننا ونتصل بسيره الأول، ونتحصن ضد العلل النفسية والاجتماعية التى زحفت علينا مع الغزو الأجنبى لا بد من رعاية أمور شتى: أولاً: توثيق الصلة بين المرأة وينابيع الثقافة الدينية والمدنية. ثانياً: إعادة الحياة للعلاقة بين النساء وبيوت الله فى الصلوات. ثالثاً: تدريس الوظائف التربوية للبيت المسلم حتى نستطيع تخريج أجيال تعرف ربها ودينها ومعاشها ومعادها على قواعد مغروسة فى اللحم والدم، وفضائل يرضعها النشء مع اللبن. رابعاً: الحكم بإعدام ما تواصى المسلمون به فى تقاليد الزواج من مغالاة فى المهور وإسراف فى الحفلات وتكديس للأثاث وتنافس فى الكماليات، وإعادة الزواج إلى معناه السهل القديم ليكون عصمة وسياجاً للدين والدنيا. خامساً: وصل ما بين البيت المسلم وقضايا المجتمع الكبرى حتى لا يحيا بيت فى جو منافعه الخاصة جاهلاً أو جاحداً ما وراءها ولو أن كل دولة مسلمة أنشأن وزارة للأسرة والشباب كى تضمن ما ذكرنا ما كان ذلك كثيراً، بل لعله يكون أقرب إلى حياتنا الإسلامية الصحيحة. لقد راقبت وضع المرأة فى شتى البيئات فوجدت إنسانة محكوماً عليها بالجهل والقصور، مفروضاً عليها التفريط فى حقوق الله وتعاليم دينه فلِم ذلك؟ وكيف يقع ذلك باسم الإسلام؟ ورأيت جماهير المسلمين وكأنها متفقة على جعل الزواج مشكلة تقصم الظهور دون مبالاة بما ينشأ عن ذلك من شيوع الفسق والفجور، فأى تدين هذا؟ وبأى حق يستولى بعض الآباء على المهور؟ وبأى حق يكلف بعض آخر بالاستدانة ليعين على زواج ابنته؟ ولماذا تطلب البنت عندنا أثاثاً لا تطلبه لنفسها المرأة الغربية ولا المرأة الشرقية؟ إن المرأة العربية العادية ربما فرضت لنفسها بيتاً لا تحلم به امرأة من رواد الفضاء، فلِم بالله هذا الترف؟

стр. 254

لماذا نرتضى إغلاق البيوت على ألوف العوانس إذا لم يتزوجن وفق هذه التقاليد السفيهة؟ وإلى أين تقودنا تقاليد الرياء التى تواضعنا على الاحتكام إليها ناسين ديننا ودنيانا على السواء؟ إذا كان الإسلام دين الفطرة فإن العالم الإسلامى يكذب على فطرته، ويفتح أقطاره لفساد جنسى زاحف من كل ناحية يجعل الزنا عملة متداولة دون حرج، ويعطى كل أنثى وذكر حق الاتصال الحرام كلاً أو بعضاً حسب ما يشتهى. والذين يفتعلون الأزمات والضوائق فى الطعام الحلال لا ينتظرون إلا إقبال الناس على الحرام الرخيص يعبون منه عباً. وقد رأيت بنفسى ـ للأسف ـ ناساً يأخرون زواجهم إلى سن معينة حتى يتموه وفق تقاليده المقررة.. وإلى بلوغ هذه السن لا مانع من الزنا، وغير الزنا!! ورأيت ناساً يستدينون بالربا ليقيموا الأحفال المطلوبة! ومن هؤلاء من يقتل المرأة إذا زنت ويترك الشاب دون غضب! فعلمت أن المسلمين فى هذا المجال وغيره لا يكترثون بحدود الله ولا يبالون سخطه، وأنهم كما يهوون، وقد يتبجح بعضهم فيصف هواه بأنه دين، وما هو إلا الكذب على رب العالمين. ويجب تسهيل الزواج وأحكام التطبيق الدينى فى شئون الرجال والنساء على سواء. **السؤال السابع مناهج التربية فى مدارسنا وجامعاتنا صارت وسيلة للتوظيف وكسب العيش، وخلت من كل توجيه ونحن نحب أن نستنير برأيكم فى الوسيلة المثلى لمناهج التربية حتى يتخرج جيل مسلم.. *الجواب: توجد فى مدارسنا وجامعاتنا برامج دراسية حسنة تقدم أنصبة من العلم تشبه ما تقدمه نظائرها فى أعظم الأقطار، ويمكن أن تكون بعض المراحل الدراسية عندنا مساوية فى تقدمها العلمى لما يقابلها فى الشرق والغرب. أما مناهج التربية تواكب مناهج للتعلم فالأمر يحتاج إلى نظر وتأمل..! إن العلم شحن الأذهان بألوان لا حصر لها من المعرفة.

стр. 255

أما التربية فهى الإفادة من هذا التقدم لتزكية الشخصية وتهذيب سلوكها.. والتربية الدينية نوع خاص من البناء المعنوى يجعل المرء متجهاً بقواه كلها إلى غاية معلومة وضابطاً لحياته وفق نظام مرسوم.. وهذا النوع من التوعية الدينية معدوم فى بعض الجامعات محارب فى بعضه، معترف به ومعترف بغيره فى بعض ثالث، وربما قدم نصيب محدود منه فى جامعة الأزهر! والأصل فى التربية تعهد الأخلاق، ولما كان الخلق ـ بالتعريف العلمى ـ هو عادة الإرادة فإن المفروض فى برامج التربية: أولاً: أن ترسم الوجهة للسلوك المنشود. ثانياً: أن تدرب الأفراد على هذا السلوك، وتأخذهم به أخذاً مستمراً حتى يصبح طبعاً لهم وصبغة ثابتة فيهم، فالمربى أشبه بالزارع الذى يتولى البذر والحرث والسقيا والحماية والإخصاب والانتقاء حتى تنضج الثمرة وتؤتى أكلها كل حين بإذن ربها. والطالب الذى يمر بهذه الأدوار، يصاغ فى قوالب معروفة الشكل والصورة، فإذا ربى على الصدق صعب عليه الاختلاق والتخريف، وإذا ربى على الأمانة انزعج من العوج والغدر. وفى أثر التعود واستقامة الوجهة يقول الشاعر: تعود بسط الكف حتى لو أنه ثناها لبخل لم يتطعه أنامله! ويقول آخر: وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه! وقد ربى الله محمداً ﷺ ليربى به العرب، وربى العرب ليهذب بهم العالم أجمع " لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين ". وكلمة التزكية تعنى التربية والتسامى بالنفس وامتلاك الهوى. وذلك معنى الآية " ونفس وما سواها. فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها".

стр. 256

والتربية الإسلامية مذ دخل الاستعمار بلادنا تمر بمحنة شديدة، فلما خرج ووقعت البلاد فى الأيدى التى تتلمذت عليه مرت التربية الإسلامية بمحنة أشد.. وذلك هو السر فى أننا نجد أصحاب محاصيل علمية كبيرة وكلفها قليلة الجدوى، إن لم تكن قريبة الضرر. فإن العلم عند هؤلاء وقف عند حدود التصور الذهنى وحشو الأدمغة بجمل من القوانين والأحكام. أما التربية التى تتوسل بهذا العلم إلى رفع المستوى النفسى والاجتماعى والتى تحول الشخص إلى صاحب مبادئ ومثل يعيش لها وقد يضحى من أجلها.. هذه التربية لم توجد لها بعد مناهج واضحة ومؤسسات مسئولة. والسبب فى ذلك هو الكره الخفى أو الجلى للإسلام وتاريخه ومطالبه ووصاياه.. التعليم فى روسيا يكرس لخدمة الشيوعية، والتعليم فى بلاد كثيرة يربط بأهداف شتى.. وكان مفروضاً أن يصحب برامج التعليم عندنا برامج للتربية الإسلامية اليقظى تشرف على السلوك الفردى والجماعى، وتجعل الحياة الخاصة والعامة محكومة بآداب الإسلام وتوجيهاته. [راجع فى هذا الباب: هذه المقررات لا نريد أن تنسى] ولكن الإسلام دين مهزوم فى المجالات الدولية، وقد انسحبت آثار هزيمته على مطالبه فى بلاده نفسها فأضحت كما نرى: متعلمين يريدون بشهاداتهم العلمية مستوى معيناً من المعيشة، وسعراً خاصاً لما نالوه من دراسات وكفى! فإذا ذهبت تفحص سلوكهم وجدت العلم قد أفاد فى تغيير الوسائل فقط، أما المآرب الدنيا فهى هى عندهم وعند الجهال! ويستحيل أن تنهض أمتنا إلا يوم يكون العلم والتربية قرينين، ويوم تتقرر آداب الإسلام ومثله دون حرج أو دجل. * * * * * انتهى شيخنا ﵀ من تحرير " قذائف الحق " فى رحلته الرمضانية إلى " المغرب " عام ١٣٩٣ هـ، وكان الفراغ من تصحيحه فى غرة ذى الحجة من نفس العام، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.