Полный текст (256 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
" كلهم إبراهيم وإن اختلفت الألقاب مع الوظائف، وهكذا أيضاً الله خلق فهو الأب الله، الله أنقذ فهو الابن، الله يعلم فهو الروح "!!
نقول: هذا الكلام أوغل من سابقه فى خداع النظر، فإن الضابط قد يرتدى فى الجيش ملابسه العسكرية، وقد يرتدى فى عطلته الملابس المدنية، وقد يرتدى فى بيته ملابس النوم. ولم يقل مجنون ولا عاقل أن هؤلاء ثلاثة، وأنهم واحد، ولا يتصور أحد أن الضابط بزيه العسكرى يصدر حكماً بالإعدام على الضابط نفسه بزيه المدنى، وأن هذا المدنى يقول للعسكرى: لماذا قتلتنى أو لماذا تركتنى.
إن المعلم إبراهيم أو المنقذ إبراهيم أو الخالق إبراهيم يستحيل أن يكونوا ثلاثة أقانيم على النحو المألوف فى المسيحية، وإنما المعقول أن يقال: الله الواحد يوصف بالقدرة والعلم والرحمة والحكمة مثلاً، وهذا يذكره الإسلام فالله ذات واحدة، لا تقبل التعدد بتة، والروح القدس وهو جبريل عبد مخلوق له، والمعلم المرشد الصالح عيسى عبد مخلوق له، وما دام العقل البشرى موجوداً فلن يسيغ إلا هذا.. أما الفرار من التناقض الحتم إلى التلاعب بالألفاظ فلا جدوى منه.
وإذا كان خالق السماء هو هو المقتول على الصليب فمن كان يدير العالم بعدما قتل خالقه؟ بل كيف يبقى العالم بعد أن ذهب موجده؟ والعالم إنما يبقى لأنه يستمد وجوده لحظة بعد أخرى من الحى القيوم ﷻ .
إن القرآن الكريم ينصح أصحاب عقيدة التثليث فيقول لهم: " يا أهل الكتاب لا تغلوا فى دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق، إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة، انتهوا خيراً لكم، إنما الله إله واحد سبحانه أنى يكون له ولد، له ما فى السموات وما فى الأرض وكفى بالله وكيلاً. لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون.. " (النساء: ١٧١، ١٧٢)
وإنه ليسرنا أن تكون عقيدة التوحيد محور العلاقة بين الناس جميعاً وبين الله
стр. 37
الواحد الأحد، لكن من المضحك المبكى أن يحاول البعض التشبث بالثالوث وبألوهية كل فرد من أفراده ثم يزعم بطريقة ما أن الثلاثة هم فى الحقيقة واحد.
قيل فى باب الفكاهة أن رجلاً جلس على قهوة ثم طلب " ينسوناً " وقبل أن يتناوله تركه وطلب بدله " شاياً " شربه ثم قام لينصرف.. فلما طولب بثمن الشاى الذى شربه قال: إنه بدل الينسون، فلما طولب بثمن الينسون قال: وهل شربته حتى أدفع ثمنه؟!
ويظهر أن هذا الاستدلال الفكاهى انتقل من ميدان المشروبات إلى ميدان العقائد، ليطمس الحقيقة ويسيغ المتناقضات..
وقصة ثالثة تنشرها المجلة المعلقة بكلية الهندسة ـ جامعة القاهرة هى عجيبة العجائب نثبتها
هنا ـ على طولها ـ بعد النقلين الموجزين السابقين!!
عنوان القصة: " أنت تعبان والله مرتاح.. "!!
والعنوان المذكور يحكى إجابة طريفة عن سبب الصلب.
والسؤال التقليدى فى هذا الموضوع: لماذا قتل الإله الآب الإله الابن؟!
والجواب المعروف لدى إخواننا المسيحيين هو: الفداء لخطايا الخليقة.
لكن الكاتب الذكى ـ تمشياً منه مع أن الواحد ثلاثة والثلاثة واحد ـ جعل القصة تدور حول هذا السؤال: لماذا قتل الإله نفسه؟ ولنذكر القصة برمتها:
" انتهت الحياة، وتزاحم الملايين من البشر فى واد كبير أمام عرش الله، وكانت المقدمة من جماعات تتكلم بامتثال شديد دون خوف أو خجل، ولكن بطريقة عدوانية، حتى تقدمت الصفوف فتاة تصرخ: كيف يستطيع الله أن يحاكمنى؟! وماذا يعرف هو عن الآلام التى عانيتها؟!..
" قالت هذا وهى تكشف عن رقم على ذراعها مدموغ بالحرق فى أحد معسكرات التعذيب والإبادة النازية، ثم أردفت: لقد تحملت الضرب والتعذيب بل والقتل أيضاً..
стр. 38
" وعلا صوت هادر من مجموعة أخرى قائلاً: وما رأيكم فى هذا. وعلى أثر ذلك أزاح صاحب الصوت ـ وهو زنجى ـ ياقة قميصه كاشفاً عن أثر بشع لحبل حول عنقه وصاح من جديد: شنقت لا لسبب إلا أنى أسود.. لقد وضعنا كالحيوانات فى سفن العبيد، بعد انتزاعنا من وسط أحبائنا، واستعبدنا، حتى حررنا الموت..
" وعلى امتداد البعد كنت ترى المئات من أمثال هذه المجموعات، كل منها له دعوى ضد الله: بسبب الشر والعذاب اللذين سمح بهما فى عالمه. كم هو مرفه هذا الإله! فهو يعيش فى السماء حيث كل شىء مغلف بالجمال والنور، لا بكاء ولا أنين، لا خوف ولا جوع ولا كراهية، فماذا يعرف هو عما أصاب الإنسان وتحمله مكرهاً فى هذا العالم؟..
" حقاً، إن الله يحيا حياة ناعمة هانئة لا تعرف الألم..
" وهكذا خرج من كل مجموعة قائد، كل مؤهلاته أنه أكثر من قاسى وتألم فى الحياة، فكان منهم يهودى وزنجى وهندى ومنبوذ وطفل غير شرعى، وواحد من هيروشيما وآخر عبد من معسكرات المنفى والسخرة..
" هؤلاء جميعاً اجتمعوا معاً يتشاورون، وبعد مدة كانوا على استعداد لرفع دعواهم، وكان جوهرها بسيطاً جداً، قبل أن يصبح الله أهلاً لمحاكمتهم، عليه أن يذوق ما ذاقوا!!..
" وكان قرارهم الحكم على الله أن يعيش على الأرض كإنسان، ولأنه إله، وضعوا شروطاً تضمن أنه لن يستخدم قوته الإلهية ليساعد نفسه، وكانت شروطهم:
" ينبغى أن يولد فى شعب مستعمر ذليل..
" ليكن مشكوكاً فى شرعية ميلاده، فلا يعرف له أب، وكأنه وليد سفاح..
" ليكن صاحب قضية عادلة حقيقية، لكنها متطرفة جداً حتى تجلب عليه الكراهية والحقد والإدانة بل والطرد أيضاً من كل سلطاته الرئيسية التقليدية، ليحاول أن يصف للناس ما لم يره إنسان أو يسمع به، ولا لمسته يداه، ليحاول أن يعرف الإنسان بالله..
" ليجعل أعز وأقرب أصدقائه يخونه ويخدعه، ويسلمه لمن يطلبونه، ليجعله
стр. 39
يدان بتهم كاذبة، ويحاكم أمام محكمة متحيزة غير عادلة، ويحكم عليه قاض جبان..
" ليذق ما معنى أن يكون وحيداً تماماً بلا رفيق فى وسط أهله، منبوذاً من كل أحبائه، كل الأحباء..
" ليتعذب ليموت.. نعم يموت ميتة بشعة محتقرة مع أدنى اللصوص..
" كان كل قائد يتلو الجزء الذى اقترحه فى هذه الشروط، وكانت همهمات الموافقة والاستحسان تعلو.. ولكن ما أن انتهى آخرهم من نطلق الحكم حتى ساد الوادى صمت رهيب وطويل، ولم يتكلم إنسان أو يتحرك..
" فقد اكتشفوا جميعاً ـ فجأة ـ أن الله قد نفذ فيه هذا الحكم فعلاً.. لكنه أخلى نفسه، آخذاً صورة عبد، صائراً فى شبه الناس، وإذ وجد فى الهيئة كإنسان، وضع نفسه وأطاع حتى الموت.. موت الصليب.. ".
ولنا بعد هذه المطالعة المفيدة عن سر " الانتحار الإلهى " أن نسأل:
أـ هل كان العبيد الثائرون يعرفون أن الله عديم الإحساس بآلامهم المبرحة، فأحبوا أن يشعر شخصياً بمرارتها حتى يرق لحالهم، وبذلك حكموا بقتله؟
ب ـ هل انقطعت هذه الآلام بعد الصلب أم بقيت تتجدد على اختلاف الزمان والمكان؟ وبذلك لم تؤد قصة الصلب المنشود منها، فينبغى أن تكرر؟
جـ ـ ما هى درجة السلطة التى يمتلكها هذا الإله فى العالم؟ وهل هى من الهوان بحيث تسمح لثورة بيضاء أو حمراء أن تنفجر مطالبة بشنقه أو صلبه؟ وهل يحمل هذا الإله مسئولية المآسى العالمية؟!
د ـ وإذا كان الصلب لفداء الخطايا، فهل هذا الفداء يتناول صانعى الشرور والآثام والمظالم أم يتجاوزهم؟ أم هو لتصبر الضحايا على ما ينزل بها؟
ونحن لا نريد إجابات على هذه الأسئلة، فعقيدتنا نحن المسلمين أن الله العظيم فوق هذه التصورات الهازلة.
إن هذا الكلام الذى قرأنا من أسوأ وأغرب ما وصف به الله، وما كنا نحن نتصور أن يصل الإسفاف فى الحديث عن الله ﷻ إلى هذا الدرك المعيب، ولكن
стр. 40
صاحب الفم الذهبى ـ لا فض فوه ـ يأبى إلا أن يستغل مهارته الصحافية فى تسطير هذا اللغو ونشره بين الطلاب المسلمين، لأنه يعتقد أن القرآن يقبل التعاليم المسيحية وأن التوحيد ينسجم مع التثليث.
وقد كتب فى رمضان الأسبق مقالاً فى مجلة الهلال يحاول فيه إثبات هذا الهراء، ويريد به أن يختل المسلمين عن توحيدهم وسلامة معتقدهم.
وكم نود أن نقول لهذا الكاتب ومن وراءه من الحاقدين على الإسلام: " يا أهل الكتاب لا تغلوا فى دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل " (المائدة: ٧٧)
وأعود إلى ما بدأت به هذا الحديث: إن أتباع الأديان المختلفة يستطيعون أن يعيشوا أصدقاء، والوحدة القومية بين العرب المسلمين والنصارى موضح احترام الجميع.
لكن الانسياق مع التعصب الأمريكى ضد الإسلام يجب أن يختفى فوراً. إن كل محاولة لإهانة الإسلام وإحراج أهله لا يمكن أن تكون موضع احترام، والمال الأمريكى المبذول فى هذا السبيل يجب أن يذهب هدراً.
حول صلب عيسى
لا أعرف قضية طال فيها اللجاج دون سبب يعقل مثل قضية الصلب والفداء، ولعلها أصدق شاهد يساق لقوله تعالى: " وكان الإنسان أكثر شىء جدلاً ". ولا أزال أذكر حكاية القسيس الألمانى الذى زارنى يوماً فى مكتبى، وشاء له سوء حظه أن يحدثنى فيها، فقلت له ضاحكاً: أترى هذا الثوب الأبيض الذى ألبسه؟ أرأيت إذا وقعت عليه نقطة حبر أتزول إذا غسلت أنت ثوبك؟ قال: لا. قلت: فلم يزول خطئى إذا اعتذر عنه آخر؟
عندما ألوث نفسى بخطأ دق أو جل، فأنا المسئول عنه، أغسل أنا نفسى منه، أشعر أنا بالندم عليه، أقوم أنا من عثرتى إذا وقعت، ثم أعود أنا إلى الله لأعترف له بسوء تصرفى وأطلب أنا منه الصفح.
стр. 41
أما أن العالم يخطئ فيقتل الله ابنه كفارة للخطأ الواقع فهذا ما يضرب الإنسان كفاً بكف لتصوره!!
هذا أول الأسطورة، أما آخرها فلا بد أن نعرف: من القاتل ومن القتيل؟؟
إن المسيحيين يقولون: إن الله " الابن " صلب، لكنهم يقولون كذلك: إن الآب هو الابن، هما ـ والروح القدس ـ جميعاً شىء واحد.
إن كان الأمر كذلك فالقاتل هو القتيل!! وذاك سر ما قاله أحد الفرنجة المفكرين:
" خلاصة المسيحية أن الله قتل الله لإرضاء الله!! "
ولمن شاء أن يقنع نفسه بهذه النقائض، وأن يفنى عمره فى خدمتها، أما أن يجىء إلينا نحن المسلمين ليلوينا بالختل أو بالعنف عن عقيدتنا الواضحة ويحاول الطعن فيها فهذه هى السماجة القصوى.
وبين يدى الآن نحو عشر نشرات وزعت خارج الكنائس للدعوة إلى أسطورة الفداء، قرأتها كلها وشعرت بالرثاء لكاتبيها.
وكما يحاول قروى ساذج إقناع العلماء أن القنبلة الذرية مصنوعة من كيزان الذرة يحاول هؤلاء " المبشرون " العميان إقناعنا بأنهم على حق.
المنشورات وما تضمنت من أوهام
اقرأ معى هذه السطور الصادرة عن كنيسة " مار مرقص " بمصر الجديدة، يقول الكاتب: " ربما لم أقابلك شخصياً لكن هناك شيئاً يجب أن أقوله لك، إنه أمر فى غاية الأهمية حتى أننى سأكون مقصراً إن لم أخبرك به ".
حسناً، هات ما عندك، ولا تكن من المقصرين!!
يقول الكاتب: " دعنى أخبرك بإخلاص أنها رسالة شخصية لك، لا يمكنك أن تهرب منها، وهذه هى الرسالة من إنجيل يوحنا (٣: ١٦) :
" لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل " ابنه " الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية ".
стр. 42
هذا هو الخبر الخطير! تمخض الجبل فولد فأراً!!
لماذا يقتل الله ابنه الوحيد البرىء من أجل ذنوب الآخرين؟
وإذا كان الإله رب أسرة كبيرة فلم يقتل أبناءه كلهم أو جلهم من غير جريرة؟
أليس الأعقل والأعدل أن يقول هذا الإله للمذنبين:
تطهروا من أخطائكم وتوبوا إلىّ أقبلكم؟!
ولا قتل هناك ولا لف ولا دوران؟
هكذا فعل الإسلام وأرسى قواعد العلاقة الصحيحة بين الله وعباده " ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً " (النساء: ١١٠)
أما قصة أن لله ولداً وحيداً أو غير وحيد فكذب صارخ. إن الولادة شىء يتوقع بين بعض الأحياء، ولا مكان لهذه المفاهيم عند تصور الألوهية " وقل الحمد لله الذى لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك فى الملك، ولم يكن له ولى من الذل وكبره تكبيراً " (الإسراء: ١١١)
" يا ربى لك الحمد كما ينبغى لجلال وجهك وعظيم سلطانك ".
وهاك سطوراً من نشرة أخرى تحت عنوان " حقائق مخفية " بدأها كاتبها قائلاً: " حقائق أنت أحوج إلى إدراكها من الهواء الذى تتنفسه "!!
شىء مدهش، ما هذه الحقائق التى نفتقر إليها على هذا النحو ولم نشعر بفقدانها من زمن بعيد؟
يقول الكاتب: " تعال إلى الرب يسوع الآن كما أنت، لا تسع فى إصلاح نفسك (!) لأنه هو يستطيع أن يخلق منك شخصاً جديداً طاهراً " ولكن لماذا لا أسعى فى تزكية نفسى ورفع مستواى المادى والمعنوى؟
يقول كاتب النشرة: " احذر أن يكون مثلك مثل المتسول مع الرسام..
стр. 43
" ذلك أن رساماً أراد أن يرسم رجلاً فى منتهى الذل والمسكنة، فرأى متسولاً يتعثر فى أسمال بالية، فطلب منه أن يحضر فى ميعاد عينه له، على أن يعطيه أجراً.. لكن ذلك المتسول خجل من أسماله البالية فاستعار لباساً يدفع به عن نفسه الخجل، ثم أتى إلى الرسام فى الميعاد، فلما نظر إليه الرسام قال: إنى لا أعرفك. فأجاب الرجل: ألا تذكر شحاذاً فقيراً اتفقت معه على أن يجيئك فى هذا الميعاد. قال: إنى لا أذكر إلا رجلاً فى أسمال بالية أما أنت فلا أذكرك..
" إن الرب ـ يعنى يسوعاً ـ يطلبك فى حالتك السيئة، وما عليك إلا أن تعترف بكل الشرور التى أنت مستعبد لها، وتقبله مخلصاً شخصياً لك، إذا فعلت ذلك فإن حمل خطاياك ينطرح عن ظهرك ".
ونحن المسلمون نقرأ هذا الكلام ونستغرب أن ننقل صفات الله إلى شخص آخر.. إننا مكلفون ـ كسائر البشر ـ بتزكية أنفسنا وصقلها وتربيتها " ونفس وما سواها. فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها ".
فإذا أخطأ أحدنا، ذهب إلى ربه يستغفره ويستهديه ويستعينه على العودة إلى الصواب " وهو الذى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله " (الشورى: ٢٥، ٢٦)
ما دخل آدم أو عيسى أو محمد فى ذلك، إنهم كلهم بشر يحتاجون إلى المغفرة، ويطلبون من ربهم النجدة.
ولكى يحس القارئ بما حوت هذه النشرة من خلط ننقل هذه العبارة من كلامه: " هب أنه طلب منك أن تشترك فى جريمة صلب ربك، وأن تقل مع من هزءوا به، أكنت ترضى؟ يقيناً لا.. ولكنك ما دمت لم تختبر قوة صلب المسيح فى خلاص نفسك من الخطيئة، فإنك بخطاياك تشترك فى جريمة صلب ربك "!
هذا الهراء هو الذى نحتاج إليه كما نحتاج إلى الهواء الذى نتنفسه..
стр. 44
عبيد يستطيعون صلب ربهم، ومع ذلك يطلبون منه المغفرة والرضا.. هلا طلبوا ذلك من الله الذى طلب منه المسيح نفسه النجاة، وعاتبه أن تركه للأعداء كما يقولون!!
وهاك نشرة أخرى تحت عنوان " متجدد أم متدين "؟ بدأت بهذه الكلمات: " الوردة الطبيعية جميلة الشكل زكية الرائحة، فيها حياة. والوردة الصناعية جميلة الشكل عديمة الرائحة ليس فيها حياة. إن الوردة الطبيعية تمثل المتجدد، أما الوردة الصناعية فتشبه أولئك الذين قال عنهم بولس: " لهم صورة التقوى ولكنهم ينكرون قوتها ".
ولا أفهم بالضبط ما يعنى بولس، أيقصد المرائين؟ ربما.. المهم أن كاتب النشرة يختمها بهذه العبارات " دعنى أسألك أيها العزيز: هل أنت متجدد أم متدين. إذا كنت قد حصلت على الولادة من فوق فطوبى لك، أثبت إذن فى المسيح.. أما إذا كنت متديناً فأسرع بتسليم حياتك الآن للمسيح.. فتنال الحياة الجديدة التى حصلت عليها المرأة الخاطئة حين غسلت قدمى الرب يسوع بدموعها ومسحتها بشعر رأسها، والتى قال لها الرب: مغفورة لك خطاياك، إيمانك قد خلصك ".
هذه النشرة من مثيلاتها مصرة على تسمية المسيح الرب، ووصفه بأنه الغفار.
ونحن نقبل المسيح مبلغاً عن الله كإخوانه الأنبياء لا يزيد ولا ينقص ونقتدى به وبهم جميعاً فى التقرب إلى الله بالعمل الصالح.
والتدين يهب لنا حياة عقلية ووجدانية راقية، أما التجديد الذى تتحدث عنه النشرة فضرب من الهوس يستهوى الصبية، ومن يحسبون الدين أوهاماً وتهاويل " وجعلوا له من عباده جزءاً، إن الإنسان لكفور مبين " [الزخرف: ١٥]
التجديد ليس أن تعجن الخالق والمخلوق فى أقنوم مائع، ثم تلف حوله حارقاً البخور، نافخاً فى المزمور، كلا، إن التجديد أولاً وآخراً عقل يرفض الخرافة، وقلب يتعشق الكمال ويتطلبه..
стр. 45
وهذا منشور آخر من " لبنان " يدور كذلك حول يسوع المصلوب غفار الذنوب يقول كاتبه: " أيها الأخ العزيز خطاياك موضوعة على يسوع لتنال سلاماً مع الله وتشفى نفسك من جروحها. إن تقدمت إلى المصلوب المحبوب وسلمته خطاياك تختبر أن دمه يطهرك من كل إثم حتى ولو كنت قاتلاً أو متعصباً أو حالفاً بالله كذباً، ومهما كانت خطاياك كبيرة أو صغيرة فإن المسيح هو يغفرها جميعاً "!!!
ويجاوبه منشور آخر من القاهرة يرد فيه هذا التساؤل: " لكنك تقول توجد آراء كثيرة فكيف أعرف من هو على حق؟..
" كل من يرشدك إلى المسيح قارب النجاة فهو على حق، وكل من يبقيك فى السفينة العتيقة ـ المشرفة على الغرق ـ يخدعك ويضلك، هل أنت مجتهد بشتى الوسائل فى إصلاح السفينة العتيقة، أى طبيعتك البشرية الساقطة؟ اعلم أنك إذن إذا استمررت على هذه الحال فلا بد أن تغطس إن عاجلاً وإن آجلاً.. ".
أى أن كل تهذيب وتأديب منتهيان بصاحبهما حتماً إلى الغرق، ما لم يعتقد أن المسيح صلب من أجله، وأنه هو وحده فداء خطاياه..!!!
مهما أتيت ربك بقلب سليم بل لو أتيته بضمير فى طهر السحاب وضياء الشروق فلا وزن لهذا كله، ما لم تؤمن أن عيسى قتل من أجل أن يفتدى خطاياك، ويخلصك من ذنوبك؟!!
هذه هى خلاصة المنشورات التى حررها بنفسه أو أشرف على تحريرها صاحب الفم الذهبى رئيس إخواننا الأقباط، وعمل على توزيعها فى أوسع نطاق..
" وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شىء، إنهم لكاذبون، وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون " (العنكبوت: ١٢، ١٣)
الإسلام أقوى بكثير من هذه التفاهات
إننا معشر المسلمين نحب عيسى ونوقره ونعد أنفسنا أتباعه، ونرفض بغضب كل ريبة توجه إليه أو إلى السيدة البتول أمه، بل نحن أولى بعيسى من أولئك الذين ينتمون إليه ويغالون فيه.
стр. 46
وليس خلافنا مع النصارى أنه قتل أو لم يقتل، الخلاف أعمق من ذلك.. الخلاف: أهو " إنسان " كما نقول أو " إله " كما يزعمون؟
أكل امرىء بما كسب رهين؟ أم أن هناك قرباناً قدمه الله من نفسه لمحو خطايا البشر؟
هم يرون أن الله فى السماء ترك ابنه الوحيد على خشبة الصليب ليكون ذلك القربان..
ونتساءل: أكان عيسى يجهل ذلك عندما قال: إلهى لماذا تركتنى؟
وثم سؤال أخطر: هل المنادى المستغيث فى الأرض هو هو المنادى المستغاث به فى السماء، لأن الأب والابن شىء واحد كما يزعمون؟؟
هذا كلام له خبئ معناه: ليست لنا عقول!!
الحق أن هذه العقيدة النصرانية يستحيل أن تفهم.
قرأت مقالاً للدكتور " ميشيل فرح " فى جريدة " لميساجى " الصادرة فى القاهرة
فى ١٦ / ٩ / ١٩٧٣ م يشرح هذه العقيدة بطريقة عقلانية قال: " الكتاب المقدس ينبئ أن الله سوف يظهر نفسه، أى أن الكلمة المجردة ستأخذ جسداً ولحماً (!) وهذا هو الحدث الجديد. عمانوئيل. الله معنا. الله يصبح بشرى سارة، الله يعلن ويخبر. وهذا الظهور أساس كل شىء. هو الرد على سؤال توفيق الحكيم فى قصته المشهورة " أرنى الله ". ها هو الله. شىء ما حدث وحصل ووقع وتأنس ".
هذا الكلام المبهم المضطرب الذى لا يعطى معنى هو التفسير العقلانى للعقيدة المسيحية!
رب المشارق والمغارب ظهر فى إهاب " بشر " ليراه الناس، ثم من فرط رحمته بهم " ينتحر " من أجلهم!
من يكلفنى بهضم هذا القول؟
هل أعتنق هذا وأترك القرآن الذى يقرر العقيدة على هذا النحو: " قل لمن ما فى السموات والأرض، قل لله، كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم
стр. 47
إلى يوم القيامة لا ريب فيه.. الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون " (الأنعام: ١٢)
" ألا إن لله من فى السموات ومن فى الأرض وما يتبع الذين من دون الله شركاء.. إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون.. هو الذى جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً. إن فى ذلك لآيات لقوم يسمعون. قالوا: اتخذ الله ولداً سبحانه هو الغنى له ما فى السموات وما فى الأرض. إن عندكم من سلطان بهذا. أتقولون على الله ما لا تعلمون قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون " (يونس: ٦٦ ـ ٦٩)
هكذا خاصم الإسلام الخرافة وأعلن إباءه التام للون مقنع من الشرك، وسد الطريق فى وجه القرابين الوثنية وهى تتسلل فى خبث لتطمس معالم التوحيد.
لم كرمنا الله بالعقل إذا كان مفروضاً أن نطرحه ظهرياً عندما نختار أهم شىء فى الحياة وهو الإيمان والسلوك؟!
إن العقل يجزم بأن عيسى بشر وحسب، ويرفض أن يكون " إلهاً " ابناً مع " إله " مع " إله " آخر روح قدس، وثلاثتهم واحد مع تعددهم، وتعددهم حتم، لأن أحدهم ترك الآخر يصلب..
هذا كلام يدخل فى باب الألغاز، ولا مجال له فى عالم الحق والتربية..
ومع ذلك فنحن المسلمين نقول لمن يصدقه: عش به ما شئت " لا إكراه فى الدين " (البقرة: ٢٥٦) فهل الرد على هذا المنطق إثارة كل هذا الدخان فى آفاقنا، ومحاولة ختل الشباب ونشر الفتنة؟
стр. 48
قصة " الله محبة " وموقف شتى الأناجيل منها
وقال لى أحدهم وهو يحاورنى: إننا نرى أن الله محبة!! على عكس ما ترون.. فأجبت ساخراً، كأننا نرى الله كراهية؟!! إن الله مصدر كل رحمة وبر، وكل نعمة وخير.. وصحيح أننا نصفه بالسخط على الفجار والظلمة، والأمر فى ذلك كما قال جل شأنه " ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين " أفليس الأمر كذلك لديكم؟ إنكم تخدعون العالمين بذكر هذه الكلمة وحدها ووضع ستائر كثيفة على ما عداها من كلمات تصف الجبروت الإلهى بأشد مما ورد فى الإسلام، بل إن تعامل بعضكم مع البعض، وتعاملكم جميعاً مع الخصوم لا يقول إلا على هذه الكلمات الأخرى التى تخفونها، وما أكثرها لديكم.
قال " ايتين دينيه " المستشرق المسلم: " بيد أن المسيح نفسه ـ وهو سيدنا وسيد المسيحيين ـ يعلن: " ولا تظنوا أنى جئت أنشر السلام على الأرض، إننى لم آت أحمل السلام وإنما السيف " (متى: الاصحاح العاشر:٣٤) ..
" ويقول السيد المسيح: " إننى جئت لألقى النار على الأرض، وماذا أريد من ذلك إلا اشتعالها "
(لوقا: الاصحاح الثانى عشر، ٤٩) ..
" ويقول السيد المسيح: " إذ إنى جئت لأفرق بين الولد وأبيه، والبنت وأمها، وبين زوجة الابن وأمه " (متى: الاصحاح العاشر: ٣٥) ..
" ويقول السيد المسيح: " إن كان أحد يأتى ولا يبغض أباه وأمه، وامرأته وأولاده، وإخوته وأخواته، حتى نفسه أيضاً فلا يقدر أن يكون لى تلميذاً " (لوقا: الاصحاح الرابع عشر: ٢٦) ..
" أين من هذا ما جاء به النبى العربى الكريم من سلام حقيقى وحب كامل بين الأخ وأخيه، وبين الزوجة وزوجها، وبين الأب وولده، وبين الأم وفلذة كبدها، وبين الجار وجاره مسلماً كان أو غير مسلم، وبين الأرحام والأقرباء، وبين المشتركين فى الإنسانية الذين يتوفر لديهم مدلول الإنسانية فى بنى الإنسان ".
стр. 49
إننا ـ نحن المسلمين ـ نتقرب إلى الله برحمة الناس وغير الناس والبذل من مالنا وجهدنا ووقتنا فى سبيل نفعهم، ولنا على كل شىء من ذلك أجر فى ميزان الله الذى لا يختل عنده ميزان.
وما أصدقها شهادة تلك التى بعث بها البطريرك (النسطورى الثالث) إلى البطريرك " سمعان " زميله فى المجمع بعد ظهور الإسلام حيث قال فى كتابه: " إن العرب الذين منحهم الرب سلطة العالم وقيادة الأرض أصبحوا معنا، ومع ذلك نراهم لا يعرضون النصرانية بسوء، فهم يساعدوننا ويشجعوننا على الاحتفاظ بمعتقداتنا، وإنهم ليجلون الرهبان والقسيسين، ويعاونون بالمال الكنائس والأديرة ".
وما أصدق ما يقوله المؤرخ العالمى (هـ. ج. ويلز) فى كتابه: " معالم تاريخ الإنسانية " لقد تم فى
" ١٢٥ عاماً أن نشر الإسلام لواءه من نهر السند إلى المحيط الأطلسى وأسبانيا، ومن حدود الصين إلى مصر العليا ولقد ساد الإسلام لأنه كان خير نظام اجتماعى وسياسى استطاعت الأيام تقديمه، وهو قد انتشر لأنه كان يجد فى كل مكان شعوباً بليدة سياسياً: تسلب وتظلم وتخوف، ولا تعلم ولا تنظم، كذلك وجدت حكومات أنانية سقيمة لا اتصال بينها وبين أى شعب. فكان الإسلام أوسع وأحدث وأنظف فكرة سياسية اتخذت سعة النشاط الفعلى فى العالم حتى ذلك اليوم، وكان يهب بنى الإنسان نظاماً أفضل من أى نظام آخر ".
تجليات العذراء، الرمح المقدس، الحقيقة العلمية المطاردة
تقتعد خوارق العادات المكانة الأولى فى الأديان البدائية، وكلما وَهى الأساس العقلى لدين ما زاد اعتماده على هذه الخوارق، وجمع منها الكثير لكهنته وأتباعه.
والمسيحية من الأديان التى تعول فى بقائها وانتشارها على عجائب الشفاء، وآثار القوى الخفية الغيبية.
وبين يدى الآن نشرة صغيرة، على أحد وجهيها صورة العذراء وهى تقطر وداعة ولطفاً، وعلى ذراعها الطفل الإله يسوع يمثل البراءة والرقة. أما الوجه الآخر للصورة فقد تضمن هذا الخبر تحت عنوان " محبة الآخرين وخدمتهم "، وتحته هذه الجملة " حسبما لنا فرصة فلنعمل الخير للجميع " (غل ٦: ١٠) " كانت السيدة زهرة ابنة محمد على باشا بها روح نجس، ولما علم أبوها أن " الأنبا حرابامون " أسقف المنوفية
стр. 50
قد أعطاه الله موهبة إخراج الأرواح النجسة استدعاه. ولما صلى لأجلها شفيت فى الحال، فأعطاه محمد على باشا صرة بها أربعة آلاف جنيه، فرفضها قائلاً: إنه ليس فى حاجة إليها لأنه يعيش حياة الزهد، وهو قانع بها ".
هذا هو الخبر الذى يوزع على الجماهير ليترك أثره فى صمت.
وموهبة استخراج العفاريت من الأجسام الممسوسة موهبة يدعيها نفر من الناس، أغلبهم يحترف الدجل، وأقلهم يستحق الاحترام، وأعرف بعض المسلمين يزعم هذا، وأشعر بريبة كبيرة نحوه.
ومرضى الأعصاب يحيرون الأطباء، وربما أعيا أمرهم عباقرة الطب، ونجح فى علاجهم عامى يكتب " حجاباً " لا شىء فيه غير بعض الصور والأرقام.
وليس يعنينى أن أصدق أو أكذب المأسوف على مهارته أسقف المنوفية، وإنما يعنينى كشف طريقة من طرق إقناع الناس بصدق النصرانية، وأن الثالوث حق، والصلب قد وقع، والأتباع المخلصين يأتون العجائب..
والمسيحية أحوج الأديان لهذا اللون من الأقاصيص، هى فقيرة إليها فى سلمها لإثبات أصولها الخارجة على المنطق العقلى، وفقيرة إليه فى قتالها لتبرير عدوانها على الآخرين.
وتدبر معى هذه القصة من قصص الحروب الصليبية المشهورة بقصة " الرمح المقدس " منقولة من كتاب " الشرق والغرب ":
" دفع الصليبيون من أجل عبور آسيا الصغرى ثمناً باهظاً، إذ فقدوا أفضل جنودهم وخيرة عساكرهم، بينما استولى اليأس والفزع على البقية الباقية..
" وبدأ الخوف من تفكك الجيش وفرار الجنود يساور القادة، فعمدوا إلى بعض الحيل الدينية لصد هذا الخطر وربط الجنود برباط العقيدة. ومن تلك الحيل التى روجوا لها ما رواه المؤرخون عن ظهور المسيح والعذراء أمام الجنود الهيابين ووعدهم بالصفح عن الخطايا والخلود فى الجنة إذا ما استماتوا فى معاركهم ضد المسلمين..
стр. 51
" غير أن هذا الأسلوب النظرى لم يلهب حماس الجنود، ولم يحقق الغرض الذى ابتدعه الصليبيون من أجله، فكان لا بد من أسلوب آخر ينطوى على واقعة مادية يكون من شأنها إعادة الإيمان إلى القلوب التى استبد بها اليأس، وتقوية العزائم التى أوهنتها الحرب. وهنا أذيع بين الجنود قصة اكتشاف الرمح المقدس..
" تلك الواقعة التى روى تفاصيلها المؤرخ " جيبون " فضلاً عن غيره من المؤرخين المعاصرين. قال:..
" إن قساً يدعى بطرس بارتلمى من التابعين لأسقفية " مارسيليا " منحرف الخلق ذا عقلية شاذة، وتفكير ملتو معقد زعم لمجلس قيادة الحملة الصليبية، أن قديساً يدعى " أندريه " زاره أثناء نومه، وهدده بأشد العقوبات إن هو خالف أوامر السماء، ثم أفضى إليه بأن الرمح الذى اخترق قلب عيسى ﵇ مدفون بجوار كنيسة القديس بطرس فى مدينة " انطاكيا "، فروى " بارتلمى " هذه الرؤيا لمجلس قيادة الجيش، وأخبرهم بأن هذا القديس الذى طاف به فى منامه قد طلب إليه أن يبادر إلى حفر أرض المحراب لمدة أيام ثلاثة، تظهر بعدها " أداة الخلود " التى " تخلص " المسيحيين جميعاً، وأن القديس قال له: ابحثوا تجدوا.. ثم ارفعوا الرمح وسط الجيش، وسوف يمرق الرمح ليصيب أرواح أعدائكم المسلمين..
" وأعلن القس " بارتلمى " اسم أحد النبلاء ليكون حارساً للرمح، واستمرت طقوس العبادة من صوم وصلاة ثلاثة أيام دخل فى نهايتها اثنا عشر رجلاً ليقوموا بالحفر والتنقيب عن " الرمح " فى محراب الكنيسة (!) ..
" لكن أعمال الحفر والتنقيب التى توغلت فى عمق الأرض اثنى عشر قدماً لم تسفر عن شىء. فلما جن الليل أخلد " النبيل " الذى اختير لحراسة الرمح إلى شىء من الراحة، وأخذته سنة من النوم، وبدأت الجماهير التى احتشدت بأبواب الكنيسة تتهامس..!..
" فاستطاع القس " بارتلمى " فى جنح الظلام أن ينزل إلى الحفرة، مخفياً فى طيات ثيابه قطعة من نصل رمح أحد المقاتلين العرب، وبلغ أسماع القوم رنين من جوف الحجرة، فتعالت صيحاتهم من فرط الفرح، وظهر القس وبيده النصل الذى احتواه بعد ذلك قماش من الحرير الموشى بالذهب، ثم عرض على الصليبيين ليلتمسوا منه
стр. 52
البركة، وأذيعت هذه الحيلة بين الجنود وامتلأت قلوبهم بالثقة، وقد أمعن قادة الحملة فى تأييد هذه الواقعة بغض النظر عن مدى إيمانهم بها أو تكذيبهم لها.. ".
على هذا النحو، ولمثل هذا الغرض جرت أسطورة ظهور العذراء فى كنيسة عادية، وكاهنها ـ فيما علمت ـ رجل فاشل لا يتردد الأقباط على دروسه.
وبين عشية وضحاها أصبح كعبة الآلاف، فقد شاع وملأ البقاع أن العذراء تجلت شبحاً نورانياً فوق برج كنيسته، ورآها هو وغيره فى جنح الليل البهيم..
وكأنما الصحف المصرية كانت على موعد مع هذه الإشاعة، فقد ظهرت كلها بغتة، وهى تذكر النبأ الغامض، وتنشر صورة البرج المحظوظ، وتلح إلى حد الإسفاف فى توكيد القصة..
وبلغ من الجرأة أنها ذكرت تكرار التجلى المقدس فى كل ليلة.
وكنت موقناً أن كل حرف من هذا الكلام كذب متعمد، ومع ذلك فإن أسرة تحرير مجلة " لواء الإسلام " قررت أن تذهب إلى جوار الكنيسة المذكورة كى ترى بعينيها ما هنالك..
وذهبنا أنا والشيخ " محمد أبو زهرة " وآخرون، ومكثنا ليلاً طويلاً نرقب الأفق، ونبحث فى الجو، ونفتش عن شىء، فلا نجد شيئاً البتة.
وبين الحين والحين نسمع صياحاً من الدهماء المحتشدين لا يلبث أن ينكشف عن صفر.. عن فراغ.. عن ظلام يسود السماء فوقنا.. لا عذراء ولا شمطاء..
وعدنا وكتبنا ما شهدنا، وفوجئنا بالرقابة تمنع النشر..
وقال لنا بعض الخبراء: إن الحكومة محتاجة إلى جعل هذه المنطقة سياحية، لحاجتها إلى المال، ويهمها أن يبقى الخبر ولو كان مكذوباً..
ما هذا؟!
ولقينى أستاذ الظواهر الجوية بكلية العلوم فى جامعة القاهرة، ووجدنى ساخطاً ألعن التآمر على التخريف وإشاعة الإفك، فقال لى: أحب أن تسمع لى قليلاً، إن الشعاع الذى قيل برؤيته فوق برج الكنيسة له أصل علمى مدروس، واقرأ هذا البحث.
стр. 53
وقرأت البحث الذى كتبه الرجل العالم المتخصص (الأستاذ الدكتور محمد جمال الدين الفندى) ، واقتنعت به، وإنى أثبته كاملاً هنا..:
" ظاهرة كنيسة الزيتون ظاهرة طبيعية..
" عندما أتحدث باسم العلم لا أعتبر كلامى هذا رداً على أحد، أو فتحاً لباب النقاش فى ظاهرة معروفة، فلكل شأنه وعقيدته، ولكن ما أكتب هو بطبيعة الحال ملخص ما أثبته العلم فى هذا المجال من حقائق لا تقبل الجدل ولا تحتمل التأويل، نبصر بها الناس، ولكل شأنه وتقديره..
" ولا ينكر العلم الطبيعى حدوث هذه الظاهرة، واستمرارها فى بعض الليالى لعدة ساعات، بل يقرها ولكن على أساس أنها مجرد نيران أو وهج أو ضياء متعددة الأشكال غير واضحة المعالم، بحيث تسمح للخيال أن يلعب فيها دوره، وينسج منها ما شاءت الظروف أن ينسج من ألوان الخيوط والصور. إنها من ظواهر الكون الكهربائية التى تحدث تحت ظروف جوية معينة، تسمح بسريان الكهرباء من الهواء إلى الأرض عبر الأجسام المرتفعة نسبياً المدببة فى نفس الوقت، شأنها فى ذلك مثلاً شأن الصواعق التى هى نيران مماثلة، ولكن على مدى أكبر وشدة أعظم، وشأن الفجر القطبى الذى هو فى مضمونه تفريغ كهربى فى أعالى جو الأرض، ولطالما أثار الفجر القطبى اهتمام الناس بمنظره الرائع الخلاب، حتى ذهب بعضم خطأ إلى أنه ليلة القدر، لأنه يتدلى كالستائر المزركشة ذات الألوان العديدة التى تتموج فى مهب الريح..
" ومن أمثلة الظواهر المماثلة لظاهرتنا هذه أيضاً ـ من حيث حدوث الأضواء وسط الظلام ـ السحب المضيئة العالية المعروفة باسم " سحاب اللؤلؤ "، وهذا السحاب يضىء ويتلألأ وسط ظلام الليل، لأنه يرتفع فوق سطح الأرض، ويبعد عنها البعد الكافى الذى يسمح بسقوط أشعة الشمس عليه رغم اختفاء قرص الشمس تحت الأفق، وتضىء تلك الأشعة ذلك السحاب العالى المكون من أبر الثلج، فيتلألأ ويلمع ضياؤه ويترنح وسط ظلام الليل ونقاء الهواء العلوى فيتغنى به الشعراء..
стр. 54
" وتذكرنا هذه الظاهرة كذلك بظاهرة السراب المعروفة، تلك التى حيرت جيوش الفرنسيين أثناء حملة نابليون على مصر، فقد ظنوا أنها من عمل الشياطين حتى جاءهم العالم الطبيعى " مونج " بالخبر اليقين، وعرف الناس أنها من ظواهر الطبيعة الضوئية..
" وظاهرتنا التى تهمنا وتشغل بال الكثيرين منا تسمى فى كتب العلم " نيران القديس المو " أو " نيران سانت المو "، ونحن نسوق هنا ما جاء عنها فى دائرة المعارف البريطانية التى يملكها الكثيرون ويمكنهم الرجوع إليها: النص الإنجليزى فى: Handy Volume Essue Eleventh Edition الصحيفة الأولى من المجلد الرابع والعشرين تحت اسم: St. Elms Firs.. وترجمة ذلك الكلام حرفياً:..
" نيران سانت المو: هى الوهج الذى يلازم التفريغ الكهربى البطىء من الجو إلى الأرض. وهذا التفريع المطابق لتفريغ " الفرشاة " المعروف فى تجارب معامل الطبيعة يظهر عادة فى صورة رأس من الضوء على نهايات الأجسام المدببة التى على غرار برج الكنيسة وصارى السفينة أو حتى نتوءات الأراضى المنبسطة، وتصحبها عادة ضوضاء طقطقة وأزيز..
" وتشاهد نيران سانت المو أكثر ما تشاهد فى المستويات المنخفضة خلال موسم الشتاء أثناء وفى أعقاب عواصف الثلج..
" واسم سانت المو هو لفظ إيطالى محرف من سانت " رمو " وأصله سانت أراموس، وهو البابا فى مدة حكم دومتيان، وقد حطمت سفينته فى ٢ يونيو عام ٣٠٤، ومنذ ذلك الحين اعتبر القديس الراعى لبحارة البحر المتوسط الذين اعتبروا نيران سانت الموا بمثابة العلاقة المرئية لحمايته لهم، وعرفت الظاهرة لدى قدماء الإغريق. ويقول بلن Biln فى كتابه " التاريخ الطبيعيى " أنه كلما تواجد ضوءان كانت البحارة تسميهما التوأمان، واعتبر بمثابة الجسم المقدس..
" على هذا النحو نرى أن أهل العلم الطبيعى لا يتحدثون عن خوارق الطبيعة، وإنما يرجعون كل شىء إلى قانونه السليم العام التطبيقى، أما من حيث انبعاث ألوان تميز تلك النيران، فيمكننا الرجوع إلى بعض ما عمله العلماء الألمان أمثال جوكل
стр. 55
Gockel من تفسير الاختلاف فى الألوان، فهو يبين فى كتابه Das gewiter من التجارب التى أجراها فى ألمانيا أنه أثناء سقوط الثلج تكون الشحنة موجبة (اللون الأحمر) ، أما أثناء تساقط صفائح ثلج فإن الشحنة ليست نادرة، ويصحبها أزيز، ويغلب عليها اللون الأزرق..
" وفى كتاب الكهرباء الجوية Atmospheric Electricity لمؤلفه شوتلاند صفحة ٣٨ نجده يقول:..
" تحت الظروف الملائمة فإن القسم البارز على سطح الأرض كصوارى السفن إذا تعرضت إلى مجالات شديدة من حالات شحن الكهرباء الجوية يحصل التفريغ الوهجى ويظهر واضحاً ويسمى نيران سانت المو..
" قارن هذا بالأوصاف التى وردت فى جريدة الأهرام بتاريخ ٦ / ٥ / ١٩٦٨.. (هيئة جسم كامل من نور يظهر فوق القباب الأربع الصغيرة لكنيسة الزيتون أو فوق الصليب الأعلى للقبة الكبرى أو فوق الأشجار المحيطة بالكنيسة.. الخ..) ..
".. (.. أما الألوان.. فقد أجمعت التقارير حتى الآن على أنها الأصفر الفاتح المتوهج والأزرق السماوى) ..
" وعندما نرجع بالذاكرة إلى الحالة الجوية التى سبقت أو لازمت الرؤية الظاهرة، نجد أن الجمهورية كانت تجتاحها فى طبقات الجو العلوى موجة من الهواء الباردة جداً الذى فاق فى برودته هواء أوربا نفسها، مما وفر الظرف الملائم لتولد موجات كهربية بسبب عدم الاستقرار، ولكن فروق الجهد الكهربى يمكن أن تظل كافية مدة طويلة..
" ويضيف ملهام Milham عالم الرصد الجوى البريطانى فى كتابه " المتيرولوجيا " صفحة ٤٨١ (أنه أحياناً تنتشر رائحة من الوهج..) وتفسيرنا العلمى للرائحة أنها من نتائج التفاعلات الكيماوية التى تصحب التفريغ الكهربى وتكون مركبات كالأوزون..
" وخلاصة القول أنه من المعروف والثابت علمياً أن التفريغ الكهربى المصحوب بالوهج يحدث من الموصلات المدببة عندما توضح فى مجال كهربى كاف، وهو يتكون من سيال من الأيونات التى تحمل شحنات من نفس نوع الشحنات التى يحملها الموصل..
стр. 56
" والتفريغات الكهربية التى من هذا النوع يجب أن تتوقع حدوثها من أطراف الموصلات المعرضة على الأرض، مثل النخيل والأبراج ونحوها، عندما يكون مقدار التغير فى الجهد الكهربى كافياً، بشرط أن يكون ارتفاع الجسم المتصل بالأرض ودقة الأطراف المعرضة ملائمة، ومن المؤكد أن الباحثين الأول أمثال فرنكلين لاحظوا مجال الجو الكهربى حتى فى حالات صفاء السماء..
" وتحت الظروف الطبيعية الملائمة التى توفرها الأطراف المدببة للأجسام المرتفعة فوق سطح الأرض قد يصبح وهج التفريغ ظاهراً واضحاً..
" وقد ذكر " ولسون " العالم البريطانى فى الكهربائية الجوية أن التفريغ الكهربى البطىء للأجسام المدببة يلعب دوراً هاماً فى التبادل الكهربى بين الجو والأرض، خصوصاً عن طريق الأشجار والشجيرات وقمم المنازل وحتى حقول الحشائش. وليس من اللازم أن ينتهى الجسم الموصل بطرف مدبب أو يبرز إلى ارتفاعات عظيمة..
" وقد يتساءل الناس:..
" ـ.. إن الظاهرة خدعت الأقدمين من الرومان قبل عصر العلم، ثم فى عصر العلم فسر العلماء الظاهرة على أنها تفريغ كهربى، لكن التاريخ يعيد نفسه، فقد خدعت نفس الظاهرة الطبيعية أهل مصر، فأطلقوا عليها نفس الاسم الذى تحمله الكنيسة التى ظهرت النيران فوقها، ومن هنا ظن القوم خطأ أنها روح مريم ﵍..
" ـ.. الظاهرة الطبيعية تحدث فى الهواء الطلق أعلى المبانى والشجر ولا تحدث داخل المبانى، وهو عين ما شوهد، ولو أنها كانت روح العذراء لراحت تظهر داخل الكنيسة بدلاً من الظهور على الأشجار والقباب..
" ـ.. الظاهرة الجوية يرتبط ظهورها ومكثها بالكهربائية الجوية، وعموماً بالجو وتقلباته، فهل إذا كانت روحاً يرتبط ظهورها بالجو كذلك؟؟..
" ـ.. الظاهرة الطبيعية لا تشاهد إلا عندما يخيم الظلام، بسبب ضعف ضوء الوهج بالنسبة إلى ضوء الشمس الساطع. ولكن ما يمنع الأرواح الطاهرة أن تظهر بالنهار؟؟..
" ـ.. إذا كانت نفس الظاهرة تشاهد فى أماكن أخرى فى مصر فما الموضوع؟ ".
стр. 57
وحاول الدكتور محمد جمال الدين الفندى أن ينشر بحثه فى الصحف فأبت، والغريب أنه لما نشر فى مجلة الوعى الإسلامى " الكويتية منع دخولها مصر..
والأغرب من ذلك أن الأوامر صدرت لأئمة المساجد ألا يتعرضوا للقصة من قريب أو بعيد!
وذهب محافظ القاهرة " سعد زايد " ليضع تخطيطاً جديداً للميدان، يلائم الكنيسة التى سوف تبنى تخليداً لهذا الحدث الجليل.. وعلمت بعد ذلك من زملائى وتلامذتى أن لتجليات العذراء دورات منظمة مقصودة.
فقد ظهرت فى " الحبشة " قريباً من أحد المساجد الكبرى فاستولت عليه السلطة فوراً، وشيدت على المكان كله كنيسة سامقة!!
وظهرت فى " لبنان " فشدت من أزر المسيحية التى تريد فرض وجودها على جباله وسهوله مع أن كثرة لبنان مسلمة.
وها هى ذى قد ظهرت فى القاهرة أخيراً لتضاعف من نشاط إخواننا الأقباط كى يشددوا ضغطهم على الإسلام..
وقد ظلت جريدة " وطنى " الطائفية تتحدث عن هذا التجلى الموهوم قريباً من سنة، إذ العرض مستمر، والخوارق تترى، والأمراض المستعصية تشفى، والحاجات المستحيلة تقضى..
كل ذلك وأفواه المسلمين مكممة، وأقلامهم مكسورة حفاظاً على الوحدة الوطنية.
وسوف تتجلى مرة أخرى بداهة عندما تريد ذلك المخابرات المركزية الأمريكية. ولله فى خلقه شئون..
стр. 58
الباب الثالث/ ماذا يريدون ؟
إذا أراد إخواننا الأقباط أن يعيشوا كأعدادهم من المسلمين فأنا معهم فى ذلك، وهم يقاربون الآن مليونين ونصف، ويجب أن يعيشوا كمليونين ونصف من المسلمين..
لهم ما لهم من حقوق، وعليهم ما عليهم من واجبات، أما أن يحاولوا فرض وصايتهم على المسلمين، وجعل أزِمَّة الحياة الاجتماعية والسياسية فى أيديهم فلا..
إذا أرادوا أن يبنوا كنائس تسع أعدادهم لصلواتهم وشعائرهم الدينية فلا يعترضهم أحد.. أما إذا أرادوا صبغ التراب المصرى بالطابع المسيحى وإبراز المسيحية وكأنها الدين المهيمن على البلاد فلا..
إذا أرادوا أن يحتفظوا بشخصيتهم فلا تمتهن وتعاليمهم فلا تجرح فلهم ذلك، أما أن يودوا " ارتداد " المسلمين عن دينهم، ويعلنوا غضبهم إذا طالبنا بتطبيق الشريعة الإسلامية، وتعميم التربية الدينية فهذا ما لا نقبله..
إن الاستعمار أوعز إلى بعضهم أن يقف مراغماً للمسلمين، ولكننا نريد تفاهماً شريفاً مع ناس معقولين..
إن الاستعمار أشاع بين من أعطوه آذانهم وقلوبهم أن المسلمين فى مصر غرباء، وطارئون عليها، ويجب أن يزولوا، إن لم يكن اليوم فغداً.
وعلى هذا الأساس أسموا جريدتهم الطائفية " وطنى "!
ومن هذا المنطلق شرع كثيرون من المغامرين يناوش الإسلام والمسلمين، وكلما رأى عودة من المسلمين إلى دينهم همس أو صرخ: عاد التعصب، الأقباط فى خطر!!
ولا ذرة من ذلك فى طول البلاد وعرضها، ولكنها صيحات مريبة أنعشها وقواها " بابا شنودة " دون أى اكتراث بالعواقب.
стр. 59
وقد سبقت محاولات من هذا النوع أخمدها العقلاء، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر كتابات القمص " سرجيوس " الذى احتفل " البابا شنودة " أخيراً بذكراه.
ففى العدد ٤١ من السنة ٢٠ من مجلة المنارة الصادر فى ٦ / ١٢ / ١٩٤٧ كتب هذا القمص تحت عنوان: " حسن البنا يحرض على قتال الأقليات بعد أن سلح جيوشه بعلم الحكومة ": يقول:
" نشرنا فى العدد السابق تفسير الشيخ " حسن البنا " لآية سورة التوبة قوله: " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " (التوبة: ٢٩) ..
" قال: وقد قال الفقهاء، وتظاهرت على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة: أن القتال فرض عين إذا ديست أرض الإسلام، أو اعتدى عليها المعتدون من غير المسلمين، وهو فرض كفاية لحماية الدعوة الإسلامية وتأمين الوطن الإسلامى، فيكون واجباً على من تتم بهم هذه الحماية وهذا التأمين..
".. وليس الغرض من القتال فى الإسلام إكراه الناس على عقيدة، أو إدخالهم قسراً فى الدين، والله يقول: " لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى " (البقرة: ٢٥٦) كما أنه ليس الغرض من القتال كذلك الحصول على منافع دنيوية أو مغانم دينية، فالزيت والفحم والقمح والمطاط ليست من أهداف المقاتل المسلم الذى يخرج عن نفسه وماله ودمه لله بأن له الجنة " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً فى التوراة والإنجيل والقرآن " (التوبة: ١١١) ..
стр. 60
" حكم قتال أهل الكتاب:..
" وأهل الكتاب: (يقاتلون كما يقاتل المشركون تماماً، إذا اعتدوا على أرض الإسلام، أو حالوا دون انتشار دعوته..) ..
" الرد: للشيخ (حسن البنا) أسلوبه الخاص فى الكتابة والتفسير وفى الفتاوى، ويعرف بالأسلوب المائع إذ يترك دائماً الأبواب مفتوحة، ليدخل متى شاء فى ما أراد دون أن يتقيد أو يمسك، ومن آيات ميوعته أنه يقول أن القتال يكون فرض عين إذا ديست أرض الإسلام، أو اعتدى عليها المعتدون من غير المسلمين، دون أن يبين أو يحدد ما هى أرض الإسلام أو الوطن الإسلامى: هل هى الحجاز فقط أم هى كل بلد من بلاد العالم يكون فيها المسلمون أغلبية أو أقلية أو متعادلين؟..
" وكان فى عدم تحديده لأرض الإسلام أو الوطن الإسلامى ماكراً سيئاً؛ ليكون حراً فى إعلان القتال على من يشاء من المستضعفين من المسيحيين واليهود الذين يقوى على محاربتهم فى أى بلد كان، وكان أحرى به أن يقولها كلمة صريحة أن أرض الإسلام هى الحجاز، أى الأرض التى نشأ عليها الإسلام ـ أى الدين الإسلامى ـ وليست البلاد التى يعيش فيها المسلمون فى العالم. وسواء كانت أرض الإسلام أو وطن الإسلام هى الحجاز أم هى كل بلد من بلاد العالم يعيش فيه المسلمون، فلا يمكن العمل بما يقول به الشيخ (حسن البنا) بأن القتال فرض عين أو فرض كفاية على المسلمين إذا ديست أرض الإسلام أو اعتدى عليها المعتدون من غير المسلمين ".
وأنا أسأل أى قارئ اطلع على تفسير " حسن البنا ": هل اشتم منه رائحة تحريض على الأقباط أو اليهود؟
وأسأل أى منصف قرأ الرد عليه: هل وجد فيه إلا التحرش والرغبة فى الاشتباك دون أدنى سبب؟
إن هذا القمص المفترى لا يريد إلا شيئاً واحداً: إبعاد الصفة الإسلامية عن مصر، واعتبار الحجاز وحده وطناً إسلامياً. أما مصر فليست وطناً إسلامياً لأن سكانها المسلمين فوق ٩٢ % من جملة أهلها.
стр. 61
ولماذا تنفى الصفة الإسلامية عن مصر مع أن هذه الصفة تذكر لجعل الدفاع عنها فريضة مقدسة؟
هذا ما يسأل عنه القمص الوطنى، والذين احتفلوا بذكراه بعد ربع قرن من وفاته..
إن الدفاع عن مصر ضد الاستعمار العالمى ينبغى أن تهتز بواعثه وأن تفتر مشاعره..!!
لقد كانت مصر وثنية فى العصور القديمة، ثم تنصر أغلبها، فهل يقول الوثنيون المصريون لمن تنصر: إنك فقدت وطنك بتنصرك؟
ثم أقبل الإسلام فدخل فيه جمهور المصريين، فهل يقال للمسلم: إنك فقدت وطنك بإسلامك؟
ما هذه الرقاعة؟!
بيد أن الحملة على الإسلام مضت فى طريقها، وزادت ضراوة وخسة فى الأيام الأخيرة، ثم جاء " الأنبا شنودة " رئيساً للأقباط، فقاد حملة لا بد من كشف خباياها، وتوضيح مداها؛ حتى يدرك الجميع: مم نحذر؟ وماذا نخشى؟
وما نستطيع السكوت، ومستقبلنا كله تعصف به الفتن، ويأتمر به سماسرة الاستعمار.
تقرير رهيب
كنت في الإسكندرية، في مارس من سنة ١٩٧٣، وعلمت ـ من غير قصد ـ بخطاب ألقاه البابا شنودة في الكنيسة المرقصية الكبرى، في اجتماع سرى، أعان الله على إظهار ما وقع فيه.
وإلى القراء ما حدث، كما نقل مسجلا إلى الجهات المعنية:
" بسم الله الرحمن الرحيم..
" نقدم لسيادتكم هذا التقرير لأهم ما دار في الاجتماع بعد أداء الصلاة والتراتيل:..
" طلب البابا شنودة من عامة الحاضرين الانصراف، ولم يمكث معه سوى رجال الدين وبعض أثريائهم بالإسكندرية، وبدأ كلمته قائلاً: إن كل شئ على ما يرام،
стр. 62
ويجري حسب الخطة الموضوعة، لكل جانب من جوانب العمل على حدة، في إطار الهدف الموحد، ثم تحدث في عدد من الموضوعات على النحو التالي:..
" أولا: عدد شعب الكنيسة:..
" صرح لهم أن مصادرهم في إدارة التعبئة والإحصاء أبلغتهم أن عدد المسيحيين في مصر ما يقارب الثمانية مليون (٨ مليون نسمة) ، وعلى شعب الكنيسة أن يعلم ذلك جيداً، كما يجب عليه أن ينشر ذلك ويؤكده بين المسلمين، إذ سيكون ذلك سندنا في المطالب التي سنتقدم بها إلى الحكومة التي سنذكرها لكم اليوم..
" والتخطيط العام الذي تم الاتفاق عليه بالإجماع، والتي صدرت بشأنه التعليمات الخاصة لتنفيذه، وضع على أساس بلوغ شعب الكنيسة إلى نصف الشعب المصري، بحيث يتساوى عدد شعب الكنيسة مع عدد المسلمين لأول مرة منذ ١٣ قرنا، أي منذ " الإستعمار العربي والغزو الإسلامي لبلادنا " على حد قوله، والمدة المحددة وفقاً للتخطيط الموضوع للوصول إلى هذه النتيجة المطلوبة تتراوح بين ١٢ ـ ١٥ سنة من الآن..
" ولذلك فإن الكنيسة تحرم تحريماً تاماً تحديد النسل أو تنظيمه، وتعد كل من يفعل ذلك خارجاً عن تعليمات الكنيسة، ومطروداً من رحمة الرب، وقاتلاً لشعب الكنيسة، ومضيعاً لمجده، وذلك باستثناء الحالات التي يقرر فيها الطب والكنيسة خطر الحمل أو الولادة على حياة المرأة، وقد اتخذت الكنيسة عدة قرارات لتحقيق الخطة القاضية بزيادة عددهم:..
" ١ ـ تحريم تحديد النسل أو تنظيمه بين شعب الكنيسة..
" ٢ ـ تشجيع تحديد النسل وتنظيمه بين المسلمين (خاصة وأن أكثر من ٦٥ % [!] من الأطباء والقائمين على الخدمات الصحية هم من شعب الكنيسة) ..
" ٣ ـ تشجيع الإكثار من شعبنا، ووضع حوافز ومساعدات مادية ومعنوية للأسر الفقيرة من شعبنا..
" ٤ ـ التنبيه على العاملين بالخدمات الصحية على المستويين الحكومي وغير الحكومي كي يضاعفوا الخدمات الصحية لشعبنا، وبذل العناية والجهد الوافرين،
стр. 63
وذلك من شأنه تقليل الوفيات بين شعبنا (على أن نفعل عكس ذلك مع المسلمين) ..
" ٥ ـ تشجيع الزواج المبكر وتخفيض تكاليفه، وذلك بتخفيف رسوم فتح الكنائس ورسوم الإكليل بكنائس الأحياء الشعبية..
" ٦ ـ تحرم الكنيسة تحريماً تاماً على أصحاب العمارات والمساكن المسيحيين تأجير أي مسكن أو شقة أو محل تجاري للمسلمين، وتعتبر من يفعل ذلك من الآن فصاعداً مطروداً من رحمة الرب ورعاية الكنيسة، كما يجب العمل بشتى الوسائل على إخراج السكان المسلمين من العمارات والبيوت المملوكة لشعب الكنيسة، وإذا نفذنا هذه السياسة بقدر ما يسعنا الجهد فسنشجع ونسهل الزواج بين شبابنا المسيحي، كما سنصعبه ونضيق فرصه بين شباب المسلمين، مما سيكون أثر فعال في الوصول إلى الهدف، وليس بخافٍ أن الغرض من هذه القرارات هو انخفاض معدل الزيادة بين المسلمين وارتفاع هذا المعدل بين شعبنا المسيحى..
" ثانياً: اقتصاد شعب الكنيسة:..
" قال شنودة: إن المال يأتينا بقدر ما نطلب وأكثر مما نطلب، وذلك من مصادر ثلاثة: أمريكا، الحبشة، الفاتيكان، ولكن ينبغي أن يكون الاعتماد الأول في تخطيطنا الاقتصادي على مالنا الخاص الذي نجمعه من الداخل، وعلى التعاون على فعل الخير بين أفراد شعب الكنيسة، كذلك يجب الاهتمام أكثر بشراء الأرض، وتنفيذ نظام القروض والمساعدات لمن يقومون بذلك لمعاونتهم على البناء، وقد ثبت من واقع الإحصاءات الرسمية أن أكثر من ٦٠ % من تجارة مصر الداخلية هي بأيدي المسيحيين، وعلينا أن نعمل على زيادة هذه النسبة..
" وتخطيطنا الاقتصادي للمستقبل يستهدف إفقار المسلمين ونزع الثروة من أيديهم ما أمكن، بالقدر الذي يعمل به هذا التخطيط على إثراء شعبنا، كما يلزمنا مداومة تذكير شعبنا والتنبيه عليه تنبيها مشدداً من حين لآخر بأن يقاطع المسلمين اقتصادياً، وأن يمتنع عن التعامل المادي معهم امتناعاً مطلقاً، إلا في الحالات التي يتعذر فيها ذلك، ويعني مقاطعة: المحاميين ـ المحاسبين ـ المدرسين ـ الأطباء ـ
стр. 64
الصيادلة ـ العيادات ـ المستشفيات الخاصة ـ المحلات التجارية الكبيرة والصغيرة ـ الجمعيات الاستهلاكية أيضا (!) ، وذلك مادام ممكنا لهم التعامل مع إخوانهم من شعب الكنيسة، كما يجب أن ينبهوا دوماً إلى مقاطعة صنّاع المسلمين وحرفييهم والاستعاضة عنهم بالصناع والحرفيين النصارى، ولو كلفهم ذلك الانتقال والجهد والمشقة..
" ثم قال البابا شنودة: إن هذا الأمر بالغ الأهمية لتخطيطنا العام في المدى القريب والبعيد..
" ثالثاً: تعليم شعب الكنيسة:..
" قال البابا شنودة: إنه يجب فيما يتعلق بالتعليم العام للشعب المسيحي الاستمرار في السياسة التعليمية المتبعة حالياً مع مضاعفة الجهد في ذلك، خاصة وأن بعض المساجد شرعت تقوم بمهام تعليمية كالتي نقوم بها في كنائسنا، الأمر الذي سيجعل مضاعفة الجهد المبذول حالياً أمراً حتمياً حتى تستمر النسبة التي يمكن الظفر بها من مقاعد الجامعة وخاصة الكليات العملية. ثم قال: إني إذ أهنئ شعب الكنيسة خاصة المدرسين منهم على هذا الجهد وهذه النتائج، إذ وصلت نسبتنا في بعض الوظائف الهامة والخطيرة كالطب والصيدلة والهندسة وغيرها أكثر من ٦٠% (!) إني إذ أهنئهم أدعو لهم يسوع المسيح الرب المخلص أن يمنحهم بركاته وتوفيقه، حتى يواصلوا الجهد لزيادة هذه النسبة في المستقبل القريب..
" رابعاً: التبشير:..
" قال البابا شنودة: كذلك فإنه يجب مضاعفة الجهود التبشيرية الحالية، إذ أن الخطة التبشيرية التي وضعت بنيت على أساس هدف اتُّفق عليه للمرحلة القادمة، وهو زحزحة أكبر عدد من المسلمين عن دينهم والتمسك به، على ألا يكون من الضروري اعتناقهم المسيحية، فإن الهدف هو زعزعة الدين في نفوسهم، وتشكيك الجموع الغفيرة منهم في كتابهم وصدق محمد، ومن ثم يجب عمل كل الطرق واستغلال كل الإمكانيات الكنسية للتشكيك في القرآن وإثبات بطلانه وتكذيب محمد..
стр. 65
" وإذا أفلحنا في تنفيذ هذا المخطط التبشيري في المرحلة المقبلة، فإننا نكون قد نجحنا في إزاحة هذه الفئات من طريقنا، وإن لم تكن هذه الفئات مستقبلاً معنا فلن تكون علينا..
" غير أنه ينبغي ان يراعي في تنفيذ هذا المخطط التبشيري أن يتم بطريقة هادئة لبقة وذكية؛ حتى لا يكون سبباً في إثارة حفيظة المسلمين أو يقظتهم..
" وإن الخطأ الذي وقع منا في المحاولات التبشيرية الأخيرة ـ التي نجح مبشرونا فيها في هداية عدد من المسلمين إلى الإيمان والخلاص على يد الرب يسوع المخلص (!) ـ هو تسرب أنباء هذا النجاح إلى المسلمين، لأن ذلك من شأنه تنبيه المسلمين وإيقاظتهم من غفلتهم، وهذا أمر ثابت في تاريخهم الطويل معنا، وليس هو بالأمر الهين، ومن شأن هذه اليقظة أن تفسد علينا مخططاتنا المدروسة، وتؤخر ثمارها وتضيع جهودنا، ولذا فقد أصدرت التعليمات الخاصة بهذا الأمر، وسننشرها في كل الكنائس لكي يتصرف جميع شعبنا مع المسلمين بطريقة ودية تمتص غضبهم وتقنعهم بكذب هذه الأنباء، كما سبق التنبيه على رعاة الكنائس والآباء والقساوسة بمشاركة المسلمين احتفالاتهم الدينية، وتهنئهم بأعيادهم، وإظهار المودة والمحبة لهم..
" وعلى شعب الكنيسة في المصالح والوزارات والمؤسسات إظهار هذه الروح لمن يخالطونهم من المسلمين. ثم قال بالحرف الواحد:..
" إننا يجب أن ننتهز ما هم فيه من نكسة ومحنة لأن ذلك في صالحنا، ولن نستطيع إحراز أية مكاسب أو أي تقدم نحو هدفنا إذا انتهت المشكلة مع إسرائيل سواء بالسلم أو بالحرب "..
" ثم هاجم من أسماهم بضعاف القلوب الذين يقدمون مصالحهم الخاصة على مجد شعب الرب والكنيسة، وعلى تحقيق الهدف الذي يعمل له الشعب منذ عهد بعيد، وقال إنه لم يلتفت إلى هلعهم، وأصر أنه سيتقدم للحكومة رسمياً بالمطالب الواردة بعد، حيث إنه إذا لم يكسب شعب الكنيسة في هذه المرحلة مكاسب على المستوى الرسمي فربما لا يستطيع إحراز أي تقدم بعد ذلك..
" ثم قال بالحرف الواحد: وليعلم الجميع خاصة ضعاف القلوب أن القوى الكبرى في العالم تقف وراءنا ولسنا نعمل وحدنا، ولا بد من أن نحقق الهدف، لكن
стр. 66
العامل الأول والخطير في الوصول إلى ما نريد هو وحدة شعب الكنيسة وتماسكه وترابطه.. ولكن إذا تبددت هذه الوحدة وذلك التماسك فلن تكون هناك قوة على وجه الأرض مهما عظم شأنها تستطيع مساعدتنا..
" ثم قال: ولن أنسى موقف هؤلاء الذين يريدون تفتيت وحدة شعب الكنيسة، وعليهم أن يبادروا فوراً بالتوبة وطلب الغفران والصفح، وألا يعودوا لمخالفتنا ومناقشة تشريعاتنا وأوامرنا، والرب يغفر لهم (وهو يشير بذلك إلى خلاف وقع بين بعض المسئولين منهم، إذ كان البعض يرى التريث وتأجيل تقديم المطالب المزعومة إلى الحكومة) ..
" ثم عدد البابا شنودة المطالب التي صرح بها بأنه سوف يقدمها رسمياً إلى الحكومة:..
" ١ ـ أن يصبح مركز البابا الرسمي في البروتوكول السياسي بعد رئيس الجمهورية وقبل رئيس الوزراء..
" ٢ ـ أن تخصص لهم ٨ وزارات (أى يكون وزراؤها نصارى) ..
" ٣ ـ أن تخصص لهم ربع القيادات العليا في الجيش والبوليس..
" ٤ـ أن تخصص لهم ربع المراكز القيادية المدنية، كرؤساء مجالس المؤسسات والشركات والمحافظين ووكلاء الوزارات والمديرين العامين ورؤساء مجالس المدن..
" ٥ ـ أن يستشار البابا عند شغل هذه النسبة في الوزارات والمراكز العسكرية والمدنية، ويكون له حق ترشيح بعض العناصر والتعديل فيها..
" ٦ ـ أن يسمح لهم بإنشاء جامعة خاصة بهم، وقد وضعت الكنيسة بالفعل تخطيط هذه الجامعة، وهي تضم المعاهد اللاهوتية الكليات العملية والنظرية، وتمول من مالهم الخاص..
" ٧ ـ يسمح لهم بإقامة إذاعة من مالهم الخاص..
" ثم ختم حديثه بأن بشّر الحاضرين، وطلب إليهم نقل هذه البشرى لشعب الكنيسة، بأن أملهم الأكبر في عودة البلاد والأراضي إلى أصحابها من " الغزاة
стр. 67
المسلمين " قد بات وشيكاً، وليس في ذلك أدنى غرابة ـ في زعمه ـ وضرب لهم مثلاً بأسبانيا النصرانية التي ظلت بأيدي " المستعمرين المسلمين " قرابة ثمانية قرون (٨٠٠ سنة) ، ثم استردها أصحابها النصارى، ثم قال وفي التاريخ المعاصر عادت أكثر من بلد إلى أهلها بعد أن طردوا منها منذ قرون طويلة جداً (واضح أن شنودة يقصد إسرائيل) وفي ختام الاجتماع أنهى حديثه ببعض الأدعية الدينية للمسيح الرب الذي يحميهم ويبارك خطواتهم ".
بين يدى هذا التقرير المثير لا بد من كلمة، إن الوحدة الوطنية الرائعة بين مسلمى مصر وأقباطها يجب أن تبقى وأن تصان، وهى مفخرة تاريخية، ودليل جيد على ما تسديه السماحة من بر وقسط.
ونحن ندرك أن الصليبية تغص بهذا المظهر الطيب وتريد القضاء عليه، وليس بمستغرب أن تفلح فى إفساد بعض النفوس وفى رفعها إلى تعكير الصفو..
وعلينا ـ والحالة هذه ـ أن نرأب كل صدع، ونطفئ كل فتنة، لكن ليس على حساب الإسلام والمسلمين، وليس كذلك على حساب الجمهور الطيب من المواطنين الأقباط.
وقد كنت أريد أن أتجاهل ما يصنع الأخ العزيز " شنودة " الرئيس الدينى لإخواننا الأقباط، غير أنى وجدت عدداً من توجيهاته قد أخذ طريقه إلى الحياة العملية.
الحقائق تتكلم
ـ فقد قاطع الأقباط مكاتب تنظيم الأسرة تقريباً.
ـ ونفذوا بحزم خطة تكثير عددهم فى الوقت الذى تنفذ فيه بقوة وحماسة سياسة تقليل المسلمين.. وأعتقد أن الأقباط الآن يناهزون ثلاثة ملايين أى أنهم زادوا فى الفترة الأخيرة بنسبة ما بين ٤٠ %، ٥٠ %!!
ـ ثم إن الأديرة تحولت إلى مراكز تخطيط وتدريب ـ خصوصاً أديرة وادى النطرون التى يذهب إليها بابا الأقباط ولفيف من أعوانه المقربين، والتى يستقدم إليها الشباب القبطى من أقاصى البلاد لقضاء فترات معينة وتلقى توجيهات مريبة..
стр. 68
ـ وفى سبيل إضفاء الطابع النصرانى على التراب المصرى، استغل الأخ العزيز " شنودة " ورطة البلاد فى نزاعها مع اليهود والاستعمار العالمى لبناء كنائس كثيرة لا يحتاج العابدون إليها ـ لوجود ما يغنى عنها ـ فماذا حدث؟
لقد صدر خلال أغسطس وسبتمبر وأكتوبر سنة ١٩٧٣ خمسون مرسوماً جمهورياً بإنشاء ٥٠ كنيسة، يعلم الله أن أغلبها بنى للمباهاة وإظهار السطوة وإثبات الهيمنة فى مصر.
وقد تكون الدولة محرجة عندما أذنت بهذا العدد الذى لم يسبق له مثيل فى تاريخ مصر..
لكننا نعرف المسئولين أن الأخ العزيز " شنودة "! لن يرضى لأنه فى خطابه كشف عن نيته، وهى نية تسىء إلى الأقباط والمسلمين جميعاً..
وقد نفى رئيس لجنة " تقصى الحقائق " أن يكون هذا الخطاب صادراً عن رئيس الأقباط.
ولما كان رئيس اللجنة ذا ميول " شيوعية " وتهجمه على الشرع الإسلامى معروف، فإن هذا النفى لا وزن له، ثم إنه ليس المتحدث الرسمى باسم الكنيسة المصرية..
ومبلغ علمى أن الخطاب مسجل بصوت البابا نفسه ومحفوظ ويوجد الآن من يحاول تنفيذه كله.
نحن نريد الحفاظ على وحدة مصر الوطنية
ونحن نناشد الأقباط العقلاء أن يتريثوا وأن يأخذوا على أيدى سفهائهم وأن يبقوا بلادنا عامرة بالتسامح والوئام كما كان ديدنها من قرون طوال..
وإذا كانت قاعدة " لنا ما لكم وعلينا ما عليكم " لا تقنع، فكثروا بعض ما لكم، وقللوا بعض ما عليكم شيئاً ما، شيئاً معقولاً، شيئاً يسهل التجاوز عنه والتماس المعاذير له!!
стр. 69
أما أن يحلم البعض بإزالتنا من بلدنا، ويضع لذلك خطة طويلة المدى، فذلك ما لا يطاق، وما نرجو عقلاء الأقباط أن يكفونا مؤونته، ونحن على أتم استعداد لأن ننسى.. وننسى..
стр. 70
الباب الرابع/ الإسلام وجماعة الإخوان
انتسبت لجماعة الإخوان فى العشرين من عمرى، ومكثت فيها قرابة سبع عشرة سنة، كنت خلالها عضواً فى هيئتها التأسيسية، ثم عضواً فى مكتب الإرشاد العام..
وشاء الله أن يقع نزاع حاد بينى وبين قيادة الجماعة، انتهى بصدور قرار يقضى بفصلى وفصل عدد آخر من الأعضاء.
وبعد عدة شهور من ذلك الحدث صدر قرار حكومى بحل الجماعة كلها والإجهاز على جميع أنشطتها.
وأريد أن أكون منصفاً، فإن الزعم بأن جميع الإخوان أشرار سخف وافتراء، والزعم بأن الجماعة كلها كانت معصومة من الخطأ غرور وادعاء..
وليس ذلك ما يعنينى هنا، إنما الذى يعنينى أمر آخر هو الأهم والأخطر، عند الله وعند الناس، أمر الإسلام نفسه.
قال لى أحد الناس: ليذهب الإخوان إلى الجحيم!
قلت له: اسمع، مصاير الناس بيد الله وحده، وليذهب من شاء إلى الجحيم.. لكن هل يذهب الإسلام إلى الجحيم معهم؟
قال: لا.
قلت: دعنى من العناوين ولنتحدث فى الموضوع. هل نترك كتاب ربنا وسنة نبينا أم نتشبث بهما ونحرص عليهما؟
فأجاب بعد تريث: لا نترك ديننا!
قلت: هل ننفذ من ديننا ما نحب ونهمل ما نكره، أم نطيع الله فى كل ما أمر به ونهى عنه؟ إن هناك نصوصاً فى الكتاب والسنة معطلة محكوماً عليها بالموت، ونصوصاً أخرى تنفذ جزئياً ولا يؤذن بتطبيقها على وجه كامل، فهل تبقى هذه الأوضاع أم ينبغى إصلاحها؟
стр. 71
قال: لكن هذا ما يقوله الإخوان المسلمون!!
قلت له: دعنى من جماعة الإخوان، فقد نفضت يدى من العناوين، أنا أتحدث عن الإسلام نفسه، وعن المنحدر الذى وقع فيه، وعن الأمة الكسيرة التى تنتمى إليه، ألم نتفق على ضرورة التمسك بكتاب ربنا وسنة نبينا؟
قال: بلى!!
قلت: وذاك ما نريد أن نتعاون على بلوغه، ونرسم الخطة المثلى لتحقيقه!
ولعلك ترى معى بعد ذلك أن الانتساب للإسلام ليس جريمة، وأن الجريمة هى تشويه نهجه وإنكار هديه وترك أعدائه أحراراً فى النيل منه..
قال: أشعر أنك تجرنى بدهاء إلى جماعة الإخوان!!
قلت له: يا أخى تخل عن هذه العقدة التى تحكمك.. إننى أريد أن أعمل للإسلام الذى رفع علمه خاتم الأنبياء محمد ﷺ ، وخلفه على مواريثه أبو بكر وعمر وعثمان وعلى.. هذا المصحف المهجور فى دواوين السلطة، وفى أرجاء المجتمع، نريد أن نؤنس وحشته ونرفع شعاره.
دعنى من أى تجمع حدث فى هذا العصر، ولننس الأشخاص الذين اشتهروا، ولنطو صحائفهم بما فيها من خطأ وصواب ولنعمل للإسلام وحده..
فسكت متردداً حائراً.
قلت له: اسمع، إن هناك قوماً يكرهون الإسلام ذاته ويخدمون بكراهيته القوى الثلاث التى تجمعت ضده اليوم:
الشيوعية، الصهيونية، الصليبية، وهؤلاء يريدون أن يجعلوا من كلمة " الإخوان " سيفاً مصلتاً على عنق كل مخلص له عامل فى حقله، وأنا أرفض هذا الخلط..
إن إرهاب المجاهدين فى سبيل الله بوصفهم إخواناً، ووضع العوائق أمام النهضة الإسلامية بزعم أن ذلك منع لعودة الجماعة المنحلة، إن هذا وذاك خيانة عظمى، وارتداد عن الملة..
لقد أصبح التجمع على الإسلام ضرورة حياة فى وجه اليهود الذين احتلوا أجزاء حساسة من أرضنا، ويوشك أن تكون لهم وثبة أخرى ربما كانت نحو عواصمنا
стр. 72
وبقية مقدساتنا، فاصطياد الريب لهذا التجمع لا أستطيع وصفه إلا بأنه عمل لمصلحة بنى إسرائيل..
إن الخطة التى وضعت لمحاربة جماعة الإخوان لا يسوغ أن تستفل لمحاربة الله ورسوله.
ويسوءنى أن الذين رسموا هذه الخطة يحاولون أن يقضوا بها على الدين نفسه، والفرق واضح بين دين له قداسته ونفر من الناس لهم خطؤهم وصوابهم.
تقرير يفضح النيات المبيتة للإسلام
اقرأ معى هذا التقرير..:
تقرير اللجنة المؤلفة برياسة السيد " زكريا محيى الدين " رئيس الوزراء فى حينه، بشأن القضاء على تفكير الإخوان، بناء على أوامر السيد الرئيس بتشكيل لجنة عليا، لدراسة واستعراض الوسائل التى استعملت، والنتائج التى تم التوصل إليها، بخصوص مكافحة جماعة الإخوان المسلمين المنحلة، ولوضع برنامج لأفضل الطرق التى يجب استعمالها فى مكافحة الإخوان بالمخابرات، والمباحث العامة، لبلوغ هدفين:
أـ غسل مخ الإخوان من أفكارهم.
ب ـ منع عدوى أفكارهم من الانتقال إلى غيرهم.
اجتمعت اللجنة المشكلة من:
١ ـ سيادة رئيس مجلس الوزراء
٢ ـ السيد / قائد المخابرات العامة
٣ ـ السيد / قائد المباحث الجنائية العسكرية
٤ ـ السيد / مدير المباحث العامة
٥ ـ السيد / مدير مكتب السيد المشير عبد الحكيم عامر
وذلك فى مبنى المخابرات العامة بكوبرى القبة، وعقدت عشرة اجتماعات متتالية وبعد دراسة كل التقارير والبيانات والإحصائيات السابقة، أمكن تلخيص المعلومات المجتمعة فى الآتى:
стр. 73
١ ـ تبين أن تدريس التاريخ الإسلامى فى المدارس للنشء بحالته القديمة يربط السياسة بالدين فى لا شعور كثير من التلاميذ منذ الصغر ويتتابع ظهور معتنقى الأفكار الإخوانية.
٢ ـ صعوبة واستحالة التمييز بين أصحاب الميول والنزعات الدينية وبين معتنقى الأفكار الإخوانية، وسهولة وفجائية تحول الفئة الأولى إلى الفئة الثانية بتطرف أكبر.
٣ ـ غالبية أفراد الإخوان عاش على وهم الطهارة، ولم يمارس الحياة الجماعية الحديثة، ويمكن اعتبارهم من هذه الناحية " خام ".
٤ ـ غالبيتهم ذوو طاقة فكرية وقدرة تحمل ومثابرة كبيرة على العمل، وقد أدى ذلك إلى اطراد دائم وملموس فى تفوقهم فى المجالات العلمية والعملية التى يعيشون فيها وفى مستواهم الفكرى والعلمى والاجتماعى بالنسبة لأندادهم رغم أن جزءاً غير بسيط من وقتهم موجه لنشاطهم الخاص بدعوتهم (المشئومة) .
٥ ـ هناك انعكاسات إيجابية سريعة تظهر عند تحرك كل منهم للعمل فى المحيط الذى يقتنع.
٦ ـ تداخلهم فى بعض، ودوام اتصالهم الفردى ببعض وتزاورهم، والتعارف بين بعضهم البعض يؤدى إلى ثقة كل منهم فى الآخر ثقة كبيرة.
٧ ـ هناك توافق روحى، وتقارب فكرى وسلوكى يجمع بينهم فى كل مكان حتى ولو لم تكن هناك صلة بينهم.
٨ ـ رغم كل المحاولات التى بذلت منذ عام ١٩٣٦ لإفهام العامة والخاصة بأنهم يتسترون وراء الدين لبلوغ أهداف سياسية إلا أن احتكاكهم الفردى بالشعب يؤدى إلى محو هذه الفكرة عنهم، رغم أنها بقيت بالنسبة لبعض زعمائهم.
٩ ـ تزعمهم حرب العصابات سنة ١٩٤٨ والقتال سنة ١٩٥١ رسب فى أفكار بعض الناس صورهم كأصحاب بطولات وطنية عملية، وليست دعائية فقط، بالإضافة إلى أن الأطماع الإسرائيلية والاستعمارية والشيوعية فى المنطقة لا تخفى أغراضها فى القضاء عليهم.
стр. 74
١٠ ـ نفورهم من كل من يعادى فكرتهم جعلهم لا يرتبطون بأى سياسة خارجية سواء كانت عربية أو شيوعية أو استعمارية، وهذا يوحى لمن ينظر فى ماضيهم أنهم ليسوا عملاء.
وبناء على ذلك رأت اللجنة أن الأسلوب الجديد فى المكافحة يجب أن يشمل أساساً بندين متداخلين وهما:
أـ محو فكرة ارتباط الدين الإسلامى بالسياسة.
ب ـ إبادة تدريجية مادية ومعنوية وفكرية للجيل القائم فصلاً من معتنقى الفكرة.
ويمكن تلخيص أسس الأسلوب الواجب استخدامه لبلوغ هذين الهدفين فى الآتى:
أولاً: سياسة وقائية عامة:
١ ـ تغيير مناهج تدريس التاريخ الإسلامى والدين فى المدارس وربطها بالمعتقدات الاشتراكية كأوضاع اجتماعية واقتصادية وليست سياسية. مع إبراز مفاسد الخلافة خاصة زمن العثمانيين وأن تقدم الغرب السريع إنما كان عقب هزيمة الكنيسة وإقصائها عن السياسة.
٢ ـ التحرى الدقيق عن رسائل وكتب ونشرات ومقالات الإخوان المسلمين فى كل مكان ثم مصادرتها وإعدامها.
٣ ـ يحرم بتاتاً قبول ذوى الإخوان وأقربائهم حتى الدرجة الثالثة فى القرابة من الانخراط فى السلك العسكرى أو البوليس أو السياسة، مع سرعة عزلة الموجودين من هؤلاء الأقرباء من هذه الأماكن أو نقلهم إلى الأماكن الأخرى فى حالة ثبوت ولائهم.
٤ ـ مضاعفة الجهود المبذولة فى سياسة العمل الدائم على إفقاد الثقة بينهم وتحطيم وحدتهم بشتى الوسائل، وخاصة عن طريق إكراه البعض على كتابة تقارير عن زملائهم بخطهم، ثم مواجهة الآخر بما معها مع العمل، على منع كل من الطرفين من لقاء الآخر أطول فترة ممكنة لنزيد هوة انعدام الثقة بينهم.
٥ ـ بعد دراسة عميقة لموضوع المتدينين من غير الإخوان، وهم الذين يمثلون
стр. 75
" الاحتياطى " لهم وجد أن هناك حتمية طبيعية عملية لالتقاء الصنفين فى المدى الطويل، ووجد أنه من الأفضل أن يبدأ بتوحيد معاملتهم بمعاملة الإخوان قبل أن يفاجئونا كالعادة باتحادهم معهم علينا.
ومع افتراض احتمال كبير لوجود أبرياء منهم إلا أن التضحية بهم خير من التضحية بالثورة فى يوم ما على أيديهم.
ولصعوبة واستحالة التمييز بين الإخوان والمبتدئين بوجه عام فلا بد من وضع الجميع ضمن فئة واحدة ومراعاة ما يلى:
أـ تضييق فرص الظهور والعمل أمام المتدينين عموماً فى المجالات العلمية والعملية.
ب ـ محاسبتهم بشدة وباستمرار على أى لقاء فردى أو زيارات أو اجتماعات تحدث بينهم.
جـ ـ عزل المتدينين عموماً عن أى تنظيم أو اتحاد شعبى أو حكومى أو اجتماعى أو طلابى أو عمالى أو إعلامى.
د ـ التوقف عن السياسة السابقة فى السماح لأى متدين بالسفر للخارج للدراسة أو العمل حيث فشلت هذه السياسة فى تطوير معتقداتهم وسلوكهم، وعدد بسيط جداً منهم هو الذى تجاوب مع الحياة الأوربية فى البلاد التى سافروا إليها. أما غالبيتهم فإن من هبط منهم فى مكان بدأ ينظم فيه الاتصالات والصلوات الجماعية أو المحاضرات لنشر أفكاره.
هـ ـ التوقف عن سياسة استعمال المتدينين فى حرب الشيوعيين واستعمال الشيوعيين فى حربهم بغرض القضاء على الفئتين، حيث ثبت تفوق المتدينين فى هذا المجال، ولذلك يجب أن نعطى الفرص للشيوعيين لحربهم وحرب أفكارهم ومعتقداتهم، مع حرمان المتدينين من الأماكن الإعلامية.
وـ تشويش الفكرة الشائعة عن الإخوان فى حرب فلسطين والقتال وتكرار النشر بالتلميح والتصريح عن اتصال الإنجليز بالهضيبى، وقيادة الإخوان، حتى يمكن غرس فكرة أنهم عملاء للاستعمار فى أذهان الجميع.
следующие страницы →