← Сира

Сира · id 9824

الرسول القائد

محمود شيت خطاب

Полный текст (477 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

تطبيقه العملي لمبادىء الحرب العشرة: اختيار المقصد وإدامته، والتعرض، والمباغتة، وحشد القوة، والاقتصاد بالمجهود، والأمن، والمرونة، وإدامة المعنويات، والأمور الادارية. وسنذكر بعض هذه الأمثلة، للدلالة على تطبيق هذه المبادىء بكفاية نادرة فذة تدعوان الى الاعجاب والتقدير الشديدين. أولا- اختيار المقصد وإدامته «١» : كان الرسول ﷺ يختار مقصده بالضبط، ويفكر في أقوم طريقة للوصول إليه، ثم يقرّر خطة مناسبة للحصول عليه. لقد ظهر مبدأ: (اختيار المقصد) في أول معاهدة عقدها الرسول ﷺ بعد هجرته الى المدينة، تلك المعاهدة المعقودة بين المسلمين من جهة والمشركين ويهود من أهل المدينة من جهة أخرى، فنصّت على أنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا ولا يحول دونه على مؤمن. إن قريشا أخرجت الرسول ﷺ وأخرجت أصحابه من مكة ظلما وعدوانا، فمن حقه أن تكون قريش (مقصده) الحيوي الذي يختاره. ولعل من أبرز أمثلة: (اختيار المقصد) ما فعله الرسول ﷺ في غزوة الحديبية. لقد كان (مقصده) من تلك الغزوة التأثير في معنويات قريش من غير قتال، فخرج محرما واستصحب أسلحة الراكب، فلما علم باقتراب قوات قريش من قواته، ترك الطريق العام الى طريق فرعية وعرة للتملّص من القتال، حتى

стр. 387

وصل بقواته الى (الحديبية) ، وبقي هناك مصرا على (مقصده) هذا، فأفسح المجال للمفاوضات. وعندما هاجم قسم من المشركين معسكر قواته وألقى المسلمون القبض على المهاجمين، أطلق سراحهم دون أن يلحق بهم أذى. وبقي مصرا على (مقصده) في عدم محاربة قريش، وفي إظهار نياته السلمية، حتى تمّ له عقد صلح الحديبية، على الرغم من تذمّر قسم من أصحابه من هذا الصلح. إن الرسول ﷺ كان (يختار مقصده) بدقة تامة ولا ينساه أبدا في كل أعماله العسكرية وغير العسكرية. ثانيا- التعرّض «١» : يمكن اعتبار كل غزوات الرسول ﷺ تعرضية ما عدا غزوتي (أحد) و (الخندق) ، إذ أن المشركين هم الذين حشدوا قواتهم في منطقة المدينة وتعرضوا بالمسلمين. لقد استطاع الرسول ﷺ بشتى الأساليب الحصول على المعلومات عن نيات أعدائه قبل وقت مناسب، وبذلك استطاع أن يتعرض بأعدائه ويقضي على نياتهم العدوانية. إن التعرض ليس معناه التحرّش، بل معناه: الروح الهجومية التي يتحلى بها القائد، لأن الدفاع وحده لا يؤدي الى النصر الحقيقي بل الى نصر موضعي فقط في حالة نجاحه، أما التعرض فيؤدي في حالة نجاحه الى النصر. ومن المهم أن نذكر هنا، أن مبدأ (التعرض) التي طبقه الرسول ﷺ ، كان دفاعا عن الإسلام، وحماية للدين الحنيف، وحرصا على حرية نشره، ولغرض إقرار السلام، وبذلك طبق المبدأ التعبوي القائل: إن التعرض هو أفضل وسيلة للدفاع.

стр. 388

ثالثا- المباغتة «١» : المباغتة هي إحداث موقف لا يكون العدو مستعدا له، والكتمان من أهم الوسائل المهمة التي تؤدي للمباغتة. إن الكتمان يتم إما بإخفاء استعداداتنا أو بإخفاء نياتنا، أو باستعمال أسلحة جديدة أو باستعمال الأسلحة الموجودة بطريقة جديدة. والمباغتة إما أن تكون في المكان أو في الزمان أو في الأسلوب، ولقد طبّق الرسول ﷺ مبدأ (المباغتة) بكل هذه الحالات، حتى يمكن اعتبار غزواته نماذج رائعة لتطبيق أساليب المباغتة. كانت المدينة هي (القاعدة الأمينة) للمسلمين، ولكنها كانت تعج ب (الرتل الخامس) «٢» الذين لا يريدون خير المسلمين، ويعملون على إحباط جهودهم بشتى الطرق والأساليب. من هؤلاء (الرتل الخامس) يهود والمنافقون وعيون قريش من الأعراب وعيون الروم من الأنباط، وكان كل هؤلاء ينقلون أخبار المسلمين الى أعدائهم كلما استطاعوا الى ذلك سبيلا.

стр. 389

ولكنّ الرسول ﷺ حرص على كتمان نياته حرصا شديدا، فكان إذا أراد غزوة ورّى بغيرها، فينقل (الرتل الخامس) تلك المعلومات الخاطئة الى أعدائه، مما يؤدي الى بلبلة أفكار أعداء المسلمين. ومن أمثلة الكتمان الشديد، تلك (الرسالة المكتومة) التي أرسل بها مع عبد الله بن جحش. لقد أمر الرسول ﷺ عبد الله بن جحش ألّا يفتح تلك الرسالة إلا عند وصوله موضع (نخلة) بعد يومين من مسيره، فإذا فتحها وفهم مضمونها مضى في تنفيذها؛ وبهذه الطريقة لم يستطع أحد من أهل المدينة على اختلاف أهوائهم وميولهم، أن يعرف نيات الرسول ﷺ ولا واجب سرية عبد الله وهدفها. وقد أخفى نياته في غزوة الفتح حتى عن أهله الأقربين وصديقه الحميم أبي بكر الصديق ﵁، وقد دخل أبو بكر الصديق على ابنته عائشة زوج النبي ﷺ وهي تهيىء جهاز الرسول ﷺ ، فقال لها: (أي بنيّة! أأمركم رسول الله ﷺ أن تجهّزوه) ؟ قالت: (نعم، فتجهّز) . قال أبو بكر الصديق ﵁: (فأين ترينه يريد) ؟ قالت: (والله لا أدري) . بهذا الكتمان الشديد، استطاع الرسول ﷺ أن يحرّك جيشا كبيرا قوامه عشرة آلاف مسلم لفتح مكة دون أن تستطيع قريش معرفة وقت حركته ولا نياته حتى وصل الجيش الى ضواحي مكة، فاضطرت قريش على الاستسلام. ومن أمثلة المباغتة في المكان غروة بني لحيان، فقد تحرّك الرسول ﷺ بقواته شمالا باتجاه الشام حتى لا تعرف قريش وبنو لحيان اتجاه حركته الحقيقي، فلما انتشرت أخبار حركة المسلمين الى الشمال، عاد الرسول ﷺ بقواته فجأة باتجاه بني لحيان، وبذلك باغتهم في المكان. وفي غزوة (خيبر) تحرّك الرسول ﷺ إلى (الرجيع) قريبا من ديار غطفان، وبعد أن أرسل مفرزة صغيرة من قواته الى معسكر غطفان، عاد

стр. 390

بقواته الرئيسة الى خيبر، وبهذه الحركة أوهم غطفان بأنه يريدهم وأوهم يهود خيبر بأنه لا يريدهم، فباغت الطرفين ومنع تعاونهما في قتال المسلمين. ومن أمثلة المباغتة في الزمان غزوة بني قريظة، إذ تحرّك الرسول ﷺ إليهم في وقت لا يتوقعونه، فشلّ معنوياتهم واحتفظ هو بالمبادأة حتى نهاية المعركة. كما أن مسير الاقتراب الذي أجراه الرسول ﷺ في غزوة خيبر بهدوء وسكينة حتى وصل موضع خيبر ليلا وأكمل تطويقها في نفس الليلة دون أن يستطيع يهود معرفة وقت وصوله وتطويقه لقصبتهم، وهذا المسير يعتبر مباغتة في الزمان. ومن أمثلة المباغتة في الأسلوب، قتال الرسول ﷺ بأسلوب (الصف) في غزوة (بدر) الكبرى تجاه قريش التي قاتلته بأسلوب (الكرّ والفرّ) ، ومن الطبيعي أنّ أسلوب (الصف) له الأرجحيّة على أسلوب (الكر والفرّ) من الناحية العسكرية. كما أن حفر الخندق في غزوة الأحزاب كان مباغتة في الأسلوب أيضا، لأنّ العرب لم تكن تعرف إنشاء الخنادق لغرض الحماية في الحصار. وقد استخدم المنجنيقات والدبابات في غزوة حصار الطائف، وهذا مباغتة في الأسلوب أيضا. إن القائد العبقري هو الذي يطبّق مبدأ المباغتة في معاركه، والرسول ﷺ قد طبّق هذا المبدأ في كل معاركه، مما كان له أعظم الأثر على نتائجها الحاسمة. رابعا- حشد القوة «١» : منذ نزل الوحي على رسول الله ﷺ فأصبح رسول الله، وهو يعمل جاهدا، في سبيل نشر الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة؛ وانتشار الدعوة معناه ازدياد قوة المسلمين وإكمال حشدهم لاستخدام قواتهم في المكان والزمان المناسبين.

стр. 391

وهجرته الى المدينة من الناحية العسكرية، معناها حشد المسلمين في منطقة واحدة ليكونوا تحت قيادة واحدة. ولم يبدأ الجهاد في الإسلام، إلا بعد إنجاز حشد المسلمين، إذ أصبح المسلمون بدرجة من القوة يستطيعون معها الدفاع عن الاسلام. لقد رأينا في بيعة (العقبة الثانية) كيف انكشف للمشركين أمر هذه البيعة، وكيف أظهر الأنصار في حينه عدم اكتراثهم بخطر انكشاف بيعتهم. قال سعد بن عبادة: (يا رسول الله، والله الذي بعثك بالحق إن شئت، لنحملنّ على أهل (منى) غدا بأسيافنا) . ولكنّ الرسول ﷺ كان أبعد نظرا وأعمق من أن تؤثر فيه العاطفة، فقال له: (لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا الى رحالكم) ... فلما أنجز الرسول ﷺ كل استعدادات حشد المسلمين في المدينة، وعاهد أهلها من يهود والمشركين، بدأ القتال (فعلا) ، لأن قوات المسلمين حينذاك أصبحت من الناحيتين المادية والمعنوية قادرة على حماية الدعوة وصيانة حرية الرأي. إنّ الرسول ﷺ طبّق مبدأ (الحشد) في كل غزواته، ولم يتردّد أبدا في حشد أكبر قوة مادية ومعنوية في كل معركة خاضها. خامسا- الاقتصاد بالمجهود «١» : راعى الرسول ﷺ مبدأ (الاقتصاد بالمجهود) في كل غزواته، ولم يندب قوة لواجب ما إلّا وهي كافية لذلك الواجب من كل الوجوه.

стр. 392

إنّ نظرة بسيطة إلى الملحق (ن) ومقارنة قوات المسلمين بقوات أعدائهم، تظهر بوضوح مقدار حرص الرسول ﷺ على تطبيق مبدأ الاقتصاد بالقوة. سادسا- الأمن «١» : لقد أمّن الرسول ﷺ حماية قواته في كل غزواته، وبذل غاية جهده لمنع العدو من الحصول على المعلومات، وبذلك طبق مبدأ الأمن. إنّ دوريات الإستطلاع والطلائع والساقات التي كان يؤمّنها الرسول ﷺ في مسير الاقتراب وعند العودة من غزواته، كان لغرض حماية قواته من مباغتة العدو لها. كما أنّ تأمين الحراسات والعسس هو لحماية قواته أيضا من مباغتة العدو لها. وكما حرص الرسول ﷺ على الحصول على المعلومات من أعدائه بشتى الوسائل كما رأينا سابقا، فقد حرص على منع العدو من الحصول على المعلومات عن المسلمين بشتى الوسائل أيضا ... لقد طبّق مبدأ الكتمان في كل أعماله، وحثّ المسلمين على حفظ الأسرار وعدم إباحتها، وأمر أن يسارع المسلمون بإخباره عن كل حادث مهم. والحق أن المتتبع لحياة الرسول ﷺ يعجب أشد الإعجاب بمعرفته فورا بكل المعلومات التي تهمه وتؤثر على المصلحة العامة للمسلمين. كيف عرف برسالة حاطب بن أبي بلتعة تلك الرسالة التي حاول أن يخبر بها قريشا عن حركة المسلمين لفتح مكة؟ كيف عرف بإزماع أبي سفيان بن حرب القدوم الى المدينة لتمديد فترة الهدنة؟

стр. 393

كيف عرف كل حركات المنافقين وكل مؤامرات يهود وقضى عليها؟ كيف أحبط كل هذه المؤامرات ومنع افتضاح نيات المسلمين؟ كل ذلك يدل على حرصه الشديد على كتمان نيات المسلمين، وحرمان العدو من الحصول على المعلومات عن أهداف ومقاصد حركات المسلمين. سابعا- المرونة «١» : كانت قوات المسلمين تتحرك الى أهدافها بكفاية وسرعة. لقد استطاعت قوات المسلمين أن تصل الى أهدافها في الوقت المناسب، فتقوم بإحباط نيات العدو العدوانية، قبل أن يكمل العدو استعداداته التي تساعده على النجاح. وصلت قوات المسلمين الى (دومة الجندل) ، وإلى (تبوك) ، وإلى ربوع فلسطين وإلى الطائف، وكل هذه الأماكن بعيدة عن قاعدة المسلمين- المدينة، وقد قطعت أكثر هذه المسافات ليلا، وفي ظروف قاسية من ناحية المشاكل الإدارية والطقس، كما استطاع المسلمون أن يستمروا في الحركة ثلاثين ساعة متتابعة عند عودتهم من غزوة بني المصطلق. وقد رأيت كيف كان الرسول ﷺ مرنا في وضع خططه وفي تنفيذها وكيف أنه يعدّل تلك الخطط عند الحاجة حسب الظروف الراهنة.

стр. 394

كل ذلك يدلّ على تطبيق الرسول ﷺ مبدأ (المرونة) وتحريك قواته بسرعة لا تقلّ سرعة وإتقانا عن أقوى جيش حديث في هذا العصر، لأن المسيرات الليلية وقطع المسافات الطويلة والاستمرار في المسير ثلاثين ساعة كاملة دون استراحة يدل على تدريب راق وكفاية متميزة. ثامنا- التعاون «١» : لقد رأينا كيف تعاون الرماة مع السيّافة والرمّاحة في غزوة (بدر) الكبرى، فقد نضح الرماة المشركين بنبالهم وأوقعوا فيهم خسائر فادحة سهّلت مهمة هجوم السيافة والرماحة للقضاء نهائيا على مقاومة قريش. كما رأينا تعاون الفرسان مع المشاة في الغزوات الأخرى. لقد أمّن الرسول ﷺ مبدأ: (التعاون) في غزواته كلها، وذلك بإعطاء كل سلاح «٢» واجبا يناسبه، كما أن تعاون (الصفوف) فيما بينها تمّ في الوقت والمكان الملائمين، وبذلك أمّن تسهيل مهمة الجميع للوصول الى النجاح المطلوب. كما أمّن تعاون المسلمين من مختلف القبائل بشكل لم يسبق له مثيل في شبه الجزيرة العربية من قبل: (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً ... ) «٣» .

стр. 395

تاسعا- إدامة المعنويات: يمكن تعريف المعنويات: بأنها الصفات التي تميز الجيش المدرّب عن العصابات: بها تظهر الطاعة القائمة على الحب، وتبرز الشجاعة في القتال والصبر على تحمل المشاق، وتبرز كل المزايا التي تجعل الجندي مطيعا باسلا صبورا. ولست بحاجة الى التحدث عن طاعة جنود رسول الله ﷺ له، تلك الطاعة القائمة على الحب المتبادل والثقة المتبادلة، ولا عن شجاعتهم وجلدهم في القتال وصبرهم على تحمّل المشاق بعزم لا يعرف التخاذل والانهزام. حسبي أن أذكّر فقط بقصة الحدثين الصغيرين اللذين قتلا أبا جهل في معركة (بدر) الكبرى والتي رواها عبد الرحمن بن عوف ﵁، وحسبي أن أذكّر أيضا بقصة نسيبة الخزرجية (أم عمارة) في معركة (أحد) ، وهاتان القصتان معروفتان ورد ذكرهما في محلهما من هذا الكتاب. فإذا كانت معنويات الفتيان الأحداث من المسلمين والنساء من المسلمات بهذا المستوى الرفيع، فكيف تكون معنويات الرجال؟ إن مما يديم المعنويات هو وجود أهداف يؤمن بها الجنود بصورة خاصة والشعب بصورة عامة، وقد كانت أهداف المسلمين جميعا حينذاك هي إعلاء كلمة الله والعمل على حرية نشر الدعوة الإسلامية بدون تدخّل أحد ونشر لواء العدل والسلام بين الناس كافة، تلك الأهداف التي آمن بها المسلمون إيمانا عميقا وجاهدوا في سبيلها بكل ما يمتلكونه من غال ورخيص. كما أن صفات القيادة الحقة هي التي تخلق المعنويات وتديمها، فإذا كانت الأمة محظوظة تهيأ لها قائد عظيم حكيم شجاع يبعث الثقة الحقيقية في الأمة. ولست أعرف قائدا لأمة قديما أو حديثا امتلك صفات القيادة الحقة كما امتلكها الرسول ﷺ ، إذ كان في صفاته ومزاياه رجلا يعادل أمة أو هو أمة تعادل رجلا كما يقولون.

стр. 396

فلا عجب أن يتحلى المسلمون بالمعنويات العالية عندما كانوا ضعفاء يتخطفهم الناس من كل جانب في مكة عقر دارهم، وعندما أصبحوا أقوياء يسيطرون على شبه الجزيرة العربية كلها دون منازع. عاشرا- الأمور الادارية: مهما تكن خطة العمليات دقيقة مرنة معقولة، فلا تؤتي ثمراتها المتوقعة إذا تعذر تنفيذها من الوجهة الإدارية، بل يمكن أن نذهب الى أبعد من ذلك بالقول: إن كل خطة مرهونة بإمكاناتها الإدارية. لقد اهتم الرسول ﷺ بالأمور الإدارية كثيرا في معاركه، فتعاون المسلمون على تزويد المجاهدين بالأرزاق والماء والنقلية والسلاح. قرن الإسلام دائما الجهاد بالأرواح بالجهاد بالمال: (الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ) «١» ... (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ، فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ، وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ) «٢» ... (وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) «٣» ... (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) «٤» ... (لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً) «٥» .

стр. 397

بل يلاحظ من تلك الآيات الكريمة، أن المال يقدّم على الأنفس دائما، مما يدلّ على اهتمام الإسلام بالأمور الإدارية. ويقول القرآن الكريم عن الخيل: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ) «١» ... ويقول: (وَالْعادِياتِ ضَبْحاً، فَالْمُورِياتِ قَدْحاً، فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً، فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً، فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً) «٢» ... ويقول القرآن الكريم في الحديد الذي يعمل منه السلاح: (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ، وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ، إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) «٣» . لقد أنفق المسلمون الأولون أموالهم في سبيل الله: مات الرسول ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعا من شعير، وأنفق أبو بكر الصديق ﵁ جميع ماله في سبيل الله وكان يوم أسلم من أغنياء قريش المعدودين، فمات متخللا بعباءته. وأنفق عمر بن الخطاب ﵁ نصف ماله، كما جهز عثمان ابن عفان ﵁ جيش العسرة في غزوة (تبوك) بالإضافة الى الأموال الطائلة التي أنفقها على غيرها من الغزوات. أما آل محمد ﷺ فقد روى الحسن عنهم قال: (خطب رسول الله ﷺ فقال: (والله ما أمسى في آل محمد صاع من طعام وإنها لتسعة أبيات) . والله ما قالها استقلالا، ولكن أراد أن تتأسى به أمته) ! لقد أتعب الرسول ﷺ وأصحابه من يريد التأسي بهم من المسلمين بعدهم. لقد ضحّوا بكل شيء حتى بأبسط ضروريات الحياة في سبيل الله والمصلحة العامة قبل أربعة عشر قرنا، فأين منها تضحيات زعماء الشرق والغرب في القرن العشرين، أولئك الذين يتاجرون بالدفاع عن الفقير والعامل والفلاح بالظاهر

стр. 398

وبالكلام فحسب، على حين يعيشون في الحقيقة مترفين في رخاء عظيم على حساب الفقير والعامل والفلاح!! ٣- مزايا اخرى اضافية: أ- المساواة: ساوى الرسول ﷺ نفسه بأصحابه في كل شيء، بل استأثر لنفسه دونهم بالخطر ومضاعفة الجهد وتحمّل المسئولية والحرمان الشديد. حمل الحجارة والتراب والجريد واللبن كأي فرد من المسلمين عند بناء المسجد في المدينة المنورة. وفي مسير الاقتراب الى (بدر) ، قسّم الإبل المتيسّرة وعددها سبعون بعيرا بين أصحابه، وكان من نصيبه مع علي بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد الغنوي ﵄ بعير يعتقبونه، تماما كما يفعل أيّ فرد من أفراد قواته. قال شريكا الرسول صلوات الله وتسليمه عليه في البعير: (نحن نمشي عنك) ، قال: (ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما) . وفي غزوة (الخندق) ، حفر بيده وحمل الأحجار والأتربة على عاتقه. قال البراء بن عازب: (كان رسول الله ينقل التراب يوم الخندق، حتى اغبرّ بطنه) . لقد وارى التراب جلدة بطنه وكان كثير الشعر. وشارك أصحابه في طعامهم وشرابهم ولباسهم، بل آثرهم بالنفيس من كل ذلك واستأثر دونهم بالخشن. وتحمل أخطر المواقف بنفسه، ولم يترك أصحابه يتعرّضون للخطر وحدهم. لقد سخّر نفسه لخدمة أصحابه، بينما سخّر القادة قواتهم لخدمتهم ...

стр. 399

ب- الاستشارة: كان الرسول ﷺ يستشير أصحابه في كل المواقف التي لها أثر في مصالح المسلمين عسكرية وغير عسكرية. استشارهم في غزواته كافة عدا غزوة (الحديبية) ، وأخذ بآرائهم حتى ولو كانت تخالف رأيه كما حدث (فعلا) في غزوة (أحد) ، فقد كان يرى البقاء في المدينة المنورة بينما رأى أكثرية أصحابه الخروج. أما أسباب عدم استشارتهم في غزوة (الحديبية) ، فلأنه- كما ذكرنا سابقا- كان يصرّ على نياته السلمية التي تؤمّن له الاستقرار الضروري لانتشار الإسلام، وكان لبعد نظره المذهل حقا يعرف أن نتائج الصلح ستكون خيرا شاملا للدعوة الاسلامية، بينما كان أصحابه يريدون النصر العاجل قبل أوانه. ج- أساليب جديدة: طبّق الرسول ﷺ أساليب جديدة في القتال. طبّق أسلوب القتال ب (الصفوف) في (بدر) ، فتغلّب بهذا الأسلوب على قوات قريش التي بلغت ثلاثة أمثال قوّته، لأنهم قاتلوا بأسلوب (الكرّ والفرّ) . وحفر (الخندق) في غزوة (الأحزاب) ، ولم تكن العرب تعرف هذا الأسلوب. وطبّق أسلوب قتال المدن والأحراش في غزوة بني النضير وبني قريظة وخيبر، ومن المدهش أن يطبّق الرسول ﷺ نفس الأسلوب الذي يطبّق في الحرب الحديثة في مثل هذا القتال. واستخدم المنجنيقات والدبابات في غزوة حصار (الطائف) ، وكان استعمال هذين السلاحين نادرا عند العرب حينذاك.

стр. 400

وانتخب (مقرّا) له في غزوة (بدر) ، مراعيا شروط انتخاب (المقر) ، وأمّن حراسته كما يجري في الحرب الحديثة. وقسّم الأعمال وأمّن السيطرة على إنجازها، كما حدث في حفر الخندق. وقام بالهجوم فجرا، ذلك الهجوم الذي يحتاج الى كفاية وتدريب متميزين كما حدث في غزوة بني المصطلق. وابتكر أسلوب (الرسائل المكتومة) ، على حين يفاخر الألمان في العصر الحاضر بأنهم أول من ابتكر هذا الأسلوب. بل إنه طبّق الحرب الإجماعية بحذافيرها، فحشد كل القوى المادية والمعنوية للأغراض العسكرية، وذلك ليؤمّن حماية الدعوة من أعدائها الكثيرين، بينما لم تعرف هذه الحرب إلا في الحرب العالمية الثانية فقط، واستأثر الألمان بالمفاخرة في ابتكارها. ٤- قيادة مثالية: رأينا كيف كان الرسول ﷺ يتحلى بكل صفات القائد المثالي، كما تنصّ عليها أوثق المصادر العسكرية الحديثة. ورأينا كيف طبّق كل مبادىء الحرب بكل كفاية، ورأينا كيف أنه تحلّى بمزايا أخرى لم تنص عليها المصادر العسكرية لاستبعاد المفكرين العسكريين إمكان توفرها في القادة وهم بشر! ورأينا كيف طبّق أساليب جديدة مبتكرة، واستخدم أسلحة جديدة في القتال. فأي قائد تحلى بكل هذه المزايا وطبّق كل مبادىء الحرب وابتكر كل هذه الأساليب الحربية؟! ذلك هو السبب الأول لانتصار المسلمين على أعدائهم، وقديما قالوا: (لم يغلب الرومان الغال ولكن قيصر) .

стр. 401

السبب الثاني جنود متميزون ١- مزايا الجند المتميّز: تتلخص مزايا الجندي المتميز بما يلي: عقيدة راسخة، ومعنويات عالية، وضبط متين، وتدريب جيّد، وتنظيم سليم، وتسليح جيد. تلك هي مزايا الجندي المتميز في كل زمان ومكان، فهل كان جنود النبي ﷺ يتحلون بهذه المزايا العالية التي تجعلهم جيشا قويا رصينا، وهل كانوا يختلفون في شيء من ذلك عن العرب الذين ينتمون إليهم؟ والحق أن الرسول ﷺ هو الذي جعل جيش المسلمين يتحلى بكل هذه المزايا الرفيعة، فقد بذل غاية الجهد ليغرس كل هذه المزايا في نفوس المسلمين، وبذلك كوّن منهم قوة لا تغلب، وكانوا قبل حين كغيرهم من القبائل الأخرى، تطغى عليهم الأنانية الفردية، ولا يعرفون معنى الضبط والنظام، وليست لديهم عقيدة بالمعنى الصحيح. ليس من السهل أبدا، أن ينجح انسان في تبديل نفسية رجاله من حال الى حال إلا بعون الله، ونجاحه هذا هو معجزة واقعية أكبر وأعظم من معجزات الخيال. ٢- تفصيل المزايا: أ- عقيدة راسخة: آمن المسلمون برسالة النبي ﷺ ، فهم يقاتلون لحماية ما آمنوا به من العدوان،

стр. 402

حتى تكون كلمة الله هي العليا؛ وفي سبيل الدفاع عن عقيدتهم التي آمنوا بها كل الإيمان، تركوا أوطانهم وأموالهم وعرّضوا أنفسهم للخطر، وقاتلوا حتى أولادهم وأهليهم وعشيرتهم. لقد بذلوا كل شيء رخيصا في سبيل الدين الذي اعتنقوه. التقى الآباء بالأبناء والإخوة بالإخوة والأهل بالأهل: خالفت بينهم المبادىء ففصلت بينهم السيوف. كان أبو بكر الصديق ﵁ مع المسلمين، وكان ابنه عبد الرحمن مع المشركين. وكان عتبة بن ربيعة مع قريش، وكان ابنه حذيفة مع المسلمين. وعندما استشار النبي ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ في مصير أسرى (بدر) ، قال عمر: (أرى أن تمكني من فلان، قريب عمر، فأضرب عنقه، وتمكّن عليا من أخيه عقيل بن أبي طالب فيضرب عنقه، وتمكن الحمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين) . ولما سحبوا جثة عتبة بن ربيعة الذي قتل يوم (بدر) لتدفن في القليب، نظر الرسول ﷺ الى ابنه حذيفة بن عتبة فاذا هو كئيب قد تغيّر لونه. فقال له: (يا حذيفة! لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء) ؟ ... قال حذيفة ﵁: (لا والله يا رسول الله فما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا، فكنت أرجو أن يهديه ذلك للاسلام؛ فلما رأيت ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له، أحزنني ذلك) . وفي غزوة بني المصطلق، حاول عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين أن يثير الفتنة بين المهاجرين والأنصار، فأصدر الرسول ﷺ أمره بالحركة فورا حتى

стр. 403

لا يستفحل أمر الفتنة. وعند وصول المسلمين الى المدينة، تقدّم عبد الله بن عبد الله بن أبيّ يطلب من الرسول ﷺ أن يأمره بقتل أبيه لأنه حاول إشعال نار الفتنة، ولكنّ الرسول ﷺ عفا عنه قائلا لولده المؤمن: (إنا لا نقتله، بل نترفّق به ونحسن صحبته ما بقي معنا) . وفي غزوة بني قريظة طلب يهود حضور أبي لبابة لاستشارته، فسمح الرسول ﷺ له بالذهاب إليهم. وسأله يهود: هل ينزلون على حكم محمد؟ قال لهم: (نعم) ، وأشار الى حلقه كأنه ينبههم الى أن مصيرهم الذبح. لم يعرف أحد من المسلمين بإشارة أبي لبابة هذه الى حلقه حين استشاره يهود، ولكنه أدرك لفوره بأنه خان الله ورسوله بإشارته تلك، فمضى هائما على وجهه حتى ربط نفسه الى سارية في مسجد الرسول ﷺ ، وبقي على حاله هذا حتى تاب الله عليه. وقبيل غزوة الفتح جاء أبو سفيان بن حرب الى المدينة، فقصد دار أم حبيبة ابنته وزوج الرسول ﷺ ، لكنها طوت الفراش عن والدها، لأنها رغبت بالفراش عن مشرك نجس ولو كان هذا المشرك أباها الحبيب. لقد أنفق المسلمون أموالهم في سبيل الله، حتى تخلّل أبو بكر الصديق ﵁ بالعباءة، وكان يملك أربعين ألف دينار قبل الاسلام. فما الذي يدفع لمتل هذه الأعمال الرائعة غير العقيدة الراسخة والإيمان العظيم؟ وهل يقاتل أصحاب مثل هذه العقيدة كما يقاتل الذين لا عقيدة لهم إلا أهواء الجاهلية وعصبية الأنانية وحب الفخر والظهور؟ إن عقيدة المسلمين بسمو أهدافهم جعلتهم يستميتون في القتال دفاعا عن تلك الأهداف.

стр. 404

ب- معنويات عالية: لا قيمة لأي جيش مهما يكن ضخما في عدده، دقيقا في تنظيمه، متميزا في تسليحه ما لم تكن معنوياته عالية. كان الجيش الإيطالي في الحرب العالمية الثانية مجهزا بأحدث الأسلحة وأشدها فتكا، وكان تنظيمه دقيقا وعدده كبيرا، ولكن معنوياته كانت منهارة؛ فأصبح عبئا ثقيلا على الألمان، فكان الحلفاء يطلقون على المواضع التي يحتلها الإيطاليون تعبير: (الفراغ العسكري) ، لأنهم كانوا يستسلمون دون قتال، كلما حاق بهم الخطر الحقيقي أو الوهمي ... فكان وجودهم وعدم وجودهم سواء. شجّع الرسول ﷺ أصحابه قبل معركة (بدر) وفي أثنائها وقوّى معنوياتهم، حتى لا يكترثوا بتفوق قريش عليهم في العدد، فكانت معنويات المسلمين عالية في تلك المعركة. حتى معنويات الأحداث الصغار منهم كانت عالية للغاية كما رأيت في تسابق ابني عفراء لقتل أبي جهل. هل كان بإمكان المسلمين الانتصار في غزوة (بدر) ، والقيام بمطاردة المشركين بعد يوم من غزوة (أحد) ، والصمود في غزوة الأحزاب، والإقدام على غزوة (تبوك) ، لو لم تكن معنوياتهم عالية جدا؟ وكما عمل الرسول ﷺ على رفع معنويات أصحابه بشتى الطرق والمناسبات، عمل على تحطيم معنويات أعدائه بشتى الطرق والمناسبات أيضا؛ وما كانت غزوة (الحديبية) و (عمرة القضاء) وغزوة (تبوك) إلا معارك معنويات لا معارك ميدان. إن (عمرة القضاء) فتحت قلوب أهل مكة، لأنها حطّمت معنوياتهم، وغزوة الفتح فتحت أبواب مكة.

стр. 405

كما أن نتيجة غزوة (تبوك) اندحار معنوي للروم، وبذلك اطمأن العرب الى أن بإمكانهم مقاتلة الروم، وكانوا سابقا يظنون أن ذلك من المستحيلات. لقد استهدف الرسول ﷺ في كل غزواته تحطيم معنويات أعدائه، بل إنه كان يستهدف تحطيم المعنويات أكثر مما كان يستهدف تحطيم القوى المادية، لأنه كان يطمع دائما في عودة أعدائه الى الصراط المستقيم والهداية، فيحرص على بقائهم أحياء طمعا في هدايتهم: (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون) . إن أكثر غزوات الرسول ﷺ كانت معارك معنويات تؤثر في النفوس والقلوب لا معارك خسائر تؤثر على الأرواح والممتلكات. ويجب ألا ننسى هنا أثر اعتقاد المسلمين بالقضاء والقدر في رفع معنوياتهم لاقتحام الأخطار بشجاعة خارقة، لأن المقدّر سيكون حتما والشهيد في الجنة، وإنما هي إحدى الحسنيين، النصر أو الشهادة: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ، وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا) «١» . ج- ضبط متين: كان المسلمون يطيعون النبي ﷺ إطاعة لا حدود لها، وينفّذون أوامره حرفيا بدون تردّد وبكل حرص وأمانة مهما تكن ظروفهم صعبة وواجباتهم شاقة. وليس هناك ما يبرّر ذكر أمثلة على قوة ضبط المسلمين، لأن الأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى، ولأن الإطاعة في الإسلام دين: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) «٢» .

стр. 406

د- تدريب راق: اهتم الرسول ﷺ بتدريب أصحابه على الرمي وركوب الخيل، فقال عليه أفضل الصلاة والسلام: (من ترك الرمي بعد ما علمه، فإنما هي نعمة كفرها) . ولم يقتصر الرسول ﷺ على حثّ أصحابه للتدريب المستمر على الرمي وركوب الخيل وهو ما نسميه في الوقت الحاضر: بالتدريب الفردي ... بل درّبهم على تشكيلات مسير الاقتراب وأساليب القتال وواجبات الحراسات والخفراء، وهو ما نسميه في الوقت الحاضر: بالتدريب الإجمالي. اتخذ التشكيلات التعبوية المناسبة في مسير الاقتراب في كل غزواته، فأمّن بذلك الحماية اللازمة لقواته وحرم العدو من مباغتتها. وقاتل بأسلوب (الصفوف) في معركة (بدر) ومعركة (أحد) وفي أكثر غزواته الأخرى ونظّم المواضع الدفاعية وراء الخندق في غزوة الأحزاب وأمّن حراسة النقاط الخطيرة من الخندق. وقام بقتال المدن والأحراش في قتاله ضد يهود، كما قامت سرية أبي سلمة ﵁ بالهجوم فجرا على بني أسد، والنجاح في هذين القتالين يدلّ على تدريب راق. كما قام بمسيرات طويلة شاقة في مختلف الظروف والأحوال ليلا ونهارا، مما يمكن اعتباره تدريبا عنيفا. كل هذا التدريب الفردي والإجمالي والتدريب العنيف جعل تدريب المسلمين راقيا، وجعلهم قادرين على القتال بكفاية في مختلف الظروف والأحوال. هـ- تنظيم سليم: كان جيش المسلمين مؤلفا من المهاجرين والأنصار ومسلمي أكثر القبائل

стр. 407

المعروفة حينذاك، ومعنى ذلك: أن جيش المسلمين كان مؤلفا من كل القبائل العربية لا من قبيلة واحدة، لهذا فإن انتصاره لا يعدّ فخرا لقبيلة دون أخرى، كما أن إخفاق أية قبيلة في التغلّب عليه لا يعدّ عارا عليها، لأن هذا الجيش لم يكن لقبيلة دون أخرى، بل لم يكن للعرب دون غيرهم، إنما كان للاسلام ولمعتنقي هذا الدين من العرب وغيرهم. إنني أعتقد أن هذا التنظيم الذي لا يخضع إلا للعقيدة الموحّدة فقط دون غيرها من المؤثرات، جعل القبائل كلها لا تحرص على مقاومة جيش المسلمين حرصها على مقاومة قبيلة خاصة، وهذا سهّل مهمة المسلمين في القتال. وتسليح جيد: أصبح تسليح المسلمين بالتدريج جيدا، بعد أن كان المشركون متفوّقين على المسلمين بالتسليح حتى انتهاء غزوة الخندق. يكفي أن نسمع وصف الكتيبة الخضراء التي كان على رأسها النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقد كان أفرادها لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد. وقد شجّع الرسول ﷺ على صناعة السلاح فقال: (إن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه المحتسب في عمله الخير، والرامي به، والمعدّ له؛ فارموا واركبوا، وأن ترموا أحبّ إليّ من أن تركبوا) .

стр. 408

السبب الثالث حرب عادلة «١» ١- معنى الحرب العادلة: (هي حرب توجّه ضد شعب ارتكب ظلما نحو شعب آخر ولم يشأ رفعه. ويشترط فيها أن تكون مطابقة للقواعد الإنسانية، وتكون لغرض تحقيق سلم دائم، ووجوب احترام حياة وأملاك الأبرياء وحسن معاملة الأسرى والرهائن) . هذا هو معنى الحرب العادلة كما تنص عليه مصادر قوانين الحرب والحياد من القانون الدولي. الحرب العادلة إذا، حرب دفاعية لا عدوانية، تستهدف تحقيق سلم دائم، أغراضها إنسانية، تحترم حياة وأملاك الأبرياء، وتعامل الأسرى والرهائن بالحسنى. إن شروط الحرب في الإسلام قبل أربعة عشر قرنا كانت أكثر عدلا مما تنص عليه مصادر القانون الدولي في القرن العشرين؛ فهي بالاضافة الى ذلك لا تثيرها العنصريات ولا حب الأمجاد، وليست لأغراض مادية أو استعمارية، وتدافع عن حرية الرأي والعقيدة. وسترى التطبيق العملي لكل هذه الشروط في أعمال الرسول ﷺ العسكرية.

стр. 409

٢- تفصيل معنى الحرب العادلة: أ- حرب دفاعية: ارتكبت قريش كل الظلم والعدوان ضد المسلمين عندما كانوا في مكة، فلم يبق هناك مجال للمسلمين غير ترك أموالهم وأهليهم والهجرة من مكة الى الحبشة أولا وإلى المدينة أخيرا تخلصا من هذا الظلم والعدوان. هاجر أكثر المسلمين من مكة فرارا بعقيدتهم فقط، تاركين فيها كل ما يملكونه من أهل ومال، وكان أكثر هؤلاء المهاجرين من الذين حمتهم عصبتهم من أن يصيبهم ما أصاب المستضعفين في الأرض من المسلمين الذين عذبتهم قريش ولقوا مصارعهم من جراء هذا التعذيب. حتى الرسول ﷺ نفسه، لاقى التكذيب والإهانة، واستمع بصبر عجيب الى دعايات قريش الكاذبة ضده ومكافحتها العنيفة للدين الجديد. وقد نجا الرسول ﷺ من مؤامرة قريش المحكمة التي دبرتها لاغتياله، كما نجا من مطاردة قريش له في هجرته من مكة الى المدينة متحملا المشاق والأهوال. فأي ظلم وعدوان أكبر من هذا الظلم والعدوان الذي أصاب المسلمين؟ ولكنّ الرسول ﷺ عندما فتح مكة قال لقريش: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) !! لم يقاتل الرسول ﷺ عدوا إلا مضطرا لقتاله، وكل غزواته كانت لرد اعتداء خارجي أو داخلي أو لإحباط نية اعتداء، ولم يجد من عدو ميلا للسلام إلا بادر الى تشجيع هذا الميل، والارتباط بهذا العدو بالمحالفات. إن دراسة أسباب غزوات الرسول ﷺ بروح محايدة بعيدة عن الهوى، تثبت أن المسلمين لم يعتدوا على أحد، لأن الله لا يحب المعتدين. كما أن تلك الدراسة تثبت أن المسلمين لم يريدوا بقتالهم إكراه الناس على الدخول في الإسلام، فقد بقي كثير من رجالات قريش على الشرك بعد الفتح

стр. 410

وشهدوا مع الرسول ﷺ في غزوة (حنين) ، وكان المسلمون يعرفون أن هؤلاء لا يزالون على عقيدتهم الأولى، ومع ذلك لم يجبرهم أحد على تبديل دينهم: (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) «١» ... (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) «٢» ؟! من هؤلاء صفوان بن أميّة وأبو سفيان بن حرب وكلدة بن الجنيد. ألم يكن بإمكان المسلمين أن يجبروا هؤلاء على اعتناق الإسلام، بعد أن استسلمت قريش وفتحت مكة أبوابها للمسلمين؟؟ إن القول بأن هدف القتال في الإسلام هو نشر الدعوة هراء لا يستند الى الواقع، ولكنّ هدف القتال هو حماية حرية نشر الدعوة، وحماية الدعوة، وإقرار السلام، وشتان بين الهدفين! ومع أن الحرب الإسلامية دفاعية لأنها بعيدة عن الظلم والعدوان، إلا أن هذا الدفاع غير مستكن «٣» ، بل هو دفاع تعرّضي كما يسمى في المصطلحات العسكرية الحديثة، ومعناه أن المسلمين لا يبدأون بالاعتداء، ولكنهم يدافعون عن أنفسهم ضد كل اعتداء بالهجوم المضاد لسحق قوات المعتدين. ب- حرب لتوطيد السلام: أظهر مشركو المدينة ويهودها بعيد هجرة النبي ﷺ من مكة الى المدينة ميلا الى السلم، فشجّع الرسول ﷺ هذا الميل السلمي وعقد معهم معاهدة أمّنت لجميع سكان المدينة حرية الرأى والأمن. وقد حالف الرسول ﷺ كل قبيلة أظهرت رغبتها في السلام كما فعل مع بني ضمرة في غزوة (ودّان) ومع بني مدلج في غزوة (العشيرة) ومع قريش في غزوة (الحديبية) .

стр. 411

بل كان الرسول ﷺ يبذل كل جهده لتحقيق أهدافه السلمية، حتى لو أدّى ذلك الى تذمر قسم من أصحابه، كما حدث في غزوة (الحديبية) . إن السلام يضمن الاستقرار، وقد انتشر الإسلام في فترة صلح (الحديبية) - وهي فترة سلام- انتشارا عظيما بين الناس لم ينتشره في أيام الحرب، بل إن انتشاره في أيام السلام كان أضعافا مضاعفة لانتشاره في أيام القتال. إن الجنوح الى السلم دين: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها) «١» ، فلا عجب إذا رأينا الرسول ﷺ يقبل بل يشجّع كل العروض السلمية التي تقدّم بها أعداؤه في كل مكان وزمان. إن السلم في الإسلام هي القاعدة الثابتة، والحرب هي الاستثناء. ولكنّ الإسلام يدعو للسلام لا للاستسلام: يسالم من يسالمه ويعادي من يعاديه، ولكنه لا يعتدي على أحد ولا يظلم أحدا، ولا يرتضي للمسلمين الظلم والعدوان. ج- حرب إنسانية: أولا- احترام الأبرياء: لم يتعرّض الرسول ﷺ بغير المقاتلين في غزواته، وحرص على صيانة واحترام أرواح وأموال الأبرياء. لما استسلم بنو قريظة، قتل المسلمون الرجال الذين قاتلوهم (فعلا) ، لأنهم خانوا عهودهم وعرّضوا المسلمين للفناء. أما الأطفال والنساء من بني قريظة فلم يصابوا بأذى، كما أن الذين ثبتوا على عهودهم من يهود لم يصابوا بسوء أيضا. والمرأة الوحيدة التي قتلت من بني قريظة، هي التي قتلت مسلما بقذفه

стр. 412

بالرحى من فوق سطها، وإنما كان قتلها عقابا لها على جنايتها هذه، كما هو واضح ومعروف. ولما خرج المسلمون لغزوة (مؤتة) أوصاهم النبي ﷺ بألّا يقتلوا النساء والأطفال والمكفوفين ولا يهدّموا المنازل ولا يقطعوا الأشجار. إن البريء لا يؤخذ بجريرة المذنب: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) «١» ، هذا هو مبدأ الإسلام الذي لن يحيد عنه. ثانيا- الأسرى والرهائن: أسر المسلمون سبعين أسيرا من قريش في غزوة (بدر) ، فقسّم ثمانية وستين أسيرا من هؤلاء على أصحابه قائلا: (استوصوا بالأسارى خيرا) . ثم فادى أغنياء الأسرى بالمال، أما الفقراء فأطلق سراح قسم منهم دون مقابل، وكلّف المتعلمين منهم بتعليم أطفال المسلمين القراءة والكتابة، ثم أطلق سراحهم بعد تعليمهم هؤلاء الأطفال. ولكنّ الرسول ﷺ أمر بقتل أسيرين من السبعين أسيرا، لأنهما أجرما في حق المسلمين وعذّبا المستضعفين منهم وشنّعا على الإسلام، فكان قتلهما لجرائمهما لا لأنهما أسيران. إن هذين الأسيرين كانا (مجرمي حرب) كما يطلق عليهما في التعابير العسكرية الحديثة وعقابهما كان جزاء لما جنت أيديهما من ذنوب وآثام. كما فادى الرسول ﷺ الأسيرين اللذين وقعا بأيدي سرية عبد الله بن جحش، فأسلم أحدهما وعاد الثاني أدراجه الى مكة آمنا.

стр. 413

ذلك ما طبّقه المسلمون بحق الأسرى، وهو ما ينطبق على أحدث قوانين معاملة الأسرى في العصر الحاضر. أما الرهائن، فلم يرو التاريخ أن المسلمين اعتدوا عليهم لأن الرهائن أمانة والقرآن الكريم يقول: (لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) «١» . ثالثا- الجرحى والقتلى: كان قسم من أسرى المشركين في غزوة (بدر) الكبرى جرحى، وقد اعتنى المسلمون بتمريضهم وعنايتهم بجرحاهم سواء بسواء. ولم يهمل المسلمون أمر الاعتناء بجرحى أعدائهم في كل غزواتهم، لأن هذا الاعتناء قضية إنسانية، والإسلام دين الإنسانية جمعاء. وقد دفن المسلمون قتلى المشركين في (بدر) كما دفنوا شهداءهم ولم يتركوهم في العراء. أما المشركون فقد مثّلوا بشهداء المسلمين في (أحد) أفظع تمثيل. ٣- حرب عقيدة: أ- لا أغراض شخصية: لم تعلن الحرب في الإسلام لأغراض شخصية، لأن الإسلام في حقيقته دعوة للمصلحة العامة وتقديم للصالح العام، ولو أدّى ذلك الى تناسي مصالح الأشخاص. ولم تعلن هذه الحرب لأطماع شخصية وحب السيطرة والأمجاد، فقد بعثت قريش عتبة بن ربيعة وهو رجل رزين هادىء، فذهب الى رسول الله ﷺ يقول له: (يا ابن أخي! إنك منّا حيث علمت من المكان والنسب، وقد أتيت

стр. 414

قومك بأمر عظيم فرّقت به جماعتهم؛ فاسمع مني أعرض عليك أمورا لعلك تقبل بعضها. إن كنت إنما تريد بهذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد شرفا سوّدناك علينا فلا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد ملكا ملّكناك علينا) . ولكن الرسول ﷺ لم يكترث بكل هذا الاغراء. واشتدت عدواة قريش، وعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم له فقال للنبي ﷺ : (ابق على نفسك وعليّ، ولا تحمّلني من الأمر ما لا أطيق) . قال الرسول ﷺ : (يا عماه! والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته) . لقد كان الرسول ﷺ يردد دائما قوله تعالى: (قُلْ: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) «١» . ولم يترفع أبدا عن الفقراء والضعفاء والمساكين والخدم، وسيرته في كل ذلك مضرب الأمثال. إن حماية حرية نشر العقيدة هي التي أثارت الحرب في الإسلام، ولم يكن من أسباب إثارتها الأغراض الشخصية من بعيد أو قريب. ب- حرب لا عنصرية: ليس الإسلام دينا لقبيلة دون قبيلة، ولا لأمة دون أمة، ولا للعرب دون العجم. ولكنه للناس جميعا، للعالمين! ... (قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) «٢» ، فالإسلام يعمل لفكرة جليلة، فكرة وحدة الإنسانية تحت لواء الإسلام. إنه دين يقاوم العصبية والتعصب، ويكافح العناصر والأجناس، لأنه يريد أن يجمع العالم كله على صعيد واحد: لتوحيد كلمتهم وتوحيد الله.

стр. 415

(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) «١» ، و (ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى) ، و (سلمان منا آل البيت) ، كلها معناها: إن الإسلام قومية ودين تنصهر فيه كل قومية وكل دين، هو دنيا ودين ... سيف وكتاب ... مذهب في الحياة «٢» . لقد رأينا أن الحرب الإجماعية التي دعا إليها الألمان ترتكز على العنصرية الجرمانية، ورأينا سيطرة التفريق العنصري البغيض بين البيض والسود في الولايات المتحدة الامريكية وفي جنوب إفريقية وغيرها من البلاد، كل هذا يجري في القرن العشرين عصر النور والمدنية والذرّة والصواريخ عابرة القارة. أما الاسلام قبل أربعة عشر قرنا، فقد قاوم العنصريات والاجناس، ودعا الى توحيد الأهداف، فمن آمن بالإسلام كان دمه وعرضه وماله حراما على المسلمين: (المسلم أخو المسلم) . كان الرسول ﷺ من قريش، ولكنه قاتل قريشا حين اعتدت على المسلمين؛ وكان عربيا، ولكنه قاتل قومه العرب دفاعا عن الإسلام. ولما تصدى الروم لعرقلة دعوته، قاتلهم. وعندما التحق بالرفيق الأعلى، قاتل خلفاؤه الفرس والروم وغيرهم من الأقوام والأجناس. والذين كانوا أعداء المسلمين على اختلاف قومياتهم وأجناسهم قبل إسلامهم، انصهروا بعد إسلامهم بالمسلمين، فأصبح عليهم ما على المسلمين ولهم ما للمسلمين. إن الاسلام ساوى بين الناس في الدنيا وفي الآخرة ... أمام الناس وأمام الله: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ) «٣» .

стр. 416

ج- حرب لا مادية: لم يكن من أغراض القتال في الاسلام الاستحواذ على المادة والبحث عن الاسواق والخامات واسترقاق المرافق وفرض الاستعمار. خرج المسلمون للتصدّي لقافلة أبي سفيان بن حرب العائدة من الشام في غزوة (بدر) الكبرى، لأنهم أرادوا أن يحرموا قريشا من طريق مكة- الشام التجارية فيؤثّرون بذلك على حالتها الاقتصادية حتى يخففوا من غلواء عدوانهم على المسلمين. ولكنّ تلك القافلة أفلتت من أيديهم، ومع ذلك اصطدمت قواتهم بالمشركين، وكان بإمكانهم العودة الى المدينة بأمن وسلام بكل يسر وسهولة. ولو كانت القضايا المادية هي التي دعتهم للخروج الى (بدر) ، لعادوا أدراجهم عندما علموا بوصول قافلة قريش سالمة الى مكة. وبعد غزوة (حنين) ، انتظر الرسول ﷺ حوالي شهر قدوم وفد هوازن إليه، ليعيد إليهم ما غنمه المسلمون من أموالهم، ولكنهم لم يحضروا، فاضطر الى تقسيم الغنائم، وأعاد السبي الى وفد هوازن الذي وصل بعد تقسيم الغنائم على الناس. ولكن ما هو نصيب الرسول ﷺ من الغنائم؟ إنه الخمس، وهذا الخمس مردود عليهم، لأنه يصرف في مصالحهم العسكرية وغير العسكرية، فهل أبقى الرسول ﷺ لنفسه شيئا من المال؟ قالت عائشة أم المؤمنين ﵂: (لم يمتلىء جوف النبي ﷺ شبعا قط، وإنه كان في أهله لا يسألهم طعاما ولا يتشهّاه، إن أطعموه أكل، وما أطعموه قبل، وما سقوه شرب) . وقالت: (ما شبع آل محمد من خبز الشعير يومين متتابعين، حتى قبض رسول الله ﷺ .

стр. 417

وقالت: (كنا آل محمد نمكث شهرا ما نستوقد بنار، إن هو إلا التمر والماء) . وقالت: (توفي رسول الله ﷺ وليس عندي شيء يأكله ذو كبد، إلا شطر شعير في رف لي. وتوفي ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعا من شعير) . ذلك ما أبقاه الرسول ﷺ لنفسه ولأهل من متاع الدنيا، ولو كانت له رغبة في المادة، لأبقى لنفسه مال زوجه خديجة، وهو مال كثير!! إن الأهداف الرفيعة تتعب الأجساد والنفوس في الحصول عليها، وقد أتعب الرسول ﷺ نفسه وأهله وأصحابه في سبيل أهداف الإسلام، ليكون أسوة حسنة للمسلمين في كل زمان ومكان. ٤- حرب مثالية: إن تعريف الحرب العادلة كما تنصّ عليه مصادر القانون الدولي، بالرغم من أنه حبر على ورق بالنسبة لكل الحروب قديما وحديثا، إلا أنه قاصر عن الوفاء بحق تعريف القتال في الإسلام. إنّ أصحّ تعبير يمكن إطلاقه على تلك الحرب هو: الحرب المثالية. مثالية: لأن أهدافها الدفاع عن حرية الرأي وتوطيد أركان السلام: تصون أرواح وأموال الأبرياء والضعفاء، وتعطف على الأسرى والرهائن، وتواسي المرضى والجرحى، ولا تمثّل بالقتلى بل تدفنهم كقتلاها، ولا تثيرها الأغراض الشخصية ولا العصبية ولا المنافع المادية ولا الاستغلال والاستعمار. فاذا لم تكن هذه الحرب مثالية، فأي حرب في التاريخ كله يمكن أن يطلق عليها هذا التعبير؟ لا عجب إذن إذا استطاعت هذه الحرب أن تسيطر على العقول بالمثل العليا قبل أن تسيطر على الحصون والقلاع بالسلاح والرجال.

стр. 418

إن هذه الحرب المثالية، جعلت جراح المغلوبين تلتئم بسرعة، فينضمّون ضائعين الى الغالبين، ليكون الغالبون والمغلوبون جميعا تحت راية واحدة، هي راية الإسلام. ولو كانت حربا ظالمة لما دام الظلم، لأن الظلم لا يدوم، وإن دام دمّر الغالب والمغلوب؛ فهل يفقه الظالمون ذلك، أم على قلوبهم أقفالها؟! ولكنها كانت حربا عادلة الى حدود المثالية، فاستجاب العرب لأهدافها العالية، ثم حملوا رسالة تلك الأهداف الى العالم؛ واستجاب لها الفرس والروم وكثير من الأمم والقوميات الأخرى، ثم حملوا بدورهم مشعل هدايتها شرقا وغربا، فاستنار الشرق بنور الإسلام على حين كان الغرب في دياجير الجهل والظلام.

стр. 419

السبب الرابع ضعف الاعداء كان أعداء المسلمين ضعفاء على الرغم من كثرتهم، لأن العدد الضخم من الجنود لا قيمة له إذا لم يتحلّ أولئك الجنود بالمعنويات العالية والعقيدة السامية والمثل العليا. لقد رأينا في بحث الموقف العسكري العام للطرفين: المسلمين وأعدائهم، أن العرب كانوا متفرقين لا يخضعون إلا لسيطرة رؤسائهم الذين تسيطر عليهم الأهواء والعصبيات. كما كان النظام العسكري عند الروم والفرس فاسدا، ولم يكن لكل هؤلاء الأعداء أهداف معيّنة يؤمنون بها ويضحّون بأرواحهم وأموالهم في سبيلها، كما كان يفعل المسلمون. ولم تكن قيادة أعداء المسلمين تتحلى بكفاية عسكرية عالية، لأن قيادة القبائل العربية كانت بيد رؤسائها، وقيادة الفرس والروم بيد نبلائها الاقطاعيين، حتى ولو كان أولئك الرؤساء وهؤلاء النبلاء لا كفاية لهم ولا مؤهلات. إن أسباب ضعف أعداء المسلمين إذن هي: ضعف القيادة التي كانت وراثية على الأغلب، ونظام عسكري فاسد لا يقبل الجنود فيه على القتال إلا بدافع الارتزاق أو بدافع خوف الرؤساء والنبلاء البعيدين عن مشاركة جنودهم في شعورهم وإحساسهم، وعدم وجود أهداف مثالية تؤمن بها قوات العرب والفرس والروم على حدّ سواء. ولن ينتصر جيش مهما يكن ضخما، إذا كانت كل أسباب الضعف هذه تنخر قيادته ونظامه ومعنوياته.

стр. 420

الأرض للصالحين إن النتائج العسكرية لجهاد المسلمين بقيادة النبي ﷺ ، كانت متوقعة منذ بدأ هذا الجهاد، لأن الرسول ﷺ أعدّ كل وسائل النصر على أعدائه الكثيرين، ولهذا كان واثقا من النصر، فبشّر به أصحابه في كل مناسبة. اصطدمت قوتان غير متكافئتين: كان للمسلمين قيادة موحدة مثالية هي قيادة الرسول ﷺ ، رشحته لها كفاية قيادية عالية وعبقرية إدارية فذة؛ وكان لأعداء المسلمين قواد لا يتحلون بالكفاية العسكرية رشحتهم لها وراثة الآباء والأجداد. وكان قتال المسلمين دفاعا عن عقيدتهم ولتوطيد أركان السلام، فحربهم عادلة مثالية، بينما كان قتال أعدائهم لتوطيد أركان الظلم والعدوان، فحربهم غير عادلة. وكان للمسلمين عقيدة راسخة وأهداف سامية معلومة، ولم يكن لأعدائهم عقيدة ولا أهداف تستحق التضحية والإقدام. تلك هي أسباب انتصار الفئة القليلة على الفئة الكثيرة، وتلك هي أسباب انتصار كل قوة في كل زمان ومكان. إن الأرض يرثها العباد الصالحون، وقد كان المسلمون حينذاك هم العباد الصالحين، فورثوا الأرض ومن عليها وبقوا يحكمونها حتى غيّروا ما بأنفسهم، فتبدّلت الحال غير الحال. وسيعيدون سيرتهم الأولى بإذن الله، إذا عادوا الى الإسلام بما فيه من تكاليف البذل والتضحية والفداء. لقد قمنا بدراسة حياة سيدنا محمد صلوات الله وتسليمه عليه من الناحية

стр. 421

العسكرية البحتة، فإن أصبنا في بعض نواحيها فتوفيق من الله؛ وإن أخطأنا في بعض نواحيها فان الكمال لله وحده. وحسبنا أن تكون هذه الدراسة أول دراسة فنية لحياة الرسول ﷺ العسكرية، هذه الحياة التي تستحق دراسة أوسع وأدق، وفيها كل ما يستحق الإكبار والإعجاب. وأحمد الله توفيقه، وأشكره على تسديده، والله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وصلى الله على سيدي ومولاي رسول الله ﷺ وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 422

الفهارس العامة ١- فهرس الأعلام ٢- فهرس الأماكن ٣- المصادر ٤- المراجع العربية والأجنبية ٥- محتويات الكتاب ٦- محتويات الخرائط والمخططات

стр. 423

فهرس الاعلام (أ) إبراهيم ﵇ ٣٥١ ابن أبي العوجاء ٣٠٢ ابن سعد (محمد) ٦٧، ٧٠، ٨٦، ٢٣١ أبو أسيد مالك بن ربيعة ١٤٠ أبو الأعور ١٤٦ أبو أيمن ١٩٨ أبو أيوب الأنصاري ١٤٤ أبو بردة بن نيّار ١٣٤ أبو بصير بن عتبة ٢٨٥، ٢٨٦، ٢٩١ أبو بكر الصديق ١٩، ٦٩، ١٠٥، ١١٩، ١٣٠، ١٨٣، ٢٠٦، ٢١٤، ٢٧٥، ٢٨٨، ٣٠٠، ٣١٠، ٣٣٣، ٣٤٧، ٤٠٦، ٤٠٧، ٤١٠، ٤٥٢، ٤٦٠، ٤٦٦، ٤٦٧ أبو جندل بن سهيل بن عمرو ٢٨٣ أبو جهل (عمرو بن هشام) ١٠٨، ١٠٩، ١١٠، ١١٥، ١١٨، ١٢٠، ٤٥٨ أبو حبة بن عمرو ١٩٦ أبو حذيفة بن عتبة ١١٩، ١٢٩، ٤٦٦ أبو حية بن ثابت ١٣٦ أبو خالد (الحارث بن قيس) ١٤٣

стр. 424

أبو خزيمة بن أوس ١٤٤ أبو خميصة ١٣٨ أبو داود (عمير بن عامر) ١٤٦ أبو دجانة (سماك بن خرشة) ١٤٠، ١٧٧، ١٨٠، ١٨٢، ٤٤١، ٤٤٢ أبو ذر الغفاري ٢٤٩ أبو زيد (قيس بن سكن) ١٤٦ أبو سبرة بن أبي رهم ١٣٢ أبو سعيد بن أبي طلحة ١٨٠ أبو سفيان بن الحارث ١٩٥ أبو سفيان (صخر بن حرب) ٢٢، ٨٧، ١٠١، ١٠٢، ١٠٤، ١٠٧، ١٠٨، ١٠٩، ١٥٨، ١٦٦، ١٧٢، ١٧٤، ١٨٣، ١٨٥، ١٨٩، ٢١١، ٢٢٢، ٢٢٦، ٢٣٣، ٢٥٦، ٣١٤، ٣٣٢، ٣٣٣، ٣٣٦، ٣٣٧، ٣٣٨، ٣٤٨، ٣٤٩، ٣٥٢، ٣٥٦، ٣٦٥، ٣٧٠، ٤٣٥، ٤٥٥، ٤٦٧، ٤٧٥، ٤٨١ أبو سلمة بن عبد الأسد ١٣١، ٢٠٣، ٢٠٤، ٢١٧، ٢٢٢، ٤٧٠ أبو سنان بن محصن ١٢٩ أبو سليط ١٤٦ أبو شيخ أبيّ بن ثابت ١٤٦ أبو شيخ بن أبيّ ١٤٥ أبو ضيّاح بن ثابت بن النعمان ١٣٦، ٣٢٠ أبو طلحة الأنصاري (زيد بن سهل) ١٤٥، ٤٣٧. أبو طالب (عبد مناف بن عبد المطلب) ٤٧٩. أبو عامر الأشعري ٣٩٢ أبو عامر (عبد عمرو بن صيفي) ١٣٣، ١٧٨ أبو عبادة (سعد بن عثمان) ١٤٣

стр. 425

أبو عبس (جبر بن عمرو) ١٣٤ أبو عبيدة (عامر بن الجراح) ٤٤، ١٣٣، ٢٠٣، ٢٥١، ٣١٠، ٣١١، ٣٣٩، ٤٠٦ أبو عفك اليهودي ١٥١ أبو عقيل بن عبد الله ١٣٦ أبو قتادة الأنصاري ٣١١، ٣٣٤، ٤١٢ أبو قتادة بن ربعي ٣١١ أبو كبشة ١٢٨ أبو كليب ٣٢٤ أبو لبابة بن عبد المنذر ١٣٥، ١٤٨، ٢٦١، ٤٦٧ أبو لهب (عبد العزى بن عبد المطلب) ١٠٨ أبو مخشن سويد ١٢٩ أبو مرثد ١٢٨ أبو مليل بن الأزعر ١٣٤ أبو المنذر (يزيد بن عامر) ١٤٢ أبو هبيرة بن الحارث ١٩٦ أبو الهيثم بن التيهان ١٣٤ أبو اليسر (كعب بن عمرو) ١٤٢ أبو يوسف (يعقوب بن ابراهيم) ٤٤ أبي بن خلف ١٨٣ أبي بن كعب ١٤٥ الأخنس بن شريق ٢٨٥ الأرقم بن أبي الأرقم ٦٦، ١٣١ أزهر بن عوف ٢٨٥ أسامة بن زيد ٣٠٣، ٤٠٣، ٤٠٥، ٤٠٧
следующие страницы →